← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وذلك مثل كلمة " النُذُر " في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) . فكلمة " النُذر " ثقيلة منفرة. بما فيها من تشديد النون، وتوالى الضمات. فكان التمهيد في صدر الآية لذلك بالقلقلة في الدال من " لقد " والطاء من " بطشتنا " وبثلاث عشرة فتحة متناثرة على الحروف من واو " ولقد " إلى راء " فتماروا "، وبالمد في ألف " بطشتنا " كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات. وترويض للسان عليه ليكون ثقل الضمة مستخفاً بعد ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة. وقد جاءت راء " تماروا " مساندة لراء " النُذر " حتى إذا انتهى اللسان من هذه انتهى إلى مثلها. فتخف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه. ثم انظر لتلك الغنة التي سبقت الطاء في نون " أنذرهم " وفي ميمها. وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في " النُذُر ". وقد تمهد الحروف لإيثار كلمة على أخرى تشترك معها في أصل الدلالة. ومن ذلك فيما يبدو قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) . . حيث لم يقل " في بطنه ". كما في قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) ، وكان يمكن أن تقول: " في جوفى " وذلك لأن حرف الجيم تكرر في الآية الأولى مرتين - كما ترى - فناسب ذلك إيثار الكلمة التي تبدأ بالجيم " جوفه " على ما خلت منه " بطنه "، وقد غفل أحد الباحثين عن هذا التوجيه عند حديثه عن الفروق بين الكلمتين في الاستعمال القرآني.

стр. 247

ومن مظاهر التهذيب في ألفاظ القرآن أن ما يختل فيه شرط الفصاحة بالطول من الكلمات يأتي عذباً جميلا فيه لبناء تلك الكلمات في أسلوبه على نسق بديع يجنبها ثقل التطويل. ففى القرآن كلمتان بلغت حروف إحداهما عشرة أحرف وهي: (ليَسْتَخْلفَنَّهُمْ) ومثلها ثقيل على اللسان ناب في السمع، أما هي فقد وقعت موقعَا عذبا لا ثقل فيه ولا نبو وذلك لأن مخارج حروفها فيما بينها متباعدة. ونظم حركاتها ساحر. إذ تتكون من أربعة مقاطع - ينتهى كل مقطع بسكون يسكن معه النفس فتخرج الكلمة متجزئة كأنها أربع كلمات لا كلمة واحدة. والكلمة الأخرى بلغت حروفها تسعة أحرف. وهي: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) ، وجاءت ذات ثلاثة مقاطع. وقد تكرر فيها الياء والكاف. وتوسط الكافين مد هو سر الفصاحة في الكلمة كلها. لأنه خفف من اجتماع المثلين. كما فصل بين اليائين بالكاف الأولى والفاء. وانتهى كل مقطع من مقاطعها الثلاثة بالسكون كذلك. فنزلت منزلة ثلاث كلماتا كما ترى. وعذبت رغم طولها. * * * سياسة لغوية: وهذا - أعنى سكون المقاطع - سياسة لغوية مطلوبة في تهذيب بعض الألفاظ التي يُلمح فيها نوع من الثقل بسبب الطول. أو توالى الحركات. ألا ترى أن النحاة يلجأون إلى مثل هذا حينما يُسكَنون ما أصله التحريك فراراً من ذلك الثقل. وبذلك حكموا بتسكين آخر الماضي إذا اتصل به ضمير رفع متحرك مثل: " ذهبت ". وعِلتهم في ذلك كراهة توالى أربعة متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.

стр. 248

ولك أن تقيس على هاتين الكلمتين في سياسة التقطيع والتسكين في المقاطع كلمتين أخريين جاءتا في القرآن إحداهما ذات عشرة أحرف - مثل الأولى - والثانية ذات سبعة أحرف. أما الأولى فهى قوله تعالى: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) ، وأما الثانية فهى قوله تعالى حكاية عن إبليس يخاطب أولياءهَ يوم القيامة: (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) . ولك أن تدير اللسان بهما جميعاً فهل تجد من ثقل أو نبو، إن اللسان ليكرهما كرًّا وقد مُهِدَ السبيل له ليسهل عليه ذلك الكر. * * * توجيه القرآن لانتقاء الألفاظ: وأعجب العجب أن القرآن لا يكتفى بانتقاء الألفاظ في نماذجه. بل هو يشرع في ذلك صراحة وينبه إلى خطأ وقع لاستعمال اللفظ في غير موضعه ويرشد إلى بديله. وذلك في موضعين فيه: أحدهما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) . وثانيهما قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) . ولقد أبانت كتب التفسير سر هذا الخطأ في الموضعين. ففى سورة البقرة نهى القرآن المسلمين أن يقولوا: " راعنا ". لأن هذه الكلمة كانت لليهود كلمة

стр. 249

مثلها يستعملونها في السب. وأصلها كلمة عبرانية معناها " أحمق "، فلما سمع اليهود المسلمين يقولون هذه الكلمة افترصوها، ومن هنا ورد النهي عنها وجيء لهم بلفظ يعدله في المعنى لا شُبهة فيه لأحد، وهو " أنظرنا " لعدم التشبه باليهود فيما يقولون. ولكى يسد عليهم منافذ الطعن والسباب. فالخطأ - هنا - مُلاحَظ فيه تنزيه مخاطبات المسلمين عما يردده أعداؤهم من اليهود مما له معنى مشين. أما الخطأ في قول الأعراب: " آمَنا " فإن اللغة والشرع يفرقان بين معنى اللفظين، فالإيمان الذي اشتقوا منه الفعل " آمَنا " مطلوب في تحقيقه أمران: نطق باللسان، وتصديق بالقلب ليواطئ القول الاعتقاد. وهم لم يكونوا كذلك لأن نصيبهم من الشريعة حين ادعوا ذلك لا يجاوز القول باللسان والمتابعة الظاهرين بدليل: (وَلمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِى قُلوبِكُمْ) . وحالهم هذه ينطبق عليها معنى الإسلام - الذي اشتق القرآن منه في توجيههم " أسلمنا " - إذ هو حقيقة الامتثال الظاهرى للشريعة من قول أو عمل. لذلك وجههم القرآن إلى أن يقولوا قولاً مطابقاً لحالهم وهو " أسلمنا ". * * * ملحظ بياني دقيق: والخطأ هنا لغوي اصطلاحى كما ترى. وفي الآية ملحظ بياني دقيق إذ أمر الله رسوله أن يقول لهم: " لم تؤمنوا " وعَطف قوله تعالى: " ولكن قولوا أسلمنا " يقتضي أن يكون المعطوف عليه: "لا تقولوا أمنا " ليعطف القول على القول. وإنما عدل عنه كراهة أن يقع النهي

