← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) . وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) . فالأب - هنا - والد على أسلوب التغليب. لأن الوالد الحقيقي هي الأم. وحفاظاً على هذه الدقة في اللفظ القرآني. نرى القرآن عندما استدعى المقام معنى " الولادة " لكونه سبباً في حكم شرعى نراه - أي القرآن - قد عدل عن اسم الفاعل: " والد " إلى اسم المفعول: " مولود له " فقال: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) . * * * ملحظان هامان: وهذه الآية تفيدنا من ناحيتين: أولاهما: أن القرآن أتى باسم المفعول مكنياً به عن الأب على وجه الحقيقة لأن الأب مولود له حقيقة. وليس بوالد. وذلك في موضعين منها: (وَعَلى المولودَ لهُ) . ثم: (وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) . ثانيتهما: أنه أتى باسم الفاعل المؤنث في الدلالة على الأم على وجه الحقيقة لأنها والدة فعلاً. وذلك في موضعين منها كذلك: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ) . ثم: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلدِهَا) . فالأب في جميع الأحوال ليس والداً، وإنما هو مولود له. وهذه لغة التنزيل التي تكاد تخلو من ظاهرة الترادف في هذه المواضع. * *

стр. 282

* اعتراض مدفوع: ولا يقدح في هذه القاعدة قوله تعالى: (. . لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا) . لأن الوالد هنا ليَس المراد به الأب وحده. أو الأم وحدها فالسياق مقتض للعموم فهو قريب من أسلوب التغليب الذي أشرنا إليه. حيث غلب فيه جانب الوالدية على المولودية. . فأطلق " الوالدان " عليهما. * * * والوالدة. . أب ؟! وإذ كان الأب " والداً " على أسلوب التغليب. فإن الوالدة - كذلك - أب على أسلوب التغليب. قال تعالى: (وَوَرثَهُ أَبَواهُ) . . أي أبوه وأمه. وقال: (وَرَفَعَ أبًوَيْه عَلى العَرْشِ) . . أي أبا يوسف وأمه ﵈. فهنا غلب جانبَ الذكورة على جانب الأنوثة فأجرى على الأم وصف " الأبوة " وسر هذا التغليب في الموضعين - فيما يبدو - أن تغليب جانب الأنوثة في مقام الإحسان ملحوظ فيه ضعف الأنثى. فهى بالإحسان أولى. . . وللمعروف أهل. وتغليب جانب الذكورة في جانب الإرث فلأن الأب الذكر أقوى من الأم لأنه عصبة الميت. والذكر - غالباً - حظه من الإرث مثل حظ الأنثيين. * سر التغليب: فالتغليب في كل من الموضعين جار على نسق حكيم - كما ترى - فصاحب الجانب الأقوى في المقام المسوق من أجله الكلام هو صاحب الجهة الغلبة المطوي معها الجانب الأضعف. * * *

стр. 283

* النعمة ليست نعيماً: النعمة في القرآن خاصة بما أنعم الله به على عباده في الدنيا لا الآخرة. . سواء أكانت خيراً مادياً كالمال والجاه والصحة. أو هداية وإرشاداً إلى الصواب والتوفيق للعمل به، وقد جاء بهذا المعنى في تسعة وأربعين موضعاً. مضافة إلى الله - سبحانه - أو إلى ضميره أو مقطوعة عن تلك الإضافة لكنها منسوبة إلى الله بطريق آخر من طرق التعبير غير الإضافة. ولنذكر بعض مواضعها مشيرين إلى ما بقى منها: قال: (اذكُرُواْ نعْمَتِىَ التِى أَنْعَمْتُ عَليْكُمْ) ، وجاءت فيها فى موضعين آخرين وهما آيَتا (٤٧ - ١٢٢) . وقال: (رَبً أوْزِعْنِى أَنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِى أَنْعَمْتَ عَليَّ) . وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) . وقال: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) . وقال: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) . وقال: (وَإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمه اذكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَليْكُمْ) . وقال: (وَإن تَعُدُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) . وقال: (واشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .

стр. 284

هذه عشرة مواضع يستخدم فيها القرآن " النعمة " مراداً بها ما أنعم الله به فى الدنيا وهكذا في جميع مواضع استعمالات هذه الكلمة سواء أكانت مفتوحة النون. أو مكسورتها. ْوالجمع فيها مثل المفرد. قال: (وَأسْبَغَ عَليْكُمْ نعَمَهُ ظاهرَةً وَبَاطِنَةً) . وقال: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لبَاسَ الجُوع وَالخَوْف) . وقال: (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقيم) . وكذلك جاءت " نعماء " خاصة بالدنيا في آية هود: (وَلئنْ أذقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ) . أما كلمة " النعيم " فقد أطرد القرآن استعمالها فيما أنعم الله به على عباده المقرَّبين في الآخرة دونما غير ونذكرها على وجه الاستقراء: قال: (وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) . وقال: (إن المتقينَ فى جَنات وَنَعِيم) . وقالَ: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) . وقالَ: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) . وقال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وقال: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) وقال: (تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) . وَقال: (نَعيماً وَمُلكاً كَبِيراً) . وقال. (وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) .

стр. 285

وقال: (فى جَنات النعيم) . وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَملواْ الصالحَات فىَ جَنات النعيم) . وقال: (فى جنات النعيمَ) . وَقال: (فى جَناتَ النعَيمِ) . وقال: (لهمْ جَنات النعَيم) . وقال: (واجْعَلنى من وَرثَة جَنة النعيم) . وقال: (إن للمتقينَ عندَ رَبهمْ جَناتِ النعِيم) . وقالَ: (ثُم لتُسْأَلن يَوْمَئِذ عَنِ النعَيم) . لا خلاف بين المفسرين في المراد بـ " النعيم " في هذا المواضع. إلا الموضع الأخير. موضع التكاثر فقد ذهبوا يخصونه بنعم الدنيا وتأولوا ذلك على عدة وجوه. "معنى النعيم في " التكاثر ": فبعضهم يرى - كما يذكر الرازى في تفسيره - أن المراد بالنعيم هو الرسول ﷺ وبعضهم يقول: هو تخفيف الشرائع. أو هو صحة الأبدان. أو هو الطعام والشراب. وقد ذهب بعضهم أن المراد به النعلان اللذان يمشى بهما الإنسان. ولعل هذا الرأي مبعثه أن الله يُحاسب على جلائل النعم وصغائرها. وأمام هذا الحشد الهائل من تعدد الآراء اختارَ الرازى أن يكون المراد به جميع ما أنعم الله به على الناس. قال: " والأولى عندى أنه يجب حمله على جميع النعم. وأن تكون الألف واللام فيه للاستغراق". وخصه الزمخشري بنعيم المترف الذي عكف نفسه على استيفاء اللذات. ولم يعش إلا ليأكل ويشرب ويقطع أوقاته باللهو والطرب. . فأما من تمتع بنعم الله وأرزاقه التي لم يخلقها إلا لعباده وتقوى بها على دراسة العلم. والقيام بالعمل. وكان ناهضاً بالشكر. فهو عن ذاك بمعزل.

