← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ومطلع الانشقاق: (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) . وسورة الزلزلة: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) . * * * * سِرُّ " إذا ": فى مطالع هذه السور يتحدث القرآن عن مشاهد القيامة. فلم يستخدم من أدوات الشرط غير " إذا " وقد تقدم وجهه في حديثنا عن سورة التكوير. وفواصلها منتهية بالتاء الساكنة مثل فواصل سورة التكوير. وهذا يؤيد ملاحظتنا التي أشرنا إليها هناك. ولا تظن أن سورة " الزلزلة " خرجت عن هذا النظام. فإننا نلحظه في غير الفواصل في موضعين: " زلزلت " و " أخرجت "، أما فواصلها فلا يخفى أنها منتهية بالألف الساكنة. والحال كذلك - أعنى استخدام الأداة " إذا " - إذا كان الحديث عن منظر متكرر من مناظر الطبيعة ومثاله: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) . .) ، ومثله: (وَالقَمَرِ إذَا اتسَقَ) . وكذلك الحال إذا كان الحديث عن مصير محتوم، سواء أكانت حتميته لسنن خاص أو عام. ومثال الأول: (إذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ) لأن مجيء النصر أمر محتوم لأنه وعد الله لرسوله، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 212

ومثال الثاني: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا) لأن مجئ الأجل أمر محتوم كذلك لأنه سُنة الله في الخلق لا فرق بين كائن وكائن. فالأمر هنا يجرى على سنن عام. * * * إيثار غير " إذا ": وإذا خرج الحديث عن هذه الواقف وأشباهها لأن المجال فسيح أمام أدوات الشرط غير " إذا " كل حسب ما يقتضيه المقام. ومن ذلك قوله في سورة الواقعة: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) وقوله: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) . ومثله من سورة المنافقين: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) . اختلفت الأداة في هذه النصوص لاختلاف الأغراض إذ المراد من الأول التهديد بتبديل النِعم وذلك أمر متوقف على المشيئة الإلهية إذا أرادته كان وإلا فلا. والمراد من الثاني: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ) حكاية حال للمنافقين وهم غير ضامنى رجوعهم إلى المدينة وذلك - في تصورهم - لو حدث لترتب عليه ما دبروه من آثار،

стр. 213

والتفرقة بين أدوات الشرط على هذا الأساس ليست خاصة بمجموعة السور الشرطية بل عامة في جميع سور القرآن، ولا يخالف إلا لداع بلاغى. وإنما آثرنا الحديث عما جاء منه في هذه المجموعة لأن المجال خاص بها. * * * * ظاهرتان عامتان: والذي أريد إثباته - هنا - أن مجموعة كل نوع تحكمها ظاهرتان: الأولى: أن كل مجموعة من هذه السور انتظمت تحت أصل واحد من هذه الأصول العشرة بينها مناسبات وخصائص كانت سبباً في أن تكون هذه المجموعة جدولاً متميزاً يتقدمه مطلع واحد متحد السمات أو متقاربها. بحيث يتضح عند التأمل أن انتظامها تحت ذلك الأصل لم يكن محض صدفة. بل هو تدبير حكيم. وصنع خبير. الثانية: أن تلك الأصول - في جملتها - ضرب من البيان رفيع، ونمط من التعبير معجز، ولون من البلاغة فريد، إذ هي آنق، وأنسب الكلام مطالع، وأجزلها وأعذبها ألفاظاً، وأشرفها وأنبلها مقاصد، وأحسنها وأجودها سبكاً، وأدقها وأروعها نظماً. ومطالع الكلام هي أول ما يقرع السمع ويصل إلى النفس. فإذا توافرت لها خصائص التعبير الجميل خفت النفس لسماعه. وأقبلت على فهم معناه. وانتهاج نهجه وصارت معه حيث يكون. وقد جاءت هذه الفواتح كلها وافية بهذا الغرض عامرة بتلك الخصائص وهو أمر شهد به أرباب القول وحُذاق الكلام حتى من أعداء القرآن أنفسهم. والحق ما شهدت به الأعداء. والآن. . فقد بانَ لنا أن كلتا المجموعتين - ما بدئت بحروف الهجاء، وما بدئت بأساليب شرط - لم يكن هذا السلوك في أي منهما أمراً صنعته الصدفة. بل كان لخصائص تعم أفراد المجموعة. وتربط بينها فتجعلها قسماً ذا ملامح

стр. 214

خاصة. وقد حاولت جهد ما أستطيع أن أكشف عن شيء من تلك الخصائص التي تسرى بين وحدات كل مجموعة وكان مرجعى في ذلك هو القرآن نفسه. وهذه براعة استهلال. ذات دلالات بيانية تضاف إلى وجوه إعجازه وجمال أسلوبه وسحر بيانه. * * * ٢ - فواصل القرآن: فاصلة الآية هي آخر كلمة فيها. وللعلماء تعريفات متعددة في تحديد معنى الفاصلة فمرة يُعرفونها بأنها كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينية السجع، وقال الدانى: هي كلمة آخر الجملة. والفرق بين التعريفين واضح. الأول يخص الفاصلة بآخر الآية وهو ما عليه العمل، والثاني يعتبر الفاصلة كلمة آخر الجملة سواء أكانت هذه الجملة في أول الآية أو وسطها أو آخرها فهو غير مانع إذ تدخل فيه الفاصلة اللغوية مع الفاصلة الاصطلاحية وهذا عيب في التعريف. لذلك نقده الجعبرى فقال: " وهذا خلاف المصطلح ولا دليل له في تمثيل سيبويه بـ (يَوْمَ يَأتِ) و (مَا كُنا نَبْغِ) . وليسا رأسي آية لأن مراده الفواصل اللغوية لا الصناعية ". وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعنى. ولعل عِلَّة التسمية " فاصلة " لأنها تفصل بين الآي، وتميز بينهاً.

стр. 215

* آراء العلماء حول السجع في القرآن: وقد سموا التشاكل الواقع بين الحروف في أواخر الآي فواصل. وسموا نظيره في الأساليب الأخرى سجعاً. لأن مجيء السجع في القرآن لم يكن محل إتفاق بين العلماء، فانقسموا إزاء هذه القضية قسمين: الأول: يمنع أن يكون في القرآن سجع. ولهم في ذلك حجج وأسباب ذكروها وبنوا مذهبهم عليها. الثاني: يرى جواز مجيء السجع في القرآن، بل هو وارد فيه فعلاً. ولهم ردود على حجج وأسباب المانعين. وأسباب أخرى مهَّدوا بها لمذهبهم. . وبنوا فكرتهم عليها. ومن أدلة المانعين: ١ - أن القرآن وصف لله. فلا يجوز وصفه بما يرد به إذن شرعاً. ٢ - أن السجع من قولهم: " سجع الطير " وشرف القرآن ألا يُستعار لشيء فيه لفظ أصله مهمل. ٣ - أن السجع يُقصد ثم يُحال المعنى عليه وفي هذا ضرب من التكلف، أما الفاصلة فيُقصذ بها المعنى أولاً. ثم يُحال عليه اللفظ. فالسجع عيب والفواصل بلاغة. ٤ - لو كان في القرآن سجع لما كان خارجاً عن أساليب كلامهم. ولو كان كذلك لما كان فيه إعجاز ولو كان جاز أن يقال: إنه سجع معجز لجاز أن يقال: إنه شعر معجز، وكيف والسجع مما كانت تألفه الكهان من العرب. ونفيه عن القرآنَ أجدر أن يكون حجة من نفى الشعر. لأن الكهانة تنافى النبوات. وليس كذلك الشعر. ٥ - ولو سلمنا بأن في القرآن سجعاً لكان مذموماً في بعض المواضع لمجيئه على غير شرط السجع الحسن. وهو ما كان متقارب الحروف. ولعدم استواء

