Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
بعد أن عدد الله هؤلاء الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه قال: ﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ .
وهكذا وجه الله الأمر لنبيه خير خلقه ﵊ فقال كما في سورة الرعد: ﴿قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب﴾ .
وقال جل وعلا في سورة الزمر: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لإن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ .
وقال العبد الصالح لقمان عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾ .
وأمر الله الموحدين أن يقولوا لمن يدعون عبادة رب العالمين من أهل الكتاب السابقين: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ .
فمن اتصف بهذا الوصف الثاني فقد نقض عبوديته ولا يقبل منه فرض مؤقت.
والأمر الثالث النفاق:
ويراد منه النفاق الأكبر وهو أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن الكفران بالرحمن ويدخل في هذا أن لا يرى من ينتمي إلى الإسلام وجوب طاعة النبي ﵊ فيما أمر ولا تصديقه فيما أخبر ولا الانتهاء عما عنه زجر وحذر ﵊ وأن يسر الإنسان بانخفاض أهل الإيمان وأن يظهر البهجة والسرور لظهور أهل الكفران فمن وجد فيه هذا الوصف الملعون فهو كافر منافق النفاق الأكبر وهو عدو للحي القيوم وقد جمع الله بين المنافقين وبين المشركين والكافرين في الحكم في الدنيا والآخرة فقال جل وعلا في سورة التوبة ونظير هذه الآية في سورة التحريم: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير﴾ .
стр. 4727
وقال جل وعلا في آخر سورة الأحزاب: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما*﴾ .
وقال جل وعلا في سورة النساء: ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا * وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا * إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا * إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما *﴾ .
والوصف الرابع الردة:
стр. 4728
وهي الخروج من الدين بعد الدخول فيه كفر بعد الإيمان من اتصف بهذا نقض عبوديته لله فلا يقبل منه الفرض المؤقت وقد أشار الله إلى هذا في كثير من آيات كتابه فقال جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين * أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين *﴾ .
يقول الله جل وعلا في سورة النساء: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ .
وهكذا قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون *﴾ .
وقد حكم الله بالردة على أناس في أول الأمر قالوا للكفار سنطيعكم في بعض الأمر يقول الله جل وعلا في سورة نبيه محمد ﷺ : ﴿إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إصرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم *﴾ .
стр. 4729
فمن قدم لكافر بيضة في يوم عيده تعظيما لذلك اليوم فقد عظم شعائر الكفر وهذه ردة منه لو عبد الله خمسين سنة حبط عمله وهو من الكافرين عند رب العالمين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فص ضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين *﴾ .
وقد حكم الله بالردة والكفر على أناس في أول الأمر أيضا استهزءوا ببعض شعائر الله فقال جل وعلا: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبؤهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين *﴾ .
والآيات نازلة في فريقين من المنافقين كما في كتب السير في مغازي الإمام ابن إسحاق وغيره عليهم جميعا رحمة الله.
стр. 4730
الفريق الأول: هم الذين وقعوا في أعراض القراء امتهانا لشعائر رب الأرض والسماء فقالوا قراؤنا أكذب الناس ألسنة وأرغبهم بطونا وأجبنهم عند اللقاء.
والصنف الثاني: عندما تهيأ النبي ﵊ لغزو بني الأصفر بلاد الروم قال المنافقون وأرجفوا أتظنون أن جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا والله لو قابلتموهم لأصبحتم مقرنين في الحبال فلما أخبر نبينا ﵊ بذلك وقال لهم علام قلتم هذا قالوا يا رسول الله ﵊ نمزح نلعب لا نقصد الاستهزاء بالقراء ولا التثبيط والخوف من أعداء رب الأرض والسماء فأنزل الله: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ .
والوصف الخامس الذي ينقض وصف العبودية البدعة المكفرة:
وضابطها أن يعتقد الإنسان شيئا لم ترد به شريعة الله المطهرة بل ورد بخلافه إثباتا ونفيا ويكون ذلك الوارد معلوما من الدين بالضرورة ثم قال هؤلاء بدعة تنقض ذلك المعلوم من دين الله بالضرورة فهذه البدعة مكفرة كما هو الحال في بدعة القدرية الغلاة الذين نفوا علم الله بالأشياء قبل حدوثها ووقوعها كما هو الحال في بدعة الشيعة الغلاة الذين ألهوا علي وغيره على سيدنا علي وعلى جميع الصحابة رضوان الله أجمعين كما هو الحال في بدعة زنادقة الصوفية الذين قالوا بحلول الخالق في بعض المخلوقات كما هو الحال في بدعة سفهاء بعض من ينتمي إلى السلفية في هذه الأيام فيصول ويجول على عباد الرحمن بالتكفير من أجل أنهم خالفوه في رأي وذلك الرأي على غاية ما يمكن أن يقال إنه راجح أو مرجوح أو خطأ؛ هذا كله من البدع المكفرة التي انتشرت في هذه الأمة.
إخوتي الكرام:
стр. 4731
اشتط كثير من السفهاء في هذه الأيام ممن يدعون الانتساب إلى سلفنا الكرام ولا سلف لهم إلا غلاة الخوارج أهل البدع والأوهام فكفروا عباد الرحمن اعتداءا منهم على أهل الإسلام وقد خشي نبينا ﵊ على أمته من هذا الصنف.
ثبت في مسند البزار ومسند أبي يعلى وصحيح ابن حبان والحديث رواه الإمام المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة قال عنه الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء ١/١٨٨ إسناده حسن وقال الإمام ابن كثير في تفسيره في الجزء ٢/٢٦٥ إسناده جيد ولفظ الحديث عن سيدنا حذيفة بن اليمان ﵄ أن نبينا ﵊ قال: [إنما أتخوف عليكم رجلا قرأ القرآن حتى إذا رئيت عليه بهجته وكان ردءا للإسلام اعتزل إلى ما شاء الله وخرج على جاره بسيفه ورماه بالشرك] ؛ قال حذيفة قلت يا نبي الله ﷺ أيهما أولى بالشرك الرامي أو المرمي فقال ﵊: بل الرامي] .
فمن اتصف بشيء من ذلك فقد نقض عبوديته لربه فلا يقبل منه الفرض المؤقت: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ .
وقد أخبرنا أنه في آخر الزمان سيضيع كثير من الناس الفرض الدائم مع قيامهم بالفروض المؤقتة ثبت في مستدرك الحاكم في كتاب الفتن في الجزء ٤/٤٤٢ بإسناد صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبي من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ وموقوفا عليه وله حكم الرفع والأثر عزاه الإمام السيوطي في جمع الجوامع إلى كتاب تاريخ الحاكم مرفوعا إلى نبينا ﵊ ولفظ الأثر الموقوف الذي في المستدرك قال عبد الله بن عمرو: [سيأتي على الناس زمان يجتمعون فيه في المساجد ليس فيهم مؤمن] .
