← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

نعم إخوتي الكرام ... أعمار هذه الأمة قصيرة وقل منهم من يحوز السبعين كما ثبت هذا عن خاتم النبيين ﵊. ففي سنن الترمذي وابن ماجة، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال صحيح على شرط مسلم، وأقره عليه الإمام الذهبي، والحديث رواه الخطيب في (تاريخ بغداد) ، وإسناده صحيح عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجُوزُ ذلك] ، وكان الحسن بن عرفة إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: (أنا من القليل) .. لأنه ممن جاوز السبعين عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين،، أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، فعوضوا عن قصر عمرهم بأن أعطاهم الله هذه الليلة في كل سنة في شهر رمضان، فإذا وفقوا لها ووافقوها حصَّلوا عبادة ألف شهرٍ عند ذي الجلال والإكرام. إخوتي الكرام: وما ورد في كتب التفسير، وهو مروي في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم، وصححه وأقره عليه الذهبي فينبغي أن نعيه وأن نتبين حكمه، من رواية القاسم بن الفضل، أن رجلاً قام للحسن ابن علي رضي الله عن آل البيت الطيبين الطاهرين، وعن الصحابة أجمعين، قام إليه سنة أربعين للهجرة عند ما تنازل عن الخلافة لمعاوية وسمي ذلك العام بعام الجماعة عندما فعل الحسن بن علي ﵁ وأرضاه هذا قام إليه رجل فقال له سوّدت وجوه المؤمنين!! وفي رواية قال له (يا مسوّد وجوه المؤمنين) فقال له الحسن بن علي ﵃ أجمعين (لا تؤنبني رحمك الله إن رسول الله ﷺ أُري بني أمية يصعدون على منبره واحداً بعد الآخر فساءه ذلك فأنزل الله عليه إنا أعطيناك الكوثر ـ نهر في الجنة وأنزل عليه ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من ألف شهر يملكها بنو أميّة..

стр. 5182

والأثر إخوتي الكرام: كما قلت في سنن الترمذي ورواه الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي.. وينبغي أن نقف عند هذا الأثر وقفة لنتبين حكمه، كما قرر أئمتنا الجهابذة المحدثون عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.. إخوتي الكرام.. هذا الأثر غايته أن ليلة القدر تفضل ألف شهر من حكم بني أمية، وهذا في الحقيقة ليس كذلك،، يقول القاسم بن الفضل: (فحسبنا مدة بني أمية فبلغت ألف شهر لا تنقص ولا تزيد) إن الأمر ليس كذلك، إن بني أمية حكموا سنة أربعين للهجرة واستمر حكمهم إلى سنة اثنين وثلاثين ومائة للهجرة ١٣٢هـ عندما قضى على الخلافة الإسلامية وانتقلت بعد ذلك إلى العباسيين ومن أحصى هذه المدة من سنة أربعين ٤٠هـ إلى سنة اثنين وثلاثين ومائة ١٣٢ هـ يتبين له أن حكم بني أمية بلغ اثنين وتسعين سنة ولم يبلغ ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر كما ورد في الرواية حكمهم، بلغ ألف شهر لم يزد ولم ينقص، إنه زاد على ذلك، وهذه المدة إذن تعارض هذا الأثر الذي فيه أن هذه المدة ما زادت على ألف شهر. إنها زادت. وأما محاولة بعضهم أن يستثني مدة خلافة عبد الله بن الزبير وقد حكم الحرمين والأهواز فلا يصح هذا الاستثناء أبداً، فالخلافة لم تخرج عن بني أمية، وإن خرج عبد الله بن الزبير في بعض أقاليم المسلمين وعليه فقد حكموا اثنتين وتسعين سنة في هذه الأمة المباركة المرحومة. الأمر الثاني: في الأثر محذور محذور، ينبغي أن نعيه وأن نفطن له، وبالتالي ينبغي أن نعرف قيمة الرواية.

стр. 5183

غاية ما في الأثر أنه يُفَضِّل ليلة القدر على أيام بني أمية، وليلة القدر ليلة شريفة جليلة فاضلة، وهذا سيق على تعبيرهم لذم أيام بني أمية، فإذا كانت أيام بني أمية فيها ذم وسوء كيف تُفَضَّلُ ليلة القدر على الأيام الناقصة التي فيها ظلم وسوء وجور وعسْف؟؟! هذا لا يستقيم في التفضيل، وما مثال هذا التفضيل إلا قول القائل: جبريل أفضل من اليهود، على نبينا وعلى جبريل وعلى ملائكة الله الأطهار صلوات الله وسلامه. هذا لا يقال، يقال: جبريل أفضل الملائكة، ويقال نبينا ﵊ أكرم الخلق وأفضل رسل الله، وأما أن يقال: إن نبينا ﵊ أفضل من أبي جهل!! ليس هذا بمدح ... ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا، إذا أنت فضلت أمرءاً ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص، فهذا الأثر سيق لمدح ليلة القدر فكيف تُفَضِّل على أيام مذمومة على حسب ما ورد في الرواية!! هذا لا يستقيم في التفضيل ولا يصلح أبداً. الأمر الثالث: سورة القدر مكية باتفاق أئمتنا وما كان للنبي ﵊ منبرٍ يخطب عليه إلا في المدينة المنورة المشرفة، فكيف يتراء عليه صلوات الله وسلامه في مكة بني أمية يصعدون على منبره ويَنْزُون عليه نُزُوّ القردة، كما ورد في بعض الروايات، فيسوؤه ذلك فينزّل الله عليه في مكة هذه السورة بأننا سنعطي أمتك ليلة القدر وهي خير من حكم بني أمية ألف شهر؟!!

стр. 5184

إن هذا لا يستقيم ولا يصح وما بعد ذلك تكلف به من تأويل هذه الرواية بأن النبي ﵊ أُطلِعَ على مُغَيّب على منبر سيكون في المدينة بعد حين كل هذا لا يستقيم مع ما تقدم، ولذلك قال شيخ المفسرين الإمام الطبري في تفسيره بعد أن بين أن القول المعتمد في تفسير الآية ما ذكرته ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ أي من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، قال: وما عدا هذا فدعاوى باطلة لم يَرِدْ بها أثر ولم يشهد لها نظر، لم يرد بها أثر ولم يشهد لها نظر، ولم ترد في آي التنزيل ... ولذلك حكم الإمام ابن كثير في تفسيره أن الحديث مضطرب منكر الإسناد، ونقل هذا عن شيخ المسلمين في زمنه عن الإمام أبي الحجاج المزي، ولعل هذا الحديث مما دخلت فيه لأهواء السياسية والعلم عند رب البرية. ولا يجوز أن نقول إن ليلة القدر خير من ألف شهر حكمها بنوا أمية للاعتبارات المتقدمة فكونوا على علم بذلك عباد الله. ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها ... ﴾ تنزل الملائكة، والروح: إما أن يراد منه خصوص جبريل، وهو أظهر الأقوال وخصه ربنا جل وعلا بالذكر تخصيص بعد تعميم لمزيته وشرفه ومنزلته ورفعة قدره من بين الملائكة الكرام،، وإما أن يكون ملك آخر أو صنف من الملائكة، والعلم عند الله جل وعلا، والأقوال الثلاثة في كتب التفسير، وأظهرها أولها ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين﴾ وكثيراً ما يخص الله جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة ﴿من كان عدواً لله وملائكة ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوٌ للكافرين﴾ تخصيص بعد تعميم لمنزلة هذا الخاص ومكانته بين ذلك العموم.

стр. 5185

﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ قوله: ﴿من كل أمر﴾ إما أن تكون ﴿من﴾ بمعنى الباء، تتنزل الملائكة بإذن الله بكل أمرٍ أمروا به، بكل أمر أمروا به، ففي هذه الليلة يحصل فيها التقدير فـ ﴿فيها يفرق كل أمرٍ حكيم﴾ ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم ... ...﴾ يتنزلون بأمر الله جل وعلا، ﴿بإذن ربهم من كل أمر﴾ أي بكل أمرٍ أُمروا به، وبكل تقديرٍ أُمروا به، وعليه تم الكلام عند قول الله: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ ثم ابتدأ ﴿سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ سلام: إما أن الملائكة تنزل بعد ذلك لتسلم على المؤمنين والمؤمنات، أو أن تلك الليلة سالمة من كل سوءٍ ومن جميع الآفات. ﴿سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ ، وإما أن قوله جل وعلا ﴿من كل أمر﴾ متعلق بما بعده ويصبح التقدير كما قرر أئمتنا: سلام من كل أمر، والأمر المراد منه واحد الأمور وهي الشؤون، وعليه شؤون تلك الليلة، أمورها، ما يجري فيها سلامة فلا يقع فيها نقص ولا سوء، ولا يخرج فيها شيطان ولا يَنْقَضُّ فيها كوكب، ولا تحصل فيها آفة، ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ . إخوتي الكرام.. ليلة القدر التي نزلت هذه السورة الكاملة بشأنها قال أئمتنا: تدل هذه التسمية على ثلاثة أمور مجتمعة. أولها: القدر بمعنى التعظيم ومنه قول ربنا الكريم ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ أي ما عظموه، وهذه الليلة عظيمة فخيمة ففيها نزل كتاب ذو قدر على نبينا ﵊ وهو ذو قدر، كتاب ذو قدرة على نبي ذي قدر، أرسل الله به ملكاً ذا قدر، وهذه الأمة صار لها قدر بذلك الكتاب ويصبح لها قدر عند الله إذا أحيت تلك الليلة، وهذه الليلة تنزل فيها ملائكة ذَوُوا قدر وفيها خيرات كثيرة ذات قدر. فالعظمة حاصلة فيها.