стр. 250

بحال على ما هو محمود ومطلوب. ولذلك لم يأت مما شأنه كذلك إلا مع القرينة القوية الصارفة عن كل وهم مثل قوله تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وقوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) . * * * إيثار أحد اللفظين للمناسبة: ولعل من روائع اختيار القرآن لألفاظه ما ذكره ابن أبى الإصبع في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ) فإنه لما نفى عن رسولَه وحبيبه ﷺ كونه بالمكان الذي قضى له فيه بكلمة الأمر، عرَّف المكان بالجانب الغربي. ولم يصفه بـ " الأيمن " كما قال في أمر موسى ﵇: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِب الطُور الأيْمَنِ) أدباً منه مع نبيه ﷺ أن ينفى عنه كونه بالجانب الأيمن. فالمكان الذي نودى من منه موسى ﵇ يمكن أن يدل عليه بوصفين: كونه الجانب الأيمن، وكونه الجانب الغربي. فاَثر القرآن في الإخبار عن موسى " الجانب الأيمن. " في تعريف المكان لأنه كان قاراً عليه. وفيه قضى إليه ربُّه أمرَ الرسالة، ففى ذلك تشريف له. وكان في خطاب محمد ﷺ التعريف بالجانب الغربي لأنه لم يكن قاراً عليه والكلام مسوق لنفى الكينونة. واستعمال الجانب الغربي دون الجانب الأيمن فى حال نفى للكينونة أليق بمقام الرسول الكريم لخلوه من نفى كونه بالأيمن. ففى العبارة أعجب احتراس كما يقول ابن أبى الإصبع " * *

стр. 251

* كنايات القرآن عما يقبح التصريح به: ومن شواهد اختيار اللفظ في القرآن الكريم أنه يُكَنى عما يكون بين الرجل وزوجه بألفاظ غاية في النزاهة والشرف. فمرة يُكَنى عنه بالإتيان. وذلك فى قوله تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . ومرة يُكَنًى عنه بالرفث. قال: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وأخرى بالتغشية قال: (فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ) . وتارة بالقربان قال: (. . وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتى يَطهُرْنَ. . .) . وأخرى باللمس، قال: (أوْ لَامَسْتُمُ النِّساءَ) . كما كنى عنه بالمس وذلك في الموضعين الآتيين: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) . وقال: (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) . وظاهر أن هذه الإطلاقات إنما هي في جانب الحلال. ومثلها التكنية عنه بالنكاح في مواضع كثيرة. كقوله تعالى في سورة النساء: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) . ويطول بنا الحديث لو رحنا نذكر مواضع ورود هذه الكلمة فلنكتف بهذا المثال.

стр. 252

والنكاح في عُرف الفقهاء فيه مذهبان: حقيقة في الوطء. مجاز في العقد أو العكس، وجاء في مفردات الراغب: " أصل النكاح للعقد، ثم استُعير للجماع. ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استُعِير للعقد. لأن أسمَاء الجمَاع كلها كنايات لاستقباحهم ذكِره كاستقَباح تعاطيه. ومحال أن يستعير مَن لاَ يقصد فحشاً اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه ". فالراغب يمنع أن يُراد بالنكاح غير العقد حقيقة. والاستعمال القرآني لا يمنع من إرادة هذا المعنى. فالنكاح فيه صالح لحمله على كلا المعنيين: العقد والوطء. وقد يقوى حمله فيه على الوطء مثل قوله تعالى: (. . . فَإن طلقَهَا فًلا تَحلُ لهُ من بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ، إذ يرى الفقهاء أن الزوج الثانى لا يحللها للأول بمجرد العقد عليها. بل لا بدَّ من الخلوة بها. ويقوى من هذا المعنى قوله ﷺ لامرأة تسأل هل تحل لزوجها الأول بدخول الثاني دون الوطء: " لا. . حتى تذوقي عُسَيْلته ويذوق عُسَيْلتك ". ومن أبدع تعبيرات القرآن عن هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) ، فإن السر مجاز عن الوطء. والوطء مجاز عنَ العقد ولذا فهم يسمونه مجاز المجاز. والعلاقة في الأول الملازمة. لأن الوطء لا يحدث إلا سراً، وفي الثاني السببية لأن الوطء مسبب عن العقد. كما يُطلق عليه المباشرة قال: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) . ذلك في جانب الحلال. أما في جانب الحرام فقد شاع استعمال كلمة " الزنا " وهى كلمة لا ابتذال فيها وتقابل كلمة " النكاح " في جانب الحلال. قال: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) . وقد تستعمل

стр. 253

كلمات أخرى في الدلالة على هذا المعني مثل الفاحشة والبهتان والبغاء والسوء والسفاح والإفك. قال: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) . وقال: (وَبكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً) . وقال: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) . وقال: (مَا جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بِأهْلِكَ سُوءاً) . وقال. (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) . وقال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) . قارن بين كنايات النوعين - الحلال والحرام - تجد ما أطلقه القرآن على الحلال كلمات تبعث في النفس الرغبة والارتياح. وما أطلقه على الحرام كلمات تثير فى النفس شعور النفرة والارتياع، ومتى بلغ أسلوب ما هذه المنزلة من التأثير القوى كان نموذجاً ناجحاً وأدباً رفيعاً. فما بالك بالقرآن وهو في أعلى درجات البلاغة والقوة. * شُبه مردودة: ولعل قائلاً يقول: إذ حالفكم التوفيق فيما ذكرتموه من نزاهة ألفاظ القرآن وشرفها فيما سقتم من أمثلة. فماذا تقولون في ذكر القرآن " الفَرْج " و" الفروج " مراداً بها مواضع يُكره ذكرها؟ وماذا تقولون في قوله تعالى: (. . . أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) ؟.

стр. 254

وللإجابة على هذه الشُبه نقول: وردت كلمة " الفرج " في القرآن الكريم مراداً بها موضع العرض فى المواضع الآتية: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) . ومثل هذه جاء قول تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) . وهاتان الآيتان في شأن مريم لإثبات العفة لها. وصونها عن كل قبيح فهما إخبار عن أمر قد كان. وقريب منه في الإخبار عما هو واقع قوله تعالى: (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظونَ) . . وقد وردت هذه الآية مرتين في القرآن الكرَيم. ومثله قوله تعالى: (والحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظاتِ) . ووردت هذه الكلمة في سياق أمر تشريعي على طريقة الإنشاء لا الإخبار عما وقع ولا عن ما هو واقع. وذلك في قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) . كما وردت فيه مراداً بها غير هذا المعنى. قال تعالى: (وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) .