стр. 216

مقاطعه في الطول - أحياناً - وهذا غير مرضٍ. ولا محمود. لأن للسجع منهجاً محفوظاً وطريقاً مضبوطاً مَن أخل به وقع الخلل في كلامه (١) . وهذه خلاصة أدلة المانعينِ وكان أولهم الأشاعرة، ثم تابعهم كثير من العلماء مثل ابن خلدون والرماني والباقلاني. . وغيرهم. يقول ابن خلدون: ". . . . أما القرآن - وإن كان من النثر - إلا أنه خارج عن الوصفين ليس يسمى مرسلاً مطلقاً ولا مُسْجعاً. بل تفصيل آيات ينتهى إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها. ثم يُعاد الكلام في الآية الآخرى بعدها. ويثنى من غير التزام حروف تكون سجعاً ولا قافية. ويسمى آخر الآيات منها فواصل إذ هي ليست أسجاعاً. ولا التزم فيها ما التزم في السجع، ولا هي قوافى أيضاً. ويبدو أن ابن خلدون أول مَن أطلق هذه التسمية وقد طرق في نصه هذا أهم قضايا هذه الفكرة وكان موفقاً أيما توفيق حيث اشتق تسمية: " الفاصلة " من استعمال القرآن نفسه لهذه المادة في حديثه عن القرآن اسماً وفعلاً. . ولذلك فإن هذه التسمية ليست بغريبة عن روح القرآن ولغته. أما المجيزون لورود السجع في القرآن. فكثيرون كذلك. منهم أبو هلال العسكرى وضياء الدين ابن الأثير. والعلوى صاحب الطراز وابن سنان الخفاجى. والفراء من النحاة والزركشي صاحب " البرهان " والسعد وابن النفيس. . وغيرهم. وكان على هؤلاء أن يقوموا بعملين لإثبات مذهبهم. . أولاً: الرد على شُبه المانعين. وأقوى أدلتهم - فيما نرى - أن السجع من المحسنات اللفظية، والفواصل من المحسنات المعنوية، وبين النوعين بون شاسع.

стр. 217

ثانياً: أن يأتوا بجديد من الأدلة التي تؤيد وجهتهم فضلاً عن رد شُبه المانعين. وهذا هو الذي فعلوه فلننظر في أقوالهم. يقول ابن الأثير: ". . وإلا لو كان مذموماً - يعنى السجع - لما ورد فى القرآن الكريم. فإنه قد أتى منه بالكثير حتى إنه ليؤتى بالسورة كلها مسجوعة. كسورتى الرحمن والقمر. وغيرهما. . وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور ". ويقول أبو هلال العسكرى: " جميع ما في القرآن الكريم مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف في تمكين المعنى وصفاء اللفظ، وتضمن الطلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق ". وكذلك يقول صاحب " الطراز "، وابن النفيس، وهما إنما يدفعان ما ذكره المانعون من شُبَه ولم يأتيا بجديد يؤيد هذه الوجهة. أي أنهما يدوران فى مجال العمل الأول فحسب. وجاء ابن سنان الخفاجى فأتى بالعملين معاً. رد شُبه المانعين. وإِثبات جديد من الأدلة ليس في وسع منصف إنكارها، فكان أكثر النقاد حسماً للخلاف. وأشدهم حماساً لإثبات السجع في القرآن الكريم. ك ان منهجه على النحو التالى:. ١ - بدأ بذكر مذاهب المانعين. وذكر عبارة الرماني: " الفواصل بلاغة، والسجع عيب ". وفند أدلتهم واحداً واحداً. ٢ - فرق بين الفواصل والأسجاع تفرقة فنية بأن الأسجاع حروف متماثلة فى مقاطع الفصول أما الفواصل فمنها ما يكون متماثل الحروف ومنها ما يكون متقارب الحروف. فالأول سجع والثاني فاصلة. وكلا النوعين إما أن يأتى طبعاً سهلاً تابعاً لمعناه، وإما أن يأتى على الضد. فالأول محمود والثاني مذموم.

стр. 218

والقرآن الكريم. ورد فيه النوعان: المتماثل الحروف، والتقارب. وكلاهما فيه من المحمود ويمثل لذلك بمطالع السور: الطور - طه - العاديات - الفجر - القمر - ويعقب على ذلك بقوله: " وكل أولئك جائز أن يسمى سجعاً لأن فيه معنى السجع ولا مانع في الشرع يمنع ذلك "، ويمثل للمتقارب بأم الكتاب. و " ق "، ويقول: " مثل ذلك لا يسمى سجعاً لأن حروفه غير متماثلة ". ٣ - خطأ الرماني في قوله: " الفواصل بلاغة والسجع عيب " لأنه إن أراد بالسجع ما يكون تابعاً للمعنى وكان غير مقصود. فذلك بلاغة والفواصل مثله، وإن كان يريد بالسجع ما تقع المعاني تابعة له، وهو مقصود متكلف. فذلك عيب والفواصل مثله. ٤ - ويرد على شُبهة تنزيه القرآن عما سواه فيقول: " وهذا غرض فى التسمية قريب، فأما الحقيقة فما ذكرناه لا فرق بين مشاركة بعض القرآن لغيره فى كونه عرضاً وصوتاً وحروفاً وكلاماً عريياً ومؤلفاً. وهذا مما لا يخفى فلا يحتاج إلى زيادة في البيان ". ومما يؤيد به المجيزون مذهبهم فوق ما ذكر. أن السجع من الفنون التي يبين بها فضل الكلام ويقع لها التفاضل في البيان والفصاحة. كالجناس. والالتفات ونحوهما من الفنون البلاغية التي هي محل اتفاق من حيث ورودها فيه. فكما جاز ورود هذه الفنون فيه جاز ورود السجع. * * * دليل السجع من القرآن نفسه: ثم لجأوا إلى القرآن نفسه يستخرجون منه أمثلة تدعم فكرتهم. منها أن القرآن ورد فيه تقديم موسى على هارون في موضع، وفي آخر قُدِّمَ هارون على موسى.

стр. 219

وموسى إذا قُدِّمَ على هارون فذلك جار على الأصل عندهم. لان موسى أفضل من هارون. فإذا قُدِّمَ هارون على موسى. وهو مفضول بالنسبة له فذلك عندهم - أي تقديم هارون على موسى - ليس إلا لفضيلة السجع. لأن الفواصل فيه جارية على " الإلف ". ومنها: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) حيث فصل بين المعطوفَ والمعطوف عليه من أجل السجع. لأن تقدير الكلام: " ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً ". * * * * رد هذا الدليل: وقد رد الباقلاني على الشُّبهة الأولى - وهو من نُفاة السجع كما علمنا - فقال: " إن تقديم موسى على هارون مرة وتأخيره عنه أخرى. ليس من أجل السجع. وإنما هو إيراد للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدى معنى واحداً. وهذا من الأمر الصعب الذي تظهر فيه البلاغة ". وهناك اعتباران - لم يفطن لهما الباقلاني - يؤيدان مذهبه وهما أن أفضلية موسى على هارون ليست على الإطلاق. لأن هارون يفضل موسى بفصاحة اللسان وكمال هيئة النطق وتقدمه في السن عليه. إذ يكبره بثلاث سنوات كما جاء ذلك في العهد الجديد. وكمال هيئة النطق وفصاحة البيان أمر له قيمته في مقام التبليغ، وقد شهد به موسى نفسه كما حكى عنه القرآن: (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) ، فلا يبعد أن يكون تقديم هارون على موسى من أجل هذا الاعتبار.

