← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

والحالة الثالثة:- التي تعتري الإنسان ولا تخرج أحوال الإنسان عن ذلك حالة مستقبلة ستنزل به ويفكر فيها فيقال لها: توقع وانقطاع، يتوقع، فإن كانت في محمود أو محبوب سميت تلك الحالة رجاءً وأملاً، وإن كانت تلك الحالة المتوقعة في مذموم ومكروهٍ سميت تلك الحالة خوفاً وإشفاقاً ووجلاً، وهذا ما قررته في تعريف الخوف، تأمل القلب، احتراق القلب بسبب توقع مكروه، سينزل عليك في المستقبل عن أمارة يقينية معلومة أو مظنونة عليه، هنا ما تتوقع أنه سينزل بك إن كان محموداً يسرك، فرحت، وهذا يقال له أمل، يقال له رجاء، وإن كان سينزل بك وهو مكروه تخافه وتحزن يقال هذا خوف، إشفاق، وجل، وهؤلاء العباد الذين يعمرون بيوت الله في الأرض ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ فلنطبق تعريف الخوف على حالتهم كل واحد منا اخوتي الكرام يوقن يقيناً أنه سيموت وبعد الموت سيبعث وسيأتينا تقرير البعث بأدلته التي لا يماري فيها عاقل في المبحث الثاني من المباحث إن شاء الله، وإذا كان الأمر كذلك سنبعث كما نستيقظ، وسنموت كما ننام، إذا كان الأمر كذلك سنموت وسنبعث، لا يخلو واحد منا من تفريط وتقصير في حق الله جل وعلا وما يعلم هل سيغفر له أم لا، إذا علم أنه سيؤول إلى الله وهو صاحب تفريط وتقصير وعصيان، ماذا سيكون حاله، إذا توقع عقوبة من الله وغضباً من الله سيعتري قلبه في هذه الحياة الحالة التي ذكرتها وهي الخوف والوجل والإشفاق من الله نعم من علم هذا سيخاف ولا بد، رضي الله عن الحسن البصري عندما يقول كما في حلية الأولياء (من علم أن الموت مورده وأن الساعة موعده وأن الوقوف بين يدي الله مشهده حقيق به أن يطول حزنه في هذه الحياة، وأن يخاف من رب الأرض والسموات) الموت سترده ولا شك في ذلك، والقيامة موعدك لا شك في ذلك، سيجمع الله الناس ليومٍ لا ريب فيه، ويحصي عليهم مثاقيل الذر ﴿فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره﴾ ،

стр. 5147

﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً *﴾ . الموت موردنا والقيامة موعدنا والوقوف بين يدي الله مشهدنا ليحاسبنا على النقير والقطمير وعلى القليل والكثير، فمن استحضر هذا سيخاف ولا شك من الله الجلي ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ ويقو سيد المسلمين الحسن البصري أيضاً يقول عليه رحمة الله كما في الحلية (يكون الإنسان بين خوفين لا ينفك عنها وإن كان محسناً، إذا عاقلاً مهما وصل في درجة الإحسان وطاعة الرحمن هو بين خوفين لا ينفك عنها، ولا يفارقان قلبه طرفة عين، قيل له ما هما؟ خوفان يلازمان الإنسان قال ذنب مضى ما تدري بالله صانع فيه هل سيغفر لك أو ستعاقب عليه، وذنوب عملتها في ما مضى ونحن نخطئ في الليل والنهار، ونسأله أن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه، إنه واسع الفضل والمغفرة، ذنب مضى لا تدري ما الله صانع فيه، وأجل بقى: أي من حياتك لا تدري ما أنت عامل فيه يا عبد الله، إذا كنت الآن في نعمة الإيمان هل تعلم أن هذه النعمة ثتثبت لك على الدوام.

стр. 5148

نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولذلك إذا كان الأمر كذلك حقيقة الإنسان بين خوفين لا ينفك عنها لا يعلم ماذا سيعمل في المستقبل ولا يعلم بأي شيء سيعامله في ما جرى منه، ولذلك كان الحسن البصري عندما يقال له: أمؤمن أنت فيقول: أرجو، قيل له: أشك يا أبا سعيد؟ أتشك في إيمانك؟ قال ليس بشك، لكن ما يدريني أن الله اطلع علي ذنب من ذنوبي فقال: يا حسن اعمل ما شئت فلن أقبل منك، ما يدريني أن الله اطلع على عمل من أعمالي السيئة وعلى ذنب من ذنوبي وعلى عيب من عيوبي فمقتني، فقال: اعمل ما شئت فلن أقبل منك، ما يدريني بأي شيءٍ سيختم للك، لا تدري، ما جري منك ما حاله عند الله، ما تدري، أنت بين خوفين لا ينبغي أن يفارق قلبك طرفة عين، ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ . اخوتي الكرام: أخبرنا ذو الجلال والإكرام أننا سنرد على النار وهذه قضية مفروغ منها وهل سننجو أم لا؟ لا يعلم هذا إلا الله ﴿فوربك لنحشرهم والشياطين ثم لنحضرنَّهم حول جهنَّم جثيّاً * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتياً * ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها يصلياً * وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً *﴾ هذه النجاة هل تضمنها لنفسك يا عبد الله.

стр. 5149

ثبت في كتاب المصنف للإمام ابن أبي شيبة، وكتاب الزهد للإمام أحمد عن الحسن البصري ﵁ وعن سلفنا أجمعين قال: (كان الرجلان من أصحاب النبي ﷺ إذا ألتقيا يقول أحدهما لصاحبه: هل أخبرك أنك سترد على النار قال: نعم، أخبرنا بذلك، وأن الله أخبرنا أننا سنرد على النار فيقال له: هل أخبرت أنك ستصدر عنها وتخرج منها وعندك صك بذلك؟ فيقول: لا، فيقول كل واحد لصاحبه، فعلام نضحك؟ وعلام الضحك؟ عندنا الآن إثبات بالورود على النار لكن بالخروج منها والصدور عنها هل تجزم ذلك لأنفسنا أم لا، لا يعلم ذلك إلا الله ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً *﴾ . انظروا اخوتي الكرام لهذه القصص التفصيلية لهذا الإجمال الذي ذكره الإمام الحسن البصري عليه رحمة الله وسأذكر قصتين فقط، قصة لصحابي وقصة لتابعي ﵃ أجمعين.

стр. 5150

أما الصحابي فهو عبد الله بن رواحة استحضروا قصته وطبقوها على قول الله تعالى ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ روى الإمام أحمد في الزهد والأثر رواه وكيع وعبد الله بن المبارك، وهنَّاد بن السري في كتابه كتب الزهد لهم أيضاً، والأثر رواه عبد بن حميد في مسنده وابن أبي شيبة في المصنف ورواه الإمام الطبري في تفسيره ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ورواه البيهقي في دلائل النبوة والبعث، وإسناد الأمر صحيح لكن فيه إرسال كما سأوضح عن قيس بن حازم، وقيس تابعي مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، لكن تكتحل عيناه لرؤية نبينا ﷺ فما قدر له أن يلتقي به، لكنه كان في زمانه ولو ألتقى به لثبت له شرف الصحبة، وذلك يقال له: مخضرم، توفي سنة تسعين للهجرة ٩٠هـ أو بعده أو قبلها وقد جاوز المائة وهو من أئمة التابعين الصالحين، حديثه مخرج في الكتب الستة، وهو من روي عن العشرة المبشرين بالجنة رضوان الله عليهم، رواية قيس بن أبي حازم عن صاحب هذه القصة وهو عبد الله بن رواحة مرسلة فلم يلتقي به ولم يسمع ذلك منه، نعم قصة بكاء عبد الله بن رواحة المذكورة في هذه الآية، واردة من عدة طرق يتقوى بعضها ببعض، فالأثر صحيح وخلاصته أن عبد الله بن رواحة كان متكئاً في حجر زوجته وهي تفلي شعره كداعبة وهو في حجرها في حال معاشرة أباحها الله، فبكى ﵀ ورضي عنه، فبكت زوجته لبكائه، فلما انتهت عنهم العبرة وانقطع بكاؤهم قال لزوجته على ما بكيت؟ قالت: رأيت بكيت فبكيت، فما أبكاك أنت؟ سبحان ربي العظيم يعاشر زوجته ورأسه وحجرها لكن قلبه ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ قلبه في الآخرة وإن كان البدن مع الزوجة، ما يعلم هل سيستقر في النار أو سيكون مع الأبرار في الجنة بجوار العزيز الغفار، بكيت فبكيت فما أبكاك؟ قال: ذكرت قول الله جل وعلا: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً﴾ أخبرنا الله في هذه الآية أننا

