← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

وإذا قام المسلم بذلك فقد أدى ما عليه، وخرج من العهدة، وبرئت ذمته من جور الأئمة، ويا ويل الأئمة ثم يا وليهم، إذا لم يلتزموا بما نُصحوا، وانحرفوا عن شرع الله وقسطوا، قال الله – جل وعلا –: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١) ﴾ وفي الصحيحين أن عبيد الله بن زياد أمير البصرة في زمن معاوية وولده يزيد عاد الصحابي الجليل معقل بن يسار – رضي الله تعالى عنهم – في مرضه، فقال له معقل: إني محدثك حديثاً سمعته عن رسول الله – ﷺ – سمعت رسول الله – ﷺ – يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة" وفي رواية في الصحيحين أيضاً: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين، فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة (٢) ".

стр. 5602

وفي المسند وسنن الترمذي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال، قال رسول الله – ﷺ –: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم منه مجلساً إمام عادل وأبغض الناس إلى الله، وأبعدهم منه مجلساً إمام جائر (١)

стр. 5603

". التنبيه الثاني: لا يجوز أن يكون للمسلمين في الدنيا إلا خليفة واحد، كما قرر ذلك الشرع المطهر، لئلا يتفرق شمل المسلمين، ويتشتت شملهم، وتضع منزلتهم، وتتلاشى مكانتهم، وتضمحل هيبتهم، وتذهب ريحهم وقوتهم، ويصيح بأسهم بينهم، ثبت في صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (١)

стр. 5604

" قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام، أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد" قال أصحابنا لا يجوز عقد لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعد ما بين الإمامين، وتخلت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع، وحكى المازري: هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف، لظواهر إطلاق الأحاديث، والله أعلم ١٠هـ (١) .

стр. 5605

وما ذكره الإمام النووي لا ينبغي التوقف في صوابه، كما لا ينبغي التوقف في بطلان قول إمام الحرمين، فالنص بخلافه، وإذا صادم القياس نصاً فهو فاسد الاعتبار، ومطروح لا يلتفت إليه ومع هذا فهو فاسد أيضاً من حيث النظر، فالمفاسد التي تنتج من تعدد الخلفاء جسيمة وخيمة أفظعها تفريق أوصال الأمة، وتشتيت شملها، هذا إذا لم يجر الأمر إلى التناحر والمنازعات بين الخلفاء، مع أن واقع تعدد الأمراء سينتج عنه الشقاق بلا نزاع، والواقع أكبر دليل على ذلك وصدق الله إذ يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء٢٢ فعند تعدد الخلفاء يصبح بأس الأمة فيما بينها، وتترك الأمة تبليغ دعوة ربها، وتهمل نشرها، مع أن ذلك هو عملها ووظيفتها. والملاحظ أن تعدد الخلفاء مع دلالته على التفرق والتمزق، والتنافر والتناحر فيما بين أولئك فهو يدل دلالة واضحة على تشتيت أمر كل خليفة من أولئك الخلفاء في خلافته، وما تعدد الحكام إلا لتضعضع أمر الخلافة الأولى، وتشتت شملها، حيث أدى ذلك لانقسامات الداخلية، ولاستبداد الأمراء بحكم ولاياتهم، بحيث كان الخليفة صورة لا حقيقية، ولم يكن له من الخلافة إلا الاسم، مما أدى ذلك في النهاية إلى انفصال أجزاء عن بناء الدولة المسلمة، وانسلاخ بلدان عن جسمها، فالتشتت الداخلي أدى للانسلاخ الخارجي، وبذلك تعلم أن تعدد الخلفاء نذير بكل سوء، لدلالته على تفرق الكلمة، وتشتت الشمل داخلاً وخارجاً، والله المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أسباب انتشار مذهب الاعتزال أهل الزيع والضلال:

стр. 5606

.. بعد تلك الجولة المباركة، في بيان أسس مذهب الاعتزال الباطلة، وتقرير صحة أقوال أهل السنة الثابتة، سأكمل البيان في بيان سبب انتشار مذهب المعتزلة أهل الزيع والهذيان (١) ، وأستمد التوفيق من ربي الرحمن، فهو الجواد ذو الجلال والإكرام. ... إن المتفحص في مذاهب المبطلين، يرى أن مذهب المعتزلة أكثرها انتشاراً في بلدان المسلمين ولذلك أسباب كثيرة، أبرزها: ١- اتصالهم بالخلفاء والأمراء: واستطاعوا بدهائهم جلبهم إليهم، فتبنى عدد منهم أقوالهم وركنوا إليهم، وأسندوا إليهم مهام دولتهم، فعمرو بن عبيد المؤسس الثاني لمذهب الاعتزال كان جليس الخليفة أبي جعفر المنصور، وصفيه، وأحمد بن أبي دؤاد كان قاضي القضاة لثلاثة من الخلفاء، المعتصم، ثم الواثق، ثم المتوكل، وفي عهده طرد من القضاء وحل به البلاء، وأبو الهذيل العلاف كان أستاذَ الخليفة المأمون (٢) .

стр. 5607

.. ذلك هو حال المعتزلة مع جهاز الحكم، وأهل السنة كانوا على نقيض ذلك تماماً، وسبب ذلك ما قدمته من وجود شيء من الخلل في جهاز الحكم، وتلبس الحكام بشيء من الظلم فآثر أهل السنة الابتعاد عنهم، ومن اضطر لمخالطتهم نصحهم ولم يركن إليهم، وما أرادوا بالأمرين إلا الاحتراز من الشين، وإرضاء رب الكونين، وفي سنن الدارمي عن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: من أراد أن يكرم دينه فلا يدخل على السلطان، ولا يخلون بالنسوان ولا يخاصمن أهل الأهواء (١) . وقد بلغ الأمر بأهل السنة الكرام أن يحترزوا ممن يخالط السلطان، قال سعيد بن المسيب – عليه رحمة الرحمن الرحيم –: إذا رأيتن العالم يغشى الأمراء فاحترزوا منه، فإنه لص، وقيل للأعمش – رحمه الله تعالى –: لقد أحييت العلم لكثرة من يأخذ عنك، فقال: لا تعجبوا، ثلث يموتون قبل الإدراك، وثلث يلزمون أبواب السلاطين فهو شر الخلق والثلث الباقي لا يفلح منه إلا القليل (٢) .