стр. 220

هذا على اعتبار أن التقديم يجرى في القرآن على حسب الأفضلية. ولكن الواقع أن ليس كل تقديم في القرآن جارياً على أن القدم أفضل من المؤخر بل للتقديم فيه أسرار أخرى غير هذا. فالأولى عدم التمسك بها والتماس وجه آخر ينطلق معه الفهم في آفاق رحبة. أما الشُّبهة الأخرى فلم يتعرض لها الباقلاني. وقد عثرتُ في كشاف الزمخشري على توجيه للآية يحسن بنا الإشارة إليه. وتوجيه الزمخشري للآية ذو شقين: الأول: أن يكون " أجل مسمى " معطوفاً على " كلمة " وعليه ففى الآية فصل بين المتعاطفين. الثاني: أن يكون معطوفاً على الضمير في " لكان " وعليه فلا فصل فى الآية. وتقدير المعنى حينئذ: " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان الأخذ العاجل والآجل لازمين لهما كما كانا لازمين لعاد وثمود ". والوجه الثاني هو الذي يهمنا من أجل قضيتنا هذه لأنه لا يلزم عليه تقديم ولا تأخير فيسقط الاستدلال به. والمسألة بعد - في رأى الإنصاف - بين نفاة السجع ومجوزيه لا تعدو أن تكون خلافاً لفظياً ما دام الاثنان متفقين على تنزيه القرآن عن التكلف والتوعر والتقليد. فلا ضَير أن يقال: إن في القرآن سجعاً لكنه فصيح غير متكلف كما يقول أبو هلال: " مخالف في تمكين المعنى وصفاء اللفظ وتضمن الطلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام المخلوقين " ولا سبيل إلى إنكار السجع ففيه منه القدر الكثير والاتفاق في التسمية لا يضير مادامت التفرقة بينه وبين غيره مقيسة بمعايير الجودة والحسن وخلوه من العيوب التي ألفوها في غيره. * * *

стр. 221

* وظيفة الفواصل اللفظية: للفاصلة في القرآن الكريم وظيفتان، إحداهما لفظية - وسنتحدث عنها الآن، وأخرى معنوية - وسيأتى الحديث عنها قريباً. أما وظيفتها من حيث اللفظ فتعتمد على العوامل الآتية: أولاً: أنها تحسين للكلام وراحة للنفس عند التلاوة. حيث يحسن السكوت عليها وقد كمل المعنى أو قارب الكمال، بحيث يشهد الذوق بذلك ويدركه. ثانياً: تؤذن بانتهاء الآية وتميز بينها وبين التي تليها كما تميز قافية الشعر بيتاً من بيت مع اختصاص الفاصلة بأحكام الربط ودقة النظم وجمال التلاؤم. ثالثاً: تساعد الفاصلة على تلاوة القرآن مرتلاً مجوداً بأنغام آسرة ذات إيقاع جميل. . " وهذا الجمال التوقيعى في القرآن لا يخفى على أحد ". ومن أجل هذه الوظيفة - اختصت الفاصلة بأمور. وهي: (أ) ختمها - في الغالب - بحروف المد واللين - وإلحاق النون والميم بها. وحكمته التمكن من التطريب. قال سيبويه: " إنهم - أي العرب - إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون يريدون مد الصوت. ويتركون ذلك إذا لم يترنمواً. وقد جاء في القرآن على أسهل موقع، وأعذب مقطع. (ب) أن الحروف التي تقع بها الفواصل إما متماثلة أو متقاربة، ولا تخرج عنهما كما قال فخر الدين الرازى، وبهذا استكملت أداة الغناء وتم لها حسن التناسق وجمال الإيقاع.

стр. 222

(جـ) أنها تتقدم عليها ألفاظ تُمهد لها، وتُعظم من وقعها في السمع. وتلك الألفاظ سماها المتقدمون رد الأعجاز على الصدور. وسماها المتأخرون التصدير. (د) أن تتكرر في بعض المواضع فاصلة بعينها كما في سور: الرحمن والقمر والمرسلات، لكن هذا التكرار ليس مختصاً بهذه الوظيفة الصوتيه. بل لها وللوظيفة المعنوية كما يبدو عند البحث والتأمل. * * * * وظيفة الفواصل المعنوية: لا بدَّ للباحث عند الكشف عن وظيفة الفواصل من حيث المعنى أن يتبع جميع فواصل الآي فيه حتى يتسنى له أن يحصل على نتائج وقوانين لهذه الوظيفة. وهذا ليس له من سبيل في بحثنا هذا. ولذا نكتفى بذكر ما يتيسر منها فيما يأتي: قال تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧) . والمعنى العام لهاتين الآيتين أن الناس غفلوا عن آيات الله. وهي ظاهرة أمامهم يمرون عليها دون تذكر أو تدبر. وهذه الآيات التي غفلوا عنها نوعان: آيات تاريخية تُدرَك عن طريق السمع والرواية. وأخرى حاضرة تُدرَك عن طريق الرؤية والبصر.

стр. 223

وقد ذكر القرآن مع كل نوع ما يلائمه. فجاءت الفاصلة مع الآيات التاريخية والأثرية " أفلا يسمعون " وجاءت مع الآيات الحاضرة " أفلا يبصرون ". ففى الأولى نفى للسمع على سبيل التوبيخ. وفي الثانية نفى للبصر الذي هو سبيل المشاهدة والتبصر. وقال: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) . * * * * اختلاف الفواصل لاختلاف المعاني: سيقت هذه الآيات الثلاث تذكيراً للناس بنعَم الله عليهم كل آية تُصور لوناً من ألوان النعيم. ومع ذلك جاءت فواصلها مختلفة وكل منها واقع موقعه من البيان البليغ. فحساب النجوم والأفلاك في الأولى مختص بالعلماء فناسب أن تكون فاصلته: " لقوم يعلمون ". وخلق الإنسان من نفس واحدة. وتكثيره ونهيئة الرزق له. وتدبير أمره فى الحياة ثم القضاء عليه بالموت. أمور لا تقوم على حدود رياضية. بل على التأإمل والاستنتاج، وإمعان النظر وتكرار التأمل والفكر، فناسب أن تكون فاصلته: " لقوم يفقهون " لأن الفقه أدق من مجرد العلم.

стр. 224

أما الثالثة: فقد اختصت بالنعَم التي عليها تقوم مطالب الحياة الدنيا من إنزال الماء من السماء وسلكه فى الأرض عيونا، وإنبات النبات به والزروع والأشجار. فيأكل الناس والأنعام مما تنبت الأرض. وهذه النعَم تقتضى شكر المنعِم بها من المنعَم عليه. فكان - بحسب الظاهر - أن تكون فَاصلته: " لقوم يشكَرون " فعدل عنها إلى: " لقوم يؤمنون " لنكتة أوجبت ذلك. لأنها كما تقتضى شكر المنعم بما تقتضى الإيمان بواهبها. والإيمان أصل فى الشكر فأوثر على الفرع. واكتفى به لتضمنه إياه. ومثل هذا التضمين يسمى " المضاعفة " في علم البديع قلنا: إن اختلاف الفواصل هنا كان لاعتبارات فيما هي فاصلة له من اختلاف فى جنس المنعَم به وقد تختلف الفاصلتان والمعنى واحد! * * * * اختلاف الفواصل مع اتحاد المعنى: ولكن في القران ما هو مثير للدهشة. ذلك أن الفاصلتين قد تختلفان والمحدَّث عنه واحد في الموضعين. ومن هذا قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) . وقوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) . وقد أجاب ابن المنير على هذا الاختلاف في الفاصلتين مع اتحاد الموضوع فقال: " كأنه - أي الله - يقول: إذا حصلت النعم الكثيرة. فأنت آخذها. وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان كونك ظلوماً وكونك كفاراً. " وحصل لى عند إعطائها وصفان: أنى غفور وأني رحيم، أقابل ظلملت بغفرانى وكفرك برحمتى".

