← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكذلك يرى الزمخشري في " الكشاف " والسكاكى في " مقدمة الفتاح " حيث أوصيا بالبلاغة معاني وبياناً من أجل فهم القرآن ومعرفة خصائصة. وكذلك كان رأى الإمام محمد عبده. ثالثاً - روحانية القرآن: قال بهذا الوجه كثيرون. منهم مَن جعله وجهاً ضمن وجوه أخرى للإعجاز كالرماني وعبد الكريم الخطيب، ومنهم مَن جعله الوجه الوحيد في فهم الإعجاز، وقد قال بهذا الفكر فريد وجدى، فقد تحمس وجدى لهذا الرأي ورفض كل ما عداه من آراء السابقين. وله في إثبات رأيه محاولات كثيرة، فنراه يقول: " حصر المتكلمون في إعجاز القرآن كل عنايتهم، في بيان الإعجاز من بلاغته فكتبوا في ذلك فصولاً ضافية الذيول. وبعضهم خصها بالتأليف - وإننا وإن كنا نعتقد أن القرآن قد بلغ الغاية من هذه الوجهة، إلا إننا نرى أنها ليست هي الجهة الوحيدة لإعجازه. بل ولا هي أكثر جهات إعجازه سلطاناً على النفس، فإن للبلاغة على النفس سلطاناً محدوداً لا يتعدى حد الإعجاب بالكلام، والإقبال عليه. ثم يأخذ هذا الإعجاب والإقبال يضعف شيئاً فشيئاً بتكرار سماعه حتى تستأنس به النفس، فلا يعود يُحدث فيها ما كان. يُحدثه مبدأ توارده عليها. . وليس هذا شأن القرآن. فإنه قد ثبت أن تكرار تلاوته تزيده تأثيراً، ولكنه تسلط على النفس والمدارك. فوجب على الناظر في ذلك أن يبحث عن وجه إعجازه في مجال آخر يكفى لتعليل ذلك السلطان البعيد الدى الذي كان للقرآن على قلوب الملحدين ".

стр. 177

ثم يكشف هو عن تلك العِلَّة فيقول: " العلة نفى نظرنا واضحة لا تحتاج إلى كثير تأمل، وهي أن القرآن روح من أمر اللَه: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) ، فهو يؤثر بهذا الاعتبار تأثير الروح في الأجساد فيحركها ويتسلط على أهوائها. أما تأثير الكلام في الشعور فلا يتعدى سلطانه حد إطرابها والحصول على إعجابها ". ثم ينتهى إلى قوله: " نعم. إن جهة إعجاز الكتاب الإلهى المقدس هي تلك الروحانية العالية التي قلبت شكل العالم ". ويرى وجدى أن هذا الرأي يحل كثيراً من المشكلات فيقول: " هذا رأينا في جهة إعجاز القرآن. وهو - فيما نعلم - يحل كثيراً من المشاكل في هذا البحث ويمكن الاستدلال عليه بالحس والواقع. أما ما ولع به الناس من أن القرآن معجز لبلاغته، وتجاوزه حدود الإمكان، حتى وقع الإعجاز ببلاغته، دون وجوه إعجازه الأخرى فلم نقف له على أثر في ذات القرآن. مع أنه ورد ذكر القرآن في آيات عدة لم نر في واحدة فيها ما يوافق ما يذهب إليه الآن الكثيرون ". والآن - وبعد أن ذكرنا رأيه ونصوصه - نسأل سؤالاً. مؤداه: ماذا يقصد وجدى بأنه لم يجد في آيات القرآن ما يدل على هذا المذهب؟ إن كان يقصد عدم ورود شيء من الصور البلاغية في القرآن - وهذا بعيد جداً - فقد وَهِم،

стр. 178

وإن كان يقصد أن القرآن لم يُشر إلى أن وجه إعجازه مأخوذ من السمات البلاغية التي فيه - وهذا بعيد كذلك - فإنه أشد وقوعاً في الوهم، لأن القرآن لم يقل أن وجه إعجازه كذا. وإن كان يريد أن ليس في آيات القرآن ما يشير إلى امتداح الكلام البليغ - وهذا ممكن إرادته - فإنه قصور من الكاتب. لأن في القرآن الكريم آية هى أظهر ما تكون امتداحاً للقول من جهة بلاغته. ألم يقل سبحانه لرسوله ﵇: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) . والخلاصة. . إن وجدى قد بالغَ في نفى أن يكون للبلاغة دور في الإعجاز، وبالغَ في إثبات رأيه في أن القرآن معجز لأنه روح من الله. . لأننا لو جاريناه على رأيه فمن أين تُدَرك هذه الروح؟ أليست من خلال كلام وأسلوب ونظم. . أم تُدَرك من الفراغ؟ رابعاً - الإعجاز لا يمكن وصفه: هذا رأى اثنين من العلماء: أبو يعقوب السكاكى، وأبو حيان التوحيدى. فقد قال السكاكى: " إن إعجاز القرآن يُدرَك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تُدرَك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة. كما يُدرَك طيب النغم العارض لهذا الصوت. ولا يدرَك تحصيله لغير ذوى الفطرة السليمة. إلا بإتقان علمي المعانى والبيان والتمرين فيهما ". وقال أبو حيان التوحيدى: " سُئِل بندار الفارسى عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس في الإنسان موضع من الإنسان. . بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته. ودللت على ذاته. كذلك القرآن لشرفه لا يُشار إلى شيء منه

стр. 179

إلا وكان ذلك آية في نفسه. ومعجزة لمحاوله. وهدىً لقائله. وليس في طاقة البَشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه. فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده". ولابن خلدون رأى شبيه بهذا. إلا أن الممتنع عنده هو فهم جميع أسرار الإعجاز. أما بعضها فجائز لمن توافرت له وسيلة الفهم. قال ابن خلدون: " وهذا الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك بعض الشيء منه مَن كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول مَلكته. فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه ". والذي يظهر من النظر في قولي السكاكى وأبى حيان يجد النزعة الفلسفية غالبة عليهما وإن ظهرت إلى حد الإسراف فيما نقله أبو حيان. . ورأيهما متطرف. أما رأى ابن خلدون فهو أقرب إلى الحقيقة كما ترى. " الأسلوب النطقى والعلمي: ويذهب بعض الباحثين إلى أن من وجوه إعجاز القرآن الأسلوبين المنطقى والعلمي، لأن العرب لم يكونوا يحسنون غير الأسلوب الخطابى من بين فنون النثر، وقد حاول صاحب هذا الرأي أن يستدل على صحته جهد المستطاع. وعلى طرافة ما ذهب إليه فقد رده بعض معاصريه. " الموضوعية والتجرد: وهو أحدث رأى في الإعجاز حتى الآن. قال به الدكتور محمد البهي في مقال طويل نشرته له الوعي الإسلامي.

стр. 180

ويراد من الموضوعية شمول مبادئ القرآن، ومن التجرد نزاهة أحكامه من الهوى. وقد أقام الأدلة الواضحة والكثيرة مهتدياً بالنصوص القرآنية نفسها. وهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن البياني ألا يعدم باحث دليلاً منه على رأى يرتئيه فيه. وجهة تتضح فيه. * * * * تعقيب ونقد: قدمنا حصيلة سريعة لآراء العلماء في الإعجاز القرآني. وقد اقتصرنا فى هذا البحث على المسائل الرئيسية في هذه المشكلة. وغضضنا الطرف عن كثير من المسائل الجزئية التي وُجدَت في كتب الأقدمين مثل: بِمَ يقع الإعجاز؟ بالقرآن كله أم بأقل شيء فيهَ؟ ، والإعجاز خاص بالعرب أو شامل لغيرهم من الأمم؟ ، وهل الإعجاز خاص بالقرآن؟ أو شامل لغيره من الكتب السماوية؟ . . . إلى آخر هذه المسائل. والذي يبدو واضحاً أمام الباحث من الآراء السابقة أن الإعجاز القرآني إنما هو قائم بنظمه وتأليفه بكل ما تحتمل هذه العبارة من مزايا النظم والتأليف. فيدخل فيه اختيار اللفظ للدلالة على معنى معيَّن، ثم موضعه من الجملة. ثم أثره الصوتى الذي يمثل إيقاعاً ينتظم مع غيره فتتكون بذلك ظاهرة الإيقاع الصوتى الذي يمتاز القرآن بها عن سواه. ويدخل في هذا الاعتبار ما في القرآن من اللمحات البلاغية من مجاز وتشبيه وتمثيل وكناية وتقديم وتأخير، وفصل ووصل، وإيجاز وإطناب ومساواة، وذكِر وحذف وتوكيد وغير توكيد. . . إلى آخر هذه الفنون. ولستُ مع الذين ينقصون من قَدْر البلاغة العربية لا في مجال الإعجاز ولا فى مجال غيره من الأساليب. فالبلاغة تشريع وتوجيه لصياغة الأسلوب الجميل. فليس الباقلاني، وفريد وجدى بمنصفين حين أقصيا البلاغة والفصاحة عن ميدان فهم الإعجاز.