стр. 255

وقال: (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) . وظاهر من الآيتين الفرق بين المعنى الذي تعنيه الآيات الأولى. . والمعنى الذى تعنيه هاتان الآيتان. إذ المراد فيهما ب " الفروج ": الشقوق والفتوق. * * * وجوه الرد: وليس ورود هذه الكلمة في القرآن بخارج عما ثبت لألفاظه من النزاهة والشرف وذلك لعدة أمور: أولاً: أن هذه الكلمة لم توضع وضعاً خاصاً للدلالة على موضع العِرض. بل هى كناية عنه شاعت فيه حتى قربت من الحقيقة العُرفية. هذا لأن الكلمة في اللغة تقع مشتركاً لفظياً بين عدة مسميات. وقد جاء فى المفردات: " الفرج، والفرجة: الشق بين الشيئين كفرجة الحائط. والفرج ما بين الرجلين وكنى به عن السوأة حتى صار كالصريح فيها. قال تعالى: (وَالتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) ، (لفُرُوجهِمْ حَافظونَ) ، (وَيَحْفَظن فُرُوجَهُن) واستعير الفرج للثَغر. وكَل موضع مَخافة. . وقوله: (وَمَا لهَا مِن فُرُوج) أي شقوق وفتوق، قال: (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) : أى انشقت. والفَرَج: انكشاف الغم، يقال: فرَّجَ الله عنك. ورجل فرج: لا يكتم سره. . . ". فأنت ترى من هذا العرض أن هذه المادة: " فرج " تُطلق على عدة معان. وموضع العِرض من الإنسان واحد منها، وقد علمنا أن إطلاقها عليه من قبيل

стр. 256

الكناية لا التصريح. وأن عِلَّة الإطلاق ملحوظة فيه بحسب الوضع العام فى اللغة. ثانياً: أن هذه الكلمة لم تُستخدم في القرآن إلا في سياق الإحصان أو الحفظ بحسب ما كان كما في الحديث عن مريم ابنة عمران. أو بحسب ما هو كائن كقوله تعالى: (وَالذينَ هُمْ لفُرُوجهمْ حَافِظونَ) . أو بحسب ما ينبغى أن يكون كقوله تعالَى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) . ثالثاً: أن ورود هذه الكلمة في القرآن إما في موضع مدح أو تشريع، المدح فيما كان أو فيما هو كائن. والتشريع فيما ينبغى أن يكون، فلذكرها - إذن - داع قوى لأنها في مقام المدح - حيث قرنت بالإحصان أو الحفظ - هى دليل العفة التي من أجلها كان المدح. ولأنها في مقام التشريع: الوضع الذي يجب أن يُصان: يُحفظ فصرَّح بها اعتناءً بأمرها وحتى لا يحتمل المقام سواها. أما قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) : فإن " الغائط " هو المكان الذي تُقضى فيه الحاجات، فالتعبير كنائي - كما ترى - والمقام مقام تشريع؟ مع هذا فقد عدل القرآن عن الاسم الصريح إلى ما هو وارد مورده حفظاً للفظه من الابتدْال. ولو فعل لكانت الضرورة التشريعية خير مبرر. ثم انظر إلى قوله تعالى في شأن آدم وحواء حين أضلهما الشيطان فأكلا من الشجرة التي حرمها الله عليهما: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) .

стр. 257

فإن أكل كان سبباً فى التبرزَ فعدل عنَه إلى ذكرَ السوءات. ويبدو في هذا التعبير لون من القسوة لأن المقام مقام معصية وعقاب فهل ترى أدبا في الحديث أروع من هذا الأدب. * * * * إصابة اللفظ القرآني: ومن ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) فقد آثر الاستواء على غيره ولم يقل: رست أو استقرت، لأن الاستواء يدل على معنى لا يدل عليه واحد من نظيريه المذكورين. فالاستواء يدل على الاستقرار أو الرسو المطمئن مع اعتدال الوضع. أما الرسو والاستقرار فقد يكونان على غير وضع الاعتدال كأن ترسو السفينة أو تستقر وهي منكسة مثلاً على الشاطئ. والاستقرار المعتدل الوضع هو المعنى المطلوب في جانب نجاة المؤمنين من الهلاك وسلامتهم من الطوفان. ونفى التنكس - مثلاً - مطلوب في مكان عَمَّ الطوفان فيه وجه الأرض. وغمر الماء النازل من السماء، والمتفجر من الأرض كل سهل ووعر. لئلا يقع فى الظن أو الاعتقاد أن تكون السفينة قد تعرضت لشيء من الصعوبات، والله قد صور لنا خطورة المجرى إذ يقول: (وَهىَ تَجْرى بهمْ في مَوْجٍ كَالجِبَالِ) . لذلك كان إيثار لفظ " الاستواء " على غيره أنسب لمقتضى الحال. حتى يعلم المخاطبون كيف صنعت عناية القادر بعباده المؤمنين. * * *

стр. 258

* طريق الدلالة في اللفظ القرآني: إن القرآن حين يختار لفظاً تجده دالاً على معناه بالجرس، أو ب الظل - أو بالجرس والظل معاً - وفي هذا المنهج يبدو لونٌ من التناسق أعلى من البلاغة الظاهرية وأوقع من الفصاحة اللفظية. اللذين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن. والفروق بين هذه المواضع جد دقيقة. قد يصعب العزل بينها. ولكنها سمة من سمات التعبير القرآني. ولنأخذ - الآن - في ذكر بعض النماذج: * الظل: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) . الهدف من الآية: بيان أن المكذبين بأيات الله والمستكبرين عن عبادته لن يحظوا بالقبول عند الله. ولن يدخلوا الجنة، وقد رتب حصول هذه المنافع لهم على أمر مستحيل هو دخول الحبل الغليظ في الثقب الدقيق لآلة الخياطة. والمرتب على المستحيل مستحيل كذلك. لكنه لم يذكر لفظ " الحبل " بل وضع موضعه لفظ " الجمل " وهو مشترك لفظي بين الحبل والحيوان الضخم المعروف. وإنما أوثر لفظ " الجمل " مراداً منه " الحبل " لأن فيه دلالة ليست فى الحبل، فالحبل مهما كان غليظاً لا يبلغ ضخامة الجمل. وهو - أي الحبل - متفاوت في الدقة والغلظ. ولو صرّح به لوقع في الوهم أنه الحبل الدقيق. فتقرب المسألة حينئذ من الإمكان.

стр. 259

بَيدَ أن هذا الإمكان غير متصور مع " الجمل " ذلك الحيوان الضخم الذى نشاهده مثل الصخرة العظيمة. ولتأكيد حرمانهم وشقائهم اختاره القرآن ليقطع عندهم كل أمل ما داموا فى شقاق مع ربهم. وإن السامع ليقع في خلده حين يسمع هذه الآية أن المراد بـ " الجمل " هو الحيوان ذلك الضخم، ولا يكاد يتصور منه " الحبل الغليظ " لاشتهاره في الأول. ونُدرة إطلاقه على الثاني. فهذا جدير بأن يسمى معنى ثانياً للفظ يدركه الخيال. واللفظ - هنا - دال على هذا المعنى الثاني بظله كما ترى. * * * الجرس: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا) ونقصد في هذا النص كلمة " يصطرخون " بالذات لأنها تُبين جأرهم باللجوء إلى الله أن يخلصهم مما هم فيه. وهي بجرسها الغليظ الصاخب ورنينها الخشن الصاك، الذي يكاد يخترق صماخ الأذن، تمثل الوقف أدق تمثيل. فإن الصراخ المنبعث من نفوس تئن تحت وطأة العذاب صراخ عال مدو يختلط بعضه ببعض - بدءاً ونهاية - ويملأ المكان صخباً ورنيناً. وإنك لتلحظ أثر " الصاد " و " الطاء " في إبراز الصوت بمثل هذه الصورة الغليظة، فهل كنت تحس شيئاً من ذلك لو وُضعَت كلمة " يدعون " الهادئة الوديعة مكان " يصطرخون " - الهادرة العنَيفة. وهل كنت تقف على بلوغ قلقهم الدى لولا كلمة " يصطرخون " الملائمة لجوهم النفسي أدق ملاءمة وأبرعها. * *

