← Джавами‘

Джавами‘ · id 21782

خطب ودروس الشيخ عبد الرحيم الطحان

عبد الرحيم الطحان

Полный текст (6 674 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

.. وقال جل وعلا – في الإخبار عن حال الفجار، الذين نكثوا عهودهم مع العزيز القهار –: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١) ﴾

стр. 597

التوبة٧٥-٧٨. ٥- صدق في الأعمال، وتحقيق ذلك بمطابقة الأحوال الباطنة للأعمال الظاهرة، وحذار حذار من دلالة الظاهر على خلاف ما في الباطن كأن يتحلى المكلف بحلية الصادقين المخلصين، والزاهدين المتوكلين وليس منهم، فيلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فيكون كافياً في دلالة الظاهر على الباطن، فكم من واقف على هيئة الخشوع في صلاته، وقلبه غافل عن الصلاة لاه عنها، فمن ينظر إليه يراه قائماً بين يدي الله – – وهو بالباطن قائم في السوق بين يدي شهوة من شهواته، وكم ممن يمشي على هيئة السكون والوقار وليس باطنه موصوفاً بذلك، فهذا وما قبله وما شاكلهما من الأفعال يعرب بلسان الحال عن الباطن إعراباً يكون المكلف فيه كاذباً، حيث دل الظاهر على خلاف ما هو في الباطن، ولا ينجو العبد من هذا إلا باستواء السريرة والعلانية، بأن يكون باطنه مثل ظاهره، أو خيراً من ظاهره. ... مما ينبغي التنبه له أن مخالفة الظاهر للباطن تعتبر كذباً وإن صدر ذلك من المكلف من غير التفات للخلق ودون قصد إلى نظرهم، وأما إذا قصد إطلاع الناس على أعماله الظاهرة فذلك الرياء المحبط للعمل في الآخرة، كما تقدم في القسم الثاني.

стр. 598

٦- صدق في مقامات الدين: وهذا القسم هو أعلا درجات الصدق عند المتقين، ولا يتم إلا بالرسوخ في تلك المقامات، وبلوغ المكلف فيها أعلى الدرجات، لأن الصدق لا يطلق إلا عند اكتمال حقيقة الشيء من جميع الجهات، قال رب المخلوقات – ﷻ –: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحجرات١٥، وقال – –: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الأنفال٢-٣، وقال – جل ثناؤه –: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ البقرة١٧٧. فمن ادعى الإيمان، فمن علامة صدقه في ذلك المقام، تحقيق تلك الأوصاف الحسان، ومن ادعى الخوف والرجاء، فلا يصدق في دعواه إلا إذا أخذ نفسه بما في هذا البحث المبارك وهكذا الأمر في سائر مقامات الدين، كالزهد والرضا، والتوكل، وحب رب العالمين، فتنبه يا أخي ولا تكن من الغافلين.

стр. 599

وصفوة الكلام يا أخا الإسلام: إن منزلة الصدق في شرع الرحمن، ميزت أهل النفاق من أهل الإيمان، وفرقت بين سكان الجنتان وأهل النيران، قال ذي الجلال والإكرام: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ الأحزاب٢٤، فالإيمان أساه الصدق، كما أن النفاق أساسه الكذب، ولا يجتمعان في قلب عبد. ثبت في مسند البزار وأبي يعلى بسند صحيح عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب (١)

стр. 600

". والصدق خير للعبد من العاجل والآجل، والخلل فيه ضرر على العبد في دار الزوال ودار القرار، أما خيرية ذلك في دار الانتقال فيشير إليها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن حكيم بن حزام – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"، قال الحافظ في الفتح: وفي الحديث أن الدنيا لا يتم حصولها إلا بالعمل الصالح، وأن شئوم المعاصي يذهب بخيري الدنيا والآخرة (١) .