стр. 181

ولستُ مع عبد الجبار وأستاذه الجبائى حين يقرران أن روعة النظم شيء، والفصاحة شيء آخر. ولستُ أفهم على أي أساس بنيا هذه الفكرة فالأسلوب ذات. . وكل من الفصاحة والبلاغة عَرَض. ولا بدَّ للعَرَض من ذات حاملة. . فلو كنا نعثر على بلاغة أو فصاحة في غير نظم وأسلوب: جاز لنا هذا التفريق. أما ونحن غير واجدين البلاغة والفصاحة إلا وصفاً لكلام، فإن هذه الآراء تبدو شيئاً قريباً من المغالطات التي لن يقبلها منصف. . * * * * دور البلاغة في الأسلوب الجميل: ولقد اهتمت البلاغة العربية بتوجيه الأسلوب ابتداءً من الحرف، فالكلمة، فالجملة، فالأسلوب كله. ولم تقصر في هذا الشأن. وفصلت الكلام على أقدار المخاطبين، فكان اختلاف المقامات الذي يتبعه اختلاف في الكلام نفسه من إيجاز وإطناب ومساواة. . . إلى آخر هذه الاعتبارات. ومن توكيد مختلف الدرجة، إلى خلو من التوكيد، من ذكر إلى حذف، من تقديم إلى تأخير، من إظهار إلى إضمار، من وصل إلى فصَل، ولم تحجر على المتكلم بقوالب جامدة فأعطته الحرية في حُسن تقديره للاعتبارات المناسبة. وجعلت من حقه أن يخالف الظاهر له من أحوال المخاطبين ويسلك بهم طريقا غير الظاهر ما دام قد رأى اعتباراً آخر مناسباً يحسن أن يورد عليه الكلام، فكان علم المعاني كفيلاً بهذه التوجيهات. كما وُضِعَت الوسائل الكاشفة عن صور الخيال والمبالغة في إيراد المعاني ميسَّرة أمام المتحدث فيستعير، ويتجور ويُكَنى ويُمَثِّل. ولا شك أن البليغ الذي يوفق لأن يضع أسلوبه على هدى من توجيهات البلاغة والفصاحة موضع إعجاب كبير عند العالِمين بجودة الأسلوب وأثره القوي في النفس. وكان علم البيان خير معين في هذا المجال.

стр. 182

وأمام التحدث وصايا عدة لتحسين اللفظ أو المعنى كفلها علم البديع الذى ليس هو مظهر ترف في الأسلوب وإنما هو دعامهَ من دعائم إجادته وصقله. إن عبد القاهر الجرجانى قد أقام نظرية كاملة في كتابه " دلائل الإعجاز " لم ينحرف وهو يضع أسسها عن توجيهات البلاغة. وما زال كتابه فتحاً جديداً فى هذا المجال. كما كان كتابه " أسرار البلاغة " ذا أهمية خاصة في التوجيه البلاغى والنقد الجمالى الفنى. إننا ما دمنا نقول ونرجح أن إعجاز القرآن إنما هو بنظمه وروعة تأليفه فإن البلاغ والفصاحة تمثلان لنا أكبر دعامتين في بيان جودة النظم وروعة التأليف فى حقائقه ومجازاته وبدائعه. في معانيه وييانه. وقد أبان السكاكى وظيفة البيان والمعاني في بناء الأسلوب وسلامة الحكم عليه فقال: " إن الوقوف على تمام مراد الحكيم تعالى، وما تقدس من كلامه، مفتقر إلى هذين العلمين - أي البيان والمعاني - كل الافتقار، فالويل لمن يتعاطى التفسير وهو فيهما راجل ". وقد أشار الزمخشري إلى هذا المعنى، وبنى عليه منهجه في التفسير. فكانت التوجيهات البلاغية طابعاً غالباً على تفسيره كما أخذ بها العلامة أبو السعود فحفل تفسيره بالكشف عن مواطن الجمال في القرآن الكريم على هدى من توجيهات البلاغة. ويقول أبو هلال: " وحُسن الرصف أن توضع الألفاظ مواضعها. وتُمكن فى أماكنها، ولا يُستعمل فيها التقديم والتأخير. والحذف والزيادة - إلا حذفاً لا يفسد

стр. 183

الكلام - ولا يعمى المعنى، ويضم كل لفظة منها إلى شكلها. وتضاف إلى لفقهاً. هذه سمات الأسلوب الجيد كما يراها أبو هلال العسكرى. . وهل هذه التوجيهات خارجة عن مفهوم البلاغة؟ ومن هنا يُعلم أن كل أسلوب جميل لا غِنى فيه عن توجيهات البلاغة، ودقة التزام الإرشاد البلاغى هو الذي أبدى الأسلوب في شكله الجميل الرائع. على أننا نرى أن هناك مواضع في القرآن الكريم لا بدَّ من تخريجها بلاغياً وإلا وقعنا فيما يشبه المحظور. وذلك في المواضع التي أثبتت لله - سبحانه - جارحة كقوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ) . وقوله: (ثُم استَوَى عَلى العَرْشِ) . فإذا نحينا مذهب " السَّلف " القائل بالتسليم. فإن منهج " الخَلف " الآخذ بالتأويل يقول بأنها القُدرة. ففى التعبير مجاز مرسل علاقته المحلية. لأن القُدرة محلها اليد. وفسَّروا: " استوى " - بالاستيلاء بمعنى سلطان الله المسيطر على العرش، وعلى كل شيء، كما فسَّروا الظروف التي تدل على المكان مضافة إلى الله مثل " عند " في قوله تعالى: (وَإنهُمْ عندَنَا لمِنَ المصْطفَيْنَ الأخْيَارِ) . بالعلم - أي في علمنا. وكثير من هذَه المشاكل التي تمس العقيدة قد تخرجت تخريجاً بلاغياً ارتاحت معه النفس واطمأنت إليه العقول أيما اطمئنان. * * *

стр. 184

* رأي جامع: بقى رأى آخر ذكره الزركشي وقال: إن أهل التحقيق على هذا الرأي، ومحصله أن الإعجاز وقع بكل ما سبق من الأقوال. لا بواحد على انفراده. فإنه جمع ذلك كله فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع. بل وغير ذلك مما لم يسبق. فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم سواء المقرُّون والجاحدون، ثم إن سامعه إن كان مؤمنا به يداخله روعة في أول سماعه وخشية. ثم لا يزال يجد في قلبه هشاشه إليه ومحبة له، وإن كان جاحداً وجد فيه مع تلك الروعة نفوراً لانقطاع مادته بحسن سمعه. ومنها: أنه لا يزال غضاً طرياً في أسماع السامعين وعلى ألسنة القارئين. ومنها: جمعه بين صفتى الجزالة والعذوبة وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالباً فى كلام البَشر، لأن الجزالة من الألفاظ التي لا توجد إلا بما يشوبها من القوة وبعض الوعورة، والعذوبة منها ما يضادها من السلاسة والسهولة. فمَن نحا نحو الصورة الأولى فإنما يقصد الفخامة والروعة في الأسماع. . ومَن نحا نحو الثانية قصد كون الكلام في الأسماع أعذب وأشهى وألذ. . وترى ألفاظ القرآن قد جمعت في نظمه كلتا الصفتين. . وذلك أعظم وجوه البلاغة في الإعجاز. ومنها: جعله آخر الكتب غنياً عن غيره، وجعل غيره من الكتب المتقدمة قد يحتاج إلى بيان يرجع فيه إليه كما قال:

