← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الغزيرة والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة والتشابه في البراعة، على هذا الطول. وعلى هذا القدر. وإنما تُنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة، وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة يقع فيها ما يغنيه بعد من الاختلال ". ثالثاً - بديع تأليفه، وفي ذلك يقول: " إنه عجيب نظمه، وبديع تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص، ومواعظ، واحتجاج. وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد. وتبشير وتخويف، وأوصاف وتعليم، وأخلاق كريمة، وشيمة رفيعة. . . . ونجد كلام الناس البلغاء الكاملين، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف حسب اختلاف هذه الأمور ". رابعا - حسن الربط، وفي ذلك يقول: " إن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتاً بينا في الفصل والوصل، والعلو والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظام، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع. على أن القرآن على اختلاف ما يتصرف إليه من الوجوه الكثيرة، والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والتباين كالتناسب، والتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد. وهذا أمر عجيب، تتبين به الفصاحة وتظهر به البلاغة. ويخرج به الكلام عن حد العادة ويتجاوز العُرف ". (ملاحظة: يمكن دمج هذه الخاصة مع السابقة عليها دون أن يمس ذلك جوهر الموضوع لأن الموضعين متشابهان إلى حد كبير كما ترى) . خامساً - بلاغته، وفي ذلك يقول: " إن نظم القرآن وقع موقعاً من البلاغة، خرج به عن حد العادة في كلام الإنس والجن، فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزناً.

стр. 142

سادساً - اشتماله على طرق تعبيرهم مع تفوقه، وفي ذلك يقول: " إن الذى ينقسم إليه الخطاب من البسط والاختصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجود في القرآن. وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم العتاد في الفصاحة والبلاغة والإبداع ". سابعاً - خلابة عباراته دائماً، وفي ذلك يقول: " إن المعاني التي تتضمن فى أصل وضع الشريعة، والأحكام، والاحتجاج في أصل الدين، والرد على الملحدين، على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها لبعض في اللطف والبراعة مما يتعذر على البَشر ". ثامناً - تألق التعبير القرآني إذا قُرِنَ بتعبير آخر، وفي ذلك يقول: " إن الكلام بين فضله، ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة، في تضاعيف الكلام، أو تُقذف بين شِعر فتأخذه الأسماع، وتتشرف إليه النفوس، ويرى وجه رونقه بادياً عامراً سائر ما يقرن به كالدُّرَّة التي تُرى في سلك الخرز وكالياقوتة فى واسطة العقد ". تاسعاً - فواتح سوره، وفي ذلك يقول: " إن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون، وحملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة وهي أربعة عشَر حرفا ليدل بالمذكور على غيره. وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينتظم بها كلامهم ".

стр. 143

عاشراً - سهولته وامتناعه، وفي ذلك يقول: " إنه سهل سبيله، فهو خارج عن الوحشى المستكره، والغريب المستنكَر، وعن الصفة التكلفة، وجعله قريباً إلى الأفهام يبادر معناه لفظه إلى القلب ويسابق المغزى منه العبارة إلى النفس، وهو مع ذلك ممتنع الطلب عزيز المنال ". * * * * وقفة مع الباقلاني: هذه نقول موجزة للوجوه التي بلغت عشراً عند الباقلاني اختص أسلوب القرآن بها عما سواه. وبها - عنده - وقع الإعجاز. وقد أطال المؤلف في شرح هذه الوجوه واستطرد في ذكر الشواهد استطرادا أخذَ عليه. لكنه ناقد ثاقب الفكرة قد يشفع له حُسن تحليَله للنصوص، وغوصه وَراء أسرار التعبير، مما وقع فيه من إطالة واستطراد. وقد رأينا تداخل بعض الوجوه التي ذكرها بعضها مع بعض. ويمتاز منهج الباقلاني في أنه يتخذ من وحدة العمل النظمى أساساً لدراسته فهو لم يعتبر الآية المفردة - بله الجملة - موضعاً للإعجاز، أو ظهور الروعة البيانية فيها، فإعجاز القرآن عنده يبدأ بالسورة المتكاملة، لأنها وحدة كملت لها عناصر وحدة الفكرة والشكل، وينتهى بالقرآن كله من حيث نفى الإعجاز عن الآية الواحدة وما دونها ويبدو عنده الإعجاز أكثر وضوحاً وتألقاً. وليس بلازم - فيما نرى - أن هذه الطريقة تقلل من قيمة الإعجاز المفهوم من الكلمة الواحدة في موضعها من الآية وفي موضعها من السورة. ولا شك أن خصائص العمل الفنى تكون أظهر وضوحاً في الوحدة الكاملة: القصيدة في الشعر، والقصة في النثر، والسورة في القرآن. ومن هنا اكتسب منهج الباقلاني عمقاً وأصالة إذ هو يقوم بدور الوسيط بين النص وقارئه.

стр. 144

ولهذا فإنه عمد إلى سورة كاملة هي سورة النمل، وحللها تحليلاً جميلاً رائعاً ليكشف مواطن الجمال فيها. * * * * البديع والإعجاز عند الباقلاني: الباقلاني يرفض أن يكون " البديع " الذي ذكروه وسيلة من وسائل كشف النقاب عن أسرار الإعجاز، وإن كان البديع فيه على أبهى صورة، وفي أجمل موقع. والأساس الذي بنى عليه المؤلف رأيه في البديع من حيث دلالته على وجوه الإعجاز هو أن هذه الأمور تنقسم، فمنها ما يمكن الوقوف عليه، والتعمل له، ويُدرك بالتعلم فما كان كذلك فلا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن به، وأما ما لا سبيل إليه بالتعلم والتعمل من البلاغة. فذلك هو الذي يدل على إعجازه. وعلى هذا فإن بعض وجوه الإعجاز عنده يمكن أن تُفهم من جهة البلاغة. مثل الفواصل، والتصرف في الاستعارة البديعة، والإيجاز، والبسط، وما إلى ذلك من مظاهر البلاغة. * والخلاصة: أن ما كتبه الباقلاني - مهما أخذَ عليه - ثروة نقدية عظيمة، ولفتات فنية رائعة. ولهذا فإن كتابه في الإعجَاز هو خير ما كُتِبَ فى عصره في هذا الموضوع، ولم يُرَ حتى الآن ما يقاربه أو يساويه. * * * ٥ - عبد القاهر الجرجانى: فى مقدمة " الدلائل " يحدد عبد القاهر المراد بالنظم وهو أنه: تعليق الكلم بعضها ببعض.

стр. 145

وهذا التعلق بين الكلم يعتمد على ثلاث حالات: أولاً: تعلق اسم باسم (الجملة الاسمية) ليكون خبرا عنه أو حالاً. أو تابعاً له (متعلقات الإسناد) . ثانياً: اسم بفعل، ليكون فاعلاً له، أو مفعولاً مطلقاً أو فيه أو له أو معه. ثالثاً: حرف بواحد منهما - أي الاسم والفعل - ويقع ذلك على وجوه مختلفة. ويرى أنه من الضرورى في معرفة الفصاحة أن نضع اليد على الخصائص التى تعرض في نظم الكلام وأن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة. وإنما تثبت لها المزية وخلافها من ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ. فإدراك العلاقات بين الكلمة المفردة من حيث وضعها في جملة، وما ينشأ عنها من معان أصلية أو ثانوية، ووضع المفردات في تظام معين حسب ترتيب المعاني في النفس مع اختيار تلك المفردات ليلائم بعضها بعضاً، وتتناسب من حيث هي نظم مع ما من أجله صيغ النظم. كل ذلك جهات ضرورية يعلو بها الكلام ويتفاضل في الدلالة وحسن البيان. وهذه المعاني إنما تأتى من مراعاة قوانين النحو، وتطبيقها عند وضع الكلمة فى أسلوب. . قال: " وليس النظم في مجمل الأمر إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه فلا تزيغ عنهاً. * * *

стр. 146

* الإعجاز كائن في النظم: وعلى هذا الأساس مضى عبد القاهر في " الدلائل " يعرض لوجوه تركيب الكلام ويحلل الأساليب والنصوص المختلفة. سائراً في دراسته على المنهج الذى وضع أصوله هو محتكماً إلى الذوق والعُرف اللغوي كثيراً. لافتاً إلى مواطن الحسن والقبح في الأسلوب على أساس من التوجيه العلل. فكان بهذا رائداً من رواد النقد الجمالى والذوق المصفى دون منازع. وتراه يقترب من الحديث عن وجه الإعجاز في القرآن. فيقول: " فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء مما عددناه لم يبق إلا أن يكون الاستعارة، ولا يمكن أن تكون الاستعارة الأصل في الإعجاز، وأن يقصد إليها. لأن ذلك يؤدى إلى أن يكون الإعجاز في آى معدودة، في مواضع من السور الطوال مخصوصة. وإذا امتنع ذلك فيها لم يبق إلا أن يكون في النظم - والتأليف ". * * * * استداراك منصف: ويستدرك عبد القاهر سؤالاً عن وظيفة الاستعارة حين رفض أن تكون الأصل فى الإعجاز هل هي خارجة عنه؟ ويجيب عن هذا السؤال فيقول: (فإن قيل: قولك: " إلا النظم " يقتضي إخراج ما في القرآن من الاستعارة وضروب المجاز من جملة ما هو به معجز؟ وذلك ما لا مساغ له؟ قيل: ليس الأمر كما ظننت بل ذلك يقتضي دخول الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم، وعنها يحدث وبها يكون لأنه لا يُتصور أن يدخل شيء منها في الكلام وهي أفراد لم يتوخ فيما بينها حكم من أحكام النحو. فلا يُتصور أن يكون ههنا فعل أو اسم قد دخلته الاستعارة من