стр. 5608

ب- وجود عدد منهم من أهل اللسن والفصاحة في كل طبقة من طبقاتهم، فاستطاعوا بذلك استمالة الناس إليهم، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن نبينا – ﷺ – أنه قال: "إن من البيان لسحراً (١)

стр. 5609

" فمؤسس المذهب واصل بن عطاء الغزَّال مِنْطيق فصيح ذكي بليغ، وأبو الهذيل العلاف مناظر مفوه، وخطيب مِصْقَعٌ، كان يستشهد بثلاثمائة بيت من الشعر في مناظرته، وقد تقدم في كتاب التوحيد بيان قوة عارضته، وشدة ذكائه، وألمعيته. ... ويضاف إلى ذلك الأمر، عنايتهم بالثرثرة، وعدم الاقتصار في الكلام على الضرورة، فمجالسهم قيل وقال، وشغب وجدال، وذلك مما يخدع به السذج الجهال، وقد شهد أمير المؤمنين هارون الرشيد، باتصافهم بذلك الحال، كما تقدم قريباً فكن منه على بال. ٣- تعاونهم فيما بينهم على نشر ما يدعون إليه وتساندهم في بث ما اتفقوا عليه، حتى استطاعوا في نهاية الأمر، إقناع المأمون بما يدعون إليه من وزر، فصبا إليهم ومال، وتقلد مذهب الخزي والعار، واضطهدوا أئمة السنة الأبرار، وتغيرت الأمور، وتكدرت الأحوال، وكثر البلاء واستطار، إذ تبع ذلك المذهب غفير من الأغمار، واستمر الحال على ذلك العار حتى أزاله العزيز القهار على يد المتوكل إمام الأبرار. ... وقد ضرب المتقدمون الأمثال، بتعاون المعتزلة الضلال، فقالوا معبرين عن مدى الاحتفاء والإجلال: اعتد به، كاعتداد الشيعي بالشيعي، والمعتزلي بالمعتزلي (١) – جمعنا الله على الهدى، وحفظنا من الزيغ والردى. نشأة تلك الفرقة المنكرة، وحكمها في شريعة الله المطهرة:

стр. 5610

.. ظهر مذهب المعتزلة في أوائل المائة الثانية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق المِلِّي، وهو أول اختلاف حدث في الملة، هل هو كافر أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالت الجماعة أهل السنة: إنه مؤمن، وقالت طائفة: نقول هو فاسق، لا مؤمن، ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه – رحمهم اله جميعاً – فسموا معتزلة (١) .

стр. 5611

.. وأول من قال إن مرتكب الكبيرة: لا مؤمن ولا كافر، إنما هو منزلة بين الإيمان والكفر في الدنيا ومخلد في النار في الآخرة هو: واصل بن عطاء الغزَّال، المتكلم البليغ المتشدق، وكان من تلاميذ الحسن البصري – رحمه الله تعالى – فلما قال ما قال، طرده من مجلسه، فاعتزل عنه، وجلس في ناحية من مسجد البصرة، وانضم إليه عمرو بن عبيد، فقيل لهما ولأتباعهما: المعتزلون، أو المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن البصري، ولاعتزالهم قول الأمة في دعواهم: إن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر ٠ قال الذهبي – عليه رحمة الله – في الميزان: كان واصل من أجلاد المعتزلة، قال أبو الفتح الأزدي: هو رجل سوء كافر، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة (١) .

стр. 5612

.. وقد تبع عمرو بن عبيد واصل بن عطاء على تلك المقالة النكراء، وبلغ من شدة تعلقه به أن زوجه أخته، والطيور على أشكالها تقع، وقال له: زوجتك أختي إذ لم يكن لي بنت، وما بي إلا أن يكون لك عقب، وأنا خاله، فما حقق الله أمنيته، وقطع نسلهما، وماتا جميعاً، ولم يعقبا، وفي الميزان، وتهذيب التهذيب نقلا ً عن ابن حبان – عليه رحمة الرحيم الرحمن – كان عمرو بن عبيد من أهل الورع والعبادة، إلى أن أحدث ما أحدث، واعتزل مجلس الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – هو وجماعة معه، فمسوا بالمعتزلة – وكان يشتم الصحابة – رضي الله تعالى عنهم – ويكذب في الحديث وَهْماً لا تعمُّداً، قال ابن حجر معلقاً على كلام ابن حبان وغيره: والكلام فيه، والطعن عليه كثيراً جداً وبذلك ختم ترجمته ٠ وفي البداية والنهاية نقلا ً عن الحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى – قال: عمرو بن عبيد سيد شباب القراء ما لم يحدث، قالوا: فأحدث والله أشد الحدث، وقد قال عبد الله ابن المبارك – عليه رحمة الله تعالى –: أيها الطالب علماً ... ايتِ حماد بن زيدِ فخذِ العلم بحلم ... ثم قيده بقيدِ وذر البدعة من ... آثار عمرو بن عبيدِ ... قال الإمام ابن كثير – عليه رحمة الرب الجليل –: وقد كان عمرو بن عبيد محظياً عند أبي جعفر المنصور، وكان المنصور يحبه ويعظمه، لأنه كان يفد على المنصور مع القراء، فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئاً، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه، فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لأن المنصور كان بخيلا ً، وكان يعجبه ذلك منه وينشد: كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد

стр. 5613

.. ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمر بن عبيد، والزهد لا يدل على صلاح، فإن بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد مال لا يطيقه عمرو، ولا كثير من المسلمين في زمانه، مات عمر سنة ثلاث وأربعين ومائة (١) . حكم تلك الفرقة:

стр. 5614

.. الذي حط عليه كلام المحققين، الحكم عليهم بالضلال، وتفويض شأنهم إلى الكبير المتعال – ﷻ – قال الإمام الذهبي في الميزان، وقال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين – عليهم جميعاً رحمة رب العالمين – يقول: كان عمرو بن عبيد من الدهرية، قلت: وما الدهرية؟ قال: الذين يقولون لا شيء، إنما الناس مثل الزرع، وكان يرى السيف، قال المؤلف – الإمام الذهبي – لعن الله الدهرية، فإنهم كفار، وما كان عمرو هكذا ١٠هـ.