стр. 185

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) . فأنت ترى - حتى مع هذا الرأي الموفق بين جميع الآراء - قد نوَّه بما للبلاغة من أثر في الإعجاز. فقال: " وذلك أعظم وجوه البلاغة في الإعجاز ". ونحن لا نرى حَرَجاً أن يُضاف إلى الإعجاز البياني إعجاز آخر. ما دام النظم هو موضع الإعجاز الأول. * * *

стр. 186

الفصل الثالث خصائص يغلب عليها جانب الألفاظ فى القرآن الكريم خصائص امتاز بها من غيره. وذلك أمر مسلم، وقد كانت تلك الخصائص - وما زالت - مثار الإعجاب، ومصدر الإعجاب من عصر ْالنزول حتى الآن، وحتى تقوم الساعة. وقد لحظ العرب الخُلص في عصر النزول، هذه الخصائص التي بدت لهم فوق ما يحسنون فراحوا - رغم عدائهم للقرآن وصاحبه - يثنون عليه، ويصفونه بما يستطيعون من أوصاف الجمال والروعة. وما حديث الوليد بن المغيرة في وصف القرآن ببعيد عن الأذهان (١) . وفي دراستنا لهذه الخصائص قسمناها - تسهيلاً للضبط - إلى قسمين كبيرين. . أحدهما: خصائص يغلب عليها جانب الألفاظ - وهو ما ندرسه في هذا الفصل - وليس المراد بغلبة اللفظ طغيانه على المعنى، بل المراد أن الملحظ فيها إنما يرجع إلى اللفظ. مع وفاء العبارة بالمعنى على أكمل وجه.

стр. 187

وذلك مثل فواتح السور، والتكرار الحكم. والفواصل بين الآي. وثانيهما: خصائص يغلب عليها جانب المعاني، لأنه الملحوظ فيها مع روعة اللفظ وتوافر مقومات الحسن فيه. وذلك مثل ثراء معاني اللفظ في القرآن. اختلاف الأغراض في السورة الواحدة. دقة النظم بين تراكيبه. وفي هذا الفصل ندرس الخصائص الآتية: فواتح سور القرآن - فواصل آى القرآن - ألفاظ القرآن - النغم الصوتى لألفاظ القرآن - التكرار المحكم في القرآن. ١ - فواتح السور: ذكر السيوطي أن ابن أبى الإصبع قد أفرد فواتح السور القرآنية في كتاب سماه " الخواطر السوانح في أسرار الفواتح ". ثم قال: " وأنا ألخص هنا ما ذكره مع زوائد من غيره " ثم عرض أن فواتح سور القرآن تنحصر فى عشرة أصول وهي: الثناء: مثل: (الحَمْدُ لله) و (تَبَارَكَ) و (سُبْحَانَ) وجاء الثناء فواتح لأربع عشرة سورة. حروف التهجى: مثل: " ألم " و " حم " وقد جاءت هذه الحروف فواتح لتسع وعشرين سورة سنعرض لها في شيء من التفصيل. النداء: - مثل: (يَا أيُهَا الناسُ) و (يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) وقد - جاء النداء فواتح لعشر سور: خمس بنداء الرسول ﷺ وهي: الأحزاب،

стр. 188

والطلاق، والتحريم، والمزمل، والمدثر. وخمس بنداء الأمة وهي: النساء، والمائدة، والحج، والحجرات، والمتحنة. الخبر: مثل: (يَسْألُونَكَ) و (ألهاكُمُ) وقد جاء الخبر فواتح لثلاث وعشرين سورة من سور القرآن. القَسَم: مثل: (وَالسمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ) و (والنجْم إذا هَوَى) وقد جاء القَسَم فواتح في عشر سور. الشرط: مثل: (إذَا جَاءَك المنَافِقُونَ) و (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ) وقد جاء الشرط فواتح لسبع سور. وسيأتى الحديث عنها في شيء من التفصيل كذلك. الأمر: مثل: (قُلْ أُوحِىَ) و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وكان الأمر فواتح لست سور ثنتين من طوال المفصل، وأربع من قصاره. الاستفهام: مثل: (هَلْ أتَى عَلى الإنسَانِ حِينٌ مَنَ الدهْرِ) و (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) وكان الاستفهام فواتح لست سور أيضاً. الدعاء: مثل: (وَيْلٌ لَكُلً هُمَزَةٍ) و (تَبَّتْ يَدَا أبِى لهَبٍ) وجاء فواتح لثلاث سور. التعليل: وقد جاء فاتحة لسورة واحدة هي قوله تعالى: (لإيلافِ قُرَيْش) . هذا. . وقد ذكر السيوطي في نهاية الحديث عن هذه الأصول قوله: " هكذا جمع أبو شامة قال: وما ذكرناه في قسم الدعاء يجوز أن يُذكر مع الخبر، وكذا الثناء كله خبر إلا " سَبِّحْ " فإنه يدخل في قسم الأمر، و" سُبْحَانَ " يحتمل الأمر والخبر ".

стр. 189

ومعنى هذا أن مرد هذه الأصول نوعان: نوع لا يحتمل توجيهاً غير المذكور فيه، ونوع يمكن التصرف فيه حسب ما بيَّنه. وليس هذا يعنينا. إنما الذي أريد ذكره هنا أن الحديث عن هذه الأصول ليس بمستطاع: لأن موضوعها القرآن كله، ولذلك فإننى أعمد هنا إلى نوعين لأفصل الحديث عنهما وهما: ما كانت فواتحه حروفاً هجائية مقطَّعة، ثم ما كانت فواتحه شروطاً. * * * ١٠ لحر وف: جاءت الحروف الهجائية غير المؤتلفة فى كلمات ذات معنى متفَق عليه وضعاً لتسع وعشرين سورة على الوجه الآتى: (أ) ما بدئ بحرف واحد، وهي ثلاث سور: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) . (سورة ص - مكية النزول) (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) (سورة ق - مكية النزول) . (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) . (القلم - مكية النزول) (ب) ما بدئ بحرفين، وهو نوعان: ١ - ما اختلف فيه حقيقة الحرفين وهو ثلاث سور: (طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) (طه - مكية النزول) . (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) (النمل - مكية النزول) . (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) (يس - مكية النزول) .

стр. 190

٢ - ما اتحد فيه حقيقة الحرفين، وهو ست سور هى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) (غافر - مكية النزول) . (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) (فصلت - مكية النزول) . (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) . (الزخرف - مكية النزول) (حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) (الدخاَن - مَكيةَ النَزول) (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) . (الجاثية - مكية النزول) (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) (الأحقاف - مَكية النزول) . (ب) ما بدئ بثلاثة أحرف. وهو ثلاثة أقسام بالنسبة لحقيقة الحروف المفتتح بها: ١ - " الم " وجاءت فاتحة لست سور: (الم* ذلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لَلمُئقِينَ) . (البقرة - مدنية النزول) (الم* اللَهُ لا إلْهَ إلا هُوَ الحَيُّ القَيُومُ) (آل عمران - مدنية النزول) . (الم* أحسِبَ الناسُ أن يُتْركُواْ أن يَقُولُواْ آمَنا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) . - -) العنكبوت - مكمِة النزول) (الم* غُلِبَتِ الرومُ) (الروم - مكية النزول) .

