← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

.. قال الإمام العراقي – رحمه الله تعالى –: وورد ذلك في حق إسرافيل – ﵇ – رواه البيهقي في الشعب، وفي حق جبريل – ﵇، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الخائفين (١) .

стр. 562

.. قال عبد الرحيم – غفر الله ذنوبه أجمعين –: وإنما اشتد خوف النبيين، والملائكة المقربين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم – لاطلاعهم على مالم يطلع عليه سائر المكلفين، من صفات رب العالمين، ومما يكون في الآخرة من نعيم وجحيم، وما يسبق ذلك من أهوال تذهل الحليم، وتشيب الولدان أجمعين، ولذلك قال خاتم الأنبياء والمرسلين – ﷺ –:" إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطرت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها أربع أصابع إلا وملك (وملك) واضح جبهته ساجداً لله – – والله لو تعلون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم على الصعدات تجأرون إلى الله، والله لوددتم أني كنت شجرة تعض (١)

стр. 563

". أي تقطع. وقد أخبرنا نبينا – ﷺ – عن شدة حزن أبينا آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لمفارقته ما رآه، وبعده عما كان فيه، فقال – ﷺ –: "لو أن بكاء داود – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – وبكاء جميع أهل الأرض يعدل ببكاء آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ما عدله (١) ، وما ذاك إلا لأنه عاين ما عاين عند رب العالمين، فهو وجل من عذابه الأليم، وراج ٍ لفضله العميم، وكل من كان في علمه بالله من الراسخين، وبما عند الله من المستيقنين، سيسلك طريق أبيه الكريم، الذي سار عليه سائر الأنبياء والمرسلين – عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم – وقد كان سلفنا الطيبين على ذلك الخلق العظيم، قال ابن أبي مليكه – وهو من أئمة التابعين – عليه رحمة رب العالمين –: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – في الحجر، فقال: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا، لو تعلمون العلم لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته (٢) .

стр. 564

* تحريض النبي الأمين – ﷺ – لأمته على الخوف من رب العالمين: ... حثنا نبينا – ﷺ – على الخوف من الله الجليل، ورتب على التحلي بذلك الخلق النبيل، واسع الفضل والثواب الجزيل، فأخبرنا – ﷺ – أن من خاف ربه في هذه الحياة، يأمن عندما تفزع المخلوقات، وتقوم لرب الأرض والسموات، ففي صحيح ابن حبان، وغيره من دواوين الإسلام عن نبينا – ﷺ – فيما يرويه عن ذي الجلال والإكرام أنه قال: "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته في يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة (١) ".

стр. 565

.. ويترتب على الأمن يوم الدين، أن يظلل بظل عرش رب العالمين، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – عن النبي – ﷺ – قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، وجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه (١) ".

стр. 566

.. ويوالى إحسان العزيز الغفار، على من خافه في دار الزوال، فينجيه من النار، مع ما يحصل له من الأمن والإكرام في عرصات دار القرار، ثبت في سنن الترمذي، وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم (١) ".

стр. 567

.. وفي سنن الترمذي بسند حسن عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله (١)

стр. 568

". ... وبالختام فالخوف من ذي الجلال والإكرام، ينجي من الآثام، ويحفظ الإنسان من الزلل والطغيان ويكسبه نيل رضا الرحمن، ولذلك كان نبينا – ﵊ يوصي به أصحابه الكرام، ويحث على التخلق به جميع الأنام ففي سنن الترمذي بسند صحيح حسن عن عقبة بن عامر – رضي الله تعالى عنه – قال: قلت يا رسول الله، ما النجاة؟ فقال: "أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك (١)

стр. 569

" وفي معجمي الطبراني الصغير والأوسط بسند حسن عن ثوبان – رضي الله تعالى عنه – : "طوبى لمن ملك لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته (١) " فمن سعادة الإنسان خشية الرحمن في السر والإعلان كما روى عن نبينا – ﵊ –: "ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية، وأما المهلكات: فشح مطاع، وعوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه (٢) ". ... نسأل الله ربنا أن يرزقنا خشيته أينما كنا، وأن يجعل سرنا خيراً من علننا، فهو مولانا وحسبنا.