стр. 601

وأما خيرية ذلك للمكلفين يوم الدين، فيشير إليها قول رب العالمين: ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المائدة١١٩، وقال – جل وعلا – في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الزمر٣٣-٣٥. فالصدق سيف الله في أرضه، ما وضع على شيء إلى قطعه، ولا واجه باطلاً إلا صرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود فساط اليقين، ودرجته تالية لدرجة "النبوة" التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قولبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين، قال بعض الصالحين: من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت، قيل: وما الفرض الدائم؟ قال: الصدق (١) .

стр. 602

ولذلك أمر الله رسوله – ﷺ – أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجهن على الصدق، فقال – جل وعلا – في سورة الإسراء: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾ الإسراء٨٠، وأخبر الله الكريم عن خليله إبراهيم – على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم – أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين، فقال في سورة الشعراء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ الشعراء٨٣-٨٤، وبشر الله عباده المؤمنين بأن لهم قدم صدق، ومقعد صدق فقال – ﷻ – في فاتحة سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ يونس١-٢، وقال – جل ثناؤه – في آخر سورة القمر ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ القمر٥٤-٥٥ (١) .

стр. 603

هذه هي منزلة الصدق، وتلكم هي أقسامه العظام، وهيهات ثم هيهات أن توجد على وجه التمام والكمال في إنسان، فكل واحد منا إن لم يكن متحقق النفاق، فيحتمل كونه من أهله باتفاق، وإذا تردد حالنا بين ذينك الأمرين، فينبغي أن يعظم خوفنا من رب الكونين، والناظر في حياة سلفنا الصالح يرى تحقق ذلك فيهم رأى العين، ففي أصح الكتب الصنفة عقد الإمام البخاري – عليه رحمة الملك الباري – رباب في كتاب الإيمان، يشير إلى شدة خوف سلفنا الكرام، فقال – عليه رحمة ربنا الرحمن –: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي – ﷺ – كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق، وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران١٣٥.

стр. 604

وشرح الحافظ ابن حجر – عليه رحمة الله تعالى – تلك النقول في صفحتين كبيرتين، وخلاصتهما قوله: وقال إبراهيم التيمي وهو من فقهاء التابعين وعبادهم، وقوله: مكذوباً يروى بفتح الذال، يعني: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفاً لقولي، فيقول: لو كنت صادقاً ما فعلت خلاف ما تقول وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس، ويروى بكسر الذال، وهي رواية الأكثر، ومعناه: أنه مع وعظه الناس لم يبلغ غاية العمل، وقد ذم الله – – من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، وقصر في العمل فقال – جل وعلا –: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ الصف٣، فخشي أن يكون مكذباً، أي: مشابهاً للمكذبين، وهذا التعليق وصله المصنف في تاريخه عن أبي نعيم، وأحمد بن حنبل في الزهد عن ابن مهدي كلهما عن سفيان الثوري عن أبي حبان التيمي عن إبراهيم المذكور. قوله: قال ابن أبي مليكه، هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في تاريخه، لكن أبهم العدد وكذا أخرجه محمد بن نصر المروزي مطولاً في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه من وجه آخر مختصراً كما هنا، وقد أدرك ابن أبي مليكة جماعة من أجلة الصحابة الكرام، وروى عنهم منهم أمنا عائشة، وأختها أسماء، وأمنا أم سلمة، والعباد له الأربعة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عمرو، وأبو هريرة وغيرهم – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عنهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله فيشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الروع والتقوى، وقال ابن بطال: إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من التغير ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت.

стр. 605

قوله: ويذكر عن الحسن، هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق له من طرق متعددة بألفاظ مختلفة، وقد يستشكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل الحافظ العراقي – رحمه الله تعالى – وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض يضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى، أو اختصره أتى بها أيضاً ـ لما علم من الخلاف في ذلك، فهنا كذلك، وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه، فقال الإمام النووي: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق"، يعني: الله – ، وكذا شرحه جماعة، وهذا الكلام وإن كان صحيحاً لكنه خلاف مراد المصنف، وخلاف مراد من نقله عنه، والذي أوقعهم في هذا هو الاختصار، وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق فلنذكره، روى الفريابي عن المعلى بن زياد قال: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق، وروى الإمام أحمد في كتاب الإيمان عن الحسن قال: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق، وما أمنه إلا منافق.