стр. 5615

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: نصوص الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – صريحة بالامتناع من تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم ١٠هـ ونقل عن السلف تكفير من نفى الكتاب والعلم من القدرية، ولم يكفروا من أثبت العلم ولم يثبت خلق الأفعال، قال: وأقدم من بلغنا أنه تكلم في تعيين الفرق الهالكة وتضليلهم يوسف بن أسياط، ثم عبد الله بن المبارك – وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين عليهما رحمة رب العالمين – قالا: أصول البدعة: الروافض، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن مبارك: والجهمية؟ فأجاب: بأن أولئك ليسوا من أمة محمد – ﷺ – وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، وقالوا: إن الجهمية كفار فلا يدخلون في الاثنتين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة، وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهمية داخلون في الاثنين والسبعين فرقة، وجعلوا أصول البدع خمسة، ثم قال شيخ الإسلام: من أخرج الجهمية منهم لم يكفرهم فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفساق والعصاة، ويجعل قوله – ﷺ –: "هم في النار" مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره كما قال – ﷻ –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ النساء١٠. ومن أدخل الجهمية فيهم – أي: في الفرق الضالة البالغ عدد ثنتين وسبعين فرقة – منهم على قولين:

стр. 5616

.. منهم من يكفرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة، أو المتكلمين وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير "المرجئة" و"الشيعة المفضلة" ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص الإمام أحمد في أنه لا يكفر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حكى في تكفير جميعه أهل البدع – من هؤلاء وغيرهم – خلافاً عنه، أو في مذهبه، حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه وعلى الشريعة. ... ومنهم من لم يكفر أحداً من هؤلاء إلحاقاً لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أحداً بذنب، فكذلك لا يكفرون أحداً ببدعة، والمأثور عن السلف والأئمة: إطلاق أقوال بتكفير "الجهمية" المحضة (١) .

стр. 5617

.. وصفوة كلامه – رحمه الله تعالى – أن من عدا الجهمية لا يكفرون، وفي تكفير الجهمية نزاع، والمنقول عن السلف القول بكفرهم، وبناء على هذا فالمعتزلة ضلال وليسوا بكفار، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن قدامة في رسالته إلى الشيخ محمد بن الخضر بن تيمية – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – ومما قاله في ذلك: ثم إن الإمام أحمد – الذي هو أشد الناس على أهل البدع – قد كان يقول للمعتصم: يا أمير المؤمنين، ويرى طاعة الخلفاء الداعين إلى القول بخلق القرآن، وصلاة الجمع والأعياد خلفهم ولو سمع الإمام أحمد من يقول هذا القول – تكفير أهل البدع، وتخليدهم في النار – الذي لم يرد عن النبي – ﷺ – ولا عن أحد قبله – أي: قبل الإمام أحمد – لأنكره أشد الإنكار، فقد كان ينكر أقل من هذا (١) .

стр. 5618

.. قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين – إطلاق الكفر على الزائغين المبتدعين، من قبل بعض السلف الصادقين، محمول على واحد من أمور أربعة عن المهتدين، فاعلم ذلك ولا تكن من الغافلين، قال الإمام البغوي – عليه رحمة رب العالمين – بعد أن قرر وجوب هجر الزائغين المفسدين، وسير السلف على ذلك الهدي القويم –: ثم هم مع هجرانهم كفوا عن إطلاق اسم الكفر على أحد من أهل القبلة، لأن النبي – ﷺ – جعلهم كلهم من أمته – أي في الحديث المتقدم في افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة –. وروي عن جماعة من السلف تكفير من قال بخلق القرآن، روي ذلك عن الأئمة الكرام مالك، وابن عيينة، وابن المبارك، والليث بن سعد، ووكيع بن الجراح، وغيرهم – ﵏ جميعاً –. وناظر الشافعي – رحمه الله تعالى – حفصاً الفَرْدَ، فقال: حفص: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت بالله العظيم (١) . والأمور الأربعة التي يحمل عليها إطلاق الكفر على المبتدعين هي:

стр. 5619

١- كفر لا يخرج عن الملة: فهو كفر دون كفر، قال الإمام البغوي وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع، والصلاة خلفهم مع الكراهة على الإطلاق، فهذا القول منه دليل على أنه إن أطلق عليه بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفراً دون كفر (١) . ٢- فعل المبتدعين، يشابه فعل الكافرين، ولوجود ذلك الاتفاق بينهما، صح إطلاق لفظ الكفر على المبتدعة منهما، ولم تطبق على المبتدعين أحكام الكفر، لقيام شبهة عندهم لهم فيها شائبة عذر، قال الإمام ابن تيمية: وكذلك الإمام الشافعي لما قال لحفص الفَرْد حين قال: القرآن مخلوق، كفرت بالله العظيم، بين له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لا يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بشهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم (٢) .

стр. 5620

٣- إن ذلك الزيغ سيؤدي إلى الكفر في نهاية المطاف، لما يتلبس به المبتدع من شنيع الأوصاف وإذا كانت المعاصي بريد الكفر، فإن البدع بريدها السريع، مع الضمان الوثيق، لذلك الوصف الشنيع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر، وآيلة إليه (١) . ٤- إطلاق الكفر على المبتدعين، من باب التغليظ والردع للزائغين، زجراً لهم عن إفكهم المبين وتنفيراً لغيرهم من ذلك المسلك الوخيم (٢) .