стр. 225

وتخريج ابن المنير لاختلاف الفاصلتين مقبول، لكنه لم يعالج الموضوع من جميع أطرافه لأن فيه سؤالاً ما زال قائماً حاصله: لماذا أوثر وصف الإنسان فى سورة إبراهيم على وصف الله؟ ثم لماذا أوثر - كذلك - وصف الله في سورة النحل على وصف الإنسان؟ وعندى. . أن إيثار وصف الإنسان في سورة إبراهيم لأن السورة عددت كثيراً من مظاهر النعم، فروعى جانب الإنسان فيها. وقليل من الناس الشكور. فقررت السورة موقف سواد الناس من النعم. وإيثار وصف الله في سورة النحل. لأن السورة تحدثت عن كثير من صفات الله في موطن يدَّعي فيه المضللون وجود شريك لله - سبحانه - فناسب أن يراعى فيها وصف الله دون الإنسان. وعلى عكس هذه المسألة قد يختلف موضوعا الحديث وتأتى الفاصلتان متفقتين في الموضعين، ومثال ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) . وسر اتفاق الفاصلتين أن الغرض من الكلامين واحد. هو أدب الاستئذان، والمناسبة في الموضعين واضحة لأن المعنى. الله عليم بما فيه صلاحكم حكيم فيما شرعه لكم.

стр. 226

وتكرير الفاصلتين بألفاظ واحدة فيه تأكيد للإنذار من المخالفة ومبالغة فى امتثال المكلفين بما أرشدوا إليه. * * * فواصل تحتاج إلى تأمل: وقد تبدو الفاصلة - بحسب الظاهر - غير ملائمة للمقام - فإذا ما تؤملت ظهرت دقة الحكمة فيها. وقد مثَّلوا لها بقوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) . وكان الظاهر يستلزم أن تكون الفاصلة هنا: " إنك أنت الغفور الرحيم ". وسر العدول: أنه لا يغفر لمن يستحق العقاب إلا مَن ليس فوقه أحد يَرُدُّ عليه حكمه. عزيز لا يُغلب. وإذا كان الأمر - كذلك - فـ " الحكيم " لا يضع الشيء إلا في موضعه فلا يُتهم في غفرانه لمن يستحق العقاب. ففى " الحكيم " احتراس حسن لأن الحكمة فيما فعل. ومن روائع الفواصل في القرآن الكريم قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) . والمناسب بحسب الظاهر أن يُقرن الجوع بالظمأ لأنهما نظيران، والعري بالضحاء لأنهما نظيران كذلك، لكن خولف هذا الظاهر ولهذه المخالفة أسباب: (أ) فقد روعى مناسبة اللبس للشبع في أنهما أمران ضروريان لا غنى لأحد عنهما، وروعى مناسبة الاستظلال للري في كونهما تابعين لهما. فالري تابع للشبع. والاستظلال تابع للباس.

стр. 227

(ب) أجرى الخطاب بمقتضى العادة لأن العادة أن يقال: جوعان عريان. كما أن الضاحى الذي لا يستر جسمه ساتر، متعرض لحرارة الشمس فيشعر كثيراً بالعطش. . فصار " الضحاء " كأنه سبب فيه فقُرِنَ به. (جـ) في هذه المخالفة لمحة من لمحات البيان الآسر، سماها البديعيون: " قطع النظير عن النظير " والغرض من ذلك تحقيق تعداد النِعَم. ولو قرن كل بمماثله لتوهم متوهم أن المعدود نعمتان لا أربع. * * * * دليل من الشعر العربي: وهذا السلوك البياني معروف لدى فحول الشعراء جاهليين وإسلاميين. وقد أثار النقاد حوله جدلاً كثيراً. واحتكموا فيما بعد إلى القرآن فيما نحن بصدد ذكره. فاتخذوه معياراً للقياس فيما قاله الشعراء. فقد قال امرؤ القيس الشاعر الجاهلى: كَأنًىَ لمْ أركَبْ جَواداً للذةٍ. . . وَلمْ أتَبَطنْ كَاعباً ذاتَ خُلخَال وَلمْ أسْبأ الزِّقَ الروِيَّ وَلمَْ أقُلْ. . . لِخَيْلِىَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ فقطع ركوب الخيل عن كره، وقطع تبطن الكاعب عن اشتراء الخمر، مع أنه المناسب وغرضه تكثير ملاذه. . والفخر بها. وقد تبعه المتنبي وهو شاعر إسلامى فقال يمدح سيف الدولة: وَقَفْتَ وَمَا فِى الموت شَلٌّ لِوَاقِف. . . كَأنكَ فِى جَفْنِ الردَى وَهُوَ نَائِمُ تَمُر بِكَ الأبْطالُ كَلْمَى جَرِيَحة. . . وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ ويذكر الثعالبى أن سيف الدولة عاب قول الشاعرين امرئ القيس والمتنبى لأن الوجه - عنده - أن يقول امرؤ القيس:

стр. 228

كَأنًىَ لمْ أركَبْ جَواداً وَلمْ أقُلْ. . . لِخَيْلِىَ كُرى كَرة بَعْدَ إجْفَالِ وَلمْ أسْبأ الزقَ الروِي لِلذةٍ. . . وَلمْ أتَبَطنْ كَاعِباً ذاتَ خُلخَالِ وأن يقول المتنبي: وَقَفْتَ وَمَا فِى الموتِ شَكٌّ لِوَاقِف. . . وَوَجْهُكَ وَضاحٌ وَثَغْرُكَ بَاسِمُ تَمُر بِكَ الأبْطالُ كَلمَى جَرِيَحةً. . . كَأئكَ فِى جَفْنِ الردَى وَهُوَ نَائِمُ وقد صوب بعض النقاد نقد سيف الدولة، منهم ابن طبَاطبَا إذ يقول: " هما بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كل واحد منهما مكان الآخر لكان أشكل وأدخل في استواء النسيج ". لكن المتنبي لم يُسَلِّم بهذا الحكم في شِعره، وشِعر امرئ القيس ولم يمنعه صدوره من السلطان أن يدفع التخطئة الموجهة إليهما. وابن رشيق في " العمدة " ينتصر لقول المتنبي بعد أن ساق الرواية بأسلوب آخر فقال: " قول امرئ القيس أصوب، ومعناه أعز وأغرب، لأن اللذة التي ذكرها إنما هي للصيد، ثم حكى عن شبابه وغشيانه النساء، فجمع في البيت معنيين ولو نظمه على ما قال المعترض لنقص فائدة عظيمة وفضيلة شريفة تدل على السلطان، وكذلك البيت الثاني لو نظمه على ما قال لكان ذكر اللذة حشواً لأن الزِّق لا يُسبأ إلا للذة. فامرؤ القيس وصف نفسه بالقتوة والشجاعة. بعد وصفها بالتملك والرفاهة". وقد رجح بعض النقاد قول الشاعرين على ما هما عليه لورود نظيرهما فى القرآن الكريم وكان دليله في ذلك آيتى (طه) المتقدمتين.

стр. 229

ذلك عرض موجز لدور الفواصل القرآنية من حيث الشكل " الألفاظ " والموضوع " المعنى "، على أن لنا ملاحظة جديدة لم أر أحداً أشار إليها. وسأرجئ الحديث عنها بعد إيجاز ما ذكره ابن أبى الإصبع من تقسيم الفواصل فى القرآن. * * * أقسام الفواصل: قسَّم ابن أبى الإصبع فواصل القرآن أربعة أقسام وهي: ١ - التمكين: وحقيقته أن يمهد للقرينة تمهيداً تأتى به السجعة متمكنة فى مكانها غير نافرة ولا قلقة متعلقاً معناها بمعنى الكلام تعلقاً تاماً. بحيث لو طرِحت لاختل المعنى. ولو سُكتَ عنها لأدركها السامع بطبعه. . ومثال ذلك من القرآن: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) . فقد تقدمَ في الآية ذكر العبادة. ثم تلاه ذكر التَصرف فَى الأموال. فجاءت الفاصلة على الترتيب، " الحليم "، " الرشيد ". فالحليم باعتبار العبادة، والرشيد باعتبار التصرف في الأموال. ومثله: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) . فاللطيفَ يناسب عدم إدراك الأبصاَر له. والخبير يناسب إدرَاكه لما سَواه ومنه الأبصار. ٢ - التصدير: وهذه تسمية المتأخرين، والمتقدمون - كابن المعتز - سموه رد الأعجاز على الصدور. وقد قسَّمه ابن المعتز ثلاثة أقسام: (أ) توافق آخر الفاصلة مع آخر كلمة في صدر ما قبلها مثل: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) .