стр. 570

* أسباب خوف المكلفين من رب العالمين ... مهما تعددت دوافع الخوف من الملك الوهاب، فإنها ترجع لثلاث أسباب، إليكم بيانها يا أولي الألباب: السبب الأول إجلال الله وتعظيمه – عز شأنه وثناؤه –: ويحصل ذلك الأمر الجليل، نتيجة للتأمل في الصلة بين العبد الحقير، والرب الكبير، فمن علم من حاله الضعف والفقر والاحتياج والجهل، وعلم من ربه – ﷻ – ضد تلك الأوصاف، فهو القوي الغني ذو الجلال والإكرام، خاف رب العالمين، وأجله إجلال تعظيم، وإن كان من عباد الله المقربين، وقد أشارت إلى ذلك آيات الذكر الحكيم، ففي سورة آل عمران يقول ربنا الكريم: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ﴾ آل عمران٢٨-٣٠ فكرر ربنا – جل وعلا – قوله: " يُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ " مرتين للإشارة إلى أن ما لله الجليل من صفات يحتم الخوف منه على المخلوقات، وقد تقدمت إشادة القرآن بمن خاف من مقام الرحمن، وأن ذلك يحتمل قيام الله عليه، أو قيام العبد في الآخرة بين يديه، وعلى كلا التأويلين ففي الآية دلالة على عظيم رتبة من خشي رب الكونين، لما يتصف به من صفات توجب ذلك على العباد، حيث جاء ذلك مقدماً على رتبة من خاف العذاب: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ إبراهيم١٤،

стр. 571

قال ذو النون المصري – عليه رحمة الله تعالى –: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجيّ (١) . السبب الثاني: خشية التفريط ويكون ذلك في الطاعات والمعاصي:

стр. 572

.. أما الطاعات فلا يدري الإنسان حالها عند رب الأرض والسموات، هل فبلت فضارت من المقربات، وسبباً لنيل عظيم السعادات، أم ردت فصارت من المهلكات، المرديات في أسفل الدركات، فللقبول شروط في الفعل والفاعلين، هيهات أن تحصل على وجه الكمال في أحد من المكلفين، فالله يتقبل من المتقين، إذا كانت أعمالهم مشروعة في الدين، ومرداً بها وجهه الكريم، ولذلك عظيم خوف المؤمنين، وإن كانوا بطاعة ربهم قائمين، قال رب العالمين – جل شأنه العظيم –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ المؤمنون٥٧-٦١ وفي المسند وسنن الترمذي وابن ماجه والمستدرك عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت، قلت: يا رسول الله – ﷺ – قول الله – –: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ " أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر، وهو مع ذلك يخاف الله – –؟ قال – ﷺ –: "لا، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق، وهو مع ذلك يخاف الله – (١)

стр. 573

–"، ولذلك قال الحسن البصري – عليه رحمة ربنا القوي – إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ المؤمنون٥٧-٦١، وقال المنافق: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ القصص٧٨، وروي عن الحسن أيضاً ابن المبارك في الزهد قال في تفسير قول الله – –: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا " قال: يعطون ما أعطوا، " وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ " قال: يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخشون أن لا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم – – (١) وهذا ما قرره أئمة التفسير، قال الإمام ابن كثير – عليهم جميعاً رحمة ربنا الجليل –: " وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ " أي: يعطون العطاء، وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط (٢) .

стр. 574

وأما المعاصي، فكل إنسان لا يخلو من هفوات، ولا يسلم من زلات وعثرات، فهو مفرط في جبن رب الأرض والسموات، ولا يدري هل سيغفر له بعد الممات، أو سيصلى النار المعدة للعاصين الغواة، فالعاقل يرى نفسه أنه أسير ذنبه، فيعظم خوفه من ربه وفي صحيح ابن حبان، وحلية الأولياء عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لو يؤاخذني الله وابن مريم بما جنت هاتان – يعني الإبهام والتي تليها – لعذبنا، ثم لم يظلمنا شيئاً (١) ".، ولذلك قال على – رضي الله تعالى عنه – لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه (٢) .

стр. 575

وصور عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – حال المؤمن مع ما يفلت منه من الذنوب بمثال يخلع القلوب، فقال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا، قال الحافظ في الفتح: قال ابن أبي جمرة – رحمة الله عليهم أجمعين –: السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة، وحاصله: أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ، وأما الفاجر فهو مظلم القلب فوقوع الذنب منه خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول: هذا سهل، والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب أخف الطير وأحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الأشياء، وفي ذكر الأنف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده، لأن الذباب قلما ينزل على الأنف، وإنما يقصد غالباً العين، وفي إشارته بيده تأكيد للخفة أيضاً لأنه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره.

