قال ابن أبى الإصبع في توجيه هذه الآية: " فإن على ظاهر هذه الآية
إشكالين: أحدهما من جهة الإعراب. والآخر من جهة المعنى.
فأما الذي من جهة الإعراب فعطف ما ليس بمجزوم على المجزوم، والذي من جهة المعنى أن صدر الآية يغنى عن فاصلتها لأن توليهم عند القاتلة دليل على الخذلان. . .
والخذلان والنصر لا يجتمعان ".
" والجواب أن الله أخبر المؤمنين بأن عدوهم هذا إن قاتلهم
انهزم. ثم أراد - وهو أعلم - تكميل القوة بإخبارهم أنه مع توليه الآن لا يُنصر أبداً في الاستقبال. فهو مخذول أبداً ما قاتلهم. فيثق المؤمنون بنصر الله
تعالى لهم على هذا العدو. ويتيقنوا أنه متى قاتلهم كان مخذولاً. فيقدموا
على لقائه كلما أرادوا ذلك بثبات قلوب، وقوة نفوس. لا يتوقفون في لقائه
ولا يخشون مغبة قتاله. ولو وقع الاقتصار على دون الفاصلة لم يوف الكلام
بهذا المعنى. لأنه لا يعطى: (وَإن يُقَاتِلوكُمْ يُوَلُوكُمُ الأدبارَ) أنهم
متى قاتلوهم كان الأمر ذلك. . . ولا علم سبحانه - وهو أعلم - أن الاقتصار على ما دون الفاصلة لا يُفهم منه دوام هذه البشارة إلى آخر الأبد. والمقصود دوامها قال: (ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) . ومنع الفعل الجزم. وإن عطف على مجزوم ليبقى المعنى الذي وضعت له صيغة المضارع من الدلالة على الحال والاستقبال.
فيُعلم أنه أراد - وهو أعلم - أنهم لا يُنصرون في الحال. ولا في الاستقبال.
ونوى من الفعل الاستئناف لا العطف على ما تقدم فيُقدر أنه قال: " ثم هم
لا يُنصرون ". .
وأحسن ما وقع في هذا النظم اختيار لفظة " ثم " دون سائر حروف العطف لا
تدل عليه من التراخى والمهلة الملائمة لما قصد من الاستقبال فاتضح المعنى
وارتفع الإشكال.
وتضمنت هذه اللفظات السبع: ستة عشر ضرباً من البديع:
" التعليق، والمطابقة المعنوية، والاحتراس، والتكميل، والتنكيت، والمقارنة، والإيضاح، والإدماج، والترشيح، والإيغال، والإيجاز، والافتنان،
стр. 317
وحسن النسق، والتهذيب، وحسن البيان، والمثل السائر ".
وأعجب ما وقع فيها أن حرفاً واحداً منها وقع فيه - على انفراده - ثمانية أضرب. والحرف لفظة " ثم "
وقع فيها الاحتراس والتنكيت والمقارنة والإيضاح. والإدماج والتكميل.
وحسن النسق والترشيح. توجد هذه الضروب بوجودها وتعدم بعدمها. وبيان هذا أنَّا لو قدَّرنا موضعها " الواو " لسقط ذلك كله.
وقد فات هذا الموضع ابن الصائغ ولو وقف عليه لسماه: " عطف المرفوع
على المجزوم "، كما فات صاحب " البرهان " الذي راح يردد ما قاله متفقاً
ومخالفاً.
* * *
* التكرار:
يقع التكرار في القرآن الكريم على وجوه:
١ - مرة يكون المكرر أداة تؤدى وظيفة في الجملة بعد أن تستوفى ركنيها
الأساسيين.
٢ - وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول
عليه بدونها.
٣ - فاصلة تكرر في سورة واحدة على نمط واحد.
٤ - قصة تتكرر في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة وعرض
الفكرة.
٥ - بعض الأوامر والنواهي والإرشادات والنصح مما يقرر حكماً شرعياً
أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب في خير أو ينفر من شر.
стр. 318
وتكرار القرآن في جميع هذه المواضع التي ذكرناها، والتي لم نذكرها، مما
يُلحظ عليها سمة التكرار. في هذا كله يباين التكرار القرآني ما يقع في غيره
من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفاً للنقد والطعن.
لأن التكرار رخصة في الأسلوب
- إذا صح هذا التعبير - والرخص يجب أن تؤتى في حذر ويقظة.
* *
* وظيفة التكرار في القرآن:
مع هذه المزالق كلها جاء التكرار في القرآن الكريم محكماً.
وقد ورد فيه كثيراً - فليس فيه موضع قد أخذ عليه - بله دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات فهم له أعداء - وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه - مع سلامته من المآخذ والعيوب - يؤدى وظيفتين:
أولاهما: من الناحية الدينية.
ثانيتهما: من الناحية الأدبية.
فالناحية الدينية - باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع - لا يخلو
منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر
وتوكيده وإظهار العناية به ليكون في السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.
أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى
جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعاني وإبرازها في معرض الوضوح والبيان.
وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذي أثبتناه في صدر هذا البحث.
"في تكرار الأداة:
ومن أمثاتها قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) .
стр. 319
وقوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .
والظاهر من النظر في الآيتين تكرار " إن " فيهما.
وهذا الظاهر يقتضي الاكتفاء بـ " إنٌ " الأولى. ولم يطلب إلا خبرها.
وهو في الموضعين - أعنى الخبر - " لغفور رحيم "
لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت " إن " مرة أخرى.
ولهذه المخالفة سبب.
وهذا السبب هو طول الفصل بين " إن " الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر
بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله " إن " وهو التوكيد.
لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.
على أن هناك وظيفة أخرى هي: لو أن قارئاً تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر
فيهما " إن " ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلب
وضعف في الأولى، وتناسق وقوة في الثانية.
ومن أجل هذا الطول كررت في قول الشاعر:
وَإن امرأ طالتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ. . . عَلى مِثْلِ هَذا إنهُ لكَرِيمُ
يقول ابن الأثير رائياً هذا الرأي: ". . . فإذا وردت " إنْ " وكان بين اسمها
وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة " إن " أحسن في حكم البلاغة
والفصاحة كالذي تقدم من الآيات ".
* *
стр. 320
* تكرار الكلمة مع أختها:
ومن أمثلتها قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)
فقد تكررت " هم " مرتين، الأولى مبتدأ خبرها: " الأخسرون ".
والثانية ضمير فصل جيء به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهي: هم الأولى بالأخسرية.
وكذلك قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥) .
تكررت - هنا - " أولئك " ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع
ما جاورها إلا حسناً وروعة.
فالأولى والثانية: تسجلان حكماً عاماً على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال في أعناقهم.
والثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه
الخلود الذي لا يعقبه خروج منها.
ولو أسقطت (أُؤلئكَ) من الموضعين الثاني والثالث لرك المعنى واضطرب.
فتصبح الواو الداخلة على: (الأغْلَالُ في أُعْنَاقِهِمْ) واو حال.
وتصبح الواو الداخلة على: (أصْحَابُ النارِ هُمْ فَيهَا خَالِدُونَ) عاطفة عطفاً يرك معه المعنى.
لذلك حسن موضع التكرار في الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته.
وتأكيد النسبة في المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم.
* *
* تكرار الفاصلة:
سبق أن ذكرنا في مبحث الفواصل صوراً من تكرار الفاصلة مرتين بدءاً
وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار في تلك الصور.
ولكنا - هنا
стр. 321
- أمام فاصلة لم تقف في تكرارها عند حد المرات الثلاث. بل تعدت ذلك
بكثير. لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هي بهذا الموضع أنسب. .
ونعتمد في دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هي: " الرحمن - القمر
- المرسلات "، وهي السور التي برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية. بشكل لم يبد في غيرها، كما ورد فيها.
فقد تكررت: (فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في " الرحمن ".
وتكررت (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابىَ وَنُذُرِ) في " القمر ". وتكررت:
(وَيْل يَوْمئِذ للمُكَذبِينَ) في " المرسلات ".
* تكرار الفاصلة في " القمر ":
ولهذا التكرار في المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات.
ففى سورة " القمر " نجد العبارة المكررة وهي: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُر)
قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أولَ موضع ذكِرت فيه عقب قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح ﵇ ثم انتصار الله لنوح عليهم.
حيث سلط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله.
ونجد أن الله نجَّى نوحاً وتابعيه. ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار.
ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فَكَيْفَ
كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) مُصدراً باسم الاستفهام " كيف " للتعجيب مما كان،
ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) ؟.
стр. 322
والموضع الثاني لذكرها حين قصَّ علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر ربها.
وفي " عاد " هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءاً ونهاية.
قال تعالى:
(كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) ؟.
وتكرار العبارة - هكذا - في البداية والنهاية مخرج لها مخرج الاهتمام.
مع ملاحظة أن أحداث القصة - هنا - صُورت في عبارات قصيرة ولكنها
محكمة وافية. . ولم يسلك هذا المسلك في قصة نوح - أعنى قصر العبارات - والسبب - فيما يبدو لى - أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق في الماء. وهي وسيلة كثيراً ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه. .
أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والفكر.
ولعل مما يقوى رأينا هذا. أن هذه القصة - قصة عاد - وردت في موضع
آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضع من حيث الفكرة، ويختلف معه - قليلاً - من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.
جاء في الحاقة: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) ؟.
فإرسال الريح - هكذا - سبع ليال وثمانية أيام حسوماً مدعاة للعظة
والاعتبار.
ومثله: (وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) .
стр. 323
(فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) .
فقد بطرت " عاد " نعَم ربها عليها. وغرها ما هي فيه من أسباب التمكين
فى الأرض وقوة البطش أن تبارز ربها ومولى نعمها بالمعاصي، فأهلكها الله
بما لا قِبَل لها به. وفي كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء تأتى عباراته
قوية هادرة واعظة زاجرة. .
جاء في موضع آخر: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) .
وكانت عاقبتها خسراً وهلاكاً مع مَن طغى في الأرض بغير الحق: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤) .
أما الموضع الأخير الذىَ ذكِرت فيه هذه العبارة: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى
وَنُذُرِ) فحين قصَّ الله علينا قصة " ثمود "، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة
لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها:
(فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) .
ومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار.
فليست إحدى العبارات فى موضع بمغنية عن أختها في الموضع الآخر.
إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين: الدينية والأدبية.
стр. 324
من الناحية الدينية حيث تحمل المؤمنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة
من هذه القصص، ومن الناحية الأدبية لأن العبارة: (فَكَيْفَ كانَ عَذَابِى
وَنُذُرِ) تأتى عقب كل قصة - أيضاً - لافتة أنظار المشاهدين إلى " كنه "
النهاية وختام أحداث القصة.
وقد مهَّد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهى
كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف " الراء " مع التزام تحريك ما قبلها.
وذلك هو نهج فواصل السورة كلها. وقد أشاع هذا النسق الشاجى نوعاً من الموسيقى الصاخبة العنيفة التي تتلاءم مع جو الإنذار أيما تناسب.
والسورة فوق كل هذا مكية النزول والموضوع.
كما أن الطابع القصصى هو السائد في هذه السورة. فبعد أن صوَّر القرآن
الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة. وبيَّن ضلال مسلكهم. وقد كان الرسول ﵇ حريصاً على هدايتهم في وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضاً عنه. لهذا اقتضى الموقف العام سوق عِبَر الماضين - ليكون في ذلك تسلية للرسول ﵇ ومن اتبعه وزجر لمن عارضه وصَدَّ عنه.
وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التريية - خاصة تربية الأمم -
تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذي لمسناه في سورتنا هذه.
حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.
* تكرار آخر في " القمر ":
وفي هذه السورة " القمر " مظهر آخر من مظاهر التكرار، هو قوله تعالى:
(وَلقَدْ يَسَّرْنَا القُرآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ) ؟ حيث ورد في السورة
أربع مرات، وهذه دعوة صَالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.
стр. 325
وقد اشتملت هذه الآية: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)
على خبر واستفهام، والخبر تمهيد للاستفهام الذي فيها وإغراء عليه.
* *
* التكرار في " الرحمن ":
أما التكرار الوارد في " الرحمن " في قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) حيث ذكر فيها إحدى وثلاثين مرة فله أسبابه كَذلك.
وَيمكن أن نسجل هذه الملاحظات. .
أولاً: أن هذا التكرار الوارد في سورة " الرحمن " هو أكثر صور التكرار
الوارد في القرآن على الإطلاق.
ثانياً: أنه - أي التكرار في هذا الموضع - قد مُهَّدَ له تمهيداً رائعاً.
حيث جاء بعد اثنتي عشرة آية متحدة الفواصل.
وقد تكررت في هذا التمهيد كلمة " الميزان " ثلاث مرات متتابعة دونما نبو أو ملل:
(وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) .
