← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ليكن عيسى بن صبيح المزدار، أو الجعد بن درهم، أو حتى الرواندى. أوَ ليسوا هم معتزلين؟ وكيف يُستهان بشهادة الجاحظ؟ والدكتور العمارى نفسه قد ذكرها في كتابه. والجاحظ ممن يعتد برأيه في هذا المجال؟ إن المسألة أخذت من الدكتور العمارى - فيما أرى - أكثر مما تستحق. . * * * " أشياع المذهب من غير الاعتزال: راق القول بالصرفة كثيراً من غير المعتزلة. فأخذوا به واعتنقوه مذهباً فى فهم الإعجاز. من هؤلاء الجاحظ في أحد آرائه، والرماني صاحب النكت في إعجاز القرآن وهما من المعتزلة. ومنهم الشريف الرضى، وابن سنان الخفاجى، وهما من الشيعة. وأبو إسحق الإسفرائينى من الأشاعرة. والإمام محمد بن حزم من أهل الظاهر. يقول ابن سنان الخفاجى: ". . وإذا عدنا إلى التحقيق. وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأسلوبه بأن سلبوا العلوم التي كانوا يتمكنون بها من المعارضة في وقت مرامهم ذلك ". ساق ابن سنان هذا الكلام، وهو بصدد الرد على الرماني وإنكاره ما ذهب إليه من تقسيم التأليف إلى ثلاثة أقسام:

стр. 107

١ - متنافر. ٢ - متلائم في الطبقة الوسطى. ٣ - متلائم في الطبقة العليا. وحيث جعل القرآن من النوع الثالث التلالم من الطبقة العليا، لمجيئه على وجه لم يكن مألوفاً عند العرب. وقد خالف ابن سنان الخفاجى رأى الرماني هذا. وأنكر أن يكون في تأليف القرآن ما يخالف كلام العرب، وسوى بين طريقة القرآن وطريقة العرب فى التأليف، وبنى على ذلك مذهبه في الرد على الرماني. إذ كيف يفصل - أى الرماني - بين كلامين خصائصهما الأسلوبية واحدة. ويُفهم من كلام ابن سنان أمور: ١ - أن العرب - بطبعهم - قادرون على محاكاة القرآن، ودواعى المحاكاة متوافرة لديهم. ٢ - أن الذي منع العرب من المعارضة هو أن الله تعالى صرف المعارضة عنهم بسلب العلوم المؤدية إليها مع رغبتهم فيها. ٣ - أن ذلك المنع هو وجه الإعجاز في القرآن لا غير! * * * * رأى متطرف: وقد صرَّح ابن سنان بما هو أخطر من ذلك إذ يقول: " لا فرق بين القرآن، وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية. ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن فى تأليفه ".

стр. 108

والحق أن الذي ذهب إليه من المساواة بين القرآن وبين كلام العرب مرفوض من وجهين: - أولاً: أنه ادعى دعوى لم يقم عليها الدليل! ؟ ثانياً: أن هذا الرأي شاذ وموضع إنكار شديد عند العلماء. * * * * ابن حزم والصرفة: يرى ابن حزم الأندلسى إمام أهل الظاهر أن إعجاز القرآن حال بالصرفة. ويرفض ابن حزم الإعجاز البياني. وقد لخص رأيه في قوله: " ووجه إعجازه أن الله رفع القوة عن العرب. وحال بين العباد وبين أن يأتوا بمثله، ويرى أن التحدى وقع بالنظم وبما في القرآن من الإخبار عن الغيوب وإن كان غير مطرد فى القرآن كله. وأن الإعجاز حاصل ببعض القرآن دون التوقف على القرآن كله كما يرى الأشاعرة. وإعجازه باق إلى يوم القيامة. والقرآن ليس من جنس كلام البَشر، ويسوق على ذلك ما رآه من أدلة مثل فواتح السور بالحروف المقطعة، والأقسام التي لا عهد للبَشر بها. ومزجه بين المعاني المتباعدة. وفي رفضه الإعجاز البياني يقول: " وقد ظن قوم أن عجز العرب ومَن تلاهم من سائر البلغاء عن معارضة القرآن إنما هو لكون القرآن في أعلى طبقات البلاغة، وهذا خطأ شديد، ولو كان كذلك، وقد أبى الله أن يكون كذلك، وإن كان سبق في وقت ما فلا يؤمن أن يأتى في غد ما يقاربه أو يفوقه "! ومعنى هذا الكلام: أن ابن حزم يستند في رفضه المذهب البياني إلى أن القول به قد يفضى إلى نقض الإعجاز في المستقبل، لجواز أن يظهر في الناس نابغة يأتى بمثل القرآن أو بما يفوقه.

стр. 109

وظاهر أن هذا الاحتياط الذي لخصه مبنى على وهْم ما كان يليق بابن حزم أن يقع فيه. إن العصر الذي نزل فيه القرآن كان عصر ازدهار في البيان، وقد اقتضت حكمة الله أن تكون معجزات رسله فوق ما يستطيعه الناس. كل حسب طبيعة القوم المرسَل إليهم. إن ثبوت عجز العرب الأصلاء الذين عاصروا نزول القرآن. دليل قاطع - من الواقع لا من الوهم - على عجز اللاحقين. فالقرآن كان يتحدى آنذاك قوما لهم فى البيان قدم راسخة. كان يتحدى عصر " القمة " في البيان والفصاحة. وهذا يدفع شُبهة ابن حزم * * * * الرماني والقول بالصرفة: قلنا فيما سبق أن الرماني من القائلين بأن وجه الإعجاز في القرآن كان الصرفة. وترجع وجوه الإعجاز عنده - جملة - إلى سبعة أصول: ١ - ترك المعارضة مع توافر الدواعى وشدة الحاجة. ٢ - تحدى الكافة ٣ - الصرفة. ٤ - البلاغة ٥ - الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة. ٦ - نقض العادة ٧ - قياسه بكل معجزة. والبلاغة التي هي أحد وجوه الإعجاز عند الرماني - يقسمها إلى عشرة

стр. 110

أقسام: الإيجاز - التشبيه - الاستعارة - التلاؤم - الفواصل - التجانس - التصدير - التضمين - المبالغة - حسن البيان. . وسيأتى رأيه مفصلاً. * * * * ما هو مذهب الجاحظ في الإعجاز ؟ هل قال الجاحظ بالصرفة؟ حقيقة لا بدَّ من عرضها هي أن الجاحظ لم يذكر رأيه صراحة في الإعجاز. وإنما يفهم رأيه فيه من ثنايا حديثه عن القرآن. وقد جاء عنه: " وفي كتاب الله المنزل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ". وإذا ضممنا إلى هذا القول ما كتبه الجاحظ عن القرآن - وتحليله لبعض نصوصه - قوى الرأي لدينا بأن الجاحظ يقول بإعجاز القرآن من حيث نظمه البديع. * * * * نقد مذهب الصرفة: لم تثبت لهذا الرأي حُجة، ولم يبق له دليل، منذ تعرض العلماء لنقده ورده لضعف أدلته. فهل استطاعوا جميعاً، أو استطاع واحد منهم أن يأتينا بمثال أو مثالين أو أدنى من ذلك أو أكثر من شِعر العرب أو نثرهم. مما أثبتت الرواية أنهم قالوه قبل سلب تلك العلوم، تتضح فيه الخصائص التي جاء بها الأسلوب القرآني. فيكونا سواء في القوة والروعة. لم يفعل أحد منهم ذلك، فظلت آراؤهم لا تتجاوز دائرة الظن والتخمين، وهل كان القائلون بالصرفة أدرى من العرب أنفسهم الذين تحداهم القرآن أن يأتوا