стр. 147

دون أن يكون قد ألف مع غيره. أفلا ترى أنه إن قدر في " اشتعل " من قوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيْباً) أن لا يكون " الرأس " فاعلاً له، ويكون " شيباً " منصوباً عنه على التمييز لم يتصور أن يكون مستعارا وهكذا السبيل في نظائر الاستعارة فاعرف ذلك ". * * * * والخلاصة: فالإعجاز إذن عند عبد القاهر في النظم والتأليف على طريقة مخصوصة وليس شيئاً خارجا عنه. وأن الوجوه البلاغية ليست أصلاً فى الإعجاز. وإنما تدخل في مقدماته من حيث إنها دعامة في بناء الأسلوب أو النظم الرفيع، والقرآن إنما أعجز العرب بهذا الوصف دون ما سواه. وقد حلل عبد القاهر في مواضع مختلفة بعض نصوص القرآن الكريم مبينا ما فيها من سمات أسلوبه الدقيق. ونظمه الرائع. مثل قوله تعالى: (وَقيلَ يَا أرْضُ ابْلعِى مَاءَكِ. . . . . .) . وقوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيْباً. . . .) . وكان في تحليله لهما بارعاً كل البراعة. فاهما كل الفهم لجودة الأسلوب ومواطن الجمال فيه. ولهذا كان منهج عبد القاهر ذا خطر عظيم في فهم النصوص ونقدها منتهيا من كل ذلك إلى نتائج تكاد تشبه القوانين الرياضية لا يكاد يختلف معه فيها منصف. وكان كتابه " دلائل الإعجاز " فتحاً جديدا في النقد الجمالى، ومن أوضح وأعمق ما كُتِبَ في دلائل الإعجاز. * * *

стр. 148

٦ - جلال الدين السيوطي: وضع السيوطي كتاباً في إعجاز القرآن أسماه " معترك الأقران في إعجاز القرآن " ويقع في ثلاثة أجزاء كبار وقام بتحقيقه لأول مرة الأستاذ على محمد البجاوى، وبلغت صفحات الجزء الأول منه " ستمائة وثلاثاً وأربعين صفحة"،وهو الجزء الذي تمكن لى الاطلاع عليه. وعنوان الكتاب يوحى بموضوعه. فقد جمع فيه السيوطي آراءً وأقوالاً مستفيضة حول إعجاز القرآن وعلومه المختلفة. والكتاب مليء بالمعارف والتوجيهات العلمية فهو بحق سفر من أسفار الدراسات القرآنية الجادة. وبلغت وجوه إعجاز القرآن في هذا الجزء خمسة وثلاثين وجهاً قال السيوطي فى مقدمة ذكرها: " وقد أفرد علماؤنا - رضى الله عنهم - بتصنيف إعجاز القرآن، وخاضوا في وجوه إعجازه كثيراً، منهم الخطابى والرماني، والزملكانى، والإمام الرازى، وابن سراقة، والقاضي أبو بكر الباقلاني (١) . وأنهى بعضهم وجوه إعجازه إلى ثمانين. والصواب أنه لا نهاية لوجوه إعجازه كما قال السكاكى في الفتاح: " اعلم أن إعجاز القران يُدرك ولا يمكن وصفه. كاستقامة الوزن تُدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. وكما يُدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوى الفطر السليمة، إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهاً. ويؤخذ من هذا النص ما يأتى: أولاً: أن السيوطي مؤمن بأن ما ذكره من الوجوه الخمسة والثلاثين التي عزا إليها

стр. 149

الإعجاز القرآني، والتي أنهاها بعضهم إلى ثمانين كما ذكر هو، مؤمن بأن هذه الوجوه كلها تصلح توجيها لبيان الإعجاز القرآني. ثانياً: ومما يراه السيوطي كذلك أن وجوه الإعجاز لا تقف عند هذا الحد. بل هى لا نهاية لها. ثالثاً: أنه يتخذ من عبارة السكاكى التي نقلها دليلاً على رأيه. والحق أن عبارة السكاكى لا يُفهم منها صراحة أن السكاكى يرى تعدد وجوه الإعجاز على الوجه الذي نهج عليه السيوطي. فقد يكون الإعجاز عنده - السكاكى - وجهاً واحداً يُدرك ولا يمكن ضبطه وجعله تحت مقياس معين. وقد يكون وجوها كثيرة لا تخضع لقواعد الحساب. وعلى كل فإن استشهاد السيوطي بكلام السكاكى غير مسلم. فهل لاستقامة الوزن عامل واحد أدى أن يكون جميلاً آسراً. أم له عوامل متعددة. الذي أفهمه أن السكاكى يرى أن الجمال الفنى - وفي قمته الإعجاز - إحساس نفسي لا تتيسر العبارة عنه، وذلك شأن الحقائق الكبرى. فإذا رجعنا إلى ما ذكره السيوطي فإننا نجد بين ما ذكره وجوهاً هي قطعاً ليست من الإعجاز في شيء. وإن كانت لازمة من لوازم القرآن. من ذلك أنه ذكر أول وجه من وجوه إعجازه " العلوم المستنبطة منه "، ثم " كونه محفوظاً من الزيادة والنقصان "، و " مشتبهات آياته "، و" ورود مشكله "، و "وقوع ناسخه ومنسوخه "، ثم " ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات "، ثم " إخباره بأحوال القرون السالفة والأمم البائدة "، ثم " تيسيره تعالى حفظه وتقريبه " هذه وجوه ثمانية، ولها

стр. 150

مماثل لم نذكره، أوردها السيوطي ضمن وجوه إعجاز القرآن وهي ليست من الإعجاز المقصود بالتحدى. وقد راح بما له من سعة إطلاع يشرح كل وجه ذكره مدعوماً بالأمثلة. وإذا صرفنا النظر عما وقع في الكتاب من وجوه ليست للإعجاز. فإن جل الوجوه التي ذكرها هي في الواقع شرح وتفصيل للإعجاز البياني الأدبي. وقد أورد من ذلك الكثير مثل: حسن تأليفة والتئام كلمه (١/٢٧) . ومناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض (١/٥٤) . وافتتاح السور وخواتيمها (١/ ١٧١) . إفادة حصره واختصاصه (١/ ١٨١) . كما ذكر من ذلك وجوه مخاطباته، ووقوع الحقائق والمجاز. والتشبيهات والاستعارات فيه والتعريض ووقوع البدائع البليغة فيه واحتواءه على الخبر والإنشاء. . . . إلخ، ولهذا فإن الباحث الذي يطلع على ما كتبه السيوطي يدرجه مع الجمهرة المحققة القائلة بأن إعجاز القرآن في نظمه وأدبه وبيانه، وإن جمع هو بين وجهات النظر المختلفة في هذا المجال. على أن السيوطي - على كثرة ما ذكر من وجوه - لم يذكر الصرفة واحداً من بينها، وهذا يدل دلالة قاطعة على أنه يرفض هذا الرأي رفضاً جعله ينأى عن مجرد ذكره. * * * * نماذج من تحليلاته البيانية: قال في باب الاستعارة: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) استعير الحبل المحسوس للعهدَ وهو معقول. (فَاصدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) استعير الصدع وهو كسر الزجاجة وهو محسوس

стр. 151

للتبليغ وهو معقول. والجامع التأثير وهو أبلغ من " بَلغ ". وإن كان بمعناه؛ لأن تأثير الصدع أبلغ من تأثير التبليغ، والصدع يؤثر جزماً ". وقد فاته أن يحلل المجاز في " ضُرِبَتْ " وهو تعبير له دور مهم في رسم الصورة الأدبية التي أوحت بها الآية الكريمة. أما تحليله للآية الثانية: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فقد كان رائعاً كما ترى. وقال في باب التشبيه: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ. .) فإن فيه عشر جُمل وقع التركيب من مجموعها بحيث لو سقط منها شيء اختل التشبيه. إذ المقصود تشبيه حال الدنيا - في سرعة تعفيها وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها - بحال ماء نزل من السماء، وأنبت أنواع العُشب، وزُيِّنَ بزخرفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلَّمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة، فكأنها لم تكن بالأمس. وقال بعضهم: وجه تشبيه الدنيا بالماء أمران: أحدهما: أن الماء إذا أخذتَ منه أكثر من حاجتك تضررتَ، وإن أخذت قدر الحاجة انتفعتَ به، فكذلك الدنيا. والثاني: أن الماء إذا أطبقتَ عليه كفك لتحفظه لم يحصل فيه شيء، فكذلك الدنيا ". وفي هذا القول تسامح لأن المشبه به هو جملة التركيب لا الماء وحده. * * *