وهذا التمهيد قد أشاع - كذلك - لحناً موسيقياً عذباً كان بمثابة مقدمة
طبيعية لتلاؤم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجوماً
لأن القرآن قد راعى في فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية
المكررة.
ثالثاً: أن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعَم على الثَقَلين:
الإنس والجن، وبعد كل نعمة أو نعَم يعددها الله تأتى هذه الَعبارة:
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) .
стр. 326
وعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم عِلَّة التكرار الذي حفلت به سورة الرحمن
أنه تذكير وتقرير لنعمه. وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها
" فتكرار الفاصلة في الرحمن. . يفيد تعداد النِعَم والفصل بين كل نعمة
وأخرى لأن الله سبحانه عدد في السورة نعماءه وذكر عباده بآلائه.
ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها.
وجعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف موضع
ما أسداه إليهم منها. ثم فيها إلى ذلك معنى - التبكيت والتقريع والتوبيخ -
لأن تعداد النِعَم والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادى
النعَم عليه من الناس بتعديدها.
ولقائل أن يسأل: إن هذه الفاصلة قد تكررت بعد ما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد. فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات:
(يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) .
(يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) . ً
(هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥) .
وظاهر هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنِعَم؟
والجواب: ولكن المتأمل يدرك أن في الإنذار والوعيد وبيان مآل الضالين
عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.
стр. 327
ومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعَم، لأن النعمة
نوعان: إيصال الخير. ثم دفع الشر. والسورة اشتملت عَلى كلا النوعين.
فلذلك كررت الفاصلة.
* *
* التكرار في " المرسلات ":
بقى التكرار الوارد في سورة المرسلات. وقد صُنِعَ فيه ما صُنع في نظيريه
فى " القمر " و " الرحمن " من التقديم له بتمهيد. . وله - مثلهما - هدف
عام اقتضاه.
بَيْدَ أن التمهيد يختلف عما سبق في " القمر " و " الرحمن ". فقد رأينا
فيهما اتحاد الفاصلة في الحروف الأخيرة مع التزام نهج معيَّن فيما قبله.
أما هنا فإن الأمر يختلف.
فقد اشتمل التمهيد على مجموعتين من الآيات أولاهما لها فاصلة تختلف عن
ثانيتهما وهي: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) .
وختمت هذه المجموعة بقفلة هي سر الجمال كله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) .
ما قبلها مُقْسَم به. وهي جواب القَسَم.
والمقْسَم به متعدد كأجزاء الشرط إذا بدئت بها السور. وهي - كما تقدم - خصائص تعبيرية آسرة.
وبجواب القَسَم تنتهى هذه المجموعة - ثم تبدأ المجموعة الثانية وهي:
(فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) .
стр. 328
وهذه المجموعة تتكون من:
أولاً: شرط يتكرر أربع مرات محذوف الجواب. وكله حديث عن أهوال
القيامة ومقدمات البعث.
ثانيا -: استفهام يعتبر مدخلاً لحقيقة هامة تقودنا إلى الهدف المنشود.
وهو التوصل إلى مصير المكذبين يوم الدين.
ثالثاً: جواب هذا الاستفهام الذي اشتمل على كلمة: " يوم الفصل "
وكانت هذه الكلمة الشعاع الذي قادنا إلى الساحة الكبرى: ساحة القضاء
العادل والقصاص الحكيم:
(لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) .
فانظر إلى هذا التمهيد الحكيم الذي مهَّد القرآن به لهذه العبارة.
حتى لكأنها هي المقصودة.
ثم تكررت هذه الآية: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) عشر مرات بعد هذه المرة
وهى في كل مواضعها تتلو مشهداً من مشَاهد القياَمة.
وصورة من صور الحشر. أو مشاهد القُدرة الإلهية.
*
* سبب عام:
أما السبب العام الذي اقتضى هذا التكرار فإن الآية أعقبت ما من شأنه أن
يكون أكبر داع من دواعى الإيمان والتصديق. بحيث يكون الخارج عن هذا
السلوك والمكذب به صائراً - لا محالة - إلى الويل، والعذاب الأليم.
فويل للمكذبين بيوم الفصل. وويل للمكذبين بهلاك المجرمين. . وويل
للمكذبين بقُدرة الله وتقديره أرزاق الخلق. وعلى هذا المنهج يمضى التكرار فى السورة كلها.
* * *
стр. 329
* التكرار في القصة:
أما تكرار القصة في القرآن فذلك سمته الغالبة على معظم قصصه.
إذ لم يأت فيه غير مكرر إلا القليل مثل قصة يوسف ﵇.
وللعلماء توجيه فى سردها مرة واحدة دون تكرار، أهم ما في هذا التوجيه أن حرص الإسلام على صيانة الأعراض كان سبباً في ذلك لأن في قصة يوسف محاولة إغراء على جريمة خُلقية. لذلك فرغ القرآن من سوقها للعظة والاعتبار مرة واحدة.
والقصص القرآني في جملته مسوق لغرضين أساسيين:
أولاً: تسلية الرسول ﵇ وتثبيت فؤاده. وأنه لم يكن بدعاً من الرسل خولفوا مثل مخالفته. وحق على المخالفين العذاب.
ونصر الله رسله وجنده.
ثانياً: تهديد وزجر المخالفين. وييان لمصير أمثالهم. علهم يرتدعون
ويقلعون عن غيهم.
ودواعى هذين الغرضين متكررة مرات ومرات. فالرسول ﵇ لم يكف عن الدعوة إلى الإسلام. والكفار لم يكفوا عن الإعراض والمخالفة. فإذا اعتبرنا أن مجموع هذين الأمرين هما الحال المقتضية لإيراد القصة في القرآن.
فإن تكرارهما يستدعى تكرار مقتضى الحال. وهو تكرار القصص مقدراً فى
كل قصة على عدة مناسبات دقيقة لمقام الحديث.
فتكرار القصة القرآنية في أكثر من موضع ظاهرة فنية ودعامة تربوية.
كان لا بدَّ أن تكون. .
ومع هذا المقتضى فإن تكرار القصة في القرآن لم يكن على نمط واحد.
أعنى أن هناك فروقاً بين مواضع تكرارها. ولم تكرر فيه قصة واحدة على وجه واحد فى الصياغة أو الفكرة - أو فيهما معاً.
فهناك اختلاف في الصياغة، وهناك اختلاف في الطول والقصر.
واختلاف فى الأحداث التي تتناولها. وطريقة عرض تلك الأحداث.
