فى هذا النص يسوق القاضي ثلاث حقائق:
أولاها: أن هذه الآية مليئة بالحكم وليس كتابه " الإعجاز " موضعاً
لتقصيها، بل موضعها كتاب في عزمه أن يضع أصوله إن سهَّل لله.
ثانيها: أن القرآن في بعض المواضع لا يستعير، ولا يُشبِّه، ولا يستخدم
شيئاً من البديع في الكلمات المفردة، وليس معنى هذا خلو هذه المواضع من
الإعجاز.
ثالثها: بل يكون فيها ما يخلف بلاغة الكلمات المفردة، ويؤدى مؤداها فى
ثبوت الإعجاز لا فيه من الحكم والدقائق والأسرار - مثل الآية المتقدمة - فقد حفلت بدقائق النظم، وقوة التأليف الذي يقوم مقام وجوه البلاغة الظاهرة.
*
* الرافعي وبلاغة القرآن:
والنص الثاني للناقد الأديب مصطفى صادق الرافعي. يقول فيه:
" ومن أظهر الفروق بين أنواع البلاغة في القرآن، وبين كلام البلغاء.
أن نظم القرآن يقتضي كل ما فيه منها اقتضاءً طبيعياً. بحيث يبنى هو عليها. لأنها فى أصل تركيبه، ولا تبنى هي عليه.
فليست فيه استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء من مثل هذا يصح في الجواز، أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره
فى موضعه إذا تبدلته منه، فضلاً عن أن يفى به، وفضلاً عن أي يربى عليه.
ولو أدرت اللغة كلها على هذا الوضع ".
وهنا - كذلك - ثلاث حقائق هامة:
أولاً: أن بلاغة القرآن ليست مستجلبة مقسورة في مواضعها. بل هي من
روح التعبير نفسه، لا مارقة عنه، ولا غريبة فيه. خالية من كل مظاهر
التكلف البغيض.
стр. 387
ثانياً: بهذا يفارق القرآن كلام البلغاء.
فهم إن أحسنوا في موضع أساءوا فى آخر، وإن قوى أسلوبهم في حالة ضعف في حالات.
فما من أديب بارع إلا أنت واجد فيما يقول ما هو له، وما هو عليه.
وليس كذلك القرآن فهو سامٍ فى كل مواضعه.
ثالثاً: إنك لو ذهبت تضع لفظاً في القرآن بدل لفظ طلبت محالاً إن زعمتَ أن ما وضعته ساد مسد ما رفعت، أو زائد عليه.
ولو خدمتك اللغة بكل ما فيها من أدوات التعبير وقوانين الجمال.
فالرجلان ينهلان من معين واحد.
وإن اختلفت لدى كل منهما ملامح الفكرة
واختلفت - كذلك - طرق الصياغة. فالهدف واحد.
هو أن القرآن معجز بأسلوبه وطرق نظمه، مباين لكلام البلغاء، لا فرق فيه بين مجاز وحقيقة، وتفصيل وإجمال.
* *
ثالثاً - في مقالات اليهود:
والمثال الثالث نذكره ملخصاً من كتاب " النبأ العظيم " وضع الأستاذ
الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ فإن فيه علامات ناطقة وآيات حق
شاهدة على روعة النظم القرآني. وإحكام الربط بين كلماته ومعانيه.
وقد أدار الباحث تحليله حول هذه الآية الكريمة:
(وَإذَا قيلَ لهُمْ آمِنُواْ بمَا أنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) .
стр. 388
* نصح وعناد:
هذه قطعة من فصل من قصة بنى إسرائيل، والعناصر الأصلية التي تبرزها
لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص في:
١ - مقالة ينصح بها الناصح اليهود. إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
٢ - إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوى على مقصدين.
٣ - الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه.
قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة. ألستم آمنتم بها لأن
الله أنزلها. فالقرآن - كذلك - أنزله الله.
هذه المعاني كدها ضمنها القرآن هذه الكلمات (آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ)
تفسير ذلك أنه عدل عن صريح اسم القرآن إلى كنايته (أَنْزَلَ اللَّهُ) فجعل
دعاءهم إلى الإيمان به دعاء إلى الشيء بحجته.
فأخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد.
*
* طى اسم الرسول:
ولم يذكر المنزل عليه - محمد ﷺ مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة.
أتدرى لماذا؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائداً، وفي نظر
الحكمة الإرشادية مفسداً.
أما الأول: فلأن الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام. فأدير الأمر على
القَدْر المشترك وعلى الحد الوسط الذي هو عمود الدليل.
وأما الثاني: فلأن ذكر هذا الاسم - محمد - على مسامع الأعداء من شأنه
أن يخرج الضغائن ويثير أحقادهم فيؤدى إلى عكس ما قصده الداعي من
التآلف، والإصلاح.
стр. 389
وفى هذا الحذف - فوق ما ذكِر - إشارة إلى طابع الإسلام وأنه ليس دين
تفرقة وخصومة، بل هو دين جامع لما فرَّقه الناس من الأديان، داعياً إلى
الإيمان بالكتب كلها على حد سواء، لأن الله أنزلها. كما أنزل على إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتِىَ موسى وعيسى
والنبيون من ربهم لا يفرق بين أحد منهم.
* *
* جواب اليهود:
وكان جواب اليهود: أن الذي دعانا إلى الإيمان بالتوراة. ليس كونها أنزلها
الله فحسب، بل لأنها أُنزلت علينا. والقرآن لم ينزل علينا. فلكم قُرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شِرعة ومنهاج هذه المعاني أوجزها الله في قوله: (نُؤْمنُ بمَا أُنزلَ عَليْنَا) وهذا هو المقصود الأول،
وقد زاد في إيجاز هذه العبارة أن حَذف منَها فاعل الإنزال: " الله " لتقدم ذكره في نظيرها.
ومن الواضح أن الإيمان بما أُنزل عليهم يومئ إلى كفرانهم بما أنزل على غيرهم
- ومنه القرآن - وهذا هو القصد الثاني. ولكنهم تحاشوا التصريح به لا فيه
من شفاعة التسجيل على أنفسهم بالكفر، فأراد القرآن أن يبرزه ويفضح أمرهم.
فكيف أبرزه؟ إنه لم يجعل لازم مذهبهم مذهباً لهم، ولم يُنقل عنهم ذلك نقلاً
ضمن ما قالوه. لأنهم لم يقولوه صراحة. بل أخرجه في معرض الشرح والتعليق على مقالتهم. فقال: (وَيَكْفُرُونَ بمَا وَرَاءَهُ)
أليس ذلك هو غاية الأمانة فى النقل؟
وجاء التعبير (بمَا وَرَاءَهُ) محدداً للجريمة أبين تحديد.
لأنهم كما كفروا بالقرآن كفروا بالإنجيَل، وكلاهما وراء التوراة.
ولكنهم لم يكفروا بما قبل التوراة لعدم تزاحمه لهم فيما بين أيديهم.
وهذا لفظ جامع مانع، وغاية في توخي الصدق في الاتهام.
فعداوة اليهود الحاقدة للقرآن لم تمنع القرآن من الإنصاف والعدالة.
