← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

* سكنى الجنة: جاء أمر الله لآدم ﵇ أن يسكن الجنة هو وزوجه في ثلاث سور: الأولى: " البقرة "، قال سبحانه: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) . الثانية: " الأعراف "، قال سبحانه: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) . الثالثة: " طه "، قال سبحانه: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١) (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) . ولعل أول ما يلاحظه الباحث في هذه النصوص الثلاثة "أن الأمر بالسكنى فى الجنة جاء صريحاً في آيتى البقرة والأعراف. وخولف ذلك في طه لأن ما فيها نصح وتحذير لآدم وزوجه من إغواء الشيطان لهما. لأنه لهما عدو. فجاء قوله تعالى: (فَلَاَ يُخْرِجَنكُمَا مِنَ الجَنة فَتَشْقَى) دليلاً على تمكنهما من الجنة. حيث نهاهما الله أن يخرجهما منها الشَيطان. وفي طه - كذلك - تفصيل لمظاهر النعيم التي كانا ينعمان بها فى الجنة. ويقابل هذا التفصيل في البقرة والأعراف الإذن لهما بأن يتمتعا بما شاءا حيث كانا فيها مع زيادة وصف الأكل بـ " الرغد " في البقرة.

стр. 352

كما يلاحظ الباحث أن آية البقرة قد صُدِّرَت بقوله: (وَقُلنَا يَا آدَم) ، أما الأعراف فقد حُذفَ منها القول وصُدِّرَت بالنداء وحده: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أنتَ وَزَوْجُكَ الجَنةَ) ، كما صُدِّرَت آية طه بالقول مسبوقاً بالفاء دون الواو كما فى البقرة: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) . ولعل السر في ذلك أن القول في البقرة عطف على نظيره في صدر الآية السابقة: (وَإذْ قُلنَا لِلمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ) . أما في الأعراف فقد حُذفَ القول. وبُدِئَ في خطاب آدم بالنداء لأنه قد سبق عليه قوله تعالى: (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) . فلو قال بعده: " وقلنا. . " لتَوهم متوهم أن " قال " في الآية السابقة ليست عن قول الله لإسناده إلى ضمير الغائب وإسناد " قلنا " لضمير المتكلم، وقد عرفنا حرص القرآن على إسناد القول إلى ضمير المتكلم في موضع الأمر بالسكنى لآدم وزوجه. والأظهر هنا أن الواو للاستئناف في: (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ) حتى تظهر المغايرة التامة بين مأمور بالخروج مذءوماً مدحوراً، ومأمور بالتمكن معرزاً مكرماً. أما العطف في طه بـ " الفاء ": (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) فلما في " الفاء " من الترتيب والتعقيب. وما تفيده كذلك من معَنى السببية. إذ تقدم عليها امتناع إبليس عن السجود له. فأبان العطف بـ " الفاء " ترتب نصح الله لآدم على امتناع إبليس عن السجود. وأن ذلك حدث دونما فصل بين الامتناع والنصح - هذا من حيث الترتيب والتعقيب - أما من حيث السببية فإن كون إبليس ممتنعاً عن السجود لآدم. فذلك سبب في أنه عدوهما والحقود عليهما. * *

стр. 353

* وسوسة الشيطان لهما وما ترتب عليها: وهذه المرحلة من القصة قد اشتركت في الحديث عنها مجموعة من السور هي: " البقرة " قال سبحانه: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) . " الأعراف " قال سبحانه: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) . تلك هي مواضع ورود مرحلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه. حسداً منه وحقداً عليهما على أن بقيا في الجنة وطُرِدَ منها. والذي نلاحظه هنا أمور: أولاً: أن السورتين المكيتين اتفقتا في التفصيل والتعبير عن إغواء الشيطان لهما بالوسوسة، بينما عبَّرت عنه السورة المدنية بالإزلال. كلما جاءت فيها المعاني مجملة. ثانياً: أن التفصيل في كلتا السورتين المكيتين - مع اختصاص الأعراف بنصيب وافر فيه - صوَّرَ لنا - لقطات هامة هي: الغرض من الوسوسة - أسلوب الخداع الذي سلكه اللعين في الإضلال، وهذا الأسلوب اعتمد على الإغراء والتأكيد بالقسم - بدو سوءات آدم وحواء - اجتهادهما في سترها بورق الجنة، تأنيب الله لهما على ما بدر منهما. ومخالفتهما نصحه.

стр. 354

ثالثاً: أن البقرة وطه اتفقتا في الإشارة إلى توبة الله عن آدم واجتبائه له. وانفردت الأعراف بالحديث عن تندمهما ودعائهما ربهما بالمغفرة والرحمة. فكأن ما في البقرة وطه من الإشارة إلى التوية واجتباء الله لآدم استجابة لذلك الدعاء الذي انفردت به الأعراف خاصة وأن كُلاًّ من السورتين - طه والبقرة - نزلتا بعد الأعراف. إذ أن الأعراف هي السورة الثانية التي تحدثت عن قصة آدم بعد سورة " ص "، وهذا يفسر لنا سر التفصيل فيها لهذه المرحلة أكثر مما ورد فى طه. وهي قسيمتها فيه. . * * * أمر الله لهم بالهبوط إلى الأرض: وهذه مرحلة جاءت في بعض المصادر دون بعضها. . ومصادر ورودها هي: " البقرة " قال سبحانه: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩) . " الأعراف " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥) . " طه " قال سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧) .

стр. 355

من التأمل والمقارنة بين هذه النصوص يخرج الباحث بما يأتى: أولاً: أن الأمر ب " الهبوط " جاء بصيغة الجمع في البقرة والأعراف لأن المخاطب ثلاثة: آدم وزوجه وإبليس. وجاء بصيغة التثنية في طه. ولعل سره أن المأمور بالهبوط فريقان: آدم وزوجه فريق، وإبليس فريق آخر. ثانياً: أن الأمر في البقرة وطه قد اقترن ضمير المخاطب فيه بالتوكيد بلفظ: " جميعاً " ولم يرد ذلك في الأعراف. ثالثاً: أن التصريح بـ " ثبوت العداوة بينهم " أمر مشترك بين الأعراف وطه، أما آية البقرة هنا فقد خلت منه. لأنها جاءت تاكيداً بالهبوط للآية التي قبلها. وفيها صرَّح الله بثبوت تلك العداوة. فاكتفى بها. رابعاً: أن ترقب هُدى الله قد صُرِّحَ به في كل من البقرة وطه. . ولم يأت فى الأعراف إطلاقاً. خامساً: أن بيان أن " مَن اتبع الهدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، أو " فلا يضل ولا يشقى " من خصائص سورتى البقرة وطه مع اختصاص طه بشيء من التفصيل إذا ما قورنت بالبقرة. هذا البيان لم يرد في الأعراف. لأنه تابع لترقب الهُدى الذي لم يرد فيها كما مَر. سادساً: التصريح بـ " الاستقرار في الأرض والتمتع فيها إلى حين " من خصائص سورتى البقرة والأعراف. فيما تقدم عن هذه الآية. والأعراف فى الآية المذكورة مع اختصاص الأعراف بشرح تفصيلى لأدوار سُنَّة الله التى سيخضعون لها في الأرض قال: (فيهَا تَحْيَوْنَ وَفيهَا تَمُوتُونَ وَمنْهَا تُخْرَجُونَ)