стр. 330
وهى بهذا - جديدة متجددة دائماً - لا مدعاة للسآمة والملل - كما يزعم
المغرضون - بل فيها روح وطرافة.
كذلك فإن المعاني التي تتحدث عنها القصة القرآنية لم تكن لمجرد التهديد
أو التسلية.
ولكنها حقائق يُراد إثباتها لتؤدى دورها في كل عصر، متى توافرت
دواعيها.
والتكرار كما يقول جوستاف لوبون: " يُحولَ المكرر إلى معتقد ".
ولذلك كان التكرار وسيلة من أهم وسائل التربية والتثقيف.
* *
* دواعي التكرار في القصة:
يقول صاحب " البرهان " موجهاً لتكرار القصة في القرآن: " إن عادة
العرب في خطابتها إذا اهتمت بشيء - أرادت تحقيقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء إليه. كررته توكيداً وكأنها تقيم تكراره مقام المقسَم عليه أو الاجتهاد فى الدعاء بحيث تقصد الدعاء. والقرآن نزل بلسانهم فكانت مخاطباته فيما بين بعضهم وبعض. وبهذا المسلك تستحكم الحُجة عليهم في عجزهم عن المعارضة ".
ويمضى الزركشي بعد هذا موضحاً لظاهرة التكرار في القرآن. ويسوق أدلة
من القرآن نفسه لبيان صحة ما يقول هو عنه. بَيْدَ أنه لم يأت بمثال واحد يحلل فيه التكرار في الأسلوب القرآني وإن لم يفته أهم غرض فيه وهو إفادته التقرير
стр. 331
والتوكيد قال: " وفائدته العظمى التقرير وقد قيل: إن الكلام إذا تكرر
تقرر".
وهناك شيء هام غفل عنه الزركشي. إذ لا يكفى أن يكون مجرد التوافق فى
أسلوب القرآن وأسلوب العرب من حيث إن في كل منهما تكراراً، لا يكفى أن يكون هذا سبباً في الحكم على التكرار يالجودة، فنحن لسنا في موضع يُراد فيه إثبات مشروعية التكرار، وإنما في موضع يبحث عن مزايا وخصائص التعبير القرآني، ومنها التكرار.
ويرى الزمخشري رأياً يقرب من رأى الزركشي لكنه أعمق فهماً منه.
قال: " إن في التكرير تقريراً للمعاني في الأنفس. وتثبيتاً لها في الصدور.
ألا ترى أنه لا طريق إلى تحفظ العلوم إلا ترديد ما يرام تحفظه منها.
وكلما زاد ترديده كان أمكن له في القلوب، وأرسخ له في الفهم، وأثبت للذكر، وأبعد من النسيان ".
وهنا لا بدَّ أن نقرر حقيقة هامة. هي: أن الإشادة بجمال التكرار في القرآن
لم يقتصر على العلماء العرب. بل إن كثيراً من المستشرقين قد شهدوا بذلك
منهم " جرونيبادم " - كما نقل عنه عبد الكريم الخطيب في كتاب " الإعجاز
القرآني " (جـ ١: ص ٣٨٥) - ومع هذا الحق الذي يشهد به الأصدقاء
والأعداء فإننا نستنطق القرآن نفسه. وهو خير وأعدل، ولنأخذ لهذا كله -
مثلاً - قصة آدم ﵇. وقد كُرِرت في سبع سور سبع مرات.
* *
دراسة تحليلية لقصة آدم
* نصوص القصة في القرآن الكربم:
٩ - البقرة من الآية ٣٠ إلى الآية ٣٨:
ثانياً - في المدينة: البقرة.
ومن هذا نعلم: أن أول سورة تتحدث عن قصة آدم ﵇. هي سورة " ص "، وأنها مكية النزول، وأن نصيب العهد المكي من قصة آدم ﵇ كان وفيراً. حيث وردت في ست سور. بدأت بسورة
" ص "، واختتمت ب " الكهف "، وأن الكهف كانت خاتمة المطاف بالنسبة للعهد المكي.
أما العهد المدنى فلم ترد فيه القصة إلا في سورة واحدة. هي سورة البقرة.
وأن سورة البقرة هذه أول ما نزل بالمدينة بعد الهجرة الشريفة.
ولهذا فإننا سنحلل عناصر هذه القصة في كل موضع وردت فيه.
حسب هذا الترتيب النزولي.
* عناصر القصة في سورة " ص ":
١ - إخبار الله الملائكة بخلقه بَشراً من طين.
٢ - أمر الله الملائكة بالسجود لهذا البَشر. إذا سواه ونفخ فيه من روحه،
ثم امتثال الملائكة هذا الأمر.
٣ - إخبار الله تعالى بمخالفة إبليس وإبائه السجود وصيرورته من الكافرين.
٤ - سؤال الله - وهو أعلم - إبليس عن سبب مخالفته وامتناعه عن السجود.
٥ - اعتذار إبليس عن مخالفته أمر ربه بالسجود لآدم. وحجته التي استند
عليها.
٦ - طرد الله إبليس من الجنة وإحقاق لعنته عليه إلى يوم الدين.
٧ - طلب إبليس من ربه أن ينظره إلى يوم البعث.
٨ - استجابة الله له، وجعله من المنظرين.
стр. 337
٩ - عناد إبليس وإعلانه - مقسماً - أن يغوى الناس أجمعين. إلا عباد الله
المخلصين.
١٠ - توعد الله إبليس ليملأن جهنم منه ومن أتباعه.
*
. عناصر القصة في " الأعراف ":
١ - الإخبار بأمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم. وامتثالهم هذا الأمر.
٢ - مخالفة إبليس.
٣ - سؤال الله - وهو أعلم - إبليس عن مخالفته.
٤ - إعتذار إبليس من مخالفته أمر ربه. وحُجته التي استند عليها.
٥ - أمر الله إبليس بالهبوط من الجنة منكراً عليه أن يتكبر فيها. وتكرار
الأمر بالخروج وزمه.
٦ - طلب إبليس من الله أن ينظره إلى يوم البعث.
٧ - استجابة الله له.
٨ - عناد إبليس وإعلانه الترصد للناس لإغوائهم وإيتاؤه إياهم من كل مدخل ينزلون فيه. -
٩ - تكرار الأمر له بالخروج مع ذمِّه وتوعده بأن يملأ الله جهنم منه ومن كل
من يتبعه.
١٠ - أمر الله آدم أن يسكن الجنة هو وزوجه ويتمتعا بكل نعيم فيها إلا
شجرة واحدة عيَّنها لهما. وحرَّمها عليهما. فإن أكلا منها صارا ظالمين.