* *
стр. 390
* دور الرد والمناقشة:
وجاء دور الرد والمناقشة فيما أعلنوه وما أسروه
فترى القرآن لا يبدأ بمحاورتهم في دعوى إيمانهم بكتابهم. بل يتركها مؤقتاً
كأنها سليمة ليبنى عليها وجوب الإيمان بغيره من الكتب فيقول:
" كيف يكون إيمانهم بكتابهم باعثاً على الكفر بما هو حق مثله؟
لا بل (هُوَ الحَق) كله وهل يعارض الحق الحق.
فيكون الإيمان بأحدهما موجباً للكفر بالآخر "؟
ثم يترقى فيقول: " وعجيبة العجائب أن الحق الذي كفروا به جاء (مُصَدِّقاً)
لما سبق من الكتب المنزلة - ومنها التوراة التي آمنوا بها - فكيف يُكَذِّب به مَنْ يؤمن بهاً؟
ثم يستمر مفنداً حالتهم فيقول: " لو أن هذا الكتاب جاء مصدقاً لمقاصد
فى الكتب المنزلة بعده، وكانت هذه المقاصد مما طمسها التحريف لكان لهم عذر فى كفرهم. لكن كيف يكون لهم عذر وقد جاء هذا الكتاب (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ) مما يتلونه ويدرسونه ويعلمونه "؟
فانظر إلى الإحكام في صنعة البيان.
إنما هي كلمة رُفِعَت وأخرى وُضِعَت فى مكانها عند الحاجة إليها.
فكانت حَسْماً لكل عذر، سادة لكل باب من أبواب
الهروب، بل كانت بمثابة حركة تطويق للخصم
أتت في خطوة واحدة هادئة رزينة.
* *
* إفحام الخصم:
وبعد هذا التعليق الفاضح للخصم، الكاشف لنواياه السيئة، القاطع عليه
طريق النجاح. انبرى القرآن للرد على المقصد الأصلى الذي تبجحوا بإعلانه.
وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم فأوسعهم إكذاباً.
стр. 391
وبيَّن أن الكفر والجحود داء دفين فيهم، ومرض مزمن توارثوه جيلاً عن جيل.
فليس الذي أتوه اليوم إلا حلقة متصلة السلسلة بماضيهم اللعين.
وساق على ذلك الشواهد والوقائع التاريخية بما لا سبيل لإنكارها.
جهلٌ بالله، وانتهاك حُرم الأنبياء وتمرد على الأوامر: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) .
هنا تبرز حقائق يجب أن نتأملها:
١ - تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة
السابقة لأن السامع يفهم من تكذيبهم بما يُصدِّق كتابهم أنهم صاروا مُكذِّبين
لكتابهم نفسه، وهل الذي يُكَذِّب مَنْ يصدقك يبقى مُصدِّقاً لك؟
غير أن هذا المعنى إنما أُخذَ، استنباطاً من أقوالهم، وإلزاماً لهم بمآل مذاهبهم،
ولم يؤخذ بطريق مباشر من واقع أحوالهم.
فكانت هذه هي مهمة الرد الجديد.
وهكذا كانت كلمة: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ) مغلاقاً لما قبلها مفتاحاً لما
بعدها، وكانت آخر درجة في سلم الغرض الأول هي أول درجة في سلم الغرض
الثاني. فما أوثق هذا الالتحام بين أجزاء الكلام، وما أرشد هذه القيادة للنفس بزمام البيان، تدريجاً له على مدارجها وتنزيلاً له على قدر حاجتها. وفي وقت تلك الحاجة.
٢ - وانظر كيف عدل بالإسناد عن وضعه الأصلى. وأعرض عن ذكر
الكاسب الحقيقي لتلك الجرائم. فلم يقل: فلمَ قتلَ آباؤكم أنبياء الله واتخذَوا العجل وقالوا: (سَمعْنَا وَعَصَيْنَا) لأَنه لو جاء القول - كذلك - لقالوا: تلك أمة قد خلت.
ولو زاد: وأنتم مثلهم. لجاء هذا التدارك بعد فوات البيان.
فكان اختصار الكلام على هذا الوجه إسراعاً بتسديد الحُجَّة إلى هدفها.
وأنهم سواسية فى الجُرم فعلى أيهم وضعتَ يدك
فقد وضعتها على الجاني الأثيم.
стр. 392
٣ - وقد زاد هذا المعنى ترشيحاً بإخراج الجريمة الأولى - وهي جريمة القتل - فى صيغة الفعل المضارع تصويراً لها بصورة الأمر الواقع الآن، وكأنه - بذلك - يعرض على النظارة هؤلاء المجرمين أنفسهم، وأيديهم ملوثة بتلك الدماء الزكية.
٤ - ولقد كان التعبير بهذه الصيغة مع ذكر الأنبياء بلفظ عام مما يفتح باباً
من الإيحاش لقلب النبي العربي الكريم، وباباً من الإطماع لأعدائه في نجح
تدابيرهم ومحاولاتهم لقتله. فانظر كيف أسعفنا بالاحتراس عن ذلك كله بقوله: (منْ قَبْلُ) فثبَّت قلب النبي ﷺ ، وقطع أطماعهم، كما أشارت هذه الكلمة إلى إرادة التجوز في الكلام.
٥ - وانظر كيف جيء بالأفعال في الجرائم التالية على صيغة الماضي بعد أن
وطأ لها بهذه الكلمة: (منْ قَبْلُ) فاستقام التاريخ على وضعه الطبيعى حين
لم تبق حاجة إلى مثل التعبير الأول.
٦ - وانظر إلى الآداب العالية في عرض الجريمة الثانية - وهي جريمة الشرك
- فإنها لما كانت أغلظ من سابقتها وأشد نُكراً في العقول نبَّه على ذلك ألطف
تنبيه بحذف أحد ركنيها. فلم يقل: اتخذتم العجل إلهاً، بل طوى هذا المفعول
الثاني للتصريح به في صحبة الأول وبياناً لما بينهما من مفارقة.
وكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل.
٧ - ثم انظر إلى النواحى التي أوثر فيها الإجمال على التفصيل، إِعراضاً
عن كل زيادة لا تمس إليها الحاجة البيانية في الحال.
فقال: (مُصَدَقاً لِمَا مَعَهُمْ) ولم يبين مدى هذا التصديق.
أفى أصول الدين فحسب؟ أم فى الأصول وبعض الفروع؟.
وإلى أي حد. . فليبحث علماء التشريع.
وقال: (تَقْتُلونَ أنبِيَاءَاللهِ مِن قَبْلُ) فمَنْ هؤلاء الأنبياء؟
وكم عددهم؟ . . فليبحث علماء التاريخ.
стр. 393
وقال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) فكم هي؟ . . وما هي؟ . . .
وقال: (وَإذْ أخَدنا مِيثَاقَكُمْ) فما صيغة هذا الميثاق؟
وعلى أى شيء أعطوه؟ . . .
لا أحد يدرى.
إن حكمة البيان القرآني لأجلُّ من أن تعرض لمثل هذه التفاصيل في مثل هذا
الوضع. وليس في تركها عيب أو نقص.
٨ - إنك تلمح وراء هذا البيان قوة قوية. أعلى من أن تنفعل بمثل هذه
الأغراض. قوة تؤثر ولا تتأثر. تصف لك الحقائق في أمانة خيرها وشرها فى
عزة مَن لا ينفعه خير. واقتدار مَن لا يضره شر. وهذا شأن القرآن أبداً وسمته التي لا يشركه فيها قسيم.