стр. 356

ولكل من هذه الفروق دواع ومقتضيات يطول بنا الحديث لو تتبعناها. على أن هناك فروقاً دقيقة بين الألفاظ المتقابلة في هذه المواضع. نضرب مثلاً بواحد منها. فقدجاء فى البقرة: (. . فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) . وجاء فى طه: (فَمَن اتبَعَ هُدَايَ) . الفعل " تبع " مخفف في البقرة ومُشدد في طه. يقول جماعة: " إن تشديد الاتباع لسبق التصريح بمعصية آدم. وقد سبقه أيضاً الاتباع مشدداً في نفس السورة في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ) ، وفى توجيه التشديد وعدمه آراء أخَر لعَل هذَا أقواها. وتوجيه آخر أراه حرياً بالقبول، هو أن القرآن في مكة كان يتجه كثيراً نحو القوة والعنف لغلظة القوم وتماديهم في الضلال. بخلاف المدني الذي كان يميل إلى الهدوء والشرح والتفصيل. هذه آخر مرحلة يتحدث عنها العهد المكي - مرحلة الهبوط من الجنة والاستقرار في الأرض - وقد اشترك العهد المدني معه في بيان هذه المراحل مع الفروق التي لحظناها بين النصوص جميعاً. لكن بقى هناك شيء هام. وهام جداً لم ترد إليه إشارة واحدة في العهد المكي، وإنما استأثر به العهد المدني. شيء هام تكاد حكاية القصة في المدينة تختلف به عن حكايتها في مكة اختلافا أساسياً. أن العهد المدني قد أضاف جديداً إلى هذه القصة. . فما هو ذلك الجديد؟

стр. 357

* الجديد في القصة في العهد المدني: إن الجديد الذي ورد في العهد المدنى عناصر بارزة في القصة أرجأها الله تعالى فلم ترد في المكي. وهي تتمثل فيما يلى: أولاً: جاء فيه أنه قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ، ولم يقل لهم كما قال في المكي: (إنَى خَالِقٌ بَشًراً مِن طِيَن) - مثلا - كما في سورة " ص ". وجعل آدم خليفة مرحلة أرقى من خلقه ولاحقة به في الوجود. ثانياً: جاء فيه أن الملائكة تعجبوا من هذا الجعل وبنوا تعجبهم على وصفين فى المجعول. ووصفين فيهم. أما الوصفان اللذان في المجعول: فكونه مفسداً في الأرض وسافكاً للدماء. وأما الوصفان اللذان فيهم: فكونهم مسبِّحين بحمد الله ومقدِّسين له. فرد الله عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون. ثالثاً: وجاء فيه تعليم الله آدم الأسماء كلها ومسمياتها وأعدَّه بذلك لمباراة بينه وبين الملائكة ليتحقق له الانتصار عليهم. رابعاً: وجاء فيه أن الله عرض المسميات على الملائكة وطلب منهم أن ينبئوه بها فلم يستطيعوا وفوَّضوا الأمر إلى الله مسبِّحين له. خامساً: وجاء فيه أن الله أمر آدم أن ينبئهم بالأسماء ففعل. فلما أنبأهم بأسمائهم قال الله لهم: (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) . وأول ما يلاحظه الباحث - هنا - أن نص السورة (البقرة) حين اشتمل على معان جديدة لم ترد في غيره قبلا. كما وضحناها آنفاً. واشتمل على معان

стр. 358

تحدثت عنها السور المكية، فإنه في بناء القصة في المدينة قدم القرآن المعاني الجديدة، وبعد الفراغ منها ساق المعاني التي وردت في العهد المكي. وبذلك اكتمل بناء القصة. ولم يعد فيها موضع لإضافة جديدة. فى المدني كانت عبارة: (إنِّي جَاعلٌ في الأرضِ خَليفَةً) بديلا عن عبارة: (إنًى خَالِقٌ بَشَراً) لأن العهد المكي كان عهد تكوين في كل شيء. . تكوين للعقيدة الصالحة، تكوين للأخلاق الإنسانية الفاضلة، تكوين لجماعة تؤمن بالحق وترفض الباطل. فناسبه من قصة آدم ﵇ مراحل التكوبن الأولى. مراحل الخلق والإيجاد من الطين أو الصلصال والحمأ المسنون. أما " الجعل " فمناسب للعهد المدني لأنه طور لاحق للإيجاد والخلق. ولأن مفعوله خليفة، والخلافة مجعولة لآدم متنقلة في ذُريته جيلاً بعد جيل لأن فى الجعل معنى التحويل من شيء إلى شيء. قال العلامة العمادي في تفسير أول سورة الأنعام: " والجعل هو الإنشاء والإبداء كالخلق. خلا أن ذلك مختص بالإنشاء التكوينى وفيه معنى التقدير والتسوية. وهذا عام له كما في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظلمَاتِ والنورَ) ، وللتشريعي كما في قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ) . وأياً ما كان فهو إنباء عن مَلابسةَ مفعوله بشئَ آخًر يكونَ فيه أو له أو منه ". فالخلق لا يُطلق إلا على الإيجاد والإبداع. أما الجعل فقد يُستعمل في معنى الخلق. وقد يفارق ذلك المعنى إلى معان أخرى كما ذكره العمادي. ولذلك وضع بإزاء الخلافة لأن الخلافة مجعولة لا مخلوقة.

стр. 359

ومن ملائمات القصة في البقرة للعهد المدنى أن اليهود كانوا في المدينة وهم أهل كتاب. ولهم بماضى الأمم وحقائق الخلق دراية. فجاءهم القرآن بتفاصيل دقيقة من جعل الخلافة لآدم. ومحاورة الملائكة ربهم. وتعليم آدم الأسماء. وعجز الملائكة عن التنبؤ بها. وتحقيق ذلك لآدم. ومن تلك الملاءمة أيضاً قوله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) . فهذه للعبارة تؤدى إلى جانب المقصود منها معنى آخر هو تهديد ظاهرة النفاق التي جدَّت في المدينة ولم تعرف عنها مكة شيئاً. فيها تهديد لهم بكشف أسرارهم وإظهار خفاياهم لأن النفاق يقوم على كتمان الكفر وإظهار الإيمان والطاعة. * * * ملاحظة مهمة أخرى: ومن الملاحظات الهامة في نصوص القصة كلها في جميع مصادرها أن بعض المعاني تُذكر مع بعض معيَّن. فإذا لم يُذكر ذلك البعض المعيَّن لم يذكر - كذلك - ما جرى المنهج القرآني على كره معه. فسؤال الله إبليس عن عدم السجود يُذكر معه بعد اعتذاره طلب إبليس من ربه أن يجعله من المنظرين. ويُذكر معه - كذلك - إعلان إبليس تصديه لإضلال الناس إلا عباد الله المخلصين. وهذا المعنى جاء في كل من سورة " ص " - والحجْر - والإسراء. ولم يرد فى هذه السور الثلاث الأمر لهم بالهبوط من الجنة إلى الأرض. وإذا ذكر الهبوط من الجنة إلى الأرض، ذكر معه ترقب الهُدى. فمَن اتبعه هَداه إلى الحق. ومَن خالفه هلك.

стр. 360

وقد ذكِر هذا المعنى في سورتى البقرة وطه. ولم يخالف هذا المنهج إلا فى الأعراف حيث ذكِر فيها الهبوط ولم يُذكر ترقب الهُدى. ولعل السر في ذلك أن طه نزلت بعد الأعراف مباشرة فأُرجئ ذلك إليها. كذلك فإن إعلان توبة الله على آدم ﵇ قرينة ذكر الهُدى وترقبه ذلك فى البقرة وطه. إن المنهج القرآني يسبر على اعتبارات دقيقة في بناء القصة وائتلاف أجزائها، وتظهر هذه الجوانب الحكيمة كلما أطال الباحث النظر في نصوصه وقارن ودرس واستنتج. وفوق هذه العناصر المشتركة بين كل النصوص. ثم المشتركة بين مجموعة دون أخرى نجد لكل نص ملامح خاصة لم تأت فيما عداه. فما هي إذن؟ * * * * الملامح الخاصة بكل مصدر من مصادر قصة آدم: نضرب مثلا، ولا نستقصي. وليكن ذلك بحسب وضع السور فى المصحف، ولنبدأ بسورة البقرة. إن العهد بهذه السورة ليس ببعيد. إذ يكاد ما جاء بها يكون ملامح خاصة لها. . فليس فيها مكرر سوى أمر السجود والهبوط وترقب الهُدَى. وما عدا ذلك فخاص بها. والأعراف: اختُصت فيما اختُصت به بذكر تندم آدم وحواء ودعائهما الله بالمغفرة والرحمة وإلا كانا من الخاسرين. والحِجْر: اختُصت بذكر الصلصال والحمأ المسنون. وبذكر السبعة الأبواب للنار وأن لكل باب جزءاً مقسوماً.

