Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
الأول: منها، إن الغناء يحرك الشهوات ويثير الغرائز إلى فعل المحرمات، فهو كما قال سيد المسلمين الفضيل بن عياض عليه رحمة الله رقبة الزنا، ووالله هو أنجى الرقي في الوصول إلى هذه الجريمة المحرمة، ومن تتمنى زنا وتمني.
والآفة الثانية: التي من أجلها حرم علينا الغناء، أنه يصدنا عن ذكر الله، يصدنا عن تلاوة كلام الله حيث يجعل في قلب الإنسان نفاقاً، فالغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، ولذلك من عكف على الغناء ينحرم من سماع القرآن وأعرض عن ذكر الرحمن، ورضي الله عن الإمام الضحاك عندما قال (الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب) ولذلك قال الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز لمؤدب أولاده ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بُغْضُ الغناء الذي مبدؤه من الشيطان ونهايته سخط الرحمن.
стр. 4937
إخوتي الكرام: كما قلت لا يسلم لهؤلاء منازعتهم حول صحة الحديث ولا حول دلالته، فالحديث صحيح ودلالته واضحة صريحة في أن من عكف على الغناء والمعازف والمزامير واستحلها فهو مهدد بعقوبة من الله الجليل بأن يمسخ قرداً وخنزيراً، بأن يخسف الله به الأرض، وأما ما قاله بعض المعاصرين، في توجيه حديث سند ابن ماجة الذي ذكرته وصحيح ابن حبان أنه [أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها، ويعزف على رؤوسهم بالمغنيات والمعازف يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة وخنازير] قال إن هذا المسخ ليس بلازم إن يكون في الصورة والحقيقة، إنما تمسخ القلوب والأرواح فيصبح الواحد إنساناً في صورة إنسان ولكنه في الحقيقة في نفسه خنزير، نفسه خنزير وروح قرد، سبحان ربي العظيم، ما هذا التكلف ولم هذا التنطع في تأويل الحديث، هلا أولت إذاً الصفة الأولى، وهي يخسف الله بهم الأرض، هل هذه مؤولة أم على ظاهرها؟ هلا قلت فيها يخسف الله بهم الأرض إلا يجعل لهم مكانة عليها، كما أولت الصفة الثانية، وهلا تلاعبت في شقي الحديث، أم تلاعبت في شقه الآخر يمسخهم الله قردة وخنازير على وجه الحقيقة، ويخسف الله بهم الأرض على وجه الحقيقة، هذه عقوبة مهدد بها من فعل هذا وفعل هذا العقوبة موكول إلى مشيئة الله وقد وقع المسخ في الأمم السابقة وهو واقع في هذه الأمة، نسأل الله أن يلطف بنا وأن يرحمنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين
أقول هذا القول واستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم على الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 4938
إخوتي الكرام: كما قلت إن تحريم الغناء وآلات اللهو من جميع آلات المعازف لا خلاف في تحريمها عند أئمتنا، والإمام بن القيم له كلام كثير حلو جميل في تقرير هذا سأقتطع منه أمراً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أبداً، ألا وهو، إن الأمر إذا اشكل علينا هل هو مباح أو حرام فلننظر إلى ثمرته، والأثر الذي يترتب عليه، فإن ترتب عليه ثمرة حسنة وثمار طيب فهو مباح حلال، وإن ترتب عليه آثار ضارة سيئة فهو حرام قطعاً وجزماً.
стр. 4939
يقول في مدارج السالكين الجزء الأول صفحة ستة وتسعين وأربعمائة ١/٤٩٦ القاعدة الثالثة، إذا أشكل على الناظر أو على السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي لا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله جل وعلا ورسوله ﷺ موصلاً إليه عن قرب وهو رفعه له ورائد له وبريد له، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر فكيف بظنه بالحكم الخبير إن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر لأنه يسوق النفس إلى السكر، التي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير، لا يمكن في حكمة ربنا أن يحرم قليل الخمر لأنه يسوق إلى السكر الذي يترتب عليه فعل المحرمات ثم يبيح الله سماع الغناء والمعازف التي هي أعظم سوقاً للنفس إلى المحرمات من الخمر بكثير، فإن الغناء هو رقية الزنا، وقد شاهد الناس إنه ما عاناه صبي إلا فسد ولا امرأة إلا وبغت، ولا شاب إلا، وإلا، ولا شيخ إلا وإلا، والعيان من ذلك يفتى عن البرهان، ولا سيما إذا جمع ـ أي الغناء ـ هيئة تحدوا النفوس أعظم جدو إلى المعصية والفجور ـ يعني كان المغني بصورة حسنة بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لا من المكان وإلا مكان والعشراء والأخوان، وآلات المعازف من والدف والأوتار والعيدان وكان القوال شادن شجي الصوت لطيف الشمائل من المردان ذو النسوان وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران.
وقال في الإغاثة صفحة سبعة وأربعين ومائتين صـ٢٤٧ كم من حرة صارت بالغناء من البغايا وكم من حر أصبح به عبداً للصبيات وللصبايا، وإذا اجتمع إلى هذه الرقية، وهي الغناء ـ الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر فلو حبلت المرأة من غناء من غير جماع لحبلت من هذا الغناء، لما يؤثر فيها.
стр. 4940
هذا اخوتي الكرام متفق على تحريمه بين أئمتنا، نعم ما نقل عن بعض أئمتنا الكرام من الترخص في الغناء، فقلت إنه غناء من حيث التسمية لا من حيث الحقيقة فهي أشعار كما تقدم معنا جزلة فصلة ترقق القلوب تذكر بالآخرة، تزهد في الدنيا، هذا ما كان يقوله أئمتنا كما تقدم معنا من تقرير كلام الإمام أحمد وغيره عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.
اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً ورزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، اللهم اجعل هوانا تبعاً لشرعك بفضلك ورحمتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار،، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.
اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم احسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات وصل الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم
﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر *﴾ .
стр. 4941
ثمرة الخوف في الدنيا
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثمرة الخوف في الدنيا
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..
стр. 4942
لله خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص كما قرر ذلك أئمتنا الأكياس، فخير بقاع الأرض وأحبها إلى الله المساجد فهي موطن نوره وفيها هداه وإليها يأوي الموحدون المتهدون وقد أشار الله إلى هذا في آية النور في سورة النور فبعد أن ذكر آية النور ذكر المكان الذي يوجد فيه ذلك النور فقال ربنا العزيز الغفور: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال﴾ وفيه نعت الله جل وعلا هؤلاء الرجال بأربع خصال ليدلك على أنهم بلغوا رتبة الكمال لا تلهيهم البيوع والتجارات عن الغاية التي من أجلها أوجدهم رب الأرض والسموات، يصلون لله ويذكرونه ويعظمونه ويشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم، يبذلون ما في وسعهم استعداداً للقاء ربهم ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
стр. 4943
اخوتي الكرام: وكنا نتدارس الصفة الرابعة من أوصافهم ألا وهي خوفهم من ربهم جل وعلا، فهم مع إحسانهم في ما بينهم وبين ربهم وفي ما بينهم وبين عباد الله جل وعلا ومع ذلك يخافون الله ، نعم إن الخوف من رب الأرض والسموات والحزن في هذه الحياة تلقيح للأعمال الصالحات، وكلما كمل علم الإنسان وتمت معرفته على التمام اشتدت خشيته من ذي الجلال والإكرام، بذلك نعت الله عباده العلماء الطيبين المخلصين فأشار الله جل وعلا إلى حال العلماء السابقين على هذه الأمة المرحومة المكرمة فقال في آخر سورة الإسراء: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً * وقرءاناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكثٍ ونزلناه تنزيلاً * قل آمنوا به أو لا تؤمنوا، إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحان ربنا إنَّ كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً *﴾ .