انظر إليه حين يجادل عن القرآن فلا يزيد في وصفه على هذه الكلمة:
" هو الحق "، نعم. . إنها كلمة تملأ النفس، ولا يتطلب الموصوف بها وصفاً أشرف من هذا الوصف الذي يحوى كل الفضائل (١) .
ولنكتف بهذه الأمثلة الثلاثة دليلاً على ما في القرآن من دقة النظم.
وقوة الربط حتى في المواضع التي ليست هي مظنة لذلك.
ولقد تعمدنا أن تكون أمثلتنا الثلاثة من هذا القبيل.
* * *
٣ - اختلاف الأغراض:
وهذه خاصة من خصائص القرآن الكريم، يعمد فيها إلى الجمع بين
الأغراض المختلفة في موضع واحد، ويمزج بينها مزجاً فنياً قوياً لا تحس فيه
بقلق أو اضطراب. بل تحس بالتناسب والالتئام. وليس ذلك في مقدور أحد من الناس.
стр. 394
فالشعراء الفحول كانوا يجمعون في أشعارهم بين النسيب والمدح، أو الفخر
والهجاء، وهم إذ يفعلون ذلك كانوا يسلكون فيه مسالك الاستعانة ببعض
الألفاظ والعبارات التقليدية. مثل: دع عنك ذا. . . وما أشبهه.
وأحياناً كانوا يقتضبون القول اقتضاباً فتجيء أشعارهم مفككة ركيكة، ومعانيهم مضطرية قلقة، وأساليبهم متنافرة.
وفحول الخطباء والكُتَّاب حتى يومنا هذا إذا حاولوا الجمع في مقال أو خطبة
بين معاني متعددة احتالوا واستعانوا. فيحسنون حيناً، ويخطئون أحياناً.
ذلك شأنهم في المعاني المتقارية، والأغراض المتناسبة. ويركبون لكل شطط إن
حاولوا الجمع بين الأضداد أو الأمور المختلفة في أنفسها من غير تضاد.
* * *
* صناعة القرآن:
أما صناعة القرآن فقد أرت نُقاد الفنون وخبراء الأساليب روعة الانسجام بين
المعاني المختلفة في جوهرها. المنفصلة بطبيعتها.
فهو - على ما امتاز به أسلوبه من اجتناب سبيل الإطالة، والتزام جانب الإيجاز بقدر ما يتسع له جمال اللغة - قد جعله أكثر الكلام افتناناً في شئون القول، وأسرعه تنقلاً بينها.
من وصف إلى قصص إلى تشريع إلى جدل. . .
إلى ضروب شتى من المعاني والفنون
تبدو وكأنها وحدة واحدة، شديدة التماسك.
" وعلى هذه القاعدة ترى القرآن يعمد تارة إلى الأضداد، ويجاور بينها فيخرج بذلك محاسنها ومساويها في أحلى مظاهرها.
ويعمد تارة أخرى إلى الأمور المختلفة في أنفسها من غير تضاد
فيجعلها تتعاون في إحكامها يسوق بعضها إلى بعض
مساق التنظير والتفريع، والاستشهاد أو الاستنباط،
أو الاحتراس *. . إلى غير ذلك، وربما جعل اقتران معنيين في الوقوع التاريخى، أو تجاور شيئين في الوضع المكاني دعامة لاقترانهما في النظم. فيحسبه الجاهل بأسباب النزول وطبيعة المكان خروجاً
وما هو بخروج، فإن لم يكن بين المعنيين نسب
стр. 395
ولا صهر بوجه من تلك الوجوه - رأيته يتلطف في الانتقال من أحدهما إلى
الآخر إما بحسن التخلص والتمهيد، وإما بإمالة الصيغ التركيبية على وجه
يتلاقى فيه المتباعدان ويتصافح المتنافران ".
فالطريقة المفضَّلة في القرآن أنه لا يسترسل في الحديث عن الجنس الواحد
من المعاني استرسالاً يرده إلى الإطالة المملة، بل يعرض في الوحدة - السورة
- الواحدة مجموعة من المعاني يربط بينها برباط خاص.
هذا هو الرأي الصائب الذي عليه جُلة العلماء وفضلاؤهم، والذي يؤيده
الواقع وتنطق به الآيات.
* * *
* هل في القرآن اقتضاب ؟
وقد خالف فريق من الباحثين - بحسن نية وضعف إدراك - ما أجمع عليه
السَّلف والخَلف فادعوا غير ذلك، وهم واهمون.
قال أبو العلاء بن غانم:
" إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب
من الانتقال إلى غير ملائم.
وأن ليس في القرآن شيء من حسن التخلص ".
وقال العز بن عبد السلام:
" المناسبة علم حسن، ولكن يُشترط في حسن
ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره.
فإن وقع على أسباب
مختلفة لم يقع فيها ارتباط. ومَن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا
بربط ركيك، يُصان عن مثله حسن الحديث فضلاً عن أحسنه فإن القرآن نزل فى نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة.
وما كان كذلك لا يتأتى فيه ربط - بعضه ببعض.
* *
стр. 396
* مبنى الشُّبهة:
وقد بنى هؤلاء فكرتهم على ثلاثة اعتبارات:
أولها: ما في القرآن من تعدد الأغراض والمقاصد.
ثانيها: الامتداد الزمني والمكاني.
حيث استغرق نزوله ثلاثاً وعشرين سنة فى موطنين مختلفين لهما اعتبارات متعددة، وهما: مكة، والمدينة،
وقد اختلفت الموضوعات التي عولجت في كل منهما عن الأخرى.
ثالثهاً: نزوله مفرقاً مُنَجَّماً حسب المناسبات والدواعى، فسورة البقرة -
مثلاً - استغرق نزولها تسع سنوات.
وجمعت في آياتها أحداثاً كان الفارق الزمني بين وقوعها كبيراً.
وقد وهم الغانمي والعز بن عبد السلام في ذلك وهماً كبيراً.
ولو أنهما لجأ إلى الفكر وأحسنا النظر بدارسة عقد المعاني في القرآن نفسه لرجعا عما قالاه، ولاستغفرا الله ربهما.
*
* رد الشبهة:
وقد فنَّد المتأخرون شُبهات هذه الفكرة، وضربوا أمثلة كثيرة لجودة الربط بين المعاني في القرآن، من المواضع التي يظن المتعجل أن الربط معدوم بينها.
من هؤلاء ضياء الدين بن الأثير في " المثل السائر "،
والزركشي فى " البرهان ".
جاء في المثل السائر: " وقال أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي "
إن كتاب الله خال من التخلص.
وهذا قول فاسد، لأن حقيقة التخلص إنما هى الخروج من كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تلائم بين الكلام الذي خرج منه،
والكلام الذي خرج إليه.
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة كالخروج من الوعظ والتذكير والإنذار والبشارة بالجنة إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومن محكم إلى
قال ضياء الدين معلقاً على هذا النص الحكيم: " فانظر أيها المتأمل في هذا
الكلام الشريف الآخذ بعضه بركاب بعض مع احتوائه على ضروب من المعاني، فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة حتى كأنه أُفرِغَ في قالب واحد. فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إياها مع ما هى فيه من التعرى عن صفات الإلهية حيث لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، إلى ذكر الله تعالى فوصفه بصفات الإلهية فعظم شأنه، وعدد نعمه ليُعْلِم بذلك أن العبادة لا تصح إلا له. ثم خرج من ذلك إلى ذكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه. فتدبر هذه التخلصات اللطيفة في أثناء هذا الكلام ".