стр. 361

والإسراء: اختُصت بوضع مقولة إبليس موضع إبائه السجود. وبالتصريح بحقده على آدم: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) وبالإمداد له فى الضلال، وأن يجلب عليهم بخيله ورجِلَه، وأن يشاركهم في الأموال والأولاد. وأن وعده لهم ما هو إلا غرور. والكهف: اختُصت بوِصف إبليس بأنه كان من الجن وأنه فسق عن أمر ربه، وبإنكار أن يتخذ هو وذُرَيته أولياء من دون الله. وطه: اختُصت بإجمال جامع ورد على وجه التمهيد للقصة: (وَلقَدْ عَهدنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلمْ نَجِدْ لهُ عَزْماً) . وبتفصيل النعيم الذي سيلقاه آدم وحواء في الجنة. وبأن الله اجتبى آدم وهداه. وسورة " ص ": اختُصت بقوله تعالى: (لمَا خَلقْتُ بِيَدَيَّ) . . . إلى غير هذه الأمور يطول بنا الحديث لو تتبعناهَا جزئية جزئية. وكم في هذه النصوص من الحِكم والأسرار؟ * * * لماذا اختلفت أساليب الحكاية والمحكي عنه واحد ؟ هذا سؤال نعيده مرة أخرى بعد أن أشرنا إليه في مدخل البحث. فما جوابه إذن؟ * الجواب: أولاً: أن الاختلاف راجع في الأغلب إلى اختلاف الأحوال. ففى كل عبارة جائت على نهج معيَّن رعاية ومناسبة لمقام الحديث. ويتصل بهذا المظهر من مظاهر التحدى حيث يكون المعنى الأصل واحداً. وتحدث بتكراره زيادات ومعان ثانية لم يزدد بها إلا حلاوة وطلاوة.

стр. 362

على خلاف المعهود في بلاغة الناس. فإن التكرار فيه يُعرضه للقوة والضعف والتهافت وإن وُفقَ في موضع خُذِلَ وسقط في موضع آخر. ثانياً: الفروق اللفظية التي يجيء عليها المكرر عندما نبحث عن أسرارها يتجلى لنا بوضوح لماذا آثر القرآن لفظاً على لفظ. وأسلوباً على أسلوب مما يؤدى في النهاية إلى الإقرار اليقينى بإعجاز القرآن. ثالثاً: يقول الإمام البقاعى في تفسيره سورة البقرة: " إن المقصود من حكاية القصص في القرآن إنما هي المعاني. فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميعها ولم يكن هناك تناقض. فإنها كانت حين وقوعها بأوفى المعاني، ثم إن الله تعالى يُعبر لنا في كل سورة يذكر القصة فيها بالألفاظ المناسبة للمعاني، ويطرح ما لا يقتضيه المقام. * * * * خلاصة: ذلك هو جانب التكرار في القرآن الكريم. فليأت قصاصو العالم بأدب مثله، وليرنا الطاعنون أين موضع العيب فيما جاء في القرآن مكرراً؟ وإلا فكفى لغواً. فإن كانوا مكابرين قلنا لهم: كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيُوهِنَهَا. . . فَلمْ يَضِرْهَا وَأوْهَى قَرْنهُ الوَعِلُ وإن كانوا ضالين قلنا لهم: وَإذا كُنْتَ لمْ تَرْ الهِلَالَ فَسَلِّمْ. . . لأنَاسٍ رَأَوْهُ بِالأبْصَارِ * * *

стр. 363

الفصل الرابع خصائص يغلب عليها جانب المعنى ١ - ثراء معاني القرآن: وهذه خاصة من خصائص التعبير القرآني. فيها يقول الجاحظ: " إنه - أي القرآن - قد يدل بالكلمة الواحدة والكلمات المختصرة على معان متعددة يطول شرحها. وإذا أراد المتكلم العادى التعبير عن المعاني التي أرادها القرآن لم يصل إلى بغيته إلا بلفظ أطول. وأقل دلالة ". فالقرآن ينتقى من الألفاظ جوامعها وأغناها بالدلالة، ويختار من أدوات التعبير ما يعطيك من المعنى ما هو دائماً - متجدد متدفق، بحيث يسع وجهات النظر المختلفة. " وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت خُبراً به، ووقفتَ على معناه محدوداً، ولو رجعتَ إليه كَرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد، غير ذلك الذي سبق إلى فهمك أول مرة، وكذلك حتى ترى للفظة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهاً عدة. كلها صحيح أو محتمل للصحة، وكأنما هي فص من الماس يعطيك كل ضلع فيه شعاعاً، فإذا نظرتَ إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدرى ما تأخذ عينك وماذا تدع ".

стр. 364

لذلك فإنك ترى الناس يذهبون مذاهب شتى في بيان المراد من لفظ فيه، أو جملة. والاختلاف في بيان المراد من ألفاظ القرآن وجمله كان مورداً غنياً للمفسرين والمشرِّعين والفقهاء. وجهودهم في ذلك معروفة لا تحتاج إلى بيان. وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثاً مرفوعاً: " لا يكون الرجل فقيهاً كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة ". * * لماذا كان المعنى في القرآن ثريا ؟ ساعد على ثراء معاني القرآن أمور نوجزها فيما يلى: ١ - ما في طبيعة بعض ألفاظه من مرونة وغنى بحيث ترى للكلمة الواحدة عدة معان، لا تنكرها اللغة بحسب الوضع، ولا يرفضها الدين من حيث العمل والاعتقاد. ٢ - ما في طبيعة بعض تراكيبه من عموم وشمول فيما يحسن فيه العموم والشمول. فتختلف وجهات النظر حول المراد، ويشمل هذا الفهم التعدد وصف " واحد "، هو أنه فهم لا يتنافى مع طبيعة النصوص، ولا يتنافى مع حقائق الشرع كاختلافهم حول ليلة القَدر، والليلة المباركة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، والمراد بالليالى العَشر في سورة الفجر، والمراد بالشفع والوتر. . . وغير ذلك كثير لا يكاد يخلو منه موضع في القرآن. ٣ - ما في وجوه قراءاته من تباين يختلف معه المعنى ويتعدد ويتكاثر مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) - برفع اسم الجلالة مرة على أنه فاعل، وإسناد الَخشيةَ إليَهَ يكون حينئذ بمعنى: التجلة والتكريم.