стр. 4732
وثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني الكبير وإسناد الأثر صحيح رجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع وشداد بن معقل روى له البخاري في كتاب خلق أفعال العباد وذكره البخاري في صحيحه ولم يروي عنه أحد من أصحاب الكتب الستة رواية متصلة ضمن إسناد ولفظ الأثر عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال: أول ما يرفع منكم الأمانة وآخر ما يرفع الصلاة وليصلين أقوام ولا دين لهم ولينزعن القرآن من بين أظهركم قالوا أبا عبد الرحمن كيف ينزع من بيننا وقد أثبتناه في مصاحفنا قال يسرى عليه ليلا فلا يبقى في الأرض منه شيء.
نعم إذا كان يعظم شعائر الكفر ويركن إلى الكفار فإذا صلى لا دين له عند العزيز القهار.
إخوتي الكرام:
أما ما يتعلق بأول الأثر وأن أول ما يرفع الأمانة فقد أشير إلى ذلك في حديث نبينا ﵊ ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير والحديث رواه ابن حبان والحاكم وإسناده صحيح من رواية أبي أمامة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما نقضت عروة تشبس الناس بالتي تليها فأولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة.
ورواه الإمام أحمد في المسند من رواية فيروز الديلمي ﵁ وأرضاه وهذا المعنى أيضا ثابت مروي في آثار أخر روى الإمام الطبراني في معجمه الصغير من رواية سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [أول ما يرفع الأمانة وآخر ما يرفع الصلاة ورب مصل لا خير فيه] .
стр. 4733
والحديث في إسناده حكيم بن نافع قد وثقه الإمام ابن معين وضعفه أبو زرعة كما قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء ٧/٣٢١، والحديث رواه أبو يعلى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه بإسناد ضعيف انظروا روايته أيضا بهذا المعنى: [أول ما يرفع الحياء والأمانة وآخر ما يرفع الصلاة ثم قال وأحسبه قال وليصلين أقوام لا خلاق لهم] .
وأما المعنى الذي أشار إليه عبد الله بن مسعود في آخر حديثه في رفع القرآن فهو معنى ثابت في صحيح الأخبار عن نبينا المختار ﵊ وفيما ورد عن الصحابة والتابعين الأبرار من آثار والآثار في ذلك مستفيضة ولذلك قرر أئمتنا أن كلام الله منه بدا وإليه يعود حيث يرفع إليه في آخر الزمان عندما يهجره الأنام.
أسأل الله أن لا يجعل هذا الزمان وقتا لتلك البلية بفضله ورحمته فحقيقة إن الأمة تشهد بلية عظيمة في هذه الأيام رفعت الطين ووضعت الدين وكثير منا صلى إلى القبلة وهو على غير الملة أسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
... الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله وخير خلق الله أجمعين.
اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليما كثيرا.
وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إخوتي الكرام:
تدارسنا صنفين من ثلاثة أصناف الصنف الأول حقق ذلك الوصف ـ العبودية لرب البرية ـ على التمام فهم أولياء الرحمن والصنف الثاني أضاعه فهم أعداء الرحمن وأولياء الشيطان والصنف الثالث يأتينا الكلام عليه قد يفعلون ما يحبط العمل عند الله دون أن يخرجوا عن رسم العبودية وحقيقتها أتكلم على ضابط ذلك وعلى أمثلة ثابتة في الأحاديث الصحيحة لهؤلاء في الموعظة الآتية إن شاء الله.
стр. 4734
اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهم اجعلنا من أحب خلقك إليك، ومن المقربين لديك، وإذا أردت فتنة بعبادك فاقبضنا إليك غير مفتونين.
اللهم صلي على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم ألف بين قلوب أمة نبينا محمداً ﷺ .
اللهم ارحم أمة نبينا ﷺ ، اللهم أصلح أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم انصر أمة نبينا محمد ﷺ .
اللهم أهلك أعداء أمة نبينا محمد ﷺ ، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.
اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف وهذا المكان المبارك.
اللهم اغفر لمن عبد الله فيه اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريباً سميعاً مجيباً للدعوات والحمد لله رب العالمين وصلي الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسرٍ * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر *﴾ .
стр. 4735
خشية التفريط والتقصير في حق الله
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خشية التفريط والتقصير في حق الله
٢٩
الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.
الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.
اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين.
"يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون".
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الذين تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".
"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما".
أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..
стр. 4736
لازلنا نتدارس صفات عباد الله الأخيار الذين يعمرون بيوت العزيز الغفار فقد وصفهم الله بأنهم رجال ونعتهم بأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات عن الغاية التي من أجلها خلقوا يسبحون الله ويعظمونه ويصلون له. يشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم. يبذلون ما في وسعهم استعداد للقاء ربهم.
"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار".
وكنا نتدارس الصفة الرابعة من صفاتهم ألا وهي خوفهم من لقاء ربهم جل وعلا واستعدادهم للقاء الله وهذه الصفة أعني صفة الخوف مر الكلام على تعريفها وعلى منزلتها في شريعة الله جل وعلا وعلى الثمرات التي يحصلها من يتصف بها في العاجل والآجل وشرعنا إخوتي الكرام في مدارسة الأمر الرابع من الأمور المتعلقة بهذه الصفة الرابعة ألا وهو أسباب خوف المكلفين من رب العالمين وقلت إن أسباب الخوف كثيرة وفيرة يمكن أن تجمع في ثلاثة أسباب:
أولها: إجلال الله وتعظيمه وقد مر الكلام على هذا السبب.
والسبب الثاني: سنتدارسه في هذه الموعظة إن شاء الله: خشية التفريط والتقصير في حق الله الجليل.
والسبب الثالث: خوف سوء الخاتمة.
стр. 4737
أما السبب الثاني إخوتي الكرام من أسباب خوف المكلفين من ذي الجلال والإكرام خشية التفريط والتقصير في حق الله الجليل سواء فيما يتعلق بجانب الاكتساب أو بجانب الاجتناب أما الاكتساب فهو الطاعات فقد أمرنا الله جل وعلا بطاعته وهذه الطاعات لا تكون مقبولة عند رب الأرض والسموات إلا إذا وجد شروط في فعلها وفي فاعلها أما في فعلها فينبغي أن تكون على حسب شرع النبي ﷺ وأن يراد بها وجه الله وأما الفاعل فينبغي أن يكون تقيا فلا يتقبل الله العمل إلا من المتقين وينبغي أيضا على العامل أن يحافظ على عمله فما ينبغي أن يأتي بعده بما يبطل عمله والمحافظة على الأعمال أصعب على العمال من سائر الأعمال وكم من إنسان يبني ويأتي بأعمال صالحة ثم يهدم ما يبني وينقض ما فعله من الصالحات وهذه الأمور الأربعة في الفعل وفي الفاعل حقيقة إن الإنسان لا يتحقق من ثبوتها فيه على وجه التمام والكمال ولذلك هو يخاف من ذي العزة والجلال.