стр. 606

قوله: وما يحذر، وهو بضم أوله، وتشديد الذال المعجمة، ويورى بتخفيفها، وما مصدرية، والجملة في محل جر لأنها معطوفة على خوف، أي باب ما يحذر، وفصل بين الترجمتين بالآثار لتعليقها بالأولى فقط، ومفهوم الآية التي ذكرها: مدح من استغفر لذنبه ولم يصر، وذم من لم يفعل ذلك ومن أصر على نفاق المعصية خشي عليه أن يفضي به إلى نفاق الكفر، وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – المخرج عند أحمد مرفوعاً قال: ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون، أي: يعلمون أن من تاب تاب الله عليه، ثم لا يستغفرون، قاله مجاهد وغيره، وللترمذي عن أبي بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه – مرفوعاً: "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" إسناد كل منهما حسن (١) .

стр. 607

وقد بلغ من شدة خوف سلفنا الطيبين من أخلاق المنافقين، أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يسأل حذيفة بن اليمان – عليهم رضوان ربنا الرحمن – هل سماه رسول الله – ﷺ – من جملة المنافين، حسبا عهد إليه بسره في هذا الأمر العظيم، فيجيبه حذيفة – رضي الله تعالى عنهما –: لا، ولا أوءمن منها أحداً بعدك (١) . وقد تكرر ذلك منه، فدخل على أمنا أم سلمة – رضي الله تعالى عنها – فقال لها: بالله منهم أنا؟ فقالت: لا، ولا أبريء أحداً بعدك (٢) .

стр. 608

وثبت في صحيح البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: كنا في حلقة عبد الله بن مسعود فجاء حذيفة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – حتى قام علينا، فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله، إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ النساء١٤٥، فتبسم عبد الله بن مسعود، وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله بن مسعود، فتفرق أصحابه، فرماني بالحصاة فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكة، وقد عرف ما قلت لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيراً منكم ثم تابوا، فتاب الله عليهم (١) . ولما قيل للحسن البصري – عليه رحمة الله تعالى –: إن أقواماً يقولون: إنا لا نخاف النفاق، قال: والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إليّ من تلاع الأرض ذهباً، ولما قيل له: يقولون: إن لا نفاق اليوم، قال: لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق، ولو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ الأرض بأقدامنا (٢) .

стр. 609

فإذا تأمل المسلم ذلك، وخاصة طالب العلم انخلع قلبه، وطار لبه، فنحن ندعي الإيمان، بل ونصف للناس الإسلام، وعندنا تفريط في العمل بشريعة رب الأنام، وتلك صفة المنافقين اللئام، كما قال حذيفة بن اليمان – عليهما رضوان رب الأنام –: المنافق الذي يصف الإسلام ولا يعمل به (١) ، وفي المسند بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – أن رسول الله – ﷺ – قال: "أكثر منافقي أمتي قراؤها (٢)

стр. 610

" وبأولئك المنافقين، يؤيد الله الدين وليس لهم خلاق عند رب العالمين، كما ثبت في الصحيحين عن رسولنا الكريم – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم –: "إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" وفي المسند: "إن الله – سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم (١)

стр. 611

". واعلم أخا الإسلام أن النفاق نفاقان، أحدهما مخرج من ملة الإسلام، وملحق صاحبه في أسفل دركات النيران، ومحل هذا النفاق الجنان، حيث يظهر صاحبه الإيمان، ويبطن الكفران، ويدخل في هذا كل ما يستلزم ذلك من أوصاف أهل الخسران المنافية لأصل الإيمان، كأن لا يرى وجوب تصديق الرسول – ﷺ – فيما أخبر، ولا وجوب طاعته فيما أمر، ولا وجوب الانتهاء عما عنه زجر، أو يحصل له المسرة بانخفاض الدين، وظهور المشركين، أو يظهر منه المساءة بعلو الدين، واندحار الكافرين، ونحو ذلك من صفات الملاعين، التي لا يكون صاحبها إلا عدواً لرب العالمين، ولرسوله الهادي الأمين – عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم –، وهذا هو النفاق المحض ويقال له: النفاق الأكبر.