стр. 5186

وشاملٌ هذا المعنى آخر يفيده لفظ القدر، ألا وهو التضييق، ومنه قول الله جل وعلا ﴿وَمَنْ قُدِرَ عليه رزقُه﴾ أي ضُيّق عليه وأعطي بمقدار كفايته وهنا ليلة القدر أي ليلة التضييق، والتضييق يحصل من أمرين اثنين. أولاً: من حيث إخفاؤها، فكتمها الله جل وعلا عن عباده وأمرهم بأن يجتهدوا ليوافقوها، ولا يُحصّل موافقتها إلا من ﵁ وأنعم عليه ثم بعد ذلك حصل فيها تضييق من ناحية أن الأرض تضيق في تلك الليلة بالملائكة الكرام التي تنزل من عند ذي الجلال والإكرام. إذن ليلة عظيمة فيها تضييق من وجهين، من حيث إخفاؤها ولم يعلم بها إلا قلة قليلة، ومن حيث ضيق الأرض بالملائكة الذين نزلوا من السماء عليها. والقدر: يؤاخي القضاء، وهو المعنى الثالث، ويدل عليه، فهو بمعنى القَدَر، فهي ليلة التقدير، فـ ﴿فيها يفرق كل أمرٍ حكيم﴾ ولا تنافي هذا إخوتي الكرام مع ما تقدم معنا من أنه يقع في ليلة النصف من شعبان ما يشبه هذا بأن الله يقدِّر على كل نفس تموت في ذلك العام، ذلك التقدير في ليلة النصف من شعبان لا يتنافى هذا أبداً فهذه كتابات متلاحقة، وإعلامات متتابعة من الله للملائكة الموكلة بتدبير أمر هذا العالم. فإذن ليلة القدر ليلة العظمة، ليلة التضييق من وجهين، ليلة التقدير. هذه الليلة إخوتي الكرام: لها شأن عظيم عند الله جل وعلا، من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا القيام، عند أئمتنا الكرام ينبغي أن يصاحبه معرفة لليلة القدر، وعلم بها، وإذا قام ولم يوافقها فله أجر على قيامه لكن هذا الأجر المعيَّن، هذا الأجر المخصوص، لا يناله إلا من استبانت له ليلة القدر وظهرت له علاماتها.

стр. 5187

فإن قيل: لها علامات؟! نقول: كيف لا!! وقد أرشد إليها خير البريات ﵊، ليس المقصود من إقامتها القيام فيها فقط، إنما المقصود قيام مع موافقة ففي المسند ومعجم الطبراني بإسناد صحيح في الحديث المتقدم، من رواية عبادة ابن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: [من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ثم وُفّقت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر] . وفي صحيح مسلم من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: [من يقم ليلة القدر إيماناً واحتساباً فيوافقها غفر له ما تقدم من ذنبه] . وفي مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة إلا سنن أبي داود، والحديث رواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الإمام الذهبي، من رواية أمنا عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : [يا رسول الله ﷺ ماذا أقول إن وافقت ليلة القدر؟ قال قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني] . إذن وُفّقت له، يوافقها، إن وافقت، قال شيخ الإسلام الإمام النووي وهذا الذي عليه أكثرأئمة المسلمين، وقال حَذام المحدثين الإمام ابن حجر: هوالذي يترجح عندي قوله وفقت له، يوافقها، عن وافقتها: أي إن استبانت له بعلامة من علاماتها. وليلة القدر لها علامات، ولا يستبينها إلا من أكرمه الله بها، فيرى كل شيءٍ يسجد لرب الأرض والسماوات، يرى النور قد ملأ الدنيا، يسمع تسليم الملائكة عندما يسلمون عليه، لو كان بجوار بحرٍ وشرب منه لانقلب الماء عذباً سائغاً ﴿سلام﴾ .. فلابد من إدراك تلك الخصوصيات لينال الإنسان هذا الأجر عند رب الأرض والسماوات، وهذا الذي عليه كما قلت أئمة الإسلام.

стр. 5188

وقد ألف بعض أئمتنا كتباً في ذلك كما فعل ولي الدين أبو زُرعة ولد شيخ الإسلام الإمام العراقي عليهم جميعاً رحمة الله، وقد توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة للهجرة كتاباً في علامات ليلة القدر وفضلها وهذه العلامات، كما قلت إخوتي الكرام دل عليها حديث النبي ﵊ [وِّفقت له، يوافقها، إن وافقت] وليس المراد كما قلت مجرد قيام لها.. قيام تحصل موافقة مع القيام وهذه الموافقة حقيقة أنا نحوها في موفقين اثنين: هل جعلت علامةً على الصيام والقيام؟ فإن كان كذلك فيا ويح ويا ويل من لم يوافقها ونسأل الله أن يحسن ختامنا. أو أنها جعلت تلك الموافقة، مزيد إكرام من الله لمن شاء من أوليائه وعباده ما وجدت كلاماً لأئمتنا في هذا الأمر والعلم عند الله جل وعلا. هل تلك الموافقة تكون لمن قبل الله صيامه وقيامه فيوافق ليلة القدر، ويكون ذلك بشارة عاجلة له في هذه الحياة!! إن ذلك ليس ببعيد. لكن كما قلت، ما وقفت على كلام لمن سبقنا في ذلك، وأعوذ بالله أن أقول شيئاً لم أُسبق إليه.. إنما أقول كما ذكرت هل هذا (لهذا أو لهذا) ، هل هذه الموافقة علامة على قبول الصيام والقيام؟ أو هي مزيد إكرام وإن قبل الصيام والقيام، يكرم الله بعد ذلك بعض المقبولين بموافقة ليلة القدر ويحرم بعض المقبولين عن موافقة ليلة القدر؟!! إنما لا يحصل أجر قيام ليلة القدر المعين المخصوص إلا بموافقتها وإداركه علامة خاصة لها. ولذلك قال الإمام السبكي الكبير تقي الدين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين (يستحب ويسن لمن وافق ليلة القدر واستبانت له بعلامة من العلامات أن يكتم ذلك وأن لا يخبر به أحداً) ثم قرره بوجهين معتبرين: الأول: قال لأن هذا الذي اختاره الله لنبييه ﵊ فقد أطلعه على ليلة القدر ولما أراد أن يُعلم الناس بها رفع ذلك من صدره فما اختاره الله لنبيه، ﵊ هو الخير،

стр. 5189

والأمر الثاني: يقول الإمام السبكي الكبير (إن ذلك وقع من الله كرامة لهذا العبد وإذا كانت تلك الموافقة كرامة فينبغي أن يكتمها الإنسان خشية السلب، أي أن يسلب تلك الكرامة، فأنت أكرمت بها على وجه الخصوص وقد أكرمك الله بهذا دون أن يشعر بذلك أحد فاكتم ذلك) ، ولذلك قال الإمام ابن حجر: (قد يكون الإنسان في المسجد مع عشرة أو مائة يصلون ويقومون ليلة القدر فيوفقها واحد منهم ولا يوافقها البقية فيكشف له ويراها، وهم معه ينظرون لكن لا يرون ما يرى، والله على كل شيءٍ قدير) . إذن خشية السلب، إنها كرامة فلا يخبر بها خشية السلب، وخشية الرياء، ولا يخبر بها خشية الحسد، فيوقع الناس في إثم الحسد لأنه عندما أعلمهم بذلك وما استبان لهم ذلك وهم معه يحسدونه وقد أوقعهم في ذلك ثم بعد ذلك يشتغل، عند ما يراها بإعلام الناس ويغفل عن شكر رب الناس. ولذلك إذا أطلعه على ليلة القدر، ووافقها فهذا منَّة من الله عليه فليكتم ذلك، والكرامة إذا وقعت على وجه الخفية يسن للإنسان أن يسترها وألا يخبر أحداً من الخلق بها ... إخوتي الكرام.. ليلة القدر تكون في العشر الأخير من شهر رمضان. أي الليالي هي؟ لا يعلم ذلك إلا الله، وإذا قام تلك الليلة إنسان من يوافقها؟! لا يوافقها إلا من أنعم الله عليه ورضي الله عنه.. نعم إن أرجى لياليها، كما قال أئمتنا، ليالي الوتر، وخاصة ليلة السابع والعشرين. ثبت في مصنف عبد الرزاق والأثر رواه الإمام محمد بن نصر في (قيام الليل) والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم، وأقره عليه الإمام الذهبي، والأثر رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس ﵃ أجمعين، أن عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين، دَعَوَا الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فسألهم عن ليلة القدر، قال ابن عباس ﵃ أجمعين، فاجتمع رأيهم على أنها في العشر الأخير من شهر رمضان