وهذا أحد مواضع ذكرها ابن الأثير للتدليل على ما للقرآن من قوة الربط
والانتقال من معنى إلى آخر انتقالاً مناسباً لا اقتضاب فيه.
وما أرانا في حاجة إلى ذكِر بقية الأمثلة التي أشار إليها بقوله:
" وفي القرآن مواضع كثيرة من التخلصات ".
وابن الأثير موفق كل التوفيق فيما أوضحه، وهو على طوله، لم يف بما
يمكن أن يستخلصه الباحث للربط بين تلك المعاني التي ذكرها.
ومع هذا القصور الملحوظ في توجيهه فإن فيه كفاية لحاجة التعجل، ودفعاً لشُبه التطفل.
وقال الزركشي: ". . . وبهذا يظهر لك اشتمال القرآن على النوع المسمَّى
بالتخلص، وقد أنكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي.
وقال: ليس فى القرآن منه شيء لا فيه من التغلف. وليس كما قال: " ومن أحسن أمثلته قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، فإن فيه خمس
تخلصات.
وذلك أنه جاء بصفة النور وتمثيله، ثم تَخلص منه إلى ذكر الزجاجة
وصفاتها.
ثم رجع إلى ذكِر النور والزيت يستمد منه. ثم تخلص منَه إلى ذكِر
стр. 399
الشجرة، ثم تخلص من ذكرها إلى ذكر الزيت - ثم من ذكِر الزيت إلى صفة
النور وتضاعفه. ثم تخلصَ منه إلى نعمة الله بالهدى على مَنْ يشاء ".
ثم قال: ومنه قوله: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) .
فإنه سبحانه ذكر أولاً عذاب الكفار وأن لا دافع له من الَله.
ثم تخلص إلى قوله: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) بوصف: (اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ) .
ومنه قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) . . . إلى قوله: (فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
فهذا تخلص من قصة إبراهيم وقومه إلى قوله هذا.
وتمنى الكفار في الدار الآخرة الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا بالرسل،
وهذا تخلص عجيب.
ثم أخذ يسوق أمثلة كثيرة موضحاً ما فيها من اختلاف الأغراض وحسن
الربط بينها شأنه شأن ابن الأثير. بَيدَ أن ابن الأثير أطول منه باعاً، وأوسع
تحليلاً فيما عرض له.
هذه هي النظرة الصائبة إلى أسلوب القرآن، وبذلك يُدرك خطأ المخالفين.
* * *
* قانون الربط بين الكلام:
ويضع الإمام بدر الدين الزركشي قانوناً لهذه الروابط في الجمل والمعاني غير
المعطوف بعضها على بعض، وكانت موضع توهم ألا ارتباط بينها.
ويُجمل هذا القانون في ثلاثة اعتبارات هي:
стр. 400
أولاً - التنظير:
فإن إلحاق النظير بالنظير دأب العقلاء، ومن أمثلته قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) .
عقب قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) .
فإن الله أمر رسوله أن يمضى لأمره فى الغنائم على كره من أصحابه، كما مضى في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون.
وذلك أنهم اختلفوا يوم " بدر " في الأنفال، وحاجوا النبي ﷺ وجادلوه فكره كثير منهم ما كان من فِعل الرسول ﷺ في النفل، فأنزل الله هذه الآية، وأنفذ أمره بها.
وأمرهم أن يتقوا الله ويطيعوه، ولا يعترضوا عليه فيما يفعله فى شيء ما.
بعد أن كانوا مؤمنين. ووصف المؤمنين ثم قال: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) .
يريد أن كراهتهم لما فعلته من الغنائم ككراهتهم للخروج معك.
وقيل معناه: أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق.
كقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) .
وقيل: الكاف صفة لفعل مضمر وتأويله: افعل في الأنفال كما فعلت فى
الخروج إلى بدر وإن كره القوم ذلك. . . فشبَّه كراهتهم فيما جرى من أمر الأنفال وقسمتها بالكراهة في مخرجه من بيته. . . وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة أو صلة فهو من نفس الكلام.
стр. 401
وقد ذهب الزمخشري مذهباً قريباً من مذهب الزركشي.
وننقل فيما يأتي توجيهه للآية الحكيمة.
قال: " أن يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ
محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك. يعنى أن حالهم في كراهة ما رأيتَ من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب.
وأن ينتصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: (الأنفَالُ لله
والرَسُول) أي الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثلَ
ثبات إخرَاج ربك إياك من بيتك وهم كارهون ".
وعلى ما ذكره صاحبا " البرهان " و " الكشاف " فالمناسبة واضحة.
إذ الكلام لم يخرج عن طريقة التشبيه، ولا يقال إن الجمع في الصورة التشبيهية بين المشبه والمشبه به، مع وضوح وجه الشبه،
اقتضاب أو جمع بلا تلاؤم.
ثانياً - المضادة:
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) .
فإن أول السورة كان حديثاً عن القرآن الكريم وأن من شأنه كيت وكيت.
وأنه لا يهدى الذين من صفاتهم كيت وكيت.
فرجع إلى الحديث عن المؤمنينِ، فلما أكمله عقب بما هو حديث عن الكفار. ففيهما جامع وهمي بالتضاد من هذا الوجه وحكمته التشويق والثبوت على الأول كما قيل: " وبضدها تتبين الأشياء ".
فإن قيل: هذا جامع بعيد، لأن كونه حديثاً عن المؤمنين بالعرض لا بالذات،
والمقصود بالذات الذي هو مساق الكلام؛ إنما هو الحديث عن الكتاب لأنه مفتتح القول.
قلنا: لا يُشترط في الجامع ذلك. بل يكفى التعلق على أي وجه كان،
ويكفى في وجه الربط ما ذكرنا، لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به،
стр. 402
والحث على الإيمان به. ولهذا لما فرغ من ذلك قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا. . . .) فرجع إلى الأول.
ثالثاً - الاستطراد:
ومنه قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) .
قال الزركشي: قال الزمخشري: " هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد.
عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها. إظهاراً للمنَّة فيما خلق الله من اللباس. ولما في العرى وكشف العورة من المهانة والفضيحة.
وإشعاراً بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى ".
والزركشي - هنا - لم يتعرض لتعريف الاستطراد، معتمداً على ما ذكره
الزمخشري في توجيه الآية.
* *
* فيما بين الزركشي والباقلاني:
كما حكى عن القاضي أبى بكر الباقلاني أنه جعل من قبيل الاستطراد قوله
تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) .
قال: كأنَ المراد أن يجرى بالقول الأول إلى الإخبار عن كل شيء يسجد للهِ.
وإن كان ابتداء الكلام في أمر خاص.
стр. 403
ثم علق الزركشي على كلام القاضي بقوله: " انتهى. وفيه نظر ". .