стр. 286

والطبرى يخصه كذلك بنعيم الدنيا قال: " ثم ليسألنكم الله عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا ماذا عملتم فيه؟ ومن أين وصلتم إليه؟ وفيم أصبتموه "؟. وأنا مع مَن يحمل المراد بالنعيم في آية التكاثر على نعيم الآخرة. جرياً مع العُرف القرآني في استعمال هذه الكلمة على المنهج الذي شرحناه. ولكن ما معنى السؤال - حينئذ - عن نعيم الآخرة؟ الذي يبدو وجيهاً في هذا السؤال " أنه سؤال توبيخ وحسرة ". فقد كان مطلع السورة: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) . ناعياً على هؤلاء حظهم من الحياة الباقية. حيث شغلوا أنفسهم بالدنيَا ورأوا فيها كل متع الحياة. ولم يفيقوا من ضلالهم حتى أنزلهم الموت قبورهم بعد أن ضيعوا على أنفسهم كل مسعى ناجح. وحين يرى هؤلاء ما أعده الله لعباده الطائعين من نعيم مقيم. يسألهم الله عن النعيم الحق. ما هو؟ أهو ما يرونه أمامهم من جنات تجرى من تحتها الأنهار. وحور عين. وولدان مخلدين. فيها ما تشتهيه الأنفس وتقر به الأعين. أم هو ما كانوا يحظون به في الحياة الدنيا من نعمة زائلة. وعرض هالك. . أى النوعين أحرى أن يسمى نعيماً. * مغزى السؤال: وهذا السؤال يحقق غرضين: أولهما: بيان خطأ مسعاهم وضلال ما كانوا به يتمسكون.

стр. 287

وثانيهما: إدخال الحسرة عليهم حين يرون هذا النعيم الخالد وهم منه محرومون. وليس هذا التوجيه بقريب عن منهج القرآن. أعنى: سؤال الكفار للتقرير والتوييخ فقد ورد في مواضع عدة مما سيكون يوم القيامة. قال سبحانه: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) ؟. وقال موبخاً ومقرراً: (هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) ؟. * * * والمرأة. . ليست زوجاً: ومثل هذه الكلمات كلمة " امرأة " فإن القرآن يستعملها في المواضع التى تفقد فيها الحياة الزوجية بعض مقوِّماتها. سواء أكان ذلك من جانب الرجل. أو من جانب المرأة، ويؤثر كلمة " الزوج " متى استقامت تلك الحياة. وكذلك إذا انفصمت عرى الزوجية بموت وما أشبه الموت. ولنذكر النصوص الواردة في ذلك: قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) . وقال: (وَإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَوِ امْرَأُةٌ) .

стр. 288

وقال: (وَإن امْرَأة خَافَتْ من بَعْلهَا نُشُوزاً أوْ إعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَليْهِمَا) . وقال: (وَقَالَ نسْوَة في المدينَة امْرَأتُ العَزيز تُرَاودُ فَتَاهَا عَن نفْسِه) . وقاَل: (قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) . وقال: (إنًى وَجَدت امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ وَأوتِيَتْ مِن كُلً شَىْء) . وقال: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) . وقال: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) . وقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) . وقال: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلذِينَ آمَنُواْ امْرَأتَ فرْعَوْنَ) . وقال: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ) . وقال: (إنَّا مُنَجوكَ وَأهْلكَ إلا امْرَأتَكَ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ) . وقال: (فَأنجَيْنَاهُ وَأهْلهُ إلا امْرَأتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ) . وقال: (وَامْرَأتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناهَا بِإِسْحَاقَ) .

стр. 289

وقال: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) . وقال: (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) . وقال: (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) . وقال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) . وقال: (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) . وقال: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) . وقال: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) . وقال: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا) . وقال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) . وقال: (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ) . * * * * استعمال كلمة " المرأة ": هذه مواضع استعمال هذه الكلمة في القرآن الكريم. وقد سبق لنا القول بأن القرآن يؤثر استعمالها إذا فقدت الحياة الزوجية بعض مقوَماتها. أو مقوماتها كلها. وهذه الآيات يمكن تصنيفها من حيث الأساس الذي بيناه إلى المجموعات الآتية: الأولى: أن يُفرق الموت بين الزوجين كما في آية " امرأة عمران " لأن قولها: (إنى نَذَرْتُ لكَ مَا فِى بَطنِى مُحَرراً) كان بعد موت زوجها عمران.

стр. 290

الثانية: ألا يكون للمرأة زوج أصلاً. كما في قصة بلقيس وبنتي شعيب وذلك واضح. الثالثة: أن يكون العُقم هو الملاحَظ في الحديث. كما في امرأة العزيز وامرأة زكريا ﵇. الرابعة: أن يكون الاختلاف في الدين هو السبب الداعي إلى عدم اعتبار الحياة الزوجية قائمة من كل الوجوه كامرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون. الخامسة: أن تكون الخلافات الزوجية هي السبب وهي في قوله تعالى: (وَإنِ امْرَأةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً) . السادسة: أن يكون الحديث عنها ليس باعتبارها زوجة لأحد، بل باعتبار حقيقتها المقابلة لحقيقة الرجل. مثل: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) . السابعة: أن يكون الزوجان ممن يحادون الله ورسوله. فكأن القرآن - هنا - يعتبر الروابط الزوجية غير قائمة بينهما. وذلك في قوله تعالى: (وَامْرَأتُهُ حَمَّالةَ الحَطبِ) . * * * * شُبهة وردها: هذه طريقة القرآن في استعمال كلمة " امرأة ". . لكن الباحث قد يعثر فى آيات الكتاب على استعمال كلمة " زوج " مكان " امرأة ". مع وجود ما يهدد الروابط الزوجية أو يفيد عدم قيامها مثل قوله تعالى: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) . ومثل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) .

стр. 291

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) . فيقع في الظن أن كلمة " امرأة " لا تُستعمل إلا في المواضع التي يعترى الزوجية فيها خلاف أو سبب مما ذكرناه. أما " زوج " فتستعمل في الموضعين جميعاً. والذي أراه أن هذا الاحتمال مدفوع لإمكان توجيه النصوص المخالفة على وجوه تطرد بها القاعدة. ففى نصح الرسول ﵇ لزيد حين دَبَّ الخلاف بينه ويين زينب كَرِهَ الرسول ذلك الخلاف واعتبره كأن لم يكن ونصحه بالتمسك بها. وما دمنا قد عرفنا طريقة القرآن في استعمال كلمة " امرأة " فإنه لا يسوغ فيه أن يقال: " أمسك عليك امرأتك " لما بين هاتين الكلمتين: " أمسك " و " امرأة " من جفاء. وأما قوله تعالى: (وَيَذَرُون أزْواجاً) فذلك في مقام " الجمع " وحديثنا فى مقام الإفراد وإنما أوثر جمع " زوج " على جمع " امرأة " لأن الثانية " امرأة " لم يستعمل لها جمع لثقله. وبهذا تطرد القاعدةِ، وتأكيداً لهذه الاعتبارات نسوق قوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) . والشاهد أن امرأة زكريا حين أصبحت صالحة للإنجاب آثر القرآن أن يطلق عليها " زوجه " دون " امرأته " وكانت " امرأة " إذ كانت " عاقراً ". * *