стр. 5190

قال: في أي ليلة هي؟ فاختلفوا، فبعضهم يقول في التاسع، والسابع، والخامس من ليالي العشر، يقول: وأنا ساكت لا أتكلم، فقال لي عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين: ألا تتكلم؟! فقلت: يا أمير المؤمنين إنها في سابعة مضت أو في سابعة بقيت، (إنها في سابعة تمضي أو في سابعة تبقى) إذا كانت في سابعة مضت، فإذن مضت ست وعشرون، وليلة السابع والعشرون، وإذا كانت في سابعة بقيت أو تبقى، فإما أن تكون ليلة الثاني والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين على حسب اكتمال الشهر أو نقصانه ولا يعلم ذلك إلا الله. هذا على حسب كلام ابن عباس ﵃ أجمعين، إما في سبعة تبقى أو في سبعة مضت، فقال له: ومن أين لك ذلك؟! قال: يا أمير المؤمنين إن الله خلق السماوات فجعلهن سبعاً، وخلق الأراضين فجعلهنَّ سبعاً، وأيام الأسبوع سبع، والإنسان خلق في سبع، ويأكل من سبع ويسجد على سبع وعدد سبعات ورد بها شرع رب الأرض والسماوات. أما أن الإنسان خلق من سبع، فقد استدل ابن عباس على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ماءٍ مهين * ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين * ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ . وأما أنه يأكل من سبع فنَزع ذلك من قول الله جل وعلا: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حباً * وعنباً وقضبا * وزيتوناً ونخلاً * وحدائق غلبا * وفاكهة وأباً *﴾ . إذن خلق في سبع، يأكل من سبع، يسجد على سبع، سماوات سبع، رمي الجمار سبع، الطواف سبع، يقول هذا الأثر له دلالة معينة في شريعة الله فليلة القدر في سبعة تبقى أو في سبعة تمضي.

стр. 5191

فقال عمر بن الخطاب ﵁ لابن عباس ﵃ أجمعين لله دَرُّك خفي علينا ما علمته، ما أعلم إلا ما تعلم، أن ليلة القدر تكون في سابعة تبقى أو في سابعة تمضي. قال شيخ الإسلام الإمام ابن قدامة في المغني: وقد روي عن ابن عباس ﵁، أنه استدل على أنها ليلة السابع والعشرين من الكلمة الواردة في سورة القدر وهي الكلمة السابعة والعشرون في سورة القدر (إنا – أنزلناه – في – ليلة – القدر – وما – أدراك – ما – ليلة – القدر – ليلة – القدر – خير – من – ألف – شهر – تنزل – الملائكة – والروح – فيها – بإذن – ربهم – من – كل – أمر – سلام – هي – حتى مطلع الفجر) فقال شيخ الإسلام الإمام ابن قدامة، وقد استنبط ابن عباس وغيره أن ليلة القدر تكون ليلة السابع والعشرين لأن لفظ هي الذي يعود على ليلة القدر الكلمة السابعة والعشرون من سورة القدر. وهذا الكلام قال به عدد من أئمة الإسلام من المالكية وغيرهم، وبعد أن حكاه الإمام ابن حزم عن المالكية، شنع عليهم غاية التشنيع، وقوله في منتهى الشناعة وإذا أُثر هذا القول عن بعض السلف فليسكت الخلف. نعم ... قال الإمام ابن عطية في المحرر الوجيز وهذا من مُلح التفسير، وليس من متين العلم. وقد أورد أئمتنا دلالة ثالثة على أن ليلة القدر تكون ليلة السابع والعشرين، وذلك أرجى ما يمكن أن يكون في إدراك ليلة القدر. قالوا: كلمة ﴿ليلة القدر﴾ ذكرها الله جل وعلا ثلاث مرات في هذه السورة ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر * وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر *﴾ قالوا: و ﴿ليلة القدر﴾ تسعة أحرف، أما الليلة فهي أربعة أحرف، والقدر خمسة أحرف، فليلة القدر إذن تسعة أحرف، وتسعة إذا ضربت في ثلاثة، المجموع سبع وعشرون.

стр. 5192

وكما قلت: هذا من ملح التفسير وليس من متين العلم، نعم.. قال أئمتنا قد تنتقل أحياناً، ففي الغالب تكون ليلة السابع والعشرين، وقد تنتقل، إنما المهم العظيم أن يوافقها الإنسان إذا أقام تلك الليلة، وكم ممن يقوم ولا يوافق. نسأل الله برحمته التي وسعت كل شيءٍ أن يجعلنا ممن يصومون هذا الشهر ويقبل منهم صيامه، وأن يجعلنا ممن يقومون هذا الشهر ويقبل منهم قيامه، وأن يجعلنا ممن يقومون ليلة القدر ويوفقون لموافقتها وإدراكها بفضله ورحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أقول هذا القول وأستغفر الله. الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله خير خلق الله أجمعين. اللهم صلي على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.. عباد الله: ذكرت العلامات لليلة القدر التي يدركها من أنعم الله عليه بإدراكها ... نعم هناك علامات ظاهرة قد يستوي كثير من الناس في إدراكها، منها، ما تكون في تلك الليلة، ومنها ما يكون بعدها، بل أكثر علاماتها الظاهرة تكون بعد ذهاب تلك الليلة. هذه العلامات بإمكان الإنسان أن يدركها، لكن الشأن كلُّ الشأن أن يوافقها وأما أن يتعرف على العلامات الظاهرة فلا يفنيه ذلك وليس له أجر قيام ليلة القدر وإن كان لا يعدم أجراً على القيام والعلم عند ذي الجلال والإكرام. فمن تلك العلامات الظاهرة أن السماء تكون فيها منيرة كأن فيها قمراً يفضح كواكبها، ومن نظر إليها رآها تتلألأ في تلك الليلة. ومن تلك العلامات أنها تكون متوسطة لا حارة ولا باردة. ومن تلك العلامات أنها لا ينقضُّ فيها كوكب ولا يُرمى فيها بشهاب.

стр. 5193

ومن تلك العلامات، وكل هذا وارد في الأحاديث الصحيحة عن خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، وتركت ذكر الأدلة على ذلك خشية الطول، فالعلامات ثابتة في صحيح مسلم والمسند وغير ذلك من كتب السنة، وكما قلت علامات ظاهرة ينبغي أن يوفق الإنسان للعلامات الخاصة التي هي خاصة بمن يكرمه الله بإدراكها. ومن تلك العلامات الظاهرة أن صبيحة تلك الليلة تخرج الشمس لا شعاع لها بيضاء كالطست أي كأنها طسْتٌ لا شعاع لها ولو نظرت إليها لا يمتد إليك أشعة منها تكسر نظرك. كأن الشمس في تلك الصبيحة كأنها بدرٌ قمر، فيذهب عنها الشعاع ولذلك تخرج الشمس في تلك الصبيحة ترقرق برفق وسهولة لا يصاحبها شعاع من كثرة الملائكة الذين هم في هذه الأرض. هذه علامات ظاهرة يمكن للإنسان أن يدركها، لكن الشأن، كما قلت، في إدراك العلامات الخاصة بها ... أسال الله أن يكرمنا بإدراكها إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، الله آمن روعاتنا، واغفر ذلاتنا يا أرحم الرحمين، اللهم اجعل هذا الشهر الكريم أوله لنا رحمة، وأوسطه لنا مغفرة وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام. اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، اللهم أدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبة وسلم تسليماً كثيرا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً. اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

стр. 5194

﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر* تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر* سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾ .

стр. 5195

فضل يوم عرفة (من خطب الجمعة) للشيخ الدكتور عبد الرحيم الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضل يوم عرفة وأحكام الأضحية ٢٨ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يظلل فلن تجد له ولياً مرشدا. الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما وأسبغ علينا نعمة طاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير. اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله أنت رب الطيبين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين. "يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون". وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين فشرح به الصدور وأنار به العقول وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوب غلفا فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبينا عن أمته ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاُ كثيرا ونساءاً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون". "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما". أما بعد: معشر الأخوة الكرام.. تدارسنا في الموعظة السابقة بعض أحكام هذه العشر عشر ذي الحجة وسأكمل الحديث في هذه الموعظة عن تلك الأحكام.