стр. 365

وينصب اسم الجلالة مرة على أنه مفعول به قُدِّمَ على الفاعل الذى هو " العلماء " لإرادة الاختصاص. وكثير من وجوه القراءات الصحيحة تضفى معاني جديدة متسقة مع أغراض الشرع وقواعد اللغة. ٤ - صلاحية ما في جمله من قيود لتعلقها بأكثر من جهة، فيتعدد المعنى بتعدد جهات التعلق، حيث لا مانع من ذلك شرعاً. وسنضرب لذلك بعض الأمثلة فيما يأتى. ٥ - ما في فواتح سوره من غرابة اختلف الفهم حولها. وساعد التعبير على ذلك الاختلاف، وما زالت تلك الفواتح حتى الآن نوعاً من المكنون الذي لا يقف على حقيقة معناه إلا الله. ونقدم فيما يأتى بعض النماذج: * توارد المعاني على اللفظ الواحد: القرآن يستخدم اللفظ الواحد في مواضع متعددة، وكل موضع يراد به معنى غير الذي أُريد به في الموضع الآخر. ومن ذلك كلمة " هُدَى " وما اشتق منها. فقد ورد فيه هذا اللفط في سبعة عشر موضعاً مراداً به سبعة عشر معنى كذلك. وهاك أمثلتها: بمعنى " البيان " كقوله تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) . وبمعنى " الدين " كقوله تعالى: (إن الهُدَى هُدَى اللهِ) . وبمعنى " الإيمان " كقوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) . وبمعنى " الداعي " كقوله تعالى: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) . وبمعنى " الرسل " قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) (١) .

стр. 366

وبمعنى " المعرفة " كقوله تعالى: (وَبِالنجْم هُمْ يَهْتَدُونَ) . وبمعنى " الرشاد " كقوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) . وبمعنى " القرآن " كقوله تعالى: (وَلقَدْ جَاءَهُم مًن ربهمْ الهُدَى) . بمعنى " التوراة " كقوله تعالى: (وَلقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهُدَى) . وبمعنى " الاسترجاع " كقوله تعالى: (وَأؤلئِكَ هُمُ المهتَدُونَ) . وبمعنى " الحُجة " كقوله تعالى: (واللهُ لَا يَهْدِى القَوْمَ الظالِمِينَ) . وبمعنى " التوحيد " كقوله تعالى: (إنِ نتبِع الهُدَى مَعَكَ) . وبمعنى " السُّنَّة " كقوله تعالى: (وَإنا عَلى آثَارِهِم مُهْتَدُونَ) . وبمعنى " الإصلاح " كقوله تعالى: (وَأَن اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ) . وبمعنى " الإلهام " كقوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) . وبمعنى " التوبة " كقوله تعالى: (إنا هُدْنَا إِليَكَ) .

стр. 367

وبمعنى " النبي ﷺ " وذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) . نص على هذا صاحب البرهان. على أن بعض المعاني هنا يمكن أن تتداخل، وممكن كذلك أن تُفسَّر بمعنى غير ما أثبتناه نقلاً عن صاحب البرهان. والتفرقة بين هذه المواضع قائمة على اعتبارات دقيقة ونسبية. * * * السوء: ومثل هذا اللفظ في الاستعمال على وجوه كثيرة: لفظ " السوء "، ولنضرب لذلك أمثلة: بمعنى " الزنا " كقوله تعالى: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) . وبمعنى " الضر " كقوله تعالى: (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) . وبمعنى " الذنب " كقوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) . وبمعنى " الهلاك " كقوله تعالى: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ) . وبمعنى " العذاب " كقوله تعالى: (قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً) . وبمعنى " الأذى " كقوله تعالى: (وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ) .

стр. 368

وبمعنى " المنكر " كقوله تعالى: (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) . وبمعنى " القبح "كقوله تعالى: (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ) . وبمعنى " البلاء " كقوله تعالى: (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) . وبمعنى " الحزن " كقوله تعالى: (إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَة تَسُؤْهُمْ) . وبمعنى " العورة " كقوله تعالى: (يُوارِي سَوْءاتِكُمْ) . وبمعنى " الجثة " كقوله تعالى: (لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ) . وبمعنى " الهزيمة " كقوله تعالى: (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) . وبمعنى " الظلم " كقوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ) . وبمعنى " الخيانة " كقوله تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) . وبمعنى " الميل إلى النساء "كقوله تعالى: (مَا عَلِمْنَا عَليْهِ مِن سُوء) . وبمعنى " الكفر " كقوله تعالى: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) .

стр. 369

وبمعنى " السباب " كقوله تعالى: (وَيَبْسطواْ إليْكُمْ أيْديَهُمْ وَألسنَتَهُم بِالسُّوءِ) . وبمعنى " الجنون " كقوله تعالى: (اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) . وبمعنى " السواد "كقوله تعالى: (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) . فقد بلغت المعاني التي استخدم القرآن فيها هذه المادة عشرين وجهاً كما ترى، والتفرقة بينها تعتمد على اعتبارات دقيقة مثل " هُدَى " السابقة. وكفى بهذين الموضعين دليلاً على طريقة القرآن في استخدام الكلمة الواحدة فيه على معانٍ شتى. فى الموضعين السابقين استخدم القرآن كلمة واحدة - مع اختلاف صيغها - فى معان متعددة كما رأينا. وذلك إحدى طريقتين له في استثمار اللفظ. * * * احتمال اللفظ لمعان متعددة: والآن نعرض طريقة أخرى له في استثمار اللفظ أيضاً وهي الطريقة التى يحتمل اللفظ فيها أكثر من معنى في تركيب واحد بخلاف الطريقة المتقدمة. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . هذا جزء آية البقرة المذكورة، وهي تذييل على ست كلمات - كما ترى - فيهن واحدة وهي موطن السر فيما نهدف إليه فيها وهي كلمة " حساب " فانظر إلى ما تحمله هذه الكلمة من معان:

стр. 370

فقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَنْ يشاء من عباده دون أن يحاسبه أحد لماذا رزقه؟ لأنه يعطى عن حرية تامة. وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَنْ يشاء بغير محاسبة لنفسه، خشية نفاد ما بيديه لأنه غني. وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء، حيث لا يكون في حسبان المرزوق جهة وكيفية الأرزاق، لأن ذلك قد اختص الله به. وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء بغير معاقبة أو محاسبة له على عمله لأنه يغفر لمن يشاء، ويعذب مَن يشاء لا معقب لحكمه. وقد يكون المعنى: أن الله يرزق مَن يشاء رزقاً كثيراً، لا يدخل تحت حساب أو حصر. هذه خمسة معان احتملتها هذه الكلمة الجامعة لا يشذ واحد منها عن طبيعتها وإن بدا بينها - أي المعاني - التباين في الأرجحية والمرجوحية. فأقواها فيما يبدو: الرزق الكثير، وأقلها قوة - فيما يبدو كذلك - أن يترك الله حسابه ومعاقبته إذ لا ضرورة تقتضيه، هو وجه محتمل فقط. * * * الجمل والفقرات: ذلك شأن مفرداته. أما شأن تراكيبه فعجب عاجب. ومن ذلك قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) . فقد حَكى الزمخشري في بيان قوله تعالى: (سَوَاء فحْيَاهُمْ) ثلاثة آراء: الأول: إنكار أن يستوى المسيئون والمحسنون محياً، وأن يستووا مماتاً، لافتراق أحوالهم.