стр. 230

(ب) توافق الفاصلة مع أول كلمة. في صدور ما قبلها ومثاله: (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) . (جـ) توافق الفاصلة مع إحدى كلمات الوسط، ويسمى تصدير الحشو، ومثاله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) . ًً ٣ - التوشيح: وهو أن يتقدم في أول الكلام ما يدل على الفاصلة دلالة معنوية. ومثاله: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) . لأن لفظ " اصطفى " يقتضي أن تكون الفاصَلة " العالَمين " لأن المصطفىَ منه يجب أن يكون جنس المصطفى، ويفرق بين التصدير والتوشيح - بهذا المعنى - أن التوافق في التصدير لفظي. وفي التوشيح معنوي. ٤ - الإيغال: وهو أن يختم الكلام بزيادة يتم المعنى بدونها. ولكنها لا تخلو من الفائدة والتوكيد. وقد خصَّه ابن رشيق بالشعر، والصحيح خلافه. ومثاله من القرآن الكريم: (قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) . فقولهَ تعالى: (وهم مهتدون) تأكيد لذلك المعنى، وتقرير له على وجه أمكن وأمثل، لأن اتباع المهتدي أمر مستحسن في نفسه تميل إليه النفوس ولا يختلف في فضله منصفان. وقد تواترت الأخبار التي تدل على ما للفواصل من دور في خدمة المعاني تأكيداً وتقريراً وتوضيحاً ورمزاً. ومؤدى تلك الأخبار واحد هو أن الفاصلة واقعة موقعها من الكلام بحيث لا يسد غيرها مسدها. ولشدة تمكنها فإن الكلام الذي يتقدمها يستدعيها فنجد السامع يتوقعها ويكاد يحدد نوعها متى أدرك معنى سابقها.

стр. 231

ولا أرى ضرورة ذكر هذه الأخبار وأسانيدها هنا. فإن التأمل في فواصل القرآن أكبر شاهد عليه. وقد ضربنا له بعض الأمثلة، والآن أريد أن أتعرض لتلك الناحية التي أشرتُ إليها من قبل والتي لم أعثر على إشارة إليها من أحد وبالله التوفيق. . * * * * بحث جديد في الفوصل القرآنية: ذلك أننى ألاحظ - وهذه فكرة أطرحها للدراسة والبحث الأوسع - أن الفاصلة القرآنية في الآيات الطويلة - سواء أكانت في السور الطوال أو القصار أو المتوسطة الطول والقصر - تأخذ سمة الاستقلال بمعنى أنها تأتى بعد تمام معنى أو معان رئيسية في الآية. فتكون هي بمثابة تعليق عليها وتؤدى حينئذ وظيفة التعليل أو الإنكار، أو التوكيد أو الترغيب، أو زيادة الإيضاح. وهى غالباً ما تكون في هذا النوع جملة مستوفية الأركان. ويغلب عليها أن تكون اسمية. أما في الآيات القصيرة، سواء أكانت في السور الطوال أو القصار، أو المتوسطة الطول والقصر، فتكون كلمة مكملة لمعنى الآية التي هي فيها معمولة من حيث الحكم النحوى لعامل فيها. وليس لها سمة الاستقلال لأنها ليست جملة. وقد تكون جملة قصيرة خاطفة، فعلية أضمر فيها فاعلها. ويغلب مجئ هذه الفواصل في السور القصار مما يسمونه " قصار الفصل " وما قارب ذلك. ونذكر الآن بعض الأمثلة لهذين النوعين. ثم نحاول توجيه هذا الصنيع الأدبى توجيهاً بيانياً، وبالله التوفيق. . * *

стр. 232

* فواصل الآي الطوال: قال الله تعالى من سورة البقرة: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) . فهذه خمس فواصل في خمس آيات وقعت الفاصلة فيها كلمة في جملة مستقلة بعد استيفاء المعاني الرئيسية لكل آية. إلا فاصلة الآية الخامسة. فقد بنى المعنى الرئيسي عليها ودخلت في أصل الدلالة. وقال في سورة آل عمران: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) . وهاتان آيتان جاءت الفاصلة فيهما كذلك كلمة في جملة أفادت معنى جديداً بعداستيفاء معنى ما تقدمها. وقال في سورة النساء:

стр. 233

(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) . فأنت ترى في هذه الآيات الثلاث - وقد اختلفت فيما بينهما في الطول - أن فاصلة كل آية امنها مستقلة. فجملة الفاصلة في الأولى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) لأنها أعقبت تشريعاً خالصاً. وفي الثانية: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لأنها أعقبت تشريعاً في حالات المخالفات التي توجب حدًّا يُقام على المخالف. وذلك يُشعر بوقوع الخطأ من بعض المكلفين. وفي الثالثة كانت الفاصلة: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) متفقة مع الأولى إلا فى حكم الإعراب لأنها أعقبت بياناً لما يريدَه الله من التشريع للناس، والغاية العظمى للشارع من فرض الأحكام. * *

стр. 234

* فواصل الآي القصار: ذلك شأن الفاصلة الغالب عليها في الآيات الطوال. وفي السور الطوال أو ما قاربها، أما في الآيات القصار أو ما قاربها - وكثيراً ما يقع هذا فى السور القصار أو ما قاربها فإن الشأن مختلف. فنجد الفاصلة فيها كلمة معمولة لعامل تقدم في بناء الآية قبل استيفاء معناها الرئيسي فهى - إذن - داخلة في تأديته. وإذا وردت الفاصلة في هذه الحالات " جملة " فهى جملة قصيرة قد يكتفى فيها بذكر أحد ركنيها. ويضمر الثاني إن كانت فعلية وقد تتعلق بكلمة الفاصلة معمولات لها فتحذف تلك المعمولات. وتبقى الفاصلة ملحوظاً فيها ما أضمر أو ما حذف متعلقاً بها. وقد ينتظم هذا المنهج سورة كاملة. وقد يقتصر على معظم آياتها. هذا إجمال لا بدَّ له من تفصيل، ودعوى لا بدَّ لها من دليل، فلنأخذ فى سوق الأمثلة، ولعل خير شاهد على ذلك سورة الواقعة، فهى تكاد آياتها كلها تكون من هذا النوع ونكتفى منها بما يأتي: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) .

стр. 235

هذه الآيات تمثل مطلع السورة ثم الحديث عن أحد الأزواج الثلاثة حديثاً تفصيلياً بعد الإثارة إليها إجمالاً في صدر السورة. والمتأمل يلحظ في فواصل هذه الآيات - كما هو الشأن في آيات السورة كلها تقريباً - أن دلالة الفاصلة جاءت جزءاً من المعنى الأصلى للآية. ومكملة له. وكلمة " الفاصلة " خاضعة في الحكم النحوى لعامل في الآية. إلا فى ثلاثة مواضع بدت فيها الفاصلة ذات دلالة مستقلة. وهذه المواضع الثلاثة: ". . ولا ينزفون ". . ثم ". . يتخيرون " ثم " يشتهون " وفيما عدا ذلك فإن الفاصلة تختلف، فهى فاعل في الآية الأولى. وهي صفة لمحذوف واقع اسماً لـ " ليس " في الآية الثانية، وهي صفة أو خبر بعد خبر في الثالثة. ومفعول مطلق في الرابعة والخامسة، وصفة في السادسة والسابعة. وهكذا تجد الفاصلة جزءاً أساسياً من الآية ودلالتها جزءاً من المعنى الأساسى الذي من أجله سيقت الآية. وقبل سورة الواقعة. فإن " القمر " و " الرحمن " يغلب عليهما هذا الطابع لأن العِلَّة - وهي قصر الآيات - مشتركة في المواضع الثلاثة. ومثل هذه السور سورة الغاشية: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)