قال العبد الصالح حذيفة بن قتادة المرعشي وهو من عباد الله الصالحين روي عن سفيان الثوري عليهم جميعا رحمة رب العالمين وشغله الرعاية عن الرواية كما قال ذلك شيخ الإسلام الإمام ابن الجوزي عليهم جميعا رحمة ذي الجلال والإكرام خذيفة ابن قتادة المرعشي يقول هذا العبد الصالح إن لم تحسن أن يعاقبك الله على خير أعمالك فاعلم أنك شقي مغرور هالك. خير أعمالك التي تصدر عنك إن لم تخن العقوبة عليها فاعلم أنك مغرور أحمق من الهلكى.
стр. 4738
وسيأتينا تقرير هذا إخوتي الكرام في الموعظة الآتية ن شاء ربنا الرحمن أما هذه الموعظة فسأتكلم على تفريطنا في جانب الاجتناب ووقوعنا في معصية الكريم الوهاب أما فيما يتعلق بالطاعات فسأرجئ الكلام على تفريطنا نحو طاعة ربنا في جانب الامتثال في جانب فعل المأثورات إلى الموعظة الآتية إن شاء الله أما هذه الموعظة فهي فيما يتعلق في الوقوع في المحضورات في المنهيات في المخالفات عباد الله نهانا الله جل وعلا عن معصيته ولا يتحقق الإنسان بوصف التقوى إلا إذا اجتنب ما حرم الله عليه ونهاه عنه.
خلى الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقي
واصنع كماسٍ فوق أرض ... الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرةً إن ... الجبال من الحصى
ولذلك قال العبد الصالح بلال بن سعد وحديثه رواه البخاري في الأدب المفرد وأخرج له أبو داود في كتاب القدر وهو من رجال الإمام النسائي في السنن عبد صالح من العلماء الربانيين توفي سنة ١٢٠هـ بلال بن سعد يقول هذا العبد الصالح لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن أنظر إلى عظمة من عصيت.
ومن كلام هذا العبد الصالح كأنه يتكلم عن حالنا فيقول: لا تكن ولياً لله في العلانية وعدواً له في السر نعم إن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر وأشنع الكبائر الإشراك بالله وأصغر الصغائر لا يعلم وقد أخفاها الله عنا ليكون العباد على وجلٍ شديد من كل ذنب وخشية أن يكون ذلك الذنب مهلكا والإنسان لا يدري ولئلا يقول قائل هذا أصغر الذنوب فلا حرج على في فعله الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر أكبر الكبائر معلوم وأصغر الصغائر استأثر بعلمه الحي القيوم .
стр. 4739
وأنت لن تتحقق بصفة التقوى إلا إذا اجتنبت جميع المخالفات من صغائر الذنوب وكبائرها إذا كان الأمر كذلك فكل واحد يعيد النظر إلى نفسه ويتأمل حاله والإنسان على نفسه بصيرة هل نجونا من مخالفات الله وهل ابتعدنا عما حرمه الله علينا والله إننا نخوض في المخالفات ولا يسعنا إلا عفو رب الأرض والسموات ثبت في المسند وصحيح مسلم من حديث أبي ذرٍ ﵁ وأرضاه في حديثه الطويل عن نبينا الجليل ﵊ عن الله الكبير في الحديث القدسي الذي يقول في أوله يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ثم يقول الله جل وعلا في هذا الحديث القدسي يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم.
اللهم أغفر لناما قدمنا وما أخرنا وما أعلنا وما أسررنا وما أنت أعلم به منا فاستغفروني أغفر لكم نحن نسبح في الخطايا والذنوب ونحن نموج بالبلايا والعيوب وصفة التقوى إذا لا نتصف بها والله لا تتقبل العمل إلا من المتقين وكيف سنقابل أحكم الحاكمين هذا لا يعلمه إلا الله ونسأله أن يعاملنا بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
стр. 4740
ولذلك إخوتي الكرام لو حوسبنا على تفريطنا وتقصيرنا في حق ربنا لأُلقينا على وجوهنا في نار جهنم فحقيق بنا إذا كنا من الأكياس أن نخاف رب الناس "يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار " إن كل من يحاسبه الله يوم القيامة يهلك ويلقى في نار جهنم. لكثرة تفريطنا في حق ربنا جل وعلا وقد ثبت في المسند والصحيحين من رواية أمنا عائشة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من حوسب عذب " وفي رواية " من نوقش الحساب هلك " فقالت أنا عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين قالت: يا رسول الله ﷺ ألم يقل الله. فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا في سورة الانشقاق فسوف يحاسب حساباً يسيرا إذاً يأخذ كتابه بيمينه ويحاسب وأنت يا خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه تقول من حوسب عذب. من نوقش الحساب هلك فقال ليس ذا لكِ إنما ذا لكِ العرض ولكن من حوسب عذب ومن نوقش الحساب هلك فالحساب يسير هو أن تعرض الصحف من قبل الله الجليل على عباده المؤمنين هذا هو الحساب فيقول الله لهم سترتكم في الدنيا وأستركم في الآخرة لكن من ناقشه الله وحاسبه عذبه وأهلكه من حوسب عذب.
ومن نوقش الحساب هلك نعم إننا نفرط في حق ربنا في ليلنا ونهارنا وقد جلى لنا نبينا ﷺ هذا بحديثه الذي يخبر فيه عن نفسه وعن روح الله وكلمته نبي الله عيسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فيقول والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وأبو نعيم في الحلية ورواه البزار في مسنده والإمام الطبراني في معجمه الأوسط من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه: قال سمعت النبي ﷺ يقول: "لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان الإبهام والتي تليها السبابة لعذبنا ثم لم يظلمنا".
стр. 4741
سبحانك ربي سبحانك ربي إذا كان هذا حالك مع نبيك خير خلقك ﵊ ومع كلمتك وروحك لو حاسبتهما على ما يصدر من إصبعين فقط من أعضائهما في حقك حول الإبهام وحول السبابة لعذبنا دون ظلم منك فكيف يكون حال من عداهما إن عباد الله الأخيار تتقطع قلوبهم عندما يسمعون مثل هذا "يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار".
