← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

١. النموذج في سورة الأنعام:- عندما يخبر ربنا عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا ﷺ بعد أن حاج قومه في بطلان آلهتهم وعبادتهم الكواكب من دون ربهم فقال في آخر محاجة ﴿فلما رأى الشمس بازغةً قال هذا ربي هذا أكبر، فلمَّا أفلت قال يا قومِ إني بريءٌ مما تشركون * إني وجهت وجهيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين * وحاجَّهُ قومه، قال أتحاجُّونِّي في الله وقد هدانِ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء، إن ربك حكيمٌ عليم﴾ انتبه إلى دلالة الآيات لهذا الأمر اخوتي الكرام ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً، وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن﴾ فأي الفريقين أحق بالأمن في الدنيا والآخرة؟ من خاف من الله ولم يخف من سواه؟، أو من خاف من سواه ولم يخف من مولاه؟ ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ وقبلها في الآية يقول ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ والاستثناء هنا كما قال أئمتنا الكرام في كتب التفسير استثناء منقطع بمعنى لكن، ولا أخاف ما تشركون به ولكن إذا شاء ربي أن ينزل بي مصيبة في هذه الحياة فهو الذي يدبر أمور عباده وهو أعلم بهم، ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ لكن إذا شاء ربي أن ينزل بي مصيبة ليطهرني ويرفع من درجاتي، هذا هو مولاي وربي لا يسأل عما يفعل، يروي الإمام أبو نعيم في كتاب الحلية عن إبراهيم بن الوليد أنه دخل على الشيخ الصالح

стр. 4972

إبراهيم المغربي وقد رفسته بغلة فكسرت رجله فقال ما هذا، قال سبحان الله لولا المصائب لقدمنا على الله مفاريس، فإذا قدر الله على خليله على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه وعلى موحد من الموحدين مصيبة في هذه الحياة ليس هذا بسبب آلهتهم المزيفة التي تعبدونها من دون رب الأرض والسموات ﴿ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئاً﴾ ولكن إذا شاء ربي شيئاً كأن ينزل بي مصيبة فهو الذي لا يسأل عما يفعل ﴿وسع ربي كل شيءٍ علماً، أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطاناً، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون * وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجاتٍ من نشاء، إن ربك حكيمٌ عليم﴾ كانت النتيجة أن نجَّى الله خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه ونصره من كبير الكافرين الملعونين ومثل ذلك كثير اخوتي الكرام.، نموذج آخر تحليه لنا ربنا الرحمن أيضاً في سورة هود

стр. 4973

٢. النموذج الثاني: في القرآن في سورة هود عن نبيه هود عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه فيقول ﴿وإلى عادٍ أخاهم هوداً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره إن أنتم إلا مفترون * يا قوم ما أسلكم عليه أجراً، إن أجرى إلا على الذي فطرني، أفلا تعقلون * ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوةً إلى قوتكم ولا تتولوا مدبرين * قالوا يا هود ما جئتنا ببينةٍ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوءٍ، قال إني أشهد الله واشهدوا أنِّي بريءٌ مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إنِّي توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها، إنَّ ربي على صراطٍ مستقيمٍ * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربِّي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إنَّ ربي على كل شيءٍ حفيظٌ * وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبارٍ عنيدٍ * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنةً ويوم القيامة، ألا إنَّ عاداً كفروا ربهم، ألا بعداً لعادٍ قوم هود *﴾ ، قال أئمتنا الكرام كما ذكر هذا الإمام بن القيم في مدارج السالكين الجزء الخامس صفحة خمسة وستون وأربعمائة ٥/٤٦٥ وهكذا ذكر أئمتنا المفسرون في تفسير هذه السورة أن أخ آيات الرسل آية نبي الله هود أي أيد الرسل الكرام بمعجزات ظاهرة وأوضح خارقة للعادة كانفلاق البحر وانشقاق القمر وغير ذلك من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأما هذا النبي المبارك فحجته وبرهانه من أخف الحجج والبراهين، فتأمله فهو في أقوى أسطع الحجج والبراهين ولخفاء حجته قال له قومه ﴿ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين﴾ استمع لهذه البينة التي قامت على أمور أربعة في هذه السورة:

стр. 4974

البينة الأولى:- مال لهم هذا الفرد الوحيد الذي ليس في هذا العالم موحد غيره، غير جزعٍ ولا فزعٍ ولا هياب، قال إني أشهد الله جل وعلا واشهدوا ثانية أني بريءٌ من آلهتكم والتي تبذلون في عبادتها ونصرتها أموالكم وأولادكم ثم أعلمكم ثالثة أنني أتحداكم أهل الأرض جميعاً أن تكيدوا لي وأن تنالوا مني ضراً إن قدرتم عليَّ ثم بعد ذلك وضح دعوته فقال ناصيتي ونواصيكم ونواصي العباد جميعاً في يد وقبضة الله جل وعلا فانتم أحقر وأذل أن تصيبوني بمكروهٍ، فربي على صراطٍ مستقيم، وهو العدل وسينصر من خافه، وسيخذل وينتقم مِنْ مَنْ لجأ وخاف من سواه، ثم إنه لن يتمكن أحد أن ينال منه خيراً وهو فرد وحيد ويخاطب أهل الأرض بهذا الكلام المحكم الصريح فأي حجة أقوى من هذه الحجة، وأي برهانٌ أسطع من هذا البرهان، يشهد الله ثم يشهدهم ثم يطلب منهم أن يجتمعوا عليه ثم يقول لهم مطمئناً لهم مبيناً لهم أنه لن يصلوا إليه بضرٍ لأن نواصيهم وناصيته أيضاً بيد الله والله على صراطٍ مستقيم، لا يمكن أن ينصرهم على من خاف من رب العالمين. ومثل هذا كان يقول جميع أنبياء الله ورسله، فهذا نبي الله نوح يقول لقومه ﴿فأجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمةً ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون﴾ ، وهكذا يقول ربنا جل وعلا في حق نبينا ﷺ عندما بين أحوال المشركين نحوه في سورة الطور فقال: ﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ نعم اخوتي الكرام من خاف الله كساه الله هيبةً مهابةً في هذه الحياة وفزع منه أعداء الله في هذه الحياة وكان الخائف من الله في هذه الحياة مطمئن البال والقلب ساكن النفس كيفما جاءت المخاوف من جميع الجهات، كيف لا وهو مع الله لأنه يخافه والله معه وسيجعل الله له مخرجاً من كل شدةٍ وبلاء. ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم﴾ .

стр. 4975

اخوتي الكرام: هذا المعنى الذي كررته معاني القرآن تواترت في الدلالة عليه أحاديث نبينا ﷺ فاسمعوا لإيضاح هذه القضية إذا كان من خاف الله لم يخاف من سواه والله سيكفيه من عداه، إذا كانت هذه القضية حقيقة ثابتة فلهذه الأمة من هذا المعنى والجزاء القدر الأكبر لكمال توحيدهم وتمام خوفهم من ربهم ولإتمام الله نعمته عليهم، إذا كان من خاف الله لا يخاف من سواه، وفي هذه قضية ثابتة في هذه الحياة في هذه الأمة والأمم السابقة فإن ثبوتها في هذه الأمة من باب أولى لأن خوفهم من الله أشد وتحقيقهم للتوحيد أكمل ولأن الله أكرمهم بما لم يكرم بهم الأمم السابقة، واستمعوا لتقريري هذا ولنعلم بعد ذلك أنه عندما يعترينا الهلع والفزع لعدم خوفنا من ربنا ، ثبت في المسند والصحيحين وسنن النسائي، الحديث رواه الإمام البيهقي وهو في أعلى درجات الصحة، فهو في الصحيحين عن جابر ابن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [أعطيت خمساً لم يعطهنَّ نبيٌ قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت ليَ الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجلٌ من أمتي أدركته الصلاة فليصلي، وأحلت ليَ الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان كل نبي يبعث لقومه خاصة وبعثت للناس عامة] ١-[نصرت بالرعب مسيرة شهر] إذا علم عدوي بقدومي وبيني وبينه مسيرة شهر امتلأ قلبه رعباً وفزعاً لتحقيق توحيدي لربي ولخوفي منه، فمن خاف الله خاف منه أعداء الله