стр. 292

* استعمال كلمة " زوج ": ولعل السر البياني في كل أؤلئك أن ضَنَّ القرآن بكلمة " زوج " فى المقامات التي يسود فيها الحياة الزوجية ما يجعلها قليلة الإثمار لأن هذه الكلمة نفسها تدل على " الزوجية " لأنها ما سميت زوجاً إلا مضافاً إليها الرجل وما سمى الرجل زوجاً إلا مضافة إليه هي. ودبيب الخلاف ينافى هذا الاعتبار. أما "امرأة " فهى خالية من تلك الدلالة إذ هي إطلاق عليها باعتبار حقيقتها المقابلة لحقيقة الرجل. * * * ٤ - النغم القرآني: تقدم الحديث عن هذه الخاصة متفرقاً في ثنايا الموضوعات السابقة ولا سيما فى بحث الفواصل. وما نذكره الآن وصف عام لأسلوب القرآن الكريم. من حيث موسيقاه ونغمه الصوتى. وهي خاصة فريدة لم يُشركه فيها غيره على الإطلاق. وهذه الخاصة أتاحت قراءة القرآن مرتلاً مجوداً. * دعائم النغم القرآني: وقد ساعد على روعة النغم القرآني - أو الإيقاع الصوتى لألفاظه - عوامل أهمها: أولاً: فواتح سوره مثل: (الَم) ومثل: (يَا أيُّهَا الناسُ) ومثل: (حم) ومثل: (سُبْحَانَ الَّذِي أسْرَى بعَبْدِهِ) . ثانياً: فواصل الآيات. مثل: (يَعْلمُونَ) ومثل: (يُؤمنُونَ) ، (عَصِيَاً) ومثل: (نَجِيَاً) ومثل: (مُنْبَثا) و (ثَلَاثَة) .

стр. 293

ثالثاً: أدب تلاوته من مد وإدغام وغن وقلقلة ووصل ووقف وإظهار وإخفاء وتفخيم وترقيق. . . إلخ. رابعاً: بناء جمله بناءً موسيقياً شجياً من تقابل بين الكلمات، وتساوٍ بينها فى الحروف. مثل: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) . فبين كل كلمة وأخرى تقابل موسيقى في عدد الكلمات والحروف والحركات. خامساً: والعبارات تتألف من جُمل ليست مرسلة تماماً، ولا مسجوعة تماماً. إذ ليس في آخرها قرائن ولا تخلو من التقسيم الذي يشبه جُمل السجع. وهذا البناء الفريد لكلمات وجُمل القرآن وفقره وسوره، جعله يمتاز بخاصة سما بها فوق النثر الفنى. والكلام المنظوم. فليس هو بواحد منهما: ليس شعراً لأنه ليس على مناهج الشعر من بحور وتفاعيل وعلل وزحاف. وليس نثرا مما اعتاد الناس حذقه لأنه يباين طرقهم في التعبير وأخذهم في فنون القول. والنثر وإن اشترك معه في بعض الظاهر كالسجع والإرسال فإنه دونه بمراحل. * * "أثر هذه الخصائص في التسمية: وهذه الخصائص جعلت الدكتور طه حسين يعد القرآن، نمطاً ثالثا فوق الشعر وفوق النثر. فهو " قرآن ". فإطلاق هذه اللفظة عليه: " قرآن " كاف في تحديده عما سواه. وتمييزه من فنون القول الأخرى. وهذا نصه: " إن القرآن ليس نثراً، كما إنه ليس شِعراً.

стр. 294

إنما هو قرآن ولا يمكن أن يسمى بغير هذا الاسم. ليس شِعراً، وهذا واضح فهو لم يتقيد بقيود الشعر، وليس نثراً لأنه مقيد بقيود خاصة به. لا توجد في غيره * وهي القيود التي يتصل بعضها بأواخر الآيات وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة. فهو ليس شعراً ولا نثراً. ولكنه: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) . وأجدنى ميالاً لهذا المذهب الذي يراه الدكتور طه حسين. ويمكن أن نسجل - هنا - فارقاً آخر بين النثر والقرآن. * فرق جديد بين القرآن وغيره: الأدب - عموماً - متأثر بظروف البيئة السياسية والاجتماعية والفكرية التى قيل فيها. وعاش صاحبه أحداثها. ولذلك فأنت ترى لأدب كل عصر خصائصه ومميزاته. وإذا عرف الباحث خصائص أدب كل عصر، استطاع أن يرجع كل ما يقع تحت بصره من نصوص مجهولة القائل والعصر إلى عصرها. أما القرآن الكريم فإنه - بمادته وفكره، وألفاظه وأسلوبه - لا يمثل عصراً من عصور الأدب تأثر بها. واقتبس منها. ودار في فلكها. بل هو سام فى كل عصر بما له من خصائص وسمات. ويختص القرآن الكريم بأن له إيقاعاً صوتياً فريداً سواء المرسل منه والمسجوع، وقد يدق الوزن - أحياناً - حتى يشبه الشعر، وما هو بشِعر، فى بعض أعاريضه وأضربه وفي بحوره المعروفة. * *

стр. 295

* مجيئه على تفاعيل الشعر في الظاهر: ومن ذلك: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ) . . فقد جاءت هذه الآية على نظام بحر الرمل وتفاعيلهَ: َ فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن. . . فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فإذا جاز لنا أن نُقطع الآية تقطيعاً عروضياً. وجدنا تفاعيلها على النحو الآتى: فعلاتن فاعلاتن. . . فعلاتن فاعلاتن فهى - إذن - على غرار مجزوء الرمل، لحذف إحدى تفاعيله من كل شطر. كما نرى أن التفعيلة الأولى حُذِفَ منها الحرف الثاني الساكن. ويسمى هذا " خبناً "، ونلاحظ أن التفعيلة الأولى فيما أشبه الشطرين تساوتا في الحذف الذي سُمِىَ خبناً في عُرف العروضيين أما التفعيلتان الباقيتان فقد سلمتا من جميع ما أطلقوا عليه زحافا أو عِللا. وبهذا قابلت " جفان ": " قدور " من حيث الوحدات الصوتية فيهما. وقابلت " كالجواب ": " راسيات " فيها كذلك. ومن ذلك أيضاً: (وَمَن تَزكى فَإنما يَتَزكى لنَفْسه) . . فقد جاء على مجزوء الخفيف. وتفاعيله كاملاً: ً فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن. . . فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن أما مجزوؤه فيصبح: فاعلاتن مستفع لن. . . فاعلاتن مستفع لن

стр. 296

هذا باعتبار سلامته من الزحافات والعلل، وتفاعيل الآية كالآتى: فاعلاتن متفع لن. . . فعلاتن متفع لن ومنه أيضاً قوله تعالى: (وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) فقد وزنوه على بحر الوافر. وتفاعيله: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. . . مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن فقد تساوت فيه التفعليتان الثانية والثالثة في الجزء الأول مع نظيرتيهما فى الجزء الثاني. واختلفت الأولى في الجزء الأول مع الأولى في الجزء الثاني حيث جاءت الثانية سليمة من الحذف والإسكان واعترى الأولى بعض ذلك. كما وزنوا قوله سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) . ونسبوه إلى بحر المتقارب. وقوله تعالى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لمَا تُوعَدُونَ) وقالوا: إنه على غرار بحر السريع. ومما أشبه الشعر أيضاً قوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) . وبدهى أن موافقة هذه الآيات لبعض أوزان الشعر لا تُسوَغَ إطلاق كلمة الشعر عليه ولا المواضع التي جاء الشبه فيها. لأن الشعر لا بدَّ من قصد الوزن فيه والقافية والقرآن فوق ذلك. * * *

