← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

.. وتحقيقاً لاستلزام كل من الخوف والرجاء للآخر، كان المؤمن يخاف من رد طاعته، ويرجو قبولها، ويخاف من العقوبة على ذنوبه، ويرجو غفرانها، ويخاف من وقوعه في النار، ويرجو السلامة منها، ويخاف من طرده من الجنة، ويرجو نيلها ودخولها. ... وذانك الأمران مع أنهما متلازمان، فهما ركنا محبة الرحمن – جل وعلا – وعلى ذلك مدار الإيمان، قال الإمام ابن القيم – نور الله مرقده –: وعلى حسب المحبة وقوتها يكون الرجاء، فكل محب راج خائف بالضرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه أحب ما يكون إليه، وكذلك خوفه، فإنه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له، وإبعاده، واحتجابه عنه، فخوفه أشد خوف، ورجاؤه ذاتي للمحبة، فإنه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه، فإذا لقيه ووصل إليه اشتد الرجاء له، لما يحصل له به من حياة روحه، ونعيم قلبه من ألطاف محبوبه، وبرده وإقباله عليه، ونظره إليه بعين الرضى، وتأهيله في محبته وغير ذلك مما لا حياة للمحب، ولا نعيم ولا فوز إلا بوصوله إليه من محبوبه، فرجاؤه أعظم رجاء، واجل وأتمه، فتأمل هذا الموضع حق التأمل، فإنه يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبودية والمحبة فكل محبة فهو مصحوبة بالخوف والرجاء، وعلى قدر تمكنها من قلب المحب يشتد خوفه ورجاؤه، لكن خوف المحب لا يصحبه وحشة، بخلاف خوف المسيء، ورجاء المحب لا يصحبه علة بخلاف رجاء الأجير وأين رجاء المحب من رجاء الأجير؟ وبينهما كما بين حاليهما ١٠هـ.

стр. 527

.. وعلى المحبة وركنيها يقوم الدين، وإلى ذلك أشار رب العالمين، فقال في سورة الإسراء في وصف عباده المخلصين، الذين تحققوا بمقامات الدين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ الإسراء٥٧، قال الإمام ابن القيم – رحمه الله تعالى – ابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب منه بالعبودية والمحبة، فذكر مقامات الإيمان الثلاثة التي عليها بناؤه، الحب، والخوف، والرجاء (١) .

стр. 528

.. وإذا فرط الإنسان في بعض تلك المقامات، وقع الهلاك والآفات، ولذلك قرر سلفنا أهل العقول الزاكيات أن من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو شقي زنديق، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي (١) .

стр. 529

.. قال عبد الرحيم الطحان – غفر الله له جميع الذنوب والآثام -: إذا كان الخوف والرجاء من مقامات الإيمان، وعليهما تتوقف سعادة الإنسان، فهما له كالجناحان لطائر الحيوان، فينبغي اعتدالهما في سائر الأزمان، والحكم الذي في حق متقي الرحمن، المتصف بكمال الإيمان، لكن لما كان أكثر الخلق ذوو تفريط وعصيان، قرر العلماء الكرام، تعليب الوجل على الأمل ما لم يحضر الأجل، بشرط أن لا يخرجه ذلك إلى اليأس المفضي إلى ترك العمل، ولا يؤدي به إلى القنوط الموصل إلى قطع الطمع من مغفرة الزلل، وأما عند نزول الموت، فالأصلح للإنسان تغليب الرجاء على الخوف، لثلاثة أسباب قررها أولو الألباب: السبب الأول: الخوف كالسوط الباعث على العمل، والحاجز المانع من الوقوع في الزلل، وليس ثمة عمل، ولا مجال لوقوع الجوارح في الخلل، فالخوف في هذه الحالة يقطع قلبه، ويعجل موته، ولا فائدة في ذلك، أما الرجاء فيقوي القلب، ويحبب إليه لقاء الرب – جل وعلا – وهي الفائدة الثانية فدونكها بدليلها. السبب الثاني:

стр. 530

.. غلبة الرجاء عند السياق تحبب إلى العبد لقاء الرب الخلاق – ﷻ – فيحب الله لقاءه، ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قال رسول الله – ﷺ –: "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقلت: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فقال: " ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه"، وفيه أيضاً عن شريح بن هانئ أنه سمع أبا هريرة – رضي الله تعالى عنه – يقول: قال رسول الله – ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، قال: فأتيت عائشة – رضي الله تعالى عنها – فقلت: يا أم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله – ﷺ – حديثاً، إن كان كذلك فقد هلكنا، فقالت: إن الهالك من هلك بقول رسول الله – ﷺ – وما ذاك؟: قال: قال رسول الله – ﷺ –: "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" وليس منا أحد إلا ويكره الموت، فقالت: قد قاله رسول الله – ﷺ –، وليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه (١)

стр. 531

" وفي المسند، ومعجم الطبراني بسند حسن عن معاذ بن جبل – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: إن شئتم أنبأتكم أول ما يقول الله – يوم القيامة وما أول ما يقولون له، قلنا: نعم يا رسول الله، قال: إن الله – – يقول للمؤمنين: هل أحببتم لقائي؟ فيقولون: نعم يا ربنا، فيقول: لم؟ فيقولون: رجونا عفوك ومغفرتك، فيقولون: قد وجبت لكم مغفرتي"، وفي رواية الطبراني: "فيقولون: رجونا رحمتك وعفوك، فيقول: وقد وجبت لكم رحمتي (١) ". السبب الثالث:

стр. 532

.. إذا غلب على عبد الرجاء، عند مفارقة دار الابتلاء، فإن ذلك سيدفعه لحسن ظنه برب الأرض والسماء، ونحن مأمورون بذلك في وقت الرجاء، فكيف في حال السياق؟ ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يقول الله – –: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منه، وإن تقرب إليّ شبراً، تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً، تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة" وفي المسند دخل واثلة ابن الأسقع – رضي الله تعالى عنه – على أبي الأسود في مرضه الذي مات فيه، فسلم عليه، وجلس، فأخذ أبو الأسود يمين واثلة فمسح بها على عينيه ووجهه لبيعته بها رسول الله – ﷺ – فقال له واثلة: واحدة أسألك عنها، قال: وما هي؟، قال: كيف ظنك بربك؟، فقال أبو الأسود، وأشار برأسه، أي: حسن، فقال واثلة: أبشر فإني سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "قال الله – –: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء (١)

стр. 533

". ... وفي صحيح مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم وهو يحسن الظن بالله – – (١) . وقد كان ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه يقول: والله الذي لا إله إلا هو لا يحسن عبد بالله الظن إلا أعطاه ظنه، وذاك بأن الخير في يده (٢) ، ولما حضرت سليمان التيميّ الوفاة قال لابنه: يا بني حدثني بالرخص، واذكر لي الرجاء حتى ألقى الله تعالى على حسن الظن به، وكذلك لما حضرت سفيان الثوري الوفاة، واشتد جزعه، جمع العلماء حوله يرجونه، وقال أحمد بن حنبل لابنه عند الموت: اذكر لي الأخبار التي فيها الرجاء، وحسن الظن بالله تعالى – ﵏ أجمعين – (٣) .

стр. 534

.. وجرياً على ما سبق من البيان، سأبدأ الكلام في الخوف من ربنا الرحمن، لمناسبته حال أكثر الأنام، وأسأله – جل وعلا – حسن الختام، والفوز بدار السلام، ونيل الرضوان، إنه كريم رحمن. * خوف المكلفين من رب العالمين: ... ضبطاً لسير البحث بانتظام، سأتكلم عليه ضمن مراحل جسام، فدونكها يا أخا الإسلام. تعريف الخوف: هو عبارة عن تألم القلب واحتراقه، وبسبب توقع مكروه في المستقبل عن أمارة مظنونة أو معلومة. ... وقد قرر العلماء الكرام أن كل ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب ينقسم إلى موجود في الحال، وإلى موجود فيما مضى في الاستقبال: فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي: ذكراً وتذكراً، وإن كان ما خطر ببالك موجوداً في الحال سمي: وجداً وذوقاً وإدراكاً، وذلك لأنه حالة تجدها في نفسك، وتحس بها وتدركها، وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال، وغلب على قلبك، سمي: انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب سمي: خوفاً وإشفاقاً ووجلاً، وإن كان محبوباً حصل من انتظاره، وتعلق القلب به، وإخطار وجوده بالبال لذة في القلب وارتياح، سمي ذلك الارتياح: رجاءً أو أملاً (١) . * الخوف من الرحمن كما تحدث عنه القرآن:

стр. 535

.. وصف ربنا الكريم، عباده المقربين، السابقين منهم واللاحقين، بخشيته في كل حين، فقال في سورة الإسراء وهو أصدق القائلين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ الإسراء٥٧، وإذا كان هذا وصف الجن المؤمنين لما بلغتهم دعوة رب العالمين، فإن ذلك الوصف هو وصف أهل الكتاب الصادقين، وفي آخر السورة يقول ربنا العظيم: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ الإسراء١٠٥-١٠٩، روى الأئمة الكرام ابن المبارك في الزهد، والدارمي في سننه، والطبري في تفسيره، وأبو نعيم في الحلية عن عبد الأعلى التيمي – ﵏ جميعاً – قال: من أوتي من العلم مال ايبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه، لأن الله – ﵎ – نعت العلماء فقال: "إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً" الآية (١)

стр. 536

وهذا المعنى قرره رب الأرض والسماء، فذكر أن الخشية منه هي خاصة العلماء، فقال – جل وعلا – في سورة فاطر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ فاطر٢٧-٢٨، وقال – – في سورة الزمر: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ الزمر٩، فتلك صفات العلماء، ومن يتصف بها فهو من الأغبياء السفهاء، وفي سنن الدارمي باب بهذا الخصوص في المقدمة، وهو: باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله – وفيه: قال مجاهد – رحمه الله تعالى – الفقيه: من يخاف الله –.

стр. 537

وسئل سعد بن إبراهيم من أفقه أهل المدينة؟ فقال: أتقاهم لربه – – وعن عمران المنفزي قال: قلت للحسن يوماً في شيء قاله: يا أبا سعيد، ليس هكذا يقول الفقهاء، فقال: ويحك، ورأيت فقيهاً قط؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه، ثم بوب الدارمي باباً آخر فقال: باب التوبيخ لمن يطلب العلم لغير الله – جل وعلا – نقل فيه عن مسروق – رحمه الله تعالى – أنه قال: كفى بالمرء علماً أن يخاف الله – – وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله، وروي عن ابن عطاء – رحمه رب الأرض والسماء – أن نبي الله موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له، قال: يا رب أي عبادك أخشى لك؟ قال: أعلمهم بي، وعن الحسن البصري – رحمه الله تعالى – قال: كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في بصره وتخشعه، ولسانه ويده، وصلاته، وزهده ١٠هـ ولذلك قال الغزالي في الإحياء: وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف، لأن الخوف ثمرة العلم (١) .

стр. 538

.. وقد أخبرنا ربنا العلام أن من شروط الإيمان، الخوف من الرحمن، فقال في سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ آل عمران١٧٢-١٧٥، قال الغزالي – رحمه الرب الباري –: فأمر بالخوف، وأوجبه، وشرطه في الإيمان، فلذلك لا يتصور أن ينفك مؤمن عن خوف، وإن ضعف، ويكون ضعف خوفه بحسن ضعف معرفته وإيمانه (١) .

стр. 539

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: دلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس، كما قال – جل وعلا –: " فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ " المائدة: ٤٤، فخوف الله: أمر به، وخوف أولياء الشيطان: نهي عنه، قال الله تعالى: " لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي " البقرة ١٥٠ فنهى عن خشية الظالم، وأمر بخشيته، وقال – جل وعلا –: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ الأحزاب٣٩، وقال – جل وعلا –: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ البقرة٤٠.