نعم هذا هو نعت العلماء المخلصين المخلَصين، ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام عبد الأعلى اليمني عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين، قال: كما في كتاب الزهد للإمام عبد الله بن المبارك، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية وابن أبي شيبة في المصنف، ورواه أيضاً الإمام الطبري في تفسيره، وهو في تفسير ابن المنذر وابن أبي حاتم رحمة الله عليهم جميعاً، يقول هذا العبد الصالح عبد الأعلى التميمي (من أوتي م العلم مالا يبكيه لم يؤت علماً لأن الله نعت العلماء بالبكاء من خشيته جل وعلا فقال: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً * ويقولون سبحان ربنا إنَّ كان وعد ربنا لمفعولاً * ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً﴾ .
стр. 4944
وكان هذا العبد الصالح يقول كما في الحلية (شيئان أمران قطعا عني لذة الدنيا ذكر الموت والوقوف بين يدي الله ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ وإذا كان هذا هو نعت العلماء الصالحين السابقين فهذا هو أيضاً نعت العلماء الطيبين المخلصين من هذه الأمة المباركة المرحومة، يقول الله جل وعلا في سورة فاطر: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مختلفاً ألوانها * ومن الجبال جددٌ بيضٌ وحمرٌ مختلفٌ ألوانها وغرابيبُ سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيزٌ غفور﴾ فهؤلاء الأكياس أحسنوا صلتهم برب الناس وبالخالق جل وعلا ومع ذلك اتصفوا بالخشية والخوف من جل وعلا فقال: ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .
نعم اخوتي الكرام: هذا نعت عباد الله الطيبين المقربين المحسنين الذين أحسنوا العمل وخافوا من الله ، قال الله في سورة الزمر: ﴿أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكرُ أولوا الألباب﴾ .
والمراد بالذين يعلمون هم الذين يخافون الحي القيوم ونعتهم كما تقدم في أول الآية الكريمة قائمون لله خاشعون لله مخبتون لله يحذرون الآخرة ويرجون رحمة الله ﴿أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ .
стр. 4945
وقد بوَّب الإمام الدارمي عليه رحمة الله في المقدمة من سننه باب يشير به إلى العلم الخشية وتقوى الله ، ثم نقل عن عدد من أئمتنا الكرام ما يقرر هذا الأمر فمن ذلك ما نقله عن مجاهد بن جبر ﵀ ورضي عنه أنه قال: (الفقيه من يخاف الله ونقل عن سيد التابعين وإمام المسلمين الحسن البصري عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين أنه قال: (إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المقبل على عبادة ربه) ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ .
اخوتي الكرام: هذا هو نعت عباد الله الطيبين المقربين، هذا هو نعت من يعمرون بيوت مالك يوم الدين في هذه الحياة ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
اخوتي الكرام: وقد وعدت أن نتكلم على هذه الصفة الرابعة ضمن أمرين اثنين ضمن بيان صفة الخوف وضمن لباب الأمر الثاني المتعلق بيوم القيامة وما يكون فيه، أما صفة الخوف فكما تقدم معنا سنتدارسها ضمن أربعة أمور أيضاً في تعريف الخوف وفي منزلة الخوف في شريعة الله جل وعلا، والأمر الثالث في ثمرة الخوف، والأمر الرابع في أسباب خوف المكلفين من رب العالمين، وقد مضى الكلام على الأمر الأول والثاني، وكنا نتدارس الأمر الثالث المتعلق بمباحث الخوف في ثمرات الخوف، وقد قررت اخوتي الكرام أن الخوف له ثمرات طيبة في العاجل والآجل في الدنيا والآخرة، فالذين يخافون رب العالمين لهم العز والتمكين في هذه الحياة وسيكون الله معهم في جميع الأوقات وسيتولى أمرهم وسيخذل أعداءهم وهو على كل شيءٍ قدير.
نعم إن من خاف الله خوف الله منه كل شيء، وإن من لم يخف من الله خاف من كل شيء، وقد قررت هذا اخوتي الكرام فيما مضى وأزيده شيء من الإيضاح في أول هذه الموعظة لأنتقل إلى ثمرات الخوف بعد ذلك في الآجل والآخرة.
стр. 4946
اخوتي الكرام: إن من خاف ذا الجلال والإكرام لا يهاب المخلوقين ولا يبالي بكيدهم أجمعين، وكيف يخافهم وهو يأوي إلى القوي المتين.. إلى رب العالمين.. إلى الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، هل يخاف العباد من خاف رب العالمين؟ لا ثم لا، فإذا دخل الخوف في قلب الإنسان من ذي الجلال والإكرام لن يخاف أحداً في هذه الحياة مهما كان شأنه، وكيف يخافه والله سيكفيه أعداءه وسينتقم من أعدائه من حيث لا يحتسب ﴿أليس الله بكافٍ عبده ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هادٍ * ومن يهد الله فما له من مضل، أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام﴾ أليس الله بكافٍ عبده؟ بكافٍ عبده المؤمن الذي أحبه وخافه ورجاه فقامت عبادته على هذه الأمور الثلاثة سيكفيه الله جل وعلا كل شيء ضر ومكر وسيتولى أمره وسينصره في هذه الحياة، وهو على كل شيءٍ قدير، أليس الله بكافٍ عبده؟ وما نسي به هنا العبد بأنه نبينا محمد ﷺ فهذا من باب تفسير العبد بأشهر ألفاظه وبأشرف أنواعه، فأول ما يدخل في المعنى بهذا اللفظ نبينا ﷺ فهو الذي حقق العبادة للرحمن على وجه التمام، أحبه وخاف منه ورجاه، لكن الأمر عام في كل موحد، أليس الله بكافٍ عبده؟ بكافٍ عبده الموحد إذا وحده فأفرده بحبه وخوفه ورجائه ﴿ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام﴾ .
стр. 4947
وإذا كان الله عزيزاً ينتقم ممن عصاه وممن عاد أولياءه فسيكفي عبده الموحد ضر العباد وسيدفع عنه كيدهم من حيث لا يحتسب، وقد قرأ الأخوان حمزة والكسائي من السبع وأبو جعفر من العشرة يزيد بن القعقاع وخلف من العشرة أيضاً والقراءتان متواترتان عن النبي ﷺ بصيغة الجمع وهو يقرر ما ذكرت ﴿أليس الله بكافٍ عباده﴾ عباده الموحدين، ويدخل في هذا دخولاً أولياً أنبياء الله ورسله وكل موحد حقق التوحيد في هذه الحياة، ﴿أليس الله بكافٍ عبده، ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل، أليس الله بعزيزٍ ذي انتقام *﴾ وقد أشار الله إلى هذا التقرير الذي ذكرته في أول سورة غافر فقال جل وعلا: ﴿حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير﴾ ﴿ذي الطول﴾ ذي الغنى والتفضل، فهو الغني ، وهو المتفضل على عباده لا إله غيره لا رب سواه، ﴿إليه المصير * ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد * كذبت قبلهم قوم نوحٍ والأحزاب من بعدهم وهمَّت كل أمةٍ برسولهم ليأخذوه، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم، فكيف كان عقاب *﴾ ﴿أليس الله بكافٍ عباده﴾ ﴿فأخذتهم، فكيف كان عقاب * وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ كما علموا في هذه الحياة وانتقم منهم رب الأرض والسموات سيلقيهم في الآخرة في أسفل الدركات وهو على كل شيءٍ قدير، ﴿فأخذتهم، فكيف كان عقاب * وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ .
اخوتي الكرام: إن من حقق توحيد ذو الجلال والإكرام فأفرد ربه بخوفه وبحبه ورجائه لا يخشى أحداً إلا الله جل وعلا، وقد تقدم معنا تقرير هذا موسعاً مفصلاً وسأختمه بقصتين اثنتين ثم انتقل إلى ثمرة الخوف في الآجل والآخرة إن شاء الله.
стр. 4948
القصة الأولى: رواه أئمتنا الكرام أبو نعيم في الحلية وغيره في ترجمة العبد الصالح شقيق بن إبراهيم أبي على البلخي الذي توفي سنة أربعة وتسعين ومائة للهجرة ١٩٤هـ وقد تقدم معنا ذكر كلامه اخوتي الكرام في أول الموعظة الماضية عندما قال: (مثل المؤمن كمثل من يزرع نخلاً ويخشى أن يحمل شوكاً، ومثل المنافق كمثل من يزرع شوكة ويطمع أن يحمل ثمراً) هذا العبد الصالح من العلماء الربانيين ومن الزهاد الصالحين ومن الغزاة المجاهدين حضر مرة في غزوة مع الكفار فلما اشتدت الحال فبدأت الرؤوس تندر (تسقط) والسيوف تكسر والرماح تقصص، أمسك هذا العبد الصالح أبو علي شقيق البلخي بيد تلميذه وصاحبه حاتم بن الأصم رحمة الله عليهم فقال: (كيف تجد نفسك؟ هل تجد نفسك كليلة عرسك، قال: لا ولكني أجد نفسي كأني في ليلة عرسي، رؤوس تقطع وسيوف تكسر، رماح تقصص ومع ذلك هذا العبد مطمئن القلب ربه جل وعلا يعلم أن الله سيتولاه، كيف وقد أفرده بحبه وخوفه ورجائه فقال له لكني أجد نفسي كيوم عرسي، يقول حاتم الأصم: ثم وضع هذا العبد الصالح شقيق البلخي درقته وهي الترس المصنوع من الجلد وضعه بين الصفين ونام حتى إني لأسمع غطيطه، أسمع غطيطه والحال كما ذكر رؤوس تقطع ورماح تقصص وسيوف تكسر ومع ذلك ينام بين الصفين وينزل الله النعاس عليه أمنة منه ورحمة و، نعم هذا حال الموحد الذي أفرد الله جل وعلا بحبه وخوفه ورجائه.
стр. 4949
اخوتي الكرام: وهذا العبد الصالح يقول عنه الإمام الذهبي في ترجمته في الجزء التاسع صفحة أربعة عشر وثلاثمائة ٩/٣١٤ من سير أعلام النبلاء (كان من المتألهين والعباد الزاهدين ومع ذلك كان من رؤوس الغزاة والمجاهدين، وهذا العبد الصالح من أئمة الصوفية الصادقين المتقدمين وقد كثر لسبطٍ في هذا الحين حوله الصوفية وأنهم كثير من الناس هذه الفرقة المتقدمين والمتأخرين منهم بالضلال وهذا عين الضلال، فالإنصاف أن توزن أعمال الإنسان على حسب كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فهذا العبد الصالح من العلماء الربانيين وله لسان صدق في هذه الأمة وما ترجمه هو وغيره من أئمة التصوف الصادقين إلا وأثنى عليه أئمتنا الذين نرجع إليهم في التوفيق والتعديل والتجريح، عباد الله وكان هذا العبد الصالح رحمة الله ورضوان الله عليه يقول كلاماً حقيقته يخرج هذا الكلام من مشكاة النبوة ومن توحيد الله الخالق، فكان يقول كما في الحلية وغيره (من شكا مصيبته إلا غير ربه حرمه الله حلاوة العبادة) من عبد الله مأتي سنة ولم يعرف هذه الأربع ولم يقم بها فلم يفلح ولن ينجح وأن يعرف ربه جل وعلا وأن يعرف حق الله عليه وأن يعرف نفسه وأن يعرف عدوه وعدو ربه جل وعلا، ومن كلامه الطيب كان يقول:
(ميز بين من تعطيه وبين من يعطيك، ميز بين ما تعطي وما تعطي، فإذا كان من تعطيه أحب إليك من مَن يعطيك فأنت عامل من عمال الآخرة، وإذا كان من يعطيك أحب إليك من مِن تعطيه فأنت عامل من عمال الدنيا) عبد صالح من العلماء الربانيين.
стр. 4950
نعم إذا كان عامة من ينتسب في هذا الوقت إلى التصوف دجاجلة إلا من رحم ربك فلا يجوز أن نحمل وزرهم للصالحين والصادقين، لكنني أريد عند هذه القصة فيمن يبحثون في التصوف ويرون أنه جاء من عباد الهنود والبقر ومن المجوسية وغير ذلك وأن الصوفية عطلوا الجهاد في سبيل الله، أريد أن أقول لهؤلاء الذين ملئوا الدنيا جعجعة باسم التوحيد والعقيدة عندما توقعتم وقوع معمعة عليكم لجئتم إلى من لعنه الله من فوق سبع أرقعة حتى إن بعضكم وصل به الأمر أن برر لبس الصلبان إذا وجدت به عادة البلدان، هل التوحيد والعقيدة كلام يقوله الإنسان أم سلوك يترجمه في هذه الحياة يدل على إيمانه برب الأرض والسموات، أي عقيدة وأي توحيد وأي توكل على الله المجيد إذا دخلنا في كنف من لعنه الله وغضب عليه، ثم ندعي بعد ذلك أننا أهل توحيد وأننا أهل عقيدة باسم التوحيد وباسم العقيدة، ترك التوحيد وترك العقيدة، ليست العقيدة ولا التوحيد كلاماً يقال باللسان، وإذا كان الصوفية في هذه الأيام أساؤوا إلى الصوفية السابقين فإن من ينتسبون إلى السلف في هذه الأيام من ينسبون أنفسهم زوراً وبهتاناً حقيقة أساؤوا إلى سلفنا الكرام الطيبين، أي توحيد هذا أن نخاف من المخلوق وأن ندخل في كنف كافر من أجل عرض من الدنيا لا وزن له ولا اعتبار، أي توحيد هذا؟ وانظر لهذا الموحد الصادق رؤوس تقطع سيوف تكسر ورماح تقصص ثم يقول لأصحابه هل تشعرون أم أنكم في ليلة عرسكم، فإذا قال له بعضهم لا يقول أنني أشعر كأنني ليلة عرسي، والله هذا هو التوحيد وهذه هي العقيدة الحقة الصادقة التي علمها نبينا ﷺ لهذه الأمة.
اخوتي الكرام: لابد من وعي ولا داعي بعد ذلك لجعجعة في هذه الأيام لا وزن لها ولا اعتبار عند ذي الجلال والإكرام.