стр. 4976

[نصرت بالرعب مسيرة شهر] إنما خص النبي ﷺ هذه المسافة بالذكر لا للتحديد، لا ثم لا هو نصر على العدو مطلقاً بالرعب لا، كان بينه وبينهم ألف شهر، إنما خص بالذكر هذه المسافة لأنه لم يكن بينه وبينهم إلا هذه المسافة فقط كما قرر أئمتنا في شروح سنة نبينا ﷺ وإلا حقيقة حاله وحلة أمته نصر بالرعب مهما كانت المسافة بينه وبينهم، هل هذا الأمر له خاص وحده ﷺ ، وفداه آبائنا وأمهاتنا وأنفسنا أو يسري لأمته أورد أئمتنا القولين وأنسبهما الذي يتناسب مع مكانة نبينا محمد ﷺ ورفعت من هذه الأمة عند ذي الجلال والإكرام، إن هذا ثابت له ولأمته ﵊ إذا كانوا على مسلكه كما سيأتينا بإذن ربنا الرحمن [نصرت بالرعب مسيرة شهر] وهذه الصفة وردت عن كثير من الصحابة الكرام وهي ثابتة ثبوتاً متواتراً عن نبينا ﷺ أقطع بذلك وأسئل عنه أمامه ذي الجلال والإكرام. روى هذه الجملة في أحاديث متعددة رواها الإمام أحمد ومسلم وصحيحيهما والترمذي من رواية أبي هريرة ﵃ أجمعين ورواه البيهقي من رواية علي ﵁ ورواه الإمام أحمد في المسند من رواية عبد الله بن عباس ورواها الإمام أحمد في السنن عن رواية أبي ذرٍ ورواها الإمام أحمد والبيهقي من رواية أبي أمامة الباهلي ورواها الإمام أحمد في المسند عن رواية عبد الله بن عمر نب العاص ﵃ أجمعين، وفي رواية بعض الحديث المتقدمة [نصرت بالرعب مسيرة شهر يسير بين يدي] أن هذا الرعب يسير بين يدي وفي آخر رواية من الروايات المتقدمة رواية عبد الله بن عمر [نصرت على العدو بالرعب حتى لو كان بيني وبينه مسيرة شهر لامتلأ قلبه رعباً] .

стр. 4977

إذاً الثابت الثابت لي ولأمته ﷺ أن ينصر على العدو بالرعب مهما كانت المسافة، فلو قدر أن المسافة بينه وبين العدو بمقدار شهر أو أكثر لامتلأ قلبه رعباً. نعم اخوتي الكرام: هذه الأمة عندما خافت من ربها الرحمن وحققت التوحيد على التمام أعطاها الله الهيبة والمهابة في هذه الحياة، فإذا أعلن الجهاد الإسلامي من قبل الموحدين لله جل وعلا فزع وهلع أعدائهم وهم في بلادهم، هذا شأن المسلمين، وهذا شأن الموحدين، فإذا خلطوا وقدروا فمن نفسه فلا يظلم ربك أحداً. ولذلك اخوتي الكرام: أخبرنا نبينا ﵊ أن عدد جيش المسلمين إذا بلغ اثنا عشر ألفاً لو اجتمعت قوى الأرض بأثرها لقتالهم لما استطاعت أن تقف أمامهم، لا أقول مليون ولا مائة مليون ولا ألف مليون، لو اجتمعت البشرية بعدتها وعتادها وكانوا ألوف الملايين وعدد جيش الموحدين إلى اثنا عشر فلا يمكن أن يغلب هذا الجيش من قلة إنما يغلبون من معصيتهم لربهم جل وعلا، أما جيش قوامه هذا العدد لا يمكن أن يخذل ولا أن يرقد وسيكتب الله له النصر مهما بلغت قوى الكفر، فلنفتش عن أحوالنا اخوتي الكرام واستمعوا لتقريري هذا من كلام نبينا ﷺ ثم من فعل الصحابة الكرام نرى كيف أننا في هذه الحياة نتخبط في الكلام.

стр. 4978

روى الإمام أحمد في المسند والإمام الترمذي وأبو داود في السنن والحديث رواه الإمام الدارمي في مسنده أيضاً، ورواه بن خزيمة وبن حبان، والحاكم في الصحاح والمستدرك بالنسبة للحاكم ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد والمختارة من رواية عبد الله بن عباس، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، نعم رواه الإمام بن ماجة أيضاً من رواية أنس بن مالك لكن في رواية بن ماجة ضعفاً، ورواية بن عباس صحيحة ثابتة كالشمس في رابعة النهار، ولفظ الحديث عن نبينا المختار عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال [خير الصحابة أربعة وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنى عشر ألفاً من قلة] . خير الصحابة خير الصحابة أربعة ـ الصاحب يجمع على صحابه ولا نظير لهذا في اللغة كما قال أئمتنا فاعل يجمع على فاعله هذا خاص بصاحب وصحابة غير الصحابة خير الأصحاب أربعة، فإذا كانوا في سفرٍ قال يجب أن يقلوا على المقدار ووجه ذلك أن المسافرين في حاجة لحفظ ولحاجة لقضاء حوائجهم، فإذا كانوا ثلاثة جلس اثنان وذهب الثالث لقضاء الحاجة يستوحش وإذا ذهب اثنان بقى واحد عند المتاع يستوحش فإذا كانوا أربعة يبقى اثنان عند المتاع ويذهب اثنان ويستأنس كل واحد منهم بالآخر والله يؤنس الجميع أربع، ولفظ الأربعة كما يقول أئمتنا فيه تفاؤل لمعنى القوة والرعاية والأحكام كالأعمدة التي يقوم عليها البنيان وهؤلاء الأربعة خير الصحابة أربعة، وكما كثر الجمع كان خيراً

стр. 4979

[وخير السرايا أربعمائة] وهي القطعة من الجيش التي تصطفي منه من الشيء السري النفيس القوي جيش ذهب تختار منه قطعة لأن تقوم بأعمال حربية خاصة ومناوشات وقتال والجيش العرمرم جالس مكانه إذا سارت الحرب تحرك خير السرايا أربعمائة وهي ضعف أربعة في مائة ٤×١٠٠ أي أن العدد مضاعف كما قال أئمتنا، [وخير الجيوش أربعة آلاف] ضاعف الأربعة × ألف وإذا كان الجيش اثنى عشر ألف وقاتل لن يغلب من قلة ورجه ذلك أن الأربعة آلاف الأولى جيش كامل خير الجيوش والأربعة آلاف الثانية خير الجيوش، والأربعة الثالثة خير الجيوش، إذاً عندهم ثلاثة جيوش هي خير الجيوش والقتال يكون في ميمنة وميسرة وقلب فعندهم خير الجيوش للميمنة وعندهم خير الجيوش للميسرة، وخير الجيوش للقلب، فهم اثنى عشر ألف لن يغلبوا من قلة، فمعهم ثلاث خيريات في ثلاثة جيوش كاملات، كيف سيغلبون إذا غلبوا فليفتشوا عن أنفسهم وليعلموا أنهم لا يخافون ربهم، لن تغلب اثنتا عشر ألفاً من قلة، هذا كلام ما لا ينطق عن الهوى عليه صلاة الله وسلامه، وانظروا لتحقيق ذلك في الواقع العملي.