стр. 191

(الم* تِلكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيم) (لقمان - مكية النزول) . (الم* تَنزِيلُ الكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن ربِّ العَالمِينَ) . (السجدة - مكية النزول) ٢ - " الر " وجاءت فاتحة لخمس سور هي: (الر، تِلكَ آيَاتُ الكِتَابِ الحَكِيم) (يونس - مكية النزول) . (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) . (هود - مكية النزول) (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) (يوسف - مكية النزول) . (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . (إبراهيم - مكية النزول) (الر تِلكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (الحجر - مكية النزول) . ٣ - " طسم " وجاءت فاتحة لسورتين: (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) (الشعراء - مكية النزول) . (طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) (القصص - مكية النزول) . (د) ما بدئ بأربعة أحرف وهو سورتان كذلك: (المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ. .) . (الأعراف - مكية النزول) (المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ. .) . (الرعد - مكية النزول)

стр. 192

(هـ) ما بدئ بخمسة أحرف وهو - كذلك - سورتان: (كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) (مريم - مكية النزول) . (حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) (الشورى - مكية النزَول) * * * ويسيرٌ من النظر يُبين أن الحروف التي بدأت بها هذه السور، تبلغ - بعد حذف المكرر - أربعة عشر حرفا هي: ا - ح - ر - س - ص - ط - ع - ق - ك - ل - م - ن - هـ - ى. وقد أثار هذا النوع من الفواتح دهشة العرب النازل بلغتهم القرآن، كما أثار جدلاً كبيراً بين العلماء والمفسرين: لأنهم رأوا فيه غرابة وعزة غير معهودتين فى متعارف القول ومشهور الأساليب. ونتج عن هذا الخلاف اتجاهان رئيسيان. . الأول: يقضى بتفويض السرِّ في ذلك إلى الله، ويرى عدم الخوض فيه، ويعده من المتشابه الذي لا يعلم حقيقته إلا الله. ومن القائلين به خليفة الرسول أبو بكر الصديق، وعلىَ بن أبى طالب، وعمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد اللهَ بن مسعود. فقد نقل السمرقندى أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يُفسَّر. وقال أبو حاتم: لا ندري ما أراد الله بها. وقد تابع الشعبى هذا الرأي وقال: إن لكل كتاب سراً. وإن سر هذا القرآن فواتح السور.

стр. 193

هذه خلاصة هذا الاتجاه. أما الاتجاه الثاني. . فيرى ضرورة تخريجها والبحث عن معانيها ومدلولاتها * وقد تشعبت آراء هذا الفريق حول فهم معناها. ويمكن تلخيص حصيلة ما قالوا به فيما يأتى: ١ - منهم مَن يرى أنها - أي الحروف المبدوءة بها السور - أسماء لله سبحانه أو هي الاسم الأعظم. ويُعزَى هذا القول لابن عباس رضى الله عنه وقد تابعه الكلبى وجعلها مقسماً بها. وفي كشاف الزمخشري كلام طويل حول رأى الكلبى في موضعها من الإعراب. ٢ - ويرى آخرون أنها أسماء للسور التي صدرت بها. ويُنسب هذا الرأي إلى زيد بن أسلم. ٣ - وقال آخرون إنها رموز دالة على كلمات هي بعض حروفها. و "الم " مثلاً بعض حروف كلمة هي: أنا الله أعلم. . . . وهكذا. وقد اختار الزجاج هذا الرأي حيث قال: أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدى عن معنى، وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة. نظماً لها ووضعاً بدل الكلمات التي الحروف منها. وقد استدل على مذهبه بمأثور كلام العرب. من ذلك: قُلتُ لهَا قِفِى. . . قَاَلتْ: قَافْ يعنى: وقفتُ.

стр. 194

وذكر السيوطي نصوصاً أخرى وردت عن العرب استعملت فيها الحروف المقطعة بدل الكلمات. وكذلك ابن جنى في الخصائص. ٤ - ويرى آخرون أن هذه الفواتح رموز يراد بها قيمتها العددية على طريقة " أبجد "، وممن يرى هذا الرأي السهيلي حيث يقول: " لعل عدد الحروف التي فى أوائل السور - مع حذف المكرر - للإشارة إلى مدة بقاء هذه الأمة. وقد تعقب هذا الرأي ابن حجر، وحكم عليه بالبطلان كما ثبت عن ابن عباس رضى الله عنه النهي عن عد " أبجد ". ٥ - وفريق آخر يرى أن هذه الحروف إشارة لورودها أكثر من غيرها فى السور التي بدئت بها. ٦ - ونقل زكى مبارك في كتابه " النثر الفنى " أن هذه الحروف هي وحدات صوتية تكوًن لحناً موسيقياً يراد به تحريك الشعور وإيقاظ الوجدان. كما يكون ذلك في التراتيل الدينية لتهيئة النفوس لتلقى النصائح والإرشادات. ويعزى هذا الرأي إلى مستشرق فرنسى يدعى " بلانشو ". ٧ - ويرى فريق أنها أدوات للتنبيه، عمد إليها القرآن ليكون في غرابتها ما يثير الالتفات. . ولكى يكون أبلغ في قرع الأسماع. وقد اختلف القائلون بهذا الرأي في مَن هو المنبَّه؟ الرسول ﷺ أم المشركون؟

стр. 195

فأبو حيان يرى أنها تنبيه للمشركين إلزاماً لهم بالحُجة، ليستغرق بها المشركون فيفتحوا لها أسماعهم، فتجب عليهم الحُجة بسماع القرآن. ويرى الفخر الرازى أن المنبَّه هو الرسول ﵇؟ لأنه إنسان قد تشغله بعض الأمور. وقد ارتضى الإمام الجويني - فيما حكاه عنه السيوطي - هذا الرأي. وأخذ يعرض ما يراه مبرراً له. وذهب الزركشي إلى أن مجيء هذه الحروف في أوائل السور إشارة إلى غلبة مجيئها في كلمات هذه السورة. كما حاول أن يثبت وجه اختصاص كل سورة بما بدئت به بحيث لا تصلح (الم) بدءاً لسورة قد افتتحت بـ " الر ". . ذكر ذلك في تفصيل واف. من ذلك تكرار الخصومات في " سورة ص " حيث بدئت به. ففيها خصومة النبي ﷺ مع الكفار، والخصمان اللذان عند داود ﵇، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم. ٨ - وذهب الشيخ طنطاوى جوهرى إلى ما خلاصته: أن القرآن كتاب سماوى. والكتب السماوية تُصرح تارة وترمز أخرى. وساق على ذلك دليلين: أحدهما: أن اليهود كان لهم رمز، يتضح ذلك من حساب الجُمَّل حيث جعلوا الحروف رموزاً للأعداد.

стр. 196

ثانيهما: كذلك فإن النصارى قد اتخذوا الحروف رموزاً دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن، وكانت اللغة اليونانية هي الرسمية في مصر، وكانوا يرمزون بلفظ " إكسيس " عن: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص. فالألف من " إكسيس " هي الحرف الأول من " إبسوس " يسوع. والكاف هى الحرف الأول من " كرستوس " المسيح. والسين مبدلة من حرف الثاء فى " ثبو " الله. والياء تدل على " إيوث " ابن. والسين الثانية منها تشير إلى " توتير " المخلص. ومجموع هذه الكلمات عندهم هو: يسوع المسيح ابن الله المخلِّص "! ؟ وهذا الرأي يبدو في ظاهره دفاعاً عن مبدأ الرمز بالحروف الوارد في القرآن الكريم وليس محاولة لفهم هذه الظاهرة الفريدة. ٩ - ويروى مالك بن نبى، نقلاً عن " النقد الحديث "، أن هذه الفواتح ترجع إلى حالة اضطراب عضوى يحدث للنبى ﵇ في حالة الكشف والتلقى. لكنه يدفع هذا الفرض بما هو معروف عن النبي ﵇؟ لأنه كان يمثل أكمل المعادلات الشخصية في نواحيها الثلاثة: الخلقية، والعقلية، والبدنية. ولم يدع التاريخ أدنى ريب في هذه النقطة. فلا مجال إذن لأن نتخيل أى افتراض عن الذات المحمدية، حتى نشرح هذا الإبهام أو ذلك المرض العضوى. " ومن وجهة أخرى لسنا نجد في أدب هذه الذات الشخصى الغنى - وهو " الحديث " - أي أثر لتلك المغلقات، ولا توجد أية رواية مشافهة عن النبي ﷺ مشتملة عن مثل هذا التصدير الرمزى ". هذا رده. وهو دفع ناجح بلا شك. ولكننا نرى في المسألة دفعاً آخر مستمداً من طبيعة الظاهرة نفسها لا من شيء خارج عنها ذاتاً، أو أدب ذات. وحاصل هذا الرد:

стр. 197

" فقد تنبه السَّلف إلى أن مجموع هذه الحروف - بغير المكرر منها - أربعة عشر حرفاً هي نصف الحروف العربية. كما أطال بعضهم النظر في هذه الحروف، فلفتهم عنها أنها نصف الحروف الهجائية على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علماء اللغة بعد نزول القرآن بزمن طويل. ففيها خمسة حروف مهموسة، وعدد المهموس من الحروف عشرة، وفيها نصف الحروف المهجورة وفيها ثلاثة من حروف الحَلق. هي نصف الحروف الحلقية، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية. وفيها نصف الحروف الشديدة، كما أن فيها نصف الحروف الرخوة، وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة، كما أن فيها نصف الحروف الأخرى المنفتحة غير المطبقة. وفيها نصف الحروف المستعلية، كما أن فيها نصف الحروف المنخفضة". فهل هذه الدقة الرائعة، والتوزيع السحرى بين جمل الحروف وأنصافها يمكن أن يعزى إلى ذات مريضة، أو أعصاب مضطربة؟! هذا ما يرفضه العقل والواقع معاً. ولا يمكن أن يُعزَى مثله إلا إلى الوحى. ١٠ - وذهب قطرب والفراء إلى أن هذه الحروف إشارة إلى حروف الهجاء لا تتعداها، أعلم الله بها العرب حين تحدَّاهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هى التي منها بناء كلامهم، ليكون عجزهم عن محاكاته أبلغ في الحُجة عليهم. إذ لم يخرج عن طريقة كلامهم في أصل التأليف.

стр. 198

هذا عرض سريع لأهم الآراء في توجيه هذه الظاهرة. وليست كلها مقبولة. وقد ناقشنا فيما مضى رأيين منها ورددناهما. وهما ما ورد عن طنطاوى جوهرى، وما نقله صاحب الظاهرة القرآنية. أما الآراء الأخرى فيمكن النظر فيها على الوجه الآتى: * نقد وتحليل: أولاً: إن القول بأنها أسماء لله أو للسور التي هي فيها مردود لاعتبارات: أما كونها أسماء لله. . فإن أسماء الله معدومة من السُّنَّة كما في الحديث الشريف: " إن لله تسعة وتسعين اسماً "، وكانت السُّنَّة مقررة لما جاء فى القرآن الكريم وليست هذه منها. لأن أسماء الله توقيفية. لا يجوز إطلاقها إلا بإذن من الشرع. وهذه اجتهادات مفسرين. أما كونها أسماء للسور. . فإن ذلك يؤدى إلى الخلط بين المسميات فـ (الم) مثلاً وردت فواتح لست سور. فأيها ألف لام ميم؟ أم هي أسماء للست فى آن واحد؟! وهذه السور قد أطلق عليها العلماء أسماءها لاعتبارات مناسبة كالبقرة. .، وآل عمران. . إلخ. من هذا ترى أن كلا الاحتمالين - أسماء لله، أو للسور - مردود. أما القول باعتبار القيم العددية لهذه الحروف. فرأى يبدو عليه الجفاف. وقد صح النهي عنه كما أشرنا مثلاً إلى قول ابن عباس فيه. وقد صح مثله عن القاضي أبى بكر في فوائد رحلته. حيث جاء في الإتقان للسيوطى: ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور.

стр. 199

" والذي أقوله: إنه لولا أن العرب كانوا يعرفون لها مدلولاً متداولاً بينهم لكانوا أول مَن أنكر ذلك على النبي ﷺ بل تلا عليهم (حم) و (ص) وغيرهما فلم ينكروا ذلك، بل صرحوا بالتسليم له في البلاغة والفصاحة مع تشوقهم إلى عثرة. وحرصهم على زَلة. فدل على أنه كان أمراً معروفاً بينهم لا إنكار فيه. ومما يضعف هذا الرأي أن منشأه جماعة من اليهود. ظنوا الأمر كذلك حين سمعوا القرآن. ثم لم يلبثوا أن تبينوا خطأ ظنهم. كذلك - فإن القول بأنها رموز لكثرة ورودها في السور التي هي فيها أكثر من غيرها من الحروف الأخرى. لا عمق فيه. وما يمكن أن يُثار حوله من نقد. ما هي القيمة البيانية لهذه الإشارات؟! وهل هذا القول لائق بجلال القرآن وعلومنزلته؟ ؟ * * * * أرجح الآراء في هذا المجال: وبعد هذه المناقشة السريعة يبدو واضحاً أن أرجح هذه الاتجاهات على الإطلاق ما ذهب إليه قطرب والفراء من أن تلك الحروف علامات دالة ورموز منصوبة فحواها أن هذا القرآن الذي أعجز العرب أمره. وبانَ لهم وجه التحدى فيه ليس بلغة غير لغتهم بل هو مؤتلف من مادة اللغة التي يحذقونها. ويجيدون التبارى فيها. ولهم تفنن في أساليب وطرق تعبيرها. إذ لو كان بغير لغتهم لما صح به التحدى ولكان لهم عذر في الإعجاز من أوسع طريق. وأغنى مورد. ويرجِّح هذا الرأي أمور: أ - أن ستاً وعشرين سورة مما فواتحه حروف مقطعة مكية النزول، والعلة أن مظاهر العناد والتحدى للدعوة الجديدة في مكة قد بلغ نهايته فناسب ذلك أن

стр. 200

يورد القرآن كثيراً من النماذج التي تؤيد صحة الدعوة، وتؤكد نسبتها إلى الله تعالى. ٢ - أن معظم هذه السور فيها حديث - بعد الفواتح مباشرة - عن سمو القرآن وعلو طبقته: (ذَلِكَ الكتَابُ لَا رَيْبَ فيه هُدىً لّلمُتقينَ) ، و (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلتْ) . . . إلىَ آخر هذه الآيات والمطالع. وقد تنبه العلماء قديماً إلى هذه الظاهرة، فنص عليها الرازى، والزركشى وغيرهما. قال الزركشي: " واعلم أن عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلق بالقرآن. . وقد جاء بخلاف ذلك في العنكبوت والروم فيُسأل عن حكمة ذلك ". والمشكلة تتصور في العرض الآتى: فقد حرص القرآن الكريم في كل سورة بدئت بالحروف المقطعة أن يذكر معها ما يتعلق بالقرآن. وتخلف هذا المنهج فى ثلاث سور هي: مريم - العنكبوت - الروم. فقد جاءت مطالعها هكذا: (كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) . (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) . (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) . والحق أن المتتبع لهذه السور الثلاث يجد في غضونها ذكراً وحديثاً عن القرآن، أو الانتصار للقرآن كما يقول الحافظ ابن كثير.

стр. 201

ففى مريم تكرر قوله تعالى خطاباً للنبى ﵇: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ. . .) خمس مرات. ثم تأتى في نهاية السورة هذه الآية: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) . وكذلك الحال في سورة العنكبوت فقد وردت فيها الآيات الآتية: (اتْلُ مَا أوحِىَ إليْكَ مِنَ الكِتَابِ. . .) . (وكَذَلِكَ أنَزْلنَا إليْكَ الكِتَابِ) . (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أوتُواْ العِلمَ) . (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) . وجاء - كذلك - في سورة الروم: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) . وبهذا يمكن أن نخرج بما يأتى: أولاً: أن كل سورة بدئت بالحروف المقطعة، فيها حديث مباشر عن روعة القرآن الكريم وإعجازه.