стр. 4951
والقصة الثانية: التي سأذكرها في بيان أمر الخوف في هذه الحياة عندما يتصف الإنسان بالخوف من رب الأرض والسموات، عفان بن مسلم بن عبد الله من أئمتنا الكرام الأبرار توفي سنة عشرين ومائتين للهجرة ٢٢٠هـ إمام ثقة حديثه في الكتب الستة، هذا العبد الصالح هو أول من امتحن في محنة خلق القرآن، فاستدعاه إسحاق بن إبراهيم الذي كان أميراً على العراق مدة ثلاثين سنة ٣٠سـ متتالية من قبل حكام بني العباس من المامرن فمن بعده، وكان هذا العبد إسحاق بن إبراهيم كما يقول عنه الإمام بن كثير في البداية والنهاية كان على حال أسياده وكبرائه وممن قال الله فيه وفي أمثاله ﴿ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً﴾ هذا العبد إسحاق عندما استدعى هذا الإمام الصالح عفان بن مسلم وهو أول من امتحن في محنة خلق القرآن قبل الإمام أحمد بن حنبل وقبل غيره من الأئمة الكرام فعرض عليه كتاب الخليفة المأمون الذي أرسل به من الجزيرة إلى العراق ليبدأ بمحنة علماء الإسلام وليبدأ بعفان فعرض عليه الكتاب وهل تقر بأن القرآن مخلوق؟ فقال أيها الأمير، أقرأ قول الله الجليل:
стр. 4952
﴿قل هو الله أحد الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد *﴾ أمخلوق هذا؟ قل هو الله أحد، أمخلوق هذا؟ فقال: دع عنك هذا الكلام فهذا كتاب الخليفة فإن قلت إنه مخلوق كتبت إليه بذلك وقد أمرني إذا قلت بذلك وأن أبقيك على أمرك وأن يجري عطاؤك كما كان، وكان يسرف له في كل شهر خمسمائة درهم، فإن بقيت أجري عليك العطاء، فقد أمرني الخليفة بقطع العطاء عنك، قال: سبحان الله تقطع عطائي، وإذا قطعت عطائي فهل قطعت رزقي والله يقول في كتابه ﴿ورزقكم في السماء وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ هذا هو التوحيد الخالص، تهددني بقطع رزقي والله يقول ﴿ورزقكم في السماء وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ فقال له الأمير: قم فقد قطعنا عطاؤك، فقام عفان بن أسلم ودخل إلى بيته وفيه أزواجه وأولاده وقد بلغوا أربعين نفساً، فعزلوه ولاموه وقالوا هل لا ينتفي الكلام من أجل هذا الحطام، من أجل عرض الدنيا فقال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ فلما حان المغرب قرع الباب فجاء رجل في صورة سمان أو زياد قال: أبا عثمان ثبتك الله على الصراط كما ثبت الإسلام، وهذه ألف درهم تصل إليك في كل شهر على الدوام، قطع عنك خمسمائة فهذه ألف درهم ولا يعرفه ﴿ولا يعلم جنود ربك إلا هو﴾ أبا عثمان ثبتك الله على الصراط كما ثبت الإسلام، ولما امتحن بعده أبو نعيم الفضل بن دكين وهو من أكابر الشيوخ البخاري ومن أئمتنا الكرام وحديثه في الكتب الستة هدد أيضاً بقطع الرزق قطع زراً من قميصه ورمى به إلى جهة الأمير وقال: ما دنياكم عندي إلا أقل من هذا الزر، وما قطع رقبتي عندي إلا أقل من هذا الزر. تخوفوننا بشيءٍ لا وزن له ولا اعتبار، هذا هو التوحيد وهذا الذي كان عليه أئمتنا الأبرار، وقد تولاهم الله وأعزهم الله وجعل لهم لسان صدق في هذه الأمة.
стр. 4953
اخوتي الكرام: هذه هي ثمرة التوحيد في العاجل، إن الإنسان يكتب له العز والتمكين والنصر المبين فيتولى الله أمره في كل حين، وأما في الآجل في الآخرة فحدث ولا حرج عن الثمرات اتي يقطفها من خاف رب الأرض والسموات، إنه سيكون في أمن في ذلك اليوم العصيب الرهيب، وسيكون بعد ذلك ﴿في جنات ونهر * في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر﴾ أشارت آيات القرآن الكريم إلى هذا في كثير من المواضع والأماكن منها قول الله جل وعلا في سورة البينة: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، رضيَ الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشيَ ربه﴾ لمن خاف الله.
﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ ويقول ربنا الملك في سورة الملك: ﴿إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجرٌ كبير﴾ وهكذا يقول الله جل وعلا في سورة ق بعد أن ذكر عقوبة الكافرين ومن لم يخف منه في هذه الحياة الدنيا فقال جل وعلا: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد * وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أوابٍ حفيظ * من خشيَ الرحمن بالغيب وجاء بقلبٍ منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد*﴾ يزيدهم الله كرامات أعلاها النظر إلى نور وجه رب الأرض والسموات، ثبت هذا في تفسير الطبري وغيره من رواية على وأنس بن مالك ﵁، ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾ هو النظر إلى وجه الله المجيد.
إذاً هذه هي ثمرة الخوف في الآجل في الآخرة، وقال جل وعلا في سور الرحمن ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ وهاتان الجنتان تكونان للسابقين المقربين وجنتان أيضاً بعد ذلك تكونان للتابعين أصحاب اليمين كما قال الله ﴿ومن دونهما جنتان﴾ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ .
стр. 4954
روى الإمام بن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة عمر بن جامع والأثر رواه البيهقي في شعب الإيمان كما في تفسير الإمام ابن كثير وتفسير والدر المنثور للإمام السيوطي (أن شاباً في عهد عمر بن الخطاب ﵁ علقت به وهو يته امرأة حسناء فعرضت نفسها عليه ولا زالت تراوده وتلح عليه حتى استجاب إليها بعض الشيء، وهم أن يدخل معها البيت فتذكر قول الله جل وعلا: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ والطائف هو الخيال الذين يدور خيال من الشيطان وسوسة تدور حولهم لا ترسخ في أذهانهم ولا في قلوبهم ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ وفي قراءة متواترة أيضاً عن نبينا ﷺ ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طيفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ أي لمة وخطرة وتخطر في قلوبهم ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طيفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ .
والقراءتان متواترتان عن نبينا ﷺ ، فلما استحضر الشاب هذه الآية صعق وخر مغشياً عليه، فلما صحى أخذته الحمى وبدأت به الرعدة الشديدة حتى مات ﵀ وغفر له، فبعد أن دفن جاء عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين إلى والده وعزاه ثم سيدنا عمر ﵁ مع الصحابة الكرام إلى قبر هذا الفتى ونداه يا فتى: قال الله ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ فنادى الفتى من قبره: نعم يا أمير المؤمنين قد أعطانيها رب العالمين ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ .
стр. 4955
وكما قلت اخوتي الكرام جنتان للسابقين وجنتان للتابعين أصحاب اليمين، كما ثبت هذا عن نبينا الأمين ﷺ ففي مسند الإمام أحمد والصحيحين والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود، والحديث رواه الإمام الطبري في تفسيره وابن أبي شيبة في مصنفه ورواه البيهقي في الأسماء والصفات وفي كتاب الأعتقاد وفي كتاب البعث وفي كتاب شعب الإيمان، ورواه أبي حاتم في تفسيره وابن المنذر في تفسيره أيضاً والإمام ابن مندفة رد على الجهمية وهو في أعلى درجات الصحة لإخراج الشيخين له من رواية أبي موسى الأشعري ﵁ وأرضاه، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول [جنتان من ذهب آنيتها وما فيها وجنتان من فضة آنيتها وما فيها وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن] والحديث رواه الحاكم في المستدرك أيضاً وابن أبي حاتم في تفسيره وابن المنذر في تفسيره وابن مردويه في تفسيره عن أبي موسى الأشعري ﵁ موقوفاً عليه وله حكم الرفع إلى نبينا ﷺ أنه قال: [جنتان من فضة آنيتها وما فيها للتابعين] والحديث رواه الإمام بن جرير الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم في تفسيره بسند صحيح كما قال ذلك الإمام ابن حجر في فتح الباري عن أبي موسى الأشعري ﵁ مرفوعاً إلى نبينا ﷺ أنه قال [جنتان من ذهب آنيتها وما فيها للسابقين وجنتان من ورق (معنى من فضة) آنيتها لأصحاب اليمين] ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ ولا بشيءٍ من آلائك ربنا نكذب ولك الحمد، ثم قال جل وعلا في وصف هاتين الجنتين ما قال ﴿ذواتا أفنان﴾ ثم انتقل إلى الجنتين الأخريين فقال جل وعلا: ﴿ومن دونهما جنتان * مدهامتان﴾ إلى آخر ما نعت الله به الجنتين اللتين تكونان للسابقين والجنتين اللتين تكونان لأصحاب اليمين.