стр. 260

* الظل والجرس: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) والهدف من الآية الإنكار على المتقاعدين عن الجهاد. واستثارة هممهم للغزو فى سبيل الله لأنهم كلما دُعوا إلى القتال تراخوا وفترت عزماتهم. فجاءت كلمة " اثَّاقَلْتُمْ " تصور المعنى أبدع تصوير لأن التثاقل يقاوم حركات الرافعين له. كلما رُفِعَ تساقط وهوى إلى الأرض. والذين قعدوا عن الجهاد مثلهم مع الداعي إليه مثل التثاقل مع رافعيه هذه صورة يدركها الخيال. ومنظر ماثل أمام الناظرين تصوره كلمة واحدة هى " اثَّاقَلْتُمْ " بما تثيره من خيال " ظل "، وبما توحى به نغماتها من رنين " جرس " فهى تتكون - بحسب نطقها - من أربعة مقاطع صوتية. وكل مقطع منها مكون من فتح وسكون، والفتح والضم حركة تشبه دعوة الداعي. والسكون على المقاطع تملص من تلك الحركات الرافعة، وإخلاد إلى الأرض. ولنا أن نقارن بين الكلمة المدعوين إليها " انفروا " والكلمة الجانحين هم إليها " اثَّاقَلْتُمْ " فللأولى خفة. توحي بمعنى الإنطلاق. وللثانية ثقل يوحى باللصوق بالأرض، فبينهما ما بين الحركة السريعة والبطء المتثاقل! وخذ إليك قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) وتأمل الصورة تأملاً تدرك منه سر اختيار هذه الكلمات: " حُمُر " و" مستنفرة " و " فرت " و "قسورة " وإذا وصلتَ إلى ذلك أدركتَ إلى أى مدى كان الكافرون يُعرضون عن الدعوة ويشردون منها شروداً بالغاً مداه كما تشرك الحُمُر المستنفرة إذا هاجها الصياد أو الأسد المفترس.

стр. 261

وهم يشرودن خائفين منها لا فيها من نُذُر تطير منها قلوبهم التي غمرها الشيطان بغوايته ونفوسهم التي أسرها الهوى بضلاله. وكلمة " مستنفرة " تزيد المعنى دقة ووضوحاً لأن من الحُمُر حُمُراً أهلية تأنس إلى مَن تراه وليست هذه منها بل هي مستنفرة تفزعها مجرد الرؤية بله الطلب وتوقع الخطر. وكذلك كلمة " فرت " إذ تبين هذه الكلمة أنهم لشدة إعراضهم لم يشردوا من الداعي ماشين على أقدامهم فوق الأرض. بل طائرين في الفضاء كلما يصنع الطير المهيج. وقد اشترك الظل مع الجرس في دلالة هاتين الكلمتين " مستنفرة "، " فرت " كما ترى. * * (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) َ. هذه الآية تصور - كذلك - تملص رجل من الإذعان لهدى الله. وقد اختير للدلالة على هذا المعنى كلمة " انسلخ " وهذا اللفظ يرسم لنا الصورة عنيفة فظيعة ولهذه الصورة رمز ومعنى. فالانسلاخ لغة: إزالة الستور. يقال: انسلخ الرجل من ثيابه إذا طرحها، والشاة إذا أزيل عنها جلدها. فكان خروج هذا الرجل عن طاعة الله إلقاء لستوره وما يحفظ عليه أمره، فهو - بعد - لا يلوى على شيء من أسباب الكرامة ودواعى التوقير. . قال الزمخشري في توجيه هذا المعنى: " فحططناه ووضعنا منزلته ". ومعنى آخر يُفهم من هذا التعبير. ذلك أن الانسلاح للشاة لا يكون إلا بعد الذبح ومحال أن يُسلخ جلد شاة وهي على قيد الحياة. وفي هذا تضمين يوحى بأن هذا الرجل ومَن كان على شاكلته أموات غير أحياء. وليس هذان المعنيان

стр. 262

بغربيين عن البيان القرآني. فهو حافل بالصور التي يوصف الكفار فيها بالضعة وبالأموات. * * (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) : الحديث - هنا - عن أهل النار حينْ يُساقون إلي مأواهم فلا تساعدهم أقدامهم على السير رهبةً وفزعاً. . . فتدفعهم الزبانية في أعلى ظهورهم مما يوازى صدورهم. ومَن شأنه ذلك يُسمع لصدره صوت غير إرادى يتكون من هذا المقطع " أع " ولهذا كانت هذه الكلمة مصورة للمعنى بجرسها ورنينها. * * * * تناسب اللفظ القرآني مع معناه: ومما يتصل بهذا المعنى أن ألفاظ القرآن تأتى عنيفة قوية في مقام التهديد والوعيد وما أشبه ذلك، ورقيقة عذبة في الترغيب والتبشير وما أشبههما. هادئة ثرية في مقام التشريع والتوجيه وما قاربهما. فمن أمثلة التهديد والوعيد: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) .

стр. 263

فانظر إلى عنف الألفاظ إلى أي مدى يصل. وإن العنف ليبلغ مداه فى مواطن الحُكم من النص الذي أثبتناه من سورة المدثر. وذلك في موضعين: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) - (سَأُصْلِيه سَقَرَ) وقد بدأ هذا النص بكلمة أعنف ما تكون في هذا الموضع: (ذَرْنىَ) ويا ويل مَن كان هذا تهديداً له. إنهن كلمات قاتلات أوقع في النفس من أَمضى سلاح. ومثله: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) . تأمل هذا النص، ثم أنعم نظرك في هذه التعبيرات: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) - (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) - (أَنْكَالًا وَجَحِيمًا) - (طَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا) - َ (تَرْجُفُ الأرْضُ وَالجبالُ) - (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) - (أخْذاً وَبِيلاً) - (مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) . . ألم تجدَها ذاهبة في القوة والإرهاب إلى أبعد أثر. ومثله: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠) . إن موجة العنف تبدأ من أول كلمة في النص. ولكنها لا تنتهى حتى بآخر

стр. 264

كلمة تصوره، فقد اشتملت الآية الأخيرة على الفعل المضارع الواقع في حيز النفى (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ (وهنا ربما وهم الواهمون أن جزاء هؤلاء مقصور على ما ذكرَ فيما مضى من النص. ولكن هذا الوهم مدفوع بالاستثناء (إلا عَذَاباً) . فالزيادة المنفية هي الزيادة التي من جنس الرحمة. أما الزيادة التي من جنس العذاب فلاحقة بهم ما دامت السموات والأرض. وفي هذا من تبكيتهم وحسرتهم ما لا يخفى. ومثله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) . هذه مثل. وغيرها كثير. لم نرد بذكرها الاستقراء التام. بل نماذج وشاهد صدق على ما نقول. * * * الذم: ويقرب من مقام التهديد والوعيد، مقام الهجاء والذم، ومن أمثلة ذلك: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) .