стр. 5621

وبهذه التحقيقات العلية، يتبين الوجه في إطلاق لفظ "المجوس" على القدرية، في قول خير البرية – عليه صلوات الله وسلامه بكرة وعشية –: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم (١)

стр. 5622

". ... قال ابن الأثير – عليه رحمة الملك الكبير – في جامع الأصول: القدرية في إجماع أهل السنة والجماعة: هم الذين يقولون: الخير من الله، والشر من الإنسان، وإن الله لا يريد أفعال العصاة، وسموا بذلك، لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله – جل وعلا – ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه، وهؤلاء مع ضلالتهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهدى، فيقولون: أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر من الله، وأنكم أولى بهذا الاسم منا، وهذا الحديث يبطل ما قالوا، فإنه – ﷺ – قال: "القدرية مجوس هذه الأمة" ومعنى ذلك: أنهم لمشابهتهم المجوس في مذهبهم، وقولهم بالأصلين، وهما: النور والظلمة، فإن المجوس يزعمون: أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وكذلك القدرية، لما أضافوا الخير إلى الله، والشر إلى العبيد أثبتوا قادِرَيْنِ خالِقَيْنِ للأفعال، كما أثبت المجوس، فأشبهوهم، وليس كذلك غير القدرية، فإن مذهبهم أن الله – – خالق الخير والشر، لا يكون شيء منهما إلا بخلقه ومشيئته، فالأمران معاً مضافان إليه خلقاً وإيجاداً، وإلى العباد مباشرة واكتساباً (١) .

стр. 5623

فائدة علية هي خاتمة الكلام على تلك الفرقة الردية الغوية: أفاد شيخ الإسلام – عليه رحمة الرحيم الرحمن – أن القدرية ثلاثة أقسام: القسم الأول: قدرية مشركة: وهو الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي قال الله – –: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ الأنعام١٤٨، مثلها في سورة النحل٣٥: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ . ... وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع، والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وقد ابتلي بهذا الجهميةُ وطوائفُ من الفقراء والصوفية، ولن يستتب لهم ذلك، وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، وإذا خولف هوى أحد منهم قام في دفعه متعدياً للحدود غير واقف عند حد كما كانت تفعل المشركين أيضاً قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر فهذا يريد أمراً، والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما، أو غيرهما. القسم الثاني قدرية مجوسية:

стр. 5624

.. وهم الذين يجعلون لله – جل وعلا – شركاء في خلقه، كما جعل الأولون لله – جل وعلا – شركاء في عبادته، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر ويقول من كان منهم في ملتنا: إن الذنوب الواقعة ليست بمشيئة الله – – وربما قالوا: ولا يعلمها أيضاً فيجحدون مشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما –: الإيمان بالقدر نظام التوحيد، فمن وحد الله، وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده. ويزعمون أن هذا هو العدل، ويضمون إلى ذلك سلب الصفات، ويسمونه: التوحيد، كما يسمي الأولون التلحيد: التوحيد، فيلحد كل منهما في أسماء الله وصفاته، وقد وقع بذلك المعتزلة، والمتأخرون من الشيعة. القسم الثالث قدرية إبليسية: ... وهم الذين صدقوا الله بأن الله – جل وعلا – صدر عنه الأمران، لكن عندهم هذا تناقض، وهذا حال الزنادقة الملاعين، كالمعري وشيعته المجرمين (١) . ... هذه هي أصناف الزائغين في قدر رب العالمين، وقد تكرم الله الكريم، بهداية عباده المخلصين إلى صراطه المستقيم، فأثبتوا أمر الله ونهيه، كما أثبتوا قدره وحكمته، وعولوا على القدر في المصائب، واستغفروا ربهم ولاذوا به عند المعايب – جعلنا الله العظيم من حزبه المفلحين، وختم لنا بالحسنى آمين.

стр. 5625

فتح الحق في بيان توضيح الحق لفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الرحيم بن أحمد الطحان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله شرع لنا دينا قويما، وهدانا صراطاً مستقيما، وأصبغ علينا نعمة ظاهرة وباطنه وهو اللطيف الخبير، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك أنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم صلى على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. أما بعد إخوتي الكرام فهذه الموعظة ستكون أمر طرأ ونسأل الله أن يحفظنا من كل شر في الدنيا والآخرة وهذا الأمر الذي طرأ إخوتي الكرام ويتحدث به عباد الرحمن في هذه الأيام لعله بلغكم شريط من شيخين يتكلمان فيه حول بعض القضايا وأرى من باب إحقاق الحق وبيان حقيقة الأمر ونصحاً لهما ووضع الأمر في موضعه أن نتدارس هذا على وجه الاختصار في هذه الموعظة بعد ذلك وتفصيل المباحث يأتي بعد ذلك إن شاء الله مع أن الكثير من المسائل قد مر الكلام عليها ومن أراد الحق وجده فيها لكن كثيراً من الناس يتصيدون الكلامات من هنا وهناك ويضعون الشيء في غير موضعه ونسأل الله جل وعلا أن يرزقنا كلمة الحق في الرضا والغضب إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. إخوتي الكرام، كما قلت كلام بتداوله الناس في مواقف حول كلام تدارسناه وذكرناه فيما مضى وهذا الكلام صدر من الشيخ الألباني ومن الشيخ أبي شقرة، وأنا في هذه الموعظة كما قلت سأبين الحق في هذا الأمر إن شاء الله.

стр. 5626

إخوتي الكرام، تقدم معنا مراراً أن دين الله جل وعلا يقوم على أمرين إثنين تعظيم لله وشفقة على خلق الله جل وعلا والذي يتأمل هذين الشريطين يرى أنه حقيقةً حصل فيهما اعتداء على الله جل وعلا كما حصل فيهما ظلم لعباد الله وإذا كان الأمر كذلك فسأقرر هذا بما يدل على الأمر الأول ثم بعد ذلك اتبعه بما يدل على الأمر الثاني من حق العباد الأحياء أما حق الله جل وعلا إخوتي الكرام أول كلمة في الشريط إذا سمعتوه يقول الشيخ الألباني أسأل الله أن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين (كنت أتمنى أن يكون – ويقصدني بذلك – أن يكون مخلصاً وإن كان مخطئاً) .