стр. 4956
اخوتي الكرام: وتثنية الجنة هنا يراد منه حقيقته وما شذ به النزاع فقال: إن الجنة الواحدة تكون للسابقين وجنة ثانية تكون لأصحاب اليمين وثني هذا اللفظ على عادة العرب في تثنية الجنة ولا يوجد في الحقيقة جنتان، فهذا لبسط وصفصفة كما رد عليه أئمتنا الكرام وكل هذا باطل لا يجوز أن يعول عليه فهو خلاف القرآن وخلاف ما أخبر به نبينا ﷺ لدخول مؤمني الجن الجنة كما يدخل مؤمني الإنس الجنة لأن الله جل وعلا يقول لمعشر الإنس والجن ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان * ولمن خاف مقام ربه جنتان*﴾ .
وهذا هو المعتمد عند أهل السنة الكرام في مؤمن الجن من أقوال أربعة، قيلت في ذلك هذا أرجحها وهو المعتمد فيها وقيل إنهم يكونون في ربط الجنة ولا يتمتعون كما نتمتع به ونراهم ولا يروننا كما أنهم في الدنيا يروننا ولا نراهم ولا دليل يدل على ذلك وقيل أنهم يكونون على الأعراف، وقيل تتوقف في شأنهم ونكل أمرهم إلى ربهم جل وعلا، وقد دل ظاهر القرآن على أمرهم يدخلون غرف الجنان إذا آمنوا بالرحمن كما هو الحال في بني الإنسان ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ أي يا معشر الإنس والجن، ولذلك لما تليت هذه الآيات من سورة الرحمن على الجن كانوا حتى أحسن جواباً فقالوا: ولا بشيءٍ من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ .
وقد قرر هذا الكلام اخوتي الكرام أئمتنا الكرام في كتب التوحيد ومن أراد أن يتوسع في هذه المسألة ينظر كتاب (آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان) للإمام الصالح محمد بن عبد الله أبي عبد الله الشبلي الذي توفي سنة تسعة وستين وسبعمائة للهجرة ٧٦٩هـ وهو من تلاميذ شيخ الإسلام الإمام بن تيمية وكان من القضاة الصالحين في بلاد الشام، ألف كتاباً كبيراً في ما يتعلق بالجن (آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان) .
стр. 4957
اخوتي الكرام: من خاف الله في هذه الحياة له النجاة بعد الممات ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ وكنت أشرت في أول المواعظ السابقة عند مبحث الخوف أن من يخاف من الله جل وعلا له أجر كبير في العاجل والآجل واستشهدت بعد ذلك بما يتعلق ببعض الأمور بقول الله جل وعلا: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنَّة هي المأوى﴾ ومر معنا الكلام هناك في إضافة المصدر إلى الفاعل أو إلى المفعول كما تقدمت معنا آية الطور في قول العزيز الغفور: ﴿إن المتقين في جنَّاتٍ ونعيم * فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم*﴾ .
ثم ذكر الله جل وعلا نعتهم وما يحصلون في جنات النعيم وأخبر عنهم بأي شيءٍ استحقوا ذلك فقال: ﴿وأقبل بعضهم على بعضٍ يتساءلون * قالوا إنا كنا في أهلنا مشفقين * فمنَّ الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنَّا كنَّا من قبل ندعوه، إنَّه هو البر الرحيم﴾ .
اخوتي الكرام: وكما دل على ذلك آيات القرآن فقد تتواترت بذلك الأحاديث عن نبينا ﷺ سأقتصر على ثلاث أحاديث تقرر أن من يخاف الله في هذه الحياة له النجاة بعد الممات وهو في غرف الجنَّات.
الحديث الأول: رواه الإمام أحمد في المسند والشيخان في الصحيحين، ورواه الإمام النسائي والترمذي في السنن، ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأةٍ ذات منصبٍ وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه] .
стр. 4958
تأمل أوصاف هؤلاء السبعة فسترى الصفة البارزة فيهم خوفهم من باريهم، فالإمام العادل ما عدل إلا لأنه يعلم أنه سيؤول إلى الله وسيحاسبه على النقير والقطمير، وذاك العبد الصالح عرضت امرأة نفسها عليه وهي على حظ من منصب وجمال فقال إني أخاف الله، وهذا لمراقبته ربه وخوفه منه يكتم أعماله حتى لا تعلم الشمال ما تتصدق به اليمين، وذاك شاب ينشأ في طاعة ربه، وهذا يذكر الله خالياً فتفيض عيناه ﴿إنَّ الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجرٌ كبير﴾ وقد أخبرنا نبينا ﷺ أن من خاف هنا سيأمن يوم الآخرة، وقد ورد الحديث بذلك في صحيح ابن حبان، والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه الإمام البزار في مسنده عن أبي هريرة ﵁ ورواه البزار وشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد، وابن أبي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء عن الحسن البصري مرفوعاً إلى النبي ﷺ فهو مرسل، والأثر الأول كما تقدم معنا من طريق أبي هريرة وقد رواه البزار مرسلاً ومتصلاً، والحديث صحيح عن نبينا ﷺ أنه قال: قال الله [وعزتي وجلالي لا أجمع على عبد أمنيين ولا أجمع له خوفين، فإن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة] هذه هي ثمرات الخوف في الآجل عند الله ، وآخر الأحاديث وهو الحديث الثالث الذي سيذكره في ذلك (أن من خاف الله ودعاه خوفه للبكاء من خشية الله ستحرم النار عليه ولن يدخلها بحال من الأحوال كما أخبر بذلك نبينا الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ ) .
стр. 4959
روى الإمام الترمذي في سننه والإمام النسائي في سننه وابن حبان في صحيحه من رواية أبي هريرة أيضاً ﵁، والحديث رواه الحاكم أيضاً في المستدرك، والإمام أحمد في المسند ورواه البيهقي في السنن الكبرى، ورواه أيضاً في شعب الإيمان ورواه البخاري والإمام هنَّاد في كتاب الزهد، وسند الحديث صحيح كالشمس كما قلت من رواية أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع منه الغبار لا يمكن أن يدخل بعد ذلك النار، وهكذا من بكا من خشية العزيز القهار ستحرم عليه النار ولا يمكن أن يدخلها كما لا يمكن للبن أن يعود إلى الضرع، وهذا الحديث روي ما يشهد له ويدل عليهم أنه صحيح بذاته، لكن ما يدل على معناه أحاديث كثيرة متعددة عن نبينا ﷺ .
فمن ذلك ما رواه الترمذي في سننه والبيهقي في شعب الإيمان، والحديث حسَّنه الإمام الترمذي عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: [عينان لا تمسهما النار، عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله] .