стр. 4980

روى الإمام أحمد في المسند كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع والحديث رواه بن حبان أيضاً عن عياض الأشعري ﵀ ورضى عنه قال كنت مع المسلمين في موقعة اليرموك وموقعة اليرموك جرت في عصر الخليفة العابد الراشد سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ووقعت في العام وأدى من قرية حواران جنوبي الشام وكانت بين المسلمين الكرام والنصارى الكلام وكان عدد المسلمين يزيد على العشرين ألفاً قليلاً وعدد النصارى مائة ألفٍ ويزيدون عشرين ألفاً وهؤلاء المسلمون خرجوا من جزيرة العرب وهؤلاء في أمكنتهم يقول عياض كنت مع المسلمين في موقعة اليرموك والأمراء يومئذٍ خمسة أبو عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض بن غنم الفهري، وتوفي هذا الصحابي الجليل في عهد عمر بن الخطاب سنة عشرين من الهجرة وبعد وفاة أبو عبيدة الطاعون رضوان الله عليهم أجمعين ولاه على بلاد الشام وقال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ما كنت لأبدل أحداً ولاه أبو عبيدة وهو غير عياض بن زهير الفهري وكل منهما مكانهما بأني سعد وكل منهما عياض وكل منهما فهري لكن ذلك عياض بن غنم وذاك عياض بن زهير، وعياض بن زهير بدري كبير القدر وهو عم عياض بن غنم الفهري لكن توفي في سنة ثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، أما عياض بن غنم الفهري توفي في سنة عشرين من الهجرة ٢٠هـ في خلافة عمر بن الخطاب، ثم هؤلاء الأمراء الخمسة قال عمر تراهم إذا كان قتال فأميركم أبو عبيدة، فلما وقعت المعركة يقول عياض الأشعري جاش القتل إلينا أي كثر وأتانا من كل جهة فبعثنا لعمر نطلب منه العون فأجابنا قال أنه جاء في كتابكم تطلبون فيه المدد وحضره لا تغيب في أي مكان ولا يعلم جنود ربك إلا هو والنص يطلب منه لا من سواه، الله وحده فاستنصروه ينصركم فإن الله قد نصر نبيه محمد ﷺ في موقعة بدر في أقل من عددكم، فإذا وصلكم كتابي هذا فقاتلوهم

стр. 4981

ولا تكتبوا إليَّ لن أرسل فرداً واحداً مدداً فأنتم عددكم يزيد على اثنى عشر ألف والله نصر نبيه في أقل من عددكم فالجئوا على الله فجنوده حاضرة والنصر منه سبحانه قال عياض الأشعري ﵁ فلما وصل الكتاب قاتلناهم واستعنا بالله فغلبناهم وقتلناهم فلما انتهت الموقعة قال أبو عبيدة ﵁ من يسابقني وكأنه يستعد للقتال مرة أخرى فقال له شاب من التابعين أنا أراهنك أيها الأمير بشرط ألا تغضب فتراهنا في المسابقة على الخيول يقول عياض الأشعري فلقد أنت عقيصتين أبي عبيدة تنقذان خلفه وهو على فرس عربي خلف الفتى وقد سبق الفتى رضوان الله عليهم أجمعين، والعقيصتين مفرد عقيصه وهي الضفير وهذه كانت عادت المسلمين يضطروا من شعرهم عندما يطول والأصل فيهم أنهم يطيلون الشعور رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا أطال جعلوه في ضفائر فكان أبو عبيدة يجعله في ضفيرتين فيمر فروع الشعر إلى أصوله من أجل أن ينكمش على رأس وأن يثبت فيقول علق رأيت عقيصتين تنقذانه أي تضطربان وتتحركان وهو على فرس عربي وقد سبقه الفتى. استمع أخي الكريم إلى هذا الإرشاد من الخليفة الراشد الثاني تطلبون العون والمدد فسوف أدلكم على ما هو خير من ذلك أدلكم على الاستنصار بمن هو أعز نصراً وأحضر جنداً وهو الله ، فإذا جاءكم كتابي تقاتلوهم ولا تطلبوا المدد وقد فتحت بلاد الشام وتهاوت عروش الرومان في تلك السنة أيضاً فتحت بلاد الفرس في موقعة القادسية في العام الخامس عشر للهجرة ١٥هـ اخوتي الكرام وهم قلة ولكن الله معهم وهذا لابد من تحقيق والتحقيق به لنال هذه الثمرة عز وتذليل ونصر مبين وتأيدٌ من رب العالمين.

стр. 4982

روى الإمام مالك ﵁ في من زيد بن أسلم ﵁ أن أباه بيد عامر بن الجراح كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يذكر له جموع الروم وما يتخوف منهم على المسلمين فماذا كتب الخليفة الراشد، فكتب إليه مهما تنزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله بعد هذا المنزل فرجاً ولن يغلب عسراً يسرين وقد قال الله في كتابه ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ والسلام، هذه رسالة الأمير إلى قائده الشدائد التي تأتي ستزول إذا كنا عبيد الله حقاً ولن يغلب عسراً يسرين ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾ اصبروا على الطاعات وعن المعاصي وعلى المقدورات، وصابروا أعدائكم عند اللقاء في الحروب ورابطوا على الحدود واتقوا الله لعلكم تفلحون. لن يغلب عسراً يسرين، هذا الكلام ثابت عن عمر في المرفأ لكن كما قال أئمتنا بسندٍ منقطع فزيد ابن أسلم لم عمر بن الخطاب ﵁ وقال الحاكم في المستدرك ثبت هذا الأثر عن عمر وعن علي ﵃، نعم ثبت هذا الأثر عن غيرهما من الصحابة أيضاً رواه عبد بن حميد في تفسيره بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، ورواه الإمام الفراء في تفسيره بسندٍ ضعيف عن عبد الله بن عباس ﵁ بل روى عن النبي ﷺ متصلاً مرفوعاً في تفسير عن جابر بن عبد الله رضي وروى مرسلاً عن النبي ﷺ من طريق حسن البصري في تفسير الطبري ورواه أيضاً الإمام عبد الرزاق في مصنفه وروى أيضاً مرسلاً عن نبينا ﵊ عن طريق قتادة في تفسير الطبري وعبد بن حميد ﵁.

стр. 4983

خلاصة الكلام: أن الأثر ثابت عن نبينا ﷺ كما نزلت سورة الانشراح وفيها ﴿فإن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً *﴾ معرفاً وإذا كرر فالثاني هو الأول وأما اليسر منكر وإذا كرر فالثاني غير الأول ﴿إن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً *﴾ الأول يسراً آخر ولن يغلب عسر يسرين، وهذا المعنى هو أحد احتمالين لهذه الجملة الكريمة المباركة وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه لتفسير هذه الآية عن أبي محمد سفيان ﵁ قال لن يغلب عسراً يسرين ﴿إن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً *﴾ قال يسر آخر لن يغلب عسر يسرين، فإذاً العسر واحد وعه يسران، قال البخاري وهذا كقوله تعالى: ﴿قل هو تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾ قال الخدر بن حجر رحمة الله عليه كما جعل الله للمسلمين الحسنيين جعل لهم في عسرهم يسرين ﴿إن مع العسر يسراً * إن مع العسريسراً *﴾ ثم يقال ويحتمل أن البخاري يريد من هذا القول ﴿إن مع العسر يسراً * إن مع العسر يسراً*﴾ يريد أن المؤمن إذا أصيب بعسرٍ لن يخلو حاله من أحد الأمرين، إما من الأجر وإما من الظفر والنصر. اخوتي الكرام: الأمر يحتاج إلى الزيادة البسط في هذه القضية وأما ما يتعلق بثمرة الخوف التي يجنيها الإنسان بعد موته في أخرته أتكلم عليه مع تعليق على الأمر الأول في أول الموعظة الآتية إن شاء الله ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أقول هذا القول وأستغفر الله.

стр. 4984

تغير الإنسان كلما امتد الزمان (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تغيّر الإنسان كلما امتد الزمان الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا.. الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما وأسبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. "يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون". وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعيناً عميا وآذاناً صما وقلوباً غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبيا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. "يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساءاً واتقوا الذين تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما". أما بعد: معشر الأخوة المؤمنين..

стр. 4985

تقدّم معنا أن دين رب العالمين يقوم على ركنين ركينين وعلى دعامتين متينتين: الركن الأول منهما إخلاص لله . والركن الثاني متابعة لنبينا ﵊ ويضاد هذين الركنين فيضاد الإخلاص الشرك والرياء كما يضاد اتباع النبي ﵊ الابتداع والأهواء فمن سلم من الشرك والرياء فهو مخلص. ومن سلم من البدعة والهوى فهو متبع لنبينا خير الهدى ﵊. إخوتي الكرام: وقد تقدم معنا في المواعظ السابقة تعريف البدعة ثم شرعنا في الموعظة الماضية في مدارسة النصوص الشرعية التي تحذر من البدعة الغوية وتأمرنا باتباع نبينا خير البرية ﵊. ووعدت أن أكمل الموضوع في هذه الموعظة المباركة إن شاء الله. ولكن ترتبط حلقات البحث ببعضها سأذكر شيئاً لم يتقدم له ذكر في تقرير الأمور الماضية التي ذكرتها في الموعظة السابقة على وجه الاختصار، ثم أكمل عليها ما سأقوله في هذه الموعظة بإذن الله جل وعلا. إخوتي الكرام: أن آيات التنزيل وأحاديث نبينا البشير النذير ﷺ أن هذه النصوص الشرعية من الآيات القرآنية وأحاديث نبينا خير البرية ﵊ أمرتنا باتباع نبينا ﷺ وحذرتنا بالابتداع في دين الإسلام، يقول الله جل وعلا: "ألمص- كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون" (الأعراف/١-٣) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم على نبيكم وحبيبكم سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء.. وحذار حذار من الابتداع والأهواء والاقتداء بأحد من خلق الله غير نبينا ﵊ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه من أولياء قليلا ما تذكرون.