لكنه لم يبين وجه النظر المخالف ولعله أراد أن بين الآيتين ارتباطاً ظاهراً،
وليستا من قبيل الاستطراد، فإن كانت هذه وجهة نظر الزركشي فنحن معه.
وإلا فإن عبارته في حاجة إلى إيضاح والحق يقال. . فصاحب البرهان قد أشار إلى مقصد عام وهام في مسألة الجمع بين المعاني التي يبدو عليها عدم التناسب في الظاهر.
وإن كان عزا ما ذكره إلى أنه نوع من الاستطراد.
قال: " ومنه الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطاً
للسامع كقوله تعالى: (هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) .
فإن هذا القرآن نوع من الذكر لما انتهَى ذكر الأنبياء، وهو نوع من التنزيل أراد أن يذكر نوعاً آخر وهو ذكرَ الجنة وأهلها فقال: (هَذَا ذكْر)
فأكد تلك الإخبارات باسم الإشارة.
* *
* رد جديد على الشُّبهة:
فيما مضى قدر كاف مما ذكره العلماء في هذا الموضوع.
فلندل بدلونا فيه بأمثلة غير التي تقدمت لهم.
ولنعمد أولاً إلى وحدة كاملة (سورة) من وحدات القرآن نتخذ منها شعاعاً
لمعرفة ما في التنزيل الحكيم من أسس قوية للربط بين المعاني والأحكام بين
الصياغات المختلفة.
стр. 404
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) .
والمتأمل في هذه السورة يستطيع أن يحللها إلى العناصر الآتية:
١ - مقدمة قصيرة من آية واحدة مصدرة باستفهام تشويقي لما بعدها.
ولإثارة الشعور والاستعداد النفسي لموضوع الحديث.
٢ - إجابة على هذا الاستفهام التشويقي المثير، وقد استعدت النفس لتلقى
هذه الإجابة واشتاقت إليها.
وهذه الإجابة تشتمل على جزئين أساسيين:
أولهما: حديث عن المكذبين وما يعتريهم يوم الحشر من أسى.
وما أُعِد لهم فى النار من شراب وطعام.
ثانيهما: حديث عن المؤمنين الصادقين وما يغمرهم من سرور يوم الجزاء،
وما أعد الله لهم من مظاهر النعيم في دار الرضوان.
٣ - عود للحديث عن المكذبين موبخاً لهم في أنهم صائرون إلى ما صاروا
إليه، وعندهم من الآيات ما لو تأملوها لآمنوا وصدقوا، ولأنقذوا أنفسهم من العذاب المؤلم والمصير المهين.
стр. 405
٤ - إرشاد للنبى ﵊، يبيِّن له حدود وظيفته، ويحثه على
المضي في الدعوة غير آبهٍ بكفر مَنْ كفر، ولا إعراض مَنْ أعرض.
٥ - خاتمة فيها للنبى تسلية. وللمكذبين وعيد شديد. لو تدبروه لكفوا عما
هم فيه ولدخلوا في زُمرة المهتدين.
هذه أغراض خمسة رئيسية اشتملت عليها السورة الواعظة منذرة ومبشرة
ومرشدة.
والمتأمل يدرك في وضوح أن علاقة العنصر الثاني بجزئيه - عقاب العصاة،
وإثابة المصدِّقين - بالمقدمة القصيرة المثيرة هي علاقة الجواب بالسؤال لأن هذا
الاستفهام: (هَلْ أتَاكَ حَديثُ الغَاشيَة) ؟ يلزمه سؤال من النبي عليه
السلام. فكأنه قال: لا. لم يأَتني. فكان الجواب: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) .
وهذا هو الجزء الأول من العنصر الثاني.
أما الجزء الثاني فهو: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) .
وبهذا استوفى الحديث أركانه: سؤال وجواب عن أهل النار، أو كالسؤال
والجواب.
ويلاحظ الباحث أن الجزء الثاني - وهو الحديث عن أهل الإيمان - لم يعطف
عن نظيره المقدم عليه. وهو الحديث عن أهل الكفر.
وكان من حقه أن يعطف عليه لأنه قسيمه.
فلماذا إذن قدم الحديث عن أهل النار. وأخر الحديث عن أهل الجنة ولم
يعطف اللاحق على السابق؟ سؤال هام.
стр. 406
أما التقديم فبداهة أنه ليس للتكريم. . بل لداع بياني أراه فيما يأتى:
فقد تصدر السورة هذه الآية: (هَلْ أتَاكَ حَديثُ الغَاشيَة) .
والغاشية هى القيامة بأهوالها الشداد أو هي النار المحرقة. كما نص على ذلك
المفسرون، وفي التنزيل ما يقوى كلاَ التفسيرين فقد جاء فيه:
(يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ) ، وجاء فيه: َ (وَتغْشَى وُجُوهَهُمُ النارُ)
بَيْدَ أن إرادة القيامة هنا أولى للتقسيم الذي بعدها.
فإذا استقر ذلك فإن الأولى بالتقديم من الفريقين هو فريق النار لتتلاءم
الألفاظ، فالشدائد يناسبها خشوع الوجوه لا نعومتها. إرهاقها لا سرورها
ورضاها. أما ترك العطف بين القسمين فأرجح أن يكون لتغاير الفريقين تغايراً
تاماً في جميع الأحوال: كفر وإيمان، صلاح وفساد، ذل وإرهاق، وكرامة
وسرور، نار حامية وجنة عالية، عين آنية وعين جارية. . .
ولو عطف الفريق الثاني على الفريق الأولى لتوهم متوهم اشتراكهما في شيء
أى شيء من أجله صح العطف. ولدفع هذا التوهم ترك العطف في الظاهر، وإن بقى مقدَّراً منوياً كما يرى بعض العلماء.
ولما كان القرآن كتاب هداية وإرشاد. فإن منهج التريية الدينية والخُلقية فيه
يقتضي تقديم بعض النصح ليهتدي الضال بعد أن بانَ له ما أُعدَّ لأمثاله من
العذاب.
لذلك ناسب أن يلفت القرآن أنظارهم لفتاً قوياً إلى آيات القُدْرة التي تهدى
إلى الإيمان فجاء قوله تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) .
ذلك نصحه لمن ضَلَّ. .
стр. 407
والآن أفتظن أن القرآن يهمل صاحب الدعوة - محمداً عقلي - وقد أجهد
نفسه في هداية هؤلاء.
لقد ذكر القرآن على سمعه هذه الآيات العظام التي يشاهدونها ولا يتأملونها
، يمرون عليها صباح مساء وهم عنها غافلون. إنه متابع باهتمام هذه النُّذُر،
وهذا التبشير واع لما ذكره الله من آيات وأعرض عنها القوم.
ألم يذكرهم بها فلم يهتدوا. ماذا بقى الآن؟
أيستخدم معهم أسلوباً آخر غير الكلمة والذكرى؟
أيترك هذه الذكرى التي لم يقدروها حق قدرها؟
لم يترك القرآن صاحب الرسالة في حيرة من أمره.
بل يقدم له التوجيه الرشيد فيلتفت إليه قائلاً: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) .
وهذا تثبيت لنفس النبي ﵇. حين يبيِّن له ربه أن سلطان الذكرى هو عنوان الرسالة، ولكن هناك خاطراً لم يزل في نفس الداعي الحريص على هداية الناس المخلص لهم في النصح.