стр. 576

وقال الحافظ أيضاً، قال المحب الطبري – عليهما رحمة الله تعالى –: إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله – – وعقوبته، لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله – – فلذلك قل خوفه، واستهان بالمعصية (١) .

стр. 577

قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين –: ولذلك عظم خوف الصحابة الصادقين – عليهم رضوان رب العالمين – فكانوا يحترسون مما وقع فيه كثير من المتأخرين، مما يحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي – ﷺ – من الموبقات، وفي المسند أيضاً عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله – ﷺ – من الموبقات، وفي المسند والمستدرك وغيرهما عن عبادة بن قرط – رضي الله تعالى عنه – قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله – ﷺ – من الموبقات، قال حميد بن هلال فقلت لأبي قتادة، فكيف لو أدرك زماننا هذا؟ فقال أبو قتادة لكان لذلك أقول، وفي المسند وسنن الدارمي فذكروا ذلك لمحمد بن سيرين فقال: صدق، أرى جر الإزار منها (١) .

стр. 578

وفي المسند عن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – قال: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله – ﷺ – فيصير بها منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات، لتأمرون بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أوليسحتكم الله جميعاً بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم (١) . قال كاتب هذه الأسطر: ستره رب العالمين والمسلمين أجمعين –: إذا كان كل إنسان لا يخلو من تقصير في حق الرب الجليل، ولا يعلم بأي ذنب يحل عليه غضب الرب الكبير، فينبغي أن يكون شديد الوجل من العزيز القدير، محترساً تمام الاحتراس من كل ذنب كبير وصغير، فلا ينظر إلى صغر الخطيئة وحقارتها، ولكن ينظر إلى كبرياء وجلال من واجهه بها، ثبت في صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه وغيرهما عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قال لي رسول الله – ﷺ –: "يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً" ورواه الإمام أحمد في المسند بلفظ: "إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله – – طالباً (٢) ".

стр. 579

وفي المسند ومعجم الطبراني الأوسط بسند صحيح عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه، وإن رسول الله – ﷺ ضرب لهن مثلاً كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً فأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها (١) ".

стр. 580

وإذا كان للمحقرات تلك الدركات، فهي تهلك من يتلبس بها من المخلوقات، وفاعلها في غفلة وفي سبات، فإن الشيطان يرضى بصدورها من المكلفين والمكلفات، كما أخبرنا عن ذلك خير البريات – عليه أزكى السلام وأفضل الصلوات – ففي سنن الترمذي وغيره عن عمر بن الأحوص – رضي الله تعالى عنه – قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أباداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى له (١) ". وقد سار سلفنا الأكابر على ذلك الهدي الفاخر فحذروا من الصغائر كما حذروا من الكبائر لما في الأمرين من انتهاك لحرمة العزيز القادر قال بلال بن سهد – أسكنه الله جنان الخلد –: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت (٢) ، قال ابن المعتز: خَلّ الذنوبَ صغيرها ... وكبيرها ذاك التُقَى واصنعْ كَمَاش ً فوق أر ... ض الشّوك ِ يحْذرُ ما يرى لا تَحْقِرَنّ صغيرة ... إنّ الجبالَ منَ الحَصَى (٣) السبب الثالث خوف سوء الخاتمة حسبما قدر على العبد في السابقة:

стр. 581

.. وهذا السبب العظيم هو الذي من أجله طاشت له قلوب الصديقين، وطارت بسببه أفئدة الراسخين، فاشتد خوفهم من رب العالمين، وسألوه الثبات على دينه الكريم في جميع الأحايين، وخاصة عند اشتداد السياق بهم وهو الكرب العظيم، ومن سلك هذا المسلك الكريم، فيرجى له التثبيت من قبل رب العالمين، على صراطه المستقيم، والحظوة بفضله العميم، ومن انحرف عن ذلك من المكلفين، فهذا علامة خسرانه المبين، نسأل الله العظيم أن يثبت قلوبنا على دينه القويم، وأن يجعلنا يوم الفزع الأكبر من الآمنين، وأن يمن علينا بجنات النعيم، والنظر إلى وجهه الكريم فهو ربنا لكريم، وهو خير المسئولين.