стр. 4986

وهكذا أشار الله إلى هذا المعنى أيضاً في أول سورة الحجرات، فقال رب الأرض والسموات: "يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم والله غفور رحيم". (الحجرات/١-٥) . لا تقدموا بين يدي الله ورسوله عليه صلوات الله وسلامه – ولا يذكر رأي أي مخلوق كان، إذا تُليت آيات القرآن، وذكرت أحاديث النبي ﵊. "لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم" وهذا النبي الكريم ﵊ تأدبوا معه في حال غيبته وفي حال وجوده، في ظاهركم وباطنكم فحذارٌ حذار من رفع الصوت على صوت النبي ﵊ وعنده في مجلسه وعند تلاوة حديثه وذكره ﵊ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. وقد بلغ من ورع وديانة سيدنا الإمام مالك – عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا- أنه عندما كان يعلم حديث نبينا ﵊ إذا أحد تكلم ورفع صوته يزجره ويتلو قول الله جل وعلى لا ترفعوا أصواتكم فوق النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. ثم أخبر الله عمّن يغضون أصواتهم عند النبي ﵊ إجلالا له واحتراماً وحباً له وتعلقاً به هؤلاء أصحاب القلوب التقية النقية التي أخلصت لرب البرية واتبعت نبينا خير البرية ﵊.

стр. 4987

إخوتي الكرام: فتأملوا في هذه الدلالة في هذه الآية من القرآن، من رفع صوته في مجلس النبي ﵊ أو عند ذكر حديثه وبيان أحكام شريعته رفع صوته فقط، في مناظرة أو سؤال أو استفسار.. كما يرفع أحدنا صوته أحياناً مع أصحابه الذين يجالسهم لو رفع صوته من غير اعتراض يخشى عليه أن يحبط عمله ويخلّد في النار، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون فكيف سيكون حال من يردّ حكم النبي ﵊ ويتبع في دين الرحمن ويحتكم إلى رأي فلان وفلان من رفع صوته ولم يلتزم بهذا الأدب الظاهري مع هذا النبي الأمي ﵊ يخشى عليه من حبوط عمله وخلوده في نار جهنم ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون هذا رسول الله خير خلق الله ﵊ فإن كلمته ما ينبغي أن تحد النظر إليه وإذا كلمته فما ينبغي أن ترفع صوتك عنده عليه صلوات الله وسلامه. إخوتي الكرام: والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ كثيرة في القرآن وهذا المعنى أكده نبينا ﵊ وأمرنا أن نتبعه فيما أتى به من شرع مطهّر في حال الاكتساب وفي حال الاجتناب في حال الفعل وفي حال الترك عند فعل المأمور وعند ترك المحظور. ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن أبي داود والحديث رواه الداراقطني في سننه والبيهقي في السنن الكبرى وهو في أعلى درجات الصحة فهو في الصحيحين كما سمعتم من رواية سيدنا أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال. قال رسول الله ﷺ "ذروني ما تركتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلكم واختلاف على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ". ما نهيتكم عنه فانتهوا عنه وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم هذا كلام نبينا ﵊.

стр. 4988

وفي بعض روايات الحديث كما في صحيح مسلم وغيره أن نبينا ﷺ قال فقال: أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحُجّوا فقال بعض الصحابة ﵃ أفي كل عام يا رسول الله فسكت عنه ﵊ ومم يجب فأعاد سؤاله " أفي كل عام يا رسول الله " فسكت ولم يجب حتى أعاد الثالثة فقال له النبي عليه الصلاة السلام لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم عوني ما تركتم "ذروني ما تركتم" ما سكتُّ عنه لا تبحثوا عنه وما أمرتكم به افعلوا منه ما في وسعكم ومقدوركم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ذروني / دعوني ما تركتم. إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم. إن أفعالك أخي المؤمن تدور على أمرين اثنين لا ثالث لهما. ١. اكتساب. ٢. اجتناب. فينبغي أن تجتنب ما نهاك عنه نبيك ﵊ وأن تفعل ما استطعت مما هو في وسعك مما أمرك به نبيك ﷺ . إن المأمور تفعله على حسب الوسع والمقدور وأما المحظور فينبغي أن يترك في جميع الأحوال والعصور. وأما السؤال الذي نهيت عنه هذه الأمة المباركة المحرمة في أول أمرها مع نبينا ﵊ هذه السؤال يدخل تحته عدة أنواع: ? نهوا أن يسألوا عما لا فائدة ولا مصلحة منه. ? نهوا أن يسألوا الأمثلة التي هي عن طريفي التعنت والتشدد. ? نهوا أن يسألوا إنزال الآيات كما كانت تطلب الأمم السابقات. ? نهوا أن يسألوا عما اختص الله بعلمه من قيام الساعة والروح وغير ذلك. ? نهوا أن يسألوا عما لم يبين لهم من أمور الحلال والحرام حتى يأتي البيان من نبينا ﵊ فأنتم تتبعون رسول الله ﷺ وأنتم عباد الله والله أعلم بمصالحكم فدعوا الأمر له ليُسيِّركم حسب حكمته ومشيئته لا لتتعجلوا تسيير أنفسكم كما تريدون.

стр. 4989

وهذا أدب جليل أدّب عليه هذه الأمة في أول أمرها أنهم يتلقون الأوامر فيفعلونها على حسب استطاعتهم والنواهي فيجتنبونها ثم يتركون بعد ذلك حالهم لنبيهم ﵊ ليوجّههم حسبما يوحي الله إليه. إذا ما أمرنا به ينبغي أن نفعله حسب وسعنا وما نهينا عنه ينبغي أن نتركه وما تركه نبينا ﵊ ولم يبين الحكم فيه فالأصل في الأشياء الحلّ والإباحة ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلاف على أنبيائهم وقد نص الله على هذا المعنى في كتابه في سورة المائدة فقال جل وعلا: "يأيها الذين آمنوا لاتسئلوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم وإن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم غفا الله عنها والله غفور حليم. قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين" (المائدة) . إخوتي الكرام: هذه كما قلت بعض أدلة القرآن وأحاديث نبينا ﵊ التي تأمرنا بمتابعة النبي ﵊ في جميع أحوالنا والاحتكام إلى هديه وشريعته في جميع شئوننا فيما نكتسبه وفيما نجتنبه وهذا المسلك السديد الرشيد سار عليه الرعيل الأول وعليه كان عندهم المعوّل يعولون عليه وأفعالهم كلها حسب شريعة نبينا ﵊. انظر لهذا النموذج الرفيع العالي المحكم السديد الذي صدر من ثاني الخلفاء الراشدين سيدنا أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 4990

ثبت في المسند والصحيحين والسنن الأربعة والحديث في الموطأ للإمام مالك وسنن الدارمي وسنن الداراقطني والسنن الكبرى للإمام البيهقي وهو في أعلى درجات الصحة. عن هذا الخليفة الراشد المحدِّث المبارك الملهم ﵁ أنه أتى بيت الله الحرام في الكعبة المشرفة في وسط الزحام والناس في الحج وهو أمير المؤمنين استلم الحجر الأسود وقبّله ثم رفع صوته قائلا: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع" فعلام أيها الخليفة الراشد تقبِّل حجراً لا يضر ولا ينفع؟ استمع لأتباعه لنبينا ﵊ في جميع الأحوال "ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتُك..". وفي المسند وصحيح مسلم وسنن البيهقي والسنن الكبرى للإمام البيهقي أنه قال "لكني رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًّا" أي كان يحتفي بلا ويهتم ويكرمك ويقبّلك ويجلّك ونحن قدوتنا وأمامكا نبينا ﵊ فإذا احتفى بك خير خلق الله فنحن تبع له في ذلك الاحتفاء "ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبلك غير أني رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًّا". وثبت أيضاً في مسند أبي داود الطيالسي والحديث رواه الدارمي والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده صحيح كالشمس عنه أيضاً عن سيدنا عمر ﵁: أنه استلم الحجر الأسود فقبله وسجد عليه وفي رواية وضع خده عليه ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله ليستلم الحجرة يقبله يسجد عليه يمسح خده "رأيت رسول الله ﷺ يفعله". نعم إخوتي الكرام عندما نتبرّك ببيت الله الحرام "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان أمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين " (آل عمران) .