стр. 297

* النغم القرآني عند المحدَثين: وقد سطر المرحوم محمد عبد الله دراز في كتابه " النبأ العظيم " فقرات جد رائعة في هذا المجال من الخير أن نجتزئ ما تيسر منها: قال: " دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله نازلاً بنفسه على هوى القرآن وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه. ثم انتبذ منه مكاناً قصياً " لا تسمع فيه جرس حروفه ولكن تسمع حركاتها وسكناتها. ومداتها وغناتها. واتصالاتها وسكناتها. ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية. وقد جُردت تجريداً. وأرسلت ساذجة في الهواء. فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لوجود هذا التجويد ". وقال: " لا عجب إذن أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن في خيال العرب أنه شِعر لأنها وجدت في توقيعه هزة لا تجد شيئاً منها إلا في الشعر. ولا عجب أن ترجع إلى نفسها فتقول: ما هو بشِعر، لأنه - كما قال الوليد - ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده. . ثم لا عجب أن تجعل مرد هذه الحيرة أخيراً إلى أنه ضرب من السحر لأنه جمع بين طرفى الإطلاق والتقييد في حد وسط. فكان لها من النثر جلالته وروعته. ومن الشعر جماله ورونقه ". هذا كلام حق، ووصف دقيق يمسه كل عاقل متأمل في كتاب الله. وقد أثار الكاتب في الجزء الأخير الذي نقلناه عنه قضية لها خطورتها في مجال بحثنا هذا. * مطاعنهم في القرآن. . مبعثها الإعجاب: وهى أن العرب الذين لم يستجيبوا لدعوة الإسلام. وعارضوا الدعوة وصاحبها ﵇ حين تلمسوا وجوه الطعن في القرآن الكريم لم يخرجوا

стр. 298

عن كونه أساطير الأولين. . . أو سحراً يؤثر. أو رِئياً من الجن، أو هو شِعر. وقالوا مرة: إنما يُعلِّمُه بَشر. ْوهذه النسب - كما زعموا - إنما صاروا إليها لأنهم وجدوا في القرآن عِزة وغرابة فقالوا: إنه سحر أو أساطير الأولين. والسحر - كما هو معروف - يُنسب إليه ما لا تجرى به العادة فدلت هذه النسبة على أنهم كانوا يرون أنفسهم دونه. أما الغرابة التي أحسوها فيه فهى تتمثل في نسبته إلى أساطير الأولين. والأسطورة ذات دلالة غنية من أجلها تتناقلها الأجيال. وما زال العُرف يطلق كلمة أسطورة على كل غريب خارق، أما نسبته إلى الجن فهم كانوا يعتقدون أن للإجادة في فن القول شيطاناً ملهماً. وهذا يفسر لنا - أيضاً - إحساسهم القوى بسمو القرآن وبلوغه حداً في الإعجاز جفَّت دونه الأقلام. وحتى عندما سؤلت لهم أنفسهم أن ينسبوا تعليمه ﵇ إلى بَشر . . نسبوه إلى مَن هو خارج عن بيئتهم، بدليل رد القرآن عليهم: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) . * * * لماذا سموه شِعرا: إنهم حين نسبوه إلى فن من فنونهم لم يتجاوزوا به حد الشعر. فلم يقولوا إنه خطب ولا نثر مسجوع كسجع الكهان. لم يقولوا شيئاً من ذَلك. وإنما قالوا هو شِعر. والعِلَّة واضحة هي ما لمسوه فيه من إيقاع موسيقى شجى. ونغم صوتى ساحر يحسونه ويتذوقونه ويسجدون إعجاباً به بينهم وبين أنفسهم وإن عاندوا وكابروا ظاهراً.

стр. 299

وللشعر في دولتهم دولة. وفي حياتهم حياة. وهذه النسبة - كذلك - ترينا - أحبوا أم كرهوا - ما للقرآن عندهم وفي قرارة أنفسهم من منزلة صغروا أمامها. ونبأت طعونهم عنها من حيث لا يشعرون. والخلاصة. . . أن قريشاً حين أرادت أن تنفى عن القرآن كونه وحياً من عند الله لم تنسبه إلا إلى ما تدين له أنفسهم بالولاء لأنه فوق الطاقة بعزته وغرابته. وما من شأنه أن يستولى على شعور الناس ويأسر ألبابهم. * * * خاصتان بارزتان: فى القرآن خاصتان صوتيتان بارزتان. هما: الإطلاق والتقييد، أو الإرسال من القيود والتسجيع. في القرآن إرسال. وفيه سجع. ولا يتنافى هذا مع جلال القرآن وإعجازه. لأن إطلاقه فريد لم يأت إلا فيه. وسجعه - كذلك - فريد لم يحظ بشرفه غيره. هما مخالفان لا يتناوله الناس من قول. القرآن يلتزم حرف السجع في أكثر من موضعين متجاورين. وهو أدنى حد للسجع وقد يأتى بالسورة كلها مسجوعة على حرف واحد خذ - مثلاً - سورة القمر، تجد أنها مسجوعة على حرف الراء من أول آية فيها حتى آخر آية: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) . . إلخ.

стр. 300

وقد جاءت في سورة " عبس " عشر آيات مسجوعة على حرف واحد هو " الألف " كما لازم حرف السجع فيها قصر الآيات وجزالة الألفاظ. لأن المقام مقام عتاب وتوجيه. * * *. * النغم في الآيات القصار: وتزداد ظاهرة الإيقاع الصوتى في القرآن وضوحاً إذا قصرت الآيات وكان السجع ملحوظاً في فواصلها. وقد تفصل جمل السجع بجملة غير مسجوعة. أو جمل. ويلحظ ألباحث - أحياناً - في الجملة غير المسجوعة التي توسطت جملاً مسجوعة معنى خاصاً أبرزها في ذلك المظهر الفريد بين أخوات لها وأشباه. ولننظر في النص الآتى من سورة عبس: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) . فى هذا النص الحكيم جاءت كلمة " طعامه " فاصلة بين مجموعتين من الآيات. الأولى مسجوعة على حرف واحد هو الهاء. والأخرى مسجوعة على الألف.

стр. 301

وحرف السجع في النوعين قد يلتزم معه حرف آخر يزيد به الإيقاع وضوحاً. والنظر في النص كان لإدراك هذا الملحظ. كذلك فإن كلمات السجع قد تتساوى في الوزن من حيث عدد الحروف والحركات والسكنات، ولعل السر في الفصل بين هاتين المجموعتين المسجوعتين بالفاصلة " طعامه " مع آيتها لأن هذه الآية رأس موضوع جديد وإجمال مشوق أعقبه تفصيل حكيم: (فَليَنظرِ الإنسَانُ إلى طعَامِهِ) ؟ هذه إثارة وتهيئة للشعور حتى يخلو من كل شاغل يلهيه عن تقرير واستيعاب شرح هذه الفكرة. * مراحل إعداد الطعام: وقد صدرت هذه الإثارة بلام الأمر ولفت الأنظار لفتاً قوياً إلى الطعام الذى هو عند الإنسان قوام حياته وضسان أمنه وعدة مستقبله. فهذا التباين في المعنى حمل - والله أعلم - على التباين في اللفظ. ثم جاءت الآيات تترى واحدة إثر أخرى تبين مراحل إعداد الطعام. بادئة بالمرحلة الأم: (أَنا صبَبْنَا الماءَ صَباً) والتعبير ب " الصب " موح بكثرة الماء النازل من السماء لتحيا به الأرض وتنبت من كل زوج بهيج. ثم ثنت بالمرحلة الثانية: (ثُم شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقَاً) والتعبير بحرف العطف " ثم " دون غيره من حروف العطف صنع حكيم؛ لأن انشقاق الأرض بالنبات لا يكون عقب صب الماء مباشرة بل هناك زمن فاصل بين المرحلتين فجاءت " ثم " لإفادة الترتيب مع التراخى اللازم. ثم كانت المرحل الثالثة: (فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَباً) وبين هذه المراحل الثلاث ترتيب في الوجود كما رتبت في الأسلوب.