стр. 582

.. ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: حدثنا رسول الله – ﷺ – وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلفه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فوالذي لا إله إلا غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها (١) ". ولسوء الخاتمة أسباب تجمع في سببين عند أولي الألباب: السبب الأول:

стр. 583

.. الأمن على الإيمان من الاستلاب، عند الخروج من دار التكليف إلى دار الحساب ومن أمن من تقلبات القلوب عند تغاير الأحوال والأسباب، فهو من أهل التباب بلا ارتياب، ولذلك كان أبو الدرداء – رضي الله تعالى عنه – يحلف بالله – جل وعلا – أنه ما من أحد أمن على إيمانه أن يسلبه عند الموت إلا سلبه، ولما احتضر سفيان الثوري – عليه رحمة الله القوي – جعل يبكي ويجزع، فقيل له، يا أبا عبد الله، عليك بالرجاء فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أو على ذنوبي أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله – جل وعلا – بأمثال الجبال من الخطايا (١) . قال عبد الرحيم – ختم الله الكريم له وللمسلمين بالحسنى آمين –: اعلم أخي المؤمن يا من يريد نصح نفسه، والفوز برضوان ربه، أنه لن يمر على الإنسان في كياته كرب كالكرب الذي سيلقاه عند مفارقة الدنيا، روى الإمام أحمد في المسند عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "لم يلق ابن آدم شيئاً قط خلقه الله أشد عليه من الموت، ثم إن الموت لأهون مما بعده (٢) "، وذلك من وجهين فتأملهما، واعتن بما يلزمهما، عن طريق إعداد العدة لهما، فعما قريب سينزلان بك وستعرف حقيقتهما. الوجه الأول:

стр. 584

.. شدة سكرات الموت التي تذهل الحليم، وتحول القوي الشديد إلى عليل سقيم، وتأمل ما وقع لنبينا – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – لترى ما يقع عند الموت من شدة لعباد الله المقربين، فضلاً عن بقية المكلفين، ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: إن من نعم الله عليّ أن رسول الله – ﷺ – توفي في بيتي، وفي يومي بين سحري ونحري – السحر: الرئة، وتعني بذلك أنه مات في حضنها – وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت، دخل عليّ عبد الرحمن – وهو ابن أبي بكر فهو أخوها – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله – ﷺ – فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت، ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته له، فأمره – أي: على أسنانه فاستاك به -، وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات، ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى حتى قبض، ومالت يده" وفي لفظ في المسند وسنن الترمذي، وابن ماجه عنها – رضي الله تعالى عنها – قالت: رأيت رسول الله – ﷺ – وهو يموت، وعنده قدح فيه ماء، فيدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللهم أعنى على سكرات الموت (١) ".

стр. 585

.. ولذلك كانت – رضي الله تعالى عنها – تقول: مات رسول الله – ﷺ – وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أمره شدة الموت لأحد أبداً بعد ما رأيت رسول الله – ﷺ – وفي لفظ للترمذي عنها – رضي الله تعالى عنها – قالت: ما أغبط أحداً بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله – ﷺ – (١) .

стр. 586

.. وثبت في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: "لما ثقل النبي – ﷺ – جعل يتغشاه، فقالت فاطمة – ﵍ – واكرب أباه، فقال لها رسول الله – ﷺ –: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات – ﷺ – قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة – ﵍ –: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله – ﷺ التراب (١) ؟. وجاء في مراسيل الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – بيان شدة الموت وما فيه من كربات بما يضعضع الجبال الراسيات، قال الحسن: إن رسول الله – ﷺ – ذكر الموت وغصته وألمه، فقال: "هو قدر ثلاثمائة ضربة بالسيف (٢) ".

стр. 587

قال الإمام الغزال – عليه رحمة الملك الباري –: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقاً بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، ولا سيما وهو في كل نفس بصدده، كما قال بعض الحكماء: كرب بيد سواك، لا تدري متى يغشاك، وقال لقمان لابنه: يا بني أمر لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفجأك، والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأطيب مجالس اللهو، فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات لتكدرت عليه لذته، وفسد عليه عيشه، وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك المموت بسكرات النزع، وهو عنه غافل فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور. واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما بالاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه. فأما القياس الذي يشهد له، فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإن كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو حرج أو حريق سرى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، والمؤلم يتفرق على اللحم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم، فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح، ولا يلاقي غيره ما أعظم ذلك الألم وما أشده.