стр. 152

٧ - الرافعي: الرافعي رائد من رواد النهضة الحديثة، وكتاباته تتسم بالعمق والأصالة ومنها ما كتبه حول إعجاز القرآن والبلاغة النبوية. وقد خصهما بكتاب، كتب فيه فصولاً عن الإعجاز القرآني بعد أن سرد أقوال السابقين فيه. وقد أبان في مقدمتها أنه سيتناول الإعجاز القرآني من غير الجهة التي مضى عليها الأقدمون، بعد أن أوضح أن الإعجاز القرآني إنما يرجع إلى الأسلوب والنظم والتأليف. قال: " وهذا الأسلوب. إنما هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، ليس من ذلك شيء إلا وهو مُعجِز. . وهو الذي قطع العرب دون المعارضة واعتقلهم عن الكلام فيها. وضربهم بالحُجة، من أنفسهم وتركهم على ذلك يتلكأون ". وبقول: " ورد عليهم من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه فى كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته، وما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة ". والإعجاز عند الرافعي - كما يبدو من نصيه المذكورين - إنما هو في النظم والتألف، وعندما عمد الرافعي إلى الحديث الفصل عن الإعجاز نراه قد جمع فى آرائه بين ما قاله الأولون. وبين ما اتفق له ولم يسبق لغيره. فهو - إذن - لم يتحدث عنه من وجهة جديدة كما قال. ولذلك فسنوجز آراءه إيجازاً غير مخل فيما يأتى: * وجوه الإعجاز البياني عند الرافعي: ١ - الكمال اللغوي: وذلك بالنزول عن التحدى بمثل القرآن كله. . إلى عشر سور مثله مفتريات - كما زعموا - إلى سورة واحدة من مثله. . ولو هم أرادوا

стр. 153

هذه السورة الواحدة ما استطاعوها. لأن إحساسهم منصرف إلى أصل الكمال اللغوي في القرآن، مستغرق فيه. فلا يرون المعارضة تكون إلا على هذا الأصل وهو شيء لا تناله القُدرة. ٢ - التكرار: الذي يجيء في بعض آيات القرآن فتختلف في طرق الأداء وأصل المعنى واحد في العبارات المختلفة. وهو مذهب للعرب معروف ولكنهم لا يذهبون إليه إلا في ضروب من خطابهم للتوكيد والتهويل. بَيْدَ أن وروده فى القرآن مما حقق للعرب عجزهم بالفِطرة عن معارضته، وأنهم يخلون عنه لقوة غريبة فيه لم يكونوا يعرفونها إلا توهماً، ولضعف غريب في أنفسهم لم يعرفوه إلا بهذه القوة، لأنهم عجزوا عن السورة الواحدة. فكان عجزهم عن السورتين، وما عداهما أبين وأظهر. ٣ - وجه تركيبه: فإنه مباين بنفسه لكل ما عُرِف من أساليب البلغاء فى ترتيب خطابهم وتنزيل كلامهم، على أنه يؤاتى بعضه بعضاً، وتناسب كل آية منه كل آية أخرى في النظم والبلاغة. على اختلاف المعاني وتباين الأغراض. . . إذ يبدو كأنه قطعة واحدة، والبلغاء تختلف أساليبهم في أنفسها من القوة إلى الضعف لأسباب. وعِلل لا يصعب الكشف عنها في نفس القائل. ٤ - لأنه ليس وضعاً إنسانياً ألبتة، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب، أو مَن جاء بعدهم إلى هذا العهد، ولا من الاختلاف فيه بين في طريقته ونسقه ومعانيه. وقد كان هذا سبباً من أسباب ضعف المعارضة فيهم. لأنهم لم يبلغوا شأواً يؤهلهم للإتيان بمثل القرآن. ٥ - سلامة أسلوبه من القلق والاضطراب، فليس فيه من الغرابة التى يكسوها البلغاء كلامهم في تجويد وصفه وحبكه. إنما فيه غرابة الانسجام،

стр. 154

والسهولة التي يسيل بها القرآن، وهي سهولة الأوضاع الإلهية، التي يعرفها كل الناس ويعجز عنها كل الناس. ٦ - ليس فيما بين الدفتين إلا رهبة ظاهرة، وإلا أثر من التمكن يصف لك منزلة المخلوق من أمر الخالق، ولا تجد من أغراضه إلا ما كان في وصفه مادة لتلك الرهبة. ولذلك الأثر والروح. ٧ - ما في أسلوبه من اللين والمطاوعة على التقليب والمرونة في التأويل بحيث لا يصادم الآراء الكثيرة المتقابلة، التي تخرج بها طبائع العصور المختلفة، وكلام الناس لا يحتمل مثل هذه الوجوه. بل إنه كلما كان أدنى إلى البلاغة كان نصاً في معناه، ثابتاً في حيزه. ٨ - ما فيه من البلاغة والفصاحة يقتضيه اقتضاءً طبيعياً. بحيث يبنى هو عليها ولا تبنى هي عليه فكل ما فيه من مجاز وتمثيل وكفاية لا يصح فى الجواز أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره في موضعه، ولو أدرت اللغة على هذا الوضع. ٩ - أن موسيقى ألفاظه نمط فريد ليس معروفاً لهم في كلامهم، حتى لم يكن لمن يسمعه بدٌّ من الاسترسال إليه، فإنه إنما يسمع ضرباً خالصاً من الموسيقى اللغوية، كأنما يوقع إيقاعاً لا يتلى تلاوة. ١٠ - أنه لا يخلق على كثرة الرد، وطول الدهر، ولا تجد لذلك سراً إلا دقة النظم وإعجازه، وخصائصه الموسيقية، وتساوق حروفه على أصول مضبوطة من بلاغة النغم بالجهر والهمس والمد والغن، ثم اختلاف ذلك في الآيات بسطاً وإيجازاً وإفراداً وتركيباً.

стр. 155

١١ - أن القرآن انفرد بصوت الحس الذي خلت من صريحه لغتهم وهو الذى يتكون من دقة التصوير المعنوي، والإبداع في تلوين الخطاب، بمجاذبة النفس مرة ومداهنتها منها مرة أخرى، والتنقل بها من شأن إلى شأن حتى تتصل بالمعنى وتصبح كأنها هي التي تطلبه فتقع في أسره. هذا الصوت خَلتْ منه لغتهم وانفرد به القرآن. لأنه من الكمال اللغوى الذى تعاطوه ولم يعطوه. ١٢ - أن بلاغة القرآن لا تعتمد على الخيال الشعرى، أو العادة الثابتة، أو العاطفة المطمئنة، وإنما يرجع الأسر فيها إلى جرس الحروف في الكلمات ومواقع الحروف والكلمات وطريقة نظمها. ١٣ - أنه يتلطف في تحريك الشاعر والرفق بها فلا تضيق به النفس، ولا تتخونها منه ملالة. ١٤ - أن القرآن بمادته اللغوية أصبح فوق اللغة التي يحذقها اللسن من الناس لأنها في القرآن في تركيب ممتنع أن يأتي بمثله الناس. فخرجت من لغة الاستعمال إلى لغة الفهم. وكونت طبقة عقلية من اللغة ومن ثَم تتنزل الأفكار منزلة التوهم الطبيعى الذي يؤثر بالصفة ما يؤثر بالشيء الموصوف. بل بما وفَّى وزاد. ١٥ - أن الحركات النحوية والصرفية في القرآن لها من حكم البلاغة والفصاحة ما للكلمات والتركيب، لشدة ما بينها من تلازم واتساق. وهذا سر من أسرار الإعجاز فيه. * * *

стр. 156

* إيضاح لازم: هذه خلاصة سريعة لما انتهى إليه الرافعي من خصائص أسلوب القرآن نقلناها من كتاب " إعجاز القرآن "، متصرفين في كثير من عباراته توخيا للإيجاز وشمول الأفكار حتى يمكننا أن نتصور رأيه في الإعجاز تصورا واضحاً. على أن الباحث - إذا رجع إلى كتابه يجد المؤلف لم يحدد لكل خاصة من الخصائص التي ذكرها مجالاً معيناً، بل التعميم كان طابعه فيما يقول. وقد أخذ عليه هذا أحد المعاصرين (١) . فمثلاً: الكمال اللغوي يمكن أن يندرج تحت بعض ما ذكره من الخصائص الأخرى مثل ما للحركات النحوية والصرفية من البلاغة، والنغم الموسيقي، واختصاص القرآن بطريقة في استعمال الكلمات كالإفراد دائماً، أو الجمع دائماً. وهكذا فهو شبيه بالباقلاني في تعدد الأقسام مع إمكان دمج بعضها مع بعض يُسر وانسجام. * * * * قيمة ما انتهى إليه الرافعي: ليس من الإنصاف أن نُقلل من شأن ما كتبه الرافعي، ففيه جدة وطرافة وعمق نظر. ومن الجديد الذي له ما يأتى: (أ) ما أسماه: صوت الحس، وقد سبق شرحه. (ب) ما أسماه: التوهم الطبيعى. (ب) ما أسماه: الاقتصاد في التأثير على النفس. أما ما عدا هذه الثلاث فإن الرافعي يدور معها في فلك السابقين. وإن زعم هو غير ذلك كما تقدم.