стр. 4960
والحديث بهذا اللفظ أو قريباً منه رواه الإمام أبو يعلي أيضاً، والإمام الطبراني في معجمه الأوسط ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد لكن عن أنس بن مالك ﵁ وإسناد الحديث جيد، والحديث أيضاً بنحو هذا اللفظ رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك ورواه أيضاً الإمام النسائي في السنن الكبرى، ورواه الدارمي في مسنده، والإمام الطبراني في معجمه الكبير، ورواه ابن أي الدنيا في كتاب الرقة والبكاء من خشية الله وعليه باتت تحرس في سبيل الله، والحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني وابن عساكر عن العباس عن نبينا ﷺ ، ورواه الإمام الطبراني عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وهو معاوية بن حيدة ﵁، وري أيضاً معناه الإمام الحاكم والبغوي في شرح السنة عن أبي هريرة ﵃ أجمعين [عينان لا تمسهما النار، عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرس في سبيل الله] .
أسأل الله تعالى برحمته وسعت كل شيءٍ أن يرزقنا خشيته في السر والعلن والقصد في الفقر والغنى وكلمة الحق في الرضى والغضب، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
أقول هذا القول وأستغفر الله.
стр. 4961
ثمرة الخوف
(من خطب الجمعة)
للشيخ الدكتور
عبد الرحيم الطحان
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ثمرة الخوف
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.
اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ .
﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ .
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ .
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ .
أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..
стр. 4962
أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى الله جل وعلا المساجد، فهي بيوته وفيها نوره وهداه، وإليها يأوي الموحدين المهتدين في هذه الحياة، وقد نعت الله الرجال الذين يعمرون بيوته في الأرض بأربع صفات تدل على أنهم بلغوا رتبة الكمال لا تلهيهم التجارات ولا البيوع عن الغاية التي خلقوا من أجلها يسبحون الله ويصلون له ويعظمونه، يحسنون إلى العباد ويشفقون عليهم ويساعدونهم، يبذلون ما في وسعهم استعداداً للقاء ربهم ﴿في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .
اخوتي الكرام: وهذه الصفات الأربع التي نعت الله بها هؤلاء الرجال قد مضى الكلام على ثلاث منها فيما مضى وشرعنا في مدارسة الصفة الرابعة لهؤلاء الرجال ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ وقلت تحت هذه الصفة أمران ينبغي أن نتدارسها.
الأمر الأول:- خوف هؤلاء الرجال من ذي العزة والجلال.
الأمر الثاني:- إثبات يوم الميعاد واستحضاره دائماً في أذهان هؤلاء العباد.
أما الأمر الأول:- ألا وهو خوف هؤلاء الرجال من الكبير المتعال، فقلت سأجمل الكلام عليه في أربعة أمور نتدارس فيها:
١- تعريف الخوف
٢- منزلة الخوف
٣- وثمرة الخوف
٤- والأسباب التي تدعوا المكلفين للخوف من رب العالمين.
وقد تدارسنا ما يتعلق بالأمر الأول، والثاني ونلخص ما تقدم فنقول:
١- الخوف هو تألم القلب واحتراقه لتوقع حدوث مكروه في المستقبل
٢- ومنزلة الخوف في شريعة الله منزلة عظيمة كيف لا وهو أحد الأركان الثلاثة التي تقوم عليها عبادة اله جل وعلا، حبه، ورجائه، والخوف منه.
اخوتي الكرام..
هؤلاء الرجال بذلوا ما في وسعهم في طاعة ربهم، والإحسان إلى الخلق، وما ألهتهم الدنيا عن الواجب الذي خلقوا من أجله مع ذلك هم خائفون وجلون.
стр. 4963
نعم هذا هو شكل المؤمن ورحمة الله على العبد الصالح شقيق ابن إبراهيم أبي علي البجلي عندما يقول مثل المؤمن كمثل رجل زرع نخلة وهو يخشى أن يخرج شوكاً، ومثل المنافق كمثل رجل زرع شوكاً وهو يطمع أن يثمر ثمراً، هيهات هيهات زرع النخل وأحسن عبادة الله ومع ذلك يخاف ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ وأما ذاك فأساء العمل وما أطاع الله وأساء إلى العباد وبعد ذلك يتمنى على الله الأماني.
اخوتي الكرام: إن الخوف من الله جل وعلا ضروري لعباد الله في هذه الحياة، روى الإمام الحاكم في مستدركه بسندٍ صحيح للشيخين أقره عليه الذهبي، والأثر في الحلية أيضاً وفي كتاب الزهد للإمام همام بن السري وكتاب الزهد أيضاً للإمام وكيع ﵀ عليهم جميعاً عن عبد الله بن عبيد الله وهو من التابعين الأبرار أكرمه الله بالتبرك برؤية ثلاثين صحابياً من صحابة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام وتوفي هذا العبد الصالح سنة سبعة عشر ومائة للهجرة ١١٧هـ وحديثه مخرج في الكتب الستة وهو ثقة فقيه إمام عدل رضاً، يقول هذا الذي أدرك ثلاثين من الصحابة رضوان الله عليهم يقول (جلسنا في الحجر إلى عبد الله بن عمرو ابن العاص ﵃ أجمعين فقال لنا: ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا والذي نفسي بيده لو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره ولبكى حتى يتقطع صوته) .
والجملة الأولى: رويه عن صديق هذه الأمة سيدنا أبي بكر ﵁ وأرضاه في كتاب الزهد للإمام احمد وفي كتاب الزهد لشيخ الإسلام عبد الله بن المضار ورواها بن أبي شيبة في المصنف لسيدنا أبي بكر ﵁ أنه قال (إبكوا فإن لم تبكوا فتباكوا) أي استدعوا البكاء وتكلفوه من خشية رب الأرض والسماء.
стр. 4964
اخوتي الكرام: هذه هي صفات الرجال وهذه هي صفات الأبرار، وهذا الوصف كما يتصف به الرجال في هذه الحياة الذين يعمرون بيوت رب الأرض والسماوات فيتصف بهذا الوصف أيضاً ملائكة الله الكرام، فهم يخافونه ويخشونه يقول الله مثيراً إلى إثبات هذا الوصف فيهم في سورة النحل: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون﴾ الملائكة أيضاً تسجد للحي القيوم ثم قال في نعتهم جل وعلا ﴿يخافون ربهم من فوقهم يفعلون ما يؤمرون﴾ وهم الكرام المطهرون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ومع ذلك يتصفون بالخوف والوجل من الله .
كما قال الله جل وعلا في سورة الأنبياء: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، سبحانه بل عبادٌ مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون﴾ وجلون خائفون.
стр. 4965
وقد أخبرنا نبينا ﷺ عن ما لعظام الملائكة وكبراهم ومنزلتهم في هذه الصفة، أعني صفة الخوف نحو ربنا وربهم جل وعلا، ففي معجم الطبراني الأوسط، وإسناد الأثر لجامعة رجال الصحيح كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد عن جابر بن عبد الله ﵃ أجمعين قال سمعت النبي ﷺ يقول [رأيت جبريل ليلة أسري بي كالحنس البالي من خشية الله ، كالحنس البالي وهو الخرقة والكساء التي توضع على ظهر البعير كأنها خرقة بالية متقطعة من خشية الله ومن خوفه من الله جل وعلا، والأثر رواه الإمام الجزار أيضاً، والإمام الطبراني في معجمه السابق عن أنس بن مالك ﵃ وعن نبينا ﷺ قال [مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى فإذا جبريل كأنه من حنس وأطئ من خشية الله جل وعلا، كأنه حنس ذليل ملتصق بالأرض من خشية الرب ] هذا وصف أفضل الملائكة وأعلاهم جبريل ﵇، وهكذا حال الملائكة الكرام.