стр. 588

والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنفس الروح، فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حل به الألم، فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة، وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهراً وباطناً إلا وتصيبه النار فتحسه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم، وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسه الحديد فقط، فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار، فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه، فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من الفرق إلى القدم، فلا تسأل عن كربه وألمه، حتى قالوا: إن الموت لأشد من ضرب السيف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، لأن قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح، فكيف إذا كان المتناول المباشر نفس الروح، وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه، وفي لسانه، وإنما انقطع صوت الميت وصياحه مع شدة ألمه لأن الكرب قد بالغ فيه، وتصاعد على قلبه، وبلغ كل موضع فهد كل قوة، وضعف كل جارحة فلم يترك له قوة الاستغاثة، أما العقل فقد غشيه وشوشه، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد ضعفها، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خواراً وغرغرة من حلقه وصدره، وقد تغير لونه واربد حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته، وقد جذب منه كل عرق على حياله، فالألم منتشر في داخله وخارجه، حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه، وتتقلص الشفتان، ويتقلص اللسان إلى أصله، وترتفع الأنثيان إلى أعالي موضعهما، وتخضر أنامله، فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب

стр. 589

عرقاً واحداً لكان ألمه عظيماً، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم لا من عرق واحد، بل من جميع العروق، ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجياً فتبرد أولاً قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ويغلق دونه باب التوبة، وتحيط به الحسرة والندامة ثم نقل الغزالي عن أخبار أهل الكتاب أن نبي الله موسى – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – لما صارت روحه إلى الله – ﵎ – قال له: يا موسى كيف وجدت الموت؟ قال: وجدت نفسي كالعصفور حين يقلى على المقلى، لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير، وروي عنه أنه قال: وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب (١) . الوجه الثاني: ... إن الإنسان مع كونه في تلك الحال عند الاحتضار، فإن الشياطين الأشرار، تحيط به من جميع الجهات والأقطار، ويقول بعضهم لبعض: دونكم هذا، فإن فاتكم فلن تدركوه، فيجتمع على الإنسان عند السياق أمران فظيعان: الأول: ضعف قواه، لدهاه من كربات الموت واعتراه. الثاني: كثرة المردة الطغاة، وبذلهم ما في وسعهم لجعل المحتضر من العتاة، الغواة. ... فإن تداركت رحمة أرحم الراحمين عبده الضعيف المسكين في ذلك الحين، وثبته بالحق المبين، فقد سعد أبد الآبدين، وفاز بالنعيم المقيم في جنات النعيم، وإلا فهو من الهالكين الخاسرين، المخلدين في نار الجحيم.

стр. 590

.. فكيف يأمن العاقل على إيمانه، ولا يدري في ساعة الاحتضار عن حال جنابه، أو ما علم الإنسان أن قلب يتقلب مدى الأزمان، والمحفوظ من حفت به ألطاف ربنا الرحمن، قال نبينا – ﵊ –: "لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياناً" وفي رواية: "لقلب ابن آدم أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً" ولذلك كان أكثر دعاء نبينا – ﷺ –: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" كما تقدم (١) ولله در من قال: أحْسَنْتَ ظنّكَ بالأيام إذ ْ حَسُنَتْ ... ولم تخَفْ سُوءَ ما يأتي به القَدَرُ وسالمَتْكَ الليالي فاغْتَرَرْتَ بها ... وعند صفْو ِ الليالي يحْدثُ الكدرُ (٢)

