.. وهذه البلية من المهلكات، وقل من سلم منها من المكلفين والمكلفات، والنفس إذا تعلقت بشيء كرهت مفارقته، والخروج عنه، ومن أجل ذلك كره الناس القدوم على ربهم، لأنهم عمروا دنياهم، واستأنسوا بها، روى الدارمي في سننه، وأبو نعيم في حليته، أن الخليفة سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة المنورة وهو يريد مكة المكرمة، فأقام بها أياماً، فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحداً من أصحاب النبي – ﷺ –؟ فقالوا له: أبا حازم، فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأي جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني، قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك، فالتفت سليمان إلى محمد بن شهاب الزهري، فقال: أصاب الشيخ، وأخطأت، قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال أبو حازم: لأنكم أخربتم الآخرة، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
стр. 632
.. قال سليمان: أصبت يا أبا حازم، فكيف القدوم غداً على الله – –؟ قال أبو حازم: أما المحسن فالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فبكى سليمان وقال: ليت شعري مالنا عند الله – جل وعلا –؟ قال أبو حازم: أعرض عملك على كتاب الله – – قال سليمان: وأي مكان أجده؟ قال أبو الحازم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ الانفطار١٣-١٤، فقال سليمان: فأين رحمة الله – جل وعلا –؟ قال أبو حازم: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الأعراف٥٦ (١) .
стр. 633
.. وقد شوهد من أحوال المتعلقين بالدنيا عند الاحتضار، ما يدعو العاقل للزهادة في هذه الدار، وتعليق الهمة بدار القرار، قال الغزالي في الإحياء – عليه رحمة رب الأرض والسماء –: إن المرء يموت على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، ولذلك نقل عن بقال أنه كان يلقن عند الموت كلمتي الشهادة، فيقول: خمسة ستة أربعة، فكان مشغول النفس بالحساب الذي طال إلفه له قبل الموت (١) . وقد حدثني بعض الصالحين أنه حضر موت جار له، فلقنه كلمة التوحيد، فأجابه بقوله: القفل بليرتين، القفل بليرتين، ثم خرجت روحه، ومثل هذا كثير كثير، فنسأل الله الثبات عند الممات.
... واعلم أن صاحب التعلق بالدنيا إذا وصل تعلقه بها إلى درجة العبودية الخالصة لها بحيث جعلها غايته الأولى، ولم يأخذ من دين الله – جل وعلا – إلا بما لا يتعارض معها، فهو في صف الكافرين، وإن زعم أنه من المؤمنين، وسيختم له بما يسود وجهه عند رب العالمين، ويصليه العذاب الأليم، كما قال ربنا العظيم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ محمد١٢.
стр. 634
.. وأما إذا لم يصل المتعلق بالدنيا إلى تلك الدركة، بل اقتصر تعلقه بها على حرصه عليها وفرحه بإقبالها، وحزنه على إدبارها، فمال إليها وعمرها، وأنس بزهرتها وزينتها، ولم يكن حاله فيها كحال المسافر الذي يعبر ولا يعمر، والناس يتفاوتون في نسبة ذلك التعلق ما بين مقل ومكثر وما بين ذلك من المراتب المتفاوتات، التي لا يحيط بها إلا رب الأرض والسموات، ويخشى على صاحب هذا التعلق من سوء الخاتمة، بمقدار ركونه إلى هذه الدنيا الفانية، وهو وإن لم يختم له بمثل حال من جعل الدنيا إلهه، فإن روحه قد تفيض وهو مشغول البال بهذه الدنيا الدنية، فيلقى رب البرية على تلم الحالة الردية.
стр. 635
واعلم أخا الإسلام أن نبينا – ﵊ – كان أزهد الناس في هذا الحطام، وما ركن إلى الدنيا ساعة من الزمان، ثبت في المسند وصحيح ابن حبان والمستدرك بسند صحيح عن عمرو بن العاص – رضي الله تعالى عنه – أنه قال للناس وهو على المنبر: ما أبعد هديكم من هدي نبيكم، أما هو فأزهد الناس في الدنيا، وأما أنتم فأرغب الناس فيها، وقال أيضاً – رضي الله تعالى عنه –: لقد أصبحتم وأمسيتم ترغبون فيما كان رسول الله – ﷺ – يزهد فيه، أصبحتم ترغبون في الدنيا، وكان رسول الله – ﷺ – يزهد فيها، والله ما أتت على رسول الله – ﷺ – ليلة من دهره إلا كان الذي عليه أكثر مما له، فقال بعض أصحاب رسول الله – ﷺ – قد رأينا رسول الله – ﷺ – يستسلف (١) .