стр. 111

بمثله فيثبتوا لهم ما يذعوه لأنفسهم. لو كان عندهم ذلك لجاءوا به ولوضعوه فى حلبة المباراة ولقالوا لمحمد ﵇: هذا قولنا، قلناه قبل أن تعرف القرآن. . وهو يساويه في البلاغة وقوة البيان، فما بالك تطلب جديداً وقد سبقناك؟ إن القرآن يحكى عنهم أنهم لم يدعوا هذه الدعوى بل علقوا ذلك على أن تريده مشيئتهم فيقولوه، لا أنهم قالوه فعلاً. القرآن ينقل عنهم قولهم: (قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) . وفي هذا يقول الباقلاني: " ولو كان مقدوراً للعباد، لكان قد اتفق إلى وقت مبعثه من هذا القبيل ما كان يمكنهم أن يعارضوه به، وكانوا لا يفتقرون إلى تكلف وضعه. وتعمل نظمه في الحال. فلما لم نرهم احتجوا عليه بكلام سابق وخطبة متقدمة، ورسالة سالفة، ونظم بديع، ولا عارضوه، فقالوا: هذا أفصح مما جئت به وأغرب منه أو هو مثله. عُلِمَ أنه لم يكن إلى ذلك سبيل وأنه لم يوجد له نظير ". وقد قارن العلماء بين قول العرب: " القتل أنفى للقتل " وقد كان قولهم هذا مضرب الأمثال في البلاغة والفصاحة وحسن الدلالة، لما فيه من الإيجاز وثراء المعنى، وبين قوله تعالى: (وَلكُم فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ) وجاءت نتيجة المقارنة تثبت التفوق للنص القرآني من عدة وجوه لا من وجه واحد. * * *

стр. 112

* مقارنة جديدة: وأذكر هنا مثالاً يمكن جعله موضوعاً للمقارنة وهو قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) . إذا قارنا هذه الآية بقول السموأل وهو يتفق معه في الغرض العام: وَنُنْكِرُ إنْ شِئْنَا عَلى الناسِ قَوْلهم. . . وَلاَ يُنْكِرُونَ القَول حِينَ نَقُولُ أقول: إذا وازنا بين الآية الكريمة. . وبين قول هذا الشاعر لبان الفضل فى جانب الآية الكريمة من عدة وجوه كذلك. وها نحن أولاء نقوم بموازنة سريعة بينهما. لا على أن ما قلناه هو كل ما بينهما من فروق. ولكن لضرب المثل بما يكون في جانب النص القرآني من الخصائص والمزايا التي لا توجد في سواه مهما كان عظيماً جيداً. ونجرى الموازنة على النحو الآتى: أولاً - من حيث الأسلوب: (أ) الآية الكريمة تتكؤن من ست كلمات، بينما يتكون البيت من إحدى عشرة كلمة، وعدد حروف الآية اثنان وعشرون حرفاً، بينما البيت بلغ عدد حروفه خمسة وأريعين حرفاً. (ب) في الآية إيجاز بالحذف في أربعة مواضع هي: ١ - " يُسْئَلُ " حيث حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول وأضمر فيه نائب الفاعل. ٢ - " يَفْعَلُ " وهذا الفعل صلة الموصول " ما " حذف منه عائد الصلة. والأصل " عما يفعله ".

стр. 113

٣ - " يُسْئَلُونَ " حيث فعل فيه مثل ما فعل في سابقه، فبنى الفعل للمفعول وحذف فاعله. وجيء بالضمير (واو الجماعة) وجُعِلَ نائب فاعل. ٤ - الوضع الرابع. . حيث حذف معمول " يُسْئَلونَ " والتقدير: " عما يفعلونه " وهذا الحذف اعتماداً على ما ذكِرَ مع نظيره " لا يُسْئَلُ عما يفعل " فحذف من الثاني لدلالة الأولى عليه. أما البيت ففيه إطناب في موضعين أحدهما لا بأس به، والثاني جاء قيداً مضراً بالمعنى الذي يقتضيه المقام. فالأول حيث قال: " إن شئنا " معترضاً به بين العامل: " ينكر " والمعمول " قولهم "، والثاني قال: " حين نقول " وقد أضر هذا بالمعنى لما سيأتى: (جـ) كل من الآية والبيت اشتمل على محسنين بديعيين. أحدهما الطِباق، والثاني رد العجز على الصدر. والطِباق في الآية طِباق سلب وإيجاب. وفي البيت طِباق إيجاب وسلب، ولتقديم السلب على الإيجاب في هذا المقام فضيلة لا نراها لغيره - حيث نفت الآية أن يُسئل الله عن فعل يفعله فأثبتت له كمال الإرادة بما يصدر عنه أولاً. ثم أثبتت له صفة متعدية وهي أنه يُسئل عما يفعله سواه. أو أن سواه يُسئل عما يفعله سواء أكان السائل الله. أو بعضهم بعضاً. أما طِباق البيت فقد أثبت أولاً الصفة المتعدية، وثانياً الصفة الذاتية. : المقام هنا مقام فخر، فكان الأولى أن يبدأ بإثبات الصفة الذاتية. ثم يُثنى بالصفة المتعدية، ولو فعل لكان أنسب بالمقام إذ يكون الانتقال - من إحدى الصفتين إلى الأخرى - انتقالاً طبيعياً قد مهد له ورشح. لكنه خالف. فجاء أسلوبه على غير المختار. وكذلك رد العجز على الصدر، فإن الآية التي هي موضع المقارنة ردت آخر كلمة في العبارة على أول كلمة بعد أداة السلب فيها.

стр. 114

بينما البيت رد أول كلمة من الشطر الثاني بعد أداة النفى على أول كلمة فى البيت. فأنت ترى أن الآية ردت العجز فعلاً على الصدر، بينما البيت إنما يعتبر فيه العجز مع شيء من التسامح. فإطلاق ضابط المحسن البديعى - رد العجز على الصدر - في " الآية " أكثر اتساقاً منه في " البيت " وهذا ملحظ دقيق جداً. (د) ليس في الآية ما في البيت من التكرار. ققد وقع التكرار في البيت فى موضعين تكرر أحدهما مرتين وهو: " ننكر "، " ينكرون "، وتكرر ثانيها ثلاث مرات وهو: " قولهم "، " القول "، " نقول ". بينما الآية لم يتكرر فيها سوى موضع واحد، وهو تكرار لا فضول فيه إذ أن الكلمة المكررة " يُسْئَل " و " يُسْئَلُون " تؤدى معنى أساسياً في الموضعين وهذا وإن جاز اعتباره في البيت في: " ننكر "، " ينكرون "، فلا يجوز بحال من الموضع الثاني: " قولهم "، " القول "، " نقول ". (هـ) في الآية موسيقى داخلية شجية تلحظها بين اللامين في " يُسئل "، و" يفعل " مع سهولة نطق ألفاظها وسلاستها. وهذا الجانب غير واضح في البيت. بل هو - على العكس من الآية - خشونة في الألفاظ. ثانياً - من حيث المعنى: (أ) في الآية التعبير بالفعل دون القول. وفي البيت التعبير بالقول دون الفعل. والفعل أعم من القول فهو يشمل، والقول لا يشمل الفعل. وهذا يسلمنا إلى الموازنة بين الموضعين من حيث المعنى، بعد أن وازنا بينهما من حيث أسلوب التعبير. فالآية أعم في المعنى من البيت، فليس هناك مأخذ يتوجه إليها إذ ثبت المراد منها في دقة وإحكام.