стр. 591

.. ولذلك كانت حلية الأبرار، عدم الأمن على إيمانهم ما داموا في هذا الدار، ولا يشعرون بالسعادة، وحصول الأمن إلا إذا فارقوا هذه الدنيا على توحيد العزيز الغفار، ذكر الأئمة الكرام في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل شيخ الإسلام – عليهم جميعاً رحمة رب الأنام – أن ولده عبد الله قال: لما حضرت أبي الوفاة جعل يفرق ثم يفيق، ثم يفتح عينه، ثم يقول بيده هكذا لا، بعد، لا، بعد، ثلاث مرات، ففعل هذا مرة وثانية، فلما كان في الثالثة قلت له: يا أبتي أي شيء هذا، قد لهجت به في هذا الوقت؟ تفرق حتى تقول: قد قضيت، ثم تعود، فتقول: لا، بعد، لا بعد؟ فقال لي: يا بني ما تدري؟ فقلت: لا، فقال: إن إبليس – لعنه الله تعالى – قائم حذائي عاض على أنامله، يقول لي: يا أحمد فتني، وأنا أقول له، لا، بعد، حتى أموت (١) . ... ولما احتضر أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – بكى، وقال: والله ما أبكي حزناً على الدنيا، ولا جزعاً من فراقكم، ولكن أنتظر إحدى البشارتين من ربي، بجنة أو بنار. ... وقيل لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي؟ فقال نظرة إلى الحسن البصري – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى، فلما دخل عليه الحسن رفع طرفه إليه، ثم قال: يا أخو أناه الساعة والله أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة. ... وقال محمد بن واسع – رحمه الله تعالى – عند الموت: يا إخواناه، السلام عليكم، إلى النار أو يعفو الله – –. ... قال الغزالي – رحمه الله تعالى –: فخوف سوء الخاتمة قطع قلوب العارفين، وهو من الدواهي العظيمة عند الموت (٢) .

стр. 592

السبب الثاني لسوء الخاتمة: الاغترار بالحال الحاضرة، والعجب بما يصدر عن الإنسان من طاعات ناقصة قاصرة، والغفلة عما في المكلف من الآفات، التي توجب له سوء الخاتمة عند الممات، وأمهات ذلك ثلاث بليات مهلكات، قل أن يخلو عن واحد منها أحد من المخلوقات، والمحفوظ من حفظه رب الأرض والسموات. البلية الأولى باتفاق: اتصاف المكلف بالنفاق والغفلة عما فيه من سوء الأخلاق، ولا يخلو عن ذلك إلا الصديقين المقربون، لأن حقيقة النفاق اختلاف السر والعلانية، وتغاير المدخل والمخرج، وتضاد القلب والفعل، قال يزيد بن الحارث: إذا استوت سريرة العبد وعلانيته فذلك النصف، وإن كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل، وإن كانت علانيته أفضل من سريرته فذلك الجور، وأنشد في هذا المعنى: إذا السرُ والإعلان في المؤمن استوى ... فقد عزّ في الدارين واستوْجبَ الثنا فإنْ خالفَ الإعلانُ سِراً فماله ... على سعْيه فضلٌ سوى الكَدِّ والعنا فما خالِصُ الدينار في السوقُ نافِقٌ ... ومغشوشه المردودُ لا يقْتضي المُنا (١)

стр. 593

.. وفي كتاب الزهد لابن المبارك عن أبي عمر وقيس بن رافع، قال: اجتمع ناس من أصحاب رسول الله – ﷺ – عند ابن عباس، فتذاكروا الخير فرقوا، وواقد بن الحارث – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ساكت، فقالوا: يا أبا الحارث ألا تتكلم؟ فقال: قد تكلمتم وكفيتم، فقالوا: تكلم فما أنت بأصغرنا سناً، فقال: أسمع القول فالقول خائف، وانظر الفعل فالفعل فعل آمن، وقال ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: إن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فمن وافق قوله فعله، فذاك الذي أصاب حظه، ومن خالفه فإنما يوبخ نفسه (١) . ... واعلم أن لفظ الصدق كما يستعمل في صدق القول، يستعمل أيضاً في غيره، وقد نص العلماء الكرام على استعمال الصدق في ستة أقسام: ١- صدق في القول: وهذا أشهر أنواع الصدق وأظهرها فواجب على كل عبد حفظ ألفاظه فلا يتكلم إلا بالصدق ويدخل في هذا مراعاة معنى الصدق في ألفاظه التي يناجي بها ربه – جل وعلا – كقوله: " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " فإن كان منصرفاً عن الله مشغولاً بالدنيا فهو كاذب.

стр. 594

٢- صدق في النية والإرادة: ومرد ذلك إلى الإخلاص، وحقيقته: أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا رضاء رب الأرض والسموات، فإن مازج نيته شيء من حظوظ النفس، وخالطها شوب من رعوناتها فهو بمعزل عن وصف الصدق عن رب العالمين، ويظهر كذبه يوم الدين، وتسعر به نار الجحيم، وقد ثبت هذا عن نبينا الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – (١) .