стр. 540

.. وبعض الناس يقول: يا رب إني أخافك، وأخاف من لا يخافك، وهذا كلام ساقط لا يجوز، بل على العبد أن يخاف الله وحده، ولا يخاف أحداً، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله عنه، وإذا قيل: قد يؤذيني، قيل: إنما يؤذيك بتسليط الله له، وإذا أراد الله دفع شره عنك دفعه، فالأمر لله، وإنما يتسلط على العبد بذنوبه، وأنت إذا خفت الله فاتقيته، وتوكلت عليه كفاك شر كل شر، ولم يسلطه عليك، فإنه قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق٣، وتسليطه يكون بسبب ذنوبه، وخوفك منه، فإذا خفت الله وتبت من ذنوبك، واستغفرته لم يسلط عليك، كما قال – جل وعلا –: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الأنفال٣٣، وفي الآثار: يقول الله تعالى – أنا الله لا إله إلا أنا، ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فمن أطاعني جعلت قلوب الملوك عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إليّ وأطيعوني أعطفهم عليكم، ولما سلط الله العدو على الصحابة يوم أحد، قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ آل عمران١٦٥ (١) .

стр. 541

وإذا كانت تلك صفات المؤمنين، فإن من عداهم على نقيض ذلك الوصف الكريم، فهم لاهون ضاحكون، لا يخشون من الله ولا يبكون، قال – جل وعلا – في آخر سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ ٥٩-٦٢ (١) ،

стр. 542

وقال – ﷻ – في سورة المدثر: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ المدثر٤٩-٥٣ (١) .

стр. 543

.. وقد دلت آيات القرآن على أن من لم يخف إلا من الرحمن، فله العز والتمكين في دار الامتحان وله الفوز والإكرام في دار الجنان، أما ما يحصل له في العاجل، فقد أخبر عنه ربنا القوي القادر بقوله – – في سورة إبراهيم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم١٣-١٤ (١) ،

стр. 544

وقال في سورة الأنعام بعد إعلان براءة خليل الرحمن – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – من الأوثان، وانقياده لرب الأنام: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ الأنعام٨٠-٨٢، وقد تقدم في هذا الكتاب المبارك: تفسير النبي – ﷺ – في قوله – جل وعلا –: " وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ " بالشرك، ومن الشرك خوف غير الله – – فاعلم (١) .

стр. 545

وانظر إلى حال نبي الله هود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لما تحقق بكمال خشية الرحمن – جل وعلا – لم يبال بمن كاده من إنس وجان، قال ذو الجلال والإكرام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ هود٥٠-٥٨.

стр. 546

.. قال الإمام ابن القيم – عليه رحمة الله تعالى –: إن من أخفى آيات الرسل – عليهم صلوات الله وسلامه – آيات هود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – حتى قال له قومه: "يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ" ومع هذا فبينته من أظهر البينات، وقد أشار الله – جل وعز – إليها بقوله: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ﴾ هود٥٤-٥٥ فهذا من أعظم الآيات: أن رجلاً واحداً أمة عظيمة بهذا الخطاب، غير جزع ولا فزع، ولا خوار، بل واثق مما قاله، جازم أنه وليه وناصره، وأنه غير مسلطهم عليه – إشهاد مجاهر لهم بالمخالفة –: أنه بريء من دينهم وآلهتهم التي يوالون عليها ويعادون، ويبذلون دماءهم وأموالهم في نصرتها، ثم أكد عليهم ذلك بالاستهانة بهم، واحتقارهم وازدرائهم، وأنهم لو يجتمعون كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه ثم يعالجونه ولا يمهلونه، وفي ضمن ذلك: أنهم أضعف وأعجز وأقل من ذلك، وأنكم لو رمتموه لانقلبتم بغيظكم مكبوتين مخذولين، ثم قرر دعوته أحسن تقرير، وبين أن ربه – ﵎ – وربهم، الذي نواصيهم بيده، هو وليه ووكيله، القائم بنصره وتأييده، وأنه على صراط مستقيم، فلا يخذل من توكل عليه، وآمن به، ولا يشمت أعداءه، ولا يكون معهم عليه، فإن صراطه المستقيم الذي هو عليه – في قوله وفعله – يمنع ذلك ويأباه، وتحت هذا الخطاب: أن من صراطه المستقيم: أن ينتقم ممن خرج عنه وعمل بخلافه، وينزل به بأسه، فإن الصراط المستقيم هو العدل الذي عليه الرب – جل وعلا –، ومنه انتقامه من أهل الشرك والإجرام، ونصره أولياءه ورسله على أعدائهم، وأنه يذهب بهم ويتخلف قوماً غيرهم، ولا يضره ذلك شيئاً، وأنه القائم – – على كل شيء حفظاً ورعاية، وتدبيراً وإحصاء (١) .