стр. 157

فإن ما بقى بعد هذا الوجوه الثلاثة قد تطرق إليها مَنْ قبله. وخاصة الباقلاني مع اختلاف في الأسلوب عند كل منهما. * * * * ما يؤخذ عليه: أولاً: أنه ينهج في كتابه منهج التعميم ولم يذكر أمثلة تدعم فكرته. وكان حرياً به أن يفعل. ثانياً: نفيه اعتماد القرآن على الخيال الشعرى. فإن كان قصده من ذلك صور المجاز والتمثيل والتشبيه، فهو قطعاً غير موفق فيما ذهب إليه. ولا إخاله قد قصد ذلك وإن كان قصده ما يجنح إليه بعض الشعراء من التصورات الوهمية كأطراف النار في أعواد كبريت، وما إلى ذلك مشبهاً بهما صوراً من الواقع. إن كان يريد ذلك فنحن معه في شيء من الحيطة. وإلا فإنه قد أثبت نظيره لما سماه: اللغة العقلية التي تتنزل المعاني منها منزلة التوهم الطبيعى. وعلى كل فإنه لم يفصح عن مراده ولم يضرب أمثلة كعادته في منهج الكتاب. ثالثاً: أنه لم يضع فواصل دقيقة بين الوجوه التي أوردها. ولهذا فإن الباحث لا يعرض للخطأ إذا دمج بعضها في بعض. * * * * دفاع عنه: قال الرافعي: " فالقرآن معجز في تاريخه، دون سائر الكتب، ومعجز فى أثره الإنسانى، ومعجز كذلك في حقائقه. وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء فهى باقية ما بقيت ".

стр. 158

لم يرض هذا القول عبد الكريم الخطيب، ونقده على أساس أننا لو قلنا إن القرآن مُعجِز في تاريخه لكان معنى ذلك أن القرآن نزل خالياً من صفة الإعجاز واكتسب هذا الإعجاز بمرور الزمن أياماً ودهوراً. وهذا نقد وجيه - كما ترى - إذ لا يمكن أن يكون الإعجاز المتحدَى به هو هذا الوجه. ولكن يمكن حمل كلام الرافعي على أن تلك الوجوه المعجِزة التى أفاض في الحديث عنها لم ينتقض منها وجه على مر الأيام والدهور. فهى باقية كيوم تحدى بها. وعلى هذا فلا حُجة للخطيب في نقده. * * * ٨ - محمد عبد الله دراز: وضع دراز كتاباً دعاه " النبأ العظيم "، أو " نظرات جديدة في القرآن ". وقدم في هذا الكتاب دراسة غنية جداً عن القرآن الكريم، وقد قسمها قسمين: القسم الأول: خاص بتحديد معنى القرآن. وقد استغرق منه اثنتى عشرة صفحة من القطع الكبير. والقسم الثاني: وقفه على بيان مصدر القرآن. أهو من صنع بَشر؟ وهل فى المواهب البَشرية ما يمكن أن يصدر عنها بيان في صفة هذا الكتاب العظيم؟ ناقش هذه الفكرة متتبعاً جميع فروضها. وانتهى من المناقشة إلى أن القرآن ليس له مصدر بَشرى لا في نفس محمد ﷺ ولا في نفس غير محمد. بل ذلك تنزيل العزيز الحكيم. وقد استبد هذا القسم ببقية صفحات الكتاب البالغ عددها مائتين وعشر صفحات. قدم خلالها بحوثاً عظيمة ونظريات رائعة في محيط القرآن وإعجازه، والذي يهمنا من هذا الكتاب ما أجمله المؤلف من خصائص الأسلوب القرآني فى قطعة قطعة منه. وكانت عنده على الوجه الآتى:

стр. 159

* خصائص أسلوب القرآن عند دراز: (أ) ، (ب) القصد في اللفظ. . والوفاء بحق المعنى: هذه خاصة لم تُعرف لغير القرآن. فإن أبلغ البلغاء من الناس لا يستطيع أن يأتى بكلام لفظه قليل، ومعناه واف وهو إن اتفق له في الموضع الواحد والموضعين، فلا يتفق له في جملة كلام. شعراً أو نثراً. وما هو بحاصل إلا على كلام نسبى غير مطرد، بحسب ما أوتِىَ من إلهام وتوفيق. فأبلغ البلغاء إذا حفل باللفظ أضر بالمعنى، وإذا حفل بالمعنى أضر باللفظ. نهايتان مَن حاول أن يجمع بينهما وقف منهما موقف الزوج بين ضرتين، لا يستطيع أن يعدل بينهما دون ميل إلى إحداهما. خذ من القرآن مقداراً من الكلام. وقارنه بما يساويه من كلام البلغاء تجد عجباً. ثم انظر أي الكلامين تستطيع أن تتناوله بالتعديل أو التبديل دون أن تخل بمعناه؟ ولو نزعتَ منه - أي القرآن - لفظة. ثم أدرت لسان العرب لتضع موضعها لفظة أحسن منها لم تجد ". (جـ) ، (د) خطاب العامة. . وخطاب الخاصة: وهاتان غايتان تقصر عنهما همم الناس، فمَن يخاطب منهم الأذكياء بالواضح المكشوف نزل بهم مستوى لا يرضونه. ومَن يخاطب العامة باللمحة والإشارة حملهم على ما لا يطيقون. فلا بدَّ من التفرقة في الخطاب بين المقامين،. ولا يوجد في الناس مَن يُحسن هذا كائناً مَن كان. لا تجد ذلك على أتمه إلا في القرآن الكريم. هو متعة العامة ونزهة الخاصة، ميسَّر لكل مَن أراد.

стр. 160

(هـ) (و) إقناع العقل. . وإمتاع العاطفة: فى النفس قوتان، قوة تفكير وقوة وجدان. وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة الأخرى. ولا تجد بليغاً يفى لك بحاجة القوتين في عبارة واحدة. ولكنك تجد ذلك في القرآن الحكيم. في أجمل صورة وأوضح بيان. (ز) ، (ح) البيان. والإجمال: وهذه عجيبة أخرى لا تجدها في غير القرآن؛ لأن الناس إن عمدوا إلى تحديد أغراض لم تتسع لتأويل. وإذا أجملوها ذهبوا إلى الإبهام والإلباس، أو اللغو الذي لا يفيد، ولا يكاد يجتمع لهم هذان الطرفان في كلام واحد. أم القرآن فإنه يستثمر برفق أقل ما يمكن من الألفاظ في أكثر ما يمكن من المعاني يستوى في ذلك مواضع إجماله. التي يسميها الناس مقام الإيجاز، ومواضع تفصيله التي يسمونها الإطناب. . . ولذلك نسميه إيجازاً كله لأننا نراه فى كِلا المقامين لا يجاوز سبيل القصد، ولا يميل إلى الإسراف. * * * * تعقيب: هذه خلاصة أمينة لخصائص القرآن كما ذكرها دراز، حاولتُ قدر المستطاع أن أحافظ على عبارته إلا ما قَل من التصرف توخياً للإيجاز. ونحن مع المؤلف في نتائجه، لكننا لا نرى سنداً يمكن أن يُعتمد عليه فى عده أسلوب القرآن إيجازاً كله. وذلك للأسباب الآتية: ١ - أنه خرقٌ لما أجمع عليه العلماء من أن في القرآن إيجازاً وإطناباً ومساواة وقد أقاموا الدليل القاطع على كل أولئك. ٢ - أن القرآن نفسه حين يقارن بين موضعين فيه اتحدا في الفكرة نجد فروقاً بين ذينك الموضعين أحدهما: ملحوظ فيه الإطناب في موضع، والثاني: الإيجاز، ومن أمثلة ذلك:

стр. 161

ما ورد في قصة آدم ﵇ في سورة " أهل الكهف " حيث لم يتعد الآية الواحدة، بينما جاء في مواضع أخرى " الحجر " و " سورة ص " - مثلاً - مطنباً إذا ما قسناه بآية الكهف. ٣ - أن هذا الرأي - اعتبار القرآن إيجازاً كله - فيه خروج بالأسلوب عن طبيعته، وقد علمنا انقسام الكلام إلى هذه الأنواع الثلاثة. . وأن كلا منها مقتضى حال له دواعيه. ومجاراة المؤلف على رأيه عجلة لا مبرر لها. ولو أنه قال: " إن ما فى اللفظ أو التركيب القرآني من ثراء المعنى وتعدد جهاته ما يكاد يعتبر القرآن على ما فيه من إطناب ومساواة إيجازاً كله " لكان له مندوحة من القول، أما وقد أصرَّ على رأيه إصراراً. فإن الحيطة تقتضى النظر إليه بحذر فلا ننساق. ومهما كان في هذا الجانب من مغالاة، فإن درازاً عالم ضليع. وفيلسوف عميق النظر استطاع أن يخرج لنا كتاباً في القرآن فيه جدة. ومتعة. وتوجيه. * * * ٩ - محمد عبد العظيم الزرقاني: وضع الزرقانى كتاباً في جزءين أسماه " مناهل العرفان في علوم القرآن " وهو كتاب غنى بالمعلومات الوفيرة، والاجتهادات الصائبة التي تختص بعلوم القرآن المختلفة. وقد تحدث في الجزء الثاني منه عن إعجاز القرآن وذكر لذلك أربعة عشر وجها هي على الترتيب: لغته وأسلوبه - طريقة تأليفه - علومه ومعارفه - وفاؤه بحق

стр. 162

البَشر - موقف القرآن من العلوم الكونية - سياسته في الإصلاح - أنباء الغيب فيه - آيات العتاب - ما نزل بعد طول انتظار - مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه - آية الباهلة - عجز الرسول عن الإتيان بمثله! - الآيات التي تجرد الرسول من نسبته إليه - تأثير القرآن ونجاحه. ذلك وجه الإعجاز عنده. وما رأيتُ بين من كتب في إعجاز القرآن مَن يخلط مثل هذا الخلط. فيُدخل في الإعجاز ما ليس منه. وهذه الأوجه التى ذكرها لا يدخل في باب الإعجاز منها سوى الأولين وإن أمكن دمجهما تحت " الأسلوب ". وإلا فما صلة ما نزل بعد طول انتظار بالإعجاز؟ وما صلة مظهر النبي عند نزول الوحى بالقرآن به؟ كذلك وما صلة آية الباهلة به؟ ثم كيف ساغ للمؤلف أن يجعل " عجز النبي عن الإتيان بمثله " عنواناً لوجه من وجوه الإعجاز؟ وهذا العنوان يوحى في ظاهره أن النبي ﵇ حاول أن يأتى بمثله فكبا!! والآيتان اللتان استشهد بهما وهما قوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) .

стр. 163

هاتان الآيتان صريحتان في أن الله - سبحانه - علم الرسول أن يرفض مثل هذه الاقتراحات، والرسول إنما ردد ما أمره به ربه. ولم يحاول المحاكاة فعجز كما يوحى العنوان. فكان حرياً بالمؤلف أن يتوخى الدقة فيما كتب. * * * * اجتهد فخالف نصاً !؟ وبعد هذا نجد المؤلف يورد عنواناً أسماه " وجوه معلولة " قال بعده مباشرة: " ذكر بعضهم وجوهاً أخرى للإعجاز، ولكنها لا تسلم في نظرنا من الطعن، لأن منها ما يتداخل بعضه في بعض. ومنها ما لا يجوز أن يكون وجهاً من وجوه الإعجاز بحال. ونمثل لهذا الذي ذكروه بتلك الأوجه العشرة التي عدها القرطبى وهي. . . " ثم ذكرها ثم أعقب ذلك بدمج بعضها في بعض وخالف القرطبى في وجهين منها هما: الحكَم المبالغة وعدم الاختلاف والتناقض بين معانية. وقال: " إن واحداً منهما لاَ يصلح وجهاً من وجوه الإعجاز لأنهما لا يخرجان عن حدود الطاقة. ولأن كثيرا من الناس لا يخلو كلامهم من حكم، ولا يتعرض لتناقض أو اختلاف "!. هذا فحوى كلامه. والمتأمل يرى أنه في نفيه عدم الاختلاف من بين وجوه الإعجاز قد خالف نصاً قرآنياً، لأن الله يقول: (وَلوْ كانَ مِنْ عند غَيْر الله لوَجَدُواْ فيه اخْتلاَفاً كَثيِراً) فها هو القرآن يُصرح بأن سلامَةَ القرآنَ منَ الاختلافَ دليَل عَلى كونه من عند الله. فهو إذن وجه أصيل من وجوه الإعجاز البياني. خاصة وأن القرآن استغرق إنزاله ثلاثاً وعشرين سنة، لكنك لا تلمح خلافا بين أول ما نزل وآخر ما نزل من حيث استواؤه موضوعاً وشكلاً.

стр. 164

ونحن نحسب للمؤلف الوجهين الأولين وهما إشارة واضحة إلى الإعجاز البياني. كما لا نخالفه في الوجه الأخير وهو تأثير القرآن باعتباره لازماً من لوازم أسلوبه. وبلاغته الآسرة. أما ما عدا هذا فليس من الإعجاز في شيء وإن تحمس لرأيه وحاول أن يقنع به الآخرين. على أن ما أورده هو يمكن دمج بعضه في بعض مثل أسلوبه وطريقة تأليفه فكان حرياً به أن يجتنب ما على مثله عاب الآخرين. * * * ١٠ - عمد الكريم الخطيب: قد سبقت الإشارة إلى أن عبد الكريم الخطيب وضع كتاباً في إعجاز القرآن وقد أخرج هذا الكتاب في جزءين: الجزء الأول: وقفه على دراسة الإعجاز في أقوال السابقين، وفيه تحدث عن كثير من الموضوعات التي قد لا تتصل بالإعجاز مباشرة، كالمعجزة والنسخ وما أشبه هذه البحوث. أما الجزء الثاني: فقد دل عنوانه " الإعجاز في مفهوم جديد " على أن الخطيب سيدرس أو درس فيه وجوهاً جديدة للإعجاز لم يعرفها أحد قبله. والذي يهمنا بالطبع ما ذكره في هذا الجزء، لأنه يمثل الجديد - كما يُشعر به العنوان - كذلك - يمثل رأى الخطيب نفسه في الإعجاز. إذن فما هو ذلك الجديد الذي اهتدى إليه؟ ننظر. . . يرى الخطيب أن الجديد في الإعجاز هو: ١ - الصدق المطلق الذي نزل به القرآن، وهو صدق لا تعلق به ذَرة من شك وقد جعل هذا الصدق والأثر القوى على النفوس والسلطان التمكن من القلوب، جعل كثيراً من الناس يُقبلون على الإسلام عندما يسمعون القرآن فترق له قلولهم. كقصة إسلام عمر رضى الله عنه.

стр. 165

٢ - علو الجهة التي نزل منها القرآن: وأن هذا العلو ليطلع عليه كل مَن يتصل بالقرآن قارئاً أو مستمعاً أو دارساً، مؤمناً أو غير مؤمن. وهكذا. ٣ - حسن الأداء: ويعنى به الوً لف روعة النظم، وحسن الصورة البيانية وقد اهتم الخطيب بهذا الوجه اهتماما فائقاً، ومما ذكره فيه: أن ألفاظ القرآن مختارة للدلالة على المعنى، ومختار للفظ القرآني موضعه فى الجملة أو التركيب الذي هو فيه. ولذلك فإن نظم القرآن يخالف نظوم البيان عند العرب لأنه نظم مفصل - بآيات مفصلة بفواصل. ثم تحدث عن الفواصل القرآنية باعتبارها مظهراً من مظاهر حُسن الأداء وأطال في هذا الفرع، لكنه لم يأت فيه بأكثر مما ذكره السابقون اللهم إلا اختلاف طريقة العرض التي لا يسلم منها كاتب. ٤ - روحانية القرآن: وهذا وجه رابع يرى الخطيب أنه جديد لم يقل به أحد، وصلة هذا الوجه بالوجوه الثلاثة المتقدمة أن القرآن روح وتلك الوجوه (الصدق، علو الجهة، وحسن الأداء) كل أولئك تجليات الروح القرآنية. ولعل المؤلف يقصد بهذه الروحانيهَ أثر القرآن على النفوس وما تجده من نشوة فرح، أو جزعة خوف عندما تسمع أو تقرأ القرآن. * * * * ليس في الجديد جديد ! هذه الأربعة هي ما ذكره الخطيب على أنها فتوح جديدة في قضية الإعجاز. وبعد. . فهل أضاف الخطيب جديداً كما قال؟ لا. . . لم يأت الخطيب بجديد، وإن اعترف هو بذلك قائلاً إن الجديد الذي جاء به هو حُسن العرض. . ليكن هذا صحيحاً. أوَ ليس هذا تناقضاً مع ما يدل عليه العنوان؟