стр. 595

لأنه لا مشقة في ذلك، والمؤنة فيه خفيفة، فإذا حقت الحقائق، وحصل التمكن هاجت الشهوات فانحلت العزائم، وتأخر الإنسان عن فعل المكارم، وهذا مضاد للصدق في العزيمة، ومعاقبته وخيمة وهو خلق المنافقين الفجار، ويتنزه عنه المؤمنين الأبرار، كما أخبرنا عن ذلك العزيز الغفار، وقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ الأحزاب٢٣، ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: غاب عمي أنس بن النضر – رضي الله تعالى عنه – عن قتال بدر، فقال: رسول الله – ﷺ – غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني: أصحابه – وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء – يعني: المشركين – ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد ما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بعضاً وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا ببنانه، قال أنس: كنا نرى – أو نظن – أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه: " مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ " إلى آخر الآية (١) .

стр. 596

.. وقال جل وعلا – في الإخبار عن حال الفجار، الذين نكثوا عهودهم مع العزيز القهار –: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١) ﴾

стр. 597

التوبة٧٥-٧٨. ٥- صدق في الأعمال، وتحقيق ذلك بمطابقة الأحوال الباطنة للأعمال الظاهرة، وحذار حذار من دلالة الظاهر على خلاف ما في الباطن كأن يتحلى المكلف بحلية الصادقين المخلصين، والزاهدين المتوكلين وليس منهم، فيلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فيكون كافياً في دلالة الظاهر على الباطن، فكم من واقف على هيئة الخشوع في صلاته، وقلبه غافل عن الصلاة لاه عنها، فمن ينظر إليه يراه قائماً بين يدي الله – – وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته، وكم ممن يمشي على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفاً بذلك، فهذا وما قبله وما شاكلهما من الأفعال يعرب بلسان الحال عن الباطن إعراباً يكون المكلف فيه كاذباً، حيث دل الظاهر على خلاف ما هو في الباطن، ولا ينجو العبد من هذا إلا باستواء السريرة والعلانية، بأن يكون باطنه مثل ظاهره، أو خيراً من ظاهره. ... مما ينبغي التنبه له أن مخالفة الظاهر للباطن تعتبر كذباً وإن صدر ذلك من المكلف من غير التفات للخلق ودون قصد إلى نظرهم، وأما إذا قصد إطلاع الناس على أعماله الظاهرة فذلك الرياء المحبط للعمل في الآخرة، كما تقدم في القسم الثاني.

стр. 598

٦- صدق في مقامات الدين: وهذا القسم هو أعلا درجات الصدق عند المتقين، ولا يتم إلا بالرسوخ في تلك المقامات، وبلوغ المكلف فيها أعلى الدرجات، لأن الصدق لا يطلق إلا عند اكتمال حقيقة الشيء من جميع الجهات، قال رب المخلوقات – ﷻ –: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحجرات١٥، وقال – –: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الأنفال٢-٣، وقال – جل ثناؤه –: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ البقرة١٧٧. فمن ادعى الإيمان، فمن علامة صدقه في ذلك المقام، تحقيق تلك الأوصاف الحسان، ومن ادعى الخوف والرجاء، فلا يصدق في دعواه إلا إذا أخذ نفسه بما في هذا البحث المبارك وهكذا الأمر في سائر مقامات الدين، كالزهد والرضا، والتوكل، وحب رب العالمين، فتنبه يا أخي ولا تكن من الغافلين.

стр. 599

وصفوة الكلام يا أخا الإسلام: إن منزلة الصدق في شرع الرحمن، ميزت أهل النفاق من أهل الإيمان، وفرقت بين سكان الجنتان وأهل النيران، قال ذي الجلال والإكرام: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب٢٤، فالإيمان أساه الصدق، كما أن النفاق أساسه الكذب، ولا يجتمعان في قلب عبد. ثبت في مسند البزار وأبي يعلى بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب (١)

стр. 600

". والصدق خير للعبد من العاجل والآجل، والخلل فيه ضرر على العبد في دار الزوال ودار القرار، أما خيرية ذلك في دار الانتقال فيشير إليها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن حكيم بن حزام – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث أن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شئوم المعاصي يذهب بخيري الدنيا والآخرة (١) .
следующие страницы →