стр. 265

ومثله: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) . ومثله: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦. وهذا نهج القرآن حين يتحدى. ولنذكر لذلك بعض النماذج: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) ومثله: َ (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) . ومثله: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) . * *

стр. 266

* إجمال: هذا تصريف القرآن في القول بحسب المقام. ولكل مقام مقال، فترى كل لفظة وقعت موقعها. بحسب السياق. وبحسب ما يناسب كل حالة من حالات المخاطبين. فما من موضع مما ذكرنا نلمس فيه مداهنة أو ليونة. أو تقصيراً فى أي جانب من جوانب القول. قوة وفخامة في الألفاظ. ورهبة وعنفاً فى المعاني. لذلك كان الكافرون يرهبون سماعه ويصدون عنه صدوداً. ويفرون منه كما تفر الحُمُر من رميات السهام. ألم يحك عنهم القرآن قولهم: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) . أوَ لم يضع الوليد بن المغيرة يده على فم الرسول ﷺ ليكف عن القراءة رهبة منه حين سمعه يتلو قوله تعالى: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) . وهو يقول: بحسبك يابن أخى. هذا لما كانوا يرونه فيه من آيات النذر المؤثر، والوعيد المخيف. ولو تأملنا ما نزل من القرآن بمكة، موطن الصدود والتحدى لوجدناه حافلاً بهذا اللون من التعبير. خاصة في قصار سوره ومتوسطها. * * * الترغيب: فإذا خرج القرآن عن مقامات التهديد والوعيد، والتحدى والهجاء. إلى الترغيب والتوجيه أو العتاب والتنبيه. فإن له مسلكاً غير هذا المسلك. وسبيلاً غير تلك السبيل. فانظر إليه في مقام الترغيب كيف يقول:

стр. 267

(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) . َ فى الآية الكريمة ترغيب في الإنفاق والبذل لمستحقيه. وقد جاءت الألفاظ سلسة عذبة. فيها إثارة لعمل الخير، وترغيب بعد ترغيب، ففى مطلع الآية يأتى التعبير: (أُولُو الْفَضْلِ) . وهو أنسب مطلع بالنسبة لموضوع الحديث. ثم عطف عليه (السَّعَةِ) لأنه - مع ما عُطفَ عليه - تذكير بنعمة الله على المخاطبين. والفضل والسَعة نعمتان تستوجبانَ شكر مَن أولاهما. ومن مظاهر شكرهما الإنفاق الذي يدور عليه محور الآية الكريمة. وجاء التعبير ب (أُولِي الْقُرْبَى) - (وَالْمَسَاكِينَ) - (وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . وهي أوصاف تثير في النفس شعوَر العطف والحنان. ثم يأتى قولَه تعالىَ: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) . . حاثاً النفوس حتى لايعوقها عن الإنفاق عائق. ويأتى قوله تعالى: (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) حاثاً المؤمنين على المغفرة. . وكانت (أَلَا) مهيئةَ الشعور لهذاَ الترغيب والعرض الجميل. ومَن الذي يغفر؟ الله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . إن السامع لهذه الكلمات يشعر بالأمن يملأ جوانب نفسه. وبالمغفرة تمحو كل خطاياه فينطلق منفقاً في السر والعلانية. ومثله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) .

стр. 268

والآيتان دعوة إلى التمسك بالدين وآدابه. وقد خدمت الألفاظ الفكرة المرجوة من النص خدمة جليلة: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) - (نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) - (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) - (فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) - (أَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) - (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) - (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) - (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) - (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) . كلمات مفصلات لمواقف تتطلبها. . ومعان تشع منها. ومثله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) . وهذا النص كسابقه يتسلل إلى خفايا النفوس بندائه الذين آمنوا في المطلع. والعرض اللطيف في: (هَلْ أَدُلُّكُمْ) ، وتمثيل الأعمال الصالحة بالتجارة التى تنجى من عذاب أليم، ويذكر الإيمان بالله والجهاد في سبيله بالمال والنفس. والحكم على هذه الأعمال بأنها خير للمخاطبين يدركون خيرها لو حصلت لهم أسباب العلم النافع. ثم انظر إلى الجزاء الذي أشارت إليه الآية الأولى: (تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وفصلته الآيتان الأخيرتان: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) .

стр. 269

ثم انظر إلى قمة التشويق والإثارة في قوله: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ. . فالأخرى محبوبة. والنصر من اللهَ لا من غيره. والفتح قريب. وقد أجمل " الأخرى " في صدر الآية ثم فصلها فيما بعدها. وذلك شرط الفخامة وعنصر التشويق. ومن حسن المطلع، وحسن الختام أن النص بدأ بنداء المؤمنين. واختتم ببشارة المؤمنين. ويين النداء والبُشرى جنات ورياحين. ويسلك القرآن هذا المسلك إذا وصف مادحاً. ونكتفى بمثال واحد فيه غناء أيما غناء: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) . صورة بهيجة، ومنظر ضاحك. ترسمه ألفاظ فتبدع في الرسم. وتترك للخيال حرية التصور ذاهباً فيه إلى أبعد مداه. * * * العتاب: والقرآن ينتهج في العتاب نهجاً فريداً. جامعاً فيه بين العذوية والرقة والقوة، وهذان أمران أساسيان في كل عتاب ناجح. لأن العتاب مقام يقتضي نوعين من المعاني والألفاظ لأنه لا يكون إلا عن تقصير أو خطأ. هذا أحد

стр. 270

سببيه الأقوى. ولا يكون إلا حين يُرجى من العاتَب عود إلى الجادة. وتوخى الصواب. وعتاب القرآن الذي يهمنا هنا نوعان: أولهما: عتاب الله رسوله ﷺ . ثانيهما: عتاب المؤمنين. وفي كِلا النوعين جاء عتابه ناجحاً. لاشتماله على الخاصتين المذكورتين: تذكير قاس بما كان مما استوجب العتاب. وإغراء على الرجوع إلى الحق والحث عليه بما يُثيره النص من بوارق الأمل وأسباب العفو. * عتاب النبي ﷺ -: فمن عتاب الله رسوله ﷺ قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦) . وهذا أقصى عتاب وجَّهه الله لرسوله ﵇. وبَيَّنَ له فيه كثيراً من الحقائق، وفي هذا العتاب - مع قسوته - اشتمل القرآن على كثير مما يخففه. ويُبين حُسن نية الرسول ﵇ فيما بدر منه حين أعرض عن عبد الله ابن أم مكتوم وأقبل على وفد قريش يحاورهم. فقد خفف من قسوة هذا العتاب أن الله لم يسند العبوس والتولي للرسول مواجهاً له به فجاء مُسنَداً إليه على طريقة الغيبة: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ، ولم يقل له: عبستَ وتوليتَ وهو مقتضى الحال. ترقيقاً له في العتاب حتى لكأنَّ العابس والمتولي شخص آخر غير محمد ﵇. والجمهور يسمون