стр. 4966
ففي مسند الإمام أحمد، والحديث رواه الإمام ابن أبي الدنيا في كتابه الخائفين وقال شيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم الأثري في معجم حمل الأسفار في الأسفار، إسناد الحديث جيد عن أنس بن مالك ﵁ والأثر رواه الإمام بن شاهين في كتاب السنة مرسلاً عن ثابت بن أسلم البولاني تليمذ أنس مرسلاً إلى نبينا ﷺ ، ورواية الحديث المسند المتصل كما تقدم معنا إسنادها جيد ولفظ الحديث عن أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ [يا جبريل مالي لا أرى ميكائيل ضاحكاً، مالي لا أرى ميكائيل يضحك، هذا الملك الموتكل بحياة الأبدان والحيوان ما رأيته ضاحكاً قط، فقال جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يا محمد ﵊ إن ميكائيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار، قال شيخ الإسلام الإمام عبد الرحيم الأثري وقد ورد هذا الوصف في حق جبريل وإسرافيل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام قال الإمام البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ [إن إسرافيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار] وهذا الوصف أيضاً ثبت لجبريل، روى ذلك أيضاً الإمام بن أبي الدنيا في كتاب الخائفين، وهؤلاء الملائكة الكرام أفضل الملائكة على الله ومع ذلك يخافون هذا الخوف وما ضحك واحد منهم قط ولهم شأن عظيم وقد كان نبينا ﷺ يتوسل إلى الله جل وعلا بربوبيته لهؤلاء أن يوحيا الله قلبه في ذلك تعليم لنا أن ندعوا بهذا الدعاء، والحديث ثابت في المسند وصحيح مسلم والسنن الأربعة عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي يفتتح صلاته فيقول [اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء
стр. 4967
إلى صراطٍ مستقيم] ، اللهم رب جبريل المتوكل بحياة القلوب وميكائيل المتوكل بحياة الحيوان والأبدان، وإسرافيل المتوكل بحياة المخلوقات أسئلك أن تحي قلبي فأنت على كل شيءٍ قدير] وتقدم معنا اخوتي الكرام في مباحث النبوة على نبينا ﷺ أن نبينا ﷺ كان يتوسل بربوبية الله لهؤلاء الملائكة العظام في أدعية كثيرة ذكرت بعضها في هذا المسجد.
إذن هذا الوصف أعني صفة الخوف من الله هو وصف عباد الله المقربين في الدنيا في الأرض، في السماء، هذا وصف المؤمنين من الجن والإنس، وهذا هو وصف ملائكة الله الكرام الطيبين.
اخوتي الكرام: وإذا تدارسنا تعريف الخوف ومنزلته فبقى علينا أن نتدارس ثمرته وأسبابه.
أما ثمرة الخوف فثماره كثيرة وفيرة سأجملها في ثمرتين اثنتين لعل الله ييسر الكلام عليهما في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله.
١- الثمرة الأولى:- ثمرة يحصلها الخائف من الله في هذه الحياة.
٢- الثمرة الثانية:- ثمرة يحصلها الخائف من الله بعد الممات.
الثمرة الأولى:- أما ثمرة الخوف في هذه الحياة فالخائف من الله ، فالذي أفرد ربه بخوفه فلا يخاف سواء له العزة والتمكين في هذه الحياة وله من الله النصر المبين، والله سيؤيده في كل حين، من خاف الله كفاه الله ما عداه، فقد أشارت آيات القرآن إلى هذا وأوضحته غاية الإيضاح بينه لنا نبينا ﷺ فلنقف عند ذلك وقفة لنعلم حقيقة الأمر ولنعلم سبب ضياعنا في هذا الوقت.
стр. 4968
قال الله جل وعلا في سورة إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكنَّ الظالمين ولنسكننَّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد * واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيد *﴾ ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا﴾ كما هي عادة الطغاة في جميع الأوقات، طرد من البلاد أو سجن أو قتل وظلم ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا لثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم﴾ والوحي إعلام في خفية وسرية والله طمأن رسله وقال أنتم تخافون فلا خوف عليكم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكنَّ الظالمين ولنسكننَّكم الأرض من بعدهم﴾ وهذا الجزاء وهذه الثمرة ينالها من خاف من الله ، ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ ولفظ المقام هنا إما أنه مصناف الفاعل المصدر مصناف إلى الفاعل ويصبح معنى الكلام ذلك لمن خاف قيام الله عليه ومراقبته له وإحاطته به فلا يخرج شيء في هذا الكون من عرشه إلى فرشه عن قبضة الله وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ذلك لمن خاف قيام الله عليه وعلم أنه وغيره من عباد الله لا يملك كل واحد من المه لنفسه نفعاً ولا ضراً، ذلك لمن خاف قيام الله عليه المراقبة والإحاطة والاضطلاع كما قال الله : ﴿أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبؤنه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهرٍ من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل، ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ .
стр. 4969
لا يوجد أحد في هذا لعالم يحفظ المخلوقات ويراقبها وهي في قبضته إلا الحي القيوم ﴿أفمن هو قائم على كل نفسٍ بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم﴾ أنعتوهم الصفات التي تقتدي أن يكونوا آله مدبرين قيومين ﴿قل سموهم﴾ وهنا ذلك لمن خاف مقام لمن خاف قيام عليه بالمراقبة والإحاطة والاضطلاع، إن الذين يخشون ربهم بالغيب يعلمون الله معهم أينما كانوا فيخافون منه فمن خاف الله لن يتخلى الله عنه، ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ ابشروا يا معشر الرسل ويا أتباع الرسل أنه ليس للظالمين عليكم سبيل لأهلكنَّهم ولأسكننَّكم الأرض من بعدهم فلا راد لحكم ولا معقب لقضائي ولا أسئل عما أفعل وهم يسئلون، لكن حققوا هذا الوصف فيكم لتنالوا تلك الثمرة، ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ .
стр. 4970
والمعنى الثاني: المصدر مضاف للمفعول ذلك لمن خاف مقام: أي لم خاف قيامه بين يدي وعلم أنه عبد ذليل منكسر حقير لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فهو خاف قيامه بين يدي لأني سأجمعه ليوم تشخص فيه الأبصار وتتقلب فيه القلوب، من خاف قيامه في هذا اليوم الذي لا ريب فيه وأعد لذلك اليوم عدته لن يتسلط عليه متسلط مهما كان شأن ذلك الجبار وقد رجع الإمام بن القيم عليه رحمة الله المعنى الثاني وقال أنه أليق بالآية ولا داعي للترجيح فالآية تحتمل القولين وهما متلازمان، فمن علم أن الله حي قيوم قائم على جميع أمور العباد ومدبرٌ لها سيخاف قيامه بين يديه عندما يؤول إليه وعليه الأمران متلازمان ولا يخاف الإنسان القيام بين يدي الله إلا بعد معرفته أن الله قيوم مدبر لأمور عباده في الدنيا والآخرة فالمعنيان متلازمان ثابتان لمن خاف قيام الله عليه وخاف قيامه بين يديه، وهذان المعنيان يقالان في نظير هذه الآية من سورة الرحمن: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنَّتان﴾ ومن ذلك قول الله في سورة النازعات: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنَّة هي المأوى﴾ خاف قيام الله عليه ومراقبته وإحاطته به، وخاف قيامه بين يديه في يوم لا ريب فيه.
﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودنَّ في ملتنا، فأوحى إليهم ربهم لنهلكنَّ الظالمين * ولنسكننَّكم الأرض من بعدهم، ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ وقد ذكر لنا الله نماذج لهؤلاء الرسول بعد أجملهم في هذه السورة فاسمعوا لهذا.