стр. 4991

عندما نتبرك بالبيت الكريم ونعظم شعائر رب العالمين لا يعني أننا نعبد البيت وأننا نعبد هذه الشعائر لا ثم لا.. فعبادة المخلوق لا تصرف إلا لخالقه جل وعلا، " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وليس هذا التقبيل والتمسح عبادة لهذا البيت إنما هذا طاعة لله جل وعلا وما ورد به الشرع نقف عنده ولا ندخل آراءنا وأهواءنا وإذا أراد الإنسان أن يشتط ون يقول: هذه لوثة من نزعات الجاهلية كانوا يعظمون البيت ويقبلون الحجر فقل له هذا اقتداء بخير البرية ﵊. نعم ما فيه بركة نتبرك به ونتمسح به تعظيماً لله جل وعلا لا عبادة له (للخلق) والإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ٤/٤٢ عندما ذكر الحضّ على زيارة المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه لتكتحل عينا الإنسان بمدينة نبينا ﵊ يقول: والله لو أنا ظفرنا بالمحجن الذي استلم به النبي ﷺ الحجر الأسود –والمحجن هي العصا معقوفة الطرف إذا كان الإنسان يركب على دابة يأخذ بها شيئاً من الأرض من متاع سقط منه أو غيره لها طرف يعنى كالعكاز والباكورة في هذه الأيام "المحجن" نبينا ﵊ عندما طاف على راحلته المباركة جاء إلى الحجر الأسود فاستلمه بالمحجن وضع محجنه على الحجر الأسود ثم قبّل هذا المحجن.

стр. 4992

والحديث ثابت في المسند والكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي فهو في الصحيحين " استلم الحجر بمحجنه ثم قبّله " يقول الإمام الذهبي لو ظفرنا بالمحجن الذي استلم به نبينا ﵊ الحجر الأسود وقبّله لحق لنا أن نزدحم على محجنة للتبجيل والتقبيل هذه العصا التي كانت تمسّ يد نبينا ﵊ ويمسكها لو قدر أننا ظفرنا به لحق لنا أن نزدحم على محجنه ﵊ بالتبجيل والتوقير. إخوتي الكرام: الذي يقوله هذا الإمام الهمام هو المقرر عند أئمة الإسلام وقد فعله جم غفير من التابعين للصحابة الكرام ﵃ وههنا ينبغي أن تتخرّس الألسنة التي تتكلم بالباطل في هذه الأيام ويقولون: إن التبرك بغير النبي ﵊ ما حصل من أحد نحو أحد بعد موت النبي ﷺ ما حصل من التابعين نحو الصحابة الكرام الطيبين. والآثار في ذلك كثيرة وفيرة سأذكر أثرين اثنين: الأثر الأول: رواه الإمام الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات كما قال شيخ الإسلام الإمام الهيثمي في المجمع ٨/٤٢ في كتاب الأدب باب قبلة اليد. والأثر رواه سيد المؤمنين وإمام المحدثين الإمام البخاري في الأدب المفرد ص ١٤٤ ولفظ الأثر عن عبد الرحمن بن زيد الغافقي المصري وهو من أئمة التابعين الكبار وحديثه مخرج في الأدب المفرد للإمام البخاري وسنن أبي داود وابن ماجه قال قدمنا الربذة فقيل لنا هاهنا رجل من أصحاب الرسول ﷺ وهو سلمه بن الأكوع قال فذهبنا إليه ودخلنا عليه فقال لنا بايعت النبي ﷺ بهاتين اليدين قال فأخرج لنا كفَّا ضخمة كأنها خف بعير فقمنا إليه وقبلناها فلم ينكر علينا ذلك. اليد يد صحابي مسّت يد الحبيب النبي ﷺ قمنا إليها وقبلناها. صافحتهم متبرّكاً بأكفّهم – إذا صافحوا كفَّا على ثميناً..

стр. 4993

نعم هذا حصل من تابعي نحو صحابي بإسناد صحيح وفي المصدرين المذكورين. وأثر ثالث رواه الإمام البخاري في نفس المكان في الأدب المفرد ص١٤٤ عن شيخ الإسلام في زمنه وإمام التابعين ثابت بن أسلم البُناني (وقد توفي سنة بضع وعشرين بعد المائة) وحديثه في الكتب الستة وتقدم منعنا شيء من مناقبه وفضائله ﵁ وأكرمه في قبره بعد موته بقراءة القرآن فما مرّ أحد بجوار قبره إلا سمعه يتلو كلام الله جل وعلا، ثابت بن أسلم البناني تلميذ أنس بن مالك ﵁ والقصة يستشهد بها الإمام الذهبي في المكان الذي ذكرته آنفاً في السير ٤/٤١ فما بعدها كان ثابت بن أسلم يجيء إلى سيدنا أنس بن مالك ﵁ فيقول أبا حمزة أرني يدك التي صافحت بها رسول الله ﷺ بايعت به رسول الله ﷺ مسست بها يد رسول الله صلى الله علية وسلم فكان أنس يخرج له يده فيكبّ عليها ثابت بن أسلم البناني بالتقبيل والتبجيل.

стр. 4994

أثران عن تابعيّين مع صحابيين. إخوتي الكرام وعمدتهم في ذلك ما أشرت إليه سابقاً من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وقلت إن الحديث في المعجم الأوسط للطبراني وحلية الأولياء وإسناده صحيح أن نبينا ﷺ كان يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشرب يرجو بركة أيدي المسلمين، وقد ذكرت هذا في الموعظة الماضية أو التي قبلها فاستشكل هذا بعض المستشكلين لكثرة المشوّشين المشكّكين في هذا الحين فكان من كلامهم: أي فائدة في رواية مثل هذه الأخبار؟ قلت يا عبد الله أو ليست هذه الأخبار أفعال نبينا المختار ﵊؟ أو ليست هذه الأخبار أفعال السلف الأخيار؟ وديننا من أين يؤخذ؟ ولم يضيق صدرك إذا ذكر مثل هذا؟ لم يضيق صدرك إذا تحدث الناس بمثل هذه الأخبار؟ وإذا ذكرت قصة من ذلك كأنك أخرجت ثعباناً من الصندوق وألقيته على بعض الناس لم يضيق صدرك؟ فعل نبيك ﵊ "يأتي بهذا الماء فيشرب يرجو بركة أيدي المسلمين". وهنا فعل أئمة الإسلام وتقدم معنا بعض الحوادث كما قلت في الموعظة الماضية فعلام يضيق صدرك يا عبد الله ثم هذا التشويش واللغط من قبل الغالطين المشوشين في هذا الحين "من تبّرك بصالح فهو مشرك" وأن هذا من خصال المشركين وأن من يبيحه فهو طاغوت لعين.