стр. 202

ثانياً: إذا لم يكن ذلك الحديث مباشراً. فإنه يأتى في غضون السورة مبيناً فضل القرآن وأثره. ومنتصراً له على سواه، ولذلك يطرد هذا الملحظ في التسع والعشرين سورة التي جاءت فواتحها حروفاً مقطعة. ٣ - أن هذا الرأي أبعد ما يكون عن النقد فضلا عن لياقته بجلال القرآن. ووجوه الإعجاز البياني فيه. ٤ - أن الزمخشري - وهو خبير بنقد الأساليب وجهات الجمال والقبح فيها - يُرجح هذا الرأي ويقويها ويورد في ذلك كلاماً حسناً. إذ يرى أن مجموع الحروف التي بدئت بها هذه السورة يبلغ أربعة عشر حرفاً. وهي نصف حروف المعجم. كما تحتوي هذه الحروف على لطيفة أخرى -. هي أنها تشتمل على أنصاف أنواع الحروف: المجهورة. . . والمهموسة، والشديدة، والمستعلية. . ويعلق على هذا فيقول: " فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته فكأن الله - عَزَّ اسمه - عدَّد على العرب الألفاظ التي منها تركيب الكلام. إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحُجة إياهم ". ويقول أيضاً: " وهذا القول من الخلاقة والقبول بمكان ". ٥ - ولعل مما يقوى هذا الرأي أنه يلتقى مع غيره من الآراء. إذ لا مانع أن تؤدى هذه الحروف - بالإضافة إلى معنى التحدى - معنى آخر مما ذكروه كالتنغيم الصوتى والدلالة على ورودها أكثر من غيرها. * * * تمثيل وإيضاح: هذه خلاصة ما قيل في هذا الأصل من الفواتح. . وخلاصة ما أراه فيها كذلك. ومثله عندى كمثل صانع ماهر. أعدَّ مواد مما يراه الصانعون ويألفونه

стр. 203

ويعدون منه أشكالاً متفاوتة في الجودة والحسن كل حسب ما أوتِىَ من مهارة وحذق في الصناعة. فجاء هذا الصانع الذي ليس له نظير في الإبداع فطرح مواده التي أعدها أمام الصانعين وصنع منها شكلاً يحسونه في هيئته ونظامه ودقته أروع أمثلة جمال الفن مما ليس لهم قُدرة على الإتيان بمثله مع علمهم بأن مواده المصنوع منها طوع يد الجميع. فالحذق والمهارة إنما هما في الصنعة لا فى المواد المستعملة فيها. إن هذا أدعى إلى إقرارهم بالتفوق لهذا الصانع وأنه ليس من طبقتهم وإن اتحد العمل عند الجميع. . " ولله المثل الأعلى ". * * * * المجموعة الشرطية: جاء الشرط فاتحة لسبع سور، هي: " المنافقون، الواقعة، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة، النصر ". هذه السور السبع يمكن أن نصطلح على تسميتها: المجموعة الشرطية - أو القسم الشرطي من سور القرآن الكريم - والباحث يرى أنها تشترك في عدة خصائص: * خصائص المجموعة الشرطية: أولاً: أن الطابع الغالب عليها أنها مكية النزول، ما عدا " الزلزلة " فهى مدنية باتفاق، وما عدا " النصر " ففيها رأيان. مكية باعتبار المكان لنزولها بعد الهجرة. وما عدا " المنافقين " فمدنية باتفاق. ثانياً: أن في معظم هذه السور حديثاً عن القيامة ومقدماتها. مع ما اقترن به الحديث عنها من أغراض أخرى لها بالمقام نسب ورحم. ثالثاً: أن الشرط فيها قد تردد كثيراً في السورة الواحدة، ولم يقتصر وروده على مطلع السورة فحسب وذلك أمر ظاهر من مجرد تلاوة هذه السور السبع وتتبع أساليب التعبير فيها.

стр. 204

رابعاً: أن هذه السور السبع - المجموعة الشرطية أو القسم الشرطي - موضوعاتها أمور مستقبَلة في الغالب. استقبالاً حقيقياً كما سيحدث من مقدمات القيامة وأهوال الحشر، أو استقبالاً باعتبار الحكاية كمجيء نصر الله فى مطلع سورة " النصر ". إلا ما دعا إليه المقام من الأغراض الأخرى كتقرير أمر واقع، أو لمحة من أخبار تكمل بها الصورة ويتضح بها المقام. خامساً: أن الحديث فيها إذا كان عن مشهد من مشاهد القيامة. أو عن أمر يتكرر من مظاهر الطبيعة وسُنة الله في الكون، أو عن مصير عام محتوم، أو ما قارب هذه الأمور فالأداة المفضلة هي " إذا " المؤذنة بتحقيق شرطها وجوابها. وإن لم يكن الحديث عن هذه الأمور بل غيرها: فالأداة غيرها " إن " أو " لو " وما شابه ذلك. والقيمة البيانية لهذا المطلع الشرطي التي من أجلها - والله أعلم - آثر القرآن افتتاح هذه السور بها. هي أن الأسلوب الشرطي يمتاز بربطه بين أجزاء الكلام ربطاً ملاحَظاً فيه ترتب السبب على السبب. . فإذا ذكِرت أداة الشرط وأردفت بفعل الشرط تشوقت النفس إلى ذكر ما سيكون. . فإذا ذكِر الجواب بعد هذه الإثارة وهذا التشويق تمكن أيما تمكن. والذي يزيد من هذه القيمة البيانية لأسلوب الشرط في القرآن الكريم أمران: الأول: أن القرآن في غالب الفواتح من هذا النوع لا يكتفى بفعل شرط واحد - كما هو الحال في غيره - بل يقرن به أشباهاً ونظائر يطول تأمل السامع فيها وتضاعف من تشوقه إلى الجواب كلما انتقل من جزء إلى جزء. فيأتيه الجواب بعد تلهف وطول ترقب. الثاني: أن أجزاء الأسلوب الشرطي في القرآن ليست من جنس ما يستعمله الناس من أمور عادية قد لا يهتم بها إنسان. أو ليس للوقوف عنده على مدلولاتها كبير معنى -

стр. 205

أو ربما تنبأ - سَلفاً - بما سيكون عليه الحال فلا يفيد منها فائدة جديدة. وليس الحال كذلك في القرآن. بل فيه - فوق دقة النظم وجمال التركيب - غرابة وجزالة. ولنأخذ لذلك - مثلاً - سورة التكوير: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) . لنَتْل هذه السورة حق التلاوة، ولنتأمل الشرط الذي بدئت به. وللننظر إلى الأشباه والنظائر التي عطفت عليه. ولتستحضر معاني هذه الصور التي ترمز إليها كل وحدة من وحدات الشرط وأشباهه ونظائره. ولنحاول تأملها كأنها واقعة - الآن بالفعل - ولندرك كم من المراحل سبحنا فيها. وكم من المشاهد تجددت أمامنا كل مشهد غريب غريب في هيئته وصورته رهيب رهيب في حدوثه وظهوره. يعلو ويسفل. . مرة في السماء وأخرى على الأرض. إنها رحلة طويلة شاقة تقطعها النفس حتى تقف على حقيقة المرحلة والغاية التي من أجلها شُدَّت الرحال: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) (١) .