стр. 636
.. وقد كان فداه أبي وأمي وعليه صلوات الله وسلامه – يرد نعيم الدنيا عندما يعرض عليه من قبل أصحابه الأبرار، ويخبر عن حاله في هذه الدار، بما يبين أنه في سفر وارتحال، فليست الدنيا بدار قرار، ومالها عنده أي مقدار ولا اعتبار، روى الأئمة الكرام: أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم – عليهم رحمة الله تعالى –: بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنه – قال: نام رسول الله – ﷺ – على حصير، فقام وقد أثر في جبينه فقلنا يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاء، فقال: "مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها"، هذا لفظ الترمذي، ورواية ابن ماجه بنحوه، ورواه الطبراني بلفظ: "دخلت على النبي – ﷺ – وهو في غرفة كأنها بيت حمام – أي: لما فيها من الحر والكرب – وهو نائم على حصير قد أثر بجنبه، فبكيت فقال – ﷺ –: "ما يبكيك يا عبد الله؟ قلت: يا رسول الله، كسرى وقيصر يطؤون على الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير، قد أثر بجنبك؟ قال – ﷺ –: "فلا تبك يا عبد الله، فإن لهم الدنيا ولنا الآخرة، وما أنا والدنيا وما مثلي ومثل الدنيا إلا كمثل راكب نزل تحت شجرة ثم سار وتركها (١)
стр. 637
".
وقد تكرر ذلك منه – فداه نفسي وعليه صلوات الله وسلامه ربي – مع عدة من الصحابة الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – ففي المسند والمستدرك وصحيح ابن حبان وغير ذلك من دواوين الإسلام بسند صحيح عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله – ﷺ – دخل عليه عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا نبي الله، لو اتخذت لك فراشاً أوثر من هذا؟ فقال رسول الله – ﷺ –: "مالي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها (١) ".
стр. 638
وفي سنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنهم – قال: دخلت على رسول الله وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزار، وليس عليه غيره، وإذا قد أثر الحصير في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية الغرفة – والقرظ: شيء يدبغ به الجلد – وإذا إهاب معلق – والإهاب: الجلد غير المدبوغ فابتدرت عيناي، فقال: ﷺ –: "ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ " فقلت: يا نبي الله، ومالي لا أبكي؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذلك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته، وهذه خزانتك، قال – ﷺ –: يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ قلت: بلى (١)
стр. 639
".
وتلك المعاني الجليلة، كان يغرسها نبينا – ﷺ – في صدور أصحابه ذوي المراتب النبيلة – رضي الله تعالى عنهم – وكانوا أشد الوجل، إذا لم يقوموا بها على الوجه الأكمل، وكان يظهر عليهم عند اقتراب الأجل، ما فيه عبرة لمن عقل، روى ابن ماجه وغيره بسند رجاله ثقات عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنهما – قال: اشتكي سلمان الفارسي فعاده سعد بن أبي وقاص – رضي الله تعالى عنهما – فرآه يبكي، فقال له سعيد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله – ﷺ –؟ أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي ضناً للدنيا، وكراهية للآخرة، ولكن رسول الله – ﷺ – عهد إليّ عهداً فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إليّ أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد فاتق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إلا قسمت، وعند همك إذا هممت.
стр. 640
ولا تظن أخي المبارك أن سلمان الفارسي – رضي الله تعالى عنه – تعلقت همته بالدنيا، وتعدى حدود الشرع المطهر، فهو من الزهاد، والعباد، الذين يعدون العدة ليوم التناد، فما قال ما قال إلا تواضعاً لذي العزة والجلال، ورهبة من الكبير المتعال، وكل ما تركه – ﵀ ورضي عنه – بضعة وعشرين درهماً، وأمتعة قومت بأربعة عشر أو خمسة عشر درهماً، هذا وهو أمير المدائن وتحت إمرته زهاء ثلاثين ألفاً من المسلمين، وعطاؤه خمسة آلاف درهم، وما انتفع منه بدرهم في مصالحه العاجلة، إنما كان ينفقه كله طلباً لرضوان الله في الحياة الآجلة، ويعيش من عمل يده (١) .
стр. 641
وقد تكرر من الصحابة مثل موقف سلمان – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – ففي معجم الطبراني ومسند أبي يعلى عن يحيى بن جعدة قال: عاد خباباً ناس من أصحاب رسول الله – ﷺ – فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله ترد على محمد – ﷺ – فقال: فكيف بهذا وأشار إلى البيت وأسفله، وقد قال رسول الله – ﷺ –: "إنما يكفي أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"، وفي طبقات ابن سعد والحلية عن طارق بن شهاب قال: عاد خباباً نفر من أصحاب رسول الله – ﷺ – فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله، إخوانك تقدم عليهم غداً، فبكى، وقال: أما إنه ليس بي جزع، ولكنكم ذكرتموني أقواماً وسميتم لي إخواناً، وإن أولئك قد مضوا بأجورهم كما هي وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم، وفي الحلية أيضاً عن شقيق بن سلمة، قال: دخلنا على خباب بن الأرت في مرضه، فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط، ولا منعتها من سائل، ثم بكى، فقلنا: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئاً، وإنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعاً إلا التراب، ولوددت أنها كذا وكذا، بعراً أو غيره (١) .