стр. 115

فالله كامل الإرادة، مطدق التصرف، لا يسأله أحد عن فعل يفعله أو قول يقوله لأن سلطانه على العالمين قائم. أما الناس فليسوا مطلقى التصرف، ولا كاملى الإرادة، فالله يسألهم عما يقولون وعما يفعلون ولا محالة. وقد يسأل بعضهم بعضاً بما لأحدهم على الآخر من قوامة. وهذا العموم فى تعيين السائل مأخوذ من بناء الفعل للمفعول ولو ذكر الفاعل لوجب الالتزام به. فانظر إلى الأسلوب القرآني ودلالة ألفاظه كيف تكون. (ب) ثلاثة مأخذ: أما البيت ففيه ثلاثة مآخذ فيما أرى - من حيث المعنى تتنافى ومقام الفخر. أولاً: التعبير بالقول دون الفعل حصر منهم للناس فيه دون غيره. والمقام يقتضي أن تكون له سلطة تمنع الناس القول والفعل وإلا فإن مقومات الفخر عند الشاعر لم تُستكمل. ثانياً: هو يقول: " وننكر إن شئنا على الناس قولهم "، فكان الأنسب لتكون المقابلة تامة بين النظائر أن يقول في الشطر الثاني: " ولا ينكرون قولنا "، لكنه أتى بالألف واللام عوضاً عن المضاف إليه فجاء المعنى غامضاً الأنه يرد عليه سؤال مؤداه: قول مَن يا ترى الذي لا ينكرونه؟ ثالثاً: لا يدفع هذا الاعتراض بقوله في آخر البيت: " حين نقول " لأنها تبين أن المراد بالقول قولهم هم لا قول غيرهم لأن هذه العبارة المقام يقتضي حذفها إذ تخص عدم المنع في حالة القول. والأولى أن يكون عدم المنع أو النكران مستمراً قبل وأثناء وبعد القول. هذا أولى ليكونوا أجلاء مهابين في جميع الأوقات، فأنت ترى إذن أن هذه العبارة قلقة أضرت بالمعنى ولم تأت إلا للوزن الشعرى.

стр. 116

هذا مثال نقدمه لنسأل سؤالاً: هل كان فيما قاله العرب قبل عصر نزول القرآن وتحديه لهم ما يضاهى القرآن في الحسن والجمال، أو يقاربه فضلاً عن أن يفوقه؟ والجواب: لم يكن شيء من ذلك. . . ومَن يدعه فليأتنا بمثال، وما هو بواجد. . . وإذا انتفت عنهم هذه المأثورات التي تضاهى القرآن أو تقاربه أو تفوقه - والحال أن الوسائل كانت ممكنة قبل عصر التحدى - لزم القول بالإعجاز وبهذا يبطل شق مدعاهم. وهو أن الله سلبهم العلوم التي تمكن من المعارضة. ولو بقيت لعارضوا. * * * * وهم زائل: أما الشق الثاني:: الذي يذعون فيه أن الله صرف عنهم دواعى المعارضة مع قدرتهم عليها. فوهم زائل. : ذلك لأن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثله. في صور مختلفة، وأزمنة ممتدة. يقول الجاحظ: " فلم يزل يقرعهم بعجزهم. وينقصهم على نقصهم، حتى يتبين لحضعفائهم وعوامهم كما تبين لأقويائهم وخواصهم. وكان ذلك من أعجب ما أتاه الله مع سائر ما جاء به من الآيات وضروب البرهانات ". التحدى لم يحدث مرة واحدة، ولا في زمان واحد، ولا بصورة واحدة، والآيات الآتية تكشف لنا عن هذه المعاني: قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) .

стр. 117

وقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) وقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) . وقال: (قُل لئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالجِن عَلى أن يَأتُواْ بِمِثْلِ هَذَا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهِيراً) . وقال: (فَليَأتُواْ بِحَديِثٍ مِثْلِهِ إن كَانُواْ صَادقِينَ) . هذه الآيات التي تحدى فيها القرآن العرب، استثارت فيهم كل دوافع المعارضة وطلب الغلب، وهيجت شعورهم بكل صورة ممكنة. مؤذنة لهم بأن يستعينوا بما يشاءون من دون الله: شركاؤهم - أو جماعة من الإنس أياً كانوا - أو جماعة من الجن أياً كانوا، أو هم جميعاً وليناصر بعضهم بعضاً. بدأ هذا التحدى في مكة، وأخذ يقرع آذانهم في أزمان متفاوتة كما يُدْرَك من توزيع آيات التحدى على السور المختلفة: يونس. وهود، والإسراء، والطور. وهذه سور مكية. ثم استؤنف ذلك في أول سورة تنزل بالمدينة بعد الهجرة، وهي سورة البقرة. * * *

стр. 118

* كيف تحدى القرآن العرب ؟ القرآن لم يهادنهم في أمر التحدى وقد بدأ معهم بهذا المنهج: أولاً: طلب منهم أن يأتوا بحديث مثله، غير مقيد بالقليل أو الكثير. فلم يستطيعوا ولهم فسحة من الزمن. ثانياً: طلب منهم أن يأتوا بعشر سور مفتريات مثله - كما يقولون - وفى هذا تقييد وإطلاق. تقييد في العدد: عشر سور. وإطلاق في الطول والقصر. فلم يستطيعوا كذلك. ثالثاً: خفف عنهم فطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله، سورة غير مقيدة، طويلة أو قصيرة أو متوسطة الطول والقصر. فلم يستطيعوا. فكرر لهم التحدى بها فعجزوا. رابعاً: فلما عجزوا فلم يأتوا بحديث مثلها ولا بعشر سور، ولا بسورة واحدة، وبلغوا اليأس، سجَّل عليهم هذا العجز، وتحداهم في صورة ختمت مراحل التحدى. وسجَّلت نهاية نتائج المباراة أو المناظرة فقال: (قُل لئِنِ اجْتَمَعَت الإنسُ وَالجنُ عَلى أن يَأتُواْ بمثْل هَذَا القُرْآن لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ وَلوْ كًانَ بَعْضُهُمْ لِبًعْضٍ ظهِيراً) . فهل مع هذا التحدى المستمر المثير، يُصدق منصف أن القوم لم تكن لديهم رغبة في المعارضة. وأن الله صرف عنهم دواعيها؟ إن العكس هو الصحيح، إن القرآن أثار فيهم تلك الدواعى. وهيج نفوسهم لها ليبذلوا أقصى ما عندهم في الإتيان بمثله. فلم يستطيعوا.

стр. 119

فلما عجزوا عن مجاراة القرآن في مجال البيان استبدلوا الطعون فيه بالمحاكاة، فمرة شِعر. ومرة سِحر يؤثر. . . لما لم تفد هذه الطعون استبدلوا بها السيف شهروه في وجه صاحب الدعوة وأتباعه، فأنزلوا بهم الأذى. وقعدوا لهم في كل طريق. فلو كان القوم مسلوبي الدواعى في مجال البيان. لكانوا مسلوبى الدواعى فى مصاولة الأقران. وهذا كاف في رد الشق الثاني من مدعاهم - أي مدعى أهل الصرفة - وإذا بطل مدعاهم بشقيه. ثبت ما حاولوا نفيه به. وهو الإعجاز البياني الذي لم يكن في مقدور العرب محاكاته مع الرغبة فيها وبقاؤهم على طبيعتهم من المعارف والعلوم. * * * * دليل آخر في إبطال القول بالصرفة: لم تترك الصرفة شيئاً ذا قيمة فيما سبق لنا من نقاش لها، ومع هذا فإن العلماء قد ردوها بدليل آخر حاصله كما يقول الباقلاني: " لو كان المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً، وإنما يكون المنع معجزاً فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه". وهذا رأى صائب ورد قاطع، لأننا ما دمنا متفقين على أن القرآن معجز فيجب أن يكون هذا الإعجاز في القرآن ذاته، لا مستجلباً له من خارجه. كما هو مقتضى القول بالصرفة. لأن المعجز فيها هو الله بسلب المعارف والعلوم عن العرب، أو صرف دواعى تلك المعارضة. * * *

стр. 120

* هل عورض القرآن ؟ رأيتُ كثيراً من الباحثين في إعجاز القرآن ينفون معارضة العرب له. ويعزون ما ورد منها إلى اختلاقات الرواة. وأول مَن حاول ذلك هو الجاحظ حيث يقول: " ولم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر ". وقد اقتدى بالجاحظ الكثير من العلماء كالخطابى وابن خلكان وغيرهم من القدماء. وقد تأثر الدكتور على العمارى - حديثاً - بهذا الرأي فبالغ في نفى المعارضات حقها وباطلها. . فلا مسيلمة عارض، ولا سجاح، ولا ابن المقفع، ولا المتنبي الشاعر، ولا أبو العلاء المعري، ولا طليحة. كل هؤلاء - عند الدكتور العمارى لم يعارضوا القرآن. بل لم تحدث المعارضة قَط. لا في عصر النزول ولا بعده. وقد بنى هؤلاء مذهبهم - في نفى المعارضات - على اختلاف الرواية والصياغة، وهذا مسلك قد يبدو وجيهاً، وحُجة قد تبدو محكمة. ولكنه لا يفيد القطع. فليس اختلاف الرواية أو الصياغة - دائما - دليل شك أو بطلان. فلم يسلم من اختلافات الرواية والصياغة حديث الرسول ﷺ ومع ذلك لم يقل أحد برفض أو بطلان ما اختلفت روايته منه، أو تباينت صياغته مع صحة سنده ومتنه. فالحديث الواحد قد يأتى على عدة أسانيد مع اختلاف العبارات، ومع ذلك فهو حُجة فقهية وأصل من أصول التشريع. ولم يسلم من اختلاف الرواية والصياغة الشعر العربي القديم - جاهليه وإسلاميه - ولم يُرفض ذلك الشعر جملة لأن رَوايته وصياغته جاءتا على أساليب مختلفة، بل للرد والرفض طرق أخرى مدونة في مصادرها.