стр. 5151

سنرد على جهنم وأننا سندخلها ولكن ما أعلمها أنني سأخرج منها أو أصدر عنها أم لا فهذا الذي أبكاني، حقيقة الذي يتفكر في هذا يتفطر قلبه. اخوتي الكرام: وهذا بين لنا معنى الورود ومعناها الدخول وهو أحد القول في تفسير الورود في قول ربنا المعبود ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ أي داخلها. والقول الثاني:- أن المراد من الورود هو المرور على الصراط المنصوب على متن جهنم وفوقها وظهرها وعليه لا يدخلون إلى داخلها، لكن يمرون فوقها، فمن كان تقياً يمر ولم يسقط، ومن كان مخلطاً مفرطاً سقط من الصراط إلى قعر جهنم، ولا تنافي بين التفسيرين وسيأتينا إيضاح هذا عند أحوال يوم القيامة، فمن فسر الورود بالدخول أخبر كما ورد في الآثار ولكما قلت سيأتينا تقرير هذا وتفسيره أن المؤمن إذا دخل النار تكون عليه كالحمام، لايتأذى بحرها ولا يصطلي بنارها وتكون عليه كحال النار التي كانت على خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في هذه الحياة ومن فسر الورود بالمرور فهذا أمر واضح لا يدخلون النار، إنما يمشون فوقها على الصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ومع ذلك لا يثبت هو ضمن مزلة، يمرون عليه، هذا المرور هو الورود وعلى الحالتين لا يقاسون العذاب فيها إن كانوا من المتقين، إذاً أخبرنا أننا سنرد لكن هل سنخرج ونصدر ما عندنا بعد ذلك يقينياً في ذلك، هل تتحقق فينا الصفات وهي التقوى لرب الأرض والسموات، وكل إنسان يعلم ما عنده من تفريط وكدر وذلك عندما يستحضر الإنسان هذا ينطبق عليه هذا الوصف ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ .

стр. 5152

والقصة الثانية اخوتي الكرام: رواها الإمام أحمد أيضاً في الزهد وهناد بن السري في الزهد أيضاً ورواها عبد الله بن المبارك في الزهد، والإمام الطبري في تفسيره وابن أبي شيبة في المصنف ورواها الإمام أبو نعيم في الحلية ع التابعي الجليل وهو مخضرم أيضاً أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرى النبي ﷺ وهو أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل من الأئمة الصالحين توفي سنة ثلاثة وستين للهجرة ٦٣هـ حديثه مخرج في الكتب الستة إلا سنن الإمام ابن ماجة، هذا العبد الصالح تقول زوجته كان كلما دخل معها في الفراش يبكي ويقول: يا ليت أمي لم تلدني، فلما تكرر منه هذا قالت له زوجته علام تقول هذا؟ قد أنعم الله عليك بالإسلام وفعل وفعل وأنت من العلماء الربانيين في هذه الأمة، علام تقول هذا؟ قال: يا أمة الله أخبرنا الله جل وعلا أننا سنرد على النار ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً *﴾ وما أعلم هل سأخرج منها أم لا كلما يضجع في فراشه يتذكر ذلك اليوم الذي لا يغيب عن المؤمنين طرفة عين ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ عشرة مع زوجته في الليل لكن قلبه مع ربه يفكر فيما سيؤول حله عندما سيرد النار، هل سيخرج منها أم لا. اخوتي الكرام: وما جرى من هذا التابعي المخضرمي الجليل المبارك من قوله (يا ليت أمي لم تلدني) أثر هذا عن عدد من السلف الكرام من صحابة وتابعي رضوان الله عليهم وليس في ذلك اعتراض على تقدير رب العالمين، إنما في ذلك إتهام للنفس واعتراض بتقصيرها، وفي ذلك خشية من خالقها وفاطرها وبارئها وهو الله جل وعلا، وهذا معنى الأثر ولا أقول هذا اعتراضاً على الله (يا ليت أمي لم تلدني) .

стр. 5153

إذاً اخوتي الكرام: هذا حال الخوف وتعريفه، احتراق القلب، تألم القلب بتوقع مكروه يقع في المستقبل عن أمارة معلومة أو مظنونة، فمن علم ماذا سيكون بين يديه فما سيستقبله عند لقاء ربه، ينبغي أن يطول حزنه في هذه الحياة وأن يكثر خوفه من رب الأرض والسموات، وهذا هو نعت المؤمنين الذين يعمرون بيوت رب العالمين ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ . وبعد تعريف الخوف يحسن بنا أن ننتقل إلى بيان منزلة الخوف في الإسلام، ودرجة الخوف في الإسلام، وهل هو من أركان العظام أو هو من المستحبات والمندوب إليها في شريعة الإسلام. اخوتي الكرام: لا بد من وعي هذه القضية، فالله جل وعلا ذكر في صفات هؤلاء العباد الطيبين الذين يعمرون، هذه الحياة لا تلهيهم تجارة لا بيع، وهذا واجب، ومن آله، هذه الحياة عن طاعة رب الأرض والسموات فهو في النار ثم بعد ذلك يقيمون الصلاة واجب ثم بعد ذلك يؤتون الزكاة يشفقون على عباد الله واجب، ثم يخافون هذا أوجب الواجب، ولا يمكن أن تقبل شيء من ذلك الاعتبارات والأمور والواجبات إلا بعد تحقيق الخوف من رب الأرض والسموات.

стр. 5154

اخوتي الكرام: الخوف له منزلة عظمية في الإسلام والخوف مع الرجاء للإنسان كالجناحين للطائر من الحيوان، فإذا كان الطائر لا يمكن أن يطير بغير جناحه لا يمكن للإنسان أن يسير على هدىً وأن يعبد المولى جل وعلا في هذه الحياة إلا إذا اتصف برجاء الله والخوف منه. خوف ورجاء، وهما كما قلت للإنسان كالجناحين للطائر، وقد قرر هذا أئمتنا الكرام الأبرار، نقل هذا أئمتنا عن العبد الصالح أبو علي الروذباري وهو من العلماء الربانيين والصالحين في هذه الأمة توفي سنة ثلاثة وعشرين وثلاثمائة للهجرة ٣٢٣هوهو أبو علي الروذباري أحمد بن محمد بن القاسم، والروذباري يقول علماؤنا هذه كلمة تقال على أماكن اجتماع أنهار الكبار وكان هذا من الصالحين وكان شيخ المتصوفة الصادقين في بلاد مصر في القرن الرابع للهجرة، وكما قيل له: من الصوفي؟ قال: الصوفي هو من لبس الصوف على الصفا واتبع طريق النبي المصطفى ﷺ وأذاق الهوى طعماً الجفى، وكانت الدنيا منه على قفى، عبدٌ صالح من العلماء الصالحين، وأما ما يتعلق بمبحث التصوف وما دخله من خلط وتكرير، وهذا موجود في سائر الجماعات والفرق التي دخلها خلط وتكرير يأتينا الكلام بالتفسير عن هذه الفرقة بعون الله لنتبين الصادق من الكاذب ممن ينتسبون إلى التصوف.

стр. 5155

اخوتي الكرام: هذا من أئمة الصالحين الربانيين وأئمتنا يقولون كان ذا عقلٍ وفضل، ومن كلامه المحكم يقول في طيب الآخرة عز النفوس وفي طلب الدنيا مذلة النفوس فيا عجب لمن يكثر الذل في طلب الفاني على العز في طلب الباقي، ويروي عنه أبي نعيم في الحلية والإمام ابن كثير في البداية والنهاية، والإمام القشيري في الرسالة أنه قيل عمَّن يزعمون أنهم يستمعون الملاهي آلات العزف والغناء والموسيقى ويقول إنها لا تؤثر فيهم لأنهم وصلوا إلى حالة لا يؤثر فيهم اختلاف الأحوال، قال صدقوا، وصلوا إلى سقر، وصلوا ولكن إلى سقر لأن هذا ليس من طريقة النبي ﷺ ، والتصوف الحق أن تتبع طريق النبي ﷺ كما قال، (ومن ادعى أنه وصل إلى حالة يسقط عنه فيها التكليف فهو أحط من البهيمة عند الله جل وعلا، وأولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون) يستمع الملاهي ثم يقول لا يؤثر فيَّ اختلاف الأحوال وهي في حق حلال لأنه واصل، واصل ولكن إلى سقر، يقول هذا العبد الصالح (الخوف والرجال للإنسان كالجناحين للطائر فإذا استويا تم طيرانه، وإذا وقع النقص في أحدهما نقص الطيران بمقدار النقص الذي في هذا الجناح، فإذا عدم الجناحان وعدم الخوف والرجاء من الإنسان فالطائر في حكم الموت وهكذا من فقد الخوف والرجاء فكأنه خرج من الإيمان. اخوتي الكرام: خوف ورجاء، خوف ورجاء للإنسان في هذه الحياة كالجناحين للطائر، وهذا ما أشار إليه الإمام الحسن البصري عندما قال: (الخوف والرجاء مطيتا المؤمن يركبهما في هذه الحياة ويركب مطية الخوف ليترك المحرمات ويركب مطية الرجاء ليفعل الطاعات ويركب مطية الرجاء ليرجوا نعيم الجنات، يركب مطية الخوف ليحذر جهنم والدركات) إذاً الخوف والرجاء مطيتا المؤمن.