стр. 5627

يعني يقول: خطأ عبد الرحيم لا شك فيه لكن كنت أتمنى أن يكون مع خطئه مخلصاً لله في كلامه لكن لا إخلاص ولا صواب أما الأمر الثاني الذي حكمت به فلك أن تحكم على حسب اجتهادك أنني أصبت أو أخطأتُ اهتديتُ أو ضللتُ والله سيحاسبك وإليه سيؤول العباد جميعاً. أما أن تتدخل في الأمر الأول فحقيقةً هذا لا ينبغي لبشر أن يتدخل فيه فما في قلوب العباد لا يعلمه إلا رب العباد فمن الذي أطلعك على قلب هذا المسكين وهل هو مخلص فيما يقول أو منافق لئيم؟ من الذي أطلعك؟ هل أطلعك الله على غيبه لتقول هذا! أنت أيها الشيخ تقول: لا يمكن أن يُكاشَفَ إنسان بشيء عن طريق الكرامة وتخالف بذلك أهل السنة قاطبةً فأهل السنة يقولون: الكرامات تقع في المكاشفات يقررها الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في كتابين من كتبه: في (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وفي قاعدة في المعجزات والكرامات) وهو المقرر عندنا في كتب التوحيد في العلم مكاشفات، وسيأتينا بسط هذا بأدلته والتوسع في أنواع خوارق العادات عند الأمر الثاني الذي يعرف به صدق النبي ﷺ ألا وهو المعجزات وخوارق العادات فإذا أنت تقول لايمكن أن يعلم الإنسان المغيب عن طريق الكرامة إذاً أنت ما علمت هذا عن طريق الكرامة يعني لو كنت ولياً لله تقول أن ما يحصل لي هذا، ونسأل الله أن تكون ولياً ومن المقربين لكن أنت تنفي هذا عن كل ولي فإذا ما أطلعك الله عن هذا الأمر بسبب كرامة تحصل للصالحين فمن أين علمت أنه مخلص أم لا؟ ولا علاقة على الإطلاق بين الصواب وبين الإخلاص، قد يشرك الإنسان بالله ويكون مخلصاً قد يذهب ويسجد لقبر، سجوده لقبر حرام وشرك، لكن يكون مخلصاً قد قرر أئمتنا أن كثيراً من عباد القبور يُجابون فيما يسألون لإخلاصهم لا لإستقامة فعلهم فهم على ضلال، وهو عندما يذهب إلى القبر يذل لله وينكسر له فيقضي له حاجته ، فإذاً لا صلة بين الإخلاص

стр. 5628

كما قلت – وبين إصابة الحق قد يكون الإنسان مصيباً [قد يكون] وهو مخلص أو لا يكون على حق أو لا صلة له كما قلت بالإخلاص. فعندنا إتباع وعندنا إخلاص. فإذا اتبعت أحسنت، وإذا أخلصت أحسنت، وقد يوجد إخلاص بلا إتباع وقد يوجد إتباع بلا إخلاص. فقولك: (كنت أتمنى أن يكون مخلصاً وإن كان مخطئا) هل أطلعك الله على غيبه؟ وإذا رجعت عن قولك وقلت إن الله أطلعني عن طريق خرق العادة وهذا بسبب كرامةٍ حصلت لي فليتك بينت هذا من أجل أن نكون على بينة وأسأل الله أن يلطف بأحوالنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. أيها الشيخ الكريم: من المقرر عندنا في كتب الحديث الشريف – حديث نبينا ﵊ – حديث عمر ﵁ وأرضاه وهو حديث عظيم وجليل له وقع في الإسلام كبير وهو ثابت في الكتب الستة وغيرها: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى) ولا يطلع على ما في النيات إلا رب البريات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه وقد كان أئمتنا الكرام يستحبون بدأ أعمالهم بهذا الحديث. قال عبد الرحمن بن مهدي – كما تقدم معنا في أوائل دروس سنن الترمذي – وقد توفي سنة ١٩٨ هـ - من صنف كتاباً فليبدأ بحديث عمر وهذا ما فعله البخاري.

стр. 5629

أيها الشيخ الكريم: أول شيء مر معك في دراسة سنة نبينا ﵊ وهذا الحديث هلاّ اعتبرت به؟ قال الإمام أبو سليمان الخطابي عليه رحمة الله وقد توفي سنة ٣٣٨هـ: [كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون بدء أعمالهم بحديث عمر قبل كل قول وعمل] ، ليتذكر الإنسان خشية الله وليصحح نيته ولئلا بعد ذلك يتهم غيره. إخوتي الكرام، هذا الأمر ينبغي أن نعيه وعليه ما جاء في الشريط أنه ليس بمخلص وأنه مصلحجي وأنه وأنه فكما قلت إن أطلعكم الله على غيبه فعلى العين والرأس وإن لم يطلعكم الله على غيبه فقد أشركتم بالله جل وعلا لأن هذا منازعة لله في ربوبيته. إخوتي الكرام، أنتم تدندنون طول حياتكم حول البدع ولا يجوز أن نفعلها وينبغي أن نحذر الناس منها ووصل تشددكم في أمر البدع أن من حمل سبحةً قلتم عنه إنه مبتدع. وكلامكم باطل والحكم على السبحة بالبدعة بدعة وقد قرر هذا أئمتنا الكرام كما في مجموع الفتاوى للإمام ابن تيمية ٢٢/٥٠٦ قال: [إذا أحسنت النيةُ في التسبيح بالخرز فهو حسن غير مكروه] ، الذي أريد أن أقوله إذا وصل تنطعكم وتشددكم واحتياطكم إلى أن تقولوا إن السبحة بدعة من باب صيانة جناب التوحيد وعدم فعل شيء ليس في شرع الله على حسب اصطلاحكم. كيف بعد ذلك جئتم تمدون علمكم إلى ما في قلوب العباد؟ حقيقةً هذا منازعة لله في توحيد الربوبية وتوحيد الربوبية عندنا أقر به المشركون فضاع عن الموحدين في هذه الأيام. حقيقةً أمر عظيم أمر فظيع ولذلك أنا أرجو من الشيخ الكريم أن يعيد النظر فيما قال وأن يخبرنا إن أطلعه الله على غيبه فنفوض أمرنا إلى الله وما لنا إلا نعبده سواء كنا من أهل الجنة أو من أهل النار لكن إن أطلعك الله فهذه حقيقةً يعني –كما قلت- بلية في حقي وأفوض أمري إلى الله. وإذا لم يطلعك فأرجو أن يقف كل إنسان عند حده.