стр. 5196

اخوتي الكرام: سيكون حديثنا في هذه الموعظة حول أمرين اثنين حول إكمال ما يتعلق بفضل يوم عرفة وحول أحكام الأضحية أما الأمر الأول فقد تقدم معنا إخوتي الكرام منزلة يوم عرفة في الإسلام وتقدم معنا بيان الخيرات الحسان التي يغدقها ذو الجلال والإكرام على عبادة يوم عرفة فهو الذي يدنو من الحجاج ويتجلى ويقول ما أراد هؤلاء ولا يوجد يوم يحصل فيه عتقاء من النار كما يحصل في يوم عرفة ولذلك لا يرى الشيطان في يوم هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة لما يرى من تنزل الرحمات وتجاوز الله عن الذنوب العظام. اخوتي الكرام: أما حب الله علينا في هذا اليوم من الخيرات ما لا يخطر ببال المخلوقات فاستمعوا إلى هذا الفضل الذي سأذكره عن نبينا ﷺ روى الإمام بن خزيمة في صحيحه والإمام البيهقي والحديث رواه الإمام البغوي في شرح السنة ورواه بن حبان في صحيحه أيضا والإمام البزار في مسنده وهكذا أبو يعلي في مسنده عن رواية جابر بن عبد الله ﵄ قال سمعت النبي ﷺ يقول إذا كان يوم عرفة نزل الله إلى السماء الدنيا فباهى أهل الموقف ملائكته فيقول عبادي جاءوني شعثا غبرا ضاحين أي متعرضين لأشعة الشمس وشدة الحرارة جاءوني شعثا غبرا ضاحين كم كل فج عميق أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم فتقول ملائكة الله الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام ربنا فيهم فلان يرهن وفلان وفلان إنما يرتكبون الدهق الإثم والمعاصي ويغشون المحارم حضروا في هذا الموسم لكن عندهم من الخطايا ما عندهم فيقول الله جل وعلا قد غفرت لهم قال نبينا ﵊ " فما من يوم يعتق الله فيه عبيدا من النار كثر من يوم عرفة.

стр. 5197

هذا الحديث مروي في هذه الكتب ولجميع رواته ثقات أثبات وتكلم حول العبد الصالح أبي زبير المكي وهو محمد بن مسلم بن تدرس حديثه مخرج في الكتب والسنة وهو صدوق ولكنه يدلس وهو الراوي عن جابر بن عبد الله ﵄ وقد صحح الحديث عدد من أئمتنا وهذا العبد الصالح أعني أبا الزبير المكي توفي سنة ١٢٦هـ إذا كان يوم عرفة نزل الله جل وعلا إلى السماء الدنيا فباهى بأهل الوقف ملائكته فيقول عبادي جارون شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم. فإذا قالت ملائكة الله الأطهار على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه فيهم فلان يرهق وفلان وفلان فيقول الله جل وعلا قد غفرت لهم وهذا اليوم هو أكثر ما يحصل فيه من العتق من النار من أيام السنة هو يوم عرفة إخوتي الكرام وفضائل هذا اليوم كثيرة وغزيرة.

стр. 5198

روى الإمام بن المبارك عن شيخه سيد المسلمين سفيان الثوري عليهم جميعا رحمات رب العالمين عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك ﵃ والحديث رجاله ثقات أثبات هو كالشمس وضوحا عن أنس ﵁ وأرضاه قال لما كان يوم عرفة وكادت الشمس أن تؤوب أي أن تغرب وأن تذهب وعانى النبي صلى الله عليه سلم فقال يا انس أنصت الناس اجمعهم لينصتوا قبيل غروب الشمس فنادى أنس بأعلى صوته يا عباد الله أنصتوا لنبيكم ﷺ فلما أنصت الصحابة الكرام قال نبينا ﵊ أتاني جبريل فبلغني السلام من ربي وأخبرني أن الله قد غفر لأهل الوقف ولأهل المشعر وضمن عنهم التبعات قد غفر لأهل الوقف في عرفات ولأهل المشعر الذين يحضرون في مزدلفة وضمن عنهم التبعات فقام عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه فقال هذا لنا خاصة يا رسول الله ﷺ أولنا ولمن يكون بعدنا قال بل لكم ولمن يأتي بعدكم لكم كلكم فرفع عمر ابن الخطاب صوته فقال كثر خير الله وطاب كثر خير الله وطاب إي والله لو علم الحاج هذا لاستحقر ما ينفعه بجنب ما يحصله يغفر الله لك يضمن عنك التبعات ويؤديها وهو الغني الرحيم إن الله قد غفر لأهل الموقف ولأهل المشعر وضمن عنهم التبعات هذا للصابة ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة نعم كثر خير الله وطاب. إخوتي الكرام: وكما قلت إن الحديث إسناده صحيح رواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك وذكره الإمام المنذري في الترغيب والترهيب إخوتي الكرام لا أري أن أطيل في فضل هذا اليوم فكما وعدت سابقاً إذا تدارسنا أحكام الجمع فنسمع إن شاء الله ما تطير له قلوب المؤمنين فرحا مما لهم في هذا العشر من الأجر عند الله جل وعلا وخاصة ما يحصلونه في يوم عرفة لكنني سأذكر نفسي وأذكركم وأذكر المسلمين بهذا الأمر الذي ينبغي أن نعتني به في يوم عرفة ألا وهو حفظ جوارحنا من معصية ربنا فمن حفظ جوارحه في ذلك اليوم غفر له.

стр. 5199

ثبت في مسند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات كما قال الهيثمي في المجمع وقال المنذري إسناده صحيح والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه أيضا ورواه البيهقي في شعب الإيمان ورواه الطبراني في معجمه الكبير ورواه بن أبي الدنيا في كتاب الصمت وكما قلت أن الحديث صحيح صحيح من رواية عبد الله بن عباس ﵄ قال كان غلام منا رِدْف النبي ﷺ يوم عرفة لكنه يوجه نظره إلى جهتين فقال له النبي ﷺ يا ابن أخي أما علمت أن من حفظ سمعه ولسانه في يوم عرفة غفر له هذا يوم مبارك وأنت تسرح النظر إلى هنا وهناك فينبغي أن تكف نظرك وإن كان النساء محجبات فينبغي ألا تنظر إليهن لا في هذا الوقت ولا في غيره من الأوقات لكن في يوم عرفة من حفظ سمعه وبصره ولسانه غفر له.

стр. 5200

إخوتي الكرام: إذا فات واحد منا الحج في هذا العام فليأخذ بهذا التوجيه النبوي الثابت عن نبينا ﷺ فليحفظ سمعه وبصره ولسانه في يوم عرفة ولذلك أرى لو أن المسلمين تيسر لهم أن يجعلوا هذا اليوم في عبادة لله رب العالمين وأن يتفرغوا من أمور الدنيا وإن كانت أعمالهم في مباحة فليجعلوا ذلك في الصيام وذكر الرحمن وقراءة القرآن والصلاة والسلام على خير الأنام ﵊ وإن لم يكونوا في الحج فلو تركوا ما يلهيهم عند ذل في هذا اليوم لكان خير لهم وأحسن وأما ما اعتاده كثير من الناس في هذا اليوم إخوتي الكرام من متابعة محطات الإذاعة وتلقط الأنباء من هنا وهناك وبعضهم غرره الشيطان من أجل أن يجعله يخسر في هذا اليوم فيظن أنه ذا وقف أمام الأجهزة المرئية أو المسموعة ليرى ويسمع ما يجري في الحج كأنه في عبادة ليسمع بعد ذلك حقيقة إن قلت عنه إنه لغط لا أبالغ من أن الميكرفون على تعبيرهم انتقل إلى ممثل دولة كذا وممثل دولة كذا ثم يحيي إخوانه بعد ذلك في العروبة والوطنية والجاهلية ماذا تستفيد من هذا أخي المسلم هلا شغلت لسانك بذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله ﵊ هذه الأجهزة إخوتي الكرام ينبغي أن نحذر منها في كل وقت لا سيما في مواسم الطاعات ينبغي أن تنظر إلى وسائل الإعلام من الراديو فما فوقها كأنها جمرة نار في عرفات فكما أنك لا تلمس جمرة النار فاتق العزيز القهار في ذلك اليوم حذاري حذاري أن تفرط فيه وأن يزين لك الشيطان أن النظر إلى الحجيج واستماع ما يقال بعد ذلك من كلام باطل وتهريج من الممثلين هنا وهناك إياك أن تظن أن هذا من باب الطاعة والله أن هذا من أكبر علامات الحماقة أناس في طاعة ماذا تستفيد إذا نظرت إليهم أناس بعد ذلك يقومون بترتيبات معينة ملاك ولهم ممن يذيعون ويقولون هلا اشتغلت بذكر الحي القيوم.