стр. 612

وأما النفاق الثاني فمحله الأعمال (١) ، كأن يطلب العلم لغير وجه ربنا ذي الجلال، كما هو حال المرائين، أو يطلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، كما ابتلي بالأول كثير من المتكلمين، وبالثاني كثر من المتصوفين، فكل من الفريقين يعتقد وجوب تصديق الرسول – ﷺ – فيما قال وأخير، وطاعته بما طلب وأمر لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك، بل يسلكون مسلكاً آخر، إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجد، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول – ﷺ – وإما أن يعرضوا عنه، وإما أن يردوه إلى ما سلكوه، فانظر نفاق هذين الصنفين مع اعترافهم باطناً وظاهراً بأن محمداً – ﷺ – أكمل الخلق وأفضلهم، وهو رسول الله إليهم وأعلمهم، ويدخل في هذا النوع الإعراض عن الجهاد، والكذب في الحديث، والخلف في الوعد، والتلبس بالخيانة، والفجور عند المخاصمة، فكل هذا من خصال أهل النفاق ويقال له: النفاق الأصغر عند أهل السنة باتفاق.

стр. 613

والنفاق الأول، وهو النفاق الأكبر يوجب سوء الخاتمة قطعاً، ويفضي إلى أسفل دركات جهنم حقاً وصدقاً، والنفاق الثاني يؤدي إلى سوء الخاتمة أيضاً، فإن استحكمت في المكلف تلك الصفات الخبيثات فقد يتزعزع إيمانه عند الممات، فيلقى الله بالكفر وهو أشنع السيئات، وإذا كان فيه شيء من تلك الصفات الرديات، ولم تستحكم فيه كل البليات، فقد تعرض له عند السكرات، فيميل إليها لتعلقه بالقاذورات، فتفارقه روحه في تلك اللحظات، وهو وإن لم ينتزع منه الإيمان، فقد لقي ربه بالعصيان، وأمره مفوض إلى الرحمن، إن شاء عامله بالفضل والامتنان، وإن شاء عذبه بالنيران ثم نقله إلى دار الجنان، فهو الحكيم العليم، ذو الجلال والإكرام (١) .

стр. 614

وإذا كنا نرى سلامة أنفسنا من النفاق الأول، ونحن منه سالمون بعون الله العظيم، فإن النفاق الثاني لي فيه درجة الراسخين، وإذا كان سلفنا الأبرار قد اتهموا أنفسهم بالنفاق تواضعاً من نفوسهم الكريمة وإجلالاً لربنا ذي الصفات العظيمة (١) ،

стр. 615

فحالي يختلف تماماً عن حالهم، فما أخبر إلا بما أنه فيّ محقق، ومنه وجل، والله الكريم، أسأل أن يتوب عليّ وعلى إخواني وأخواتي من المسلمين والمسلمات، وأن يتكرم علينا بتثبيت الإيمان في قلوبنا عند الممات، وأن يدخل عظيم جرمنا في عظيم عفوه، إنه واسع المغفرة كثير الرحمات. وختاماً للكلام على النفاق، المؤدي لسوء خاتمة المكلف عند الفراق، وخذلانه يوم التلاق، أدعو بما دعا به سيد الخلق على الإطلاق – ﷺ – فعسى ربنا الكريم الخلاق، يحفظنا من البلاء والشقاق، ويجعلنا من أهل الخير، إنه سميع الدعاء، ثبت في المستدرك بإسناد صحيح عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان رسول الله – ﷺ – يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل، والهرم والقسوة، والغفلة والعيلة والذلة والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر والكفر، والفسوق والشقاق، والنفاق والسمعة والرياء، وأعوذ بك من الصمم والبكم، والجنون والجزام، والبرص وسيء الأسقام (١) .