стр. 547

.. وأما جزاء الآخرة لمن خشي ذي العزة والمغفرة، فهو حلوله في جنة النعيم، ومجاورته لرب العالمين، قال ربنا الرحيم في آخر سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ البينة٧-٨، وفي سورة الملك يقول ربنا الملك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الملك١٢، قال – جل وعلا – في سورة ق: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ق٣١-٣٥، وقال – ﷻ – في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ الرحمن٤٦، قال الحافظ ابن كثير – عليه رحمة ربنا الجليل –: وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة عمرو بن جامع من تاريخه أن شاباً كان يتعبد في المسجد فهوته امرأة، فدعته إلى نفسها، فما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ الأعراف٢٠١، فخر مغشياً عليه، ثم أفاق فأعادها فمات، فجاء عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – فعزى فيه أباه، وكان قد دفن ليلاً فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر – رضي الله تعالى عنه – فقال: يا فتى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ الرحمن٤٦ فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما ربي – – في الجنة مرتين (١) .

стр. 548

.. وقد أخبرنا ربنا العظيم، أن أهل جنة النعيم، يتحدثون بمنة الله الكريم بنجاتهم من العذاب الأليم، ويخبرون عن أنفسهم أنهم كانوا في أهلهم مشفقين، ففي سورة الطور يقول رب العالمين: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ الطور٢٥-٢٨، جعلنا الله من أهل ذلك الوصف العظيم، بمنه وكرمه، إنه أرحم الراحمين. * حال نبينا – ﵊ – في خوفه من ذي الجلال والإكرام:

стр. 549

.. إذا كان رسولنا الكريم – عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم – أعلم المخلوقات برب العالمين، فإن ذلك يستلزم كونه أكثرهم خوفاً من مالك يوم الدين، وأشدهم له خشية في جميع الأحايين، وهذا هو واقع نبينا الأمين – ﷺ – ففي الصحيحين وغيرهما عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: صنع النبي – ﷺ – شيئاً ترخص فيه ن فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي – ﷺ – فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه؟ فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (١) ".

стр. 550

وذلك الذي ترخص رسولنا – ﷺ – في فعله، وتنزه عنه من تنزه تعللاً بالبون الشاسع بينهم وبين رسول الله – ﷺ – ورد في التصريح به في روايات صحيحة ففي صحيح مسلم وغيره عن عمر بن أبي سلمة – رضي الله تعالى عنهما – أنه سأل رسول الله – ﷺ – أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله – ﷺ –: سل هذه لأم سلمة – رضي الله تعالى عنها –، فأخبرته أن رسول الله – ﷺ – يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله – قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله – ﷺ –: "أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له (١)

стр. 551

". ... وثبت في صحيح مسلم وغيره أيضاً عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – أن رجلاً جاء إلى النبي – ﷺ – يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يا رسول الله – ﷺ – تدركني الصلاة وأنا جنب، أفأصوم؟ فقال رسول الله – ﷺ –: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم" فقال الرجل: لسنا مثلك يا رسول الله، ﷺ –، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال رسول الله – ﷺ –: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعملكم بما أتقي (١) ".

стр. 552

.. وثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – ﷺ – يسألون عن عبادة النبي – ﷺ – فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي – ﷺ – قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا – فجاء رسول الله – ﷺ – فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١) ".