стр. 4995

طيب بعد ذلك أنت تقول: ما الحكمة من ذكر هذا؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله إخوتي الكرام لابدّ من أن نعي أحوالنا على التمام، ما فعله نبينا ﵊ ونقل عن سلفنا الكرام ينبغي أن نتأدب نحوه وأن نأخذ به وأن نفرح عند ذكره ومدارسته واجتمعت مرة مع بعض الأخوة وقال: يعني هذه الأبحاث التي تذكرها من أولها لآخرها ليس هذا وقتها فلو تركت لكان أحسن قلت في أي شيء نبحث؟ قال نبحث في أحكام دين الله قلت: أسألك ما حكم من لبس الصليب؟ قال: حرام، لبس الصليب حرام قلت: لِم تغلظ على من يتبرك بصالح أكثر من إغلاظك على من يتبرّك بالصليب ويلبسه؟ قال: ماذا تقصد؟ قلت إذا أتيت لتبرّكٍ بصالحٍ تقول " شركٌ " "ومُشرك " "وطاغوت " وإذا أتيت للبس الصليب حرام لم لا تقول إن هذا شرك وكفر بالرحمن؟! قال الشرك والكفر نوع من الحرام، قلت إذاً ترى أن لبس الصليب شرك وكفر؟ قال: نعم، قلت فأسلك سؤالاً آخر وهو محل الشاهد أما الأول فهو مجمع عليه بين أئمتنا أن من لبس الصليب فهو مرتد كافر لاحظ له في الإسلام لا تتكلم في هذه المسألة وهذا لا خلاف فيه بين أئمة الإسلام إنما المسألة ما حكم من يبرر لبس الصليب ويفتي بجوازه قال نهينا عن تتبع زلل العلماء هذه زلة من عالم قلت هذه زلة؟

стр. 4996

وأئمتنا عندما قرروا جواز التبرك بناءً على أدلة صدق قال بها أهل الحق تشتطّون وتغضبون للشيطان لا للرحمن، وتعاملون أئمتنا الأبرار معاملة الكفار وهنا زلة؟ قلت والله إن الفتيا بحل لبس الصليب وجوازه أشنع بكثير من لبسه، فعلام يا عبد الله تكثرون الضجيج على ما قاله أئمتنا الكرام كشيخ الإسلام الإمام النووي وابن حجر والإمام الذهبي والإمام الخطابي وأئمة الإسلام تكثرون عليهم الضجيج وتقولون: شرك –وطاغوت- ومشرك، وإذا جئتم بعد ذلك إلى لبس الصليب قلتم: "حرام " وإلى الفتوى بجواز لبسه على حسب الأعراف الدولية والمراسم الردية فهذا لا حرج فيه "زلة من عالم " لا إله إلا الله محمد رسول الله، كيف انتكست القلوب في هذه الأيام ما فعله نبينا ﵊ وفعل به وما فعله الصحابة الكرام وفعل بهم وما تتابع عليه أئمة الإسلام يأتي صُعلوك في هذه الأيام وهو متكئ على أريكته يقول: هذا مشرك، والذي يدعو إلى هذا مشرك وطاغوت، ثم تأتي بعد ذلك إلى شعائر الكفر المجمع عليها بأنها تدل على كفر ما حكم لبس الصليب؟ حرام وما حكم من يفتي بجوازه؟ زلة من عالم لا يجوز أن نعلق عليها بأكثر من ذلك، وبعضهم يشتطّ يقول وهو في زلته مأجور على اجتهاده هدمتم دين الله، هدمتم دين الله يا من لا تخافون من الله رحمة وذلة واستكانة نحو أعداء الله وجبروت وطغيان نحو أولياء الله.

стр. 4997

إخوتي الكرام: –كما قلت- هذا الخليفة الراشد المبارك ﵁ عندما قبّل الحجر حَذارِ حذار أن يقول صعلوك في هذه الأيام إن تقبيل الحجر والتبرك ببيت الله الحرام إن هذا من ذرائع الشرك وإن هذا من خصال الجاهلية ما فعلنا هذا إلا اقتداءً بنبينا خير البرية عليه صلوات الله وسلامه مع علمنا وجزمنا بأننا عندما نتبرك ببيت ربنا وبالحجر الأسود وبنبينا ﵊ وبالصالحين من عباده أننا لا نخصّ شيئاً من ذلك بالعبادة فالعبادة لا تعرف إلا لمستحقها ألا وهو الله جل وعلا، لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ إخوتي الكرام هذا المسلك الذي كان عليه سلفنا كما قلت في العصر الأول وعليه كان عندهم المعوّل يعوّلون عليه هذا المسلك هو المنقول عن أئمتنا بجميع مراحل هذه الأمة المرحومة يأمرون بالاتباع ويحذّرون من الزيغ والهواء والابتداع. هذا سيدنا إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ﵁ نجم السنن (م١٧٩هـ) وحديثه في الكتب الستة يقول كما في ترتيب المدارك بطبقات أصحاب الإمام مالك للقاضي عياض ١/١٧٢ " وخير أمور الدين ما كان سنة – وشر الأمور المحدثات البدائع وخير أمور الدين ما كان سنة " ما هو منقول عن نبينا ﷺ ما هو ثابت في سنته. وشر الأمور المحدثات البدائع فكل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة. وكان يقول: وقد نقل عنه هذا القول وشرحه الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوي ٤/١٣٧ يقول: السنة كسفينة نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من دخلها نجا ومن حاد عنها هلك وغرق. ما نجا في الطوفان الذي حصل في عهد نبي الله نوح على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه إلا من دخل السفينة التي صنعها بأمر ربه الرحمن فمن دخل سفينته ممن عَبَدَ الله واتبع أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام نجا.

стр. 4998

وهكذا سنة نبينا ﷺ بيننا كسفينة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إذا كنت على السنة فأنت على هدى وإذا انحرفت فأنت على ردّى وإذا كنت على السنة فمهما قصرت في الجد والاجتهاد فأنت على الطريق ولا بد لمن سلك الطريق المستقيم أن يصل إلى جنات النعيم ولو بعد حين، فإذا قصدت مكة المكرمة من الطريق المعروف المعهود ستصل بعد يوم أو يومين أو شهر أو شهرين أو سنة أو سنتين مهما بعد الطريق ومهما تباطأت في المشي ما دمت على الطريق وإذا انحرفت يميناً أو شمالاً كلما ازددت سرعة ازددت عن بيت الله ابتعاداً وهكذا السنة كسفينة نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من دخلها نجا ومن حاد عنها هلك وغرق، وهكذا كان شيخ أهل السنة الإمام المبجل أحمد بن حنبل ﵀ ينبه على هذا المعنى كثيراً ويحث على اتباع السنة وطرح الآراء والأهواء وكثيراً ما كان ينشد في مجلسه كما في كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته ٢/٣٥ كان الإمام أحمد بن حنبل ينشد هذه الأبيات: كثيراً ويقول دين النبي من أخبار ... نعم المطيّة للفتى الآثار لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار ولربما جهل الفتى أثر الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار ... ... لا ترغبن عن الحديث وأهله، لا تزهدن في الحديث هذا الحديث كلام النبي ﵊ وفي إتباع المحدثين ساداتنا علمائنا الكرام، فالرأي ليل، والليل مضيعة وهلاك ولتعرف أين تسير والحديث نهار، ولربما جهل الفتى أثر الهدى والشمس بازغة لها أنوار.

стр. 4999

وهذه الأبيات أوردها الإمام الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص٧٦ ونسبها لزياد بن عبدة الأصبهاني ﵀. وهكذا إخوتي الكرام كما قلت تتابع أئمتنا على تقرير هذا المعنى فهذا الإمام الجُنيد بن محمد القواريري أبو القاسم عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا يقول كما في حلية الأولياء وتلبيس إبليس للإمام ابن الجوزي والرسالة القشرية يقول: جميع الطرق مسدودة (لا يمكن أن يوصلك طريق منها إلى الله جل علا) إلا من اقتفى آثار رسول الله ﷺ واتبع سنته ولزم طريقته فإن جميع أبواب الخير عليه مفتوحة ثم تلا قوله: "لقد كان في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" (الأحزاب /٢١) . وقد تواتر عن هذا الإمام وهذا القول في غنية عن إسناده فكل من ترجم لهذا الإمام أورد هذا الحديث في ترجمته سواء الكتب التي تروي بالأسانيد أو التي تذكر ما في تلك الكتب مما قيل فيها، كل من ترجم للإمام الجنيد نقل عن هذا الكلام، كان يقول: " مذهبنا مشيّد مقيّد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدي به " "اتباع " وحذار حذار من الزيغ والابتداع وكل طريق لا يوصلك إلى الله إلا طريق نبينا محمد ﷺ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.