стр. 121

وقد كان الباقلاني أسَدَّ رأياً حين لم ينف وجودالمعارضات أصلاً. بل نفى أن يكون ما ورد منها تنطبق عليه خصائص المعارضات المقبولة، ولو قال النافون على الإطلاق مثل قوله لما خالفهم أحد. والذي نأخذه على الدكتور العمارى أنه يرى أن التسليم بورود المعارضات لا يخدم قضية الإعجاز القرآني. ولذلك راح يستخدم كل حيلة وبراعة في تأييد مذهب نفى المعارضات أساساً. ونحن نميل إلى خلاف رأيه في سيء من الحيطة وما نريد إثباته هنا. أن: المعارضات التي وردت لم تكن قضية العرب كلهم لأنها لا تفيدهم في مقام التحدى لعدم ورودها على أسلوب القرآن. ولذلك لم تكن موضع اهتمام عند جميعهم حتى لا يخاطروا بما لا يحسنون في مقام يؤخذ عليهم فيه ذلك. لذلك جاءت المعارضات من الحمقى والمغامرين. فهى تمثل عندهم طابعاً فردياً لا جَماعياً. * * * * التسليم بوجود المعارضة يخدم قضية الإعجاز: وهذه المعارضات على ندرتها واختلاف الرواية فيها والصياغة، وطابعها المفردى. . هي في مجموعها تخدم الإعجاز - على نقيض ما يقوله الدكتور العمارى - ولا تنال منه، لأننا إذا عمدنا إلى شيء من نصوصها وقارناه بما يقابله من القرآن الكريم. بانَ لنا الفرق بين الأصالة والتقليد، والقوة والضعف. والجدة والذبول. كالفرق بين الزهرة اليانعة في روض أريض، وبين زهرة صناعية لا ماء فيها ولا شذا. فقد عورض قوله : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .

стр. 122

بقول بعضهم: " إنا أعطيناك اللحاح. فصل لربك وارتاح. إن شانئك هو العجل النطاح ". وهذا قول ساقط لا يستحق الحروف التي كتب بها. ولا المساحة التي يشغلها من رقعة ورق بالية. وهو مع سقوطه هذا يبدو عليه أثر السرقة والتقليد. لأن العارِض عمد إلى النص القرآني نفسه وجاء به رافعاً منه ثلاث كلمات، واضعاً موضعها أربع كلمات تميل إلى السقوط والابتذال والغثاثة. رفع " الكوثر " ووضع موضعها " اللحاح "، ورفع " وانحر " ووضع موضعها " وارتاح " وفيها خطأ ظاهر (١) . ورفع " الأبتر " ووضع موضعها " العجل النُطاح ". فما الذي أتى به من عنده إذن. سوى السيئ والقبيح. ليقارن الذوق وليحكم بما يرى! * * * والخلاصة: أن التسليم بورود المعارضات يخدم قضية الإعجاز ولا ينال منها ولو تابعنا الذين قالوا بنفيها ووضع ما ورد منها لكان في ذلك حُجة للذين قالوا إن الله صرف دواعى العرب إلى المعارضة، فلم يعارضوا في كثير ولا قليل. بدليل أن: المعارضات لم تصح نسبتها إليهم.

стр. 123

٢ - الإعجاز العلمى وتحت هذا النوع ثلاثة فروع ١، ٢ - الإعجاز التاريخى والغيبي. ٣ - الإعجاز في مجال الكشوف الحديثة في الكون والطب. أولاً - الإعجاز التاريخى والغيبى: يرى فريق من الباحثين أن القرآن معجز بما فيه من أخبار ماضيهَ، وتنبؤات مستقبلة أثبت الواقع صحتها. وممن قال بهذا الرأي القاضي أبو بكر الباقلاني، والرماني، ومحمد بن حزم الظاهرى وغيرهم. وقد ذكر الباقلاني أمثلة من هذا النوع كالإخبار بانتصار الروم على أعدائهم فى مدة حددها القرآن فانتصِروا خلال تلك المدة. قال سبحانه: (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) . فقد حدد القرآن مدة النصر بـ " بِضْعِ سِنِينَ " والبضع مختلف فيه لغة، جاء فى المختار: " وبِضع في العدد - بكسر الباء - وبَعض العرب يفتحها: وهو ما بين الثلاث إلى التسع، تقول: بِضْعِ سِنِينَ، وبضع عشرة امرأة. فإذا جاوزت لفظ العشرة ذهب البِضع ". وقال الراغب: " البِضع - بالكسر: المنقطع من العشرة. وينال ذلك ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: بل هو فوق الخمسة ودون العشرة. قال: (فِى بِضْعِ سِنِينَ) والراجح أنه بين الثلاثة إلى العشرة بخروج الغاية، وليس فوق الَخمس إلَى العشرة ".

стр. 124

ويؤيد الراغب القائل: أنه " من الثلاث إلى التسع " ما ذكره الزمخشري من أن ذلك ورد عن الرسول ﵇ حين سأله أبو بكر في أمر المراهنة المشهورة. وقد صدق الواقع الآية فغُلِبَت الروم على رأس السنة السابعة. وهذا الصدق هو الذي حمل بعض العلماء على اعتبار الإخبار الغيبى دليل الإعجاز. ومما ذكره الباقلاني: الإخبار عن دخول المسلمين مكة فاتحين آمنين حيث قال سبحانه: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) . والإخبار بتحقيق الوعد لأهل بدر حيث تال سبعانه: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) . هذه شواهد نقلها القاضي أبو بكر لإثبات كون القرآن معجزا من هذا الوجه. وحقيقة. . . إن القرآن أخبر عن أمور غيبية مستقبَلة فوقعت كما أخبر. ولم يختلف منها شيء. أو جاء على غير الوصف الذي ورد فيه. وهذا ليس فى طاقة البَشر. ويتصل بهذا الفرع إخبار القرآن عن الأمم السابقة إخبارا صادقاً، كقصة آدم ﵇، وقصة ولديه قابيل وهابيل، وقصص نوح وإبراهيم وموسى

стр. 125

وعيسى، وقصص أصحاب الجنة والإسكندر ذى القرنين وأهل الكهف والرقيم، وغير ذلك من الأمم الغابرة. بعض هذه القصص ورد في التوراة. لكن القرآن اختص بإيراد قصص لم ترد فى التوراة وليس لها مصدر تاريخى سوى القرآن. مثل قصة هود، وقصة صالح، وقصة لقمان، وقصة أهل الكهف، وقصة ذى القرنين. إذن فالقصص في القرآن نوعان: أولهما: نوع له مصدر تاريخى سوى القرآن كالتوراة، مثل قصة آدم عليه السلام. ثانيهما: نوع ليس له مصدر تاريخى سوى القرآن كقصص هود وصالح، وقصتى لقمان وأهل الكهف وفى كلا النوعين ينفرد القرآن بخاصة فريدة هى الصدق، ومطابقة القصة الواردة فيه للواقع. * * * * القيمة التاريخية لقصص القرآن: وهنا تبرز القيمة التاريخية لقصص القرآن، وهي تصحيح الوقائع التاريخية فيما كان له مصدر سواه. وإيرادها على وجه لا يتطرق إليه الشك. أو يحتمل الطعون. ثم إمداد الفكر الإنسانى بمادة وأحداث تاريخية جديدة، فيما ليس له مصدر سواه. كالقصص التي ذكرنا قبلاً. وقد قارن مالك بن نبى بين قصة يوسف - كما جاءت في القرآن - وبين نصوصها التي جاءت في التوراة (الكتاب القدس: العهد القديم: سفر التكوين) .