стр. 5156

إخوتي الكرام: قرر علماء الإسلام أن عبادة الله جل وعلا واجبة على العبيد في هذه الحياة، والله خلقنا من أجله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ وقال علماؤنا الكرام وروح العبادة وجوهرها محبة الله جل وعلا، وهذه المحبة لها دعامتان، ركنان لا يمكن أن تكون المحبة تامة كاملة إلا بهما، خوف ورجاء، وعليه الدين كله يقوم على هذه الأمور الثلاثة، لا يمكن أن يعبد الإنسان عبادة حقة بدونها، محبة الله، خوف منه، رجاء له، قرر هذا أئمتنا الكرام كما ذكر شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في كتابه القيم التحفة العراقية في مطبوع وموجود في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر من أول المجلد إلى نهاية الصفحة تسعين التحفة العراقية في الأعمال القلبية، وهذا قرره تلميذه الإمام ابن القيم في مدارج السالكين أن أركان العبادة ثلاثة، حب، وخوف، ورجاء، مقرر هذا أيضاً في مدارج السالكين، وهذا منقول عن أئمتنا التابعين، يقول مكحول الدمشقي الذي توفي سنة بضع وعشر ومائة وهو من التابعين وقال أئمتنا إنه أفقه من الإمام الزهري يقول هذا العبد الصالح وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، ثقة عدل الرضا يقول: (من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو موحد صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو شقي زنديق، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي) وشرح كلامه أن من قامت فيه هذه الأمور الثلاثة محبة الله ووجد ركنا المحبة والخوف والرجاء فقد انضبط سلوكه في هذه الحياة وعبد الله كما يريد الله وكما يحب، فهذا موحد صديق، وسيأتينا تقرير هذا بكلام الله المجيد ن ومن عبد الله بالحب فقط دون خوف ولا رجاء فهذا زنديق، يدعوه الإدلال والبسط أن يعامل محبوبه وهو الله كما يعامل المحبوبة من البشر فيقول معه حالاً، ينبغي أن يقوله في حق الله جل وعلا، ويحمله الإدلال والبسط مع ربه أن ينزل الله كأنه مخلوق من المخلوقات، فمن عبد الله بالحب فقط فهو زنديق، ويأتي شيءٌ ضل

стр. 5157

اليهود والنصارى عندما زعموا أنهم أبناء الله وأحباءه، وأن الله لن يعذبهم ومهما فعلوه فهو مغفور لهم، وهكذا من عبد الله بالحب دون خوف ورجاء فنهاية أمره إلى الزندقة سيستمع الملاهي ويقول إنها لا تؤثر فيه، نعم وصل ولكن إلى جهنم، ومن عبد الله بالخوف فقط، أي: دون محبة دون رجاء فهو حروري والحرورية هم الخوارج عندما اجتمعوا في بلدة حروراء في ظاهر الكوفة فنسبوا إليها، وهؤلاء دينهم واعتقادهم قائم على التخويف، فلا رجاء عندهم ولا محبة منهم لربهم جل وعلا ولو أخطأ الإنسان خطيئة في هذه الحياة حكموا بكفره وخلود في نار جهنم، من عبد الله بالخوف فقط فهو حروري، أي من الخوارج الضالين، ومن عبد الله بالرجاء والأمل، رجاء وأمل دون خوف ووجل فهو مرجئي، والمرجئة هم الذين يقولون لا يضر مع كلمة الشهادة خطيئة، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وعليه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله درجته مع درجة الصدِّيقين مهما فعل بعد ذلك من إثم ومعصيته لرب العالمين، مرجئي، حروري، زنديق، صديق، أربعة أصناف ولا يخرج الناس عن هذا، من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو موحد صديق، ومن عبد الله بالحب فقط فهو شقي زنديق، ومن عبد الله بالخوف فقط فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو مرجئي، هذه الأمور الثلاثة وهي أركان العبادة قررها الله جل وعلا في كثير من آيات القرآن من ذلك قوله جل وعلا في سورة الأنبياء ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين﴾ يسارعون في الخيرات لحبهم لنا وبطلبهم المنزلة عندنا، ويدعوننا رغباً راجين، رهباً خائفين. إذاً هم يسارعون في الخيرات لمحبتهم لله، ويرجون رحمة الله، يخافون من عذاب الله، وضمير الجمع في قوله ﴿إنهم﴾ ذكر أئمتنا في بيان مرجعه قولان، يجمع بينهما ولا تعارض بينهما.

стр. 5158

القول الأول: أن الضمير يعود إلى من تقدم ذكرهم من أول سورة الأنبياء إلى هذا الموطن، فذكر الله في سورة الأنبياء موسى وهارون، وذكر إبراهيم، وذكر لوطاً، وذكر إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وذكر أيضاً في سورة الأنبياء داود وسليمان وأيوب وذا الكفل وذا النون، ثم جاء إلى آخر من ذُكِرُوا في هذه الآية ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيي وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين﴾ فجمع من تقدم ذكرهم من أنبياء الله هذا وصفهم، وذهب بعض الأئمة الكرام إلى قصر الضمير إلى آخر المذكور وهو زكريا وولده يحيي وأهل زكريا ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيي وأصلحنا له زوجه﴾ . هؤلاء الأصناف الثلاثة من زكريا وزجه وولده ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين﴾ وتخصيص من تعميم، ففي القول الأول دخل هؤلاء الصالحون المباركون مع من ذكروا قبلهم، والقول الثاني قال أن الضمير خاص بهم والأمر يسير، ويفهم من كلام الإمام بن كثير الميل إلى القول الثاني حيث نقل خطبة أبي بكر ونقلها عن تفسير ابن أبي حاتم وهي مذكورة أيضاً في حلية الأولياء في ترجمة أبي بكر، أنه خطب المسلمين فقال في خطبته (أما بعد أوصيكم بتقوى الله وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، أي الخوف بالرجاء، الأمل بالوجل،، وأن تجمعوا بين الإلحاف والمسألة، الإلحاف وهي الإلحاح في السؤال، وسؤال ذي العزة والجلال، فإن الله ذكر زكريا وأهله فأثنى عليهم بذلك فقال ﴿وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيي وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين﴾ .

стр. 5159

والشاهد على القول ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ لمحبتهم لرب الأرض والسموات، ويدعون الله طامعين خائفين راغبين راهبين، ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾ ، وهكذا قول الله أيضاً في سورة الإسراء يقول رب الأرض والسموات ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً﴾ . أولئك الذين يدعون، أي تدعونهم وتعبدونهم من دون الله يتصفون بهذه الصفات، ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾ هم يتنافسون في طاعة الله ويريدون الحضرة عنده والمنزلة لديه لحبهم لربهم ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً﴾ .