стр. 236

إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) . * * * غرضان من سورة " الغاشية ": هذه السورة تحقق لنا غرضين. أحدهما: أن فاصلتها - غالباً - كلمة معمولة نحوياً لعامل في الآية، فدلالتها - إذن - دلالة رئيسية بالنسبة للآية. إذ هي مضاف إليه في الآية الأولى. والمضاف فاعل لحديث الذي هو المعنى الرئيسي فيها. لأنه المقصود بالتشويق بعد الاستفهام. وخبر أو صفة فى الثالثة، وصفة لـ " نار " في الرابعة، ولـ " عين " في الخامسة، ومستثنى فى السادسة، ومتعلق بـ " يغنى " في السابعة. وهكذا لو تتبعنا آى السورة كلها. وهذا هو الشأن الغالب في فواصل الآيات القصار أن تكون كلمات مفردة لها دور أساسى في تصوير المعنى الرئيسي في الآية أو المعاني الرئيسية إذا تعددت معانيها. وثانيهما: أن خمس آيات منها جاءت فاصلتها جملة وهي لم تخرج عن أداء الدور الأساسى في بيان المعنى الرئيسي كذلك. والذي نلاحظه عليها أنها جملة قصيرة قد أضمر فيها فاعلها. وتلك الآيات هي: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) . فهذه الآيات الخمس جاءت فاصلتهَا جملةَ قصيرة ذكر أحد ركنيها " الفعل "، وأضمر فيها الثاني: نائب الفعل في أربع، والفاعل في واحدة.

стр. 237

بقى النوع الثالث من هذه الفواصل. وهو ما تعلق فيه بكلمة الفاصلة معمولات غير الفاعل. وحذفت مقدراً ذكِرها، أو ذكِرت ومع ذكرها لم تطل جملة الفاصلة بل حافظت على سرعة إيقاعها وقصرها. وظاهر من هذا العرض أن هذا النوع على ضربين. أولهما: ما ذكرت فيه تلك المتعلقات وأمثلته كثيرة. منها قوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) . وقوله: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥) . بنيت فواصل هذه السورة جميعها على الهاء الذي هو ضمير المؤنثة الغائبة وقد اختلف موقع هذا الضمير من الإعراب لكنه لا يخرج عن حالتين: الأولى: أن يكون في محل الجر بالإضافة. الثانية: أن يكون في محل النصب على المفعولية - وهذا هو الغالب عليه - وهو في الحالتين معمول لعامل أساسى في بناء الآية. ومثل هذه السورة فى اتحاد الفاصلة على حرف واحد سورة " الناس ". وثانيهما: وهو ما حذف فيه المتعلق ومثاله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) . " وهذا النوع أقل وروداً من سابقه. وهو موجود متناثراً مع غيره من

стр. 238

الفواصل من النوع الأول ومثله: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) . وقوله: (فَحَشَرَ فَنَادَى) . وقوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥) . * والسر فيما أرى: ولعل السر البياني في نظام الفواصل السابقة على النحو الذي شرحناه ما يلى: أولاً: أن السور القصيرة تشتمل على آيات قصيرة كذلك، والآية القصيرة تهدف إلى بيان معنى واحد أو عدة معان سريعة التصور والإدراك. وهي بذلك ليست مجالاً لذكر الأفكار الطويلة التي تحتاج إلى إطالة بناء الجملة أو الآية التي تصورها. ومن هنا فإن الفكرة الأساسية تتطلب انتظام جميع الألفاظ لتأدية تلك الفكرة الخاطفة الموجزة، أما في الآيات الطوال - كما في آية التداين من سورة البقرة - فإن الفكرة فيها ذات أصول وفروع. وهي أصل من أصول التشريع عالجت مشكلة كثيراً ما تحدث للناس فلم تترك فيها ثغرة أو تهمل جانباً، ومثل هذه المعاني المتشابكة حرى بأن يعقب بجملة أو أكثر تؤكد تلك المعاني أو تحثُّ عليها. أو توبخ المخالفين لها. ومن الخير أن نذكر الآية التي اتخذناها مقياساً هنا لتعدد المعاني وكثرتها. * نص آية التداين:

стр. 239

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) . * * * تحليل آية " التداين ": فانظر كم مسألة تشريعية عالجتها الآية. وكم معنى صوَّرته. ولم تنس أن تُبين علل بعض الأحكام الواردة فيها كعلة اشتراط اجتماع المرأتين في الشهادة مع الرجل الواحد وهي أن تُذكِّر إحداهما الأخرى إذا ضلت. وذلك حرص من الإسلام على صيانة المرأة حيث لم يبح للرجل - وهو شريك لها في شهادة الواقعة - أن يذكرها. فاحتاط لذلك بشهادة اثنتين لهذا الغرض. وكاشتراط الرضا بشهود الواقعة من الطرفين المتعاقدين وكبيان العِلَّة في التشريع نفسه فهو أقسط عند الله. وأقوم للشهادة وأدنى ألا نرتاب في نفى الحق أو أجله المضروب. وقد مزجت الآية التشريع في المعاملات بالتوجيه الأخلاقى فى مواضع كثيرة منها.

стр. 240

ولذلك احتاجت الآية إلى فاصلة مستقلة. وقد مهَّد لها - أي لهذه الفاصلة - بما هو في قوة الفاصلة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) . * * * دليل يؤيد هذه الفكرة: ويؤيد هذه الفكرة أن الغالب في الآيات القصار أن سورها مكية النزول. وللقرآن في مكة مجال غير مجاله في المدينة. فالقرآن المكي كان يهدف إلى محاربة الضلال في العقيدة والسلوك فجاء بموضوعات تخدم هذا الغرض من التبشير والإنذار. والترغيب والترهيب. لذلك كانت آياته قصيرة العبارة حادة سريعة الإيقاع عنيفة الوقع. وفي المدينة كان مجاله التشريع وإرساء قواعد المجتمع الإنسانى من حيث العبادات والمعاملات والأخلاق الإنسانية فاتجهت سوره وآياته إلى الطول والاستقصاء إلا أن يخاطب اليهود أو المنافقين فيكر. والدعوة إلى الإسلام في بدء أمرها كانت لا تطلب من الناس وقوفاً طويلاً لتأملها فساقت لهم الإرشاد والتوجيه الإلهى في سورة وآيات قصار لسهولة فهمها وسرعة استيعابها. لأنه كان بصدد تربية أمة خالية من أسس التربية القويمة فخاطبتهم بأوضح العبارات وأوجز المعاني كما يُفعل الآن في تريية النشء حيث يتدرج معهم المربي من تصور وإدراك الحرف الواحد. إلى الكلمة الواحدة السهلة التركيب إلى الجملة القصيرة وما يزال يرقى بهم من طور إلى طور حتى يصل بهم إلى فهم الفقرات ودراسة النصوص. والمتأمل في قصار السور المكية يتبين هذه الحقيقة دون ما شك أو ريب. وسبحان الله إذ يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) . * * *

стр. 241

٣ - ألفاظ القرآن: لألفاظ القرآن جانب كبير في سموه فوق أنماط التعبير الأخرى. وتقوم هذه الألفاظ القرآنية على اعتبارات لم تتحقق لغيرها. لذلك فإن النظر فيها لم يقتصر على جانب واحد، بل يجد الباحث المجال فسيحاً أمامه حين يعمد إلى دراسة ألفاظ القرآن. ولذلك فإننا نحدد منذ الآن الجوانب التي سندرسها فى هذا البحث الذي خصصناه لدراسة اللفظ القرآني وتلك الظواهر يمكن إجمالها فى الآتى: (أ) روعة اللفظ القرآني في نفسه . (ب) إصابته المقتل في الدلالة على معناه. (ب) خاصته التعبيرية في القرآن. وجدير بالذكر أن هذه الجوانب سيأتى الحديث عنها ممزوجاً بعضه ببعض. على أن نثير إلى كل ظاهرة حين ورودها في النماذج التي سنذكرها لبيان قيمة الألفاظ القرآنية الجمالية ودورها في قضية الإعجاز. . . * روعة اللفظ القرآني في نفسه: " القرآن يتأنق في اختيار الألفاظ. ويستخدم كلا حيث يؤدى معناه في دقة فائقة تكاد تؤمن معها بأن هذا المكان إنما خلقت له هذه اللفظة دون سواها ولذلك لا تجد في القرآن ترادفاً. بل كل كلمة تحمل إليك معنى جديداً. فالألفاظ فيه قولة عنيفة في مقام التهديد والوعيد، رقيقة عذبة في مجال الترغيب والتهذيب. وهادئة حسنة في مقام التشريع والتفريع.