стр. 302

ولما كان إنبات الحَب وما أشبه يُرى إثر انشقاق الأرض لأنها لا تنشق إلا به، وكان الفاصل بينهما دقيقاً إلى درجة التلازم في الوجود جاء حرف العطف " الفاء " المفيد للتعقيب مع الترتيب. وبهذا تنتهى مراحل إعداد الطعام الثلاث. ولما كان العطف فيما بقى ليس عطف مرحلة على مرحلة. وإنما عطف جزء من المرحلة - الأخيرة - على جزء آخر منها. وهذه الأجزاء لا يتصور فيها سابق ولا لاحق بل قد تنبت متصاحبة أو متفرقة دون أن يكون لتفرقها في الإنبات دور وعظي تؤديه. لهذه الاعتبارات كلها كان حرف العطف " الواو " إذ هى أليق بالمقام لأنها لا تفيد ترتيباً ولا تعقيباً ولا تراخياً. بل هي - كما هو معلوم - لمجرد العطف. وفي تقديم الحَب على النِعَم المذكورة معه. وجعله أصلاً صالحاً للعطف عليه سر دقيق. ذلك لأن الحَب يُصنع منه الخبز وهو أهم ما يعتمد عليه الإنسان فى حياته وحفظها. أما الأخرى فهى نعم - وإن كان لها دور كبير في حياة الإنسان - فإنها دونه. وكما خولف في فاصلة رأس الموضوع: (فَليَنظر الإنسَانُ إلى طعَامه) خولف - كذلك - في نهايته: (متَاعاً لكُمْ وَلأنْعَامَكُمْ) . * * * مشاهد مطوية: وانتهت مراحل إعداد الطعام عند هذا الحد. ولم يدخل فيها جمع الزرع وحصده. . . ودرسه وتذريته ثم طحنه وخبزه. وهذه خطوات سابقة ضرورة لانتفاع الإنسان بما يطعم. لكن القرآن طوى ذكرها ولم يتعرض لها. والسر: أن هذه الخطوات إنما يقوم بها الإنسان نفسه. وليست من مراحل التكوين بل هي مراحل ثانوية مختصة بتهيئة " الذوات " بعد تكوينها

стр. 303

وإيجادها وغرضها إدخال صفات عليها تجعلها قابلة للانتفاع بها فهى مراحلها النهائية. وبعد هذا البيان الراشد. نجد أنفسنا أمام رأس موضوع آخر. وإجمال أعقبه تفصيل كذلك. * * "مشهد أخروى مثير: (فَإذَا جَاءَت الصَّاخةُ) وقد صنع بفاصلته كما صنع بفاصلة رأس الموضوع السابق. فجَاءت مخالفة لما سبق وما لحق. ثم سلك القرآن في تفصيله وبيانه. مثل ما سلك فهى تفصيل وييان رأس الموضوع السابق. آيات كاشفة ذات وزن متحد - تقريباً - وفواصل متحدة موزونة زنة واحدة كذلك. وقد جاء هذا التفصيل في مجموعتين من الآيات. كل منهما تُصور جانباً خاصاً. المجموعة الأولى: تتحدث عما ينتاب الناس - جميعاً - من أهوال تزول تحت وطأتها الروابط الوثيقة التي كانت بينهم في الحياة الدنيا. والمجموعة الثانية: تتحدث عن صفات الفريقين التي سيصير إليها الناس. حسب ما قدموه من أعمال: صالحين، وطالحين. وقد اختصت كل من المجموعتين بفاصلة خاصة. الأولى كانت فاصلتها " هاء المفرد الغائب " تالية لحرف مد " الياء " وهي: " أخيه - أبيه - بنيه - يغنيه ". والثانية جاءت فاصلتها " التاء المربوطة " تالية للراء المفتوحة. وهي: "مسفرة - مستبشرة - غبرة - قترة - الكفرة".

стр. 304

فانظر لهذه السياسة الحكيمة في بناء الأسلوب. والملاءمة التامة بين ألفاظه ومعانيه وتوزيع الحركات والسكنات على نهج فريد، " يُدرَك بالذوق والحس. ولا تحده الرسوم ولا الضوابط ". * * * * هندسة الجمل: وقد تكون الجملتان المسجوعتان متوازنتين في القصر، كما فىِ مطلع سورة " التكويرِ ": (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) . وكما في مطلع سورة " الواقعة ": (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) . وقد يكون التوازن بينهما في الطول، ومرسلتان في ما عدا الفواصل. وهما فى إرسالهما مخالفتان لرسل الناس لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة فى آخرها. ومن هذا النوع أغلب آى القرآن الكريم. * * * ثلاث فواصل متحدة: ومنه مثلاً قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦) .

стр. 305

هذه ثلاث آيات اتحدت فواصلها فجاءت كلمة واحدة: (رَبِّ العَالمينَ) ومع هذا التكرار في الفاصلة لم تحس في التعبير إلا جمالاً وجدة خرجَ معها التكرار مخرج الجودة والحسن. نعم. . الفاصلة متحدة لفظاً ومعنى في المواضع الثلاثة. ولكن ما قبل الفاصلة مختلف من موضع إلى آخر. ففى الآية الأولى جاءت: (رَبِّ العَالمينَ) بدلاً، أو صفة لاسم الجلالة. وهى على كلا الاحتمالين مرفوعة الصدر. وفي الموضع الثاني جاءت مجرورة علمِهما أيضاً، وكذلك في الموضع الثالث. هذا من حيث ضبطها في اللفظ. وأما من حيث تعلقها مع ما جاءت بدلاً منه أوصفة له. ففيه سر آسر. فى الأولى: (فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالمِينَ) . وفي الثانية: (الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ) . وفي الثالثة: (وَأُمْرِتُ أُنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العَالمِينَ) . والمتأمل يجد بين المواضع الثلاثة تسلسلاً مرتباً ترتيب المسبب على السبب فالتبارك مستوجب للحمد ومَن تحقق له هذان الغرضان وشعر بعظمة الله وفضائله وحمده عليها وجب أن يسلم له ويخضع لإرادته. وهذا التغاير فى المعنى هو موطن السر في خفة روح التكرار فيه وخلابة أثره لفظاً ومعنى. وهذه الجدة في المواضع الثلاثة وقفت أمام كثير من الأهواء الزائفة التي تتخذ من صور التكرار في القرآن وجوهاً للطعن فيه. ونحن نعلم أن التكرار غير المفصول بين مواضعه بفاصل طويل. يعد عيباً من عيوب القافية. وقد سماه العروضيون " الإيطاء "، لكن هذا العيب لا مفهوم له هنا على رغم ما هو وجيه هناك. لأن التصرف في الشكل إذا تطلبه المعنى كان بعيداً عن كل نقد.