стр. 371

إحياءً: حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على ركوب المعاصي. ومماتاً: حيث مات هؤلاء على البشر بالرحمة والوصول إلى ثواب الله ورضوانه وأولئك على اليأس من رحمة الله، والوصول إلى هول ما أعد لهم. الثاني: إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأن المسيئين مستو محياهم في الرزق والصحة. كما يرزق المحسنون ويصحون. وإنما يفترقون في الممات. الثالث: أن يكون: (سَواءً محْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) كلاماً مستأنفاً على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم. كل يموت على حسب ما عاش عليه. وقال سبحانه: (مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) . قال العلامة أبو السعود في بيان هذه الآية: ". . والمعنى أنه تعالى ناصر لرسوله في الدنيا والآخرة. من غير صارف يلويه وعاطف يثنيه. فمَنْ كان يغيظه ذلك من أعاديه وحساده، ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور، ومباشرة ما يردده من المكايد فليبالغ في استفراغ المجهود وليجاوز في التحدي كل حد معهود، فقصارى أمره وعاقبة مكره أن يختنق خنقاً مما يرى من خلال مساعيه، وعدم إنتاج - مقدماته ومباديه، (فَليَمْدُدْ بسَبَبٍ إلى السماء) - يعنى حبلاً إلى سقف بيته: (ثُمَّ لْيَقْطعْ) أى ليَختنق من قطع إذا اخَتنق لأنه يقطع نفسه بحبس مجاريه وقيل: ليقطع الحبل

стр. 372

بعد الاختناق، على أن المراد به فرض القطع وتقديره، كما أن المراد بالنظر فى قوله تعالى: (فَليَنظرْ هَلْ يُذْهبَن كَيْدُهُ مَا يَغيظُ) تقدير النظر وتصويره. أى فليصور في نفسه النظر، هل يذهب كيده ذلك الذي هو أقصى ما انتهت إليه قُدرته في باب المعنادة والمضارة ما يغيظه من النُصرة. كلا. ويجوز أن يراد: فلينظر الآن أنه إن فعل ذلك هل يذهب ما يغيظه؟ وقيل: المعنى: فليمدد حبلاً إلى السماء المظلة، وليصعد عليه ثم ليقطع الوحى، وقيل: ليقطع المسافة حتى يبلغ شأنها فليجتهد في دفع ضرره. ويأباه - يعنى هذا الرأي الأخير - أن مقاصد النظم الكريم بيان أن الأمور المفروضة على تقدير وقوعها وتحققها بمعزل من إذهاب ما يغيظ، ومن البيِّن أن لا معنى لفرض وقوع الأمور الممتنعة وترتيب الأمر بالنظر عليه لا سيما قطع الوحى. فإن فرض وقوعه مخل بالمرام قطعاً. وقيل: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطئون ما وعد الله به ورسوله ﵊ من النُصرة، وآخرون من المشركين يريدون إتباعه ﵇ ويخشون أن لا يثبت أمره، فنزلت. وقد فُسر " النصر " بالرزق، فالمعنى أن الأرزاق بيد الله تعالى، لا تُنال إلا بمشيئته تعالى فلا بدَّ للعبد من الرضا بقسمته. فمن ظن أن الله تعالى غير رازقه، ولم يصبر ولم يستسلم. فليبلغ غاية الجزع، وهو الاختناق، فإن ذلك لا يغلب القسمة ولا يرده مرزوقاً. * * * * القراءات وتعدد المعنى: أما أثر القراءات في تكثير المعنى القرآني وثراء ما يستنبط منه، فيتضح من الأمثلة الآتية:

стр. 373

أولاً: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) . فقد تعددت. القراءات في كلمة " غير " فجاءت مرفوعة، ومنصوية، ومجرورة، فالرفع على أنه صفة للقاعدين، والنصب على الاستثناء، والجر على أنه صفة للمؤمنين. والمعنى على الأول: " لا يستوى القاعدون الأصحاء من المؤمنين والمجاهدون ". وعلى الثاني: " لا يستوى القاعدون من المؤمنين إلا أولى الضرر ". والمستثنى منه: إما " القاعدون " وإما " المؤمنون ". وعلى الثالث: " لا يستوى القاعدون من المؤمنين الأصحاء " (١) . ثانياً: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) . فقد قرئت كلمة " أنفُسكم " على وجهين. أولهما: ضم الفاء والمعنى عليه: قد جاءكم رسول من جنسكم وأنفسكم ليسِ بغريب عليكم. ومصداق هذا قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) .

стр. 374

والوجه الثاني - أنفَسكم بفتح الفاء والمعنى عليه: " لقد جاءكم رسول من أذكاكم وأطهركم قلباً ونفساً ". . وكلا المعنيين لائق به ﵇. ثالثاً: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) . الآيتان تتحدثان عن أهل سبأ. وعن النعمة التي وهبهم إياها الله. حيث أدنى منهم مواطن النفع، وحقق لهم الأمن في سيرهم وجعل القرى التي تقع على طريق سفرهم متقارية بحيث يقيلون في قرية، ويبيتون في أخرى حتى يصلوا القرية التي بارك الله فيها. وهذا معنى قوله: (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ) والشاهد في الآية الثانية فى قوله تعالى: (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) بنصب " رَبَّنَا " على أنه منادى مضاف. وبناء " باعد " عَلى السكون أمراً من المباعدة وهي قراءة حفص. وقد أخرج الزمخشري وغيره من المفسرين المعنى على هذا الوجه فقال: " بطروا النعمة، وبشموا من طيب العيش، ومَلوا العافية. فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المن والسلوى، وقالوا: لو كان جنى جناننا أبعد كان أجود أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها، ويتزودوا الأزواد. فعجل الله لهم الإجابة ". وقد أورد الزمخشري في الآية قراءات أخرى نتعرض لواحدة منها لأنها هى التي تدخل في موضوعنا لاختلاف المعنى معها. وهي: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) . برفع " رَبنا " على الابتداء وفتح الدال والعين من " باعد "

стр. 375

ماض من المباعدة والمعنى على هذا يختلف من حيث الصياغة، ومن حيث المقصود. فعلى القراءة الأولى تكون العبارة إنشاءً طلبياً، وعلى الثانية خبر لا إنشاء. وقد خرَّج الزمخشري المعنى على هذا الوجه فقال: " والمعنى خلاف الأول هو استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوها لفرط تنعمهم وترفههم، كأنهم يتشاجون على ريهم ويتحازنون عليه ". إنهم في الأول يشكون من قرب أسفارهم ويطلبون بعدها. وفي الثاني يمثكون من بعد أسفارهم، على الوجه الذي ذكره الزمخشري، ويطلبون قربها. * * * القيود وتعدد المعنى: قال سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) والشاهد في قوله " حُبِّهِ " فقد اختلفوا في مرجع الضمير على رأيين: أولهما: أن يكون الضمير راجعاً للطعام لذكره قبله. والمعنى: أنهم يطعمون الطعام وهم يحبونه لاحتياجهم إليه، وتعلق أغراضهم به، وهذا عملاً بقوله تعالى: (لن تَنَالُواْ البِر حَتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) . وقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) . وثانيهما: أن يكون الضمير راجعاً إلى اسم الجلالة من باب الإضمار ولا ذكر لقوة ظهوره. والمعنى عليه: ويطعمون الطعام على حب الله لا حب غيره،

стр. 376

أي لا يريدون عليه جزاءً ولا شكوراً. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعده: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) . أي أنهم يطعمَونهم مخَلصيَن العَمل للهَ. وقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) . والشاهد في هذه الآية: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) . فإن الله سبحانه - لما بيَّن لرسوله نوعي الآيات المنزلة عليه: نوع واضح فى الدلالة لا يُختلف فيه، ونوع محتمل لعدة وجوه. . لما بيَّن له ذلك قال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) . . ثم قال: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) . والعلماء في تفسير هذا لهم وجهان: الأول: أن الواو للعطف. والمعنى عليه: أن تأويل المتشابه شركة بين الله وبين " الراسخين " في العلم. فهم يعلمونه بإلهام منه سبحانه، وعليه أيضاً فإن موضع الجملة بعدها: " يقولون " استئنافية، أو هي حال من الراسخين ". الثاني: أن الواو استئنافية. فهى ليست عاطفة. والمتشابه هو الذي استأثر الله وحده بعلمه دون سواه. وعلى هذا فإن موضع الجملة " يقولون " خبر " الراسخون " وهذا الرأي - فيما يبدو - أقوى من السابق، لخلوه من الاعتراض لأن الأول اعترض عليه بعضهم فقال: " كيف يجوز في اللغة أن يعلم الراسخون، والله يقول:

стр. 377

(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) وإذا أشركهم في العلم انقطعوا عن قوله " يقولَون " لَأنه ليس هنا عطفَ حتى يوجب للراسخين فعلين". ولهذا حاول بعض العلماء الرد فقالوا: إن " يقولون " هنا في موضع الحال. كأنه قال: " والراسخون في العلم قائلين: آمنا به ". . كما قال الشاعر: الرِّيحُ تَبْكِى شَجْوَها. . . والبَرْقُ يَلمَعُ فِى غمَامِهْ أى لامعاً. وقيل: المعنى: " يعلمون ويقولون " فحذف واو العطف كقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئذ نَاضرَةٌ) والمعنى: يقولون: علمنا وآمنا. لأن الإيمان قبل العلم محال. إذَ لا يتصور الإيمان مع الجهل: وأيضاً لو لم يعلموها لما كانوا من الراسخين، ولم يقع الفرق بينهم وبين الجهال وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) . نسوق هذه الآية دليلاً من نوع آخر على ما تحتمله القيود من وجوه فى الإعراب، يتبعها اختلاف في المعنى. قال صاحب الكشاف: " تلقون ": فإن قلت: بِمَ يتعلق؟ يجوز أن يتعلق ب " لا تتخذوا " حالاً من ضميره وبـ " أولياء " صفة له ويجوز أن يكون استئنافاً. والباء في " بالمودة " إما زائدة مؤكدة للتعدي مثلها في: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وإما ثابتة على أن مفعول:

стр. 378

" تلقون " محذوف. معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودة التي بينكم وبينهم. . . فإن قلت: " وقد كفروا " حال مِمَ؟ قيل: إما من " لا تتخذوا " وإما من " تلقون " أي لا تتولوهم أو توادونهم وهذه حالهم . . و " يخرجون " استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم. أو حال من " كفروا ". فأنت ترى إلى أي مدى كانت القيود في هذه الآية محتملة للوجوة الإعرابية التي تبعها اختلاف في المعنى. * * * سر هذه الظواهر: لماذا جاء القرآن على هذه الوجوه؟ نرى الزمخشري يجيب على هذا السؤال فيقول: فإن قلتَ: " هلَّا كان القرآن كله محكماً "؟ يعنى دلالته قطعية في كل موضوع. قلت: لو كان كله محكماً لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال. ولو فعلوا ذلك لعطدوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده إلا به. ولما فى المتشابه من الاستيلاء والتمييز بين الثابت على الحق، والمتزلزل فيه. ولما فى تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة والعلوم الجمة ونيل الدرجات عند الله. هذا كلامه. وهو - وإن كان في الدفاع عن ورود المتشابه في القرآن - فإن له بما نحن فيه نسباً وصلة. * * *

стр. 379

٢ - دقة النظم: وهذه - أيضاً - خاصة من خصائص الأسلوب القرآني، يغلب فيها جانب المعنى على جانب اللفظ. ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة. . . أولاً - في تاريخ الأمم: قال سبحانه: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ) . فى هذه الآية نجد خمسة أسماء مسرودة سرداً إجماليا. والشأن في مثلها ألا تكون موضعاً للجمال. ولا مجالاً للتصرف في القول. ولكنها في هذا الوضع تجد فيها نوعاً من الجمال التأليفى المبنى على قاعدة وقانون. لأن هذه الأسماء الجوامد تتفاوت فيما بينها خفة وثقلاً. فأخفها على اللسان: الطوفان والجراد والدم، وأثقلها: القُمَّل والضفادع. فقدم الطوفان لخفته، ولمكان المدين فيه، ليأنس اللسان بخفتها، ثم الجراد لأنها تلى الطوفان في الخفة. وفيها مد كذلك. فهما بمثابة ترويض للسان متدرجة في النطق، وبعدهما جاء بالاسمين الثقيلين - القُمَّل والضفادع - بادئاً بأخفهما: " القُمل " اطراداً على السُّنَّة التي شرحناها، ولمكان الغنة فيه. ثم جاء بالاسم الخامس: " الدم " وهو أقلها حروفاً، وأكثرها خفة ليسرع اللسان بها بعد ذلك الجهد الطويل. وما أشبه هذا برحلة طائر يبدأ سيره وئيداً وئيداً فإذا ما اقترب من بُغيته، قبض من جناحيه، وبطأ من سيره تأبياً للنزول.

стр. 380

إذن فقد راعى القرآن في هذا السرد الذي تكاد تنعدم فيه الروابط إلا رباط العطف المجرد راعى فيه قاعدة فنية جمالية. بنيت على هيئات الكلم أنفسها وأحوالها من حيث الخفة والثقل. وعلى هذا التناسق الذي كان مثار العجب. قدم ما هو جدير بالتقديم. وأخر ما هو جدير بالتأخير. ويمكن أن نفهم النص على وجه آخر، وعلى قانون آخر غير الذي تقدم الحديث فيه. وهذا القانون هو ما سبق أن ذكرناه: " قطع النظير عن النظير ". فقد سبق أن خرجنا عليه قوله تعالى: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) . حيث قطع الظمَأ عن الجوع وهما نظيران، والضحاء عن العِرى وهما نظيران كذلك. وقلنا: إن الداعي إلى هذا العمل هو تكثير النِعَم. ويرى بعض الباحثين أن الآية تضمنت ضرورات الحياة الأربع: الطعام، والكساء، والمسكن، والشراب. وفي آيتنا هذه قطع للنظير عن النظير، فقد ذكر الطوفان أولاً. وكان الظاهر يقتضي أن يذكر بعده الضفادع لأنه تعيش - غالباً - في الماء، ويكثر وجودها فيه، ثم الدم، لأنه كان يظهر - حسب ما اقتضه حكمة الله - في الماء. لكنه خالف هذا الظاهر لأنه لئلا يتوهم متوهم تقليل الآيات بحسبان الطوفان والضفادع والدم كالآية الواحدة. ففصل بينها لهذا الغرض. ثم قدم الجراد على القُمل لظهوره أمام النظر أكثر ولأنه شيء خارجى عن الإنسان. وأخر القُمل لاختفائه وعدم وقوع الرؤية عليه كثيراً. * *

стр. 381

ثانياً - في التشريع: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) . قال صاحب الظاهرة القرآنية بعد أن ذكر هذا النص: " هذا نص أساسى يقرر في نفثة واحدة من الوحى، تشريع الزواج بجميع تفاصيله وشروطه القانونية الضرورية، وهو ينظم بصورة ما الحرمات من النساء مشتملاً بذلك على حكمين جوهريين. هما: الاستيعاب والحصر الشامل للحالات المشار إليها، وتصنيفها في نظام منطقى. وترينا مناقشة النص تصنيفاً للحالات المحرمة بدرجة القرابة العصبية والترتيب النزولى: الأم والبنت والأخت - والعمة والخالة - وبنت الأخ، وبنت الأخت من القرابة المباشرة. والمرضعة وأخت الرضاعة من القرابة الرضاعية، ولا يحل للرجل أن يتزوج أم امرأته، أو ابنتها أو أختها. فدرجة القرابة هنا مقيسة بالنسبة للمرأة، ويمكن أن نلحظ - أيضاً - في هذا التصنيف أفضلية رباط المذكورة على رباط الأنوثة، فابنة الأخ تُذكر قبل ابنة الأخت، والقرابة المتصلة بالزوج تُذكر قبل القرابة المتصلة بالزوجة، مع أسبقية رباط المذكورة ". (انتهى كلام صاحب الظاهرة القرآنية) . ويمكن تلخيص الأسس التي بنى عليها تحليله للآية الكريمة في العناصر الآتية:

стр. 382

١ - القرا بة المباشرة ٢ - الترتيب النزولى. ٣ - أفضلية علاقة الذكورة ولا يستطيع أحد أن يقلل من قيمة هذه الاعتبارات التي أوردها الكاتب. وقد أشار القاضي أبو بكر الباقلاني - قبل صاحب الظاهرة القرآنية - إلى شيء من هذا التفصيل في هذه الآية في كتابه المعروف " إعجاز القرآن ". ونحن مع الرجلين فيما ذهبا إليه. ولكننا نرى إمكان تحليل الآية على وجه آخر لا يختلف عما ذهبا إليه. وإن اشتمل على جديد لم يلحظاه هما. وهذا الوجه هو: أن هذه الحالات الثلاث عشرة المحرَّمة المنصوص عليها في الآية الكريمة ترجع إلى عنصرين أساسيين هما: أولاً - حُرمة ذاتية: ويدخل تحت هذا الضابط سبع حالات هي: الأم - البنت - الأخت - العمة - الخالة - بنت الأخ - بنت الأخت. وقد روعى في ترتيب هذه الحالات السبع ما يأتى: ١ - أهمية الحُرمة. ٢ - ثم علاقة الذكورة. ولهذا ذكِرت الأم في صدر الحالات لعظم حُرمتها، ولأن المخاطب جزؤها، ثم البنت لأنها تلى الأم في عظم الحُرمة، ولأنها جزء المخاطب. ثم الأخت لاتحادهما في أصل الولادة. ثم العمة، لأنها أقرب النساء إلى المخاطب بعد المذكورات. ثم الخالة لنفس السبب. وقُدمت العمة على الخالة - مع اتحاد درجة القرابة - لنفضيل علاقة الذكورة على الأنوثة. إذ القرابة في العمة من جهة الأب، وفي الخالة من جهة الأم (أخت الأب ثم أخت الأم) . كذلك قُدِّمت بنت الأخ على بنت الأخت لعلاقة الذكورة مع الاتحاد في درجة القرابة.

стр. 383

وأخرتا عن العمة والخالة - فوق ما ذكِر - لأن القرابة في العمة والخالة من جهة الأصول - الآباء والأمهات - وفي بنت الأخ وبنت الأخت من جهة الفروع: الأخوة والأخوات. . . وهكذا. ثانياً - حُرمة عارضة: وتحت هذا الضابط ست حالات وهي فيما بينهما نوعان: ١ - ما كانت العِلَّة فيه الرضاعة. ٢ - ما كانت العِلَّة فيه الزواج. والنوع الأول تحته حالتان: الأم من الرضاعة. والأخت من الرضاعة. وقد ذكِرتا على هذا الترتيب، فقُدً مت الأم على الأخت تشبيهاً لها بالأم الحقيقية من حيث الحُرمة وما ثبت لها هناك من أحكام. وتلتها الأخت لما تقدم وقد صُدِّرَ هذا القسم بما صُدرَ به القسم الأول. الأم هناك هي أول من ذكِر وهى هنا كذلك مع مراعاة الترتيب النزولى في جميع الحالات. وقُدِّم سبب الرضاع على سبب الزواج لأسبقية الأول وجوداً. والنوع الثاني تحته أربع حالات: أ - أم الزوجة ٢ - بنت الزوجة. ٣ - حلائل الأبناء. ٤ - الجمع بين الأختين. وقُدِّمت الأم هنا - كما قُدمت في القسمين الأولين - فالنظم يجرى - كما ترى - على نسق واحد. ثم بنت الزوجة المدخول بها. تشبيهاً لها بالبنت المولودة من الزوج، ثم حلائل الأبناء، وأخيراً الجمع بين الأختين. * * *

стр. 384

* سؤال لا بدَّ منه: وهنا يمكن أن يرد سؤال مؤداه: إن ما ذهبتم إليه من أسبقيه علاقة المذكورة على الأنوثة غير ملحوظ هنا بل النظم يخالفه صراحة. إذ قُدمت بنت الزوجة - والعلاقة فيها الأنوثة - على حليلة الابن - والعلاقة فيها الذكورة - فما دفاعكم - إذن - عما تقولون؟ وكان مقتضى منهجكم أن تُقدم حليلة الابن على بنت الزوجة؟ * وجواب من ثلاثة وجوه: الأول: أن التقديم - هنا - جار على اعتبار بنت الزوجة المدخول بها مثل بنت المخاطب فهى - إذن - جزؤه. حيث إنها تربى في حجره، وتحت رعايته، وقد أشار إلى هذا المعنى الزمخشري حيث يقول: " فإن قلت: ما فائدة قوله: (فى حُجُوركمْ) ؟ قلت: فائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن، أو لكونهن بصَدد احتضانكم وفي حكم التقلب فى حجوركم إذا دخلتم بأمهاتهن، وتمكن بدخولكم حكم الزواج، وثبتت الخُلطة والألفة وجعل الله بينكم المودة والرحمة وكانت الحال خليقة بأن تجروا أولادهن مجرد أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم ". ويرى العلامة أبو السعود ما يرى الزمخشري. فقد قال في توجيه عِلَّة التحريم فيها: " فإن كونهن بصدد احتضانهم لهن، وفي شرف التقلب فى حجورهم، وتحت حمايتهم وترييتهم مما يقوى الملابسة والشبه بينهن وبين أولادكم ويستدعي إجراءهن مجرى بناتهم ". الثاني: يمكن جعل هذين الحالين - أي حُرمة حلائل الأبناء، والجمع بين الأختين - نوعاً مستقلاً. وعليه فإن النسق يجرى على منهج واحد من تقديم عِلَّة الذكورة على الأنوثة.

стр. 385

والأساس الذي يمكن صحة هذا الاعتبار عليه هو كونه ابتدأ هذا النوع بما علاقته الذكورة. والذكورة مقدمة على الأنوثة في هذا النظم. لذلك أرى جعله نوعاً مستقلاً جرى فيه النظم على المنهج المألوف. الثالث: أن النظم الكريم حين تحدث عن أصل الزوجة - وهي الأم - ناسب ذلك الحديث عن فرعها. وهي البنت، حتى لا يكون الكلام مقطوعاً حيث يجب اتصاله لو أقحم حليلة الابن بينهما. وحين أخرت الحليلة جاء النظم دقيقاً محكماً. والظاهر أن أقوى هذه الوجوه هو الوجه الأول، يليه الثاني، ثم الثالث فالترتيب بينها نزولى. وأياً كان التوجيه فإننا نرى في هذه الآية إعجازاً في الأسلوب ودقة فى النظم. قد وضح لنا وجه الحكمة فيها. ونذكر فيما يلى نصين لرجلين تباينت عصورهما، والتقت أفكارهما فيما للقرآن من قوة السبك وروعة البناء وإحكام الروابط بين مفرداته وجمله. أولهما: للقاضي أبى بكر الباقلاني معقباً على الآية التي درسناها من عدة زوايا. * الباقلاني وبلاغة القرآن: يقول الباقلاني: ". . . والكلام في ذكر حكم هذه الآية وفوائدها يطول. ولم نضع كتابنا لهذا، وسبيل هذا أن نذكره في كتاب " معاني القرآن " إن سهَّل الله دنا ملاءه وجمعه. فلم تنفك هذه الآية من الحكم التي تخلف حكم الإعجاز والتأليف والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف . . ثم في جملة الآيات ما إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الأفراد والألفاظ الآحاد. فقد تجد ذلك مع تركيب الكلمتين والثلاث. ويطرد ذلك في الخروج والابتداء والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة أو باجتماع ذلك، أو في بعض ذلك مما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات ".