стр. 642
وورد في الصحيحين وغيرهما عن أبي وائل، قال: عدنا خباباً فقال: هاجرنا مع النبي – ﷺ – نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله تعالى، فمنا من مضى ولم يأخذ من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، وترك نمرة، فإذا غطينا رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا النبي – ﷺ – أن نغطي رأسه، ونجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها (١) ".
стр. 643
وما خشيه سلمان وخباب خشيه كل من امتدت حياته من الصحابة – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – بعد موت نبينا – ﷺ – روى البخاري في صحيحه عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف – رضي الله تعالى عنهم – أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام – وكان صائماً – فقال: قتل مصعب بن عمير – وهو خير مني – كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه وأراه قال: وقتل حمزة – وهو خير مني – ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط – أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (١) .
стр. 644
وهكذا كان حال صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه – مع أنه لم ينل من الدنيا شيئاً، ولم يتغير حاله في معيشته عن حاله السابق في عهد نبينا – ﷺ – وحياته، وروى البزار عن زيد بن أرقم قال: كنا مع أبي بكر الصديق – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فاستسقى، فأتى بماء وعسل، فلما وضعه على يده بكى وانتحب حتى ظننا به شيئاً، ولا نسأله عن شيء فلما فرغ، قلنا: يا خليفة رسول الله – ﷺ –، ما حملك على هذا البكاء؟ قال بينما أنا مع رسول الله – ﷺ – إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئاً، ولا أرى شيئاً، فقلت: يا رسول الله، ما الذي أراك تدفع ولا أرى شيئاً؟ فقال: "الدنيا تطولت لي، فقلت: إليك عني، فقالت: أما إنك لست بمدركي" قال أبو بكر – رضي الله تعالى عنه –: فشق عليّ، وخشيت أن أكون خالفت أمر رسول الله – ﷺ – ولحقتني الدنيا، ورواه الحاكم في المستدرك عن زيد بن أرقم أيضاً بلفظ: كنا مع أبي بكر الصديق – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فدعا بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه بكى وبكى حتى أبكى أصحابه، فسكتوا وما سكت، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته، قال: ثم مسح عينيه، فقالوا: يا خليفة رسول الله – ﷺ – ما أبكاك؟ قال: كنت مع رسول الله – ﷺ – فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً، ولم أر معه أحداً، فقلت: يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثلت لي، فقلت لها: إليك عني، ثم رجعت فقالت: إن أفلت مني فلن ينفلت مني من بعدك (١)
стр. 645
".
فتأمل يا عبد الله تلك الأخبار عن سلفنا الأبرار، وانظر كيف اشتد وجلهم مما أصابوه من الدنيا عن طريق الحلال، واشتد خوفهم عند فراق هذه الدار، لا حزناً عليها ولا زهداً في مقابلها، ولكن خشية عدم الالتزام بالمسلك الأقوم الذي كان عليه نبينا – ﷺ – مع أنهم – رضي الله تعالى عنهم – لم يشدوا خيطاً على ما أتاهم من مال، ولم يمنعوه من تعرض لهم بالسؤال وبذلوه في الخيرات آناء الليل وأطراف النهار، فكيف بنا وقد ركنا إلى الدنيا، فلم نقنع منها بالقليل ولم نشبع من الكثير، وقد حذرنا رسولنا الجليل – ﷺ – من هذا المسلك الحقير؟ نسأل الله أن يبصرنا بعواقب الأمور، وأن يوفقنا لإيثار الآخرة على دار الغرور، لنحظى بخاتمة السعادة عند انتقالنا إلى القبور، ولنفوز برضوان ربنا الغفور في دار الحبور والسرور.
стр. 646
روى الأئمة الكرام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والطبراني في معجمه، وغيرهم بسند صحيح رجاله ثقات عن أبي موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله – ﷺ – قال: "من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقي على ما يغني (١)
стр. 647
".
وقد أخبرنا نبينا – ﷺ – أن فرح المرء بالحياة العاجلة، وحرصه على جمع عروضها الزائلة، يفسد أعظم من أفساد الذباب الضارية في قطعان الغنم الغافلة ثبت في المسند وسنن الترمذي وغيرهما بإسناد صحيح عن كعب بن مالك – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه"، وفي معجم الطبراني الأوسط بسند جيد حسن عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ –: "ما ذئبان ضاريان جائعان باتا في زريبة غنم أغفلها أهلها يفترسان ويأكلان بأسرع فساداً فيها من حب المال والشرف في دين المرء المسلم (١)
стр. 648
".