стр. 271

هذا السلوك القولي: وضع الغيبة موضع الخطاب. ويسميه السكاكى: التفاتاً، إذ لا يُشترط أن يسبقه التعبير بواحد من طرقة الثلاثة، وأياً كان الخلاف بينهم فإن المؤدى واحد هو كراهة إسناد ما لا يليق بالرسول على سبيل الخطاب. وخفف منه - أيضاً - أن القرآن أبان أن ما حدث من الرسول لم يكن لغرض شخصى بل لباعث من بواعث الرسالة التي جاء بها. وهو حرصه الشديد على هداية هؤلاء الناس فكأنه أراد أن يستميلهم بحديثه وإقباله عليهم. أما ابن أم مكتوم فمؤمن لا يتأثر بمثل هذه الأعمال التي بدرت من الرسول ﵇ لمصلحة دينية توقعها هو. ولطف العتاب مع الرسول ﷺ أمر ملحوظ في القرآن انظر إليه يقول: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)) . فَمبالغة في لطف عتاب الله له. صدَّرَ العتاب بالعفو من أول الأَمَر. وقُدًم على ما استحق من أجله العتاب: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ، وأن العتاب الرقيق يدل على عظم منزلة المعاتَب عند المعاتِب، أن يَبادره بالعفو. ثم يأخذ معه في بيان ما خالف فيه مما ينبغى ألا يكون. . وقد غلا الزمخشري في توجيه هذه الآية حيث قال: (عَفَا اللهُ عَنكَ) كناية عن الجناية، لأن العفو رادف لها. ومعناه: اخطأتَ وبئس ما فعلتَ. وغلوه في هذا التوجيه ظاهر. لأنه حفل الكلمة ما ليس من طبيعتها وصرخ بما لم يصرخ به الله في كتابه، ولو كان هذا الذي يقوله الزمخشري مطلوباً لله من هذه الآية لما منع مانع من ذكره. ولو أنه فسَّر قوله تعالى: (لمَ أَذنتَ لهُمْ) بما قاله في تفسير: (عَفَاَ اللهُ عَنكَ) لكان لقوله شُبهة قبولَ لأن (لمَ أَذنتَ لهُمْ) هو موضوع المخالفة. وقد تعقب ابن المنير قول الزمخشري، وخطأه فيه. ثم قال: " ولقد أحسن مَن قال في هذه الآية: إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأ بالعفو قبل العتب.

стр. 272

ولو قال له ابتداءً: (لِمَ أَذنتَ لهُمْ) لتفطر قلبه ﵇. فمثل هذا الأدب يجب احتذاؤه في حق سَيد البَشر ﵊ ". * * * عتاب المؤمنين: وجاء في عتاب المؤمنين حين خاضوا في حديث الإفك ولم يتثبتوا: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) . وفي هذا النص الحكيم تتعانق مظاهر القسوة مع اللين. والخوف مع الرجاء. والصفح مع العقاب. . فقد وردت في هذا النص هذه الكلمات: (الإفْك) - (الإثْم) - (تَوَلَّى كبْرَهُ) - (عَذَابٌ عَظِيمٌ) - (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) - (إفْكٌ مبينٌ) - َ (لَوْلَا جَاءُوا عَليْه) - (فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) - (هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) - (أن تَعُودُواْ لِمِثلِهِ أبَدَاً) .

стр. 273

وهذه كلها كلمات عامرات بقذائفها. لأن الذنب الذي ارتكبوه عظيم الأثر. إذ المرمى به أُمَّ من أُمهات المؤمنين. وزوج النبي الكريم. فهذا اجتراء على الله وعلى رسوله -. وعلى المحصنات المؤمنات الغافلات. لذلك كله جاءت مظاهر العنف في هذا العتاب بالغة القوة. ووجهت إليهم الجناية من طرق عديدة. ولأن الخطاب مع مؤمنين. ويُرجى منهم الخير والعودة إلى سواء السبيل. خففت حدة هذا العتاب. فسرت فيه روح الأمل وأخرجته من الوعيد إلى العتب المرجو منه التوجيه والإثابة. الْظر إلى هذه الإشراقات: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ) - (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لكُمْ) - (ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) - (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ) - والتَعبير بالمس دون غيره تخفيف من اللهَ في العتاب - (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا) (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) . * * * التشريع: أما في التشريع فإن اللفظ القرآني يأتى وسطاً بين النوعين إلا أن يقتضي المقام عنفاً أو لطافة. ولنذكر مثالاً للنص التشريعي في القرآن الكريم:

стр. 274

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) . هذا نص تشريعي خالص أدى بكلمات هادئة - كما ترى - حتى في مواضع الإثارة من النص فأنت ترى فيه هذه التعبيرات وهي في مواطن الإثارة والحث على عمل الخير: (لعَلكُمْ تَتقُونَ) - (فَمَن تَطوع خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) - (وأن تَصُومُواْ خَيْرٌ لكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلمُونَ) - (وَلعَلكُمْ تَشْكُرُونَ) . وصفوة القول في ذلك أن ألفاظ القرآن فضلاً عن اختيارها وروعتها فى أنفسها تأتى ملائمة للمقام الذي وردت فيه. ولو أدرتَ اللغة من ألفها إلى يائها لتضع موضع اللفظ آخر يسد مسده من كل الوجوه رجوتَ مستحيلاً. وعُدتَ كليلاً. أما خواص اللفظ القرآني من حيث التعبير، بعد انتقائه في نفسه، وإصابته المقتل في الدلالة على معناه. . فإننا منذ الآن يجدر أن نصطلح على نظرية نحن بصدد التدليل عليها. وهذه النظرية هي: * منهج الالتزام: ولهذه النظرية عدة جوانب: فمن التفرقة الدقيقة بين الألفاظ واستعمال كل لفظ في معنى دون غيره مع استعمال نظيره فيه دون ما خلط بين استعمال اللفظين. وهذا المنهج غير مألوف في أساليب الناس، وقد تقع تلك التفرقة الدقيقة بين الألفاظ في استعمالات المادة الواحدة كأن يختص استعمالها فعلاً فى معنى ويطرد ذلك الاستعمال فيه. ويختص استعمالها اسماً في معنى آخر كذلك. .