стр. 5201

إخوتي الكرام: ينبغي أن نعي هذا على الدوام لا سيما في يوم عرفة من حفظ اسمه وبصره ولسانه غفر له هذا فيما يتعلق كما قلت إخوتي الكرام في هذا اليوم على وجه الاختصار وأما ما فيه من فضائل كما قلت أوضح من الشمس في رابعة النهار فلعل الله يمد في الحياة لنتدارس هذا عند مدارسة أحكام الحج إن أحيانا الله للسنة الآتية وما فيه من مغانم وفضائل. وأما الأضحية التي نتدارس أحكامها وهي الأمر الثاني في موعظتنا اخوتي الكرام تقدم معنا أن العشر أعني عشر ذي الحجة أيام مباركه هي فضل السنة وأفضلها آخرها وهو اليوم العاشر فهو يوم الزيارة ويوم الضيافة وبعد أن نقي العباد وهذبوا في يوم عرفات أذن لهم بزيارة رب الأرض والسموات وأذن لهم بأخذ ضيافته ونيل جائزته فذهب الحجاج وطافوا حول البيت الحرام بعد أن وقفوا في عرفات وتابوا إلى ذي الجلال والإكرام. اخوتي الكرام: شرع لنا في هذا أضحية ينبغي أن نتقرب بها إلى ربنا الرحمن فأفضل أيام العام كما تقدم معنا يوم النحر يوم العاشر من ذي الحجة وأفضل عمل تقدم به في ذلك اليوم قربان تتقرب به إلى الله جل وعلا ودم تريقه حسبما أمرك الله جل وعلا وقد وضح لنا هذا نبينا ﷺ وأمرنا به وبين لنا ما يترتب عليه من الأجور والمغانم والفضائل. اخوتي الكرام: الأضحية لها شأن عظيم فاستمعوا للأجر الذي يثبت لها في يوم النحر كما أخبر نبينا الأمين ﷺ ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الحاكم في مستدركه والبيهقي في السنن ورواه البغوي في شرح السنة عن أمنا عائشة ﵂ وأرضاها قالت سمعت النبي ﷺ يقول: " ما عمل أدمي يوم النحر عملا أنجى له من عذاب الله من دم يراق في سبيل الله، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلاعها وأشعارها حتى إن الدم ليقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً.

стр. 5202

والحديث إخوتي الكرام: في إسناده كما قال أئمتنا الكرام سليمان بن يزيد الخزاعي الكعبي وحديثه مخرج في سنن بن ماجه والترمذي وقد حكم عليه الحافظ في التقريب بأنه ضعيف وقال الإمام الذهبي في الكاشف وثق وقد حسن هذا الحديث الإمام الترمذي وغيره من أئمتنا وله شواهد كثيرة عن نبينا ﵊: ما عمل آدمي يوم النحر عملا أنجى له من عذاب الله من دم يراق في سبيل الله وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلاعها وأشعارها وإن الدم ليقع عند الله قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفساً ولذلك كان نبينا ﷺ يطلب من آل بيته حضور الأضحية لأجل أن يفرحوا بما سيحصلون من الأجر العظيم عند الله الكريم. روى الإمام البزار في مسنده والحاكم في مستدركه والحديث رواه أبو الشيخ في كتاب الأضاحي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ وأرضاه وفي رواية أبي سعيد هذه ﵁ عطية بن سعد العوفي وهو صدوق ويخطئ كما قال أئمتنا وحديثه في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري وأخرج حديث أهل الكتب الأربعة إلا الإمام النسائي عليهم جميعا رحمة الله وهذا الحديث رواه البيهقي أيضا في السنن وأبو القاسم الأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب عن سيدنا علي ﵁ وأرضاه والحديث في إسناده ضعف كما نص على ذلك الإمام المنذري في الترغيب والترهيب والإمام البيهقي في السنن عندما أخرج الحديث.

стр. 5203

والحديث رواه أيضا الحاكم والبيهقي في السنن الكبرى والطبراني في معجمه الكبير والأوسط عن عمران بن حصين ﵃ أجمعين وفي الاسناد ضعف وهذه الأحاديث الثلاثة من هذه الطرق الثلاثة قد حسنها أئمتنا فالإمام المنذري في الترغيب والترهيب يحكي تصحيح تحسين بعض شيوخه لحديث علي فقط وحديث أبي سعيد الخدري كما قلت مع الشواهد المتقدمة يرتقي إلى درجة الحسن بإذن الله ولفظ الحديث أن النبي ﷺ قال لابنته الطيبة الطاهرة المطهرة سيدتنا فاطمة ﵂ وأرضاها قومي فاشهدي أضحيتك فإن لك أن يغفر الله ذنبك بأول قطرة منها وإنها لتأتي يوم القيامة بلحمها ودمها قال في رواية علي ﵁ وأرضاه وهي الرواية الثانية فيوضع في ميزانك سبعين ضعفاً. إذاً إخوتي الكرام: هذه الأضحية لها أجر عظيم عند ذي الجلال والإكرام والحديث لا ينزل عن درجة الحسن والقبول قومي فاشهدي أضحيتك فإن لك أن يغفر الله ذنبك بأول قطرة تقطر منها وإنها لتأتي يوم القيامة بلحمها وشعرها ودمها فيوضع في ميزانك سبعين ضعفاً فقالت فاطمة ﵂ كما في الرواية الأول من رواية أبي سعيد هذا لنا خاصة يا رسول الله ﷺ أو للمسلمين عامة وفي رواية علي فقال أبو سعيد ﵁ وأرضاه يا رسول الله هذا لكم خاصة آل البيت فأنتم أهل لما خصكم الله به أولك وللمسلمين عامة وفي رواية عمران بن حصين ﵃ أجمعين قال عمران بن حصين هذا لكم خاصة يا رسول الله ﷺ فأنتم أهل لما خصكم الله به أو للمسلمين عامة.

стр. 5204

فقال ﵊ بل للمسلمين عامة سبحان ربي العظيم نِعَمٌ أنعم بها علينا عندما تراق هذه الذبيحة إستجابة لأمرنا ربنا تغفر ذنوب الإنسان بأول قطرة من دمها تقطر على الأرض سبحانك ربي ما أكرمك لا نحصي ثناءاً عليك أنت كما أثنيت على نفسك إخوتي الكرام ينبغي أن يحرص المستطيع المقتدر عل هذه الأضحية وحذاري حذاري أن يفرط فيها أو أن يضيعها فقد حذرنا من ذلك نبينا ﷺ غاية التحذير. ففي مسند الإمام أحمد وسنن الإمام بن ماجه والحديث رواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن ورواه الداراقطني في سننه أيضاً وهو في مصنف ابن أبي شيبه ورواه الإمام أبو يعلى في المسند من رواية أبي هريرة ﵁ وأرضاه قال سمعت النبي ﷺ يقول من وجد سعة لأن يضحي فلم يضحي فلا يقربن مصلانا، والحديث صحيح لكن اختلف في رفعه وفي وقفه فوقفه عبد الله بن وهب عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه ولذل حكم الرفع فلا يقال من قبل الرأي ورفعه إلى النبي ﷺ يزيد المقرئ وقال أئمتنا إنه فوق الثقة فالحديث وقف على أبي هريرة وروي مرفوعاً إلى النبي ﷺ .

стр. 5205

ولذلك قال الإمام الحاكم عقيب هذه الرواية قال " والوصل زيادة ثقة فهي مقبولة والحديث صحيح ثابت عن نبينا ﷺ من وجد سعة لأن يضحي فلم يضحي فلا يقربن مصلانا وقد ذهب فقيه الملة الإمام أبو حنيفة رحمة الله ورضوانه عليه ووافقه على ذلك عدد من أئمتنا الكرام كإمام أهل مصر الليث بن سعد وإمام أهل الشام الإمام الأوزاعي وذهب إلى ذلك ربيعة شيخ الإمام مالك وإلى هذا القول ذهب بعض المالكية وهو قول للإمام المبجل أحمد بن حنبل أيضا رضوان الله عليهم أجمعين إلى أن الأضحية واجبة فمن كان مقتدرا ولم يضح فهو عاص آثم مرتكب للكبيرة ويجب عليه أن يضحي مهما طال الوقت فهي دين في رقبته لا تسقط عنه نعم إن ضحى هذه الأضحية في اليوم الأول وفي الأيام الثلاثة الآتية كما سيأتينا فقد حصل الأجر وإلا فعليه وزر وينبغي أن يعيد الأضحية ولو بعد عشرين سنة. فلا تسقط هذه الأضحية عند هؤلاء الأئمة الكرام بناءاً على القول بوجوبها فهي كالزكاة إذا لم تؤدها ولم تخرجها ومضى عليك سنوات وسنوات ينبغي أن تخرج هذا الحق الذي جعله الله في مالك وهكذا هذه الأضحية إخوتي الكرام لا بد من القيام بها فمن وجد سعة لأن يضحي فلم يضح فلا يقربن مصلانا والحديث كما قلت صحيح وغاية ما اختلف في رفعة وفي وقفه والمعتمد الرفع فهي زيادة ثقة وهي مقبولة وإذا كان كذلك فليس بعد هذا التحذير تحذير أن يزجر الإنسان عن حضور مصلى العيد وأن منع من مشاركة المسلمين في هذا اليوم البهيج لأنه فرط في أعظم شعائر هذا اليوم ألا وهي الأضحية التي ينبغي أن يتوب بها الإنسان إلى الله جل وعلا إخوتي الكرام هذه هي سنة المسلمين وهذا هو عمل المسلمين أضحيته.