стр. 206

هنا تستريح النفس من عناء رحلة بهرت الأنفاس. ولكنها استراحة " ليست بالطويلة " فهى على موعد مع رحلة طويلة أخرى تبتدئها من هنا. رحلة من رحلات الكون ليس المقطوع فيها مسافة أرض بل وحدات زمن وتجدد ظواهر: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) . . . . .) . هاتان رحلتان، أولاهما أطول من الثانية، وبين الرحلتين نسب وثيق وعرى محكمة. فالسورة كلها مسوقة لبيان وتقرير حقيقتين كبيرتين. وهما: أولاً: وقوف الإنسان على حقيقة أمره يوم القيامة. ثانياً: وصف القرآن بما هو حقيق به من أوصاف الكمال. وكل من هاتين الحقيقتين ذكِرَ معها ما يمهد لها ويناسبها. ففى جانب الحقيقة الأولى أديت المعاني المقصودة منها بشرط (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ، ثم تتابعت نظائره وأشباهه حتى بلغت اثنتى عشرة صورة من صور البعث. وبلغت الوحدات في هذا الجزء من السورة أربع عشرة وحدة محسوباً فى ذلك جواب الشرط، والوحدة اللاحقة بالحديث عن الموؤدة. وكل هذه الصور من مشاهد القيامة وأهوالها. وكلها آيات دالة على قُدرة الله الفائقة. * * * * سر الحروف الساكنة: وانتهت فواصل الآيات بالتاء الساكنة. وهي من الحروف المهموسة، وتساوت الوحدات الصوتية فصارت كالأنغام الموسيقية سريعة الحركة لاهثة الإيقاع تشترك بتصوبرها الصوتى في تجسيم المشهد وتمثيله للخيال.

стр. 207

ولعل السر في ختم هذه الفواصل بالتاء الساكنة الهامسة الإشارة إلى انقضاء حركة الحياة الأولى في الكون. والإيذان بسيطرة الخوف والدهشة على النفوس والوجوم الذي يغشى الناس. . . وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً. وداعي هذا الخوف المسيطر على النفوس، أوضاع الكون الغريبة التي صار إليها. . وليس في النفوس البَشرية استعداد لتحملها في وعيٍ وإدراك. والإنسان يومئذ سيرى حقيقة عمله ويقف على نوع مصيره: (عَلمَتْ نَفْسٌ مَا أحْضَرَتْ) ، والنفوس عندما تصل إلى هذا الموقف تتهَيأ لامتثال الأوامر، وتتطلع إلى حسن التوجيه وتهفو إلى الإرشاد المنجي من هذه الويلات. * * * حقيقة كبرى: لهذا - والله أعدم - يعقب القرآن هذا المشهد المثير المخيف بعرض حقيقة كبرى من حقائق الإيمان. وهو لا يكتفى بتهيئ النفوس الذي شرحناه آنفاً. بل يمهد لهذه الحقيقة الثانية بذكر آيات لله في الكون من كواكب خُنس كُنس. تسير في فلكها بنظام دقيق. ومن ليل يقبل بظلامه فيسكن كل متحرك. ويختفى كل ظاهر، وصبح ترسل أشعته هادية باصرة فيتحرك كل ساكن ويظهر كل مختف. . . إنه بعث. إنه حياة. بعد هذا كله يعرض القرآن حقيقة الإيمان الكبرى: القرآن كتاب الله ووحى أوحاه: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) . * *

стр. 208

* معان إضافية موحية: هذا وصف حقيق به القرآن. . وقد تضمن هذا الجزء معاني إضافية بالنسبة إلى الهدف الرئيسي من الكلام عن القرآن. ولكن حين ننظر إلى هذه المعاني الإضافية نجد لها أروع الدلالة على تأكيد المعنى الرئيسي. . وهو وصف القرآن بأنه وحى الله إلى رسوله. وتلك المعاني الإضافية هي: أولاً: وصف جبريل ﵇ وهو سفير الوحى - بما ينبئ عن كرمه عنده. . . ونباهة شأنه فقال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) . وقد جاء ضمن هذه الأوصاف وصفه بالأمانة. وهَذا الوصف هام حَيث إن جبريل أحد مصادر القرآن. إذ يُشعِر ذلك بصيانة القرآن من التحريف. فجبريل مبلغ له كما تلقاه من ربه لم يُغير أو يبدل فيه لأنه أمين. ثانياً: وصف محمد ﷺ وهو المتلقي للقرآن عن جبريل كما أمره ربه. ثم المبلغ به الناس بصفة الرشد والسلامة من الآفات التي تنقص من قدر أصحاب الرسالات وعلى رأسها الجنون: (وَمَا صَاحبُكُمْ بمَجْنُونِ) ، وهذا الوصف هام أيضاً ينبئ أن محمداً ﵇ قَد بلغناَ القرآن كَما أنزله ربُّه. لم يخلط فيه. ولم يلتبس عليه منه شيء لأنه عاقل رشيد. والجنون المنفي عنه هو مظنة الخلط والإلباس. وقد عدل عن اسمه الصريح إلى (صَاحِبُكُمْ) لأن فى هذا التعبير إشعاراً بإلزامهم بالحُجة إذ هو ملازم لهم وهم يعرفون تماماً رجاحة عقله وحدة ذكائه وكريم سيرته. ألم يسموه قبلاً: الصادق الأمنِ. وبهذين الوصفين، وصف جبريل بأنه أمين. ووصف محمد ﵇ بالرشد ونفي الجنون عنه سلم مصدران من مصادر القرآن من أي عيب يكون مظنة

стр. 209

التحريف والتبديل، وسلم القرآن نفسه من كل عيب يتقوله المتقولون عليه. ثالثاً: إن فعل القَسَم (لا أقْسِمُ) صدر بحرف النفي، ثم ذكر القسَم به وهو عدة مظاهر كونية: كواكب خُنس كُنس، وليل عسعس. وصبح تنفس. ثم ذكر المقسَم عليه. وهو كون القرآن وحياً من عند الله نزل به أكرم مَلك على أشرف رسول. فلماذا نفى القسم إذن والحقيقة المراد إثباتها جديرة بأن يُقسَم عليها لأن كثيرا من المعاندين حاولوا التشكيك فيها؟ لقد حاول كثير من العلماء أن يُخَرِّجوا العبارة على إثبات القسم. وليس من ضير أن نبقى القَسَم منفياً على ظاهره وسره البياني حينئذ أن الحقيقة ظاهرة لا تحتاج إلى أن يُقسَم على إثباتها إجراء لإنكار المعاندين كلا إنكار. لأنه لم يصادف موضعاً يتوجه إليه على وجه مقبول. ويكون فائدة ذكر القَسَم منفياً للإشارة إلى هذه النكتة توصلاً لذكِر المقسَم به في الظاهر باعتبار أنها آيات ناطقات. رابعاً: إن قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ، وفي قوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) وهذا نمط بياني بالغ الدقة فكأن الله يريد أن يقول: القرآن في هدايته للناس كالصبح في إشراقه وبث الحياة في الكائنات بعد سكون وظلام. . خامساً: إن فواصل المرحلة الثانية. تنتهى بحرف السين المتحرك. وهو من أحرف التصغير، والتصغير حركة دائبة مستمرة. والكلمات في أنفسها حركة عنيفة يحتاج عضو النطق إلى مجهود في تأديتها بخلاف فواصل المرحلة الأولى المنتهية بحروف ساكنة. ولعل الفرق بين الحالتين واضح. فقد علمنا السر هناك، أما في هذه المجموعة القسمية فإن المخاطبَين فيها ليسوا على مشارف البعث

стр. 210

وأهوال القيامة وإنما هم في فسحة من الأمل في الحياة بطولها وعرضها وحركتها وصخبها لذلك جاءت الكلمات متموجة مدوية والفواصل متحركة سافرة. وهذا هو صنيع القرآن: لكل جملة بل لكل كلمة بل لكل حرف وحركة مكان ودلالة. ولكل مقام مقال. وهاتان الحقيقتان اللتان دار عليهما رأس الأمر في السورة كلها - مع توابعهما - أديتا في عبارتين جزلتين: شرط. وقَسَم. * * * مطالع سور المجموعة الشرطية: وهذا ما يمكن ملاحظته في سورة التكوير، وما يمكن ملاحظته في بقية هذه المجموعة الشرطية. وقد ألمحنا إليها. أن القرآن تحدث فيها عن مظاهر القيامة. فكان أسلوب الشرط هو وسيلته المفضلة والأداة هي " إذا " المؤذنة بتحقيق جوابها. لأن الساعة آتية لا ريب فيها، ومظاهر القيامة موضع اهتمام فيها لأنها صُدرت بها وعليها أدار الحديث. فمن ذلك مطلع سورة الواقعة: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) . . .) . ومطلع سورة الانفطار: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) .