стр. 5000

إخوتي الكرام: والإمام الجنيد توفي سنة ٢٩٨هـ قبل ٣٠٠سنة بسنتين. وقد ترجمه الإمام الذهبي في سير الأعلام النبلاء ١٤/٦٦ ونعته في بداية ترجمته فقال: "هو شيخ الصوفية في زمانه " ثم قال إنه اشتغل بالعلم وأقبل على شأنه فتألّه وتعبّد ونطق بالحكمة ثم بعد أن ذكر ما يطلب العقول في ترجمة هذا العبد الصالح ختم ترجمته بقوله: "رحمة الله على الجنيد، أين مثل الجنيد في علمه وحاله " وهذا آخر شيء يذكره في ترجمته في سير الأعلام النبلاء وقد بلغ من إجلال أئمتنا لهذا العبد الصالح ما حكى في ترجمة العبد الصالح أبي العباس بن سريج وهو أحمد بن عمر الذي توفي ٣٠٣هـ بعد الإمام الجنيد بخمس سنين ويقول أئمتنا في ترجمة أبي العباس ابن سريج " ما في اتباع الإمام الشافعي أفضل منه " ابن سريج، جميع أتباعه مذهبه ما فيهم من يصل إلى مكانته وهو شيخ الإسلام في وقته تكلم مرة في مجلسه فأثنى عليه الحاضرون وأعجبوا بفصاحته والنور على كلامه. فقالوا من أين لك هذا؟ قال هذا ببركة مجالسة أبي القاسم يعني الإمام الجنيد. عليهم جميعاً رحمة الله. يقول: أنا جالست هذا الإمام المبارك ونظرت إليه وهو الذي يقول عنه الإمام الذهبي "تعبّد وتألّه ونطق بالحكمة " نظرت إلى هذا العبد الصالح الرباني فألقى الله في قلبي هذه الخشية والسكينة وأنطق لساني بالحكمة هذا ببركة مجالسة أبي القاسم الجنيد بن محمد القواريري وهذا موجود في ترجمته في سير أعلام النبلاء وغير ذلك.

стр. 5001

إذاً إخوتي الكرام جميع الطرق على الخلق مسدودة إلا من تبع طريق نبينا ﵊ والآثار في ذلك إخوتي الكرام كثيرة وفيرة لكن هذا المسلك السديد الذي سار عليه الرعيل الأول كما قلت وكان عليه عندهم المعوّل يقتدون بنبينا ﵊ ويفرحون الرحمن بعبادتهم تغير هذا الأمر في العصور المتأخرة وكلما امتد الزمان سيزداد التغير ونسأل الله حسن الختام، ثبت في المسند للإمام أحمد وصحيح البخاري وسنن الإمام الترمذي من رواية الزبير بن عدي وهو من أئمة التابعين الربانيين الكرام وهو ثقة عدل رضىً حديثه مخرج في الكتب الستة توفي ١٣٥هـ يقول الزبير بن عدي ﵁: أتينا أنس بن مالك ﵁ عندما كان البصرة نشكو إليه ظلم الحجاج فقال أنس ﵁ وأرضاه " اصبروا فإني سمعت النبي ﷺ يقول: "لا ياتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم " تغير سيقع وسيعبد الناس أهواءهم وينحرفون عن عبادة ربهم ويجعلون أندادا لنبيهم ﷺ يشركونهم معه في الطاعة أو يطيعونهم دونه ﵊ " اصبروا لا يأتي عليكم عام إلا والذي شر منه حتى تلقوا ربكم " وفي رواية الإمام الترمذي ما من عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم وفي رواية في مسند الإمام أحمد لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه وهذا التحذير الذي صدر في هذا الصحابي الجليل نقلا عن نبينا البشير النذير ﷺ هو الذي تتابع عليه سلفنا الكرام وبيّن لنا التغير الذي سيطرأ على هذه الأمة ما سيأتي من زمان.

стр. 5002

فانظر لبعض الآثار المنقولة فقط عن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول في كتاب الزهد للإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير وإسناد الحديث صحيح يقول لامرأته: اليوم خير أم أمس أي اليومين أفضل أمس الذاهب أو هذا اليوم الحاضر فقالت زوجته الطيبة المباركة: لا أدري قال لكني أدري أمس خير من اليوم واليوم خير من الغد والغد خير مما بعده وهكذا حتى تقوم الساعة. وكان ﵁ يقول كما في كتاب جامع بيان العلم وفضله وسنن الدارمي كان يقول: لا يأتي عليكم عام إلا والذي بعده شر منه، أما إني لا أعني عاما أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن فقهاءكم وعلماءكم يذهبون ولا تجدون عنهم خلفا ويأتي بعدهم أقوام يقيسون الأمور برأيهم فيضِلّون ويُضَلّون. هذا الذي سيطرأ على هذه الأمة وكان يقول كما في سنن الدارمي في المقدمة أيضاً " تعلموا العلم قبل أن يقبض، تعلموا العلم قبل أن يرفع" وقبض العلم بقبض العلماء تعلموا العلم فإن أحدكم لا يدري متى يُحتاج إليه أي يحتاج الناس إليه ليذكّرهم ويبصرهم وإذا لم يكن على هدى سيبتدع ويتبع الردى ثم كان يقول: "إياكم والتبدّع والتنطّع وإياكم والتعمق وعليكم بالعتيق " وكان يقول كما في حلية الأولياء يذهب الصالحون أسلافا وتبقى حثالة كحثالة الشعير يأتي بعد ذلك قوم سوء يعبدون أهواءهم ولا يتبعون نبيهم ﵊. وهذا الكلام الذي قاله أبو عبد الرحمن هذا العبد الصالح عبد الله بن مسعود ﵁ وعن الصحابة الكرام هذا الكلام يخرج من مشكاة نبينا ﵊. فقد أشار نبينا ﵊ إلى تغيّر الزمان في هذه الأمة فأخبرنا أنه سيبقى الأشرار وأخبرنا أنه سيقبض العلماء ويبقى الفجار فاستمعوا إلى تقرير هذين الأمرين من كلام نبينا المختار ﵊.

стр. 5003

ثبت في مسند الإمام وصحيح البخاري والحديث من رواية مرداس الأسلمي ﵁ ورواه الإمام الطبراني في الأوسط والإمام الخطابة في كتاب العزلة من رواية المستورد بن شداد والحديث صحيحٌ صحيح فهو في صحيح البخاري كما سمعتم ولفظ الحديث عن نبينا صلى الله علية وسلم أنه قال يذهب الصالحون الأمثل فالأمثل وتبقى حفالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله بال’ " والحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق وبوّب عليه بابا فقال: باب في ذهاب الصالحين، قال أبو عبد الله (يعني البخاري نفسه) حُفالة وحثالة بمعنى واحد، حفالة/حثالة..كحفالة الشعير، الرديء منه لا يباليهم الله بالةً، أي لا يكترث بهم ولا يعبأ بهم، لأنهم قوم سوء وذهب منهم أهل الخير والصلاح والاستقامة يذهب الصالحون الأمثل فالأمثل وتبقى حفالة كحفالة الشعير/حثالة كحثالة الشعير لا يباليهم الله بالة. وقبض العلم أشار إليه أيضاً نبينا ﵊ عندما يقبض العلماء الصالحون إخوتي الكرام ثبت في المسند والصحيحين والحديث في سنن الترمذي وابن ماجه من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ ورواه الإمام البزار والخطيب البغدادي من رواية سيدتنا أمنا المباركة عائشة ﵂ ورواية الإمام الطبراني في معجمه الأوسط من رواية أبي هريرة ﵁ فهو من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص وأمنا عائشة وأبي هريرة ﵃ أجمعين. والحديث كما سمعتم في الصحيحين وغيرهما ولفظ الحديث عن نبينا ﵊ أنه قال:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم / حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جها فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".

стр. 5004

إخوتي الكرام: وما أشار إليه نبينا ﵊ قد وقع وبداية التغير قد طرأت على هذه الأمة عند فقد نبينا ﵊ وانتقاله إلى جوار ربه فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا عليه صلوات الله وسلامه وهذا الأمر هو ما أخبرنا عنه من شهد تلك الوقعة الشديدة الأليمة المفجعة فعند فقده ﵊ فقدوا النور والبركة وحسن التربية منه ﵊ كما فقدوا بركة الوحي التي كانت تنزل عليه صباح مساء على الدوام. فبداية التغير حصلت في هذه الأمة عند فقد نبينا ﵊ وما أصيب المسلمون بمصيبة تعدل هذه المصيبة.