стр. 553

.. فهذه الروايات الصحيحة فيها بيان ما ترخص نبينا – ﷺ – في فعله، وتنزه عنه من تنزه تعلقاً بالتباين البين بينهم وبين خلق الله – ﷺ (١)

стр. 554

– وقد رد رسول الله – ﷺ – عليهم زعميهم وأعلمهم أن من كان أعلم بما يقرب إلى الله – – فهو أولى بالعمل بها، ورتبة الكمال الإنساني منحصرة في الجمع بين القوة العلمية، والقوة العملية، ولا وجود لهما على وجه التمام إلا في خير البرية – ﷺ – ثبت في صحيح البخاري عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: كان رسول الله – ﷺ – إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله – ﷺ – إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيغضب حتى يعر الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، وفي المسند عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: إن ناساً كانوا يتعبدون عبادة شديدة، فنهاهم النبي – ﷺ – فقال: "والله إني لأعلمكم بالله – – وأخشاكم له (١) ".

стр. 555

.. وإذا كانت تلك الخشية لرب العالمين، ملازمة لحبيبنا خير خلق الله أجمعين في جميع الأحايين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – فكان إذا صلى يسمع لصدره الشريف أزيز كأزيز المرجل من البكاء من خشية رب الأرض والسماء، ففي المسند، وسنن النسائي، وأبي داود، وشمائل الترمذي عن عبد الله بن الشخير – رضي الله تعالى عنه – قال: أتيت رسول الله – ﷺ – وهو يصلي، ولصدر أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وفي رواية أبي داود: رأيت رسول الله – ﷺ – يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء. وقد كان نبي الله إبراهيم الخليل – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – متصفاً بذلك الخلق الجميل فكان إذا قام إلى مناجاة ربنا الجليل، يسمع أزيز صدره من مسافة ميل، كما قال أبو الدرداء – رضي الله تعالى عنه – (١) .

стр. 556

وكان فداه أبي وأمي – إذا تلي عليه القرآن، تفيض عيناه بالبكاء خشية للرحمن ففي الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: قال لي النبي – ﷺ –: "اقرأ علي القرآن" فقلت: يا رسول الله – ﷺ – أقرأ عليك وعليك أنزل؟، قال: " فإني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ النساء٤١، قال: "أمسك" فإذا عيناه تذرفان (١) .

стр. 557

وقد أخبرتنا أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – عن عظيم خوف النبي – ﷺ – من ربه – جل وعلا – وخشيته له، وهي المطلعة على ما لم يطلع عليه أحد من أحواله – ﷺ – ففي الصحيحين وغيرهما أنها قالت – رضي الله تعالى عنها –: ما رأيت رسول الله – ﷺ – مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيثاً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله – ﷺ – أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية؟ قالت: فقال: " يا عائشة ما يؤمنني أن يكون في عذاب؟ قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممصرنا" وفي رواية لمسلم: أنها قالت – رضي الله تعالى عنها – كان النبي – ﷺ – إذا عصفت الريح قال:" اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" قالت: وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه، فعرفت ذلك في وجهه، قالت فسألته: فقال: "لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ الأحقاف٢٤ (١) .

стр. 558

وكان – ﵊ – يسأل ربه الثبات، ويكثر من ذلك في جميع الأوقات ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان رسول الله – ﷺ – يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلب على دينك" فقلت: يا رسول الله – ﷺ – أمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء" وفي رواية للترمذي بسند حسن أيضاً عن شهر بن حوشب، قال: قلت لأم سلمة – رضي الله تعالى عنها –: يا أم المؤمنين ما كان أكثر دعاء رسول الله – ﷺ – إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت: فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعائك: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: "يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ" فتلا معاذ – أحد الرواة –: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ آل عمران٨، وفي سنن ابن ماجه بسند صحيح عن النواس بن سمعان – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه"، وكان رسول الله – ﷺ – يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال "الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً، ويخفض آخرين إلى يوم القيامة" وفي المسند وصحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنهما – أنه سمع رسول الله – ﷺ – يقول: إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء" ثم قال رسول الله – ﷺ –: "اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك (١)