стр. 616

البلية الثانية من السبب الثاني لسوء الخاتمة تلبس المكلف بالبدعة: ... وحد البدعة عند أهل الإيمان: كل محدث في دين الإسلام، عن طريق الزيادة أو النقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، وهي قسمان: القسم الأول: ... مكفرة لصاحبها الخلود بالنيران، وضابطها: إنكار ما هو متواتر من شرع الإسلام، ومعلوم من الدين بالضرورة عند كل من ينتمي إلى الإيمان، كما هو الحال في بدعة زنادقة الصوفية وبدعة الغلاة من القدرية الغوية، وأصحاب هذا النوع من البدعة يعاملون في الدنيا معاملة الكفار، ولهم في الآخرة جهنم وبئس القرار. القسم الثاني:

стр. 617

.. بدعة مفسقة، وهي: كل بدعة ليست مكفرة، وهي دركات، وشرها ما كان متعلقاً بالاعتقادات، كبدعة المعتزلة والخوارج، والمنحرفين عن الصوفية الذين لم يصلوا إلى دركة الزنديقية، وصاحب هذه البدعة يعتبر في الدنيا من أهل الإسلام، ويعزز بما يردعه عن الزيغ والطغيان، وأما في الآخرة فيستحق العذاب الشديد، دون أن يحكم عليه بالتخليد، إذا لقي الله بالتوحيد، وتعتبر بدعته من أخبث الذنوب، ويزيد جرمها على الكبائر من المعاصي عند علام الغيوب، وقد تقدم عند بيان طرق الشياطين في إغواء المكلفين، أن الشيطان يقدم إيقاع الناس بالبدعة على إيقاعهم بالكبيرة، ولا يقدم شيئاً على إيقاعهم بالبدعة إلا الشرك، والسبب في ذلك أن المبتدع مع مضادته لشرع الرحمن، ومحادته لرب الأنام، ومشاقته لخاتم الرسل الكرام – عليه وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى السلام – يرى نفسه أنه من أهل الإحسان، وأنه سيدخل الجنة بسلام، ولذلك فهو يزدري أهل السنة الكرام، وهذا خسران ما بعده خسران، وهيهات هيهات أن يوفق للإقلاع عما هو عليه من التزوير والخداع والبهتان، والرجوع إلى جادة الإسلام، كما قال الإمام سفيان الثوري – عليه رحمة ربنا الرحمن –: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: ومعنى قوله: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله – جل وعلا – ولا رسوله – ﷺ – قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، فهو لا يتوب ما دام يراه حسناً لأن أول التوبة العلم بأن فعله شيء ليتوب منه، أو بأنه ترك حسناً مأموراً به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسناً، وهو سيء في نفس الأمر فإنه لا يتوب (١) .

стр. 618

.. قال مقيد هذه الصفات – غفر الله له السيئات –: ولتلك الاعتبارات، خشي علينا خير البريات – عليه صلوات وسلام رب الأرض والسموات – الوقوع في البدع المهلكات، وحذرنا من تلك الضلالات وأمرنا بالتمسك بسننه الثابتات الواضحات، حسبما سار عليه سلفنا الأبرار أهل العقول الزاكيات، ثبت في كتب الحديث الشريفات عن العرباض بن سارية – رضي الله تعالى عنه – قال: صلى بنا رسول الله – ﷺ – ذات يوم – صلاة الفداة – ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله – ﷺ – كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١) .

стр. 619

.. وقد كان لرأفته ورحمته بأمته – عليه صلوات الله وسلامه – يحذر أمته من الابتداع عند آكد لقاء، وأوجب اجتماع، ألا وهو شهود صلاة الجمعة ثبت في صحيح مسلم وغيره عن جابر بن عبد الله – رضي الله تعالى عنهما – قال: كان رسول الله – ﷺ – إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: "صبحكم ومساكم" ويقول: "بعثت أنا والساعة كهاتين" ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: "فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ثم يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، ومن ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ (١) ". ... وتقدم في أوائل هذا الكتاب المبارك حديث أمنا عائشة – رضي الله تعالى عنها – عن نبينا – ﷺ –: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد (٢) ".