أخي المؤمن أنت على يقين من ذنبك وتفريطك وأنت بعد ذلك لست على يقين من مغفرة الله لك ورحمته بك أمرك موكول إليه أما يجب عليك أن تتصف بهذه الصفة التي نعت الله بها الرجال "يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار" "لو يؤاخذنا الله وابن مريم بما جنت هاتان لعذبنا ثم لم يظلمنا " نعم كل من نجا من النار فما نجا إلا بمغفرة العزيز الغفار وكل من دخل الجنة فما دخلها إلا برحمة الله القهار فتلك نجا منها بمغفرة الله وهذه دخلها رحمة الله جل وعلا.
مال للعباد عليه حق واجب ... كلا ولا سعى لديه ضائع
إن عذبوا فبعد له أو نعموا ... فبفضله وهو الكريم الواسع
فإن يثبنا فبمحض الفضل أو يعذب فبمحض العدل والله جل وعلا عنده في الآخرة داران لا ثالث لهما دار العدل وهي النار ودار الفضل وهي الجنة فمن دخل النار فبعدل الله ومن دخل الجنة فبفضل الله.
стр. 4742
وقد ثبت في المسند والصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: لن يدخل أحد منكم بعمله الجنة قالوا ولا أنت يا رسول الله ﵊ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " وهو الذي يقول ﵊ " لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان لعذبنا ثم لم يظلمنا. ولا أنت لا تدخل الجنة أيضا بعملك وأنت أتقى الخلق للحق وأنت أعبد الخلق لله جل وعلا ولا أنت ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ولا يشكلن عليك أيها الأخ الكريم هذا الحديث وأمثاله مما ورد أن الجنة دار فضل وأن من دخلها فبرحمة الله وفضله وجوده وكرمه مع الآيات التي ++ أن المؤمنين يدخلون الجنة بأعمالهم كقول الله جل وعلا: "وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون" لا يشكلن عليك هذا فالباء هنا غير الباء هناك وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون للسببية العادية وأماّ لن يدخل منكم بعمله الجنة للمعارضة ما عنده عمل يبذله ثمنا يعاوض به عن دخول الجنة لا يوجد إلا فضل الله ورحمته.
стр. 4743
وأما هناك للسببية العادية وسيأتينا إيضاح هذا بإذن الله وتقريره عند الجانب الثاني ألا وهو تفريطنا في حق الطاعات فأذكر هذا الجواب الذي ذكره الإمام ابن القيم ﵀ وغفر للمسلمين أجمعين ذكره في أول كتاب مفتاح السعادة ومنشور ولايتي العلم والإرادة في مقدمة الكتاب في صفحة ثمانية من الجزء الأول والحافظ ابن حجر أضاف إلى هذا الجواب أربعة أجوبة أخرى أفصل الكلام عليها عند تفريطنا في حق ربنا في جانب الطاعات في الموعظة الآتية بإذن رب الأرض والسموات لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان لعذبنا ثم لم يظلمنا وهكذا حال الخليقة بأسرها من الملأ الأعلى إلى الملأ الأسفل لو حاسبهم الله لعذبهم كما أخبر عن ذلك نبينا ﷺ ففي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه وسنن أبي داود والحديث رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة وإسناده صحيح من رواية زيد بن ثابت والحديث رواه الطبراني عن ثلاثة من الصحابة أيضاً عن عمران بن حصين وعن عبد الله بن مسعود وعن أبي بن كعب ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: " لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم لكانت رحمته خير من أعمالهم " لو عذب الله أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم فهم الخطاءون في جنب الحي القيوم يخطئون بالليل والنهار ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً من أعمالهم.
стр. 4744
نعم ألم يقل الله جل وعلا مقرراً هذا في كتابه في آخر سورة فاطر ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ودابة نكرة دخلت قبلها من في سياق نفي تفيد العموم وهي نص في العموم ما يترك مخلوق من إنس وغيره لو حاسبهم الله جل وعلا على ما يصدر منهم ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا. هذا أعلم بعباده فيمن على المؤمنين بجنة النعيم ويعاقب الكافرين بنار الجحيم فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا.
стр. 4745
ثبت في مستدرك الحاكم بسند صحيح أقر عليه الذهبي عن أبي الأحوص: قال قرأ عبد الله بن مسعود ﵁ هذه الآية ثم قال: كاد الجُعَلْ أن يموت في جحره بذنب بن آدم والحبل دويبة صغيرة بحجم الصرصر تعيش في الأقذار والأوساخ كاد هذا المخلوق أن يموت بذنبنا وبمعصيتنا لربنا فالبلاء عندما ينزل يعم الإنس وغيره ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة. كاد الجعل أن يموت بجحره بذنب بن آدم ولذلك إذا غفر لابن آدم ما يصدر منه من تقصير نحو الحيوان البهيم فقد غفر الله له شيئا كثيراً كما قرر هذا نبينا ﷺ ففي مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان من رواية أبي الدرداء ﵁ وأرضاه وإسناد الحديث صحيح والحديث رواه عبد الله ولد الإمام أحمد رضوان الله عليهم أجمعين موقوفاً على أبي الدرداء من كلامه وزيادة الثقة مقبولة فالحديث روى من كلام أبي الدرداء موقوفاً عليه وروى مرفوعاً إلى نبينا ﷺ أنه قال: "لو غفر لكم ما تأتون إلى البهائم لغفر لكم كثيرا " مما يصدر منكم من ذنوب وتتضرر البهائم بسببكم ومما يقع أيضاً من معاملة سيئة منكم لتلك البهائم لو غفر الذنوب المتعلقة بينكم وبين البهائم التي فيها تفريط في حق البهائم لغفر الله لكم كثيراً ذنوب كثيرة غفرت.
стр. 4746
إخوتي الكرام: هذا حقنا في جانب المنهيات في جانب المعاصي هذا حالنا في جانب المنهيات في جانب المعاصي في جانب المخالفات ولذلك إذا استحضر المؤمن هذا وعلم أنه يخوض في معصية الله ليلاً ونهاراً فسينقطع قلبه ويخاف من الله ولا بد فمن أسباب خوف المكلفين من رب العالمين استحضارهم لتقصيرهم فمن علم أنه مقصر في الطاعة وأنه مرتكب للمعصية سيخاف من الله ولا بد وقد صور لنا عبد الله بن مسعود ﵁ حل المؤمن ومن خرج عن هذا الوصف فهو كافر منافق وهذا التصوير عن هذا العبد الصالح الجليل رضوان الله عليه ثابت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والأثر رواه أبو نعيم في الحلية ورواه شيخ الإسلام الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق وهو من أصح الآثار فهو في صحيح البخاري وغيره كما سمعتم عن عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه قال: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه تحت جبل ويخاف أن يقع عليه وإن المنافق وفي رواية وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال بيده هكذا".