وقد حقق الصحابة الكرام – رضوان الله تعالى عليهم – الزهد في متاع الدنيا وعرضها من مال ومنزلة وجاه، فعلت رتبتهم، وكانوا أفضل ممن جاء بعدهم، ولو عملوا من الصالحات الظاهرة أكثر منهم، روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه – قال: أنتم: أي: يا معشر التابعين – أكثر صلاة، وأكثر صياماً من أصحاب محمد – ﷺ –، وهم كانوا خيراً منكم قالوا: وبم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة (١) .
стр. 649
وفي كتاب الزهد للإمام ابن المبارك، وحلية الأولياء عن إبراهيم التيمي – عليهم جميعاً رحمة الله تعالى – قال: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فاتبعتموها (١) .
وما خوف من خاف ممن تقدم ذكرهم من الصحابة الطاهرين من إقبال الدنيا عليهم إلا خشية نقصان درجتهم عند رب العالمين، لأن كل من أصاب من الدنيا نعيماً نقص من درجاته عند رب العالمين، وإن كان عليه كريماً، روى ذلك ابن أبي الدنيا بسند جيد عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – ونص كلامه: لا يصيب عبد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله – جل وعلا – وإن كان عليه كريماً (٢) .
стр. 650
قال عبد الرحيم – غفر الله له ذنوبه أجمعين، ورفع من قلبه حب الدنيا والتعلق بها آمين لي وللمسلمين –: ولأثر ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – شواهد ثابتة في الشرع المطهر، واضحة المعنى ظاهرة الدلالة كوضوح الشمس في رابعة النهار، وكظهور القمر ليلة البدر، فمن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمرو – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله – ﷺ – قال: "ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم الأجر" وفي لفظ لمسلم وغيره أيضاً: "ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم (١)
стр. 651
". أسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يرفع من قلوبنا التعلق بزهرة الدنيا وزينتها لحب لقاءه، ونحظى برضاه، إنه مولانا وحسبنا ونعم الإله ربنا (١) .
مسألة جليلة:
يتعلق بالخوف من سوء الخاتمة، بالأسباب المفضية إليها أمر مهم ينبغي التنبيه عليه، وهو: الاستثناء في الإيمان، أي: قول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الرحمن ووجه تعلق هذه المسألة بخوف سوء الخاتمة، وبالأمور الموصلة إليها، أن المؤمن لا يخلو من تقصير، ولا يعلم إلى أي شيء سيصير، وكم وكم يختم لمدعي الإيمان بموجب خلوده في النيران – نسأل الله الكريم السلامة من ذلك، والنجاة من جميع المهالك، فهو الرحيم المالك – وإليك تفصيل القول في ذلك.
للناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال مشهورة، وفي الكتب مزبورة:
القول الأول:
حرم الاستثناء في الإيمان على المكلفين من البرية، طائفة من الحنفية وعدد من الفرق الزائغة الغوية، وهم: المعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والجهمية.
وحجتهم في ذلك أمران باطلان:
الأمر الأول:
تفسيرهم للإيمان بالتصديق الذي بقلب الإنسان، دون اعتبار العمل بالأركان، وزعموا أن التصديق لا تتفاوت نسبه في الإنس والجان، وعليه فلا يجوز الاستثناء في الإيمان، لأنه متحقق بالجنان، وثابت بالبرهان.
الأمر الثاني:
стр. 652
زعمهم أن من استثنى في إيمانه من المكلفين، فهو من الشاكين، وذلك كفر برب العالمين، ويوجب لصاحبه الخلود في سجين.
والأمران باطلان يا طالب العلم الهمام، فاحذر تلك الوساوس والأوهام
* أما الأول فمنقوص من وجهين:
١- قصر الإيمان على التصديق بالجنان مخالف لصريح القرآن، وللأحاديث المتواترة عن خير الأنام – ﵊ – ولما أجمع عليه سلفنا الكرام – عليهم الرحمة والرضوان – من أن الإيمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة والإذعان، وينقص بالفسوق والعصيان (١) .