стр. 5630

قل فلان أصاب وأخطأ، اهتدى وظل وقل ما شئت وسيحاسبك الله على ما تقول لكن لا تتدخل بين العباد وبين ربهم هل هذا مخلص أو منافق؟ كل سرائرهم إلى الذي يعلم السر وأخفى وأنا أقول هذا لتعلم أيها الشيخ الكريم وليعلم كل مسلم والله ما أصف نفسي بالإخلاص وما أعلم أنني أخلصت في حياتي وأنا على نفسي بصيرة والله الذي لا إله إلا هو ما أصف نفسي بهذا وإذا وصفت نفسي بذلك فلا شك في غروري وسفاهتي وقلة عقلي، ولكن كما قلت هذا ما يتعلق بحالي مع نفسي أما أنت لا تتجرأ على قلوب العباد، فوض أمرهم إلى ربهم جل وعلا. إخوتي الكرام.. ينبغي أن نتهم أنفسنا وأن نكون على علم بحالنا وقد تقدم معنا في ترجمة العبد الصالح هشام الدستوائي وقلت حديثه مخرج في الكتب الستة وتوفي ١٥٢هـ يقول هذا العبد الصالح: (والله ما أستطيع أن أقول إني قد ذهبت يوما قط اطلب الحديث أريد به وجه الله .

стр. 5631

فمن أنت أيها الشيخ ومن أنا ومن يوجد في هذا الزمان بجنب أولئك الأئمة الأعلام. ما أستطيع أن أقول أني ذهبت يوماً قط اطلب الحديث أريد به وجه الله. وغالب ظني أنك وأنكم لا يخفى عليكم حال هشام الدستوائي الذي بكى من خشية الله حتى فسدت عينه والذي كان يقول عجبت للعالم كيف يضحك ثم يقول عن نفسه هذا. وكان أكثر أهل البصرة ذكراً للموت وهو الذي يقول فيه أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج: (هشام أعلم مني وأحفظ من قتادة) وهو الذي يقول فيه أبو داود الطيالسي: (هشام الدستوائي أمير المؤمنين في الحديث) ومع ذلك يقول (لا أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث أريد به وجه الله فكوني مخلصاً أو لا فدع هذا لي بين وبين ربي. وأنت لا تتدخل بما في قلوب العباد وكل واحد ينبغي أن يتهم نفسه، وأنا على يقين أن كل واحد منا يعرف من عيوب نفسه مالا يعرفه من عيوب غيره، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس قال الإمام الذهبي معلقاً على كلام هشام الدستوائي: (قلت: والله ولا أنا –أي أنا ما أستطيع أن أقول إنني ذهبت اطلب الحديث لله في يوم قط –أبدا- لله مخلص لا يمكن أن أقول هذا. قلت والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنَبُلُوا وصاروا أئمة يُقْتَدَى بهم وطلبه قوم منهم أولا لا لله فحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم فجرّهُمُ العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق كما قال مجاهد وغيره طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقه الله النية بعد وبعضهم يقول: (طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله) فهذا أيضاً حسن ثم نشروه بنية صالحة ﵏ ورضي عنهم والصنف الثالث وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثني عليهم فلهم ما نَوَوا.

стр. 5632

قال ﵊: (من غزا ولم ينو من غزوته إلا عقالا فليس له إلا ما نوى) والحديث إخوتي الكرام رواه أحمد والنسائي ورواه الحاكم في المستدرك بسند صحيح من رواية عبادة بن الصامت ﵁ ورأضاه، وترى هذا الصنف لم يستضيئوا بنور العلم ولا لهم وقع في النفوس ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل وإنما العالم من يخشى الله . والصنف الرابع: وقوم نالوا العلم وولوا به المناصب فظلموا وتركوا التقيد بالعلم واركبوا الكبائر والفواحش فتباً لهم فما هؤلاء بعلماء. والصنف الخامس: وصنف لم يتق الله في علمه بل ركب الحِيَلَ وأفتى بالرخص وروى الشاذ من الأخبار وبعضهم إجترأ على الله ووضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه وصار زادة إلى النار. وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئا كبيرا وتضلعوا منه في الجملة ما أظن ينطبق علينا وصف واحد من هؤلاء الأصناف الخمسة مع ما في الأصناف المتأخرة من سوء وقبح ثم يقول: (فخلف من بعدهم خلْفُ بان نقصهم في العلم والعمل وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر ولم يتقنوا منه سوى نذر يسير أوهموا به أنهم علماء فضلاء ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله لأنهم ما رأوا شيخا يقتدي به في العلم فصاروا همجا رعاعاً غاية المدرس منهم أن يحصل المدرس منهم كتبا مُثمَنَةً يخزنها وينظر فيها يوماً ما فيصحف ما يورده ولا يقرره فنسأل الله النجاة والعفو كما قال بعضهم: ما أنا عالم ولا رأيت عالماً.

стр. 5633

وهذا الوصف الأخير أيها الشيخ الكريم ما أراه إلا ينطبق إلا على علماء زماننا إلا من رحم ربك وقليل ما هم فإذا كان هذا حالنا فليتهم كل واحد منا نفسه وليقف عند حدّه إخوتي الكرام: الإخبار بأن ما في القلب يعلمه أحد من البشر وأننا نحكم على هذا بأنه مخلص أو منافق أو مرائي وما أطلعنا الله على غيبة فهذا منازعة لله تعالى في الربوبية وهذا من خصائص ربوبية الله جل وعلا هو الذي يعلم السر وأخفى، وإذا كان الأمر كذلك فلنقف عند حدنا لنمسك ألسنتنا ولنتق ربنا (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) أما فيما يتعلق بعد ذلك في المخلوق هذا فيما يتعلق بحق الله أردت أن أبدأ به لعظم موقعه وعظم حق الله علينا وأشنع شيء يقوم به الإنسان أن يشرك بالرحمن وأن يدعى خصائص الربوبية لنفسه البشرية وليس بعد هذا الظلم ظلم (إن الشرك لظلم عظيم) وأما حق المخلوق فحقيقة المخلوقات على تعددها وتنوعها تنقسم إلى قسمين إما أحياء وإما أموات وقد اتهمت في ذينك الشريطين أنني ما سلم مني الأموات ولا الأحياء وإذا كان كذلك فحقيقة ينبغي أن نذكر واحداً من الأموات وماذا جرى مني ومنهم نحوه ثم نذكر أيضا واحدا من الأحياء واختم الموعظة بذلك أما الأموات فسأبدأ بخير الأموات وأفضلهم ألا وهو خير البريات عليه صلوات الله وسلامه وهو وإن كان ميتاً ﵊ وانقطع عن الحياة الدنيوية فحياته أكمل حياة عند رب البريات.