стр. 126

والمنهج الذي اتبعه في المقارنة منهج دقيق حيث قابل النص القرآني بما يقابله من نصوص القصة في الكتاب المقدس. وبعد إجراء المقارنة الكاملة بين نصوص المصدرين وضع جدولاً تفصيلياً لورود عناصر القصة في المصدرين. واضعاً ملاحظاته على ما بينها من اتفاق واختلاف. وعند رصد النتائج توصل إلى ورود خطأ بين في الكتاب المقدس ويحسن أن نثبت نص المؤلف عنها دون تغيير: " والرواية الكتابية تكشف عن أخطاء تاريخية تثبت صفة الوضع التاريخى للفقرة التي نناقشها. فمثلاً فقرة: " لأن المصريين لا يجوز لهم أن يأكلوا مع العبرانيين لأنه رجس عند المصريين " يمكننا التأكيد أنها من النُسَّاغ الميَّالين إلى أن يذكروا فترة المحن التي أصابت بنى إسرائيل في مصر. وهي بعد زمن يوسف ". " وفي رواية التوراة استخدم إخوة يوسف في سفرهم حميراً بدلاً من العِير فى رواية القرآن. على حين أن استخدام الحمير لا يمكن أن يتسنى للعبرانيين إلا بعد استقرارهم في وادى النيل بعد ما صاروا حَضريين. إذ الحمار حيوان حَضرى عاجز في كل حالة عن أن يجتاز مسافات صحراوية شاسعة لكى يجيء من فلسطين. وفضلاً عن ذلك فإن ذُرية إبراهيم ويوسف كانوا يعيشون في حالة الرعاة الرُحل. رعاة المواشى والأغنام ". قصة يوسف - إذن - لها مصدر تاريخى غير القرآن. وقد وضح لنا من اطلاعنا على النص المنقول من كتاب " الظاهرة القرآنية " لمالك بن نبى أن المصادر التاريخية لم تلتزم الدقة في النص، والأمانة في النقل، كما هو الحال فى القرآن الكريم.

стр. 127

وهذا يدلنا بوضوح على أهمية القيمة التاريخية للنصوص الواردة في القرآن الكريم لما يختص به من تصحيح الوقائع التاريخية التي تعرضت للخطأ والتحريف في المصادر الأخرى. ولقد أشار القرآن - نفسه - إلى هذه القيمة التي قوامها الصدق والأمانة فيما قَصَّ وأخبر فقال: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) . كما أشار إلى وجه الإعجاز في تلك الأخبار الغيبية حيث قال: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) . وقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) . وقال: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ) . * * * * حكمة أُميًة النبي ﷺ وقومه: ولكى يقطع القرآن كل شُبهة يمكن أن يتذرع بها المبطلون في استقاء هذه الأنباء من مصادر سابقة. سجَّل أمية النبي ﵇ فقال: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) .

стр. 128

فليس النبي ﵇ كاتباً، ولا قارئاً، وإذا ثبت له ذلك استحال فى حقه أن يكون قد استلهم تلك الأخبار والمعارف من سجلات الغابرين لو وُجِدَت، وثبت أن مرشده الوحيد هو القرآن الكريم. ولم يكتف القرآن بإثبات أمية النبي ﵇ بل أتبع ذلك " تسجيل " أمية قومه - وهم الوسط المحيط به، المخالِط له - حتى لا يقال: إنه استقى معلوماته منهم مشافهة ثم راح يصوغها بعبقريته الخاصة، وأسلوبه الفريد. قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) . وعلى هذا الأساس يمكن فهم حكمة الله التي أرادت للنبى ﵇ أن يكون أمياً من قوم أميين. * * * والخلاصة: إن القرآن تناول من الأحداث التاريخية نوعين: نوع له مصدر تاريخى سواه لكنه فيه على أصح الوجوه. وأدق الأحوال. وربما صحح ما جاء فيه خطأ واقعاً فيما سواه وهذه خاصة أولى له. ونوع ليس له مصدر تاريخى سواه، وليس لدى البَشر من سبيل إلى الوصول إليه لبُعد وقوعه وانطماس آثاره. فهم عنه عاجزون. وهذه خاصة ثانية. * * * ثانياً - الإعجاز من حيث الكشوف العلمية: يرى فريق من الباحثين المحدَثين أن إعجاز القرآن راجع إلى الإشارات العلمية التي فيه.

стр. 129

فقد ورد في مواضع مختلفة حديث القرآن عن المعارف الكونية. والعلوم الطبيعية والإنسانية كالطب وعلم النفس. وقد جاء القرآن بهذه الإشارات منذ عهد طويل تلاحقت بعده الكشوف العلمية على نحو لم يختلف عما أشار إليه القرآن الكريم منذ قرون طويلة. فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) . وقد رجع بعض المفسرين بالنظرية السديمية إلى هذه الآية: لأنها أبانت أن السماء قبل تكوينها كانت دخاناً. " والنظرية السديمية فكرة قال بها " سويدنبرج " ثم فصلها " لابلاس " وخلاصتها أن المنظومة الشمسية نشأت من السديم، أى من مادة غازية ملتهبة، وتجمدت وأفلتت من جُرمها الكبير أجزاء كثيرة تفرقت فدارت حول نفسها وحول الجُرم الكبير بفعل الجاذبية والحركة المركزية. وأن نشأة النجوم في السماء مماثلة لهذه النشأة وإن لم تكن من قبيل المنظمات التي تشبه منظومتنا الشمسية ". والمتأمل في النظرية لا ينكر أخذها من الآية على إجمالها فيها. وذلك لأن نهج القرآن الإشارة الموجزة الدالة إلى مثل هذه الحقائق العلمية دون الخوض فى التفاصيل. على أن تفسير النظرية السديمية لا تُفهم من الآية على سبيل الإلزام بحيث تحجر على الفهم المتجدد لكتاب الله.

стр. 130

وأيًّا كان الأمر فإن القرآن؟ بما اشتمل عليه من إشارات علمية صالح لمثل هذا الفهم، على ألا يؤخذ مأخذ اليقين لأن العلم دائماً في تطور، وفهم النص القرآني على أنه دليل قاطع على مسألة علمية من طبيعتها التطور والتغير، تحميل للقرآن بما ليس من طبيعته. فلا تؤخذ هذه البحوث وما شابهها مأخذ الجزم واليقين. وصلة هذه الإشارة العلمية بالإعجاز القرآني ظاهرة. ولكنها ليست الإعجاز الذي تحدى الله به العرب. ثالثاً - الإعجاز التشريعي: ويرى فريق آخر أن القرآن مُعجِز بما فيه من أحكام تشريعية خالدة. لم تحتج على تطاول الدهور إلى تعديل في أُصولها العامة، وأنها تستهدف خير الإنسانية، والحفاظ على الحقوق والواجبات، والقاعدة التي يبنى عليها الحكم قائمة على أساس المصلحة فالنافع مباح، والضار ممنوع. . يقول عبد الرزاق نوفل: " فقد أثبت التقدم الفكرى في العلوم في العصر الحديث أن القرآن كتاب علم قد جمع أصول كل العلوم والحكمة. وكل مستحدَث من العلوم، نجد أن القرآن قد وجه إليه أو أشار إليه ". ويقول العقاد: " وقد استوعب الإسلام مذاهب الاقتصاد - كما استوعب مذاهب الاجتماع - في عصر المصارف والشركات وقروضها وفوائدها، دون أن يعوق مصلحة من مصالحها البريئة في العُرف المشروع، وتمضى هذه المذاهب كما مضى غيرها فلا يؤوده بعدها أن يستوعب مذاهب الثروة في أيدى الآحاد، لا يمنع منها إلا ما يمنعه أولاً وآخراً من ضرر وضِرار ". يستشهد " نوفل " على الإعجاز العلمي التشريعي بآية الحيض التى نصها: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) .