стр. 275

إلى التزام جمع الكلمة دون أن يأتى منها مفرد أو مثنى. أو التزامها مفردة دون أن يستعملها مجموعة أو مثناة. أو التزام استعمالها منفية. ولم ترد فيه مثبتة بحال من الأحوال. إلى غير ذلك من الاعتبارات مما لا يقع تحت حصر إلا باستقراء الألفاظ القرآنية كلها في بحث متخصص في هذه الناحية. وهذا إجمال لا بدَّ له من تفصيل. وسنحاول عند التنبيه على هذه الخصائص فى نماذجها توجيه هذا السلوك بقدر ما يهدى إليه النظر. مفوضين علم ذلك إلى الله فهو وحده المستأثر بأسرار كتابه. - التزام الجمع: فقد التزم القرآن جمع كلمتى: " الأرجاء " و " الألباب ". ولم يأت منهما بمفرد ولا بمثنى. قال: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) . وقال: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) . - التزام الإفراد: والتزم الإفراد في كلمة " الأرض " في كل موضع ذكِرَت فيه. وما أكثر مواضع ذكرها فيه مصاحبة للسماء. أو السموات. وهي سواء أفردت السماء أو جُمِعتَ مذكورة معها فإن الإفراد هو طابعها في كل موضع. قال: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) . وقال (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) .

стр. 276

وحين يريد القرآن صيغة الجمع من الأرض فإنه لا يخرج عن مبدأ هذا الالتزام فيأتى بالأرض مفردة. ويدل على الجمع منها بالوصف. قال: (وَمِنَ الأرْضِ مِثْلهُن) . أي مثل السموات سبع أرضين. وقال: (وَفِى الأرْضِ قِطعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ. . .) . ومما التزم فيه صيغة الجمع كلمة " أكواب " وكلمة " الظلمات ". فلم تأت واحدة منهما في موضع منه مثناة أو مفردة. قال: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) . وقال: (فَنَادَى فِى الظُلُمَاَتِ) . وكذلك التزم الجمع في كلمة " الأرائك " قال: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) . وقالَ: (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) . وفي مظاهر الكون التزم الإفراد في " الشمس " و " القمر ". و " الضحى " و" النهار ". قال: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) . وقال: (وَالضُحَى (١) وَاللَيْلِ إذَا سَجَى) . ووجه الإفراد في الشمس والقمر ظاهر، إذ لا ثاني لهما في الوجود. والتأمل إنما في الضحى والنهار. فإذا أُريد بالنهار الجمع عدل عن لفظه إلى لفظ " الأيام " قال: (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا) .

стр. 277

كذلك التزم الإفراد في لفظ " النور "، عكس التزامه الجمع في لفظ " الظلمات ". والتزم التعريف في كلمتى " الناس " و " الصدور " مجموعاً أو مفرداً. قال: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . وقال: (يَا أيُّهَا الناسُ إنَّا خَلقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى) . وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . وقال: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) . وقال: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) . وقال: (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلَامِ) . وقال: (أَلمْ نَشْرَحْ لكَ صَدْرَكَ) . - التزام التنكير: والتزم التنكير في كلمة " شيء " في كل موضع وردت فيه. قال: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . وقال: (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) . وقال: (وَمِن كُل شَىءٍ خَلقْنَا زَوْجَيْنِ لعَلكُمْ تَةَبهرُونَ) . وقال: (فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) . وقال: (. . . لا تَسْألُواْ عَنْ أشْيَاءَ إن تُبْدَ لكُمْ تَسُؤكُمْ) .

стр. 278

وقد كثر ورود هذه الكلمة " شيء " في القرآن الكريم، ولا تخرج عن هذا المنهج الذي التزمه القرآن فيها ما دام قد صرح بلفظها الدال عليها. - التزام النفى: وقد التزم القرآن كذلك النفى في كلمة " يشعرون " في كل موضع وردت فيه. فلم يأت إلا في سياق النفى. قال: (وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) . وقال: (لَايَحْطِمَنَّكُمْ سُليَمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) . وهذا النفى كثيراً ما يأتى في مواضع الذم - مثل الآية الأولى - وقليلاً ما يأتى في غيره مثل الآية الثانية. - التزام الإثبات: والتزم الإثبات في بعض الكلمات مثل كلمة " طبع " مستخدماً لها فى موضع الذم في كل موضع وردت فيه. قال: (بَلْ طبَعَ اللهُ عَليْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلاً) . وسيأتى تفصيل ذلك في فصل المجاز. تلك ملاحظة دقيقة يجدها الباحث فى ألفاظ القرآن. أنها ذات خواص تعبيرية لم تشترك معها فيها أية أساليب أخرى. . * * * وجه آخر لنظرية الالتزام: وللفظ القرآني خاصة أخرى غير الخواص التي ذكرناها غير التزام الجمع أو الإفراد وغير التزام التعريف أو التنكير، وغير التزام النفى أو الإثبات.

стр. 279

وهذه الخاصة هي أن القرآن يُفرِّق بين الكلمتين المتفقتين في المعنى فيستعمل إحداهما في موضع لا يتعداه. ويستعمل الأخرى في موضع آخر لا يتعداه إلى موضع الأولى. وهما عند الناس - خاصتهم وعامتهم - تستويان في الدلالة فلا يجدون بينهما فرقاً. وقد فطن إلى هذا الملحظ الدقيق في ألفاظ القرآن الجاحظ حيث يقول: " وقد يستخف الناس ألفاظاً، ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن " الجوع " إلا في موضع العقاب أو فى موضع الفقر المدقع. والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب. ويذكرون الجوع في حالة القُدرة والسلامة. وكذلك كلمة " المطر "، لأنك لا تجد القرآن يأتى به إلا في موضع الانتقام * والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث". ولبيان ذلك نقول: * الأب ليس والداً ؟ خذ كلمتى " والد " و " أب " واستعرض استعمالات الناس لهما تجد أنهما سواء في الدلالة فهما مترادفتان. فكلا اللفظين يصح إطلاقه على المولود له " الذكر " فهو أب وهو والد. فإذا تتبعتَ استعمالات القرآن لهذين اللفظين تجده مخالفاً لما ألفه الناس وعلمتَ وجه الصواب فيه، والخطأ في غيره. فالقرآن لم يطلق كلمة " الوالد " على الأب الذكر إذا ذكره منفرداً أو مجموعاً جمعاً مقصوداً به الذكور دون الإناث. بل يطلق عليه أو عليهم كلمتي " الأب " و " الآباء " ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵇: (قَالُواْ يَا أبَانَا مَالكَ لَا تَأمَنَّا على يُوسُفَ) .

стр. 280

وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَد مِن رجَالكُمْ) . وقوله تعالى: (وَإذْ قَالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ) . وهذا في حال الإفراد. وكذلك المواضع التي ورد فيها مجموعاً. ومنها: (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) . وقوله: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) . وقوله: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) . وقوله: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) . وقوله: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) . . وغير ذلك كثير. إذن فكلمة " الأب " هي الأداة المفضَّلة في أسلوب القرآن للدلالة على الذكر أو المذكور. المولود لهم. أما كلمة " الوالد " فلم تُطلق على الذكر المولود له إلا مندرجاً مع الأم " الوالدة "، والقرآن يسلك هذا المسلك في مقام الإحسان إليهما. وصنع المعروف معهما. ومن ذلك قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) .