стр. 166

إن القرآن كله صدق، لكنه ليس للإعجاز. ولو كان كذلك لعارضوه بحديث كله صدق كوصف صحراء أو ليلة مقمرة. . ولما عجزوا. والقرآن نازل من أعلى جهة. . ولكنه ليس للإعجاز. ولو كان كذلك لا عابهم أن عجزوا عن معارضته، لأن المعارضة تكون حينئذ أن يعلوا هم ويأتوا بكلام مثله. لأن هذا مستحيل والإعجاز كان في أمر ظاهره الإمكان. وحُسن الأداء عبارة لروعة النظم والتأليف، وهذا كاد يجمع عليه السابقون الذين سبقوا الخطيب. فليس ما جاء به بجديد، إلا التسمية! وروحانية القرآن قال بها الرماني منذ عهد طويل، والخطيب يعلم هذا. فكان أجدر به أن يلتزم الدقة في عنوان كتابه ما دام لم يأت بجديد! * * * ١١ - أبو زهرة: وضع محمد أبو زهرة كتاباً في إعجاز القرآن آسماه " المعجزة الكبرى. . القرآن ". وقد تحدث فيه عن نزوله وكتابته، جمعه وإعجازه، جدله وعلومه، تفسيره وحكم الغناء به. وهو من الكتب ذات النفع في هذا المجال. والذي يهمنا من هذا الكتاب رأى أبى زهرة نفسه في الإعجاز، وهو يلخصه فى العبارات الآتية، قال: " إن كل شيء في القرآن مُعجِز، من حيث قوة الموسيقى في حروفه، وتآخيها فى كلماته وتلاقى الكلمات في عباراته، ونظمه، الحكم في رنينه. وما وصل إليه من تأليف بين الكلمات. وكون كل كلمة لفقاً مع أختها، وكأنما نسيج كل واحدة قطعة منه تكمل صورته، وتُوَخَد غايته. ومعانيه بحدها مؤتلفة مع ألفاظه. وكأن المعاني جاءت مؤاخية لللأفاظ، وكأن الألفاظ قُطعت لها وسُوِيت على حجمها. . ". وهذا تفصيل للإعجاز البياني الأدبي.

стр. 167

ثم قال: ". . وإنه لأجل هذا يصعب على الكاتب أن يأتى بكل وجوه الإعجاز البياني، ولكنه يقارب ولا يباعد. ولنذكر ستة وجوه نتكلم فيها عسانا نصل إلى تقريب معاني الإعجاز من غير حد ولا استقراء كامل وهي: ١ - الألفاظ والحروف ٢ - الأسلوب وما يكون من صور بيانية. ٣ - التصرف في القول والمعاني ٤ - النظم وفواصل الكلمة. ٥ - الإيجاز المعجز والحِكَم والإمثال والإخبار عن الغيب. ٦ - جدل القرآن ". ونراه في هذا يخلط بين الإعجاز البياني الأدبي، وبين ما يراه فريق من وجوه إعجاز أخرى مرفوضة عند التحقيق، كالإخبار عن الغيب. هذا. . وقد أخذ المؤلف في بيان الأوجه التي ذكرها مستفيداً من كتابات السابقين القدماء مثل الرماني والخطابى والباقلاني وعبد القاهر، ومحدَثين مثل الرافعي. والباحث يرى أن أبا زهرة في مذهبه الإعجازى بياني أدبي، وإن جمع إلى الأدب والبيان خصائص أخرى للقرآن خارجة عن نطاق الإعجاز أدباً وبيانا". * * * ١٢ - عائشة عبد الرحمن: أحدث كتاب وُضِعَ في إعجاز القرآن هو " الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق " إعداد عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) .

стр. 168

واسم الكتاب مشعر برأى المؤلفة في فهم الإعجاز، وهو كامن في بيان القرآن بقدر ما تتسع له هذه الكلمة " البيان " من معان وأفانين يسمو بها التعبير حتى يصل إلى مرحلة الإعجاز. والكتاب من أثمن ما وقفتُ عليه حديثاً من الكتب الموضوعة في هذا المجال إذ لم تنح فيه المؤلفة منحى الوصف غير العلل ولم يكن وصفها للإعجاز أكثر من توجيهها وتعليلها لخصائصه، كما هو الحال عند غيرها. بل إن قارئ هذا الكتاب يرى المؤلفة تذكر كثيراً من نصوص القرآن ثم تقارن وتدرس وتنتهى إلى نتائج مسلمة في كثير من الأحيان. وموضوعات الكتاب: مدخل وثلاثة مباحث وخاتمة. البحث الأول: يشتمل على المعجزة، الجدل والتحدى. وجوه الإعجاز والبيان القرآني، البلاغيون والإعجاز (ص ٣٣ - ١٢١) . والبحث الثاني يشمل: فواتح السور وسر الحروف، إضافة إلى جهد السَّلف، حروف قرآنية، دلالات الألفاظ وسر الكلمة، الأسلوب وسر التعبير (ص ١٢٣ - ٢٦٥) . والبحث الثالث. . وقفته على مسائل ابن الأزرق (ص ٢٦٧ - ٥٠٧) . والذي يهمنا هنا هو رأى المؤلفة في الإعجاز وقد علمنا إشارة اسم الكتاب إلى رأيها، وهو كذلك في تضاعيفه. وقد قامت بدراسة كثير من النصوص القرآنية وعالجت كثيراً من خصائص التعبير القرآني. ونذكر فيما يلى نماذج مختصرة لنتائجها مع الإشارة إلى موضعها من الكتاب.

стр. 169

١ - فهى ترى - مثلاً - أن القرآن يُفرق بين كلمتى " حلف " و " أقسم " ونصها في ذلك: ". . لا يهون أبداً أن نفسر القَسَم بالحلف وصنيع القرآن يلفت إلى فرق وثيق بينهما. فإن لم نقل إن القَسَم اليمين الصادقة حقيقة أو وهماً - والحلف لليمين الكاذبة على إطلاقها. فلا أقلَّ أن يكون بين دلالتهما الفرق بين العام والخاص فيكون القَسَم لمطلق اليمين بعامة. ويختص الحلف بالحنث فى اليمين على ما اطرد استعماله في البيان القرآني ". وكان مبنى هذا الاستنتاج عندها استعراض الآيات القرآنية التي وردت فيها الكلمتان. ومن العرض ظهر أن القرآن لم يستخدم " حلف " إلا في مواضع الحنث، بينما استخدم " أقسم" في مواضع الصدق الحقيقي أو ما كان مبعثه الاعتقاد المجرد. فمن النوع الأول قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كل حَلافٍ مهِينٍ) . وقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إنَّهُمْ لمِنكُمْ وَمَا هُم منكُمْ) ْ ومن الثاني قوله تعالى: (وَإنَّهُ لقَسَمٌ لو تَعْلمُونَ عَظِيمٌ) . وقوله تعالى: (هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لذِي حِجْرٍ) . ٢ - وهي ترى - مثلاً - أن القرآن الكريم كثيراً ما يستغنى عن الفاعل فى سياق الحديث عن القيامة وأهوالها. إما ببناء الفعل للمجهول، وإما بالإسناد المجازى. أو بالمطاوعة.

стр. 170

ومثال الأول قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) . ومثال الثاني قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) . والآية صالحة للدلالة على الإسناد المجازى في إسناد الاقتراب إلى الساعة والمطاوعة في انشقاق القمر. وقد حاولت المؤلفة توجيه ذلك بيانياً ونصها فيه: " فبناء الفعل للمجهول فيه تركيز الاهتمام على الحَدَث بصرف النظر عن محدثه والمطاوعة فيها بيان للطواعية التي يتم بها الحَدَث تلقائياً أو على وجه التسخير وكأنه ليس في حاجة إلى فاعل. والإسناد المجازى يعطى المسند إليه فاعليه محققة يستغنى بها عن ذكِر الفاعل الأصلى ". وعلى هذا المنهج الموضوعى تمضى الكاتبة في دراستها فلا تعتسف القول اعتسافاً. بل تستخرج ملاحظاتها من النص. وهذه طريقة مجدية وعملية فى دراسة البيان القرآني، ومحاولة الاقتراب من خصائصه ووجوه إعجازه. كما نراها تنهج نفس الطريقة في دراستها لمسائل ابن الأزرق وبها استطاعت أن تُخرجها على صورة ممتعة لم تُسبَق إليها. وليس معنى هذا أن كل ما وصلت إليه الكاتبة بمنأى عن الأخذ والرد فتلك قضية أخرى. فقد يختلف معها غيرها بحق أو بغير حق. وإنما أردتُ أن أبين رأيها في الإعجاز، وطريقتها في تناوله. * * *