стр. 242

ولهذا فإنك لا تجد في القرآن كلمة معيبة من حيث الصورة أو الاستعمال. ولا تجد فيه لفظاً قلقاً مضطرباً أو نابياً في موضعه. إلى آخر تلك العيوب التي يرددها نقاد الشعر وخبراء الأساليب. وسلامة اللفظ القرآني من العيوب نعنى بها أن الألفاظ في القرآن مختارة منتقاة لم يأت لفظ فيه حيثما اتفق. بل تدبير حكيم عليم. وإلى جانب انتقاء اللفظ القرآني من حيث صورة اللفظ نفسه - حروفه وحركاته وسكناته - فإن القرآن يؤثر استخدام الألفاظ القصار الثلاثية الأصول أو الرباعية الأصول. والثلاثية الأصول فيه أوفر عدداً من الرباعية. " أما أن اللفظة خماسية الأصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء. لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه. إلا ما كان من اسم عُرِّب ولم يكن في الأصول عريياً. كإبراهيم. . . . وإسما يل. . . . وطالوت. . . وجالوت. . ونحوها. ولا يجيء فيه كذلك إلا أن يتخلله المد كما ترى. فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان ". وتحقيقاً لهذه الصفة - انتقاء الألفاظ وعذوبتها في القرآن - فإن القرآن يعمد إلى تهذيب ما قد يُعاب من اللفظ إذ دعا داع بلاغى لوروده فيه. ولهذا فإنك ترى في القرآن كلمات يشهد الذوق بحسنها لأنها هُذِّبت ووُضعَت وضعاً مُحْكماً فيه. بينما تراها في غيره معيبة شاذة. . وذلك بشهادة النقاد أنفسهم. وليس ذلك مجاملة منهم للقرآن لما له من قداسة، بل لأسباب فنية أوضحوها ووجهوا إليها الأنظار. * * * ألفاظ حسنت في القرآن وعيبت في غيره: من ذلك كلمة " مقاعد ". فقد عابها النقاد في شِعر الشريف الرضي حيث

стр. 243

أعْزِزْ عَلى بِأنْ أرَاكَ وَقَدْ خَلتْ. . . مِنْ جَانِبَيْكَ مَقَاعِدُ العُوادِ قال ابن سنان الخفاجى ينقده: " فإيراد - مقاعد - في هذا البيت صحيح. إلا أنه موافق لما يُكره ذكره في مثل هذا الشأن. لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم. وهم العُواد. ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلاً. فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء فيه ". ونقد ابن سنان لهذه الكلمة وجيه لا أظن أحداً يخالفه فيه لأن المقام يقتضي العدول عن مثل هذه الكلمة جرياً مع الذوق وصحة المعنى. والأساس الذي بنى عليه الخفاجى نقده هو أن الكلمة يُشترط في فصاحتها - عنده - ألا يسبق التعبير بها عن معنى يُكره ذكره. وقد حكم بسلب الفصاحة عن كثير من الكلمات نزولاً على هذا الاعتبار. وقد وردت هذه الكلمة - مقاعد - في القرآن الكريم عذبة رشيقة. وذلك فى مواضع منها: (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ) ، وقوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) . فالمقاعد - هنا - في الموضعين بمعنى المنازل، ولا يمكن أن يُفهم منهما المعنى الذي من أجله كره النقاد استعمال هذه الكلمة. لأنها لم تضف إلى ما يمكن أن يُفهم من إضافتها إليه ذلك المعنى المستكره. . وذلك سر الجمال في هذين الموضعين. ومن ذلك - أيضاً - كلمة " تؤذى ". فقد عابوها في قول المتنبى: تَلُذُّ لهُ المرُوءَةُ وَهِىَ تُؤْذِى. . . وَمَنْ يَعْشَقْ يَلُذُّ لهُ الغَرامُ

стр. 244

والسبب أن الشاعر قطع الكلمة - وهي ثقيلة - عن الإضافة على العكس من كلمة " مقاعد " فإن عيبها جاء من إضافتها. ولو أضافها لخفف من ثقلها. وقد جاءت في القرآن في مواضع هي فيها حسنة رائقة. وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) . لذلك كانت هذه الكلمة. - هنا - أجمل منها في بيت المتنبي. والحكم في ذلك للأذن الموسيقية ". فالقرآن - كما ترى - استعمل الكلمة واقعة على مفعول " النبي " فخفت ورشقت وهي في قول المتنبي مقطوعة عن الإضافة. ومن ذلك كلمة " ضيزىَ "، وهي أغرب ما في اللغة من كلمات. بله القرآن. ولقبح هذه الكلمة لم يستعملها عريى فيما وصل إلينا من أقوالهم وأشعارهم. ومع ذلك فإنك تجد لها من الحسن في القرآن أضعاف ما ترى لها من القبح والغرابة في غيره. قال تعالى في سورة النجم موبخاً أهل الشرك: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) . . " ولحسن هذه الكلمات في هذا الموضع عدة اعتبارات: ١ - أن السورة التي وردت فيها فاصلة لإحدى آيها الفية الفواصل، فجاءت الكلمة ذات نغم صوتى ملتئم. مع فواصل الآي الأخرى. ولو وضع موضعها " جائرة " وهي قسيمتها في الدلالة لجارت على الموضع وفاتت المناسبة وحسن الجوار. فجيء بها - أي ضيزى - لذلك الالتئام والتناسق الصوتى الذي لا يخفى أثره.

стр. 245

٢ - أنها جاءت معلقة على سلوك معيب حيث جعلوا لله الإناث - سبحانه - ولهم الذكور، مع الإصرار على قتلهم البنات. ٣ - أن الآية الأولى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى) اشتملت على استفهام إنكارى. والآية الثانية: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) اشتملت خاتمتها على التهكم. وهما معنيان متناسبانَ، أولهما كالمقدمة لثانيهما. وهذه الكلمة الغريبة - ضيزى - أليق ما تكون دلالة على التهكم. لأنها وضعت حالة التهكم في إنكاره من إمالة الرأس واليد بهذين المدين منها إلى الأسفل والأعلى * وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية. ٤ - وإن تعجب فعجب نظم هذه الكلمة نفسها. وائتلافها مع ما قبلها إذ هي مقطعان أحدهما مد ثقيل، والآخر مد خفيف. وقد جاءت عقب غنتين فى " إذن " و" قسمة " إحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متفشية. فكأنها بذلك ليست إلا مجاوبة صوتية لتقطيع موسيقى. وهذا معنى رابع للمعاني الثلاثة الأول ". ٥ - وخامس هذه المعاني أن هذه الكلمة الدالة على المعاني الأربعة المذكورة إنما هي أربعة أحرف أيضاً. * * * سمات أخرى لحسن اللفظ في القرآن: ومن مظاهر تهذيب الألفاظ في القرآن أن الحركات النحوية والصرفية. تجرى فى الوضع والتركيب مجرى الحروف والكلمات فيما يثبت لها من أمر الفصاحة. إذ يهيئ بعضها لبعض. ويمهد له، حتى إن الحركة الثقيلة لسبب من أسباب الثقل المعروفة تعذب وتستساغ في التركيب القرآني.