стр. 4747
انظر لهاتين الصورتين لتعلم ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في هذه الحياة يرى ذنوبه كأن الذنوب جبل فوقه ويخاف أن يقع هذا الجبل عليه وإنما صور الذنوب بالجبل لشدة خوف المؤمن من الله جل وعلا فالجبل إذا وقع على من تحته لا يمكن نجاتهم ولذلك هو يقطع قلبه خوفاً وخشية من ربه وأما ذاك عندما يقع في الذنوب والعيوب كذباب وقع على أنفه وإنما خص الأنف بالذكر من باب تهوين المعصية عند المعاصي لأنه قل أن يقع الذباب على الأنف فأكثر وقوعه على العينين وعلى الجبين ووقوعه على الأنف قليلٌ قليل وعليه خص الأنف هنا كأنه إذا استحضر العاصي والفاجر والمنافق ذنبه إذا استحضر الأمر يسير عمل هكذا فطار ذلك الذباب وعليه كأنه لا يستحضر ذنبه وإذا استحضره أحياناً نقول رحمة الله واسعة إذا استحضر الذنب أحياناً منىّ نفسه بالمغفرة والقالب أن الذنب لا يخطر على باله وأما ذاك المؤمن الموحد حاله كحال من هو تحت جبل ويخشى أن يقع ذلك الجبل عليه.
стр. 4748
نعم إخوتي الكرام هذا هو وصف عباد الرحمن "يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار" ولذلك إخوتي الكرام كلما عظيم الإيمان في قلب الإنسان وكلما صفا قلبه كلما اشتد من خشية الله جل وعلا وكلما كثر خوفه وقد ثبت هذا عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وبينوا لنا اختلاف المتأخرين عن السابقين الصادقين نُقل هذا عن أنس وعن أبي سعيد الخدري وعن عبادة بن قرط وقيل قرص وإليكم آثارهم أما اثر أنس فثبت في صحيح البخاري عن أنس وأما أثر أبي سعيد الخدري نفى مسند الإمام أحمد ومسند البزار بسند رجاله رجال الصحيح كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي والإمام العراقي عليهم جميعاً رحمة الله وأما أثر عبادة بن قرط ﵃ أجمعين فرواه الإمام أحمد في المسند والحاكم في المستدرك وأبو داود الطيالسي ورواه الإمام الدارمي في سننه ولفظ الآثار الثلاثة بمعنى واحد وهو يقول أنس وأبو سعيد وعبادة ابن قرط ﵃ أجمعين " إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات " وهذا يقوله أنس ﵁ للطبقة الثانية في هذه الأمة بعد الصحابة.
وهكذا أبو سعيد وهكذا عبادة بن قرط " إنكم لتملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كما نعده على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات " قال حميد بن هلال لأبي قتادة راوي الحديث فكيف لو أدركوا زماننا فكيف لو أدرك عبادة بن قرط زماننا ماذا كان يقول قال كان لذلك أقْوَل بقول أكثر وأكثر إنكم تعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر سيقول إن تعملون أعمالاً لا ترونها شيئاً ليست أدق من الشعر كنا نعدها من المهلكات من قاصمات الظهور.
стр. 4749
وقيل كما في المسند وسنن الدارمي لشيخ الإسلام محمد بن سيرين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين قيل له ألا تسمع إلى أثر عبادة بن قرط: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات قال نعم أرى جر الإزار فيها نعم أرى جر الإزار منها فالسلف رضوان الله عليهم أجمعين الصحابة الكرام الطيبون يحذرون هذا غاية الحذر غاية الخشية فجاء المتأخرون يسترسلون يجر ثيابه وإذا جر ثوبه وكلّمته يقول وماذا في هذا والقلب نظيف ولا أقصد كبراً ولا علواً ولا فخراً ولا رياءً.
وانظر إلى محمد بن سيرين وهو من أئمة التابعين يقول أرى جر الإزار منها أي يجر الإزار ويرون أن هذا أدق من الشعر لكن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعدونه من الموبقات كيف لا وقد ثبت في المسند وسنن أبي داود وابن ماجه والحديث رواه ابن حبان في صحيحه ورواه البيهقي في السنن الكبرى ورواه الحميدي في المسند وإسناده صحيح من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول: إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه. إزرة أي الحالة التي يأتزر بها ويلبسها إلى أنصاف ساقيه ولا حرج ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ومرخص له أن يمد إزاره وثوبه إلى الكعبين فما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة إذاً عقوبتان إذا نزل الإزار عن الكعبين فهو في النار قصدت الخيلاء أم لم تقصد وإذا جررت إزارك بطراً ورياءاً فمع دخولك النار تعقب بالعقوبة التي هي أعظم وأفضع أن الله لا ينظر إليك يوم القيامة ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة أرى جر الإزار منها إنكم لتعملون إعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.
стр. 4750
عبادة بن قرط وقيل قرص وهو أحد الصحابة الثلاثة الذين أثر عنهم هذا الأثر كما ذكرت قبل ﵁ وأرضاه مظلوماً شهيداً على يد من يدعون التوحيد في العصر الأول سنة ٤١هـ بعد مقتل علي على يد من يدعون التوحيد أيضاً بعد مقتل علي ﵁ وأرضاه بسنة فعلي ﵁ قتل على يد الموحدين والتعبير الصحيح عنهم على يد الملحدين ليسوا بأهل توحيد إنما أهل شقاق وتلحيد قتل على يد الخوارج وهكذا هذا العبد الصالح عبادة بن قرط كما ثبت في كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري عليه رحمة الله والأثر روى في تراجم الصحابة كالإصابة وأسد الغابة وغيرهما أنه كان في سفر في بلاد الأهواز وكان في غزوة فلما عاد سمع أذاناً فاتجه جهة الآذان فرأى أناساً يريدون الصلاة فلما رأوه عرفوا أنه من الصحابة قالوا من أنت قال أنا أخوكم أنا من عباد الله المؤمنين قالوا أنت أخ للشيطان الرجيم قال ويحكم ألا تقبلون مني ما قبله رسول الله ﷺ حين جئته وأنا مشرك فقلت لا إله إلا الله محمد رسول الله ﵊ فقبل ذلك مني وتركني وأنا إذا كنتم تحكمون عليّ بالكفر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقاموا وبقروا بطنه وقتلوه عبادة بن قرط عبادة بن قرص ﵁ وأرضاه وهو من الصحابة يدعون أنهم يجددون الدين وأنهم أهل توحيد أهل تلحيد وقد خشي النبي ﷺ على هذه الأمة أمثال هذه الصنف الخبيث وما أكثرهم في هذه الأيام يصولون على أمة خير الأنام ﵊ بالتكفير والتبديع وما يمنعهم من استحلال دمائهم إلا أنهم لا سلطان عندهم ولو مكن لهم لتقربوا إلى الله بشرب دمائنا وقطع رقابنا باسم التلحيد يطنطنون به ويدورون حوله خشي علينا نبينا ﷺ من هذا الصنف الضال المضل الذي زين له سوء عمله فصده الشيطان عن السبيل وهو يظن أنه من المهتدين.