стр. 620

.. وقد تتابع سلفنا الصالح على التحذير من البدعة، والتواصي بالابتعاد عنها فقال عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: اتبعوا ولا تبتدعوا، وقال رجل لابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أوصني، فقال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع، وقال حذيفة بن اليمان – رضي الله تعالى عنهما –: يا معشر القراء، استقيموا فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً (١) .

стр. 621

.. واعلم أخا الإسلام أن الأمور تغيرت بعد موت نبينا – ﵊ – وكلما امتد الزمان زادت البلايا والفتن وعظم الامتحان، وفي صحيح البخاري عن نبينا – ﵊ –: "لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده، شر منه" وتقدم عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – موقوفاً عليه: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير، ولكن علماءكم وخياركم وفقهاءكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفاً، وتجيء أقوام يقيمون الأمر برأيهم (١) .

стр. 622

.. وفي معجم الطبراني الكبير بسند صحيح عن خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – لامرأته: اليوم خير من أمس؟ فقالت: لا أدري، فقال: لكني أدري، أمس خير من اليوم واليوم خير من غد، وكذلك حتى تقوم الساعة، وفيه أيضاً عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قال: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، أو أماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن (١) .

стр. 623

.. وقد شعر الصحابة الأبرار، بما شعروا به بعد موت نبينا المختار – عليه صلوات وسلام ربنا العزيز الغفار – ففي المسند وسنن الترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله – ﷺ – المدينة أضاء فيها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه، أظلم منها كل شيء، وما نفضنا الأيدي عن النبي – ﷺ – حتى أنكرنا قلوبنا" وفي لفظ للمسند: "وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا"، وفي لفظ الترمذي: "وما نفضنا الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" وفي مسند البزار بسند جيد عن أبي سعيد الخدري – رضي الله تعالى عنه – قال: "وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" ويزيد أنس وأبو سعيد – رضي الله تعالى عنهما – بقولهما ذلك، أن القلوب تغيرت عما عهدوه في حياته – ﷺ – من الألفة والشفاء والرقة، لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأديب – عليه صلوات الله وسلامه (١)

стр. 624

–. ولما رأي الصحابة الأطهار – رضي الله تعالى عنهم – ما ابتدعه بعض الأشرار، أنكروه غاية الإنكار، غضباً لله الواحد القهار، وتأثروا بسبب ذلك تأثراً يذيب الجبال الكبار، ثبت في صحيح البخاري عن الزهري قال: دخلت على أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – بدمشق، وهو يبكي، فقلت ما يبكيك؟، فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت (١) .

стр. 625

وتكرر هذا النكير من الصحابة الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – ففي المسند عن أم الدرداء – رضي الله تعالى عنها – قالت: دخل علي أبو الدرداء – رضي الله تعالى عنهما – وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد – ﷺ – شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً. وتكرر أيضاً من كبار التابعين – عليهم رحمة رب العالمين – ففي الموطأ عن مالك بن أبي عامر الأصبحي قال: ما أعرف شيئاً مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة (١) .

стр. 626

وإذا كان الحال في العصر الأول جرى فيه ما جرى، فكيف الحال بالعصور بعده، لقد تغير بلا شك كل شيء، وعبد الناس أنفسهم، واتبعوا أهواءهم وتحاكموا إلى الأعراف والتقاليد وعكفوا حول الشيطان المريد، ونبذوا وراءهم ظهرياً شرع الرب المجيد، إلا قلة يسيرة من ذوي الرشد السديد جعلنا الله منهم بمنه وكرمه فهو الفعال لما يريد، قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله تعالى –: وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف، واجتنب ما أحدثه الخلف ١٠هـ ورحمة الله على السيد قطب إذ يقول في كتابه العظيم: "معالم في الطريق": إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية، وهي الحاكمية، إنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة إدعاء حق وضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله – جل وعلا – للحياة، وفيما لم يأذن به الله – – نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية، تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم، وتقاليدهم موارد ثقافاتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيراً إسلامياً، وهو كذلك، من صنع هذا الجاهلية (١) .