стр. 386

فى هذا النص يسوق القاضي ثلاث حقائق: أولاها: أن هذه الآية مليئة بالحكم وليس كتابه " الإعجاز " موضعاً لتقصيها، بل موضعها كتاب في عزمه أن يضع أصوله إن سهَّل لله. ثانيها: أن القرآن في بعض المواضع لا يستعير، ولا يُشبِّه، ولا يستخدم شيئاً من البديع في الكلمات المفردة، وليس معنى هذا خلو هذه المواضع من الإعجاز. ثالثها: بل يكون فيها ما يخلف بلاغة الكلمات المفردة، ويؤدى مؤداها فى ثبوت الإعجاز لا فيه من الحكم والدقائق والأسرار - مثل الآية المتقدمة - فقد حفلت بدقائق النظم، وقوة التأليف الذي يقوم مقام وجوه البلاغة الظاهرة. * * الرافعي وبلاغة القرآن: والنص الثاني للناقد الأديب مصطفى صادق الرافعي. يقول فيه: " ومن أظهر الفروق بين أنواع البلاغة في القرآن، وبين كلام البلغاء. أن نظم القرآن يقتضي كل ما فيه منها اقتضاءً طبيعياً. بحيث يبنى هو عليها. لأنها فى أصل تركيبه، ولا تبنى هي عليه. فليست فيه استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء من مثل هذا يصح في الجواز، أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره فى موضعه إذا تبدلته منه، فضلاً عن أن يفى به، وفضلاً عن أي يربى عليه. ولو أدرت اللغة كلها على هذا الوضع ". وهنا - كذلك - ثلاث حقائق هامة: أولاً: أن بلاغة القرآن ليست مستجلبة مقسورة في مواضعها. بل هي من روح التعبير نفسه، لا مارقة عنه، ولا غريبة فيه. خالية من كل مظاهر التكلف البغيض.

стр. 387

ثانياً: بهذا يفارق القرآن كلام البلغاء. فهم إن أحسنوا في موضع أساءوا فى آخر، وإن قوى أسلوبهم في حالة ضعف في حالات. فما من أديب بارع إلا أنت واجد فيما يقول ما هو له، وما هو عليه. وليس كذلك القرآن فهو سامٍ فى كل مواضعه. ثالثاً: إنك لو ذهبت تضع لفظاً في القرآن بدل لفظ طلبت محالاً إن زعمتَ أن ما وضعته ساد مسد ما رفعت، أو زائد عليه. ولو خدمتك اللغة بكل ما فيها من أدوات التعبير وقوانين الجمال. فالرجلان ينهلان من معين واحد. وإن اختلفت لدى كل منهما ملامح الفكرة واختلفت - كذلك - طرق الصياغة. فالهدف واحد. هو أن القرآن معجز بأسلوبه وطرق نظمه، مباين لكلام البلغاء، لا فرق فيه بين مجاز وحقيقة، وتفصيل وإجمال. * * ثالثاً - في مقالات اليهود: والمثال الثالث نذكره ملخصاً من كتاب " النبأ العظيم " وضع الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ فإن فيه علامات ناطقة وآيات حق شاهدة على روعة النظم القرآني. وإحكام الربط بين كلماته ومعانيه. وقد أدار الباحث تحليله حول هذه الآية الكريمة: (وَإذَا قيلَ لهُمْ آمِنُواْ بمَا أنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) .

стр. 388

* نصح وعناد: هذه قطعة من فصل من قصة بنى إسرائيل، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص في: ١ - مقالة ينصح بها الناصح اليهود. إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن. ٢ - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين. ٣ - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه. قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة. ألستم آمنتم بها لأن الله أنزلها. فالقرآن - كذلك - أنزله الله. هذه المعاني كدها ضمنها القرآن هذه الكلمات (آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) تفسير ذلك أنه عدل عن صريح اسم القرآن إلى كنايته (أَنْزَلَ اللَّهُ) فجعل دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته. فأخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد. * * طى اسم الرسول: ولم يذكر المنزل عليه - محمد ﷺ مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. أتدرى لماذا؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائداً، وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسداً. أما الأول: فلأن الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام. فأدير الأمر على القَدْر المشترك وعلى الحد الوسط الذي هو عمود الدليل. وأما الثاني: فلأن ذكر هذا الاسم - محمد - على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج الضغائن ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعي من التآلف، والإصلاح.

стр. 389

وفى هذا الحذف - فوق ما ذكِر - إشارة إلى طابع الإسلام وأنه ليس دين تفرقة وخصومة، بل هو دين جامع لما فرَّقه الناس من الأديان، داعياً إلى الإيمان بالكتب كلها على حد سواء، لأن الله أنزلها. كما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتِىَ موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا يفرق بين أحد منهم. * * * جواب اليهود: وكان جواب اليهود: أن الذي دعانا إلى الإيمان بالتوراة. ليس كونها أنزلها الله فحسب، بل لأنها أُنزلت علينا. والقرآن لم ينزل علينا. فلكم قُرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شِرعة ومنهاج هذه المعاني أوجزها الله في قوله: (نُؤْمنُ بمَا أُنزلَ عَليْنَا) وهذا هو المقصود الأول، وقد زاد في إيجاز هذه العبارة أن حَذف منَها فاعل الإنزال: " الله " لتقدم ذكره في نظيرها. ومن الواضح أن الإيمان بما أُنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم - ومنه القرآن - وهذا هو القصد الثاني. ولكنهم تحاشوا التصريح به لا فيه من شفاعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه ويفضح أمرهم. فكيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً لهم، ولم يُنقل عنهم ذلك نقلاً ضمن ما قالوه. لأنهم لم يقولوه صراحة. بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم. فقال: (وَيَكْفُرُونَ بمَا وَرَاءَهُ) أليس ذلك هو غاية الأمانة فى النقل؟ وجاء التعبير (بمَا وَرَاءَهُ) محدداً للجريمة أبين تحديد. لأنهم كما كفروا بالقرآن كفروا بالإنجيَل، وكلاهما وراء التوراة. ولكنهم لم يكفروا بما قبل التوراة لعدم تزاحمه لهم فيما بين أيديهم. وهذا لفظ جامع مانع، وغاية في توخي الصدق في الاتهام. فعداوة اليهود الحاقدة للقرآن لم تمنع القرآن من الإنصاف والعدالة. * *

стр. 390

* دور الرد والمناقشة: وجاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه فترى القرآن لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم. بل يتركها مؤقتاً كأنها سليمة ليبنى عليها وجوب الإيمان بغيره من الكتب فيقول: " كيف يكون إيمانهم بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله؟ لا بل (هُوَ الحَق) كله وهل يعارض الحق الحق. فيكون الإيمان بأحدهما موجباً للكفر بالآخر "؟ ثم يترقى فيقول: " وعجيبة العجائب أن الحق الذي كفروا به جاء (مُصَدِّقاً) لما سبق من الكتب المنزلة - ومنها التوراة التي آمنوا بها - فكيف يُكَذِّب به مَنْ يؤمن بهاً؟ ثم يستمر مفنداً حالتهم فيقول: " لو أن هذا الكتاب جاء مصدقاً لمقاصد فى الكتب المنزلة بعده، وكانت هذه المقاصد مما طمسها التحريف لكان لهم عذر فى كفرهم. لكن كيف يكون لهم عذر وقد جاء هذا الكتاب (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ) مما يتلونه ويدرسونه ويعلمونه "؟ فانظر إلى الإحكام في صنعة البيان. إنما هي كلمة رُفِعَت وأخرى وُضِعَت فى مكانها عند الحاجة إليها. فكانت حَسْماً لكل عذر، سادة لكل باب من أبواب الهروب، بل كانت بمثابة حركة تطويق للخصم أتت في خطوة واحدة هادئة رزينة. * * * إفحام الخصم: وبعد هذا التعليق الفاضح للخصم، الكاشف لنواياه السيئة، القاطع عليه طريق النجاح. انبرى القرآن للرد على المقصد الأصلى الذي تبجحوا بإعلانه. وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فأوسعهم إكذاباً.
следующие страницы →