стр. 5206

ثبت في سنن الترمذي وبن ماجه بإسناد حسن أن رجلا جاء إلى عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين فقال له الأضحية واجبة فقال له عبد الله بن عمر ضحى رسول الله ﷺ وضحى المسلمون بعده وجرت بذلك السنة فأعاد السائل قوله كعادة المتنطعين فقال أواجبة هي فقال ألا تعقل ما أقول ضحى رسول الله ﷺ وضحى المسلمين بعده وجرت بذلك السنة أي هذه هي سنة أهل الإسلام أن يذبحوا في هذا اليوم قربانا تقربا إلى ذي الجلال والإكرام ضحى رسول الله ﷺ وضحى المسلون بعده وجرت بذلك السنة فينبغي أن تلتزم بهذه الشعيرة الكريمة المباركة. وفي صحيح البخاري في كتاب الأضاحي باب بهذا الخصوص فقال باب سنة الأضاحي أي هذا سنة المسلمين وهذا عملهم وهذا هديهم وما ينبغي أن يتركوه ثم نقل قول عبد الله بن عمر ﵁ وأرضاه أنه قال الأضحية سنة ومعروف أن هي سنة سار المسلمون عليها ولا يراد بالسنة هنا بما يقابل الفرض لا ثم لا سنة ومعروف أي هذا الذي سُنَّ لهم ومشوا عليهم وهذه عادتهم وهذه هيئتهم سنة ومعروف قال الحافظ بن حجر في الفتح وهذا الأثر عن عبد الله بن عمر وصله حماد بن سلمة في مصنفه رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين. إخوتي الكرام: إذا ينبغي ان نولي هذه الأضحية عناية عظيمة وما ينبغي أن نهمل أمرها كنا قادرين عليها وأما المعاني التي من أجلها شرعت هذه الأضحية والحكم التي فيها فكثيرة غزيرة يمكن أن نوجزها في ثلاث:

стр. 5207

أولها: إحياء لسنة خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فقد شرع الله لهذا العبد الصالح خليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه هذا القربان وهذا الذبح يتقرب به إلى الله جل وعلا وفدى ربنا جل ووعلا به ولده إسماعيل على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه فنحن نحيي سنته وقد قص الله تعالى علينا أمره في سورة الصافات عندما سأل ربه أن يهب له من الصالحين "رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين".

стр. 5208

وملخص القصة إخوتي الكرام أن الله جل وعلا أوحى إلى خليله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أن يذبح ولده الوحيد البكر سبحانك ربي الولد البكر محبوب وهو أحب الأولاد إلى والديه ثم بعد ذلك وحيد ولم يرزق إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه غيره ويؤمر بذبحه وإنما أراد الله جل وعلا هذا من أجل أن يبرهن على الإيمان التام في قلب الإنسان ومن أجل أن يحقق العبودية التامة في قلوب عباده لربهم جل وعلا ومن أجل أن يظهر مكانة خليله على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه والله إن قلبه لسليم كما شهد بذلك رب العالمين قلبه للرحمن ولده للقربان ماله للضيفان بدنه للنيران يحق لهذا الإنسان أن يتخذه الله خليلا على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أمره الله أن يذبح ولده في المنام وهي أقل مراتب الوحي كما قرر أئمتنا الكرام ولم ينزل في المنام شيء من القرآن على نبينا ﵊ احتياط للوحي واستيثاقاً له إنما نزل بوحي جلي القرآن أما هنا يؤمر هذا العبد الصالح خليل الله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أن يذبح ولده بأضعف أنواع الأوامر يأخذ الأمر على ظاهره بلا تأويل يخرجه عن ظاهره ثم بلا تلكع ولا تذمر ولا تردد يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى ولا بد من الذبح لكن ليشارك الابن أباه في الطاعة قال يا أبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين لاخيار لي ولا لك ونحن ملك لله إنا لله وإنا إليه راجعون لا نتصرف في أموالنا ولا في أبداننا إلا على حسب ما يرضي ربنا ولذلك قال له افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين وانظر لهذا التواضع الكريم فأنا أسير في ركب عظيم كبير سار فيه صالحون قبلي يصبرون لله القدير ستجدني إن شاء الله م الصابرين فاغتنم الشيطان هذه الفرصة ولعله يوسوس إلى أم إسماعيل هاجر أو إلى الولد أو إلى الوالد في نهاية الأمر فجاء إلى الأم وهي أضعف

стр. 5209

الثلاثة فقال لها ما تعملين أين سيأخذا إبراهيم ولدك إسماعيل قالت إنه أخذه لبعض حاجته قال لا إنه أخذه ليذبحه في المنجر في منى قالت وهل يذبح الوالد ولده علام سيذبح إبراهيم ولده قال يزعم أن الله أوحى إليه لا خيار لنا ولا كلام لنا فأموالنا وأنفسنا ملك لربنا جل وعلا ثم جاء إلى العبد الصالح إسماعيل إلى العبد الحليم على تبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قال أما تعلم أين تذهب مع أبيك وأين يأخذك أبوك قال يأخذني لبعض حاجته قال لا ويحك إنه يريد أن يذبحك في منى قال وعلام يذبحني وهل يذبح الوالد ولده قال يزعم أن الله أوحى إليه في المنام بذبحك قال يحق له أن ينفذ أمر الرب جل وعلا فأتى إلى إبراهيم وقال يا إبراهيم أين تأخذ ولدك إسماعيل قال إلى حاجة قال لا إنك تريد أن تذبحه قال وعلام سأذبحه قال تزعم أن الله أوحى إليك بذبحه قال يجب علي أن أنفذ أمر الرب فلما آيس الشيطان اعترضه بعد ذلك في منى وأراد أن يحول بينه وبين المضي فرماه خليل الرحمن على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه بسبع حصيات وهي التي شرعت إحياءاً لتلك الذكرى الكريمة وتخليدا لشأن هذا العبد الصالح خليل الرحمن إبراهيم فلما توارى هذا الشيطان اللعين وذهب إلى مكان الحجرة الوسطى وأراد أن يحول بين إبراهيم وبين ذهابه رجمه أيضا بسبع حصيات فتوارى ثم لما ذهب إلى الحجرة الكبرى رجمه بسبع حصيات فتوارى ثم أضجع ولده إسماعيل وقال إسماعيل على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه يا أبت إذا أردت أن تذبحني فكبني على وجهي لئلا ترى وجهي فتشفق علي عند الذبح وبعد ذلك شد رباطي لئلا أضطرب وأكفف ثيابك خشية أن ينتضح الدم على ثيابك فتراه أمي فتحزن وكان الأمر كما قال الله " فلما أسلما " استسلما لله ولتنفيذ حكمه " وتله للجبين " وبدأ خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام يعمل السكين في رقبة ولده إسماعيل على نبينا وعليهم جميعا صلوات الله وسلامه فلا تقطع

стр. 5210

فقال الولد مالك يا أبت قال إنها له تمشي قال انحرني نحرا اضرب ضربا فأراد أن ينحره فتثنت فجاء الفرج من الله جل وعلا " وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وقربناه بفرج عظيم". إخوتي الكرام: فنحن نحيي سنة خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه فهو أبونا وهو أب لنا ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل إخوتي الكرام ففي هذه الأضحية هذا المعنى وقد قرر أئمتنا الكرام أبو حنيفة والإمام مالك والإمام أحمد رحمة الله ورضوانه عليه جميعا أن من نذر نحر نفسه أو ذبح ولده فينبغي أن يذبح شاه كما أفتى الله جل وعلا خليله إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه عندما ألزم بذبح ولده فدى بذبح عظيم فمن نذر أن ينحر نفسه أن يذبح ولده فيجب عليه أن يذبح شاه تقرباً إلى الله جل وعلى وهذا كما قلت الأئمة الثلاثة. وما خالف في ذلك إلا الإمام الشافعي رحمة الله ورضوانه عليه فقال هذا أنذر معصية ولا يجب الوفاء به وقول الجمهور فيما يظهر أقوى والعلم عد الله جل وعلا ومما يحقق قولهم أن الله جل وعلا شرع لنا العقيقة هذه النسيكة التي نقوم بها وشرعت في اليوم السابع من أجل الاطمئنان على سلامة المولود فكأنها فداء له وهكذا من نذر أن يذبح ولده أو أن ينحر نفسه فيفدي نفسه ويفك ولده من الذبح الذي نذره بأن يذبح شاة يتقرب بها إلى الله جل وعلا.