стр. 5005

وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الإمام الترمذي وسنن ابن ماجه من رواية أنس بن مالك ﵁ قال: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة أضاء فيها كل شيء فلما قبض ﵊ أظلم فيها كل شيء والله ما نفضنا أيدينا من تراب نبينا عليه الصلاة السلام حتى أنكرنا قلوبنا " أضاء فيها كل شيء بقدومه المبارك وطلعته البهية وجبينه الأزهر ووجهه المنور عليه صلوات ربي وسلامه فلما قبض كل شيء فيها أظلم ويقول هذا الخادم المبارك الذي خدم نبينا ﵊ عشر سنين وهو أعلم الناس بأحواله والله ما نفضنا أيدينا عن ترابه ﵊ حتى أنكرنا قلوبنا ما بقي فيها الرقة والأنس والبهجة وما بقي فيها الليونة والعذوبة التي كانت عندما نستمتع بالنظر إليه ونستمع الحكمة منه عليه صلوات الله وسلامه وهذا شعر به سائر الصحابة الكرام ففي مسند البزار بسند جيد كما قال الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله في الفتح والأثر رجاله رجال الصحيح كما في مجمع الإمام الهيثمي رحمة الله عليه عن أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه قال: " ما فرغنا من دفن النبي ﵊ ونفضنا أيدينا منه حتى أنكرنا قلوبنا " هذه بداية التغير موت النبي ﵊ ذهاب السكينة ذهاب البركة ذهاب النور ذهاب السرور والله إن رؤيته ﵊ تعدل ما لا يخطر بالبال والحسبان ففقدت الأمة هذا فنسأل الله تعالى أن يجمعنا في غرف الجنان وأن يمتعنا بالنظر إلى نور وجهه الكريم وإلى نور وجه نبينا ﵊ إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.

стр. 5006

والبلية الثانية التي حصلت عن فقده ﵊ انقطع الوحي وذهبت البركة وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن ابن ماجه من رواية سيدنا أنس بن مالك أيضاً قال: قال أبو بكر ﵁ صديق هذه الأمة وأفضل خلق الله بعد النبيين والمرسلين على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه قال سيدنا أبو بطر لسيدنا عمر ﵄ " انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها وهي أمة بعد أمة وهي حاضنته وهي بركة المباركة ﵂ وأرضاها "أم أيمن " فدخل عليه سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر ﵄ يزورانها بعد موت نبينا الأمين ﵊ فلما دخلا عليها بكت فقالا: ما يبكيك يا أم أيمن فما عند الله خير لرسوله ﷺ " وما عند الله خير للأبرار " ما عند الله خير لرسوله ﵊ قالت: قد علمت أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء، أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء هذه البركة التي كانت تنزل علينا صباح مساء فُقدت عند موت خاتم الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء فهيّجتهما على البكاء.

стр. 5007

بداية التغير في هذه الأمة حصلت ووقعت وطرأت عند موت نبينا ﵊ وفقدانه، فأصبنا بمصيبتين لا تعد لهما مصيبة ذهاب طلعة نبينا ﵊ البهية النورانية وفقدان الوحي بعد موته عليه صلوات الله وسلامه إخوتي الكرام كلما امتد الزمان يزداد التغير في هذه الأمة ونسأل الله حسن الختام ثبت في صحيح البخاري وسنن الإمام الترمذي عن الإمام الزهري أنه دخل على سيدنا أنس بن مالك ﵁ عندما ذهب أنس من البصرة إلى بلاد الشام يشكو الحجاج وما يحصل منه من ظلم واعوجاج يقول الزهري دخلت على أنس بن مالك ﵁ وهو في مسجد بني أمية الكبير وهو في المسجد يبكي فقلت له يا أبا حمزة ما يبكيك؟ فقال " لا أعلم شيئاً مما كان عليه في عهد رسول الله ﷺ إلا الصلاة وهذه الصلاة قد ضُيّعت " لا أعلم شيئاً تواظبون عليه إلا هذه الصلاة تؤدونها بجماعة ثم مع ذلك ضيّعت تؤخرونها عن أول وقتها ولا يحصل فيها ما ينبغي أن يحصل فيها. وفي رواية الترمذي قال أبو عمران الجوفي لسيدنا أنس ﵁ عندما قال: لا أعلم شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله ﷺ قال له أبو عمران: فأين الصلاة يا أبا حمزة نحن نصلي قال: أو ليس قد عملتم فيها ما عملتم؟ تؤخرونها عن وقتها لا تخشعون فيها ما بقي شيء بعد نبينا ﵊ مستقيماً كحاله في هذا العصر الذي هو العصر الأول كما يقول سيدنا أنس بن مالك ﵁ وأرضاه.

стр. 5008

نعم إخوتي الكرام إن الاعوجاج يزداد كلما امتد الزمان وقد تقدم معنا كلام الإمام المبجل سيدنا أحمد بن حنبل ﵁ أنه كان يقول: إذا رأيتم شيئاً مستوياً مستقيماً فتعجبوا منه، وهنا " لا أعلم شيئاً مما كنا عليه على عهد رسول الله ﷺ إلا هذه الصلاة وهذه قد ضيعت، وهذه قد عملتم فيها ما عملتم وثبت في مسند الإمام أحمد عن أم الدرداء أن أبا الدرداء دخل عليها وهو مغضب فقالت: بأبي وأمي أنت من أغضبك؟ قال: " ما أعلم شيئاً ما كنا عليه على عهد رسول الله ﷺ إلا أنهم يصلون جميعاً " هذه الشعيرة هي الباقية كما كنا في عهد النبي ﷺ وباقي الشعائر حصل فيها ما حصل من العكر والتغيير والكدر، والأثر كما قلت في مسند أحمد وهذا الأمر الذي شعر به الصحابة الطيبون هو الذي كان يتحدث عنه التابعون المباركون ففي موطأ الإمام مالك من رواية مالك بن أبي عامر الأصبحي وهو ثقة عدل إمام ﵁ حديثه مخرج في الكتب الستة وقد أدرك سيدنا عمر وسيدنا عثمان وأمنا عائشة وغيرهم من الصحابة ﵃ وروى عنهم مالك بن أبي عامر الأصبحي يقول كما في الموطأ: لا أعلم شيئاً مما كانوا عليه الصحابة إلا الآذان حتى الصلاة في جماعة حصل فيها ما حصل من تغيير في ذلك الوقت إلا الآذان.

стр. 5009

ويقول معاوية بن قرة وهو ثقة حديثه في الكتب الستة تابعي (م ١١٣هـ) أدركت سبعين من أصحاب النبي ﷺ لو بعثوا فيكم لما عرفوا شيئاً مما كانوا عليه إلا النداء بالصلاة ويقول شيخ الإسلام ميمون بن مهران وهو ثقة إمام خير مبارك حديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة (م ١١٧هـ) يقول: "لو نشر رجل من الصحابة الكرام من الصحابة (أي بعث من النشور) لما عرف غير قبلتكم لو نشر رجل من السلف الكرام من الصحابة الطيبين لما عرف إلا القبلة هذه التي نتوجه إليها وما غيرناها، وما عدا هذا أذاننا ملحون وصلاتنا فيها ما فيها وهكذا سائر شعائر الإسلام.

стр. 5010

نعم إخوتي الكرام كلما امتد الزمان تكثر البدع وتتوارى وتختفي السنن ثبت في معجم الطبراني الكبير بسند رجاله موثقون كما في المجمع من رواية عبد الله بن عباس أنه قال: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنةحتى تحيا البدع وتموت السنن، نعم بدع..تحيا، وسنن..تموت يعكف الناس على البدع باسم السنن وإذا غيرت البدع قالوا غيرت السنة. وقد أشار نبينا ﷺ إلى التغيير الذي سيطرأ على هذه الأمة عندما سأله أمين سر هذه الأمة في المنافقين حذيفة بن اليمان ﵁ والحديث في الصحيحين وفي سنن ابن ماجه عن حذيفة: قال كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله انا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن، قلت وما دخنه؟ يا رسول الله، قال قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر، قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت يا رسول الله صفهم لنا قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم إمام ولا جماعة قال: فاعتزل تلك الفِرق كلها ولو تعضَّ على أصل شجرة حتى يدرك الموت وأنت على ذلك. حديث جليل يا إخوان الكرام ينبغي أن يتعلمه أولاد أهل الإسلام ليعوا حالهم في هذه الأيام كان الناس في جاهلية قبل بعثة خير البرية ﵊ في جاهلية وشر ثم زالت تلك الجاهلية وانحسر ذلك الشر ببعثة نبينا خير البرية ﵊ فقال حذيفة ابن اليمان هل سيطرأ على هذه الأمة تغيير وهل سيصيبها تكدير بعد هذا الخير الوفير؟ قال نعم.
следующие страницы →