стр. 306

وقد جاء هذا التكرار في الفاصلة في سورة البقرة في ثلاث آيات متتابعة هى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) . وإن كان لا بدَّ من كلمة - هنا - فإننا نلاحظ: أولاً: أن (يَعْلمُونَ) في الآية الأولى واقعة في حيِّز النفى من حيث الظاهر وإلا فالمقام مقام إثبات إذ هم يعلمون. وإنما شبَّه حالهم لكونهم قد صدر منهم فعل لا يصدر إلا ممن لا يعدم - وهو نبذهم كتاب الله وراء ظهورهم - بحال مَن لا يعلم وفي الواقع هم عالمون. فنزل علمهم حيث لم ينتفعوا به منزلة الجهل. ثانياً: أن الآية الثانية قد طالت بحيث لا يظهر مع طولها تكرار الفاصلة مع ما قبلها - هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن لفظ " العلم " قد تكرر فيها مرات. لكنه يتردد بين المدوح والمذموم كتعلم السحر. ثم ذكر لفظ، " العلم "

стр. 307

قبل الفاصلة ليمهد للحكم عليهم فقال: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) . وكون الفاصلة هنا - كذلك - مسلك اقتضته البلاغة، ودعا إليه المعنى توبيخاً لهم وإظهاراً لحقارة ما تعلموه من فن السحر والأباطيل. وجاءت الفاصلة في الآية الثالثة مماثلة للثانية تماماً: (لوْ كَانُواْ يَعْلمُونَ) لأن الآية الثالثة تأكيد لما جاء في عجز الثانية. لذلك اتحدتا في الفاصلة. وهذا - كما سبق - أمر اقتضاه المعنى في المواضع الثلاثة. وهذا شرط حسنها والحرص على الإتيان بها متماثلة. * * * * مغزى الفاصلة معنوي أولاً: قال الزمخشري في كشافه القديم: " إنه لا تحسن المحافظة على الفواصل لمجردها إلا مع بقاء المعاني على سدادها على المنهج الذي يقتضيه حسن النظم والتئامه - كما لا يحسن تخير اللفظ المونق في السمع، السلس على اللسان إلا مع مجيئه منقاداً للمعاني الصحيحة المنتظمة. فأما أن تهمل المعاني ويهتم بتحسين اللفظ وحده. غير منظور فيه إلى مؤداه على بال. فليس من البلاغة فى فتيل أو نقير. ومع ذلك يكون قوله: (وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) . وقوله: (وَمما رَزَقْنَاهُمْ يُنفقُونَ) لا يتأتى فيه ترك التناسب في العطف بين الجمل الفعَلية إيثاراً للفاصَلة لأن ذلك أمر لفظي لا طائل تحته. إنما هذا إلى قصد الاختصاص ". * * *

стр. 308

* شمس الدين ابن الحنفى، والفواصل القرآنية: ولما كانت الفواصل تؤدى دوراً مهماً في الإيقاع الصوتى في القرآن الكريم. إلى جانب دورها المهم في تأكيد المعاني وإيضاحه فقد سلك بها مسلك خاص. وقد جمع شمس الدين ابن الحنفى أربعين ملحظاً لغوياً روعيت من أجل المعنى. وكانت أنسب من حيث النغم الصوتى في رءوس الآي.، ونحن نوجز ما ذكره مع تعليق لنا عليه: ١ - تقديم المعمول. إما على العامل نحو: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) . أو على معمول آخر أصله التقديم نحو: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكُبْرَى) . . والأصل عنده: " لنريك الكبرى من آياتنا " هذا ما يُفهم من كلامه. وإما على الفاعل نحو: (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) وكذلك تقديم خبر كان على اسمها نحو: (وَلمْ يَكُن لَهُ كفُواً أَحَدٌ) . ٢ - تقديم ما هو متأخر في الزمان نحو: (فَلِلهِ الآخِرَةُ وَالأْولى) . ٣ - تقديم الفاضل على الأفضل نحو: (بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) . ٤ - تقديم الضمير على ما يفسره نحو: (فَأَوْجَسَ فِى نَفْسه خيفَةً مُوسَى) . ٥ - تقديم الصفة الجملة على الصفة المفردة نحو: (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) .

стр. 309

٦ - حذف ياء المنقوص: (الكَبِيرُ المتَعَالِ) و (يَوْمَ التنَادِ) . ٧ - حذف ياء الفعل غير المجزوم نحو: (والليْلِ إذا يَسْرِ) . ٨ - حذف ياء الإضافة نحو: (فَكَيْفَ كَانَ عَذابِي وَنُذُرِ) . ٩ - زيادة حرف المد، مثل: (الظُنُونَا) و (السبيلَا) و (الرسوَلا) قال: ومنه إبقاؤه مع الجازم نحو: (لَا تخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى) و (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى) على القول بأنه نهى. ١٠ - صرف ما لا ينصرف نحو: (قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ) . ١١ - إيثار تذكير اسم الجنس كقوله: (أَعْجَازُ نَخْل منقَعِرٍ) . ١٢ - إيثار تأنيثه نحو: (أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَة) . ١٣ - الاقتصار على أحد الوجهين الجائزين اللذين قرئ بهما في السبع فى غير ذلك نحو: (فَأُوْلئكَ تَحَرواْ رَشَداً) قال: " ولم يجئ رشداً فى السبع "، وكذا: (وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) لأن الفواصل في السورتين محركة الوسط " يقصد أن فتح " الشين والراء " في هذين الموضعين لم يجمع عليهما القراء السبعة وقد جاء خلاف ذلك في غير هذين الموضعين نحو: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ بضم الراء وسكون الشين.

стр. 310

قال: ونظير ذلك قراءه: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) بفتح الهاء وسكونها، ولم يقرأ: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) إلا بالفتح لمراعاة الفاصلة. ١٤ - إيراد الجملة التي رد بها ما قبلها على غير وجه المطابقة في الاسمية والفعلية نحو: (وَمنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنا بالله وَيِاليَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) لم يطاَبق فيقولَ: " لم يؤمنوا " لذلكَ. ١٥ - إيراد أحد القسمين غير مطابق للآخر كذلك. نحو: (فَليَعْلمَن اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَليْعَلمن الكَاذبِينَ) لم يقل: " كذبوا ". ١٦ - إيراد أحد جزئ الجملتين على غير الوجه الذي أورد عليه نظيرها من الجملة الأخرى نحو: (أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَئِكَ هُمُ المتقُونَ) . ١٧ - إيثار أغرب اللفظين نحو: (تلكَ إذاً قِسْمَة ضيَزى) ، ونحو: (ليُنَبَذَن في الحُطمَةِ) بدل: " جنهم ". وقالَ في المدثر: (سأصْليهِ سَقَرَ) ، وفي سأل: (إنهَا لظى) ، وفي القارعة: (فَأمُهُ هًاوِيَة) لمراعاة الفواصل في كل سورة. ١٨ - اختصاص كل من المشتركين بموضع نحو: (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) . وفي طه: (إن فِى ذَلكَ لآيَات لأولِى النُّهَى) . ١٩ - حذف المعقول نعو: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) ، (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .

стр. 311

ومنه حذف متعلق أفعل التفضيل: (يَعْلمُ السر وَأخْفَى) و (خَيْرٌ وَأَبْقَى) . ٢٠ - الاستغناء بالإفراد عن التثنية نحو: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) ٢١ - الاستغناء به عن الجمع. نحو: (واجْعَلنَا للمُتقينَ إمَاماً) . ونحو: (إن المتقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) لمَ يقلَ: " أئمة "، ولا "أنهار" كما ورد في غير هذين الموضعين. ٢٢ - الاستغناء بالتثنية عن الإفراد نحو: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فثنى لأجل الفاصلة، ومثله: (إذ انبَعَثَ أشْقَاهَا) فإنهما رجلان. ولم يقل: " أشقياها " للفاصلة. ٢٣ - الاستغناء بالتثنية عن الجمع نحو قوله: (ذَواتَا أفْنَانٍ) . ٢٣ - الاستغناء بالجمع عن الإفراد نحو: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ) أى: ولا خلة، فجمع للفاصلة ٢٥ - إجراء غير العاقل مجرى العاقل: (كُل في فَلك يَسْبَحُونَ) و (رَأيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ) ٢٦ - إمالة ما لا يمال كآي طه والنجم. ٢٧ - الإتيان بصيغة المبالغة نحو: " قدير " و " عليم " مع ترك ذلك فى بعض المواضع. ومنه: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) .

стр. 312

٢٨ - إيثار بعض أوصاف المبالغة على بعض. نحو: (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) . ٢٩ - الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه. نحو: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) . ٣٠ - إيقاع الظاهر موقع الضمير. نحو: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) َ ٣١ - وقوع مفعول موقع فاعل. نحو: (حِجَاباً مسْتُوراً) أي ساتر. ٣٢ - وقوع فاعل موقع مفعول. نحو: (فَهُوَ في عيشَة راضيَة) ، وقوله: (خُلِقَ مِن ماء دافِقٍ) . ٣٣ - الفصل بين الصفة والموصوف. نحو: (فَجَعَلهُ غُثَاءً أحْوَى) . إن أعرب " أحوى " صفة للمرعى أي حالاً. ٣٤ - إيقاع حرف مكان غيره. نحو: (بَأن رَبَّكَ أوْحَى لهَا) أى إليها. ٣٥ - تأخير الوصف الأبلغ. ومنه: (الرَّحْمَنِ الرحِيم) . وفي هذا الموضع قصور في التعبير. لأن الأولى أن يقول: تأخير الوصف الأبلغ عما هو دونه. ٣٦ - حذف الفاعل ونيابة المفعول. نحو: (وَمَا لأحَد عندَهُ مِن نِّعْمَةً تُجْزَى) .

стр. 313

٣٧ - إثبات هاء السكت. نحو: (هَلكَ عَنًى سُلطانيَهْ) . ٣٨ - الجمع ببن المجرورات. نحو: (ثُمَّ لَاْ تَجدُوا لكُمْ عَلَيْنَا به تَبِيعاً) قال: " فإن الأحسن الفصل بينها إلا أن الفاصَلة اقتضت عدمه وَتَأخير تبيعا. ٣٩ - العدول عن صيغة المضى إلى الاستقبال: (فَفَريقاً كَذبْتُمْ وَفَريقاً تَقْتُلونَ) . ٤٠ - تغيير صيغة الكلمة. نحو: (وَطور سينينَ) والأصل: سيناء * * * وقفة ناقدة: الحقيقة التي يجب التسليم بها - ولا بديل لذلك أبداً - أن تحقيق الانسجام الصوتى في القرآن الكريم قد اختص بمثل هذه العوامل. على أن هذه الحقيقة يجب أن تُشفع بحقيقة أخرى. مؤداها: أن هذه التسهيلات لم تكن لرعاية اللفظ على جانب المعنى وإلا ما كنا نرى في آى القرآن مواضع كثيرة - وكثيرة جداً - تركت تلك الرعاية اللفظية وخولف بين الفواصل فيها مع إمكان مجيئها على نسق واحد. فهذه التسهيلات إنما أوفت بحق المعنى كما أوفت بحق اللفظ ولا شك في أن ما كان شأنه كذلك كان بالجودة والحسن أولى. ولنذكر لذلك مثلاً: قال تعالى في سورة الإسراء: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) . جاءت هذه الآية في سياق فاصلتها الراء المسبوَقة بحرف مد. والحجاب يكون ساتراً لا مستوراً، فكان أن يقال: " ساتراً ".

стр. 314

وهذا أغرى صاحب الملاحظات أن يقول: إن وقوع مفعول مكان فاعل إنما جاء من أجل الرعاية اللفظية. وهذا وهْمٌ. وإنما الداعي إلى ذلك هو المبالغة في قوة المعنى. وأن الحجاب الذي جُعِلَ بين الكافرين وبين الرسول ﷺ وما يتلوه من آيات بينات. لعدم انتفاعهم بها وشدة نفورهم عنها. كاد يكون لقوة ستره مستوراً. أي أن أثره تعدى موضعه حتى شمل الحجاب نفسه ففى التعبير تخييل على حد قول الشاعر: وَمَا أنَا وَحْدِى قُلتُ ذا الشِعْرَ كلهُ. . . وَلكِنْ لِشِعْرِى فِيكَ مِن نَفْسِهِ آياتُ شِعْرِ ففى العبارة مجاز عقلي. وكذلك يقال في قوله تعالى: (فَهُوَ فِى عِيشَةٍ راضِيَةٍ) مما أطلق عليه: إيقاع فاعل موقع مفعول. وقد ذهب - كذلك إلى أن إجراء غير العاقل مجرى العاقل من أجل رعاية الفاصلة. والواقع يخالفه. لأن العِلَّة في إجرائه هذا الجرى أن أسند إليه من الأعمال ما لا يصدر إلا عن العاقل، وواضح أن السجود والسبح من أعمال العاقلين. ذلك هو السبب. وليس رعاية الفاصلة وحدها كما زعم. والتعبير بهذا الأسلوب فيه تحقيق للمعنى وتقوية. فالسجود المصادر من الشمس والقمر والكواكب مماثل لما يصدر ممن هو أهل له في الفهم والإدراك. والسبح المصادر منهما مماثل لسباحة السباحين الماهرين في السهولة والانبساط والانتظام حيث لا اضطراب فيه. ولا اختلال في سيره. وهذه ظاهرة أسلوبية في القرآن لم تقف عند ما ذكره. فقد جاء فيه عن الأرض والسماء: (قَالتَا أتَيْنَا طائِعِينَ) وغير ذلك كثير.

стр. 315

على أن بعض المواضع التي ذكرها تبدو عليها سمة الضعف. إذ لا دليل له فيما ذكره من حذف الياء لأجل الفاصلة مستشهداً بقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) إذن فماذا يصنع بقوله: (ذَلكَ مَا كُنا نَبْغِ) ، وقوله: (مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهتَدِي) وليسا بَرأسيي آية؟ ومثلها في الضعف ما ذكره من تقديم هارون على موسى. وقد ناقشنا هذا فى البحث السابق. بما لا حاجة إلى ذكره هنا. وكذلك ما ذكره دليلا على الفصل بين الصفة والموصوف: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) . حيث جوز أن يكون " أحوى " صفة للمرعى ليسلم له الدليل وما الداعي لذلك؟ ولماذا لا يكون " أحوى " صفة "غثاء"؟ """ " توجيه ابن أبى الإصبع لوضع مماثل: والذي يجب التنبيه عليه هنا - أيضاً - أن القرآن الكريم يُرى - أحياناً - قد سلك مسلكاً يبدو مخالفاً للعرف اللغوي والنحوى حسبما هو مشهور عند العلماء. لكن كل موضع حدث فيه ذلك يتضح من البحث العميق فيه ألا مجافاة ولا مخالفة لغوية ولا نحوية وإنما هو أسلوب محكم قد بدت فيه اللغة فى أسمى ما تكون. ونسوق مثالاً على ذلك: قال الله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) .