стр. 171

* تنويه: قد يبدو للقارئ أننى اقتديتُ بالكاتبة في منهج هذا البحث في كثير من موضوعاته لتشابه المنهجين إلى حد كبير. والواقع غير ذلك، إذ تقدمت ببحث الماجستير للكلية وموضوعه: سحر البيان في مجازات القرآن، نحوتُ فيه هذا المنحى في فصلين كبيرين، وذلك منذ ست سنوات. وكتاب المؤلفة ظهر منذ سنتين. بَيْدَ أننى مدين للجاحظ فى هذا السبيل حيث لمح فَرْقاً بين استعمال القرآن لكلمتى " المطر " و "الغيث ". الأولى في مقام العذاب، والثانية في مقام الإنعام. كما لمح فَرْقاً بين كلمتى " الجوع " و " السغب ". كما أنى مدين للخطابى حيث لمح فَرْقاً بين " العلم " و " العرفة " و " القعود " و " الجلوس ". ووجه كل هذه الكلمات توجيهاً فاقهاً. ومن هنا كان توجيهى إلى هذا المورد العذب، والخصائص الآسرة كما نحا فتحى رضوان هذا المنحى في مقالات له نشرها الأهرام في رمضان الماضى (١٣٩٢ هـ) . والظاهر أن اتجاه الباحثين قد تزايد إلى دراسة القرآن دراسة موضوعية شاملة. ولهذا لزم التنويه. * * * * آراء منثورة في الإعجاز القرآني: ذكرنا في الصفحات السابقة آراء أصحاب المؤلفات في الإعجاز القرآني. وبدهى أن كثيراً من العلماء لم يصنعوا رسائل أو كتباً في الإعجاز. ولكنهم أدلوا بآرائهم فيه ضمن بحوث أو مقالات منشورة.

стр. 172

وهؤلاء لم يأتوا بجديد إنما وقفوا من الآراء السابقة موقف الأرجحية والترجيح. وها نحن نسجل هنا مواقفهم حسب موافقتهم على رأى منها ورفضهم ضمناً للآخر. أولاً - النظم والتأليف: أيَّد هذا الاتجاه القائل بأن الإعجاز كائن في النظم والتأليف كثير من العلماء قديماً وحديثاً. منهم الأصبهاني والرملكاني والقاضي عِياض. فقد تحدث الأصبهانى عن مراتب تأليف الكلام ثم قال: " فظهر من هذا أن الإعجاز المختص بالقرآن متعلق بالنظم المخصوص، وبيان كون النظم معجزاً يتوقف على بيان نظم الكلام ثم بيان أن نظم هذا الكلام مخالف لنظم ما عداه ". ويُفَرق الأصبهانى بين النظم المخصوص الذي هو صورة القرآن، واللفظ والمعنى الذي هو أثره وعنصره. وباختلاف الصورة يختلف حكم الشيء لا بعنصره كالخاتم والقرط والسوار. فإنه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها لا بعنصرها الذي هو المذهب أو الفضة. والقرآن عنده جامع لمحاسن جميع فنون الكلام، على نظم ليس مثل نظومهم كما نقل السيوطي عن الزملكانى قوله: " وجه الإعجاز راجع إلى التأليف، بأن اعتدلت مفرداته تركيباً وزنة ". أما القاضي عياض فإن نظم القرآن يمثل عنده الجانب الأهم في الإعجاز، من حيث حُسن التأليف، والتئام الكلام وبلاغته الخارقة عادة العرب. كما يرى أن للإخبار عن الغيوب حيث جاءت مطابقة لما أخبر به القرآن وما أشار إليه من أخبار الماضين مما يعثر طليه على البَشر، ولتأثير القرآن على السامعين والقارئين يرى لكل هذه العوامل أثراً إضافياً في الإعجاز.

стр. 173

فهو من القائلين بأن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف وإن رأى وجوهاً إضافية للإعجاز. ويرى ابن عطيه أن الإعجاز واقع بالنظم وصحة المعاني. وقال: " إن هذا ما عليه الجمهور ". فالنظم، وصحة المعاني، وتوالى فصاحة ألفاظه هي وجوه الإعجاز في هذا الكتاب الحكيم. قال: " ووجه إعجازه أن الله قد أحاط بكل شيء علماً، وأحاط بالكلام كله علماً، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظه تصلح أن تلى الأولى، ويتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبَشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم بالضرورة أن أحداً من البَشر لا يحيط بذلك، ولهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ولهذا يبطل قول مَن قال: إن العرب كان في قُدرتها الإتيان بمثله. فلما جاءهم النبي ﷺ صُرِفوا عن ذلك وعجزوا. والذي يظهر من هذه النقول أن القول بأن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف يغلب على الاتجاهات الأخرى، ويكاد يمثل الرأي الذي لا يصح فيه خلاف. وحتى الذين ذهبوا إلى وجوه أخرى غير النظم والتأليف لم ينسوا فضل نظم القرآن وتأليفه الخاص. هذا عند الأقدمين. . أما المحدَثون فلا نكاد نرى مَن يخالف هذا الرأي منهم وإن أضافوا إليه إعجازا آخر في مجال العلوم والتشريع فهو ما زال الرأي السائد في القديم والحديث. ثانياً - البلاغة والفصاحة: يتشكك كثير من الباحثين قديماً وحديثا أن تكون البلاغة والفصاحة من وجوه الإعجاز في القرآن مع اعترافهم بأن كلأ منها يؤدى دوراً هاماً في سمو الأسلوب ووضوح المعنى.

стр. 174

من هؤلاء أبو بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجانى، من الأقدمين، وفريد وجدى من المحدَثين. وسبب هذا الحكم - كما سبق - أن هذه الفنون يمكن التعمل لها. والاحتيال عليها. وما كان ممكناً أن يُتعلم ويُحذق بالصنعة. فلا يكون وجهاً من وجوه الإعجاز. وعلى العكس من هذا. . فإن فريقاً آخر قد اعتبر البلاغة والفصاحة، وجهاً من وجوه الإعجاز. ومن هؤلاء القاضي عبد الجبار المعتزلى، وفخر الدين الرازى، وحازم، والمراكشى. قال الرازى: " ووجه الإعجاز الفصاحة وغرابة الأسلوب، والسلامة من العيوب ". ويقول حازم: " وجه الإعجاز في القرآن حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه جميعه. استمراراً لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد ". ويقول المراكشى: " إن الإعجاز حاصل ببلاغة القرآن، وروعة نظمه، ليس إعجازه بمفرداته ولا بمجرد تأليفه، ولا بحركات إعرابه، ولا بصرف العرب عنه ". هذان رأيان متقابلان والصحيح الذي يمكن قبوله أن المسألة وَسَط بين الفريقين. فلا يمكن عزل البلاغة والفصاحة عن وجوه الإعجاز ولا يمكن كذلك جعل الإعجاز كله راجعاً إليهما. بل هما - أي الفصاحة، والبلاغة - عاملان من عوامل الإعجاز. وليستا أوحديتين فيه: لأن المختار أن الإعجاز راجع إلى النظم والتأليف، والفصاحة والبلاغة من أهم سمات النظم البليغ والتأليف المحكم.

стр. 175

أما عبد الجبار فقد رفض أن يكون للقرآن نظم مخصوص هو مرجع الإعجاز: " لأن العادة لم تجر بأن يختص واحد بنظم دون غيره. فصارت الطرق التى عليها يقع نظم الكلام الفصيح معتادة. كما أن قدر الفصاحة معتاد فلا بدَّ من مزيد فيهاً. " ولذلك لا يصح عندنا (يعنى المعتزلة) أن يكون اختصاص القرآن بطريقة فى النظم دون الفصاحة التي هي جزالة اللفظ، وحسن المعنى ". فعبد الجبار يُرجع الإعجاز إلى الفصاحة. . وقد فسَّرها بجزالة اللفظ وحسن المعنى. متأثراً في ذلك بشيخ المعتزلة أبى هاشم الجبائى الذي نقل هو نصاً عنه متضمناً هذا المعنى. ومع هذا. . فإن عبد الجبار لا يلغى أهمية النظم في فهم الإعجاز، بل ينظر إليه باعتباره مظهراً من مظاهر الفصاحة، التي عليها المعول عنده في هذا المجال، وقد انتهى إلى أسس جمالية قيمة: فقد قرر أن الفصاحة من صفات الأسلوب. ولا تظهر في المفردات. " بل في الكلام بالضم. ولا بدَّ مع الضم من اعتبار صفة لكل كلمة. هذه الصفة قد تكون بالوضع، أو بالإعراب أو بالوقع. وإذا روعى هذا في بناء الأسلوب ظهرت فيه الفصاحة ". والباحث يرى أن عبد الجبار قد شرع للأسلوب الرفيع، وهذا يجعلنا نقول: إنه قائل بأن الإعجاز يرجع إلى النظم والتأليف وإن حاول هو أن يتهرب من هذا. لأن تفسيره للفصاحة تضمن هذا القول. . ولا خلاف عنده إلا في العبارة أما المؤدى فواحد.