стр. 211

ومطلع الانشقاق: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) . وسورة الزلزلة: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) . * * * * سِرُّ " إذا ": فى مطالع هذه السور يتحدث القرآن عن مشاهد القيامة. فلم يستخدم من أدوات الشرط غير " إذا " وقد تقدم وجهه في حديثنا عن سورة التكوير. وفواصلها منتهية بالتاء الساكنة مثل فواصل سورة التكوير. وهذا يؤيد ملاحظتنا التي أشرنا إليها هناك. ولا تظن أن سورة " الزلزلة " خرجت عن هذا النظام. فإننا نلحظه في غير الفواصل في موضعين: " زلزلت " و " أخرجت "، أما فواصلها فلا يخفى أنها منتهية بالألف الساكنة. والحال كذلك - أعنى استخدام الأداة " إذا " - إذا كان الحديث عن منظر متكرر من مناظر الطبيعة ومثاله: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) . .) ، ومثله: (وَالقَمَرِ إذَا اتسَقَ) . وكذلك الحال إذا كان الحديث عن مصير محتوم، سواء أكانت حتميته لسنن خاص أو عام. ومثال الأول: (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ) لأن مجيء النصر أمر محتوم لأنه وعد الله لرسوله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 212

ومثال الثاني: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) لأن مجئ الأجل أمر محتوم كذلك لأنه سُنة الله في الخلق لا فرق بين كائن وكائن. فالأمر هنا يجرى على سنن عام. * * * إيثار غير " إذا ": وإذا خرج الحديث عن هذه الواقف وأشباهها لأن المجال فسيح أمام أدوات الشرط غير " إذا " كل حسب ما يقتضيه المقام. ومن ذلك قوله في سورة الواقعة: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) وقوله: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) . ومثله من سورة المنافقين: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) . اختلفت الأداة في هذه النصوص لاختلاف الأغراض إذ المراد من الأول التهديد بتبديل النِعم وذلك أمر متوقف على المشيئة الإلهية إذا أرادته كان وإلا فلا. والمراد من الثاني: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) حكاية حال للمنافقين وهم غير ضامنى رجوعهم إلى المدينة وذلك - في تصورهم - لو حدث لترتب عليه ما دبروه من آثار،

стр. 213

والتفرقة بين أدوات الشرط على هذا الأساس ليست خاصة بمجموعة السور الشرطية بل عامة في جميع سور القرآن، ولا يخالف إلا لداع بلاغى. وإنما آثرنا الحديث عما جاء منه في هذه المجموعة لأن المجال خاص بها. * * * * ظاهرتان عامتان: والذي أريد إثباته - هنا - أن مجموعة كل نوع تحكمها ظاهرتان: الأولى: أن كل مجموعة من هذه السور انتظمت تحت أصل واحد من هذه الأصول العشرة بينها مناسبات وخصائص كانت سبباً في أن تكون هذه المجموعة جدولاً متميزاً يتقدمه مطلع واحد متحد السمات أو متقاربها. بحيث يتضح عند التأمل أن انتظامها تحت ذلك الأصل لم يكن محض صدفة. بل هو تدبير حكيم. وصنع خبير. الثانية: أن تلك الأصول - في جملتها - ضرب من البيان رفيع، ونمط من التعبير معجز، ولون من البلاغة فريد، إذ هي آنق، وأنسب الكلام مطالع، وأجزلها وأعذبها ألفاظاً، وأشرفها وأنبلها مقاصد، وأحسنها وأجودها سبكاً، وأدقها وأروعها نظماً. ومطالع الكلام هي أول ما يقرع السمع ويصل إلى النفس. فإذا توافرت لها خصائص التعبير الجميل خفت النفس لسماعه. وأقبلت على فهم معناه. وانتهاج نهجه وصارت معه حيث يكون. وقد جاءت هذه الفواتح كلها وافية بهذا الغرض عامرة بتلك الخصائص وهو أمر شهد به أرباب القول وحُذاق الكلام حتى من أعداء القرآن أنفسهم. والحق ما شهدت به الأعداء. والآن. . فقد بانَ لنا أن كلتا المجموعتين - ما بدئت بحروف الهجاء، وما بدئت بأساليب شرط - لم يكن هذا السلوك في أي منهما أمراً صنعته الصدفة. بل كان لخصائص تعم أفراد المجموعة. وتربط بينها فتجعلها قسماً ذا ملامح

стр. 214

خاصة. وقد حاولت جهد ما أستطيع أن أكشف عن شيء من تلك الخصائص التي تسرى بين وحدات كل مجموعة وكان مرجعى في ذلك هو القرآن نفسه. وهذه براعة استهلال. ذات دلالات بيانية تضاف إلى وجوه إعجازه وجمال أسلوبه وسحر بيانه. * * * ٢ - فواصل القرآن: فاصلة الآية هي آخر كلمة فيها. وللعلماء تعريفات متعددة في تحديد معنى الفاصلة فمرة يُعرفونها بأنها كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينية السجع، وقال الدانى: هي كلمة آخر الجملة. والفرق بين التعريفين واضح. الأول يخص الفاصلة بآخر الآية وهو ما عليه العمل، والثاني يعتبر الفاصلة كلمة آخر الجملة سواء أكانت هذه الجملة في أول الآية أو وسطها أو آخرها فهو غير مانع إذ تدخل فيه الفاصلة اللغوية مع الفاصلة الاصطلاحية وهذا عيب في التعريف. لذلك نقده الجعبرى فقال: " وهذا خلاف المصطلح ولا دليل له في تمثيل سيبويه بـ (يَوْمَ يَأتِ) و (مَا كُنا نَبْغِ) . وليسا رأسي آية لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ". وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعنى. ولعل عِلَّة التسمية " فاصلة " لأنها تفصل بين الآي، وتميز بينهاً.

стр. 215

* آراء العلماء حول السجع في القرآن: وقد سموا التشاكل الواقع بين الحروف في أواخر الآي فواصل. وسموا نظيره في الأساليب الأخرى سجعاً. لأن مجيء السجع في القرآن لم يكن محل إتفاق بين العلماء، فانقسموا إزاء هذه القضية قسمين: الأول: يمنع أن يكون في القرآن سجع. ولهم في ذلك حجج وأسباب ذكروها وبنوا مذهبهم عليها. الثاني: يرى جواز مجيء السجع في القرآن، بل هو وارد فيه فعلاً. ولهم ردود على حجج وأسباب المانعين. وأسباب أخرى مهَّدوا بها لمذهبهم. . وبنوا فكرتهم عليها. ومن أدلة المانعين: ١ - أن القرآن وصف لله. فلا يجوز وصفه بما يرد به إذن شرعاً. ٢ - أن السجع من قولهم: " سجع الطير " وشرف القرآن ألا يُستعار لشيء فيه لفظ أصله مهمل. ٣ - أن السجع يُقصد ثم يُحال المعنى عليه وفي هذا ضرب من التكلف، أما الفاصلة فيُقصذ بها المعنى أولاً. ثم يُحال عليه اللفظ. فالسجع عيب والفواصل بلاغة. ٤ - لو كان في القرآن سجع لما كان خارجاً عن أساليب كلامهم. ولو كان كذلك لما كان فيه إعجاز ولو كان جاز أن يقال: إنه سجع معجز لجاز أن يقال: إنه شعر معجز، وكيف والسجع مما كانت تألفه الكهان من العرب. ونفيه عن القرآنَ أجدر أن يكون حجة من نفى الشعر. لأن الكهانة تنافى النبوات. وليس كذلك الشعر. ٥ - ولو سلمنا بأن في القرآن سجعاً لكان مذموماً في بعض المواضع لمجيئه على غير شرط السجع الحسن. وهو ما كان متقارب الحروف. ولعدم استواء
следующие страницы →