. . . وهؤلاء يا رب. . . هؤلاء العتاة الذين لم يثمر فيهم نصح.
ولم يزعنوا لإصلاح. . وهنا يواصل القرآن إتمام الصورة:
(إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) .
ولكن كيف ذلك؟
(إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) .
وهنا يُسدل الستار. مرحلة بدأت ثم انتهت. وبين البدء والنهاية
صور ومشاهد تلتئم كلها برباط وثيق.
كل مشهد يسلم للذى وراءه. . وهكذا تتابع المناظر في إطار واقعى
أو إرشادى أو نفسي. إطار مهما كانت خيوطه فإنه من وحدة واحدة.
ذلك دأب القرآن في الربط بين المعاني في السورة الواحدة.
*
стр. 408
ولنذكر مثالاً آخر من غير هذا النوع. سورة نبحث عن العلاقة بينها وبين
السورة التي قبلها والسورة التي بعدها حسب ترتيبها في المصحف.
وعن العلاقة التي بينها وبين السورة التي قبلها والسورة التي بعدها حسب ترتيبها فى النزول.
أي نبحث فيها من جانبين. هما اللذان أشرنا إليهما:
* الكوثر وجارتاها في المصحف:
أما السورة فهى قوله تعالى:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) ."
صدق الله العظيم
هذه السورة، هي أقل سور القرآن الكريم في عدد الكلمات والجُمَل.
وتتكون من خبر، ثم أمرين معطوف ثانيهما على أولهما. ثم خبر أيضاً.
ومع قصرها هذا فإنها جمعت بين الأغراض الآتية:
١ - الامتنان والمدح: (إِنَّا أعْطيْنَاكَ الكَوْثَرَ) المخاطب محمد ﷺ يمتن الله عليه بأن أعطاه الخير الكثير.
ومن كان كذلك فهو للمدح أهلٌ وموضع.
٢ - الأمر بالطاعات من صلاة ونحر وتقرب لله وشكر له على نعمه:
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) .
٣ - الذم: فإن مَنْ كان أبتر لا عقب له فهو مذموم: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .
هذه ثلاثة أغراض اشتملت عليها هذه السورة القصيرة.
ولا شذوذ في هذا الجمع. وإنما إحكام والتئام.
стр. 409
فالمشركون كانوا يُعبرون النبي محمداً ﵇ بأنه أبتر لا عَقَبَ له.
فبيَّن الله أنه أعطى محمداً ﵇ الخير الكثير. ثم أمره أن يصلي لله
وينحر من أجله شكراً له على هذه النعم. . جاء في كتب التفسير:
" أعطيتَ ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي لم يُعطه أحد غيرك.
ومعطى ذلك كله: أنا إله العالين. فاجتمعت لك الغبطتان السنيتان.
إصابة أشرف عطاء وأوفره من أكرم معط وأعظم منعم.
فاعبد ربك الذي أعزَّكَ بعطائه.
وشرفك وصانك من سوء الخُلق. مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله. وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرتَ مخالفاً لهم في النحر للأوثان ".
وبهذا تبدو قوة المناسبة بين: (إنا أعْطيْنَاكَ الكَوْثَرَ) و: (فَصَل لِرَبكَ
وَانْحَرْ) ، أما مناسبة الخاتمة: (إن شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) لما تقدمها من
الآيتين المذكورتين فواضحة. وذلك من وجهين:.
أولهما: تكملة السرور للنبى ﵇ ودفع أقاويل الشرك عنه.
فبعد أن بيَّنَ له أنه أعطاه الخير الكثير، وأمره بفعل الطاعات شكراً له. أعلمه أن الأبتر هو مبغضك وراميك بالبتر.
لأن مَنْ شأنه مثل شأنك ليس بأبتر. فجاءت
الآية تذييلاً تعليلياً لما قرر وثبت.
وثانيهما: رد على مَنْ رمى النبي ﵇ بالبتر، والسورة مسوقة
لتنفى عن النبي ﵇ هذه الصفة.
ذلك هو نظام عقد المعاني في نفس هذه السورة. وحدات متآلفة ملتئمة
لا ينكر قوة ربطها لا جاهل أو معاند.
فما هما - إذن - جارتاها في المصحف، وفي النزول. وما الرابط بينهما؟
стр. 410
والجواب: سبقت سورة " الماعون " سورة " الكوثر " في المصحف.
وسورة " الماعون " تقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧) .
" صدق الله العظيم ".
ولحقت بها سورة " الكافرون " وهي تقول:
(بسم الله الرحمن الرحيم
قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .
" صدق الله العظيم ".
فى سورة " الماعون " جاء تفسير الذي يُكذبُ بالدين بأنه الذي يَدُع اليتيم
ويزجره ولا يعطف على المسكين ولا يحض على طعامه.
وفي هاتين الصورتين إهانة وحرمان.
وجاء فيها - كذلك - الدعاء بالويل والهلاك للمصلِّين الذين يسهون عن
صلاتهم ويراءون الناس بعملها. ولا يمدون يد العون لأحد.
وفي هاتين الصورتين - السهو والرياء - مخالفة لمبادئ الدين، وفي منع الماعون بخل بغيض.
فجاءت سورة " الكوثر " تأمر النبي ﷺ بالصلاة، تلك التي أضاعها الكذب بالدين، وتأمره بالنحر للهِ ليتصدق على المحتاجين، وفي هذه رعاية
стр. 411
لحق اليتيم والمسكين اللذين أضاعهما المكذب بالدين.
وفيه أيضاً تعريض بالمرائين في قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ)
حيث أمره الله بأن يصلى له لا لغيره. . . وبأن ينحر لوجهه، لا ليقال إنه كريم معطاء. . أرأيت إلى أى مدى تتوثق عرى السورتين
هذه هي علاقة " الكوثر " بما قبلها: " الماعون "، فما هي: - إذن -
علاقتها بما بعدها: " الكافرون ".
لقد جاءت خاتمة " الكوثر ": (إن شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) ، وشانئ الرسول
﵇ هو الكافر وليس بينه وبين الرسول أسباب عداء سوى الإيمان الذى يدعو إليه الرسول. والكفر الذي عليه الكافر.
وهذا النقص الذي كانوا يرمون به النبي ﵇ وهو منه براء - نوع
من الحرب النفسية كانوا يوجهونها ضده عله يهون أو يلين.
ذلك هو ختام " الكوثر " فجاء مطلع " الكافرون " نداء إلى أولئك الكفار الشانئين قاطعاً عليهم كل أمل في مصالحة صاحب الرسالة مهما بلغوا من الكيد له:
(قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ* لاَ أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) . . . الآيات.
وهذه علاقة " الكوثر " بما بعدها - أرأيت نسجاً من القول محكماً كهذا
النسج.؟ لا. . . إنه القرآن وحده.
*
* الكوثر وجارتاها في النزول:
ثم ما هي علاقة " الكوثر " بما سبقها وما لحقها بحسب النزول. لنرى ذلك.
جارتاها في النزول: " العاديات " و " التكاثر "، الأولى سابقة عليها نزولاً
* والثانية لاحقة بها نزولاً، وهي واسطة العقد.
والمناسبة بين الجارتين واضحة. فـ " العاديات " تقول:
стр. 412
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)
وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) .