стр. 176

وكذلك يرى الزمخشري في " الكشاف " والسكاكى في " مقدمة الفتاح " حيث أوصيا بالبلاغة معاني وبياناً من أجل فهم القرآن ومعرفة خصائصة. وكذلك كان رأى الإمام محمد عبده. ثالثاً - روحانية القرآن: قال بهذا الوجه كثيرون. منهم مَن جعله وجهاً ضمن وجوه أخرى للإعجاز كالرماني وعبد الكريم الخطيب، ومنهم مَن جعله الوجه الوحيد في فهم الإعجاز، وقد قال بهذا الفكر فريد وجدى، فقد تحمس وجدى لهذا الرأي ورفض كل ما عداه من آراء السابقين. وله في إثبات رأيه محاولات كثيرة، فنراه يقول: " حصر المتكلمون في إعجاز القرآن كل عنايتهم، في بيان الإعجاز من بلاغته فكتبوا في ذلك فصولاً ضافية الذيول. وبعضهم خصها بالتأليف - وإننا وإن كنا نعتقد أن القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة، إلا إننا نرى أنها ليست هي الجهة الوحيدة لإعجازه. بل ولا هي أكثر جهات إعجازه سلطاناً على النفس، فإن للبلاغة على النفس سلطاناً محدوداً لا يتعدى حد الإعجاب بالكلام، والإقبال عليه. ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال يضعف شيئاً فشيئاً بتكرار سماعه حتى تستأنس به النفس، فلا يعود يُحدث فيها ما كان. يُحدثه مبدأ توارده عليها. . وليس هذا شأن القرآن. فإنه قد ثبت أن تكرار تلاوته تزيده تأثيراً، ولكنه تسلط على النفس والمدارك. فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفى لتعليل ذلك السلطان البعيد الدى الذي كان للقرآن على قلوب الملحدين ".

стр. 177

ثم يكشف هو عن تلك العِلَّة فيقول: " العلة نفى نظرنا واضحة لا تحتاج إلى كثير تأمل، وهي أن القرآن روح من أمر اللَه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) ، فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد فيحركها ويتسلط على أهوائها. أما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى سلطانه حد إطرابها والحصول على إعجابها ". ثم ينتهى إلى قوله: " نعم. إن جهة إعجاز الكتاب الإلهى المقدس هي تلك الروحانية العالية التي قلبت شكل العالم ". ويرى وجدى أن هذا الرأي يحل كثيراً من المشكلات فيقول: " هذا رأينا في جهة إعجاز القرآن. وهو - فيما نعلم - يحل كثيراً من المشاكل في هذا البحث ويمكن الاستدلال عليه بالحس والواقع. أما ما ولع به الناس من أن القرآن معجز لبلاغته، وتجاوزه حدود الإمكان، حتى وقع الإعجاز ببلاغته، دون وجوه إعجازه الأخرى فلم نقف له على أثر في ذات القرآن. مع أنه ورد ذكر القرآن في آيات عدة لم نر في واحدة فيها ما يوافق ما يذهب إليه الآن الكثيرون ". والآن - وبعد أن ذكرنا رأيه ونصوصه - نسأل سؤالاً. مؤداه: ماذا يقصد وجدى بأنه لم يجد في آيات القرآن ما يدل على هذا المذهب؟ إن كان يقصد عدم ورود شيء من الصور البلاغية في القرآن - وهذا بعيد جداً - فقد وَهِم،

стр. 178

وإن كان يقصد أن القرآن لم يُشر إلى أن وجه إعجازه مأخوذ من السمات البلاغية التي فيه - وهذا بعيد كذلك - فإنه أشد وقوعاً في الوهم، لأن القرآن لم يقل أن وجه إعجازه كذا. وإن كان يريد أن ليس في آيات القرآن ما يشير إلى امتداح الكلام البليغ - وهذا ممكن إرادته - فإنه قصور من الكاتب. لأن في القرآن الكريم آية هى أظهر ما تكون امتداحاً للقول من جهة بلاغته. ألم يقل سبحانه لرسوله ﵇: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) . والخلاصة. . إن وجدى قد بالغَ في نفى أن يكون للبلاغة دور في الإعجاز، وبالغَ في إثبات رأيه في أن القرآن معجز لأنه روح من الله. . لأننا لو جاريناه على رأيه فمن أين تُدَرك هذه الروح؟ أليست من خلال كلام وأسلوب ونظم. . أم تُدَرك من الفراغ؟ رابعاً - الإعجاز لا يمكن وصفه: هذا رأى اثنين من العلماء: أبو يعقوب السكاكى، وأبو حيان التوحيدى. فقد قال السكاكى: " إن إعجاز القرآن يُدرَك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تُدرَك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. كما يُدرَك طيب النغم العارض لهذا الصوت. ولا يدرَك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة. إلا بإتقان علمي المعانى والبيان والتمرين فيهما ". وقال أبو حيان التوحيدى: " سُئِل بندار الفارسى عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس في الإنسان موضع من الإنسان. . بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته. ودللت على ذاته. كذلك القرآن لشرفه لا يُشار إلى شيء منه

стр. 179

إلا وكان ذلك آية في نفسه. ومعجزة لمحاوله. وهدىً لقائله. وليس في طاقة البَشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه. فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده". ولابن خلدون رأى شبيه بهذا. إلا أن الممتنع عنده هو فهم جميع أسرار الإعجاز. أما بعضها فجائز لمن توافرت له وسيلة الفهم. قال ابن خلدون: " وهذا الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك بعض الشيء منه مَن كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول مَلكته. فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه ". والذي يظهر من النظر في قولي السكاكى وأبى حيان يجد النزعة الفلسفية غالبة عليهما وإن ظهرت إلى حد الإسراف فيما نقله أبو حيان. . ورأيهما متطرف. أما رأى ابن خلدون فهو أقرب إلى الحقيقة كما ترى. " الأسلوب النطقى والعلمي: ويذهب بعض الباحثين إلى أن من وجوه إعجاز القرآن الأسلوبين المنطقى والعلمي، لأن العرب لم يكونوا يحسنون غير الأسلوب الخطابى من بين فنون النثر، وقد حاول صاحب هذا الرأي أن يستدل على صحته جهد المستطاع. وعلى طرافة ما ذهب إليه فقد رده بعض معاصريه. " الموضوعية والتجرد: وهو أحدث رأى في الإعجاز حتى الآن. قال به الدكتور محمد البهي في مقال طويل نشرته له الوعي الإسلامي.

стр. 180

ويراد من الموضوعية شمول مبادئ القرآن، ومن التجرد نزاهة أحكامه من الهوى. وقد أقام الأدلة الواضحة والكثيرة مهتدياً بالنصوص القرآنية نفسها. وهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن البياني ألا يعدم باحث دليلاً منه على رأى يرتئيه فيه. وجهة تتضح فيه. * * * * تعقيب ونقد: قدمنا حصيلة سريعة لآراء العلماء في الإعجاز القرآني. وقد اقتصرنا فى هذا البحث على المسائل الرئيسية في هذه المشكلة. وغضضنا الطرف عن كثير من المسائل الجزئية التي وُجدَت في كتب الأقدمين مثل: بِمَ يقع الإعجاز؟ بالقرآن كله أم بأقل شيء فيهَ؟ ، والإعجاز خاص بالعرب أو شامل لغيرهم من الأمم؟ ، وهل الإعجاز خاص بالقرآن؟ أو شامل لغيره من الكتب السماوية؟ . . . إلى آخر هذه المسائل. والذي يبدو واضحاً أمام الباحث من الآراء السابقة أن الإعجاز القرآني إنما هو قائم بنظمه وتأليفه بكل ما تحتمل هذه العبارة من مزايا النظم والتأليف. فيدخل فيه اختيار اللفظ للدلالة على معنى معيَّن، ثم موضعه من الجملة. ثم أثره الصوتى الذي يمثل إيقاعاً ينتظم مع غيره فتتكون بذلك ظاهرة الإيقاع الصوتى الذي يمتاز القرآن بها عن سواه. ويدخل في هذا الاعتبار ما في القرآن من اللمحات البلاغية من مجاز وتشبيه وتمثيل وكناية وتقديم وتأخير، وفصل ووصل، وإيجاز وإطناب ومساواة، وذكِر وحذف وتوكيد وغير توكيد. . . إلى آخر هذه الفنون. ولستُ مع الذين ينقصون من قَدْر البلاغة العربية لا في مجال الإعجاز ولا فى مجال غيره من الأساليب. فالبلاغة تشريع وتوجيه لصياغة الأسلوب الجميل. فليس الباقلاني، وفريد وجدى بمنصفين حين أقصيا البلاغة والفصاحة عن ميدان فهم الإعجاز.
следующие страницы →