стр. 627

وإذا كان ذلك هو حال البدعة، فلا ينجو منها إلا من كان كامل اليقظة، يحتكم إلى السنة في كل سكنة وحركة، وهيهات أن يتم ذلك لأحد منا، وبالتالي فلا نعلم بم سيختم لنا، ونسأل الله الكريم أن يثبتنا، فهو أرحم بنا من أنفسنا. أما البدع المكفرة فسيختم لصاحبها بأعظم الحسرة، لأنه ليس من المسلمين وسيلقى جزاءه عند رب العالمين، هذا ابن الفارض الذي كان ينعق في شعره باتحاد الخالق بمخلوقاته، لما احتضر ورأى حقائق الأمور، استبان له أنه كان في دعواه دجال مغرور، وله جزاء ذلك الويل والثبور، فقال وهو الملوم المحسور: إنْ كان منْزلتي في الحبِّ عِندكمُجج ... ما قد لَقيتُ فقد ضَيّعْتُ أيامي أمْنية ٌ ظفِرتْ نفسي بها زمنا ... واليومَ أحْسبها أضغاثُ أحْلاميج

стр. 628

قال أبو حبان – عليه رحمة ربنا الرحمن –: ومن بعض اعتقادات النصارى استنبط من تستر بالإسلام ظاهراً وانتمى إلى الصوفية حلول الله في الصور الجميلة، ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة، وعدد أبو حبان طائفة من أعيانهم منهم ابن عربي، وابن الفارض ثم قال: وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله – – يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين ولحذروا فهم شر من الفلاسفة الذين يكذبون الله – ﵎ – ورسله – عليهم الصلاة والسلام – ويقولون بقدم العالم، وينكرون البعث، وقد أولع جهلة ممن ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء، وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياءه (١) .

стр. 629

أما البدعة المفسقة، فحال صاحبها متردد بين الختم له بالكفران، أو بالفسوق والعصيان، إذا لم يتكرم عليه ربنا الرحمن، بالتثبيت في ذلك الأوان، ويكون حاله كحال من اتصف بالنفاق الأصغر، كما تقدم في البلية الأولى من السبب الثاني، وذلك لأن صاحب البدعة المفسقة لا يقل دركة عن اتصاف المكلف بالنفاق، بل إن خطر البدعة أشنع باتفاق، لأن حال المبتدع بشير إلى أن الشريعة غير تامة ولا كاملة، وهو يستدرك عليها ببدعته، وهذا أسوأ أنواع الكذب، ولذلك قال الإمام مالك – رحمه الله تعالى –: وأي فتنة أعظم من أن ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله ورسوله – ﷺ (١) – وقد توعد الله العظيم كل مفتر بالذلة والغضب فقال – جل وعلا –: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الأعراف١٥٢، قال الإمام مالك – عليه رحمة الله تعالى –: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة، وقرأ هذه الآية، وقال سفيان بن عيينة – عليه رحمة الله تعالى –: ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه، قال: وهي في كتاب الله – –.

стр. 630

قالوا: وأين هي؟ قال: أوما سمعتم قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا"؟ قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجل خاصة، قال: لا اتلوا ما بعدها: " وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ " فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة (١) . نسأل رب الأرض والسموات، أن يحفظنا من المخالفات، وأن يجعلنا من أهل الموافقات، المتبعين لشرعه في الحركات والسكنات، لنحظى بحسن الخاتمة عند الممات، إنه سميع قريب مجيب الدعوات. البلية الثالثة من السبب الثاني لسوء الخاتمة: التعلق بالدنيا