" صدق الله العظيم "
ففى " العاديات " هذه حكم على الإنسان بأنه كافر بنعمة ربه لا يشكرها.
وأنه شاهد على نفسه بذلك. وأنه مولع بحب الخير العاجل راء فيه كل أسباب السعادة والحياة المرضية.
فجاءت " الكوثر " تقول للرسول: إن الله أعطاك خيراً كثيراً. فاعبده
وانحر وتصدق، فإنك لست مثلهم تُعطى فتبطر. وتجمع المال وتحب منه المزيد.
لكن اشكر نعمة ربك بالطاعة والإنفاق.
أليست هذه أوثق رابطة. وأنسب علاقة؟
وتقول " التكاثر ":
(بسم الله الرحمن الرحيم
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .
" صدق اللهْ العظيم "
стр. 413
الشانئ في سورة " الكوثر " يقول إن محمداً ﷺ صنبور ليس له ولد ولا عقب.
وهم يفتخرون بما لديهم من مال. وما لهم من عترة وأولاد وأحفاد، يتكاثرون فيما بينهم بعدد رجالهم وفرسانهم.
ذلك عندهم مقياس الفضيلة: مال وولد.
فجاءت هذه السورة تبين لهم ضلال ما هم فيه. وأن ما عندهم من الولد والمال لاهٍ لهم عن عمل الخير، شغلهم حتى ماتوا، أو شغلهم التكاثر بعَدِّ الرجال حتى ذهبوا يعدون مَنْ مات منهم، وسيكون ذلك حسرة عليهم يوم القيامة.
أما محمد ﵇ الذي يعيرونه بعدم العقب، فقد أعطاه لله خيراً كثيراً
فهو فيه لربه طائع غير شحيع ولا بخيل، ولا هو شاغل له عن عمل الخير من
طاعات لله كالصلاة والإنفاق وكالنحر.
أوَ ليست هذه رابطة جامعة وثقت عرى الجار بالجار. فبدتا - أي السورتان
- كأنهما وحدة واحدة.
ذلك منهج القرآن الحكيم. انسجام والتئام بين الألفاظ ومعانيها. التئام
وانسجام بين الكلمة والكلمة. التئام وانسجام بين الجملة والجملة. التئام
وانسجام بين الفقرة والفقرة. التئام وانسجام بين السورة والسورة. التئام
وانسجام ساريان فيه جميعه. وتلك دعامة من دعامات الإعجاز وآية من آيات الحكمة.
* *
* ملاحظتان مهمتان:
أولاهما: أن القرآن يُفضِّل الجمع بين المعاني في الموضع الواحد دفعاً للسآمة
وتجديداً للنشاط من أن تسترسل النفس في معنى واحد يستبد بها ما دامت
قارئة أو سامعة. فقارئ القرآن وسامعه هما دائماً في جديد من المعاني
والمشاهد من قصص إلى تشريع. ومن تشريع إلى تبشير، ومن تبشير إلى إنذار.
ومن إنذار إلى عتاب. ومن عتاب إلى تهديد، ومن تهديد إلى تذكير. وهكذا
стр. 414
هو شيبه بالروضة الفيحاء لا تزال أمام ناظريك منها ألوان شَتى من الزهور،
وأنسام عذبة تحمل إليك أجمل الروائح وأطيب الشذا فتدفع عنك الإيحاش،
وتملأ نفسك سروراً وبهجة، وتشجيك أنغام طيورها بأعذب الألحان.
وثانيتهما: أن الله تعالى - جَلت حكمته - يريد أن يُيَسِّر للناس الانتفاع
بكتابه الكريم ويسَهِّل لهم الاستفادة منه.
ولما كانت مقاصد القرآن متعددة فحرى به أن يبث تلك المقاصد في ثناياه وتضاعيفه. حتى لا يتوقف الإلمام بها - كلها أو بعضها - على تتبع ما لا يتيسر تتبعه منه. فأي سورة تقرأ تضع أمام ناظريك هدفين أو ثلاثة أهداف. أو عدداً أي عدد من المواعظ والأحكام والقصص والتهذيب والتوجيه والإرشاد، وهو - بهذا - يلبي حاجة التعجل،
ويلبى حاجة التأنى على حد سواء فقد رأينا أقصر وحداته: " الكوثر " أبت
إلا أن تعرض عدداً من المعاني والمقاصد.
* *
* سياسة حكيمة:
وتزيد هذه المقاصد والأهداف كلما طالت السورة. كالبقرة وآل عمران
والنساء.
وهذه سياسة حكيمة فارق القرآن بها مؤلفات البَشر من أبعد طريق، وصدق
الله إذ يقول: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .
* *
٤ - الإقناع والإمتاع:
" في النفس الإنسانية قوتان، قوة تفكير، وقوة وجدان.
وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة الأخرى.
فأما إحداهما فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به.
وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم.
стр. 415
والبيان التام هو الذي يوفى لك هاتين الحاجتين. ويطير إلى نفسك بهذين الجناحين فتجد حظها من الفائدة العقلية. ومن المتعة الوجدانية معاً ".
* الناس ثلاثة أنواع:
وليس هذا القدر في السلوك الإنسانى القولى بمستطاع.
فالناس - هنا - كيف كانوا أنواع ثلاثة:
الأول: فريق يجلو لك الحقيقة ناصعة بيضاء - هذا همه - ولا يبالى
ما أصاب تعبيره من جفاف. ونبو عن الطباع. وأنت حين تقرأ لهذا الفريق
تكون كمن ينحت في الصخور بأطراف أصابعه.
ليستخرج منه معدناً نفيساً قَلَّ أو كثر.
ورواد هذا الفن هم الفلاسقة والعلميون والعقليون.
ومَن على شاكلتهم.
الثاني: فريق يمتع عاطفتك بما يثيره من صور وخيالات في ذهنك وشعورك،
ولا ينفك يسبح بك بين صور الفن والخيال حتى ينسيك - إذا صدق في الشعور - حدود الزمان والمكان فتنطلق معه في دنيا غير دنياك، يسحرك بيانه، وتطويك أنغامه. فإذا سرى عنك وأُبْتَ من سبحك لم تجد في حوزتك شيئاً إلا ظلالاً باهتة لمؤثر غامض.
الثالث: فريق يمسك العصا من الوسط - كما يقولون - فيجمع بين النزعتين.
ويمزج بين الطريقتين ولكنه بمنأى عن التوفيق - مع شدة حرصه عليه - فأحياناً تأتى عباراته عاطفية على حساب العقل، وأخرى تأتى عقلية على حساب العاطفة. فإن رأيتَ مَن يقضى بينهما بالعدل في موضع، فاعلم - مقدماً - أن عهده بذلك لن يطول.
وأن ما رأيته منه من توفيق للعدل فلتة لم يجر بها طبع.
وندرة لا تتكرر كثيراً.
* *
стр. 416
* المستحيل. . ممكن ! ؟
وهذا الذي استحال على الناس. أو كان في حكم المحال، تراه أروع ما يكون فى الذِكر الحكيم. فيه حظ النفس وعواطفها ومشاعرها.
وفيه مطلب العقل وحججه وبراهينه، تراهما متجاورين متآلفين دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وإن برز أحدهما في موضع فإن تلك سياسة بيانية. ومقتضى مقام.