١١ - وسوسة الشيطان لهما. وغرضه منها. وأسلوب خداعه لهما.
стр. 338
١٢ - ذوقهما الشجرة المحرمة. وظهور سوءاتهما. ومحاولتهما سترها
بورق الجنة.
١٣ - نداء الله وتذكيره لهما بنصائحه.
١٤ - ندمهما على ما فعلا. واستغفارهما الله.
١٥ - أمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض مع تحقق العداوة بينهم.
واستقرارهم فى الأرض. . والاستمتاع بها إلى حين معلوم.
١٦ - إخبار الله لهم بما سيكون عليه حالهم في الأرض: حياة، فموت،
فبعث.
*
* عناصر القصة في " طه ":
١ - مدخل القصة.
٢ - إخبار الله بأمره الملائكة بالسجود لآدم. وامتثالهم الأمر.
٣ - مخالفة إبليس أمر ربه.
٤ - نصح الله لآدم وتحذيره له من الشيطان.
٥ - بيان النِعَم التي سيُنعم بها آدم وزوجه في الجنة.
٦ - وسوسة الشيطان له. وأسلوب خداعه.
٧ - أكلهما من الشجرة المحرمة. وظهور سوءاتهما.
ومحاولتهما سترها بورق الجنة.
٨ - حكم الله على مسلك آدم حيث خالف هو وزوجه أمر الله وأطاعا إغراء الشيطان لهما.
٩ - اجتباء الله آدم. وتوبته عليه. وهدايته له.
стр. 339
١٠ - أمر الله لهم بالهبوط وترقب هُداه، فمَن اتبع هُداه فهو في هدى
وسعادة، ومَن أعرض عن هدى الله شقي في الدنيا. وساء مصيره في الآخرة.
*
* عناصر القصة في " الإسراء ":
١ - إخبار الله بأمره الملائكة بالسجود لآدم. وامتثالهم الأمر.
٢ - مقولة إبليس ومحاجته ربه. مبرراً لماذا لم يسجد لآدم؟
٣ - عناده وإعلانه لو أُخِّرَ إلى يوم القيامة ليُضِلن ذُرية مَن كرَّم اللهُ عليه -
يقصد آدم - إلا قليلاً منهم.
٤ - إمداد الله لإبليس في الغواية والإغواء متوعداً له ولمن تبعه بإدخالهم
النار.
٥ - بيان أن وعد الشيطان أولياءه ما هو إلا غرور.
٦ - عصمة الله عباده - الأحقاء - من غواية إبليس - وسلبه كله سلطان
عليهم. فهم في مأمن منه.
*
* عناصر القصة في " الحِجْر ":
١ - مدخل القصة.
٢ - إخبار الله الملائكة أنه خالق بَشراً من صلصال من حمإ مسنون.
٣ - أمره الملائكة بالسجود له إذا سواه. وامتثالهم هذا الأمر.
٤ - مخالفة إبليس أمر ربه.
٥ - سؤال الله - وهو أعلم - إبليس عن سبب مخالفته أمره بالسجود لآدم
﵇.
стр. 340
٦ - اعتذار إبليس وحُجته.
٧ - أمر الله إبليس بالخروج من الجنة وإحلال لعنة الله على إبليس.
٨ - طلب إبليس من الله أن يجعله من المنظرين إلى يوم البعث
٩ - استجابة الله له.
١٠ - عناد إبليس وإعلانه تزيين المعاصي وإغواء الناس إلا المخلصين من
عباد الله.
١١ - إعلام الله إبليس بحصانة عباده المخلصين من إغوائه.
١٢ - أن جهنم مصير مَن يتبع إبليس. وأن الله أعد لهم سبعة أبواب
يدخلون منها النار لكل باب منها فريق مقسوم.
*
* عناصر القصة في " الكهف ":
١ - إخبار الله بأمره الملائكة بالسجود لآدم. وامتثالهم هذا الأمر.
٢ - مخالفة إبليس.
٣ - إنكار أن يتخذ الناس إبليس وذُريته أولياء من دون الله، وهو لهم
عدو.
٤ - مَن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، فبئس البدل بدله.
وبسورة الكهف تنتهي مصادر القصة في العهد المكي. وتبدأ مرحلة جديدة
فى العهد المدني تتمثل في سورة البقرة.
*
* عناصر القصة في سورة " البقرة ":
١ - إخبار الله الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة.
٢ - تعجب الملائكة من هذا الجعل، وسببان لهذا التعجب.
стр. 341
٣ - رد الله عليهم.
٤ - تعليم الله آدم الأسماء كلها.
٥ - عرضهم على الملائكة، ومطالبتهم بالإنباء بأسمائهم على سبيل الاختبار
المؤدي إلى العجز.
٦ - تنزيه الملائكة الله. وتفويضهم الأمر إليه.
٧ - أمر الله آدم أن يخبرهم بالأسماء. وامتثال آدم ﵇ هذا
الأمر.
٨ - استئثار الله بغبب السموات والأرض. وعلمه بظواهر الأمور وبواطنها.
٩ - أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم وامتثالهم هذا الأمر.
١٠ - مخالفة إبليس واستكباره وصيرورته من الكافرين.
١١ - أمر الله آدم أن يسكن هو وزوجه الجنة وأن يتمتعا بما فيها من أنعام.
١٢ - تحريم الله عليهما قربان شجرة فيها عيَّنها لهما. فإن قرباها صارا
ظالمين.
١٣ - إغواء الشيطان لهما. وأكلهما من الشجرة المحرمة. وإخراجه لهما
مما كانا فيه.
١٤ - أمر الله لهم بالهبوط من الجنة إلى الأرض مع تحقق العداوة بينهم
واستقرارهم في الأرض واستمتاعهم فيها إلى حين.
١٥ - تلقى آدم كلمات من ربه. وتوبة الله عليه.
١٦ - تكرار الأمر بالهبوط وترقب هدى الله فمَن اتبع هدى الله آمن وسلم.
ومَن عصاه أدخله النار وأخلده فيها.
* *
стр. 342
وبعد هذا التحليل لعناصر القصة في مصادرها الأصلية ننظر فيها على الوجه
الآتى:
أولاً: المعاني المشتركة في جميع المصادر، مع التعرض لفروق
الصياغة ما أمكن.
ثانياً: المعاني المشتركة في مجموعة دون أخرى، مع التعرض لفروق
الصياغة كذلك.
ثالثاً: المعاني التي لم تتكرر قط.