стр. 4971
١. النموذج في سورة الأنعام:- عندما يخبر ربنا عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا ﷺ بعد أن حاج قومه في بطلان آلهتهم وعبادتهم الكواكب من دون ربهم فقال في آخر محاجة ﴿فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر، فلمَّا أفلت قال يا قومِ إني بريءٌ مما تشركون * إني وجهت وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين * وحاجَّهُ قومه، قال أتحاجُّونِّي في الله وقد هدانِ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء، إن ربك حكيمٌ عليم﴾ انتبه إلى دلالة الآيات لهذا الأمر اخوتي الكرام ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن﴾ فأي الفريقين أحق بالأمن في الدنيا والآخرة؟ من خاف من الله ولم يخف من سواه؟، أو من خاف من سواه ولم يخف من مولاه؟ ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ وقبلها في الآية يقول ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ والاستثناء هنا كما قال أئمتنا الكرام في كتب التفسير استثناء منقطع بمعنى لكن، ولا أخاف ما تشركون به ولكن إذا شاء ربي أن ينزل بي مصيبة في هذه الحياة فهو الذي يدبر أمور عباده وهو أعلم بهم، ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ لكن إذا شاء ربي أن ينزل بي مصيبة ليطهرني ويرفع من درجاتي، هذا هو مولاي وربي لا يسأل عما يفعل، يروي الإمام أبو نعيم في كتاب الحلية عن إبراهيم بن الوليد أنه دخل على الشيخ الصالح
стр. 4972
إبراهيم المغربي وقد رفسته بغلة فكسرت رجله فقال ما هذا، قال سبحان الله لولا المصائب لقدمنا على الله مفاريس، فإذا قدر الله على خليله على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه وعلى موحد من الموحدين مصيبة في هذه الحياة ليس هذا بسبب آلهتهم المزيفة التي تعبدونها من دون رب الأرض والسموات ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ ولكن إذا شاء ربي شيئاً كأن ينزل بي مصيبة فهو الذي لا يسأل عما يفعل ﴿وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء، إن ربك حكيمٌ عليم﴾ كانت النتيجة أن نجَّى الله خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه ونصره من كبير الكافرين الملعونين ومثل ذلك كثير اخوتي الكرام.،
نموذج آخر تحليه لنا ربنا الرحمن أيضاً في سورة هود
стр. 4973
٢. النموذج الثاني: في القرآن في سورة هود عن نبيه هود عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه فيقول ﴿وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم ما أسلكم عليه أجراً، إن أجرى إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوةً إلى قوتكم ولا تتولوا مدبرين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينةٍ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوءٍ، قال إني أشهد الله واشهدوا أنِّي بريءٌ مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إنِّي توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها، إنَّ ربي على صراطٍ مستقيمٍ * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربِّي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إنَّ ربي على كل شيءٍ حفيظٌ * وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبارٍ عنيدٍ * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة، ألا إنَّ عاداً كفروا ربهم، ألا بعداً لعادٍ قوم هود *﴾ ، قال أئمتنا الكرام كما ذكر هذا الإمام بن القيم في مدارج السالكين الجزء الخامس صفحة خمسة وستون وأربعمائة ٥/٤٦٥ وهكذا ذكر أئمتنا المفسرون في تفسير هذه السورة أن أخ آيات الرسل آية نبي الله هود أي أيد الرسل الكرام بمعجزات ظاهرة وأوضح خارقة للعادة كانفلاق البحر وانشقاق القمر وغير ذلك من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأما هذا النبي المبارك فحجته وبرهانه من أخف الحجج والبراهين، فتأمله فهو في أقوى أسطع الحجج والبراهين ولخفاء حجته قال له قومه ﴿ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين﴾ استمع لهذه البينة التي قامت على أمور أربعة في هذه السورة:
стр. 4974
البينة الأولى:- مال لهم هذا الفرد الوحيد الذي ليس في هذا العالم موحد غيره، غير جزعٍ ولا فزعٍ ولا هياب، قال إني أشهد الله جل وعلا واشهدوا ثانية أني بريءٌ من آلهتكم والتي تبذلون في عبادتها ونصرتها أموالكم وأولادكم ثم أعلمكم ثالثة أنني أتحداكم أهل الأرض جميعاً أن تكيدوا لي وأن تنالوا مني ضراً إن قدرتم عليَّ ثم بعد ذلك وضح دعوته فقال ناصيتي ونواصيكم ونواصي العباد جميعاً في يد وقبضة الله جل وعلا فانتم أحقر وأذل أن تصيبوني بمكروهٍ، فربي على صراطٍ مستقيم، وهو العدل وسينصر من خافه، وسيخذل وينتقم مِنْ مَنْ لجأ وخاف من سواه، ثم إنه لن يتمكن أحد أن ينال منه خيراً وهو فرد وحيد ويخاطب أهل الأرض بهذا الكلام المحكم الصريح فأي حجة أقوى من هذه الحجة، وأي برهانٌ أسطع من هذا البرهان، يشهد الله ثم يشهدهم ثم يطلب منهم أن يجتمعوا عليه ثم يقول لهم مطمئناً لهم مبيناً لهم أنه لن يصلوا إليه بضرٍ لأن نواصيهم وناصيته أيضاً بيد الله والله على صراطٍ مستقيم، لا يمكن أن ينصرهم على من خاف من رب العالمين.
ومثل هذا كان يقول جميع أنبياء الله ورسله، فهذا نبي الله نوح يقول لقومه ﴿فأجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمةً ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون﴾ ، وهكذا يقول ربنا جل وعلا في حق نبينا ﷺ عندما بين أحوال المشركين نحوه في سورة الطور فقال: ﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ نعم اخوتي الكرام من خاف الله كساه الله هيبةً مهابةً في هذه الحياة وفزع منه أعداء الله في هذه الحياة وكان الخائف من الله في هذه الحياة مطمئن البال والقلب ساكن النفس كيفما جاءت المخاوف من جميع الجهات، كيف لا وهو مع الله لأنه يخافه والله معه وسيجعل الله له مخرجاً من كل شدةٍ وبلاء.
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ .
стр. 4975
اخوتي الكرام: هذا المعنى الذي كررته معاني القرآن تواترت في الدلالة عليه أحاديث نبينا ﷺ فاسمعوا لإيضاح هذه القضية إذا كان من خاف الله لم يخاف من سواه والله سيكفيه من عداه، إذا كانت هذه القضية حقيقة ثابتة فلهذه الأمة من هذا المعنى والجزاء القدر الأكبر لكمال توحيدهم وتمام خوفهم من ربهم ولإتمام الله نعمته عليهم، إذا كان من خاف الله لا يخاف من سواه، وفي هذه قضية ثابتة في هذه الحياة في هذه الأمة والأمم السابقة فإن ثبوتها في هذه الأمة من باب أولى لأن خوفهم من الله أشد وتحقيقهم للتوحيد أكمل ولأن الله أكرمهم بما لم يكرم بهم الأمم السابقة، واستمعوا لتقريري هذا ولنعلم بعد ذلك أنه عندما يعترينا الهلع والفزع لعدم خوفنا من ربنا ، ثبت في المسند والصحيحين وسنن النسائي، الحديث رواه الإمام البيهقي وهو في أعلى درجات الصحة، فهو في الصحيحين عن جابر ابن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [أعطيت خمساً لم يعطهنَّ نبيٌ قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت ليَ الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصلي، وأحلت ليَ الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان كل نبي يبعث لقومه خاصة وبعثت للناس عامة]
١-[نصرت بالرعب مسيرة شهر] إذا علم عدوي بقدومي وبيني وبينه مسيرة شهر امتلأ قلبه رعباً وفزعاً لتحقيق توحيدي لربي ولخوفي منه، فمن خاف الله خاف منه أعداء الله
следующие страницы →