стр. 5634

إخوتي الكرام: أثاروا لغطاً وأكثروا كلاما حول حديث ذكرته عن نبينا ﵊ فأعادوا ما عندهم دون الرجوع عما ذكروه ولا يلتفتون إلي ما قرره علماء الأئمة الإسلامية عليهم جميعاً رحمات رب البرية. والحديث تقدم معنا إخوتي الكرام حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي رواه البزار والمسند وحديث بكر بن عبد الله المزني الذي رواه ابن سعد ورواه كما تقدم معنا الشيخ الصالح المبارك إسماعيل بن اسحق القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي ﵊ وقد توفى ٢٨٢هـ ورواه الحارث بن أبي أسامة وابن النجار في تاريخه وغيرهما عن انس بن مالك ﵃ أجمعين. ولفظ الحديث تم تفصيل الكلام عليه عن نبينا ﵊ أنه قال حياتي خير لكم تُحدثون ويُحدَثُ لكم – تحدثون ويُحْدِثُ لكم – تحدثون وتُحْدَث لكم – أي تتكلمون وتسألون فنحدث لكم ويُحدَثُ لكم من قِبَل الله جل وعلا وَيحْدُث لكم أجوبة وبيان مادام النبي ﵊ باقياً فالوحي ينزل وما انقطع وحي السماء. تحدثون ويحدث لكم ونُحْدِثُ لكم وتُحْدَثُ لكم (ومماتي خير لكم – عليه صلوات الله وسلامه- تُعْرَض عليّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) .

стр. 5635

جرى حول هذا الحديث لغط كثير منهم وقالوا أنه ليس بثابت عن النبي ﵊ ثم أنا بعد ذلك وسعت دائرته وخرّفْتُ نحوه وكنت فصلت الكلام عليه في مباحث النبوة المشرفة على نبينا صلوات الله وسلامه وأراني مضطراً إلى أن أذكر اختصاراً ما ذكرته سابقاً فأقول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه صحيح، صححه عدد من أئمتنا الأبرار بتصحيحهم نأخذ الأحاديث الثابتة عن نبينا المختار عليه صلوات الله وسلامه فيما يتعلق باعتقادنا نحو ربنا وفيما يتعلق بالأحكام التفصيلية في شريعتنا، والحديث ذكره الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/٢٤ وبوب عليه باب ما يحصل لأمته ﷺ من استغفاره بعد موته وقال رواه البزار (ورجاله رجال صحيح) . والإمام الهيثمي ذكره أيضا في كشف الأستار عن زوائد البزار١/٣٩٧ وبوب عليه بابا فقال باب ما يحصل لأمته ﵊ منه في حياته وبعد وفاته عليه صلوات الله وسلامه هذا إمام أول من الأئمة الكرام الأبرار يصحح الحديث وهو الإمام الهيثمي.. وبعده الإمام السيوطي عليه رحمة الله يصحح الحديث أيضا في الخصائص الكبرى ٢/٢٨١ يقول رواه البزار (بسند صحيح) هذا كلام الإمام السيوطي في الخصائص الكبرى وهكذا الإمام الزر قاني في شرحه على المواهب اللدنية ٥/٣٣٧ يقول رواه البزار عن عبد الله بن مسعود ... (وإسناده جيد) .

стр. 5636

وهكذا الإمام ولي الدين ابن شيخ الإسلام عبد الرحيم الأثري ولي الدين بن عبد الرحيم العراقي في كتابة طرح التثريب شرح التقريب وبُينت قيمته الحديثية في الأحكام الفقهية في أحاديث الأحكام ٣/٢٩٧ يقول: (إسناده جيد) كم إمام صار؟ أربعة، والخامس والد ولي الدين شيخ الإسلام عبد الرحيم بن الحسين الأثري في تخريج أحاديث الإحياء ٤/١٤٤ يقول هذا العبد الصالح حياتي خير لكم ومماتي خير لكم الحديث – البزار من حديث ابن مسعود ورجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي فقد ضعفه كثيرون ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بنحوه بإسناد ضعيف كأن العراقي يقول: رجال الإسناد رجال الصحيح لكن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد أخرج له مسلم وأهل السنن الأربعة وت ٢٠٦ هـ قال عنه الحافظ بن حجر في التقريب: صدوق يخطئ كثيرا أفرط ابن حبان فيه فقال إنه متروك. وكما قلت حديثه في صحيح مسلم والسنن الأربعة. في هذا العبد الصالح عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عليهم جميعاً رحمة الله. حوله كلام لكن هو من رجال مسلم. فإذا كان صدوقا حديثه في درجة الحسن لاسيما وقد اعتضد بمرسل ثابت كالشمس سطوعا وظهورا في رابعة النهار ثبت في مرسل بكر بن عبد الله المزني في كتابه فضل الصلاة على النبي ﵊ وطبقات ابن سعد (بسند صحيح) بهذا اللفظ لكن هناك مرسل وهنا الإسناد متصل فلو قُدّر أن هذا الحديث فيه شيء من الضعف في رواية ابن مسعود. ينجبر هذا الضعف ويتقوى ويزول بالرواية المرسلة من طريق بكر بن عبد الله المزني كما قرر أئمتنا هذا في كتب المصطلح فقالوا: فإن يُقَلْ يُحْتَجُّ بالضعيف ... فقل إذا كان من الموصوف رواته بسوء حفظ يجبروا ... بكونه من غير وجه يُذْكَرُ