стр. 631

.. وهذه البلية من المهلكات، وقل من سلم منها من المكلفين والمكلفات، والنفس إذا تعلقت بشيء كرهت مفارقته، والخروج عنه، ومن أجل ذلك كره الناس القدوم على ربهم، لأنهم عمروا دنياهم، واستأنسوا بها، روى الدارمي في سننه، وأبو نعيم في حليته، أن الخليفة سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة المنورة وهو يريد مكة المكرمة، فأقام بها أياماً، فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحداً من أصحاب النبي – ﷺ –؟ فقالوا له: أبا حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني، قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك، فالتفت سليمان إلى محمد بن شهاب الزهري، فقال: أصاب الشيخ، وأخطأت، قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال أبو حازم: لأنكم أخربتم الآخرة، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.

стр. 632

.. قال سليمان: أصبت يا أبا حازم، فكيف القدوم غداً على الله – –؟ قال أبو حازم: أما المحسن فالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شعري مالنا عند الله – جل وعلا –؟ قال أبو حازم: أعرض عملك على كتاب الله – – قال سليمان: وأي مكان أجده؟ قال أبو الحازم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ الانفطار١٣-١٤، فقال سليمان: فأين رحمة الله – جل وعلا –؟ قال أبو حازم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف٥٦ (١) .

стр. 633

.. وقد شوهد من أحوال المتعلقين بالدنيا عند الاحتضار، ما يدعو العاقل للزهادة في هذه الدار، وتعليق الهمة بدار القرار، قال الغزالي في الإحياء – عليه رحمة رب الأرض والسماء –: إن المرء يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة، فيقول: خمسة ستة أربعة، فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له قبل الموت (١) . وقد حدثني بعض الصالحين أنه حضر موت جار له، فلقنه كلمة التوحيد، فأجابه بقوله: القفل بليرتين، القفل بليرتين، ثم خرجت روحه، ومثل هذا كثير كثير، فنسأل الله الثبات عند الممات. ... واعلم أن صاحب التعلق بالدنيا إذا وصل تعلقه بها إلى درجة العبودية الخالصة لها بحيث جعلها غايته الأولى، ولم يأخذ من دين الله – جل وعلا – إلا بما لا يتعارض معها، فهو في صف الكافرين، وإن زعم أنه من المؤمنين، وسيختم له بما يسود وجهه عند رب العالمين، ويصليه العذاب الأليم، كما قال ربنا العظيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ محمد١٢.

стр. 634

.. وأما إذا لم يصل المتعلق بالدنيا إلى تلك الدركة، بل اقتصر تعلقه بها على حرصه عليها وفرحه بإقبالها، وحزنه على إدبارها، فمال إليها وعمرها، وأنس بزهرتها وزينتها، ولم يكن حاله فيها كحال المسافر الذي يعبر ولا يعمر، والناس يتفاوتون في نسبة ذلك التعلق ما بين مقل ومكثر وما بين ذلك من المراتب المتفاوتات، التي لا يحيط بها إلا رب الأرض والسموات، ويخشى على صاحب هذا التعلق من سوء الخاتمة، بمقدار ركونه إلى هذه الدنيا الفانية، وهو وإن لم يختم له بمثل حال من جعل الدنيا إلهه، فإن روحه قد تفيض وهو مشغول البال بهذه الدنيا الدنية، فيلقى رب البرية على تلم الحالة الردية.

стр. 635

واعلم أخا الإسلام أن نبينا – ﵊ – كان أزهد الناس في هذا الحطام، وما ركن إلى الدنيا ساعة من الزمان، ثبت في المسند وصحيح ابن حبان والمستدرك بسند صحيح عن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنه – أنه قال للناس وهو على المنبر: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم، أما هو فأزهد الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغب الناس فيها، وقال أيضاً – رضي الله تعالى عنه –: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله – ﷺ – يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله – ﷺ – يزهد فيها، والله ما أتت على رسول الله – ﷺ – ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر مما له، فقال بعض أصحاب رسول الله – ﷺ – قد رأينا رسول الله – ﷺ – يستسلف (١) .
следующие страницы →