стр. 246

وذلك مثل كلمة " النُذُر " في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) . فكلمة " النُذر " ثقيلة منفرة. بما فيها من تشديد النون، وتوالى الضمات. فكان التمهيد في صدر الآية لذلك بالقلقلة في الدال من " لقد " والطاء من " بطشتنا " وبثلاث عشرة فتحة متناثرة على الحروف من واو " ولقد " إلى راء " فتماروا "، وبالمد في ألف " بطشتنا " كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات. وترويض للسان عليه ليكون ثقل الضمة مستخفاً بعد ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة. وقد جاءت راء " تماروا " مساندة لراء " النُذر " حتى إذا انتهى اللسان من هذه انتهى إلى مثلها. فتخف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه. ثم انظر لتلك الغنة التي سبقت الطاء في نون " أنذرهم " وفي ميمها. وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في " النُذُر ". وقد تمهد الحروف لإيثار كلمة على أخرى تشترك معها في أصل الدلالة. ومن ذلك فيما يبدو قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) . . حيث لم يقل " في بطنه ". كما في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، وكان يمكن أن تقول: " في جوفى " وذلك لأن حرف الجيم تكرر في الآية الأولى مرتين - كما ترى - فناسب ذلك إيثار الكلمة التي تبدأ بالجيم " جوفه " على ما خلت منه " بطنه "، وقد غفل أحد الباحثين عن هذا التوجيه عند حديثه عن الفروق بين الكلمتين في الاستعمال القرآني.

стр. 247

ومن مظاهر التهذيب في ألفاظ القرآن أن ما يختل فيه شرط الفصاحة بالطول من الكلمات يأتي عذباً جميلا فيه لبناء تلك الكلمات في أسلوبه على نسق بديع يجنبها ثقل التطويل. ففى القرآن كلمتان بلغت حروف إحداهما عشرة أحرف وهي: (ليَسْتَخْلفَنَّهُمْ) ومثلها ثقيل على اللسان ناب في السمع، أما هي فقد وقعت موقعَا عذبا لا ثقل فيه ولا نبو وذلك لأن مخارج حروفها فيما بينها متباعدة. ونظم حركاتها ساحر. إذ تتكون من أربعة مقاطع - ينتهى كل مقطع بسكون يسكن معه النفس فتخرج الكلمة متجزئة كأنها أربع كلمات لا كلمة واحدة. والكلمة الأخرى بلغت حروفها تسعة أحرف. وهي: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) ، وجاءت ذات ثلاثة مقاطع. وقد تكرر فيها الياء والكاف. وتوسط الكافين مد هو سر الفصاحة في الكلمة كلها. لأنه خفف من اجتماع المثلين. كما فصل بين اليائين بالكاف الأولى والفاء. وانتهى كل مقطع من مقاطعها الثلاثة بالسكون كذلك. فنزلت منزلة ثلاث كلماتا كما ترى. وعذبت رغم طولها. * * * سياسة لغوية: وهذا - أعنى سكون المقاطع - سياسة لغوية مطلوبة في تهذيب بعض الألفاظ التي يُلمح فيها نوع من الثقل بسبب الطول. أو توالى الحركات. ألا ترى أن النحاة يلجأون إلى مثل هذا حينما يُسكَنون ما أصله التحريك فراراً من ذلك الثقل. وبذلك حكموا بتسكين آخر الماضي إذا اتصل به ضمير رفع متحرك مثل: " ذهبت ". وعِلتهم في ذلك كراهة توالى أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.

стр. 248

ولك أن تقيس على هاتين الكلمتين في سياسة التقطيع والتسكين في المقاطع كلمتين أخريين جاءتا في القرآن إحداهما ذات عشرة أحرف - مثل الأولى - والثانية ذات سبعة أحرف. أما الأولى فهى قوله تعالى: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) ، وأما الثانية فهى قوله تعالى حكاية عن إبليس يخاطب أولياءهَ يوم القيامة: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) . ولك أن تدير اللسان بهما جميعاً فهل تجد من ثقل أو نبو، إن اللسان ليكرهما كرًّا وقد مُهِدَ السبيل له ليسهل عليه ذلك الكر. * * * توجيه القرآن لانتقاء الألفاظ: وأعجب العجب أن القرآن لا يكتفى بانتقاء الألفاظ في نماذجه. بل هو يشرع في ذلك صراحة وينبه إلى خطأ وقع لاستعمال اللفظ في غير موضعه ويرشد إلى بديله. وذلك في موضعين فيه: أحدهما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) . وثانيهما قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) . ولقد أبانت كتب التفسير سر هذا الخطأ في الموضعين. ففى سورة البقرة نهى القرآن المسلمين أن يقولوا: " راعنا ". لأن هذه الكلمة كانت لليهود كلمة

стр. 249

مثلها يستعملونها في السب. وأصلها كلمة عبرانية معناها " أحمق "، فلما سمع اليهود المسلمين يقولون هذه الكلمة افترصوها، ومن هنا ورد النهي عنها وجيء لهم بلفظ يعدله في المعنى لا شُبهة فيه لأحد، وهو " أنظرنا " لعدم التشبه باليهود فيما يقولون. ولكى يسد عليهم منافذ الطعن والسباب. فالخطأ - هنا - مُلاحَظ فيه تنزيه مخاطبات المسلمين عما يردده أعداؤهم من اليهود مما له معنى مشين. أما الخطأ في قول الأعراب: " آمَنا " فإن اللغة والشرع يفرقان بين معنى اللفظين، فالإيمان الذي اشتقوا منه الفعل " آمَنا " مطلوب في تحقيقه أمران: نطق باللسان، وتصديق بالقلب ليواطئ القول الاعتقاد. وهم لم يكونوا كذلك لأن نصيبهم من الشريعة حين ادعوا ذلك لا يجاوز القول باللسان والمتابعة الظاهرين بدليل: (وَلمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِى قُلوبِكُمْ) . وحالهم هذه ينطبق عليها معنى الإسلام - الذي اشتق القرآن منه في توجيههم " أسلمنا " - إذ هو حقيقة الامتثال الظاهرى للشريعة من قول أو عمل. لذلك وجههم القرآن إلى أن يقولوا قولاً مطابقاً لحالهم وهو " أسلمنا ". * * * ملحظ بياني دقيق: والخطأ هنا لغوي اصطلاحى كما ترى. وفي الآية ملحظ بياني دقيق إذ أمر الله رسوله أن يقول لهم: " لم تؤمنوا " وعَطف قوله تعالى: " ولكن قولوا أسلمنا " يقتضي أن يكون المعطوف عليه: "لا تقولوا أمنا " ليعطف القول على القول. وإنما عدل عنه كراهة أن يقع النهي

стр. 250

بحال على ما هو محمود ومطلوب. ولذلك لم يأت مما شأنه كذلك إلا مع القرينة القوية الصارفة عن كل وهم مثل قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وقوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) . * * * إيثار أحد اللفظين للمناسبة: ولعل من روائع اختيار القرآن لألفاظه ما ذكره ابن أبى الإصبع في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) فإنه لما نفى عن رسولَه وحبيبه ﷺ كونه بالمكان الذي قضى له فيه بكلمة الأمر، عرَّف المكان بالجانب الغربي. ولم يصفه بـ " الأيمن " كما قال في أمر موسى ﵇: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِب الطُور الأيْمَنِ) أدباً منه مع نبيه ﷺ أن ينفى عنه كونه بالجانب الأيمن. فالمكان الذي نودى من منه موسى ﵇ يمكن أن يدل عليه بوصفين: كونه الجانب الأيمن، وكونه الجانب الغربي. فاَثر القرآن في الإخبار عن موسى " الجانب الأيمن. " في تعريف المكان لأنه كان قاراً عليه. وفيه قضى إليه ربُّه أمرَ الرسالة، ففى ذلك تشريف له. وكان في خطاب محمد ﷺ التعريف بالجانب الغربي لأنه لم يكن قاراً عليه والكلام مسوق لنفى الكينونة. واستعمال الجانب الغربي دون الجانب الأيمن فى حال نفى للكينونة أليق بمقام الرسول الكريم لخلوه من نفى كونه بالأيمن. ففى العبارة أعجب احتراس كما يقول ابن أبى الإصبع " * *
следующие страницы →