стр. 131

وتحدث " نوفل " عن عِلَّة تحريم النساء زمن الحيض. ونلخص ملاحظاته منقولة من كتاب " القرآن والعلم الحديث " فيما يأتى: (أ) أن إفرازات الدم وقت الحيض تتكون من مواد سمية قاتلة، رحم الله الحائض بإخراجها منها. ولو بقيت في رحمها لقتلتها عن طريق التسمم. (ب) أن الأنثى في وقت الحيض تكون أعضاؤها التناسلية في حالة احتقان وأعصابها في حالة اضطراب، وتصاب في نفس الوقت بأعراض أمراض كالصداع وآلام الظهر وهبوط في الجسم. والاختلاط الجنسى في هذه الحالة يضر بها ضرراً كبيراً، فقد يمنع من نزول الحيض، وفي ذلك خطر عليها، وقد تُصاب باضطراب عصبى يصعب علاجه، أو التهابات في الأعضاء التناسلية لا يتيسر الشفاء منها. (ب) وقد يُصاب الرجل بالأمراض القاتلة، إذا غشى المرأة وقت الحيض إذا كانت به أعراض مرض غير ملحوظ. كالتهاب الخدوش أو الجروح وهنا تحدث الكارثة. (د) أن القرآن قد أوجب الاغتسال على الرجل والمرأة من الحيض والجنابة للتخلص من الإفرازات الضارة العالقة بالجسم وهي مواد سمية لأن بقاءها مضر. ثم يقول نوفل: " وهكذا قرر الطب وأفصح عما تهدف إليه آية لا تزيد على أربعة ألفاظ قصار جمعت أصول الطب الوقائى والعلاجى ". ونقول: إن في الآية إعجازاً من جهتين: علمية، وتشريعية في وقت واحد معاً وذلك ظاهر وقد استشهد الباقلاني ومالك بن نبى على الإعجاز التشريعي بآية المحرمات: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ. . .) . * * *

стр. 132

* قيمة هذه النظريات: هل ما تقدم من الإعجاز العلمي بمظاهره الثلاثة: الخبر الصادق عن الماضي، والتنبؤ الصادق عن المستقبل، والإشارات العلمية، والأحكام التشريعية. هل هذا هو الإعجاز المقصود؟ لا ريب أن فيما ذكروه من الفروع الثلاثة إعجازاً من حيث أن البَشرية لم تصل ولن تصل طاقاتها إلى شيء من ذلك. ولكنه في الوقت نفسه ليس هو الإعجاز المقصود بالتحدى؟ لأننا لو قلنا به للزم أن يكون بعض القرآن غير مُعجز، فليس القرآن كله إخباراً عن الماضي، أو تنبؤات عن المستقبل، وليس القرآن كله إشارات علمية، وليس القرآن كله أحكام تشريعية. القرآن كتاب جامع لشتى الفنون والعلوم. فإعجازه إذن كائن في غير ما ذكروه. " إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبيانه، لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحد بالإخبار عن الغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتى تصديقه بعد دهر تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان ". وهذا يسلمنا إلى الحديث عن المقصود الحقيقي بالإعجاز. وهو الإعجاز البياني الأدبي. * * *

стр. 133

الفصل الثاني الإعجاز البياني الأدبى لم يرتض أهل النظر أن يكون واحد مما سبق وجهاً من وجوه الإعجاز المقصود بالتحدى. فقد رفضوا الصرفة مطلقاً حين لم يَرْوا فيها معنى للإعجاز، ورفضوا غيرها كذلك. حتى ولو كان في نفسه مُعجِزاً. مثل الإشارات العلمية الصادقة التي طابقها العلم الحديث بعد قرون. ومثل الإخبار الغيبى عما سيكون وقد كان. ومثل الإخبار عن الماضي الذي ليس لمعرفته سبيل عند البَشر. ومثل التوجيه التشريعي الذي لم ينقض ولن ينقض لأنه تشريع حكيم عليم. رفضوا كل ذلك، وكان الحق معهم. وقد طلبوا للإعجاز وجهاً آخر أو وجوهاً تشمل القرآن كله من الفاتحة حتى الخاتمة. ولم يكن بدٌّ عند هؤلاء الحققين إلا أن يكون الإعجاز القرآني إعجازاً بيانياً أدبياً كامناً في أسلوبه ونظمه، وبلاغته وفصاحته، وحول هذا المعنى وضع كثير من العلماء مصنفات متخصصة فى بيان الإعجاز، واكتفى بعضهم بالإشارة دون البسط، فلم يضعوا في ذلك مصنفات. ونُبين في هذا الفصل آراء العلماء في ذلك مقدمين أصحاب المصنفات قديماً وحديثاً على غيرهم.

стр. 134

أولاً - أصحاب المصنفات ١ - الواسطى: وضع الواسطى كتاباً في الإعجاز ذكره ابن النديم وابن العماد وحاجى خليفة، وعنوانه: " إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه". وعنوان الكتاب موح بأن الواسطى كان يقول بالإعجاز البياني الأدبي رافضا ما عداه. ويؤيد هذا المحمل أن عبد القاهر الجرجانى شرح كتاب الواسطى شرحين، وعبد القاهر من أبرز القائلين بالإعجاز الأدبي البياني، وبحوثه في نظرية النظم معروفة. وهذا يدل على أن عبد القاهر كان معجباً بآراء الواسطى، وأنه ربما انتفع بها في وضع كتابه " دلائل الإعجاز " فهما إذن متفقان مذهباً. وقد مال إلى هذا الرأي بعض المحدثين. ومع هذا فإن الجزم بهذا الحكم غير مستساغ لضياع كتاب الواسطى نفسه، ولضياع شرحى الجرجانى عليه. * * * ٢ - الرماني: سبقت الإشارة إلى أن الرماني يرجع وجوه الإعجاز إلى سبع جهات. إحداها الصرفة وهي أمر خارج عن حقيقة القرآن كما سبق، لكنه لم يتحمس للصرفة كما تحمس لغيرها خاصة البلاغة التي جعلها وجهاً من وجوه الإعجاز، ثم قسمها عشرة أقسام وتناول كل قسم منها بالشرح والتمثيل فكان بارعاً فى ذلك كله.

стр. 135

* اضطراب الرماني في الرأي: لكن ذكره الصرفة مع الوجوه الأخرى جعله كالمتناقض مع نفسه؟ لأن الصرفة ترفع ما عداها فسواء أريد بها سلب العلوم الممكنة من المعارضة، أو سلب الدواعى، أو القسر والإلجاء. فإن القائل بها لا يسوغ منه القول بغيرها في آن واحد. والرماني يعترف بتوافر الدواعى لدى العرب لكنهم مع هذا تركوا المعارضة. إذن فإن معنى الصرفة عند الرماني هو سلب العلوم أو القسر والإلجاء ولولاهما لكان من المكن معارضة القرآن؟!. هذا لازم مذهبه وإن لم يُصرح هو به. فكيف يصح عند الرماني أن يكون للإعجاز منزع آخر مع الصرفة؟ - وعلى أية حال فإن الرماني قد اضطرب في رأيه وربما كان ذكره الصرفة نقليداً ومتابعة أو لم يتضع له خطل الرأي فيها. وعند شرحه لبلاغة القرآن فإنه لخص رأيه تلخيصاً وافياً وحسناً حيث يرى أن الكلام من حيث التلاؤم ثلاثة أقسام: متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلالم في الطبقة العليا. وقد ذكر للأول مثالاً قول الشاعر: وَقَبْرُ حَرْب بِمَكَان قَفْرُ. . . وَليْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبِ قَبْرُ أما الثاني فقد ساق له ثلاثة أبيات من الشعر هي: وَمَتْنِى وَستْرُ اللهِ بَيْنِى وَبَيْنَهَا. . . عَشِيةَ آرام الكُنَاسِ رَمِيمُ رَمِيمُ التِىَ قَالتْ لِجيِرانِ بَيْتِهَا. . . ضَمَنْتُ لكُمْ ألا يَزالُ يَهِيمُ ألاَ رُبَّ يَوْمٍ لوْ رَمَتْنِى رَمَيْتُهَا. . . وَلكِن عَهْدِى بِالنِّضَالِ قَدِيمُ