стр. 4751
ثبت في مسند البزار ومسند أبي يعلى والحديث قال عنه الإمام الهيثمي في المجمع إسناده حسن وقال عنه الإمام ابن كثير في تفسيره إسناده جيد من وراية حذيفة ابن اليمان ﵄ سمعت النبي ﷺ يقول " إن مما أتخوف عليكم رجلٌ قرأ القرآن حتى إذا رؤي عليه بهجته ونظارته وكان ردئ الإسلام اعتزل إلى ما شاء الله ثم انقلب على جاره فرماه بالشرك وقاتله بالسيف قالوا يا رسول الله ﷺ من أحق بالشرك الرامي أو المرمى قال الرامي " قرأ القرآن وتعبد ثم خرج بعد ذلك على أمة خير الأنام ﵊ ينبذهم بالضلال والكفر بالبدعة ولا توجد هذه الأوصاف إلا فيه هوالذي يضلل أمة النبي ﷺ ويصول عليه ويجول وما يمنعه كما قلت من إراقة دمائها إلا أن الله حال بينه وبين الحكم ونسأل الله أن يكفينا شرور أنفسنا وشر كل ذي شر إنه أرحم الراحمين واكرم الأكرمين إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات.
стр. 4752
ومثل هذا أيضاً يقول حذيفة ابن اليمان ﵄ مبينا اختلاف الأحوال كيف تغير الناس عما كانوا عليه في العصر الأول وأثر حذيفة في مسند الإمام أحمد وفي إسناده أبو الرقاد الكوفي وهو الراوي عن حذيفة رضوان الله عليهم أجمعين أبو الرقاد قال عنه الإمام الحافظ ابن حجر في التقريب مقبول وقد أخرج له النسائي في كتاب فضائل على ﵃ أجمعين والأثر أورده الإمام العراقي في تخريج أحاديث الإحياء فقال في إسناده جهالة لوجود هذا الرجل أبي الرقاد وقد حكم صاحب كتاب بلوغ الأماني بشرح الفتح الرباني بأن إسناده جيد وكما قلت لا وجود في إسناده إلا هذا العبد الصالح أبو الرقاد الكوفي الراوي عن حذيفة حكموا عليه بأنه مقبول والحديث كما تقدم الأثر له شواهد يقول حذيفة ﵁ وأرضاه: كان الرجل منا على عهد النبي ﷺ يتكلم بالكلمة فيصير بها منافعنا وإني أسمعها في المقعد الواحد من أحدكم أربع مرات.
стр. 4753
كان الرجل إذا تكلم بكلمة مما يتكلم به المتأخرون في مجالسهم يتكلم بكلمة في عهد النبي ﷺ فيصبح بها منافقا إلى يوم لقاء ربه وإنني أسمعها في المقعد الواحد من أحدكم أربع مرات وما أكثر الألفاظ التي نلوك ألسنتنا بها ولا نبالي بها من استهزاء بشعائر الدين ومن احتقار لحملته ومن بعد ذلك تهوين لأمر رب العالمين عندما تأمره بطاعة يقول هذا هين وعندما تنهاه عن معصية يقول هذا سهل ومن هذه العبارات كل هذا يخشى على فاعله أن يخرج من دين الله كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير بها منافقاً وإن أسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات ثم قال حذيفة ﵁ وأرضه والله لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتحاضن على الخير أو ليسحتنكم الله بعذاب من عنده أو ليأمرن عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم إخوتي الكرام إن المحقرات التي لا يبالي بها المخلوقات إذا اجتمعت على الإنسان أهلكته وألقته في أسفل الدركات.
стр. 4754
وقد حذرنا نبينا ﷺ ما نحتقره من أعمالنا وما نفعله دون مبالاة تهدينا لشأنه واحتقاراً لأمره حذرنا نبينا ﷺ من ذلك غاية التحذير ففي مسند الإمام أحمد وصحيح بن حبان وسنن النسائي وابن ماجه من رواية أمنا عائشة ﵂ وأرضاه أن النبي أن النبي ﷺ قال لها إياك ومحقرات الذنوب إياك ومحقرات الأعمال فإن لها من الله طالباً والحديث رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً والطبراني في معجمه الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ ورواه الإمام أحمد في المسند والطبراني في معاجمه الثلاثة والبيهقي في شعب الإيمان والضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة من رواية سهل بن سعد أنهما قالا عبد الله بن مسعود وسهل بن سعد ﵃ أجمعين قالا: قال رسول الله ﷺ " إياكم ومحقرات الذنوب فإنها إذا اجتمعت على الرجل أهلكته. ثم ضرب النبي ﷺ لذلك مثلا فقال. كمثل قوم نزلوا في فلاة فأرادوا أن ينضجوا طعامهم فأتى هذا بعودةٍ وهذا بعودة وهذا بعودة جمعوا هذه العيدان حتى جمعوا حطباً كثيراً فأججوا ناراً وأنضجوا طعاماً وهكذا المحقرات " أي الذنوب التي لا يبالي بها الإنسان وبعدها صغيرة أذا اجتمعت على الإنسان أهلكته فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار وقد أخبرنا نبينا ﵊ أن الشيطان أيس من أن تعبده هذه الأمة أي عبادة عامة كاملة بحيث تخرج عن دينها وترتد لكن سيرضى منها الشيطان بما تحتقره من أعمالها.
стр. 4755
ثبت الحديث في ذلك في سنن الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح من رواية عمرو بن الأحوص ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع: أي يوم هذا فقلنا هذا يوم النحر هذا يوم الحج الأكبر فقال النبي ﷺ "إلا عن دمائكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه ألا لا يجني والدٌ على ولده ولا مولود على والده " كل نفس بما كسبت رهينة ولا يتحمل وزر أحد ثم قال النبي ﷺ " ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أي عبادة عامة من قبل الجميع ولكن رضي بما تحتقرون من أعمالكم " ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به فهذه المحقرات إذا ابتلى بها المخلوقات أهلكتهم وأردتهم وألقتهم في أسفل الدركات.
إخوتي الكرام: وإذا تأمل الإنسان حاله لا يخلو من ذنوب وعيوب وعليه ينبغي أن يشتد خوفه من علام الغيوب هذه المحقرات هذه الذنوب التي يعتبرها كثير من الناس سهلة يسيرة انظروا لآثارها عند الله جل وعلا.