стр. 5637

يعني إن قيل لنا هل يحتج بالحديث الضعيف؟ نقول نعم متى نحتج بالحديث الضعيف إن كان رواته يوصفون بسوء حفظ نقصوا في الحفظ لكن تعددت الطرق.. وإن يكن كذب أو شذا ... أو قوى الضعف لم يُجْبَرْ ذا ألا ترى المرسل حيث أسندا ... أو أرسلوا كما يجيء اعتضدا ألا ترى هذا المرسل إذا جاء مسندا من طريق ضعيف أو جاء مرسلا من طريق آخر يتقوى المرسل ويصبح حسناً أوَ ليس كذلك. فإذًا عندنا حديث مرسل اسندا أي إذًا مسندا متصلا من طريق ضعيف أو جاء مرسلاً من طريق تقوى وزال ما فيه من ضعف وهذا الذي يقرره أئمتنا الكرام كما قلت هو المقرر في كتب الحديث والمصطلح. أعادوا ما في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وكنت ذكرتُ هذا وبينت ضعفه وعدم صلاحيته لما فيه. يقول هنا: إذا عرفت ما تقدم فقول الحافظ الهيثمي في المجمع رواه البزار (ورجاله رجال الصحيح) يوهم أنه ليس فيهم من هو متكلم فيه. وهو قال رجاله رجال الصحيح أما بعد ذلك عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد من رجال مسلم وحوله كلام والمعتمد في أمره كما قال الحافظ صدوق يخطئ لكن هو من رجال مسلم. -ولعل السيوطي إغتر بهذا –انظر إلى هذا التعبير السيوطي اغتر بكلام الهيثمي. يعني كأن السيوطي من جهله المقلدة – إغتر بكلام الهيثمي فقال في الخصائص الكبرى سنده صحيح – (ولهذا فإني أقول إن الحافظ العراقي شيخ الهيثمي كان أدق في التعبير عن حقيقة إسناد البزار حيث قال عنه في تخريج الاحياء رجاله رجال الصحيح إلا عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه النسائي وابن معين فقد ضعف بعضهم قلت: أما قوله هو أو ابنه في طرح التثريب في شرح التقريب إسناده جيد فهو غير جيد عندي.

стр. 5638

١٠) انتبه إلى هذا التعبير: السيوطي اغتر بكلام الهيثمي قول ولي الدين العراقي ووالده غير جيد عند الألباني (وكان يكون كذلك لو مخالفة عبد المجيد للثقات على ما سبق بيانه فهي علة الحديث وإن لم أجد من نبه عليها أو لفت النظر إليها أن يكون الحافظ ابن كثير في كلمته التي نقلتها عن كتابه البداية والله أعلم. نعم لقد صح إسناد هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني مرسلاً وله عنه ثلاث طرق. إخوتي الكرام: خلاصة كلام الشيخ الألباني يقول: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد حوله كلام وانفرد بهذه الزيادة في أصل الحديث فهي شاذة. يقول: (أصل الحديث: إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام قال: وقال رسول الله صل الله عليه وسلم حياتي خير لكم إلى آخر الحديث قال البزار لم نعرف آخره يروي عن عبد الله إلا من هذا الوجه ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ثم قال فهو موجود في كشف الأستار في زوائد البزار ثم يقول بعد ذلك إتفاق جماعة من الثقات على راوية الحديث عن سفيان دون آخر الحديث الذي هو حياتي خير لكم ومماتي خير لكم ثم متابعة الأعمش له على ذلك مما يدل عندي على شذوذ هذه الزيادة لتفرد عبد المجيد بن عبد العزيز بها لاسيما وهو متكلم فيه من جهة حفظه مع أنه من رجال مسلم وقد وثقه جماعة وضعفه آخرون وبين بعضهم السبب في ضعفه.

стр. 5639

إخوتي الكرام: لو سلمنا أن عبدا لمجيد ابن عبد العزيز ابن أبي رواد حوله كلام وزاد آخر الحديث وخالف الثقات هذه الزيادة هل يحكم عليه بالشذوذ؟ من حكم عليها بالشذوذ فهو لا يعرف معنى الشذوذ. الشذوذ هو ليس أن يزيد الراوي في الرواية إنما أن يروي ما يخالف ما رواه من هو أكثر منه أو أثبت منه. فهذا يثبت وذاك ينفي أو ذاك ينفي وهذا يثبت هذا هو الشذوذ أما أن يروي شيئا مثبوتا عنه وهو إن رواه دون أن يشاركه الحفاظ في الرواية لأخذ منه إذا كانت روايته مقبولة في درجة الحسن وانتبه لتقرير هذا من كلام أئمتنا عليهم رحمة الله يقول الإمام عبد الرحيم الأثري في ألفيته. ١٢) ... وذو الشذوذ ما يخالف الثقا ... فيه الملا فالشافعي حققا والحاكم الخلاف فيه مااشترط ... وللخليل مفرد الراوي فقط ورَدّ ماقالا بفرد الثقة ... كالنهي عن بيع الولاء والهبة وقول مسلم روى الزهري ... تسعين فردا كلها قوي واختار فيما لم يخالف (انتبه) ... أن من يقرب من ضبط فردُه حسن أو بلغ الضبط فصحح أو بعد ... عنه فما شذ فاطرحه ورد

стр. 5640

يقول الإمام العراقي في شرح هذه الأبيات في التبصرة والتذكرة ١/١٩٥ فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردوداً وأن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره – هناك (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) وقال ﵊ (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم) . هل بين اللفظين تعارض؟ إنما هنا زيادة على ذلك ليس بينهما تعارض حتى تحكم بالشذوذ – يقول: وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد إن كان عدلا حافظا موثوقاً بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما سبق فيما مرّ من الأمثلة وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح نعم: هو بعد ذلك بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه. يقول إذا كان ما انفرد به الراوي هو في نفسه في درجات الإتقان والضبط نحكم لإنفراده بأي شيء؟ بالصحة، وإذا كان ما انفرد به هو دون درجة الحافظ الضابط المتقن ننظر إلى حاله فإن كان يُحكم لحديثه بالحسن نحكم لإنفراده بأنه أيضا حسن. إذا استحسنا حديثه لذلك ولم نحطه إلى قِبَلِ الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر وانتهى. وعليه عندنا ماانفرد به الراوي له ثلاثة أقسام: ١. إذا كان ما انفرد به وهو ضابط حاذق ماهر حافظ متقن انفراده صحيح ولا يقال عنه شذوذ. ٢. إذا نزل عن ذلك كحال عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد نستحسن حديثه كما لو روى حديثا دون أن يشاركه غيره في روايته.
следующие страницы →