стр. 316

قال ابن أبى الإصبع في توجيه هذه الآية: " فإن على ظاهر هذه الآية إشكالين: أحدهما من جهة الإعراب. والآخر من جهة المعنى. فأما الذي من جهة الإعراب فعطف ما ليس بمجزوم على المجزوم، والذي من جهة المعنى أن صدر الآية يغنى عن فاصلتها لأن توليهم عند القاتلة دليل على الخذلان. . . والخذلان والنصر لا يجتمعان ". " والجواب أن الله أخبر المؤمنين بأن عدوهم هذا إن قاتلهم انهزم. ثم أراد - وهو أعلم - تكميل القوة بإخبارهم أنه مع توليه الآن لا يُنصر أبداً في الاستقبال. فهو مخذول أبداً ما قاتلهم. فيثق المؤمنون بنصر الله تعالى لهم على هذا العدو. ويتيقنوا أنه متى قاتلهم كان مخذولاً. فيقدموا على لقائه كلما أرادوا ذلك بثبات قلوب، وقوة نفوس. لا يتوقفون في لقائه ولا يخشون مغبة قتاله. ولو وقع الاقتصار على دون الفاصلة لم يوف الكلام بهذا المعنى. لأنه لا يعطى: (وَإن يُقَاتِلوكُمْ يُوَلُوكُمُ الأدبارَ) أنهم متى قاتلوهم كان الأمر ذلك. . . ولا علم سبحانه - وهو أعلم - أن الاقتصار على ما دون الفاصلة لا يُفهم منه دوام هذه البشارة إلى آخر الأبد. والمقصود دوامها قال: (ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) . ومنع الفعل الجزم. وإن عطف على مجزوم ليبقى المعنى الذي وضعت له صيغة المضارع من الدلالة على الحال والاستقبال. فيُعلم أنه أراد - وهو أعلم - أنهم لا يُنصرون في الحال. ولا في الاستقبال. ونوى من الفعل الاستئناف لا العطف على ما تقدم فيُقدر أنه قال: " ثم هم لا يُنصرون ". . وأحسن ما وقع في هذا النظم اختيار لفظة " ثم " دون سائر حروف العطف لا تدل عليه من التراخى والمهلة الملائمة لما قصد من الاستقبال فاتضح المعنى وارتفع الإشكال. وتضمنت هذه اللفظات السبع: ستة عشر ضرباً من البديع: " التعليق، والمطابقة المعنوية، والاحتراس، والتكميل، والتنكيت، والمقارنة، والإيضاح، والإدماج، والترشيح، والإيغال، والإيجاز، والافتنان،

стр. 317

وحسن النسق، والتهذيب، وحسن البيان، والمثل السائر ". وأعجب ما وقع فيها أن حرفاً واحداً منها وقع فيه - على انفراده - ثمانية أضرب. والحرف لفظة " ثم " وقع فيها الاحتراس والتنكيت والمقارنة والإيضاح. والإدماج والتكميل. وحسن النسق والترشيح. توجد هذه الضروب بوجودها وتعدم بعدمها. وبيان هذا أنَّا لو قدَّرنا موضعها " الواو " لسقط ذلك كله. وقد فات هذا الموضع ابن الصائغ ولو وقف عليه لسماه: " عطف المرفوع على المجزوم "، كما فات صاحب " البرهان " الذي راح يردد ما قاله متفقاً ومخالفاً. * * * * التكرار: يقع التكرار في القرآن الكريم على وجوه: ١ - مرة يكون المكرر أداة تؤدى وظيفة في الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين. ٢ - وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها. ٣ - فاصلة تكرر في سورة واحدة على نمط واحد. ٤ - قصة تتكرر في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة وعرض الفكرة. ٥ - بعض الأوامر والنواهي والإرشادات والنصح مما يقرر حكماً شرعياً أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب في خير أو ينفر من شر.

стр. 318

وتكرار القرآن في جميع هذه المواضع التي ذكرناها، والتي لم نذكرها، مما يُلحظ عليها سمة التكرار. في هذا كله يباين التكرار القرآني ما يقع في غيره من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفاً للنقد والطعن. لأن التكرار رخصة في الأسلوب - إذا صح هذا التعبير - والرخص يجب أن تؤتى في حذر ويقظة. * * * وظيفة التكرار في القرآن: مع هذه المزالق كلها جاء التكرار في القرآن الكريم محكماً. وقد ورد فيه كثيراً - فليس فيه موضع قد أخذ عليه - بله دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات فهم له أعداء - وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه - مع سلامته من المآخذ والعيوب - يؤدى وظيفتين: أولاهما: من الناحية الدينية. ثانيتهما: من الناحية الأدبية. فالناحية الدينية - باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع - لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبين. أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعاني وإبرازها في معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذي أثبتناه في صدر هذا البحث. "في تكرار الأداة: ومن أمثاتها قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) .

стр. 319

وقوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) . والظاهر من النظر في الآيتين تكرار " إن " فيهما. وهذا الظاهر يقتضي الاكتفاء بـ " إنٌ " الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو في الموضعين - أعنى الخبر - " لغفور رحيم " لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت " إن " مرة أخرى. ولهذه المخالفة سبب. وهذا السبب هو طول الفصل بين " إن " الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله " إن " وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد. على أن هناك وظيفة أخرى هي: لو أن قارئاً تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما " إن " ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلب وضعف في الأولى، وتناسق وقوة في الثانية. ومن أجل هذا الطول كررت في قول الشاعر: وَإن امرأ طالتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ. . . عَلى مِثْلِ هَذا إنهُ لكَرِيمُ يقول ابن الأثير رائياً هذا الرأي: ". . . فإذا وردت " إنْ " وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة " إن " أحسن في حكم البلاغة والفصاحة كالذي تقدم من الآيات ". * *

стр. 320

* تكرار الكلمة مع أختها: ومن أمثلتها قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) فقد تكررت " هم " مرتين، الأولى مبتدأ خبرها: " الأخسرون ". والثانية ضمير فصل جيء به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهي: هم الأولى بالأخسرية. وكذلك قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) . تكررت - هنا - " أولئك " ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسناً وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكماً عاماً على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال في أعناقهم. والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذي لا يعقبه خروج منها. ولو أسقطت (أُؤلئكَ) من الموضعين الثاني والثالث لرك المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على: (الأغْلَالُ في أُعْنَاقِهِمْ) واو حال. وتصبح الواو الداخلة على: (أصْحَابُ النارِ هُمْ فَيهَا خَالِدُونَ) عاطفة عطفاً يرك معه المعنى. لذلك حسن موضع التكرار في الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة في المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم. * * * تكرار الفاصلة: سبق أن ذكرنا في مبحث الفواصل صوراً من تكرار الفاصلة مرتين بدءاً وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار في تلك الصور. ولكنا - هنا
следующие страницы →