стр. 4756
ثبت في معجم الطبراني الأوسط والحديث رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت من رواية كعب بن عجرة ﵁ وإسناد الحديث حسن أن النبي ﷺ زار كعب بن عجرة في مرضه فقالت أمه هنيئاً يا كعب هنيئاً لك الجنة فقال النبي ﷺ من المتألية على الله فقال كعب هذه أمي يا رسول الله ﵊ فقال يا أم كعب وما يدريك لعل كعباً كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يمنع مالا يغنيه سبحانك ربي سبحانك ربي إذا تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا يغنيه بالشيء اليسير ذلك يحول بينه وبين الجنة والحديث رواه الترمذي وأبو يعلى والإمام ابن أبي الدنيا من كتاب الصمت من رواية أنس بن مالك ﵁ قال استشهد غلام منا يوم أحد فوجدنا على بطنه حجراً مربوطاً من شدة الجوع ﵁ وأرضاه فبكت باكية وقالت هنيئاً لك الجنة فقال النبي ﷺ " وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يمنع ما لا يضره " أي لا يضره إنفاقه شيء قليل لا يجود به أو يحرك لسانه فيما لا ينفعه في دنياه وفي آخرته.
стр. 4757
والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه ابن أبي الدنيا أيضاً وأبو يعلى من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال مات رجل منا على عهد النبي ﷺ فقال قائل هنيئاً لله الجنة فقال النبي ﷺ " وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل فيما لا ينقصه " بما لا يضره بما لا يغنيه كما تقدم معنا الكلام فيما لا يعني من المحقرات التي لا أقول إنها أدق في أعيننا من الشعر إننا نعتبرها عبادة في هذه الأوقات إذا شغلنا مجالسنا بالهذيان والقيل والقال فيما لا يعنينا دون أن نخوض في غيبة ونميمة وقذف وبهتان فنعتبر أنفسنا من الصديقين ونبينا الأمين ﵊ يعتبر من وقع في هذا فقد صار بينه وبين الجنة حائل لعله يتكلم فيما لا يعنيه أو يمنع ما لا يغنيه. وثبت في شعب الإيمان للإمام البيهقي وفي كتاب الحلية لأبي نعيم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵄ قال اجتمع نسوة عند أمنا عائشة ﵅ أجمعين فقالت امرأة منهن والله لأدخلن الجنة أسلمت وما زنيت وما سرقت ثم انفض النساء فلما نامت هذه المرأة في المساء رأت في منامها قائلاً يقول لها أنت المتألية على الله تقولين ستدخلين الجنة وكيف تدخلينها وأنت تتكلمين فيما لا يعنيك وتبخلين بما لا يغنيك. أنت تدخلين الجنة وفيك هاتان الصفتان فلما استيقظت ذهبت إلى أمنا عائشة ﵃ أجمعين وعرضت عليه ما رأته في منامها فجمعت النسوة وأمرتها أن تذكر للنسوة ما سمعته في منامها.
стр. 4758
إخوتي الكرام من استحضر تقصيره سيخاف من ربه هذا اللسان خلقه الله جل وعلا ليسبحه وليذكره وليهلله وليشتغل بالفوائد لينال المفائم والفرائد ورحم الله امرءاً قال خيراً فغنم أو سكت عن شر فلم وإذا أطبقت لسانك في الهذيان فيما لا يغنيك فقد جعلت حاجزاً بينك وبين جنة الله ورضوانه فكيف لو أطلقت اللسان في لدغ بني الإنسان وسلطه عليهم كأنه تنين وثعبان كيف سيكون حالك وكل واحد على نفسه بصيرة يعلم ما يخطئ في حق الله إن كان بلسانه وإن كان بعد ذلك بجوارحه الأخرى.
إخوتي الكرام: لا بد من أن نضبط أنفسنا وأن نمنعها من مخالفة ربنا وإذا وقع منا ما وقع وكلنا مخطئون فينبغي أن نخاف من الحي القيوم إخوتي الكرام من تمام إيمان الإنسان وكماله وصدقه في إيمانه أنه يضبط لسانه ولا يتكلم إلا بخير.
كما ثبت في المسند والصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" إما أن تنطق بما ينفع وإما أن تسكت والسكوت من صفات الطيبين الخيرين المؤمنين الصادقين.
إن كان يعجبك السكوت فإنه ... قد كان يعجب قبلك الأبرار
ولئن ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمن على الكلام مرارا
إن السكوت سلامةٌ ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا
أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحفظنا من مخالفته ومعصيته واسأله أن يوفقنا لطاعاته ومرضاته وأسأله أن يعاملنا برحمته ومغفرته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين أقول هذا القول وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
стр. 4759
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد إخوتي الكرام:
أننا نعيش في عصر حقيقة اختلت فيه الموازين وإذا كان الإنسان يقع في معصية لرب العالمين فهذه طبيعة البشرية لكننا نتفنن في هذا الحين في معصية العالمين قد وصل بنا الشطط والسفاهة أننا نلقي أعظم الأوصاف وأبلغ عبارات المدح على العصاة وعلى الغواة ما كفانا أننا عصينا ربنا وأنه يجب علينا أن يذكر بعضنا بعضا بالتوبة النصوح والرجوع إلى الله جل وعلا بل بدأنا بعد ذلك نتمادح ونثني على بعضنا بأعظم أوصاف الخير مع أننا نخوض في المنكرات والشر وإذا كان الممدوح وصلت به السفاهة والعمى أنة يرضى أن يمدح بالباطل فأنا أعجب حقا لمن يثنون على من يعصون الله جل وعلا على بعض المنابر يثنون على من يعصون الله جل وعلا ويمدحونهم ويطرحونهم ويبيعون دينهم بدنيا غيرهم فذا كان الممدوح الذي يمدح بالباطل ويرضى فهذا قليل العقل ويدل على سخفه والله توعده بعذاب أليم ولم يكون من الفائزين يوم الدين فكيف سيكون حال المادح بالباطل عندما يضلل ذلك الإنسان ويؤذي عباد الرحمن في البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه حقيقة.
стр. 4760
إن الأمر كما قال شيخ الإسلام أيوب السختياني عليه رحمة الله عندما قال لا خبيث أخبث من قارئ فاجر نحن أمة نعتنا الله بأننا نؤمن به ونعمل الصالحات ونتواصى بالحق ونتواصى بالصبر لسنا بأمة نضلل عباد الله ونطرى العصاة بما نهانا عنه الله وهذا إذا فعل بغير بيوت الله لكان معيباً فكيف إذا فعل في بيوت الله إن الأمر كما قلت عجيبٌ عجيب وما أعلم لزماننا نظيراً ما أعلم له مثيلاً انظروا إلى العقوبة التي يتوعد الله بها من يرضى أن يمدح بالباطل بما لم يفعله بالخيرات والصالحات.