стр. 5160

والآية نازلة كما صحيح البخاري، والأثر رواه الحاكم في المستدرك، وهو في صحيح البخاري كما علمتم، والأثر رواه الإمام ابن جرير في تفسيره، والإمام الطبراني في معجمه الكبير، وهو موجود في كتب التفسير المتقدمة كتفسير ابن المنذر وابن مردويه، وتفسير ابن أبي حاتم، ورواه الإمام أبو نعيم في دلائل النبوة، وإسناد الحديث صحيح فهو في صحيح البخاري أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال هذه الآية نزلت في ناس من الإنس كانوا يعبدون ناساً من الجن، فآمن الجن بعد بعثة نبينا ﷺ فبقي أولئك الناس من الإنس يعبدون هذا الفريق من الجن وهؤلاء الجن آمنوا بالنبي ﷺ وبدءوا يحبون الله ويخافونه ويرجونه، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم بها فيقول ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً *﴾ أي من تعبدون من دوني هم يتقربون إليَّ بحبي ويرجوني ويخافوني، فاعبدوني كما عبدني من تعبدوه ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً *﴾ والأثر كما قلت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعودٍ، واستشكال الإمام بن التين لما ورد من لفظ في هذا الأثر، وهو عبد الواحد ابن التين توفي سنة إحدى عشر وستمائة للهجرة ٦١١هـ، استشكاله ورود لفظ الناس في حق الجن (كان ناساً من الإنس يعبدون ناساً من الجن) وقال: الجن يطلق على خلاف الإنس، فكيف يستعمل لفظ الناس في حق الجن؟ فقال: هذا مشكل، يقول الإمام ابن حجر عليهما رحمة الله راداً هذا الإشكال: إن لفظ الناس هذا لا يراد منه الناس الذي يقابل الجن، إنما يراد منه اشتقاق اللغة من الناس ينوس إذا تحرك، وصفة الحركة موجودة في الإنس والجن، فكان ناس من الإنس الذين فيهم صفة الحركة والحيوية يعبدون ناساً من الجن يتحركون أيضاً، وليس المراد أن الناي من الجن أن

стр. 5161

أفضل الناس لا يطلق على الجن لأن الجن يقابل الإنس، لا ثم لا، ثم ختم الإمام ابن حجر كلامه فقال: ليت شعري على من يعترض ابن التين على من يعترض، يعترض على الصحابي حجة في الشرع وفي اللفظ على الجن مراعياً هذا المعنى من الناس الذي هو الحركة والتحرك والإضراب فكان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن، في كل من هذين الصنفين كما قلت حركة واضطراب، فأنزل هذه الآية يعيرهم بها.

стр. 5162

وهذا الأثر ثابت في نزول هذه الآية لا يتعارض مع ما رواه ابن جرير في تفسيره عن عبد الله بن مسعود أيضاً، أن الآية نزلت في صنف من العرب كانوا يعبدون صنفاً من الملائكة، ويزعمون أنهم بنات الله جل وعلا، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم ويعيبهم بها فقال ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً *﴾ أي من تعبدونهم من الملائكة هم يعبدوني، فاتركوا عبادتهم واعبدوني كما عبدني الملائكة الكرام، وهذا الأثر كما قال عن الحافظ بن حجر إن شبت فيجمع بأن الآية نزلت رداً على الفريقين، على من عبد فريقاً من الجن ثم آمن أولئك الجن، وعلى من كان يعبد الملائكة الكرام ثم استشكل بعد ذلك فقال ظاهر الأثر يدل على أن المعبودين كانوا راضين بعبادة العابدين، والملائكة لم يرضوا بعبادة ذلك فالله أعلم بحقيقة الأمر ن والذي يظهر والعلم عند الله، أن هذا الاعتراض لا يرن، وأنه لا يلزم من عبادة المعبود أن يكون المعبود راضياً بعبادة عابده، فإذا عبد واحد من البشر من نبيٍ أو ملك لا يلزم من هذا أن يكون راضياً، فإذا كان الجن كانوا يُعبدَون في الجاهلية ثم أسلم من كان يُعبَد منهم، ففي حال جاهليتهم كانوا يرضون العباد، وفي حال إسلامهم يرفضونها، لا يعني هذا أن الإنسان إذا عبد ينبغي أن يكون راضياً سابقاً بالعبادة، لا يلزم هذا على الإطلاق، وليس في اللفظ ما يشير إلى ذلك والعلم عند الله جل وعلا، ولا يتعارض هذا مع ما ثبت في تفسير الطبري عن عبد الله بن عباس أن الآية نزلت فيمن عبدوا عيسى وأمَّه والعزير والشمس والقمر، فيمكن أن يقال أن الآية نزلت فيمَّن عبد غير الله وكان ذلك المعبود يعبد الله، فالله أكبر العابدين، أن من تعبدونهم يعبدونني، فاتركوا عبادتهم واعبدوني ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محظوراً *﴾ .

стр. 5163

وخلاصة الكلام لابد من تحقيق هذه الأمور الثلاثة في عبادة الرحمن، محبة لله، ورجاء له، وخوف منه. أما الخوف كما قلت والرجاء فهما للعبادة كالجناحين للطائر، وقد نوه الله جل وعلا بشأن الخوف الذين وصف الله عباده به في آية النور ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ يقول الله جل وعلا في سورة السجدة: ﴿إنَّما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكِّروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرةِ أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون *﴾ . وهكذا يقول الله جل وعلا في سورة الأعراف ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخُفْيةً وإنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً، إنَّ رحمة الله قريبٌ من المحسنين﴾ فالخوف إذاً خصال أهل الإيمان، من خصال من يعمرون بيوت الرحمن ﴿يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار﴾ . وهذه الصفة التي فيهم ينبغي أن تصرف نحو الله جل وعلا، ولا يجوز أن تصرف نحو أحد من خلق الله، فالمؤمن يخاف من الله وكفى، ولا يخاف من مخلوق مهما كان شأنه، وقد نهانا الله جل وعلا عن الخوف إلا منه وحذرنا من الخوف من غيره وأمرنا أن نخاف وأن نفرده بذلك ، يقول الله جل وعلا في سورة آل عمران ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا لهم أجرٌ عظيمٌ * الذين قال لهم الناس إنَّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضلٍ عظيمٍ * إنَّما ذلكم الشيطان يخَوَّفُ أولياءه، فلا تخافوهم وخافوني إنَّ كنتم مؤمنين *﴾ .

стр. 5164

وهذه الآيات نزلت بعد ما حصل ما حصل في موقعة أحد، كما روى ذلك الإمام الطبري في تفسيره والإمام الطبراني في معجمه الكبير، والإمام النسائي في سننه الكبرى، وابن مردوية في تفسيره، وإسناد الأثر صحيح عن عبد الله بن عباس قال: لما انتهت موقعة أحد ورجع أبو سفيان الذي رضي كما يقال من الغنيمة بالإياب والسلامة والهرب، مال له المشركون ولأصحابه بئسما فعلتم، لا محمد ﷺ قتلتم ولا الكواعب أردفتم، أم عملتم في هذه المعركة ما أتيتم بأسيرات من المؤمنات ولا قتلتم خير البريات، فبئسما فعلتم، جئتم تقولون انتصرنا، ما هو النصر الذي حصل لكم، لا محمد ﷺ قتلتم ولا الكواعب أردفتم، وهي النساء التي تكعب ثديها في صدرها فبئسما ما فعلتم، فأخذت الحمية أبا سفيان وهم بالرجوع لمقاتلة النبي ﷺ من أن يقتل النبي ﷺ وأن يأتي بالكواعب الحسان، فلما علم النبي ﷺ بذلك استنفر الصحابة الكرام وشرط عليهم أن لا يخرج إلا من حضر موقعة أحد فقط ليعلم الكفار أننا إذا خسرنا في معركة لأمر من الأمور فما خسرنا الحرب في المعركة، كيف سينال شرف الشهادة ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ فخرج النبي ﷺ بمن معه من الصحابة الكرام وقد أصابهم القرح كما قال الله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القَرح﴾ وقرأ الأخوان حمزة والكسائي وخلف من العشرة وأبو بكر شعبة عن عاصم ﵃، القرح بضم القاف ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القُرح﴾ وقيل أن القراءتين بمعنى واحد كالضَعف والضُعف والفَقر والفُقر، وقيل أن القرح بالفتح هي الجراح والقتل، وبالضم الآلام الناتجة عن الجراح والقتل ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيمٌ *﴾ خرجوا ووصلوا إلى حمراء الأسد، تبعد ثمانية

стр. 5165

أميال ٨ ميل من المدينة المنورة على منورها ﷺ ينتظرون الجنان الذي يريد أن يسأر من النبي ﷺ ﴿من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجرٌ عظيم * الذين قال لهم الناس﴾ وهم المنافقون ونعيم بن مسعود الأشجعي وكان على شركه وفريق من المسافرين قابلوا النبي الأمين ﷺ وصحبه الطيبين فقالوا: كيف خرجتم للقاء أبي سفيان والمشركين جمعوا لكم جموعهم وأنتم لم تخرجوا إلا بمن بقي عندكم من موقعة أحد، ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس ﵄، والأثر مروي في غير صحيح البخاري عن هذا الصحابي الجليل (وعندما ألقي إبراهيم في النار قال (حسبي الله ونعم والوكيل) وعندما قال الناس لمحمد ﷺ إن الناس قد اجمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) وهكذا قال صحبه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ﴾ أما النعمة حصلوا أجر غزوة أخرى وحصلوا العافية لما جاء أبو سفيان ولَّى من معه من المشركين، والفضل بأعواد اشتروا وغنموا سرية في طريقهم للمشركين ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ * إنَّما ذلكم الشيطان يخَوِّف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين *﴾ ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ تحت من معنيين معتبرين يخوفكم أولياءه، يخوفكم بأوليائه، يخوفكم من أوليائه، الشيطان يخوفكم من المشركين فلا تخافوهم، أن لا يلقي الرعب إلا في قلوب أوليائه المشركون، وأما المؤمنون فيستعينون بالحي القيوم، فلا يخاف إلا من كان منافقاً ليس في قلبه خشية من خالقه، إنما ذلكم الشيطان يلقي الخوف في قلوب أوليائه من المنافقين ﴿فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين *﴾ نهى عن الخوف من غيره، وأمر بالخوف منه، وأوجب وجعل ذلك شرطاً للإيمان ﴿وخافوني إنَّ كنتم مؤمنين﴾ .