стр. 653
٢- على التنزل في تفسير الإيمان بالتصديق فقط، فالقول بعدم تفاوت نسبة التصديق غلظ، لان نفس التصديق يزيد بكثرة الأدلة وتظاهرها، فالاعتقاد عقدة على القلب تارة تشتد وتقوى، وتارة تضعف وتسترخي، كحال العقدة على الخيط تماماً، يضاف إلى ذلك أن القيام بالأعمال يؤثر في نمام التصميم وزيادته، كما يؤثر سقى الماء في نماء الأشجار، ولذينك الاعتبارين كان إيمان الصديقين، أقوى من إيمان سائر المكلفين، فلا تؤثر فيهم وساوس الشياطين، بل لا تعتريهم شبهة في الدين، ولا تزال قلوبهم منشرحة بنور رب العالمين في كل حين، ولا يحصل ذلك المقام الكريم لغيرهم من المؤمنين ولا يشكك في هذا ذو عقل سليم (١) .
وإذا ذانك الوجهان – وهما ثابتان بالبرهان – فيصح الاستثناء في الإيمان، لأنه غير متحقق على وجه التمام، فاعلم هذا يا أخا الإسلام.
* وأما الأمر الثاني فمردود أيضاً:
... لأن الاستثناء في الإيمان، لا يعني شك الإنسان في ربنا الرحمن، بل ذلك اعتبارات حسان، عند سلفنا الكرام، سيأتيك بيانها بالحجة والبرهان، عند القول الثالث إن شاء ذو الجلال والإكرام.
القول الثاني:
أوجب أبو يعلى وطائفة من المحدثين الكرام الاستثناء في الإيمان، وحجتهم في ذلك بعض حجج القول الثالث، وسأنبه عليها عند بيان القول الثالث واستعراض حججه فانظرها هناك.
القول الثالث:
قول السلف الأخيار وهو مذهب أهل السنة الأبرار، أن كل من الاستثناء وعدمه جائزان باعتبار، لكن لما نبز أهل البدع الأشرار، أهل السنة الأطهار، بأنهم شكاك (٢) ولاستثنائهم في إيمانهم بالعزيز الغفار، استحب أهل السنة الكرام، الاستثناء في الإيمان، رداً على أهل الزيغ والطغيان، وإليك تفصيل قولهم بالبرهان.
أولاً:
стр. 654
.. جواز ترك الاستثناء في الإيمان برب الأرض والسماء، نظراً لدخول المكلف في الإيمان، وجريان أحكامه عليه في دار الامتحان، عندما يقر بعقيدة الحق باللسان، قال الإمام سفيان الثوري – عليه رحمة ربنا الرحمن –: نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما ندري ما نحن عند الله – – وقال أيضاً: الناس عندنا مؤمنون مسلمون في المناكحة والطلاق والأحكام فأما عند الله – جل وعلا – فلا ندري ما هم، وقال أيضاً: نحن مؤمنون، والناس عندنا مؤمنون، وهؤلاء القوم – أي: أهل البدع من المرجئة وأشباههم – يريدون منا أن نشهد أنا عند الله مؤمنون، ولم يكن هذا فعال من مضى (١) .
ثانياًَ:
... جواز الاستثناء في الإيمان برب الأرض والسماء لأربعة أشياء:
١- للشك في كمال الإيمان لا في أصله عند الإنسان، فكل مكلف لا يجزم ببلوغه في إيمانه درجة التمام، بل عنده شيء كثير من النقصان، يدل على هذا وجهان سديدان:
الوجه الأول:
... لا يتحقق كمال الإيمان إلا بالبراءة من النفاق، ولا يسلم مكلف منه باتفاق، كما تقدم تقرير ذلك، فمل عن الشقاق.
الوجه الثاني:
стр. 655
.. يشترك لكمال الإيمان، القيام بطاعة الرحمن، ولا يمكن لأي مكلف كان أن يدعي حصولها على وجه الكمال والتمام، قال ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الأنفال٢-٤، وقال – ﷻ –: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الحجرات١٥، وقال – –: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ البقرة١٧٧، فمن ادعى كمال الإيمان فعليه بتحقيق تلك الأوصاف الحسان، ليكون من المؤمنين حقاً عند الرحمن، ومن الصادقين في دعواهم بالبرهان، وقد ثبت عن نبينا – ﵊ – أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (١)
стр. 656
". فمن قام بجميع شعب الإيمان فقد صدق في دعواه الإيمان، واستحق دخول الجنان، ونيل رضوان الرحمن، ومن لا فأمره موكول لمشيئة ذي الجلال والإكرام، ولا ينبغي له أن يجزم بدعوى الإيمان، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء ربنا الرحمن، وهذا هو المنقول عن السلف الكرام، روى أبو عبيد في كتاب الإيمان عن الحسن البصري – رحمهما الله تعالى – قال: قال رجل عند عبد ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أنا مؤمن، فقال ابن مسعود: فأنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو: فقال ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ وروى عبد الرزاق في مصنفه عن شقيق – رحمهما الله تعالى – قال: كنا مع ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – في سفر، فلقي ركباً، فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون، فقال ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه –: فهلا قالوا نحن من أهل الجنة؟ قال الشيخ ابن تيمية نقلاً عن الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري – عليهما رحمة الله تعالى –: فذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه – رضي الله تعالى عنهم – وابن عيينة، وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان، فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل، وغيره من أئمة السنة – ﵏ جميعاً – الاستثناء في الإيمان، وهذا متواتر عنهم وصرحوا بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه (١) .