стр. 5211

إخوتي الكرام: هذا المعنى نأخذه من الأضحية وعند هذا المعنى الأول أحب أن أقف وقفة يسيرة بعض السفهاء في هذه الأيام الذين يضحون بأنفسهم في طاعة الرؤساء والحكام عندما تعرض عليهم هذه القصة قصة خليل الرحمن إبراهيم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه يستعظمون ما فيها ولعل بعض الحمقى منه لا يتورع أن يرمي خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه بالحماقة والسفاهة وقد قال هذا بعض السفهاء هذه الأيام قال الإنسان ينحر ولده الإنسان يذبح ولده أيها المخذول أيها المخذول يا من بعت نفسك في دنيا غيرك إذا كنت تبيع نفسك من أجل كرسي غيرك وترى هذا حسنا ألا ترى حسنا من نبي كريم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أن يحقق أمر الله العظيم وان يذبح ولده طاعة لله جل وعلا: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم". وقد قال بعض السفهاء ممن يدرسون في إحدى الكليات في بعض البلاد وقد سئل عن سبب تسميته بإبراهيم قال هذا المخذول المجنون سماني أهلي باسم النبي المجنون إبراهيم الذي أراد أن يذبح ولده لرؤيا رآها في منامه أيها المخذول أيها العاتي أبها السفيه اعرف قدرك إذا كانت البشرية في هذه الأيام يذهب منها ألوف مؤلفة من أجل عروش الحكام ألا نذبح أنفسنا طاعة لربنا والله إننا نقدمها فهو الذي خلقها وستؤول إليه إن رؤيا الأنبياء وحي.

стр. 5212

كما ثبت ذلك في المستدرك بسند صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عباس ﵄ قال " رؤيا الأنبياء وحي " فالله أوحى إليه بذلك وهذا نص محكم فماذا بعد ذلك للإنسان نحوه إلا أن ينفذ وهذا الأثر الثابت عن عبد الله بن عباس ﵄ روى عن جم غفير من أئمة التابعين وله حكم الرفع إلى نبينا الأمين عليه صلوات الله وسلامه رواه عبد الرزاق في مصنفه ورواه عبد بن حميد في مسنده والطبري في تفسيره والإمام الطبراني في معجمه الكبير والأثر رواه الإمام ابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبيد بن عمير وهو من أئمة التابعين قال رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا " إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى ".

стр. 5213

والأثر رواه الإمام عبد بن حميد أيضا وبن المنذر عن قتادة ﵁ وأرضاه بلفظ "رؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئا في منامهم فعلوه " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فاقظ ماذا ترى قال يا أبت إفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين هذا المعنى الأول إخوتي الكرام نستفيده من هذا القربان الذي نتقرب به إلى ذي الجلال والإكرام يوم النحر والمعنى الثاني يريد ربنا جل وعلا أن نتعود الامتثال وأن نكون مطيعين لذي العزة والجلال ولا نتصرف في جميع شؤوننا إلا على حسب ما يريد ربنا فالله جل وعلا عندما أمرنا بالأضحية وفيها إخراج من المال وفيها توسعة علينا وعلى المسلمين فعلنا ذلك ولو فعلنا ما هو أكبر لحققناه وما ترددنا إذا كنا مؤمنين والذي يطيع الله في ماله يطيع الله في بدنه ويطيع الله في نفسه ولا يخرج عن شرعه في جميع أوقاته وأحيانه وهذا الإيمان أيها الاخوة الكرام لا بد من أن يوجد في نفس الإنسان وإلا فليس هو في عداد المؤمنين يقول الله جل وعلا: "ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتا. وإذا لآتيناهم من لدنا أجر عظيما ولهديناهم صراطاً مستقيما". ثبت في تفسير ابن أبي حاتم لما نزلت هذه الآية قال صديق هذه الأمة وخيرها بعد نبيها وصحبه صلوات الله وسلامه قال يا رسول الله ﷺ والله لو أمرني الله بقتل نفس لقتلت نفس قال صدقت يا أبا بكر صدقت يا أبا بكر ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم واخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم وفي تفسير ابن أبي حاتم أيضا لما نزلت هذه الآية قال الصحابة الكرام لو أمرنا الله بقتل أنفسنا لقتلنا أنفسنا.

стр. 5214

وفي تفسير ابن أبي حاتم لما نزلت هذه الآية أشار النبي ﷺ إلى عبد الله بن رواحة قال هذا منهم أي لو أمرت هذه الأمة بأن تقتل نفسها لهذا نفذ وأطاع عبد الله بن رواحة وفي تفسير بن أبي حاتم وغيره أيضا أن النبي ﵊ قال بعد أن تلا الآية بن أم عبد منهم وهو عبد الله ابن مسعود رضوان الله عليهم أجمعين. إخوتي الكرام: لابد أن نستحضر هذه المعاني ما لنا لا نتصرف فيه إلا على حسب شرع ربنا وأبداننا لا نتصرف فيها إلا على حسب شرع ربنا جل وعلا فهذا الذي نستفيده من الأضحية عندما نضحي فنحن من الله وإليه "إنا لله وإنا إليه راجعون" هذا الأمر الثاني إخوتي الكرام ينبغي أن نعيه وأن نستحضره عند الأضحية أيضاً وهذا الأمر من دعاة صار عبد الله حقا ولذلك عندما امتثلت الأمة أوامر الله في جميع شؤون حياتها حققت العبودية لله جل وعلا في نفسها أتم تحقيق. أنظر إلى أمين هذه الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ وأرضاه يقول نبينا ﵊ كما في المسند والصحيحين من رواية أنس بن مالك ﵁: "لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح" وأي أمانة أعظم بأن يضرب الإنسان رقبة أبيه في سبيل الله جل وعلا وأبو عبيدة ﵁ وأرضاه هو الذي قتل أباه في موقعة بدر ﵁ وأرضاه لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة ليس بين أنفسنا وليس بين خلق ربنا صلة إلا على حسب شرع الله فنفوسنا رخيصة في سبيل الله وليس بيننا وبين أحد صلة إلا على حسب شرع الله هذا متى عندما نحقق العبودية لله جل وعلا فهذا المعنى ونحن نضحي ينبغي أن نستحضره إن مالنا لا نتصرف فيه إلا على حسب شرع الله وهكذا أبداننا وهكذا جميع شؤون حياتنا.

стр. 5215

إخوتي الكرام: وهذا الحديث الثابت عن نبينا ﵊ في الصحيحين والمسند من رواية أنس مروي من طرق كثيرة روى من طريق أبي بكر وابنته عائشة ﵃ أجمعين وروى من طريق عمر وابنه عبد الله بن عمر ﵃ أجمعين وروى عن عبد الله بن مسعود وعن خالد بن الوليد وعن حذيفة ابن اليمان والحديث في درجة المتواتر عن نبينا ﵊ " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح " ولذلك لما طعن عمر رضي لله عنه وأرضاه كما في المسند والمستدرك قال لو كان ابو عبيدة حياً لاستخلفته على المسلمين من غير مشورة فإن سألني الله عن ذلك لأقولن ربي إني سمعت نبيك صلى لله عليه وسلم يقول " لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ". وقد استخلف عليهم أمينا لكن أبا عبيدة ﵃ أجمعين توفي قبل عمر بن الخطاب فأبو عبيدة توفي في طاعون عمواس الذي وقع سنة ١٨ هـ ﵀ ورضي الله عنه الأمر الثالث إخوتي الكرام ما ينبغي أن ينتبه له الإنسان عند الأضحية أن الأضحية شرعت أيضا توسعة على النفس وعلى الأهل وعلى المسلمين فأيام العيد أيام أكل وشرب وذكر لله المجيد فنذبح ونأكل ونتوسع ونوسع على غيرنا ونذكر اسم الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام هذا أيضا مقصود في هذا اليوم الذي هو يوم الزيارة ويوم الضيافة ويوم البهجة والفرح والسرور في يوم العاشر من ذي الحجة إذا توسعةٌ علينا وعلى عباد الله وذكر لله جل وعلا في هذا اليوم على ما أحل الله لنا وتفضل به علينا: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيت للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ".