стр. 281

وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) . وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) . فالأب - هنا - والد على أسلوب التغليب. لأن الوالد الحقيقي هي الأم. وحفاظاً على هذه الدقة في اللفظ القرآني. نرى القرآن عندما استدعى المقام معنى " الولادة " لكونه سبباً في حكم شرعى نراه - أي القرآن - قد عدل عن اسم الفاعل: " والد " إلى اسم المفعول: " مولود له " فقال: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) . * * * ملحظان هامان: وهذه الآية تفيدنا من ناحيتين: أولاهما: أن القرآن أتى باسم المفعول مكنياً به عن الأب على وجه الحقيقة لأن الأب مولود له حقيقة. وليس بوالد. وذلك في موضعين منها: (وَعَلى المولودَ لهُ) . ثم: (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) . ثانيتهما: أنه أتى باسم الفاعل المؤنث في الدلالة على الأم على وجه الحقيقة لأنها والدة فعلاً. وذلك في موضعين منها كذلك: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ) . ثم: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلدِهَا) . فالأب في جميع الأحوال ليس والداً، وإنما هو مولود له. وهذه لغة التنزيل التي تكاد تخلو من ظاهرة الترادف في هذه المواضع. * *

стр. 282

* اعتراض مدفوع: ولا يقدح في هذه القاعدة قوله تعالى: (. . لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا) . لأن الوالد هنا ليَس المراد به الأب وحده. أو الأم وحدها فالسياق مقتض للعموم فهو قريب من أسلوب التغليب الذي أشرنا إليه. حيث غلب فيه جانب الوالدية على المولودية. . فأطلق " الوالدان " عليهما. * * * والوالدة. . أب ؟! وإذ كان الأب " والداً " على أسلوب التغليب. فإن الوالدة - كذلك - أب على أسلوب التغليب. قال تعالى: (وَوَرثَهُ أَبَواهُ) . . أي أبوه وأمه. وقال: (وَرَفَعَ أبًوَيْه عَلى العَرْشِ) . . أي أبا يوسف وأمه ﵈. فهنا غلب جانبَ الذكورة على جانب الأنوثة فأجرى على الأم وصف " الأبوة " وسر هذا التغليب في الموضعين - فيما يبدو - أن تغليب جانب الأنوثة في مقام الإحسان ملحوظ فيه ضعف الأنثى. فهى بالإحسان أولى. . . وللمعروف أهل. وتغليب جانب الذكورة في جانب الإرث فلأن الأب الذكر أقوى من الأم لأنه عصبة الميت. والذكر - غالباً - حظه من الإرث مثل حظ الأنثيين. * سر التغليب: فالتغليب في كل من الموضعين جار على نسق حكيم - كما ترى - فصاحب الجانب الأقوى في المقام المسوق من أجله الكلام هو صاحب الجهة الغلبة المطوي معها الجانب الأضعف. * * *

стр. 283

* النعمة ليست نعيماً: النعمة في القرآن خاصة بما أنعم الله به على عباده في الدنيا لا الآخرة. . سواء أكانت خيراً مادياً كالمال والجاه والصحة. أو هداية وإرشاداً إلى الصواب والتوفيق للعمل به، وقد جاء بهذا المعنى في تسعة وأربعين موضعاً. مضافة إلى الله - سبحانه - أو إلى ضميره أو مقطوعة عن تلك الإضافة لكنها منسوبة إلى الله بطريق آخر من طرق التعبير غير الإضافة. ولنذكر بعض مواضعها مشيرين إلى ما بقى منها: قال: (اذكُرُواْ نعْمَتِىَ التِى أَنْعَمْتُ عَليْكُمْ) ، وجاءت فيها فى موضعين آخرين وهما آيَتا (٤٧ - ١٢٢) . وقال: (رَبً أوْزِعْنِى أَنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِى أَنْعَمْتَ عَليَّ) . وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) . وقال: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) . وقال: (وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمه اذكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ) . وقال: (وَإن تَعُدُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) . وقال: (واشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .

стр. 284

هذه عشرة مواضع يستخدم فيها القرآن " النعمة " مراداً بها ما أنعم الله به فى الدنيا وهكذا في جميع مواضع استعمالات هذه الكلمة سواء أكانت مفتوحة النون. أو مكسورتها. ْوالجمع فيها مثل المفرد. قال: (وَأسْبَغَ عَليْكُمْ نعَمَهُ ظاهرَةً وَبَاطِنَةً) . وقال: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لبَاسَ الجُوع وَالخَوْف) . وقال: (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم) . وكذلك جاءت " نعماء " خاصة بالدنيا في آية هود: (وَلئنْ أذقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ) . أما كلمة " النعيم " فقد أطرد القرآن استعمالها فيما أنعم الله به على عباده المقرَّبين في الآخرة دونما غير ونذكرها على وجه الاستقراء: قال: (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) . وقال: (إن المتقينَ فى جَنات وَنَعِيم) . وقالَ: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) . وقالَ: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) . وقال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وقال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) وقال: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) . وَقال: (نَعيماً وَمُلكاً كَبِيراً) . وقال. (وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) .

стр. 285

وقال: (فى جَنات النعيم) . وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَملواْ الصالحَات فىَ جَنات النعيم) . وقال: (فى جنات النعيمَ) . وَقال: (فى جَناتَ النعَيمِ) . وقال: (لهمْ جَنات النعَيم) . وقال: (واجْعَلنى من وَرثَة جَنة النعيم) . وقال: (إن للمتقينَ عندَ رَبهمْ جَناتِ النعِيم) . وقالَ: (ثُم لتُسْأَلن يَوْمَئِذ عَنِ النعَيم) . لا خلاف بين المفسرين في المراد بـ " النعيم " في هذا المواضع. إلا الموضع الأخير. موضع التكاثر فقد ذهبوا يخصونه بنعم الدنيا وتأولوا ذلك على عدة وجوه. "معنى النعيم في " التكاثر ": فبعضهم يرى - كما يذكر الرازى في تفسيره - أن المراد بالنعيم هو الرسول ﷺ وبعضهم يقول: هو تخفيف الشرائع. أو هو صحة الأبدان. أو هو الطعام والشراب. وقد ذهب بعضهم أن المراد به النعلان اللذان يمشى بهما الإنسان. ولعل هذا الرأي مبعثه أن الله يُحاسب على جلائل النعم وصغائرها. وأمام هذا الحشد الهائل من تعدد الآراء اختارَ الرازى أن يكون المراد به جميع ما أنعم الله به على الناس. قال: " والأولى عندى أنه يجب حمله على جميع النعم. وأن تكون الألف واللام فيه للاستغراق". وخصه الزمخشري بنعيم المترف الذي عكف نفسه على استيفاء اللذات. ولم يعش إلا ليأكل ويشرب ويقطع أوقاته باللهو والطرب. . فأما من تمتع بنعم الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده وتقوى بها على دراسة العلم. والقيام بالعمل. وكان ناهضاً بالشكر. فهو عن ذاك بمعزل.
следующие страницы →