стр. 136

أما المتلائم في الطبقة العليا فهو القرآن وحده. كله لا بعضه ونص عبارته: " والتلائم في الطبقة العليا القرآن كله، وذلك بَينٌ لمن تأمله ". * * * * نماذج من تحليلاته: قال في باب الإيجاز: " والإيجاز على وجهين: حذف وقصر. فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها، بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. والقصر بنية الكلام على تقليل اللفظ وتكثير المعنى من غير حذف. فمن الحذف: (وَاسْأل القَرْيَةَ) ، و (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) . . ومنه حذف الأجوبة وهذَا أبلغ من الذِكر وما جاء منه فى القرآن كثير ". " وأما الإيجاز بالقصر دون الحذف فهو أغمض من الحذف وإن كان الحذف غامضاً. . فمن ذلك: (وَلكُمْ في القصَاص حَيَاةٌ) ، ومنه: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) . . وهَذا الضرب من الإيجاز في القرآن كثير. وقد استحسن الناس من الإيجاز قولهم: القتل أنفى للقتل. ويينه ويين لفظ القرآن تفاوت في البلاغة والإيجاز. وقال في باب التشبيه: ". . ونحن نذكر بعض ما جاء في القرآن من التشبيه وننبِّه على ما فيه من البيان بحسب الإمكان. فمن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كفَرُواْ أعْمَالُهُمْ كسَرابٍ) ، فهذا بيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحَاسة إلى ما تقع عليه. وقد اجتمعا في بطلان التوهم مع شدة الحاجة، وعظم الفاقة. ولو قيل: يحسبه الرائى ماء، ثم يظهر أنه على خلاف ما قدر

стр. 137

لكان بليغاً. وأبلغ منه لفظ القرآن: لأن الظمآن أشد حرصاً عليه، وتعلق قلبه به. ثم بعد هذه الخيبة، حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد فى النار. . . وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة ". وقال في باب الاستعارة: "ونحن نذكر ما جاء في القرآن من الاستعارة على جهة البلاغة. قال الله : (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) : حقيقة " قدمناَ " هنا: عمدنا. و " قدمنا " أبلغ منه، لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر، لأنه من أجل إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم. ثم قدم فرآهم على خلاف ما أمرهم. وفى هذا تحذير من الاغترار بالإمهال، والمعنى الذي يجمعهما العدل، لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل. والقدوم أبلغ لما بيَّنا. وأما " هباءً منثوراً " فبيان قد أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه حاسة ". وعلى هذا النمط الرائع يمضى الرماني في كثير من الأمثلة التي ذكرها شواهد على الفنون البلاغية في الأبواب الثلاثة المذكورة، وفي غيرها من الأبواب السبعة الأخرى. وفي كل موضع ينتصر لأسلوب القرآن ويكشف مظاهر الجمال فيه، ويخلص إلى أحكام نقدية مهمة حتى أصبح ما كتبه مصدراً غنياً للاحقين سواء أكان ذلك في فنون البلاغة نفسها، أو هي من حيث صلتها بإعجاز القرآن. ومن هنا فإن فكرة الإعجاز البياني الأدبي كانت هي المسيطرة على منهج الرجل حتى وإن ذكرها ضمن ما يناقضها - الصرفة - ويكفيه أنه رائد في هذا السبيل فيما كتبه ابتكار وغناء وإن قَل. * * *

стр. 138

٣ - الخطابي: الخطابى ناقد موضوعى، وأديب مرهف الحس، صادق الذوق، وكتابه فى الإعجاز ذو قيمة خاصة في موضوعه. وقد بدأ كتابه بمناقشة الآراء التى قيلت في الإعجاز ولم تكن منه. ثم رفضها. رفض أن يكون وجه الإعجاز الإخبارى عن الغيوب، كما رفض بدعة ْ- الصرفة وهكذا، ثم أخذ في بيان وجوه الإعجاز في نظم القرآن وتأليفه. وقد وصل إلى نتائج عظيمة الأثر في فهم الإعجاز. فقد بنى رأيه فيه على خصائص الأسلوب نفسه، وحددها في ثلاث جهات هى: ١ - لفظ حامل ٢ - معنى به قائم ٣ - رباط لهما ناظم. ثم حدَّد بعد ذلك أسباب عجز العرب عن محاكاة القرآن في ثلاث جهات أيضاً هي: ١ - عجزهم عن الإحاطة بأسماء اللغة العربية وألفاظها التي هي ظروف المعاني وحواملها. ٢ - جهلهم بجميع المعاني التي تحملها تلك الألفاظ. أي جهلهم بالمعاني كلها على سبيل الاستقصاء لا جهلهم بها مطلقاً. وإن لم يصرح هو بهذا إلا أن المقام يقتضيه. ٣ - عدم إدراكهم لجميع وجوه النظومِ التي يكون بها ائتلافها وارتباط بعضها ببعض.

стр. 139

ويسششهد على هذا فيقول: " فقد روى أن عمر بن الخطاب - وهو من الفصاحة بمكان - كان يقرأ قوله : (وَفَاكِهَةً وَأبًَا) ، فلا يعرفه فيراجع نفسه ويقول: ما الأبُّ؟ وكان ابن عباس ﵀ يقول: لا أعرف " حناناً "، ولا " غسلين "، ولا "الرقيم ". ثم يقول: " فأما المعاني التي تحملها الألفاظ، فالأمر في معاناتها أدق، لأنها نتائج العقول، وولائد الأفهام. وبنات الأفكار ". ثم يقول: " وأما رسوم النظم فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر، لأنها لجام الألفاظ، وزمام المعاني، وبه تنتظم أجزاء الكلام، ويلتئم بعضه ببعض، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان ". ويخلص من هذا كله إلى رأيه في الإعجاز على الوجه التالى: ١ - " أن القرآن إنما صار مُعجِزاً، لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف، مضمناً أصح المعاني ". ٢ - صنيعه في القلوب، وتأثيره في النفوس. فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً أو منثوراً إذا قرع السمع خلص إلى القلب. من اللذة والحلاوة فى حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى. ما يخلص من القرآن إليه ". وبهذا يتضح رأى الخطابى في الإعجاز البياني، إعجاز القرآن عنده كامن فى روعة لفظه. وحسن معناه، ودقة نظمه، وفي تأثيره في النفوس وسريانه إلى القلوب. * * *

стр. 140

٤ - الباقلاني: يعتبر كتاب الباقلاني - بحق - أهم ما كُتِبَ قديماً في هذا الموضوع، وقد حاز رضا المتأخرين، فأكثروا من الثناء عليه والذي يهمنا - الآن - أن نستوضح رأيه في الإعجاز، ونبين قيمته في إيجاز لاستفاضة ما كُتِبَ في هذا المجال. لم يهجم الباقلاني على المشكلة هجوماً. بل مهَّد للوصول إليها. فذكر ما ذهب إليه غيره. وذكر من ذلك ثلاثة آراء: ١ - الإخبار عن الغيوب المستقبلة. ٢ - الإخبار عن الأمم والأحداث الغابرة. ٣ - القول بالصرفة. ولكنه لم يرتض أن يكون واحد منها وجهاً من وجوه الإعجاز. وبعد أن فرغ من الرد عليها بدأ يذكر خصائص الأسلوب القرآني على الوجه الآتى: أولاً - خروج نظم القرآن عن سائر كلام العرب ونظومهم، وفي ذلك يقول: " إن قدر ما يقتضيه التقدم والحذق في الصناعة قدر معروف لا يخرق العادة مثله. ولا يعجز أهل الصناعة. ولا المتقدمين فيها عنه مع التحدى والتقريع بالعجز والقصور، لأن العادة جارية بجمع الدواعى والهمم على بلوغ منزلة الحاذق التقدم في الصناعة، وما أتى به النبي ﷺ قد خرج عن حد ما يُكسب بالحذق. ويقول: " إن عجز القوم عن معارضته دليل خروجه عن نمط كلامهم ". ثانياً - انفراده بالحسن رغم طوله، وفي ذلك يقول: " إنه ليس للعربى كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف البديع والمعاني اللطيفة، والفوائد