١ - المعاني المشتركة في جميع المصادر:
المتأمل في نصوص القصة في جميع مصادرها يدرك أن المعاني التي لم يخل
نص منها - بل هي مشتركة بينها كلها - هي المعاني الآتية:
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم.
امتثال الملائكة هذا الأمر.
مخالفة إبليس أمر ربه
ففى " البقرة " جاء قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)
وفي " الأعراف " جاء قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) .
وفي " الحجْر " جاء قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) .
стр. 343
وفى " الإسراء " جاء قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) .
وفي " الكهف " جاء قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) .
وفي " طه " جاء قوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) .
وفي سورة" ص "جاء قوله: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) .
فهذه المعاني الثلاثة وردت - كما ترى - في جميع المصادر لأنها العناصر
الكبرى التي تدور حولها أحداث القصة.
ونلحظ من النظر في النصوص أن سجود الملائكة قد عطف في جميع المواضع
على القول لهم بالسجود. قد عطف بالفاء. وهذا يفيد سرعة امتثال الملائكة
لأمر ربهم وأنهم لم يترددوا قيد أنملة.
أما مخالفة إبليس فقد صورت بصياغة مختلفة ففى " البقرة ":
(أبَى وَاسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) .
وفي " الأعراف ": (لمْ يَكُن منَ السَّاجِدِينَ) .
стр. 344
وفى " الحِجْر ": (إلا إبْلِيسَ أبَى أن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) .
وفي " الإسراء ": (قَالَ أأسْجُدُ لِمَنْ خَلقْتَ طِيناً) .
وفى" الكهف ": (إلا إبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِن فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ) .
وفي " طه ": (إلا إبْلِيسَ أبَى) .
وفي سورة " ص ": (إلا إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ) .
والتفنن في العبارة قد أفاد إسناد أقبح أوصاف الذم للَّعين إبليس.
كما نجد فروقاً - كذلك - في التمهيد: ففى " البقرة " لم يتقدم عليها
تمهيد. أما في " الأعراف " فقد كان التمهيد صدر آية: (وَلقَدْ خَلقْنَاكُمْ ثُم
صَورناكُمْ (، ثم قال: (ثُمَّ قُلنَا لِلمَلائكَة اسْجُدُواْ لآدَمَ) .
والعطف بـ " ثم " المفيدة للترتيب مع التراخى يدلَ علَى أن في التَعبير تجوزاً.
إذ ليس المخلوق والمصور هم المخاطبنِ بل آدم ﵇ ليصح الترتيب.
والمعنى: " خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوَّر ثم صورناه بعد ذلك ".
والمجاز فيها مرسل والعلاقة المصححة هي السببية. إذ وجود المخاطبين
مسبب على وجود المراد بالحديث وهو آدم.
كذلك مهَّد لها في " الحجْر " بالحديث عن خلق الجان والإنسان: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) .
ثم قال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨)
стр. 345
أما " الإسراء " فلم يأت فيها تمهيد مثل " البقرة ". وكذلك " الكهف ".
و" طه " تقدم القصة فيها تمهيد هو في الواقع إجمال بديع للقصة كلها.
ومدخل لسرد أحداثها بالغ الجودة: (وَلقَدْ عَهدنا إلى آدَمَ من قَبْلُ فَنَسِىَ
وَلمْ نَجدْ لهُ عَزْمًا) كان هذا هو مدخل القَصة في " طه ". كما سردت
بعده أحدَاثها سرداً محكماً.
وكذلك خلت سورة " ص " من التمهيد المباشر للقصة.
وبذلك تكون القصة قد مُهِّدَ لها في ثلاثة مواضع هي: الأعراف - الحِجْر - طه.
ولم يُمهد لها تمهيداً مباشراً في أربعة مواضع هي: البقرة - الإسراء -
الكهف - سورة " ص ".
وكذلك نجد فروقاً في الأمر بالسجود. فتارة يكون بصريح الأمر من الفعل
" سجد " نفسه وذلك في خمسة مواضع هي: البقرة - الأعراف - الإسراء - طه - الكهف.
أما في الحِجْر وسورة " ص " فلم يأت بالأمر الصريح من الفعل. بل تقدم
عليه " أمر " من فعل آخر " وقع " وجعل السجود حالاً. من فاعل ذلك
الفعل الذين هم الملائكة. ومن دقة النظم أن هذه العبارة جاءت في السورتين فى سياق حديث واحد: (فَإذَا سَويْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه من رُوحي فَقَعُواْ لهُ
سَاجِدِينَ)
ولعل السر في هذا التصرف - (فَقَعُواْ لهُ سَاجدينَ) بدلاً من: (اسْجُدُواْ
لآدَمَ) - أن التفصيل في هاتين السورتين في هذاَ الموضوع بالذات حيث قال:
(فَإذا سَويْتُهُ وَنَفَخْتُ فيه من رُوحي) بعد قوله في الحِجْر: (إنًى خَالق
بَشَراً مًن صَلصَالِ مًنْ حًمَإٍ مَسْنُونٍ) وبعد قوله في سورة " ص ": (إنًى
خَالِق بَشَرًا مًن طِيَنٍ) أن هذا التفصيل فيه شرح أكثر لبيان قُدرة الله سبحانه
стр. 346
وذلك أمر أدعى إلى تعظيم الله القادر. والانكباب من عَلَّ على الجباه تقديراً له حق قدره. وذلك لأن: (فَقَعُواْ لهُ سَاجدينَ) في معنى الانكباب الفورى وهو معنى زائد على مجرد الأمر الوارد في المواضع الأخرى: (اسْجُدُواْ لآدَمَ) .
ويلاحَظ - كذلك - أن إحدى هاتين العبارتين جاءت في سورة " ص "،
وسورة " ص " هذه هي أول سورة تحدثت عن القصة، وهي مكية.
فإن سورة الحجْر مكية كذلك.
والقوم في مكة شديدو العناد للإسلام. فناسب حالتهم هذه
التفصيل في القول والاتجاه به نحو القوة.
وذلك ما تكفلت به السورتان: سورة "ص " و "الحِجْر ".
* *
* ملاحظة جديرة بالتسجيل:
هذه خلاصة وجيزة لما اشترك من عناصر القصة في جميع المصادر.
ونرى أن نذكر ملاحظة جديرة بالتسجيل هي أن الإشارة جاءت عابرة عن قصة آدم فى سورة الكهف.
وهي وإن اشتملت على العناصر الثلاثة التي لم يخل منها مصدر
من مصادر القصة. فإن جانب القصص غير ظاهر فيها.