стр. 657
٢- للشك في الخاتمة، فلا يدري الإنسان، أيختم له عند الموت بالإيمان، أم يسلب عنه في ذلك الأوان، وقد تقدم بيان شدة خوف سلفنا الكرام من سوء الختام، ولذلك ينبغي على الإنسان الاستثناء في الإيمان، وتعليل الاستثناء بخوف سوء الخاتمة مع صحته، وبه علل كثير من المتأخرين، فليس ذلك التعليل مراداً من قول ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – ومما شاكله من أقوال السلف الكرام، ومن فهم ذلك من كلامهم فهو غالط عليهم، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة رب البرية –: إن الإمام أحمد وغيره من السلف – عليهم رحمة الله تعالى – لم يكن هذا مقصودهم – أي: تعليل الاستثناء بخوف سوء الخاتمة – وإنما مقصودهم أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات، فقوله: أنا مؤمن، كقوله: أنا ولي الله – جل وعلا –، وأنا مؤمن تقي، وأنا من الأبرار، ونحو ذلك، وابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – لم يكن يخفى عليه أن الجنة لا تكون إلا لمن مات مؤمناً وأن الإنسان لا يعلم على ماذا يموت، فإن ابن مسعود – رضي الله تعالى عنه – أجل قدراً من هذا، وإنما أراد: سلوه هل هو في الجنة إن مات على هذه الحال؟ كأنه قال: سلوه أيكون من أهل الجنة على هذه الحال؟ فلما قال: الله أعلم، قال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الثانية، يقول: هذا التوقف يدل على أنك لا تشهد لنفسك بفعل الواجبات، وترك المحرمات، فإنه من شهد لنفسه بذلك شهد لنفسه أنه من أهل الجنة إن مات على ذلك (١) .
стр. 658
والحاصل: أن تعليل الاستثناء في الإيمان بخوف سوء الخاتمة تعليل صحيح مقبول، وإن لم يكن ذلك التعليل هو المراد من قول أئمة السلف الفحول، قال الإمام البغوي – عليه رحمة ربنا القوي –: ويجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لا على معنى الشك في إيمانه واعتقاده مت حيث علمه بنفسه، فإنه فيه على يقين وبصيرة، بل على معنى الخوف من سوء العاقبة، وخفاء علم الله – ﵎ – فيه عليه، فإن أمر السعادة والشقاء يبتني على ما يعلم الله من عبده، ويختم عليه أمره لا على ما يعلمه العبد من نفسه (١) .
стр. 659
٣- خشية تزكية النفس، والله – جل وعلا – قد نهى عن ذلك وحذر منه، فقال – جل وعلا –: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ النجم٣٢، وقال – ﷻ –: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً﴾ النساء٤٩-٥٠، وقيل لحكيم: ما الصدق القبيح؟ قال: ثناء المرء على نفسه، وعقب الغزالي على هذا بقوله: والإيمان من أعلا صفحات المدح، والجزم به تزكية مطلقة، وصيغة الاستثناء كأنها نقل من عرف التزكية، كما يقال للإنسان: أنت طبيب، أو فقيه، أو مفسر؟، فيقول: نعم، إن شاء الله – ﵎ – لا في معرض التشكيك، ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه، فالصيغة صيغة الترديد، والتضعيف لنفس الخبر، ومعناه التضعيف للازم من لوازم الخبر وهو التزكية (١) ، ولذلك لما قيل لعلقمة – عليه رحمة الله تعالى – أمؤمن أنت؟ قال: أرجو (٢) .
стр. 660
٤- طلباً للتأدب بذكر الله – جل وعلا – في كل حال، وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله – ﵎ –، فبذلك أمر الله نبيه – ﷺ – فقال – جل وعلا –: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الكهف٢٣-٢٤، ولم يقصر ربنا ذلك على ما يشك فيه، بل جعله أيضاً فيما لا يشك في حصوله، وهو واقع لا محالة، فقال – جل وعلا –: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ الفتح٢٧، ولذلك كان نبينا – ﷺ – يقول: إن شاء الله فيما يخبر عنه معلوماً كان أو مشكوكاً كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: أتى رسول الله – ﷺ المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" وفيه أيضاً عن بريدة – رضي الله تعالى عنه – قال: كان رسول الله – ﷺ – يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية (١) ،
стр. 661
ومن المعلوم أن اللحوق بهم غير مشكوك، ولكن مقتضى الأدب ذكر الله – جل وعلا – وربط الأمور به، وهذه الصيغة دالة عليه، حتى صار بعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة والتمني، فإذا قيل لك: إن فلاناً سيموت سريعاً، فتقول: إن شاء الله، فيفهم منه رغبتك لا تشكك، وإذا قيل لك: فلان سيزول مرضه ويصح، فتقول: إن شاء الله، بمعنى الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة، وكذلك العدول إلى معنى التأدب بذكر الله – ﵎ – كيف كان الأمر (١) .