стр. 5166

اخوتي الكرام: فينبغي أن نفرد الله جل وعلا بخوفنا كما نفرده برجائنا كما نفرده بحبنا، كما نفرد بسائر عباداتنا، فهو المعبود الذي تصرف جميع أشكال العبادة إليه، لا إله إلا الله وحده لا شريك، ﴿فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين﴾ وهذا المعنى التي دلت عليه الآية قبل أن أنتقل إلى تقريره بآيات أخرى تكملة الأثر الذي نقلته عن بن عباس ﵄ في معنى الآية أيضاً وقال أبو سفيان بعد موقعة أحد (موعدكم يا محمد ﷺ موسم بدر في العام القادم حيث قتلتم إخواننا، فخرج النبي ﷺ وصحبه الكرام إلى بدر في موسم بدر، وثبتوا هناك لكن أبا سفيان ومن معه ما أتوا، ولذلك قال عبد الله بن عباس ﵁ (أما الشجاع وقد أعد أهبته وعدته، وأما الجبان فقد جلس في بيته) . إذاً خرجوا لحمراء الأسد بعد موقعة أحد مباشرةً وعندما حدد ذاك موعداً في موقعة بدر في العام القادم خرجوا أيضاً وقابلوه في موسم بدر فما استطاع أن يقابل المسلمين في هذين المكانين بعد أن أصاب المسلمين ما أصابهم من قرح وقُرحٍ، الخوف ينبغي أن نفرد به ربنا ولا يجوز أن نخاف أحداً من غيره، دل على هذا آيات كثيرة في القرآن منها قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون*﴾ . وهكذا قول الله جل وعلا في سورة المائدة: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونور يحكم به النبيُّون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشونِ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون*﴾ .

стр. 5167

ونظيرها قول الله جل وعلا في سورة البقرة: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتيَ التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم وإياي فارهبون﴾ . وهكذا أمرنا الله جل وعلا أن نفرده بالخشية والخوف وأخبر أن هذا هو نعت العلماء العاملين الذين يدعون على بصيرة إلى رب العالمين، فقال ربنا الكريم في سورة الأحزاب ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً﴾ . اخوتي الكرام: هذا الأمر ينبغي أن نعيه تمام الوعي وأن نضبطه، ينبغي أن نفرد الله جل وعلا بحبنا وخوفنا ورجائنا، ويجمع أشكال العبادة فلا يستحق ذلك إلا هو قال شيخ الإسلام الإمام بن تيمية قال (من الناس من يقول أنا أخاف الله وأخاف من لا يخاف من الله لأن من لا يخاف من الله ظالم لا يردعه شيء عن ظلمه فأنا أخاف الله وأخاف ممن لا يخاف الله) قال: هذا غلط وهذا كلام باطل، نخاف الله ولا نخاف غيره، لا إن كان ذلك الغير يخاف من الله أولاً يخافه، نفرد الله جل وعلا، فإن من قيل إن من لا يخاف الله لا يتقي الله فقد يظلمنا ويبطش بنا ويوقع القوبة علينا؟ فالجواب: نقول كما قال الإمام ابن تيمية (لو اتقيت الله وعبدته حق العبادة، ولم تخف أحداً دونه لكفاك شر هذا الظالم ورد كيده في نحره وأنت ما أوتيت أي ما سلط عليك هذا الظالم إلا لتفريطك في طاعة ربك وإلا لخوف من غير ربك جل وعلا، فلما خفت هذا المخلوق سلطه الله عليك، ولو أفردت الله جل وعلا بالخوف ولن تخف غيره لكفاك ما عداه ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إنَّ الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً﴾ .

стр. 5168

اخوتي الكرام: هذه النقطة تحتاج إلى شيءٍ من التقرير والتوكيد أيضاً والإيضاح، وكان في نيتي أن أكمل الكلام عليها في هذه الموعظة وأكمل ما يتعلق بهذه القضية أننا نفرد الله بخوفنا إن شاء الله في أول الموعظة الآتية ثم أكمل مراحل البحث إن شاء الله. أقول هذا القول واستغفر الله.

стр. 5169

ليلة القدر (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ليلة القدر الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطاً مستقيما، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير. اللهم الحمد كله ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم ﴿فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ . ﴿يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالقٍ غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون﴾ . وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمةً للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون﴾ . ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾ . أما بعد: معشر الأخوة الكرام.. خير شهور العام وأفضلها عند ذي الجلال والإكرام.. شهر رمضان، ففيه توالت الخيرات العظام الحسان على أمة نبينا محمد ﵊ ففي هذا الشهر الكريم، نبئ نبينا العظيم عليه صلوات الله وسلامه.

стр. 5170

وفي هذا الشهر الكريم، أنزل الله القرآن الكريم، وهذا الشهر الكريم فرض الله علينا صيامه وفي الصيام خيرات وخيرات، فهو يكفر الذنوب والخطيئات المتقدمات والمتأخرات، وهو يبعدك عن النار ويحصِّل لك الخيرات في دار القرار وفي هذه الدار.. إخوتي الكرام.. وكما فرض علينا ربنا في نهار هذا الشهر الكريم صيام شهر رمضان، كما فرض الله علينا في نهار هذا الشهر الكريم الصيام، فقد سن لنا نبينا ﵊ في لياليه القيام وجعل الله جل وعلا أجر القيام يعدل أجر الصيام، وماذاك إلا لأن كلاً من الصيام والقيام جُنَّة للإنسان، فالصيام جنة كما تقدم معنا من كل آفة سواء تعلقت بالبدن أو بالدين، فهو حصن لك حصين من الآفات التي تؤذيك في بدنك أو تؤذيك في دينك، وهكذا القيام أيضاً جنة حصينة للإنسان، فهو وقاية لك من المكروهات والآفات والخطيئات وهو الذي يصحّ جسمك ويكسبه القوة والنضرة والبهجة والجمال. وقد أشار نبينا ﷺ إلى هذا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام الترمذي في السنن، والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى عن بلال ﵁. والحديث رواه الترمذي أيضاً والحاكم والبيهقي عن أبي أمامة ﵃ أجمعين والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير عن سلمان، ورواه الإمام ابن السني في عمل اليوم والليلة عن جابر بن عبد الله، ورواه الإمام ابن عساكر عن أبي الدرداء ﵃ أجمعين ... خمسة من الصحابة يروون هذا الحديث، وهو حديث صحيحٌ صحيح عن نبينا ﵊، أنه قال: [عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم وتكفير للسيئات ومنهاة عن الإثم ومطروة للداء عن الجسد] .. نعم إن القيام فيه هذه الخيرات، فهو جنة لك من سائر الآفات الحسية والمعنوية التي تتعلق ببدنك أو دينك فلا غرو أن جعل نبينا ﷺ للقيام أجراً يعدل أجر الصيام..

стр. 5171

إخوتي الكرام.. وقد ثبت بذلك الأحاديث عن نبينا ﵊، ففي المسند والكتب الستة من رواية أبي هريرة ﵁ والحديث رواه الإمام النسائي أيضاً بإسنادٍ صحيح عن أمنا عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال [من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه] .. وإذا كان ورد في الصيام ما تقدم معنا أنه يغفر لمن صام ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقد وردت هذه الزيادة أيضاً للقيام. والحديث رواه الإمام أحمد في المسند أيضاً بهذه الزيادة، ورواه الإمام محمد ابن نصر في كتاب (قيام الليل) ، والحديث رواه هشام بن عمار في فوائده عن أبي هريرة ﵁ ومعهم الإمام النسائي: [من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] ، وهذه الزيادة رواها الإمام أحمد في المسند أيضاً من حديث عبادة بن الصامت ﵃ أجمعين. وقد نص أئمة الإسلام على صحة هذه الزيادة في هذا الحديث الثابت عن نبينا ﵊، فمن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،، ولا يشكلن عليك أخي الكريم – اللفظة الأخيرة في هذا الحديث الصحيح الثابت عن نبينا الأمين، ﵊ – بأنه كيف ستغفر للإنسان ذنوبه المتأخر، فقد تقدم معنا توجيه ذلك عن أئمتنا وخلاصته أن الله إذا قبل منك الصيام، وإذا قبل منك القيام، فسيحفظك من الذنوب والآثام في مستقبل الزمان، وإذا قدر أنك وقعت في شيءٍ من الهفوات والزلات مما لا تنفك عنه طبيعة البشر والمخلوقات، فإن ذلك سيقع مغفوراً مكفراً بكرم رب الأرض والسماوات. [من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] .