وإنما جيء بها تمهيداً لإنكار أن يتخذ الناس إبليس وذُرِّيته أولياء من دون الله
. . والعهد المكي لم يكن في حاجة إلى تفصيل بعد أن تحدثت عنها خمس سور
مكية في تفصيل ووضوح.
لذلك جاءت آية " الكهف " لمحة عابرة إلى حديث طويل معلوم وذائع أمره.
كما أن هذه السورة على وجازة ما جاء في آيتها من حديث القصة فإنها اشتملت على جديد لم يُصرَّح به في غيرها.
وذلك الجديد هو: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)
فنسبته إلى الجن. والحكم علَيه بالفسق لَم يرَد إلا في آية " الكهَف ".
стр. 347
وهذا يعطينا قيمة عظيمة هي أن القصة المتكررة في القرآن لم تخل من جديد
وإن قصرت في موضع دون آخر.
٢ - المعاني المشتركة بين مجموعة دون أخرى:
من المعاني المشتركة بين مجموعة دون أخرى: سؤال الله - سبحانه - إبليس
عن عدم امتثاله لأمره وما ترتب على ذلك من أمور.
وقد ورد هذا السؤال في ثلاثة مصادر.
الأول - الأعراف، قال سبحانه: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) .
الثاني - الحجْر، قال سبحانه: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) .
стр. 348
الثالث - سورة " ص "، قال سبحانه: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) .
والباحث يرى أن السؤال قد اختلف في صياغته من موضع إلى آخر.
وأنه قد ترتب عليه أمور:
١ - اعتذار إبليس وحُجَّته إنه مخلوق من نار، وآدم من طين مع اختلاف فى
الصياغة.
ْ٢ - رد عليه من الله. رافض لعذره وآمر له بالخروج أو الهبوط من الجنة،
منكر عليه أن يتكبر فيها، موجب عليه اللعنة مع الاختلاف في طرق تعريف
اللعنة. مرة بـ " الـ ". وأخرى بالإضافة إلى الله.
٣ - طلب إبليس أن ينظره ربه إلى يوم البعث. واستجابة الله له.
٤ - إعلان إبليس - مقسماً مرة، ومعللاً أخرى - ليغوين الناس إلا مَنْ
يعصمه الله.
٥ - إعلام الله إبليس بحصانة عباده المخلصين. وتوعده لإبليس بأن يملأ منه
جهنم وممن اتبعه أجمعين.
٦ - إن في المواضع الثلاثة فروقاً دقيقة في الصياغة. وفي تصوير المعاني.
سواء فيما قاله الله لإبليس أو فيما حكاه القرآن من مقولة اللعين.
стр. 349
٧ - إن سورة الإسراء تشترك معها فيما ترتب على السؤال دون أن يرد فيها ذكر له لأن مقولة إبليس فيها نزلت منزلة إبائه السجود:
(إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) .
* *
* ملاحظات:
ويرى الباحث - كذلك - أن هذه العناصر التي اشتركت فيها كل من الأعراف. والحجْر. وسورة (ص) . والإسراء. كان مهدها مكة لأن هذه السور مكية النزوَل.
وحال القوم في مكة من الإعراض والصدود والجدل العقيم في محاربة
الدعوة الجديدة تناسبه عناصر القصة المذكورة بما فيها من قوة وعنف في الرد
على إبليس وتوعده بالعذاب هو ومَن اتبعه.
كما أن رفض الحُجة التي بنى عليها اللعين اعتذاره وإهدارها من الأساس شبيه برفض الإسلام لدعاوى وحجج المعاندين من مشركى مكة.
كما يرى الباحث أن اختلاف الصياغة من موضع إلى آخر أمر اقتضاه المقام
ولم يكن مجرد اتفاق.
ونضرب لذلك مثلاً:
قال إبليس في " الحِجْر " معتذِراً عن مخالفته أمر ربه: (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) . .
بينما نسب خلقه إلى الطينَ في كل من الأعراف والإسراء وسورة " ص ".
стр. 350
والطين سابق على الصلصال والحمأ المسنون.
قال الراغب: الصلصال تردد الصوت مِن الشيء الجاف ومنه قيل: صل المسمار، وسمي الطين الجاف صلصالاً
قال: (مِن صَلصَالٍ كَالفَخَّارِ) ، (مِن صَلصَالٍ مَنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) .
فأوثر الصلصال في " الحِجْر " لتقدمه في قوله تعالى: (إنِّي خَالِق بَشَراً
مِن صَلصَالٍ مًنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) ولعل إيثار هذا أيضاً على أن يقول:
" من طين " لأن مبدأ خلق الإنسان هنا قوبل بمبداأ خلق الجانِّ، ولما قال فِى
خلق الجان: (مِن نارِ السَّمُوم) ناسب أن يكون القابل له: (صَلصَالٍ مِنْ
حَمَإٍ مَسْنُونٍ) لأن الطين إذا قوبل بالنار جف ويبس وسُمِعَ له صوتَ إذا
حُرك.
ومما يؤيد هذا قوله في الرحمن: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) .
فآثر الصلصال في مقابلة المارج الذى من نار.
أما إيثار الطين في الأعراف والإسراء وسورة " ص " فحيث لم يقتض المقام
سواه ولأنه أسبق وجوداً من الصلصال.
هذا مثل أذكره للقياس ولبيان أن كل اختلاف في الصياغة إنما هو لسبب
وداع. وليس لمجرد التعبير الخالى من الدقائق والأسرار.
ومن المعاني التي اشتركت فيها مجموعة دون أخرى: أمر الله آدم وحواء أن
يسكنا الجنة بعد طرد إبليس منها.
وهذه مرحلة تالية في بناء القصة للمرحلة السابقة من مخالفة إبليس وعناده
وما ترتب عليها.
فلننظر في مصادرها وصياغاتها:
стр. 351
* سكنى الجنة:
جاء أمر الله لآدم ﵇ أن يسكن الجنة هو وزوجه في ثلاث سور:
الأولى: " البقرة "، قال سبحانه: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) .
الثانية: " الأعراف "، قال سبحانه: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) .
الثالثة: " طه "، قال سبحانه: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١)(١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) .
ولعل أول ما يلاحظه الباحث في هذه النصوص الثلاثة "أن الأمر بالسكنى فى
الجنة جاء صريحاً في آيتى البقرة والأعراف. وخولف ذلك في طه لأن ما فيها
نصح وتحذير لآدم وزوجه من إغواء الشيطان لهما. لأنه لهما عدو. فجاء قوله تعالى: (فَلَاَ يُخْرِجَنكُمَا مِنَ الجَنة فَتَشْقَى) دليلاً على تمكنهما من الجنة.