стр. 662
وهذه الاعتبارات الأربعة للاستثناء في الإيمان هي عمدة من قال بموجب الاستثناء في الإيمان، لا سيما على الاعتبارين الأوليين ويليهما الثالث، لكن القول بالوجوب في كل حال وعلى كل اعتبار غير مسلم وقد علمت وجه اعتبار عدم الاستثناء في الإيمان عند أهل السنة الكرام، وعليه فالوجهان جائزان، وهذا هو العدل من الكلام، في هذه المسألة العظيمة الشأن، قال الإمام النووي – عليه رحمة الله تعالى –: والقول بالتخيير حسن صحيح نظراً إلى مأخذ القولين، ورفعاً لحقيقة الخلاف، وقال الإمام ابن تيمية – عليه رحمة الله تعالى –: وأما الاستثناء في الإيمان فالناس فيه على ثلاثة أقوال، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال، وكرر ذلك الكلام أيضاً، فقال: ومنهم من يجوزه أو يستحبه، وهذا أعدل الأقوال، وإنما ذكر أن الاستثناء سنة بمعنى أنه جائز رداً على من نهى عنه، وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام – عليه رحمة الله تعالى –: كان الأوزاعي يرى الاستثناء وتركه واسعين (١) .
* خوف سلفنا الصالحين من رب العالمين – جل وعلا –:
стр. 663
.. سأختم بحث الخوف من ربنا العظيم، بذكر نماذج من خوف سلفنا الطيبين، لنحذو حذوهم الكريم، ونحظى برحمة أرحم الراحمين، فعند ذكرهم تنزل الرحمات، ويرضى رب الأرض والسموات (١) .
стр. 664
* خوف صديق هذه الأمة أبي بكر – رضي الله تعالى عنه –:
تقدمت الإشارة إلى شدة وجله، وكثرة بكاءه، حتى أبكى من حوله، عندما استسقى فأتي بماء وعسل وسأقتصر على ذكر خبرين موجزين من أخباره الكثيرة الشهيرة، الدالة على عظيم خوفه من ربنا ذي النعم الكثيرة، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن أبي عمران الجوني قال: قال أبو بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه –: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، وروى الحسن البصري قال: قال أبو بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه –: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد (١) ، وإذا كان هذا حال صديق هذه الأمة في الخوف من ربه، فكيف ينبغي أن يكون حال غيره، ولكن هيهات أن يصل أحد إلى ذلك المطلوب، لأن الخوف ليس من كثرة الذنوب، إنما هو من صفاء القلوب، ومراقبة علام الغيوب.
* هذه الأمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه –:
стр. 665
تقدمت الإشارة – أيضاً – إلى شدة خوفه، بحيث كان يسأل حذيفة بن اليمان وأمنا أم سلمة عن نفسه – رضي الله تعالى عنهم أجمعين –،ويقول: هل سماني رسول الله – ﷺ – من المنافقين؟ وقد بلغت به شدة الخوف مبلغاً عظيماً، حتى صار في وجهه المبارك خطان أسودان من كثرة البكاء خشية للرحمن، وسأقتصر أيضاً على خبرين من أخباره المتواترة، الدالة على شدة وجله مما يكون في الدار الآخرة، قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – أخذ تينة من الأرض، فقال: ليتني كنت هذه التينة، ليتني لم أخلق، ليت أمي لم تلدني ليتني لم أك شيئاً، ليتني كنت نسياً منسيا (١) . وهذا القول كقول سابقه أبي بكر –رضي الله تعالى عنهما –، فلما ظهرت القلوب، تماثلت الأقوال في الدلالة على الخوف من علام الغيوب.
وكان – رضي الله تعالى عنه – شديد المحاسبة لنفسه، ليحظى برضوان ربه، وكان يحث الرعية للاتصاف بتلك الرتبة العلية قال ثابت بن حجاج قال عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه –: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب إذا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (٢) .