стр. 5172

وثبت في سنن النسائي، بإسنادٍ صحيح من حديث أبي هريرة أيضاً ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ ذكر شهر رمضان، ففضله على سائر شهور العام، ثم قال: [من قام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه] وفي رواية في سنن النسائي بإسناد صحيح أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن الله فرض عليكم الصيام وسننت لكم القيام، [فمن صام رمضان وقامه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه] . إخوتي الكرام: فالقيام في هذا الشهر الكريم يعدل أجر الصيام عند رب العالمين، وقد كان نبينا ﷺ يقوم هذا الشهر، كما كان يصومه، وكان يخص هذه الأيام التي نعيش فيها في هذه الأوقات بمزيد قيام، ﵊. فأيام العشر لها من المنزلة ما ليس لسائر أيام رمضان، فإذا كان القيام مسنوناً ومشروعاً ومرغباً في رمضان فإن في هذه الأيام التي نعيش فيها – آخر شهر رمضان – القيام مرغَّب من باب أولى وآكد، وقد كان نبينا ﵊ يولي هذه الأيام – نهارها وليلها عناية خاصة، ويبذل فيها ما لا يبذله في غيرها من أيام شهر رمضان كما يبذل في شهر رمضان من الجد والاجتهاد ما لا يقوم به في سائر شهور العام. ثبت في المسند، وصحيح مسلم، والحديث رواه الإمام الترمذي والنسائي وابن ماجه، وكما قلت إنه في صحيح مسلم فلا داعي للتنصيص على صحته فهو صحيح، من حديث أمنا عائشة ﵂ قالت [كان رسول الله ﷺ يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره وكان يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها] فهو فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا وعليه صلوات وسلام ربنا، ﵊، كان يجتهد في شهر رمضان في نهاره وليله ما لا يجتهد في سائر شهور العام لكنه يخص العشر الأخير من رمضان بمزيد جد واجتهاد وتقرب إلى ربنا الرحمن وهذا الجد الذي كان يقوم به نبينا ﵊، في العشر الأخير من شهر رمضان.

стр. 5173

وردت الروايات الصحيحة الحسان تبينه وتفسره ثبت في المسند والكتب الستة إلا سنن الإمام الترمذي، من رواية أمنا عائشة أيضاً ﵂ وأرضاها قالت [كان رسول الله ﷺ إذا دخل عليه العشر، يعني العشر الأخير من شهر رمضان الجليل، أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر] عليه صلوات الله وسلامه.. ويحي الليل ويوقظ الأهل ليغتنموا بركات هذا الشهر ثم يجد، ويشد مئزره عليه صلوات الله وسلامه. وشد المئزر شامل لأمرين، الأمر الأول اعتزاله لنسائه أمهاتنا المباركات الطاهرات عليه وعليهنَّ سلام الله وصلواته. فكان يعتزلهنَّ في العشر الأخير ولا يقرب واحدة منهنَّ تفرغاً لطاعة الله الجليل،، وهذا كما قال القائل: قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار فكان ﵊، إذا دخلت عليه العشر الأخير من شهر رمضان يعتزل النساء فلا يباشرهنَّ ولا يتصل بهنَّ عليه صلوات الله وسلامه لا لأن ذلك حراماً فهو حلال على الصائم في الليل، لكن كما قلت لأجل أنه يغتنم هذه الليالي المحدودة فيما هو أقرب له عند ربه وأنفع له عند الله جل وعلا، فكان يعتزل النساء.

стр. 5174

ثم بعد ذلك إن هذا اللفظ يوصي بدلالة ثابتة كما قرر أئمتنا الكرام شد المئزر، هذه كناية وإشارة وإخبار عن مزيد العزم والجد والاجتهاد الذي كان يبذله نبينا خير العباد ﵊ في هذا الشهر الكريم، فكان يحي ليله، يوقظ أهله ويجد ويشد مئزره عليه صلوات الله وسلامه، أي يجد جداً زائداً ويعتزل نساءه لا سيما وقد كان يعتكف عليه صلوات الله وسلامه في العشر الأخير من شهر رمضان، فهذا حال نبينا ﵊ في العشر الأخير من شهر رمضان، وفي بعض روايات المسند في حديث أمناً عائشة ﵂ قالت: [كان رسول الله ﷺ في العشرين من شهر رمضان ينام ويصلي، فإذا دخلت عليه العشر شمَّر وشد المئزر] فإذا دخلت عليه العشر شمَّر وشد المئزر ... شمَّر عن ساعد الجد والاجتهاد في طاعة رب العباد. وشد المئزر: ابتعد عن أهله وضاعف من جهده في طاعة ربه عليه صلوات الله وسلامه. إذن إخوتي الكرام: ينبغي أن يجتهد الإنسان في رمضان ما لا يجتهده في غيره، يجتهد فيها ما لا يجتهده في سائر أيام وليالي هذا الشهر. إخوتي الكرام: هذه رواية تفسر لنا إجتهاد نبينا ﵊ وعنايته بالعشر الأخير من شهر رمضان. وثبت في المسند وسنن الترمذي والحديث رواه الإمام أبو يعلى في مسنده والطبراني في المعجم الكبير، وابن أبي شيبة في المصنف عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا دخل عليه العشر الأخير من شهر رمضان يوقظ أهله، وفي رواية الطبراني في معجمه الكبير.

стр. 5175

كان لا يدع صغيراً ولا كبيراً إلا أيقظه، لا يدع صغيراً ولا كبيراً إلا أيقظه، لينال من بركات هذا الشهر ومن نفحات الله في هذه الليالي المباركة العظيمة، وثبت في سنن الترمذي، وكتاب (قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي، والحديث إسناده حسن من رواية زينب بنت أمنا أم سلمة ﵃ أجمعين، أن النبي ﷺ [كان إذا دخل عليه العشر الأخير من شهر رمضان لم يكن يدع أحداً من أهله يطيق القيام إلا أقامه] .. وإنما كان يفعل نبينا ﵊ هذا في العشر الأخير لأمرين معتبرين، أولهما: اغتناماً لبركات هذا الشهر الذي قد أوشك على الزوال والرحيل والذهاب، وما يدري الإنسان هل سيدركه في السنة الآتية أم لا، فلذلك كان نبينا ﵊ يضاعف الجهد في هذه الأيام الأخير من شهر رمضان ... نعم لله في دهره نفحات فطوبى لمن تعرض لنفحات الله في الأوقات التي تحصل فيها النفحات. ثبت في معجم الطبراني الكبير من رواية أنس، ومحمد بن مسلمة، ورواية أنس ﵃ أجمعين، قال عنها الإمام الحافظ الهيثمي في المجمع، رجالها رجال الصحيح غير موسى بن إياس بن بُكير وهو ثقة، فالحديث إن شاء الله صحيح مقبول، من رواية أنس ومن رواية محمد بن مسلمة ﵃ أجمعين أن النبي ﷺ قال: [افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات ربكم فإن لله نفحات يصيب بها من يشاء من خلقه، إن لله نفحات يصيب بها من يشاء من خلقه.. وسلوا الله أن يستر عوراتكم وأن يؤمِّن روعاتكم، اللهم مُن علينا بنفحاتك يا أرحم الراحمين، واستر عوراتنا وآمن روعاتنا يا رب العالمين. وهذه النفحات من تعرض لها وأصابها وحظى بها لم يشقى بعدها أبداً.. فكان نبينا عليه صلوات الله وسلامه يضاعف جده واجتهاده في العشر الأخير من هذا الشهر المبارك الجليل إغتناماً للخيرات التي فيه.