يقول الله جل وعلا في آخر ربع من سورة آل عمران: "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم". والآية نازلة في المنافقين وفي اليهود كما نقل عن سلفنا الطيبين لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا أي من المعاصي والضلال الإضلال عضوا ذا العزة والجلال ثم بعد ذلك فرحوا إذا مدحوا بأنهم على خير وصلاح أما كفاكم ضلالاً لا أنكم عصيتم الله ثم تريدون لقب ولاية الله والله ماطع الشيطان بهذا وشياطين الإنس في هذه الأيام كيف وصل الضلال بذلك الذي يلوث المنابر فيقول فيها هذا الكلام الباطل لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم فهذا هو حق الممدوح فكيف ستكون العقوبة في حق المادح الذي باع دينه بدنا غيره وضلل غيره وما نصحه وما اتقى الله فيه.
стр. 4761
والآية إخوتي الكرام يمكن أن تكون نازلة فيمن عمل الصالحات ثم فرح عجباً وفرحاً وبطراً وفخراً وأراد أن يمدح بصالحات لم يعملها كما نص على ذلك الإمام الخطيب الشربيني في كتاب السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض كلام ربنا الحكيم الخبير ومعنى الآية لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا بما فعلوه من صالحات فرح عجيب وبطر وأشر ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أي بصالحات أخرى لم يفعلوها فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم.
إخوتي الكرام: هذا اللسان ينبغي أن نضبطه وأن نتقي الرحمن وينبغي أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر وأما أن نتمادح بالباطل وأن نقول للعاصي الجاهل إنك ولي كامل والله هذه بلية ما سبق لها مثيل وهذا العصر الذي نعيش فيه عصر اختلال الموازين.
إخوتي الكرام إن المحقرات التي نغوص فيها ستهلكنا إذا لم نع أمرنا ولم نعد إلى ربنا وأما الذنوب الواضحات التي هي معلومة عند المخلوقات فلا أريد أن أفيض في الكلام عليه لكن أذكر نماذج منها من باب ذكر المثال على غيره هذه معلومة وأما المحقرات قلت هذه لا نبالي بها وهي من المهلكات أما الذنوب الأخرى التي هي واضحة وتفعل على أنها معصية فهذه أيضاً كثيرة والأمة تخوض فيها منها قطيعة الرحم وقطيعة الرحم سبب للمنع من دخول الجنة كما ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن النسائي من رواية جبير بن مطعم ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول:" لا يدخل الجنة قاطع " يعني قاطع رحم ومنها الغيبة والنميمة وقد فاشتا فينا غاية الفشو وقد ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن ابن ماجه من رواية حذيفة بن اليمان ﵄ أن النبي ﷺ قال " لا يدخلن الجنة فتات " يعني نمام ومنها الكبر والغلو الذي يحصل في كثير من النفوس والخيلاء والتكبر على عباد الله.
стр. 4762
وقد ثبت في المسند وصحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي من رواية عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال " لا يدخلن الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقيل للنبي ﷺ إن الرجل يعجبه أن يكون نعله حسنة وثوبه حسن قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر –الحق رده وجحده- وغمط الناس" احتقارهم وازدراؤهم.
وثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال "لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر" عاق لوالديه بما اعطى يدمن الخمر لا يدخلون الجنة هذه كلها ذنوب يفعلها الناس ويعملون شناعتها.
وثبت في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن قالوا من يا رسول الله ﵊ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه".
وثبت في المسند والصحيحين أيضا من رواية أبى هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزن وهو مؤمن ولا يسرق السارق حسن يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن".
هذه ذنوب وعيوب تخوض فيها الأمة وهي معلومة وهناك محقرات نخوض فيها ونسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحفظنا من جميع الذنوب والعيوب إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
اللهم ألهمنا رشدنا واحفظنا من شرور أنفسنا يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث فاصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبة تسليماً كثيرا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم أغفر لآبائنا وأمهاتنا.
اللهم ارحمهم كما ربونا صغارا اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا. اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا. اللهم أغفر لمن وقف هذا المكان المبارك.
стр. 4763
اللهم أغفر لمن عَبَدَ الله فيه اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا.
اللهم أغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات والحمد لله رب العالمين..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".
стр. 4764
أقسام النفاق
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أقسام النفاق
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد:
стр. 4765
معشر الأخوة المؤمنين أفضل بقاع الأرض وأحبها إلى الله جل وعلا المساجد كيف لا وهي بيوته وفيها نوره وهداه وقد نعت الله الذين يعمرونها بأنهم رجال ووصفهم بأربع خصال لا تلهيهم البيوع والتجارات من طاعة رب الأرض والسماوات يعبدون الله ويعظمونه ويصلون له ويسبحونه يشفاقون على عباد الله ويحسنون إليهم، ويبذلون ما في وسعهم استعداد للقاء ربهم ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
كنا نتدارس إخواتي الكرام الصفة الرابعة من صفات هؤلاء الرجال العظام ألا وهي خوفهم من ذي الجلال والأكرام يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار وقد مر معنا تعريف الخوف وبيان منزلته في شريعة الله جل وعلا وثمرات الخوف التي يحصلها الخائفون في العاجل والآجل وكنا نتدارس الأمر الرابع من مباحث الخوف في أسباب خوف المكلفين من رب العالمين وقلت إن الأسباب مهما كثرت وتعددت وتنوعت يمكن أن ترد إلى ثلاثة أسباب:
أولهما: إجلال الله وتعظيمه.
وثانيهما: خشية العبد من ربه من أجل تفريطه في حقه وجنبه سواء كان ذلك التفريط يتعلق بالتقصير في المأمورات أو بارتكاب المنهيات المحظورات.
وقد تقدم الكلام إخواتي الكرام على هذين السببين في المواعظ الماضية وشرعنا في مدارسة السبب الثالث من أسباب خوف المكلفين من رب العالمين ألا وهو الخوف من سوء الخاتمة وقلت إن أسباب سوء الخاتمة كثيرة أيضاً ويمكن أ، ترد إلى سببين اثنين.
أولهما: الأمن على الإيمان من الذهاب والفقدان فما أحد أمن على إيمانه أ، يسلبه إلا سلبه عند موته نسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا وأن يحسن ختامنا وأن يجعل خير أيامنا يوم لقاه إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين وقد مر الكلام إخواتي الكرام على هذا السبب مفصلا بأدلته.
следующие страницы →