стр. 559

". وتحقيقاً لما تقدم من بيان حاله – ﷺ – في الخوف من ربه – جل وعلا – والخشية له فقد كان يختم كل مجلس من مجالسه – ﷺ – بسؤال الخشية من ربه، ففي سنن الترمذي ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – قال: قلما كان رسول الله – ﷺ – يقول من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الكلمات لأصحابه: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما حييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحكما" هذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، ولفظ رواية الحاكم عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –: أ، هـ لم يكن يجلس مجلساً كان عنده أحد أو لم يكن إلا قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى، اللهم ارزقني من طاعتك ما تحول بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به عليّ مصائب الدنيا، وبارك لي في سمعي، وبصري، واجعلهما الوارث مني، اللهم وخذ بثأري ممن ظلمني، وانصرني على من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا مبلغ علمي، اللهم ولا تسلط عليّ من لا يرحمني"، فسئل عنهن ابن عمر، فقال: كان رسول الله – ﷺ – يختم بهن مجلسه (١) . * حال الملائكة المقربين، والأنبياء المطهرين – عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين في الخوف من رب العالمين:

стр. 560

.. إذا كان ما تقدم هو حال نبينا الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم –، في الخوف من مالك يوم الدين، فإن ذلك الخلق الكريم، هو خلق الصفوة الطيبين، من الملائكة والنبيين – على نبينا وعليهم جميعاً أفضل الصلوات وأزكى التسليم –، ففي سورة الأنبياء: (٢٦-٢٨) ، يخبرنا ربنا عن حال ملائكة السماء، فيقول – جل ثناؤه –: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ الأنبياء٢٦-٢٨، وقال – جل وعلا – في سورة النحل: ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ النحل٤٩-٥٠، وقد بلغ الحال بعظماء الملائكة الكبار – على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه – أن واحداً منهم لم يضحك منذ أن خلق الله النار ففي المسند عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – عن رسول الله – ﷺ – أنه قال لجبريل – ﵇ –: "مالي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟ فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار".

стр. 561

.. قال الإمام العراقي – رحمه الله تعالى –: وورد ذلك في حق إسرافيل – ﵇ – رواه البيهقي في الشعب، وفي حق جبريل – ﵇، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (١) .

стр. 562

.. قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: وإنما اشتد خوف النبيين، والملائكة المقربين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم – لاطلاعهم على مالم يطلع عليه سائر المكلفين، من صفات رب العالمين، ومما يكون في الآخرة من نعيم وجحيم، وما يسبق ذلك من أهوال تذهل الحليم، وتشيب الولدان أجمعين، ولذلك قال خاتم الأنبياء والمرسلين – ﷺ –:" إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطرت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها أربع أصابع إلا وملك (وملك) واضح جبهته ساجداً لله – – والله لو تعلون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم على الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددتم أني كنت شجرة تعض (١)

стр. 563

". أي تقطع. وقد أخبرنا نبينا – ﷺ – عن شدة حزن أبينا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لمفارقته ما رآه، وبعده عما كان فيه، فقال – ﷺ –: "لو أن بكاء داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وبكاء جميع أهل الأرض يعدل ببكاء آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ما عدله (١) ، وما ذاك إلا لأنه عاين ما عاين عند رب العالمين، فهو وجل من عذابه الأليم، وراج ٍ لفضله العميم، وكل من كان في علمه بالله من الراسخين، وبما عند الله من المستيقنين، سيسلك طريق أبيه الكريم، الذي سار عليه سائر الأنبياء والمرسلين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم – وقد كان سلفنا الطيبين على ذلك الخلق العظيم، قال ابن أبي مليكه – وهو من أئمة التابعين – عليه رحمة رب العالمين –: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – في الحجر، فقال: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، لو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته (٢) .

стр. 564

* تحريض النبي الأمين – ﷺ – لأمته على الخوف من رب العالمين: ... حثنا نبينا – ﷺ – على الخوف من الله الجليل، ورتب على التحلي بذلك الخلق النبيل، واسع الفضل والثواب الجزيل، فأخبرنا – ﷺ – أن من خاف ربه في هذه الحياة، يأمن عندما تفزع المخلوقات، وتقوم لرب الأرض والسموات، ففي صحيح ابن حبان، وغيره من دواوين الإسلام عن نبينا – ﷺ – فيما يرويه عن ذي الجلال والإكرام أنه قال: "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته في يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة (١) ".

стр. 565

.. ويترتب على الأمن يوم الدين، أن يظلل بظل عرش رب العالمين، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، وجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه (١) ".
следующие страницы →