стр. 5176

فلعله عليه صلوات الله وسلامه لا يدرك هذا الشهر في العام القابل، وهكذا نحن إخوتي الكرام، ينبغي أن نضاعف الجد والاجتهاد والطاعة لربنا الرحمن في هذه الأيام أكثر من مضاعفتنا فيما سبق من أيام شهر رمضان. والأمر الثاني: الذي كان من أجله يضاعف نبينا ﵊ جده واجتهاده في الأيام العشر طلباً لليلة القدر، طلباً لليلة القدر وقد اجتمع رأي الصحابة الكرام أن ليلة القدر في شهر رمضان وهي في العشر الأخير منه، وإذا كان كذلك فينبغي للإنسان أن يضاعف جده واجتهاده لعله يوافق تلك الليلة فيسعد سعادة لا يعدلها سعادة ... إن هذا الشهر فيه ليلة القدر والمحروم من حرم تلك الليلة. ثبت في سنن ابن ماجة بإسنادٍ صحيح من رواية أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: [إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم] ... إن هذا الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر.. فكان نبينا عليه صلوات الله وسلامه يضاعف الجد والاجتهاد من أجل طلب هذه الليلة التي لها هذا الشهر العظيم عند رب العباد ... عباد الله.. جعل الله لليلة القدر من الثواب ما جعله لشهر رمضان، صياماً وقياماً، فالأجر الذي تحصله بصيامك أن الذنوب المتقدمة والمتأخرة تغفر لك إذا قبل منك الصيام، والأجر الذي تحصِّله بقيامك تغفر لك ذنوبك المتقدمة والمتأخرة إذا قبل القيام، هذا الأجر بعينه تحصِّله إذا وفقت لإدراك ليلة القدر.

стр. 5177

ثبت الحديث بذلك في المسند والكتب الستة من رواية أبي هريرة باستثناء سنن الترمذي فلم يروا الحديث من أهل الكتب الستة – من رواية أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه] .. زاد الإمام أحمد في المسند والطبراني في المعجم الكبير من حديث عبادة بن الصامت ﵁ [وما تأخر] [من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] سبحان ربي العظيم.. على هذا الجود الذي يجود به على العالمين، على المسلمين طاعة من هذه الطاعات الثلاث تغفر لك ذنوبك المتقدمة والمتأخرة!! فما أكرم الله، وما أفضل هذا الشهر عند الله، [من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] وهذا الزيادة إسنادها حسن كما نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام الهيثمي وقبله المنذري، وبعدهما الإمام ابن حجر العسقلاني عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا،، يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. عباد الله.. هذه الليلة العظيمة التي هي ليلة القدر ... أنزل الله سورة كاملة تتحدث عن شأنها وتنوه بعظيم قدرها، فهي ليلة فخيمة عظيمة، يقول الله في تلك السورة الكريمة: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الإنزال الذي يشمل الأمرين:

стр. 5178

إنزال القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وابتداء إنزال القرآن على نبينا ﵊، كان ذلك في ليلة القدر، في شهر رمضان، كما تقدم معنا، في أول مواعظ شهر رمضان، ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر *﴾ الاستفهام للتفخيم والتعظيم، أي هذه عظيمة فخيمة، قال العبد الصالح سفيان بن عيينة، سيد المسلمين في زمنه كما نقل ذلك عنه البخاري في صحيحه تعليقاً عنه بصيغة الجزم: كل ما في القرآن ﴿وما أدراك﴾ فقد أطلع الله نبيه عليه، ﵊، وكل ما في القرآن ﴿وما يدريك﴾ فلم يطلع الله نبيه ﷺ عليه.. ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ أطلعه عليها، وأعلمه بوقتها، وقد وافقها ﵊، وأراد أن يخبر الصحابة الكرام بها، كما هو ثابت في صحيح البخاري وغيره، فرفع ذلك الحكمة يعلمها الله ولا نعلمها، وعسى أن يكون ذلك خيراً لنا [فالتمسوها في العشر الأخير من شهر رمضان] وأرجى لياليها ليالي الوتر. إذن ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ وهذا الأثر الذي نقله الإمام البخاري معلقاً عن هذا العبد الصالح، سفيان بن عينه، وصله محمد بن يحي العدني إمام الحرم المكي في زمنه الذي توفي سنة ٢٤٣ للهجرة، وهو من رجال الإمام مسلم في صحيحيه وأهل السنن الأربعة إلا سنن أبي داود، وهو من الأئمة الأخيار، وله مسند وصل هذا الأثر في مسنده عن سفيان ابن عيينة بإسنادٍ صحيح،

стр. 5179

وهذا الأثر مع صحته ومنزلة قائله يَرُد عليه اعتراض في الشق الثاني ألا وهو أن ما في القرآن ﴿وما يدريك﴾ لم يطلع الله نبيه عليه، ﵊ يقع على هذا اعتراض واحد فقط ألا وهو ما ورد في سورة (عبس) فالله جل وعلا قال لنبيه ﵊: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ وقد أطلع الله نبيه وأعلمه أن ابن أم مكتوم ممن يزكى ويتطهر وهو من الصحابة الكرام الأبرار، نعم ما عدا هذا الكلام سديد صحيح رشيد ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا﴾ لم يطلع الله نبيه ﷺ على هذا، ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر﴾ . قال أئمتنا الكرام، وحاصل أقوال المفسرين ترجع إلى هذا ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي خير من ألف شهر، من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ وألف شهر تعدل ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر إذا حسب أن الشهر ثلاثون يوماً، وإذا كان الشهر القمري يكون تسعة وعشرين وثلاثين، فلعل السنوات تصل إلى خمس وثمانين سنة، قيام هذا الليلة يعدل عند الله عبادة خمس وثمانين سنة، ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ وإنما أعطى الله هذه الأمة المباركة هذا الأمر لأمرين معتبرين ورد ذكرهما في كتب التفسير:

стр. 5180

الأول: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره والإمام الطبري في تفسيره أيضاً، والأثر رواه محمد بن نصر في كتاب (قيام الليل) ، ورواه الإمام ابن المنذر، ورواه الإمام البيهقي عن مجاهد مرسلاً أن النبي ﷺ ذكر رجلاً من الأمم السابقة لبس السلاح وبقى يقاتل وهو في سلاحه ألف شهر فعجب الصحابة من ذلك، وتمنوا لو مد الله في أعمارهم لينالوا تلك الفضيلة التي حصلها من قبلهم، فأنزل الله جل وعلا هذه السورة الكريمة يخبرهم فيها أن قيام العبد الصالح من هذه الأمة المرحومة المباركة في ليلة القدر إذا وافقها يعدل عبادة وطاعة، يعدل طاعة ألف شهرٍ لله جل وعلا،، من لبس فيها السلاح وقاتل في سبيل الله جل وعلا. والأثر الثاني: رواه الإمام مالك في موطئه، وقال: حدثني من أثق به من أهل العلم أن النبي ﷺ أُريَ أعمار الناس من قبله وقد كانوا يُعمَّرون وحياتهم تطول، فكأنه ﵊ تقاصر أعمار أمته وخشي ألا يبلغوا من الخير ما بلغته الأمم السابقة، فأنزل الله عليه سورة القدر يبشره فيها أن قيام فرد من أمتك، ومن أتباعك (على نبينا صلوات الله وسلامه) أن قيام هذا الفرد لليلة القدر يعدل عند الله بعبادة ألف شهر. وهذا الأثر الذي رواه الإمام مالك عمن يثق به من أهل العلم يشهد له أثر مجاهد المتقدم، ويشهد له أثر مرسل آخر روي عن علي بن عروة كما بين أئمتنا الكرام، ومثل الآثار إن لم تكن تصلح لبناء الأحكام عليها فيستشهد بها ويعتبر بها ويتقوى بعضها ببعضها، هذا ما يتعلق ببيان أن ليلة القدر خير من ألف شهر، خير من عبادة ألف شهر، حصل هذا في مناسبتين اثنتين ١- رجل لبس السلاح ألف شهر فتمنى الصحابة ذلك فبشرهم الله بأن ليلة القدر تعدل ذلك. ٢- تقاصر النبي ﷺ أعمار أمته فأعطاه ليلة القدر يعوضون بها ما فاتهم من طول العمر، فهذه الليلة لها هذا المقدار عند الله جل وعلا

стр. 5181

نعم إخوتي الكرام ... أعمار هذه الأمة قصيرة وقل منهم من يحوز السبعين كما ثبت هذا عن خاتم النبيين ﵊. ففي سنن الترمذي وابن ماجة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط مسلم، وأقره عليه الإمام الذهبي، والحديث رواه الخطيب في (تاريخ بغداد) ، وإسناده صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجُوزُ ذلك] ، وكان الحسن بن عرفة إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: (أنا من القليل) .. لأنه ممن جاوز السبعين عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين،، أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، فعوضوا عن قصر عمرهم بأن أعطاهم الله هذه الليلة في كل سنة في شهر رمضان، فإذا وفقوا لها ووافقوها حصَّلوا عبادة ألف شهرٍ عند ذي الجلال والإكرام. إخوتي الكرام: وما ورد في كتب التفسير، وهو مروي في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم، وصححه وأقره عليه الذهبي فينبغي أن نعيه وأن نتبين حكمه، من رواية القاسم بن الفضل، أن رجلاً قام للحسن ابن علي رضي الله عن آل البيت الطيبين الطاهرين، وعن الصحابة أجمعين، قام إليه سنة أربعين للهجرة عند ما تنازل عن الخلافة لمعاوية وسمي ذلك العام بعام الجماعة عندما فعل الحسن بن علي ﵁ وأرضاه هذا قام إليه رجل فقال له سوّدت وجوه المؤمنين!! وفي رواية قال له (يا مسوّد وجوه المؤمنين) فقال له الحسن بن علي ﵃ أجمعين (لا تؤنبني رحمك الله إن رسول الله ﷺ أُري بني أمية يصعدون على منبره واحداً بعد الآخر فساءه ذلك فأنزل الله عليه إنا أعطيناك الكوثر ـ نهر في الجنة وأنزل عليه ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من ألف شهر يملكها بنو أميّة..