стр. 141

الغزيرة والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول. وعلى هذا القدر. وإنما تُنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما يغنيه بعد من الاختلال ". ثالثاً - بديع تأليفه، وفي ذلك يقول: " إنه عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص، ومواعظ، واحتجاج. وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد. وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة، وشيمة رفيعة. . . . ونجد كلام الناس البلغاء الكاملين، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف حسب اختلاف هذه الأمور ". رابعا - حسن الربط، وفي ذلك يقول: " إن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بينا في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظام، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع. على أن القرآن على اختلاف ما يتصرف إليه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والتباين كالتناسب، والتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد. وهذا أمر عجيب، تتبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة. ويخرج به الكلام عن حد العادة ويتجاوز العُرف ". (ملاحظة: يمكن دمج هذه الخاصة مع السابقة عليها دون أن يمس ذلك جوهر الموضوع لأن الموضعين متشابهان إلى حد كبير كما ترى) . خامساً - بلاغته، وفي ذلك يقول: " إن نظم القرآن وقع موقعاً من البلاغة، خرج به عن حد العادة في كلام الإنس والجن، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزناً.

стр. 142

سادساً - اشتماله على طرق تعبيرهم مع تفوقه، وفي ذلك يقول: " إن الذى ينقسم إليه الخطاب من البسط والاختصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجود في القرآن. وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم العتاد في الفصاحة والبلاغة والإبداع ". سابعاً - خلابة عباراته دائماً، وفي ذلك يقول: " إن المعاني التي تتضمن فى أصل وضع الشريعة، والأحكام، والاحتجاج في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها لبعض في اللطف والبراعة مما يتعذر على البَشر ". ثامناً - تألق التعبير القرآني إذا قُرِنَ بتعبير آخر، وفي ذلك يقول: " إن الكلام بين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة، في تضاعيف الكلام، أو تُقذف بين شِعر فتأخذه الأسماع، وتتشرف إليه النفوس، ويرى وجه رونقه بادياً عامراً سائر ما يقرن به كالدُّرَّة التي تُرى في سلك الخرز وكالياقوتة فى واسطة العقد ". تاسعاً - فواتح سوره، وفي ذلك يقول: " إن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون، وحملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهي أربعة عشَر حرفا ليدل بالمذكور على غيره. وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينتظم بها كلامهم ".

стр. 143

عاشراً - سهولته وامتناعه، وفي ذلك يقول: " إنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشى المستكره، والغريب المستنكَر، وعن الصفة التكلفة، وجعله قريباً إلى الأفهام يبادر معناه لفظه إلى القلب ويسابق المغزى منه العبارة إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع الطلب عزيز المنال ". * * * * وقفة مع الباقلاني: هذه نقول موجزة للوجوه التي بلغت عشراً عند الباقلاني اختص أسلوب القرآن بها عما سواه. وبها - عنده - وقع الإعجاز. وقد أطال المؤلف في شرح هذه الوجوه واستطرد في ذكر الشواهد استطرادا أخذَ عليه. لكنه ناقد ثاقب الفكرة قد يشفع له حُسن تحليَله للنصوص، وغوصه وَراء أسرار التعبير، مما وقع فيه من إطالة واستطراد. وقد رأينا تداخل بعض الوجوه التي ذكرها بعضها مع بعض. ويمتاز منهج الباقلاني في أنه يتخذ من وحدة العمل النظمى أساساً لدراسته فهو لم يعتبر الآية المفردة - بله الجملة - موضعاً للإعجاز، أو ظهور الروعة البيانية فيها، فإعجاز القرآن عنده يبدأ بالسورة المتكاملة، لأنها وحدة كملت لها عناصر وحدة الفكرة والشكل، وينتهى بالقرآن كله من حيث نفى الإعجاز عن الآية الواحدة وما دونها ويبدو عنده الإعجاز أكثر وضوحاً وتألقاً. وليس بلازم - فيما نرى - أن هذه الطريقة تقلل من قيمة الإعجاز المفهوم من الكلمة الواحدة في موضعها من الآية وفي موضعها من السورة. ولا شك أن خصائص العمل الفنى تكون أظهر وضوحاً في الوحدة الكاملة: القصيدة في الشعر، والقصة في النثر، والسورة في القرآن. ومن هنا اكتسب منهج الباقلاني عمقاً وأصالة إذ هو يقوم بدور الوسيط بين النص وقارئه.

стр. 144

ولهذا فإنه عمد إلى سورة كاملة هي سورة النمل، وحللها تحليلاً جميلاً رائعاً ليكشف مواطن الجمال فيها. * * * * البديع والإعجاز عند الباقلاني: الباقلاني يرفض أن يكون " البديع " الذي ذكروه وسيلة من وسائل كشف النقاب عن أسرار الإعجاز، وإن كان البديع فيه على أبهى صورة، وفي أجمل موقع. والأساس الذي بنى عليه المؤلف رأيه في البديع من حيث دلالته على وجوه الإعجاز هو أن هذه الأمور تنقسم، فمنها ما يمكن الوقوف عليه، والتعمل له، ويُدرك بالتعلم فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به، وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغة. فذلك هو الذي يدل على إعجازه. وعلى هذا فإن بعض وجوه الإعجاز عنده يمكن أن تُفهم من جهة البلاغة. مثل الفواصل، والتصرف في الاستعارة البديعة، والإيجاز، والبسط، وما إلى ذلك من مظاهر البلاغة. * والخلاصة: أن ما كتبه الباقلاني - مهما أخذَ عليه - ثروة نقدية عظيمة، ولفتات فنية رائعة. ولهذا فإن كتابه في الإعجَاز هو خير ما كُتِبَ فى عصره في هذا الموضوع، ولم يُرَ حتى الآن ما يقاربه أو يساويه. * * * ٥ - عبد القاهر الجرجانى: فى مقدمة " الدلائل " يحدد عبد القاهر المراد بالنظم وهو أنه: تعليق الكلم بعضها ببعض.

стр. 145

وهذا التعلق بين الكلم يعتمد على ثلاث حالات: أولاً: تعلق اسم باسم (الجملة الاسمية) ليكون خبرا عنه أو حالاً. أو تابعاً له (متعلقات الإسناد) . ثانياً: اسم بفعل، ليكون فاعلاً له، أو مفعولاً مطلقاً أو فيه أو له أو معه. ثالثاً: حرف بواحد منهما - أي الاسم والفعل - ويقع ذلك على وجوه مختلفة. ويرى أنه من الضرورى في معرفة الفصاحة أن نضع اليد على الخصائص التى تعرض في نظم الكلام وأن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة. وإنما تثبت لها المزية وخلافها من ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ. فإدراك العلاقات بين الكلمة المفردة من حيث وضعها في جملة، وما ينشأ عنها من معان أصلية أو ثانوية، ووضع المفردات في تظام معين حسب ترتيب المعاني في النفس مع اختيار تلك المفردات ليلائم بعضها بعضاً، وتتناسب من حيث هي نظم مع ما من أجله صيغ النظم. كل ذلك جهات ضرورية يعلو بها الكلام ويتفاضل في الدلالة وحسن البيان. وهذه المعاني إنما تأتى من مراعاة قوانين النحو، وتطبيقها عند وضع الكلمة فى أسلوب. . قال: " وليس النظم في مجمل الأمر إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنهاً. * * *
следующие страницы →