حيث نهاهما الله أن يخرجهما منها الشَيطان.
وفي طه - كذلك - تفصيل لمظاهر النعيم التي كانا ينعمان بها فى الجنة.
ويقابل هذا التفصيل في البقرة والأعراف الإذن لهما بأن يتمتعا بما شاءا حيث
كانا فيها مع زيادة وصف الأكل بـ " الرغد " في البقرة.
стр. 352
كما يلاحظ الباحث أن آية البقرة قد صُدِّرَت بقوله: (وَقُلنَا يَا آدَم) ، أما
الأعراف فقد حُذفَ منها القول وصُدِّرَت بالنداء وحده: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجَنةَ) ، كما صُدِّرَت آية طه بالقول مسبوقاً بالفاء دون الواو كما فى البقرة: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) .
ولعل السر في ذلك أن القول في البقرة عطف على نظيره في صدر الآية
السابقة: (وَإذْ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ) .
أما في الأعراف فقد حُذفَ القول. وبُدِئَ في خطاب آدم بالنداء لأنه قد سبق
عليه قوله تعالى: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) .
فلو قال بعده: " وقلنا. . " لتَوهم متوهم أن " قال " في الآية السابقة ليست عن قول الله لإسناده إلى ضمير الغائب وإسناد " قلنا " لضمير المتكلم، وقد عرفنا حرص القرآن على إسناد القول إلى ضمير المتكلم في موضع الأمر بالسكنى لآدم وزوجه.
والأظهر هنا أن الواو للاستئناف في: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ) حتى تظهر
المغايرة التامة بين مأمور بالخروج مذءوماً مدحوراً، ومأمور بالتمكن معرزاً
مكرماً.
أما العطف في طه بـ " الفاء ": (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) فلما في " الفاء " من الترتيب والتعقيب. وما تفيده كذلك من
معَنى السببية. إذ تقدم عليها امتناع إبليس عن السجود له.
فأبان العطف بـ " الفاء " ترتب نصح الله لآدم على امتناع إبليس عن
السجود. وأن ذلك حدث دونما فصل بين الامتناع والنصح - هذا من حيث الترتيب والتعقيب - أما من حيث السببية فإن كون إبليس ممتنعاً عن السجود لآدم. فذلك سبب في أنه عدوهما والحقود عليهما.
* *
стр. 353
* وسوسة الشيطان لهما وما ترتب عليها:
وهذه المرحلة من القصة قد اشتركت في الحديث عنها مجموعة من السور هي: " البقرة " قال سبحانه: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) .
" الأعراف " قال سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) .
تلك هي مواضع ورود مرحلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه.
حسداً منه وحقداً عليهما على أن بقيا في الجنة وطُرِدَ منها.
والذي نلاحظه هنا أمور:
أولاً: أن السورتين المكيتين اتفقتا في التفصيل والتعبير عن إغواء الشيطان
لهما بالوسوسة، بينما عبَّرت عنه السورة المدنية بالإزلال.
كلما جاءت فيها المعاني مجملة.
ثانياً: أن التفصيل في كلتا السورتين المكيتين - مع اختصاص الأعراف
بنصيب وافر فيه - صوَّرَ لنا - لقطات هامة هي: الغرض من الوسوسة - أسلوب الخداع الذي سلكه اللعين في الإضلال، وهذا الأسلوب اعتمد على الإغراء والتأكيد بالقسم - بدو سوءات آدم وحواء - اجتهادهما في سترها بورق الجنة، تأنيب الله لهما على ما بدر منهما. ومخالفتهما نصحه.
стр. 354
ثالثاً: أن البقرة وطه اتفقتا في الإشارة إلى توبة الله عن آدم واجتبائه له.
وانفردت الأعراف بالحديث عن تندمهما ودعائهما ربهما بالمغفرة والرحمة. فكأن ما في البقرة وطه من الإشارة إلى التوية واجتباء الله لآدم استجابة لذلك الدعاء الذي انفردت به الأعراف خاصة وأن كُلاًّ من السورتين - طه والبقرة - نزلتا بعد الأعراف.
إذ أن الأعراف هي السورة الثانية التي تحدثت عن قصة آدم بعد
سورة " ص "، وهذا يفسر لنا سر التفصيل فيها لهذه المرحلة أكثر مما ورد فى
طه. وهي قسيمتها فيه. .
* *
* أمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض:
وهذه مرحلة جاءت في بعض المصادر دون بعضها. . ومصادر ورودها هي:
" البقرة " قال سبحانه: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) .
" الأعراف " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥) .
" طه " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) .
стр. 355
من التأمل والمقارنة بين هذه النصوص يخرج الباحث بما يأتى:
أولاً: أن الأمر ب " الهبوط " جاء بصيغة الجمع في البقرة والأعراف لأن
المخاطب ثلاثة: آدم وزوجه وإبليس.
وجاء بصيغة التثنية في طه. ولعل سره أن المأمور بالهبوط فريقان: آدم
وزوجه فريق، وإبليس فريق آخر.
ثانياً: أن الأمر في البقرة وطه قد اقترن ضمير المخاطب فيه بالتوكيد بلفظ:
" جميعاً " ولم يرد ذلك في الأعراف.
ثالثاً: أن التصريح بـ " ثبوت العداوة بينهم " أمر مشترك بين الأعراف وطه، أما آية البقرة هنا فقد خلت منه. لأنها جاءت تاكيداً بالهبوط للآية التي قبلها.
وفيها صرَّح الله بثبوت تلك العداوة. فاكتفى بها.
رابعاً: أن ترقب هُدى الله قد صُرِّحَ به في كل من البقرة وطه. . ولم يأت فى
الأعراف إطلاقاً.
خامساً: أن بيان أن " مَن اتبع الهدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "،
أو " فلا يضل ولا يشقى " من خصائص سورتى البقرة وطه مع اختصاص طه
بشيء من التفصيل إذا ما قورنت بالبقرة. هذا البيان لم يرد في الأعراف. لأنه تابع لترقب الهُدى الذي لم يرد فيها كما مَر.
سادساً: التصريح بـ " الاستقرار في الأرض والتمتع فيها إلى حين " من
خصائص سورتى البقرة والأعراف. فيما تقدم عن هذه الآية. والأعراف فى
الآية المذكورة مع اختصاص الأعراف بشرح تفصيلى لأدوار سُنَّة الله التى
سيخضعون لها في الأرض قال: (فيهَا تَحْيَوْنَ وَفيهَا تَمُوتُونَ وَمنْهَا
تُخْرَجُونَ)