стр. 5182

والأثر إخوتي الكرام: كما قلت في سنن الترمذي ورواه الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي.. وينبغي أن نقف عند هذا الأثر وقفة لنتبين حكمه، كما قرر أئمتنا الجهابذة المحدثون عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.. إخوتي الكرام.. هذا الأثر غايته أن ليلة القدر تفضل ألف شهر من حكم بني أمية، وهذا في الحقيقة ليس كذلك،، يقول القاسم بن الفضل: (فحسبنا مدة بني أمية فبلغت ألف شهر لا تنقص ولا تزيد) إن الأمر ليس كذلك، إن بني أمية حكموا سنة أربعين للهجرة واستمر حكمهم إلى سنة اثنين وثلاثين ومائة للهجرة ١٣٢هـ عندما قضى على الخلافة الإسلامية وانتقلت بعد ذلك إلى العباسيين ومن أحصى هذه المدة من سنة أربعين ٤٠هـ إلى سنة اثنين وثلاثين ومائة ١٣٢ هـ يتبين له أن حكم بني أمية بلغ اثنين وتسعين سنة ولم يبلغ ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر كما ورد في الرواية حكمهم، بلغ ألف شهر لم يزد ولم ينقص، إنه زاد على ذلك، وهذه المدة إذن تعارض هذا الأثر الذي فيه أن هذه المدة ما زادت على ألف شهر. إنها زادت. وأما محاولة بعضهم أن يستثني مدة خلافة عبد الله بن الزبير وقد حكم الحرمين والأهواز فلا يصح هذا الاستثناء أبداً، فالخلافة لم تخرج عن بني أمية، وإن خرج عبد الله بن الزبير في بعض أقاليم المسلمين وعليه فقد حكموا اثنتين وتسعين سنة في هذه الأمة المباركة المرحومة. الأمر الثاني: في الأثر محذور محذور، ينبغي أن نعيه وأن نفطن له، وبالتالي ينبغي أن نعرف قيمة الرواية.

стр. 5183

غاية ما في الأثر أنه يُفَضِّل ليلة القدر على أيام بني أمية، وليلة القدر ليلة شريفة جليلة فاضلة، وهذا سيق على تعبيرهم لذم أيام بني أمية، فإذا كانت أيام بني أمية فيها ذم وسوء كيف تُفَضَّلُ ليلة القدر على الأيام الناقصة التي فيها ظلم وسوء وجور وعسْف؟؟! هذا لا يستقيم في التفضيل، وما مثال هذا التفضيل إلا قول القائل: جبريل أفضل من اليهود، على نبينا وعلى جبريل وعلى ملائكة الله الأطهار صلوات الله وسلامه. هذا لا يقال، يقال: جبريل أفضل الملائكة، ويقال نبينا ﵊ أكرم الخلق وأفضل رسل الله، وأما أن يقال: إن نبينا ﵊ أفضل من أبي جهل!! ليس هذا بمدح ... ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا، إذا أنت فضلت أمرءاً ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص، فهذا الأثر سيق لمدح ليلة القدر فكيف تُفَضِّل على أيام مذمومة على حسب ما ورد في الرواية!! هذا لا يستقيم في التفضيل ولا يصلح أبداً. الأمر الثالث: سورة القدر مكية باتفاق أئمتنا وما كان للنبي ﵊ منبرٍ يخطب عليه إلا في المدينة المنورة المشرفة، فكيف يتراء عليه صلوات الله وسلامه في مكة بني أمية يصعدون على منبره ويَنْزُون عليه نُزُوّ القردة، كما ورد في بعض الروايات، فيسوؤه ذلك فينزّل الله عليه في مكة هذه السورة بأننا سنعطي أمتك ليلة القدر وهي خير من حكم بني أمية ألف شهر؟!!

стр. 5184

إن هذا لا يستقيم ولا يصح وما بعد ذلك تكلف به من تأويل هذه الرواية بأن النبي ﵊ أُطلِعَ على مُغَيّب على منبر سيكون في المدينة بعد حين كل هذا لا يستقيم مع ما تقدم، ولذلك قال شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره بعد أن بين أن القول المعتمد في تفسير الآية ما ذكرته ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال: وما عدا هذا فدعاوى باطلة لم يَرِدْ بها أثر ولم يشهد لها نظر، لم يرد بها أثر ولم يشهد لها نظر، ولم ترد في آي التنزيل ... ولذلك حكم الإمام ابن كثير في تفسيره أن الحديث مضطرب منكر الإسناد، ونقل هذا عن شيخ المسلمين في زمنه عن الإمام أبي الحجاج المزي، ولعل هذا الحديث مما دخلت فيه لأهواء السياسية والعلم عند رب البرية. ولا يجوز أن نقول إن ليلة القدر خير من ألف شهر حكمها بنوا أمية للاعتبارات المتقدمة فكونوا على علم بذلك عباد الله. ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها ... ﴾ تنزل الملائكة، والروح: إما أن يراد منه خصوص جبريل، وهو أظهر الأقوال وخصه ربنا جل وعلا بالذكر تخصيص بعد تعميم لمزيته وشرفه ومنزلته ورفعة قدره من بين الملائكة الكرام،، وإما أن يكون ملك آخر أو صنف من الملائكة، والعلم عند الله جل وعلا، والأقوال الثلاثة في كتب التفسير، وأظهرها أولها ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين﴾ وكثيراً ما يخص الله جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة ﴿من كان عدواً لله وملائكة ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوٌ للكافرين﴾ تخصيص بعد تعميم لمنزلة هذا الخاص ومكانته بين ذلك العموم.

стр. 5185

﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ قوله: ﴿من كل أمر﴾ إما أن تكون ﴿من﴾ بمعنى الباء، تتنزل الملائكة بإذن الله بكل أمرٍ أمروا به، بكل أمر أمروا به، ففي هذه الليلة يحصل فيها التقدير فـ ﴿فيها يفرق كل أمرٍ حكيم﴾ ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ... ...﴾ يتنزلون بأمر الله جل وعلا، ﴿بإذن ربهم من كل أمر﴾ أي بكل أمرٍ أُمروا به، وبكل تقديرٍ أُمروا به، وعليه تم الكلام عند قول الله: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ ثم ابتدأ ﴿سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ سلام: إما أن الملائكة تنزل بعد ذلك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات، أو أن تلك الليلة سالمة من كل سوءٍ ومن جميع الآفات. ﴿سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ ، وإما أن قوله جل وعلا ﴿من كل أمر﴾ متعلق بما بعده ويصبح التقدير كما قرر أئمتنا: سلام من كل أمر، والأمر المراد منه واحد الأمور وهي الشؤون، وعليه شؤون تلك الليلة، أمورها، ما يجري فيها سلامة فلا يقع فيها نقص ولا سوء، ولا يخرج فيها شيطان ولا يَنْقَضُّ فيها كوكب، ولا تحصل فيها آفة، ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . إخوتي الكرام.. ليلة القدر التي نزلت هذه السورة الكاملة بشأنها قال أئمتنا: تدل هذه التسمية على ثلاثة أمور مجتمعة. أولها: القدر بمعنى التعظيم ومنه قول ربنا الكريم ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عظموه، وهذه الليلة عظيمة فخيمة ففيها نزل كتاب ذو قدر على نبينا ﵊ وهو ذو قدر، كتاب ذو قدرة على نبي ذي قدر، أرسل الله به ملكاً ذا قدر، وهذه الأمة صار لها قدر بذلك الكتاب ويصبح لها قدر عند الله إذا أحيت تلك الليلة، وهذه الليلة تنزل فيها ملائكة ذَوُوا قدر وفيها خيرات كثيرة ذات قدر. فالعظمة حاصلة فيها.
следующие страницы →