стр. 666
* خوف الصحابة الأبرار من العزيز الغفار:
من تأول حال الصحابة الكرام تحقق عنده بالبرهان، شدة خوفهم من ربنا الرحمن، فكانوا – رضي الله تعالى عنهم – يقلون الكلام، ويبتعدون عن الحرام، ويصلون بالليل والناس نيام، وأعينهم تفيض بالدمع لرب الأنام، ثم هم في النهار فرسان في نشر دين الإسلام، وباختصار يقول الواقف على أحوالهم الحسان: إنهم كانوا في حياتهم كأنهم ينظرون إلى ما في الآخرة رؤيا عيان، روى أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في صفة الصفوة أن علياً – رضي الله تعالى عنه – صلى صلاة الفجر، فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح، قال وقلب يده: لقد رأيت أصحاب رسول الله – ﷺ – فما أرى اليوم أحدا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله – جل وعلا – يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله – – مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح ن وخملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين (١) .
... ولقد أخبر ابن عباس عن حال الصحابة الطيبين – رضي الله تعالى عنهم أجمعين – فقال: قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى جهنم طريقنا، وبين يدي الله – – موقفنا (٢) .
стр. 667
.. وثبت في السنن بسند صحيح حسن عن العرباض بن سارية – رضي الله تعالى عنه – قال: صلى بنا رسول الله – ﷺ – ذات يوم – صلاة الغداة – ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله – ﷺ – كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" الحديث (١) .
* خوف التابعين من رب العالمين:
стр. 668
سار المهتدون من التابعين، على هدي الصحابة الطاهرين، في الخوف من رب العالمين، وسيبقى ذلك ديدن الصالحين، إلى يوم الدين، جعلنا الله الكريم منهم بمنه ورحمته آمين آمين وإليك بعض نماذج من أحوالهم النفيسة، لتكون زاداً لك في هذه الدنيا الخسيسة، روى أبو نعيم في الحلية عن إمام التابعين الحسن البصري – عليه رحمة رب العالمين – أنه قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله – ﵎ – مشهده، أن يطول حزنه في الدنيا، وكان يقول: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفاً وإن كان محسناً لا يصلحه إلا ذلك، ولا يمسي إلا خائفاً، وإن كان محسناً، لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ماذا يصنع الله – ﵎ – فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك، وقال أيضاً: إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله – جل وعلا –، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء بعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك، هيهات قد حل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، مالي ولهذا والله مالي عذر بها، ووالله لهذا أبداً إن شاء الله تعالى، إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، ولا يأمن شيئاً حتى يلقى الله – – يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله، وقال أيضاً: المؤمن من يعلم أن ما قال الله – – كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملاً، وأشد الناس خوفاً، لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين – أي: الجنة، ويدخلها – لا يزداد صلاحاً وبراً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول: لا أنجو وكان يقول: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن، إلا حزن، وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب وتعب، والله يا بن
стр. 669
آدم لئن قرأت القرآن، ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك (١) .
وقد كان رحمه الله تعالى – يلتزم بما يقول، وينتصح بما ينصح به غيره، ففي الحلية وصفة الصفوة عن إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، وما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة، وفي صفة الصفوة عن حكيم بن جعفر قال: قال لي مسمع: لو رأيت الحسن لقلت قد بث عليه حزن الخلائق من طول تلك الدمعة، وكثرة ذلك النشيج، وفيه عن محمد بن سعد قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز – ﵏ جميعاً – كأن النار لم تخلق إلا لهما، وعن خفص بن عمر قال: بكى الحسن، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا أبالي (٢) .
стр. 670
وفي إحياء علوم الدين: مر الحسن – عليه رحمة الله تعالى – بشاب وهو مستغرق في ضحكه، وهو جالس مع قوم في مجلس فقال له الحسن: يا فتى هل مررت بالصراط؟ قال: لا، قال: فهل تدري إلى الجنة تصير أم إلى النار؟ قال: لا، قال: فما هذا الضحك؟ فما رؤي ذلك الفتى بعدها ضاحكاً، وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد كيف أصبحت؟ قال: بخير: كيف حالك؟ فقال الحسن: تسألني عن حالي، ما ظنك بناس ركبوا سفينة، حتى توسطوا البحر فانكسرت سفينتهم فتعلق كل إنسان منهم بخشبة، على أي حال يكونون؟ قال الرجل: على حال شديدة، قال الحسن: حالي أشد من حالهم، قال الغزالي: وروي أنه ما ضحك الحسن أربعين سنة، وكنت إذا رأيته قاعداً كأنه أسير قدم لتضرب عنقه، وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها فإن سكت كأن النار تسعر بين عينيه، وعوتب في شدة خوفه وحزنه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله – – قد اطلع علي في بعض ما يكره، فمقتني فقال: اذهب فلا غفرت لك، فأنا أعمل في غير معتمل (١) .