стр. 5216

وهكذا يقول الله جل وعلا بعد آيات في نفس السورة من سورة الحج: "ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين". إذاً شرع الله لنا هذه المناسك هذه الذبائح لنوسع بها على أنفسنا وعلى غيرنا ونذكر اسم الله جل وعلا عند ذبحها ولنتحدث بنعمة الله وفضله علينا إخوتي الكرام هذه المعاني ينبغي أن نلخصها عند الأضحية وأما آخر ما يتعلق بأمر الأضحية هناك أحكام عيون مسائل في الأضحية ينبغي أن ننتبه لها أولا: الأضحية تكون من بهيمة الأنعام ليس إلا فهي من الضأن والمعز ومن البقر ومن الابل ولا تخرج عن ذل فلا يجوز التضحية بغير ذلك من الغزلان والأرانب والدجاج والبط وغير ذلك مما أحل الله لنا الأضحية تكون من بهيمة الأنعام فقط وهي الأزواج الثمانية التي ذكرها الله جل وعلا من الضأن اثنين ومن المعز اثنين والإبل والبقر ذكران أو إناث وذكران كل صنف أفضل من إناثه في الأضحية عندما يتقرب الإنسان بذلك إلى الله جل وعلا.

стр. 5217

فالأضحية تكون من بهيمة الأنعام فإذا كانت الأضحية من الشياه والمعز ينبغي أن تكمل سنة وأن تطعن في الثانية من الضأن والمعز أن تكمل سنة وأن تطعن في الثانية أما في المعز بال خلاف أما في الضأن في المعتمد عند أئمتنا أن الجذعة من الضأن يجزئ وهو ما أكمل ستة أشهر وطعن في النصف الثاني من السنة الأولى لكن بحيث يكون حجمه كبيراً بحيث لو وضع مع من أكمل سنة لما تميز هذا خاص بجذع الضأن أما جذع المعز فلا يجزئ أبدا إذا كان من المعز لا بد أن يكمل سنة وأن يطعن في الثانية وإذا كان من الغنم والضأن فإذا أكمل ستة أشهر ودخل في النصف الثاني من السنة الأولي فيجزئ إن شاء الله وأما البقر ينبغي أن تكمل سنتين وأن تطعن في الثالثة فلا تصح الأضحية بها إذا لم تكن كذلك وأما الإبل فينبغي أن تكمل خمس سنين وأن تطعن في السادسة فلا يجزئ أيضا الأضحية بها إذا لم تكن كذلك هذا ما يتعلق بالتنبيه الأول من التنبيهات التي سأذكرها والأحكام التي ينبغي أن نعيها عند الأضحية هي من بهيمة الأنعام إن كانت من الضأن والمعز سنة وطعنت في الثانية وخصوص الضأن والغنم فقط إذا أكملت ستة أشهر ودخلت بعد ذلك في النصف الثاني من السنة تجزئ بشرط أن تكون كبيرة حقا وأما المعز فتكمل سنة والبقر تكمل سنتين والإبل لتكمل خمس سنين فكونوا على علم بشروط الذبيحة والأضحية الواحدة تكفي الإنسان عن نفسه وعن أهل بيته كثروا أو قلوا ولو كانوا مائة نفر ماداموا بيتا واحدا نفقته واحدة يشتركون فيه مهما كان فيه من أسرة وزوجات يكفيه شاه واحدة وأما البقرة تكفي عن سبع أضحيات فلو اشترك فيها سبعة لأجزأهم وهكذا الإبل وأما الشاه الواحدة وهكذا من المعز الواحدة تكفي الإنسان وأهل بيته كما ثبت ذلك من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 5218

ثبت في سنن الترمذي وابن ماجه والحديث رواه الإمام البيهقي في السنة الكبرى ورواه الإمام مالك في موطأه وإسناده صحيح من رواية عطاء ابن السائب رحمة الله ورضوانه عليه وهو من أئمة التابعين وقال سألت أبا أيوب الأنصاري رضوان الله عليهم أجمعين عن وضع الأضاحي عندما كانوا مع النبي ﷺ فقال له أبو أيوب " كان الواحد منا يضحي بالشاه عن نفسه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصارت مباهاة " أي يذبحون شاتين وثلاث وأربعا وما زاد كنا نضحي بالشاة الواحدة فيضحي بها الإنسان عن نفسه وعن أسرته يأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس بعد ذلك لكن هذه هي سنتنا عندما كان النبي ﷺ بيننا فالأضحية الواحدة كما قلت تجزئ عن الإنسان وعن أهل بيته ولهم جميعاً الأجر تام غير منقوص ورحمة الله واسعة وإذا اشترط أيضا سبعة أشخاص في بقرة أو في بدنة فيجزئهم بالشروط المتقدمة. الأمر الثالث: هذه الأضحية ينبغي أن تكون سالمة من العيوب فكل ما فيها عيب تمتهن به فتنقص قيمتها به وتعتبر هذا نقصا في خلقتها فلا يجوز التضحية إذاً بها كما ثبت ذلك عن نبينا ﷺ .

стр. 5219

ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربعة والحديث رواه بن حبان في صحيحه والبيهقي في السنن الكبرى ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين عن البراء بن عازب رضوان الله عليه وعن الصحابة أجمعين قال: قال النبي ﷺ أربع لا تجزئ في الأضحية العوراء بين عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بين ضلعها يعني عرجها والكسرة التي لا تنفي وفي رواية والعجفاء التي لا تنقي أي ذهب مخ ساقها فهي ضعيفة هزيلة فكل ما فيه عيب لا يجوز التضحية به من عور ومن باب أولى من عمى من قطع إليه من ذهاب أكثر القرن وهكذا من قطع الأذنين من كسر فيها من من من كل ما يعتبر عيبا في البهيمة يٌنقص قيمتها ويكون عيباً فيها لا يجوز أن تضحي به فهذه أضحية تتقرب بها إلى الله جل وعلا فينبغي أن تكون كاملة تامة. روى الإمام الطبراني في معجمه الكبير بسند رجاله ثقات عن النعمان بن أبي فاطمة ﵁ قال اشتريت كبشا أقرن أعين أملح فلما رآني النبي ﷺ أسوقه قال هذا كأنه ذِبح إبراهيم أي هذا كالكبش الذي ذبحه خليل الرحمن إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه قال بعض الأنصار فلما سمعت هذا من النبي ﷺ أحضرت له كبشا بهذه المواصفات فذبحه النبي ﷺ في أضحيته إذا إخوتي الكرام لا بد أن تسلم الأضحية من العيب وكلما كانت كاملة غالية سمينة كان أعظم لأجرك عند الله جل وعلا. ولذلك ثبت في موطأ الإمام مالك بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير ﵁ وأرضاه أنه جمعت بنيه فقال يا بني هذه الهدي من البدن عندما تهدونها تخيروا الكرائم فيها فأحدكم لو أهدى الكريمة أي لمن هو عليه كريم لاختار له فالله جل وعلا أحق أن نختار له وهو أول عندما أمرنا بتعظيم هذه الشعيرة فينبغي أن تكون بصفة تامة كاملة لا نقص فيها.

стр. 5220

الأمر الرابع: إخوتي الكرام وقت الذبح بالنسبة للأضحية يبدأ بعد الانتهاء من صلاة العيد فمن ذبح قبل صلاة العيد فهذا لحم يأكله هو وأهله وليس من النسك في شيء وعليه أن يذبح نسيكة أخرى بعد ذلك كما ثبت في المسند والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة من رواية البراء بن عازب أيضا ﵃ أجمعين قال سمعت النبي ﷺ يقول يوم النحر إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم يقدمه إلى أهله ليس من النسك في شيء فهذا أيضا ينبغي أن نعيه وأن الذبح لا يكون إلا بعد الانتهاء من صلاة العيد. الأمر الخامس: بالنسبة للأضحية إخوتي الكرام يستحب للإنسان أن يذبحها بنفسه وأن يباشر ذبحها إذا أمكنه وهذا هدي النبي ﷺ كما في المسند والكتب الستة عن حديث أنس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ أتى بكبشين موجوأين أملحين أقرنين على نبينا صلوات الله وسلامه فأضجعهما ووضع رجله الشريفة علية الصلاة والسلام على صفحتها ثم سمى وكبر وذبحها ﵊ فإذا باشرت الذبح فهذا أفضل وإذا لم تباشر فلا أقل من أن تشهد الذبح وأن تراه من أجل إظهار شعائر الإسلام والابتهاج بها ولو ذبحت كما قلت لكان أفضل ويقوى في ذلك الرجل والمرأة وثبت في صحيح البخاري معلقا عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنه كان يأمر بناته أن يذبحن أضحيتهن بأيديهن والأثر وصله الحاكم في المستدرك بسند صحيح فلو ذبح الإنسان أضحيته رجلا أو امرأة لكان أولى وإذا لم يتمكن فلا أقل من أن يشهد الذبح وأن يحضره ولو وكل بالذبح عنه وهو حاضر أو غائب كل ذلك يجزئ.
следующие страницы →