* *
* منهج خُلقى حي:
اقرأ - مثلاً - قوله تعالى في تشريع القصَاص: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) .
وانظر إلى الاستدراج إلى الطاعة في افتتاح الآية: (يَا أيُهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ. . .) .
وترقيق العاطفة بين الواترين والموتورين في قوله: (أخيه) وقوله:
(بِالمعْرُوفِ) ، وقوله: (بِإِحْسَانٍ) .
والامتنان في قوله: (تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) .
والتهديد في ختام الآية: (فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
ثم وازن بين الاستدراج إلى الطاعة في مطلع الآية. والتهديد في خاتمتها.
وأنزل ذلك من نفسك. . وانظر حالها كيف تكون.
стр. 417
ثم انظر في أي شيء يتكلم القرآن - هنا - أليس في فريضة مفصلة، وفى
مسألة دموية. وجناية من أخطر جنايات النفس؟
وسبيل هذا أن يُصاغ في قوانين، تحدد الجريمة، وتضع أساس العاقبة عليها
فى كلمات جافة لا تعرف الليونة. ولا تميل إلى المهادنة.
لكن منهج التريية والتوجيه الخُلقى في القرآن الحكيم هو سر ذلك البيان
الرفيع الذي يتيح لصاحب الحق الأخذ بحقه. وفي نفس الوقت يهديه للتى هى
أقوم. (فَمَنْ عَفَا وَأصْلحَ فَأجْرُهُ عَلى اللهِ) .
وقد نهجَ القرآن هذا المنهج في جميع تشريعاته: في الطلاق والظهَار والإيلاء،
فى تقسيم الإرث والتركات، في تشريع الصيام والحج والزكاة، في إبرام
العقود ووضع المواثيق، في مباشرة الحقوق ومعاملة الأسرى والرقيق.
في كل أولئك يضع ضمانات العدالة، وأسس ضبط النفس.
فتراه يقول عندما أباح للمعتدى عليه أن يأخذ بحقه: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .
فالآية هنا تبيح لمن اعُتدَى عليه أن يَعتدى على المعتدي. .
ولكن استعمال هذا الحق أُحيط بثلاث ضمَانات أو ضوابط:
١ - أن يكون الاعتداء الواقع من المعتدَى عليه، مثل الواقع من المعتدِي
حسما للتمادى من أيهما.
٢ - وقد سمى الثاني اعتداءً، وكان حقه أن يسمى: جزاءً. لماذا؟ . .
لأن اللفظ الثاني يغري المظلوم على التمادي.
أما الأول فإنه يشعر وهو يباشر حقه فى الرد على مَن ظلمه، أنه يباشر اعتداء. فيكف ولا يطيل.
стр. 418
٣ - الأمر باتقاء الله، ليقف المجازِى عند حده فلا يزيد في انتصاره لنفسه
من ظالمه عما وقع به هو من الظلم.
وقد أكَّد هذا المعنى بقوله تعالى: (وَاعْلمُواْ أن اللهَ مَعَ المتقين) ترغيباً
لهم في العدل، والوقوف عند المطلوب المباح ومَنْ مِنَ المخاطبينَ لا يريد أن
يكون الله معه.
ومثل هذا التوجيه قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) .
وقد لا تكون هنا غرابة فالنزاع بين مسلمين مطلوب منهم أن يحسنوا المعاملة
فيما بينهم.
* *
* التسامح مع المخالفين:
لكن الباحث يرى أن هذا منهج عام للقرآن فيما يحسن فيه ترقيق العواطف.
قال سبحانه: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) .
فالعفو والصفح مطلوبان حتى مع المخالفين، ما دام الموضع ليس قتالاً
ومناجزة مطلوباً فيه الغِلظة والعنف.
وانظر أيضاً إلى هذا التوجيه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦) .
стр. 419
فالجار - هنا - مشرك، والمجير رسول الله ﷺ ، والآمر بالإجارة هو الله.
هذه أُسس عامة في المعاملة.
* عودة للتشريع:
ثم انظر إلى القرآن حين يُشرَّع الطلاق. فإن الأمر بالمعروف، والتسريح
بالإحسان، والعفو. . مواقف لا يكاد ينفك عنها نص من نصوص التشريع فيه.
قال تعالى في سورة البقرة:
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
стр. 420
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) .
هذه أحكام الطلاق وآدابه، تتحدث عنها هذه الآيات.
فلم يسلك في بيانها الأسلوب التقريرى الجاف. كما هو الشأن في الحديث عن الأحكام خارج القرآن.
وإنما جعلت الآيات للعاطفة والنفس نصيبها من الخطاب. حثاً لها على التيقظ
والعمل، كلما اقتضى المقام ذلك.
وقد استعان القرآن على حمل المخاطبين والمتنازعين للاعتراف بالحقوق
والإنصاف في الخصومة بعبارة تُشوق النفس إلى الإنصاف، لأنه يثيرها
ويستكشف ما في خبايا النفس من أسرار لا يُتوصل إليها بالعنف كما يُتوصل
إليها بالملاينة والإثارة كما جاء في هذه الآيات.
* *
* لقطات مثيرة:
تأمل هذه اللقطات: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
(وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) .
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) .
стр. 421
(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .
(فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) .
(ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
* *
* نصيب العاطفة:
ونصيب العاطفة من هذا البيان جانبان:
١ - أن يذكر الأمر الأولى بالاعتبار فيثير القرآن في العاطفة مشاعر النبل
للإقبال عليه والعمل به.
٢ - أن يذكر الأمر الأولى بالترك أو الذي لا يليق. فيثير فيها مشاعر
النفور لتنأى عنه وفي بعض الألفاظ دلالة مشعة على كلا الجانبين:
الترغيب والتنفير.
فعند حدوث النزاع يسمَّى الإبقاء على الحياة الزَوجية " إمساك "،
والإنسان لا يمسك إلا بشيء له فيه منفعة.
* إغراء:
وهذا إغراء على الحفاظ بكيان الأسرة، والعدول عن الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله. . . وضرورة تشريعية لا يُلجأ إليها إلا في حالة اليأس التام من إصلاح الأمور.
وقد صرَّح القرآن نفسه بهذا المعنى في موضع آخر، فقال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) .
стр. 422
كما سمى القرآن الطلاق " تسريح " لا ترغيباً فيه، وإنما لا يجب على
المسلمين من حُسن المعاملة، وجمال الكيفية التي يوقعون بها الطلاق حيث
اقتضته الضرورة ولا بديل له.
لأن التسريح في الأصل: الإرسال للمرعى.
ففيه إيحاء للأزواج العازمين على الطلاق أن يُحسنوا معاملة زوجاتهم، ولا يُسيئوا إليهن. ولم يكتف القرآن بالدلالة اللغوية للفظ " تسريح " حتى اشترط أن يكون: " تسريح بإحسان "
كما وصفه على لسان نبيه محمد ﷺ يخاطب زوجاته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) .
قال الراغب: " السرح: شجر له ثمر - وسرحت الإبل: أصله أن ترعيه
السرح، ثم جُعِلَ لكل إرسال في الرعى. . والتسريح في الطلاق نحو قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ) . وقوله: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)
مستعار من تسريح الإبل كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل ".
وقال في مادة " م س ك ": " إمساك الشيء المتعلق به وحفظه قال تعالى:
(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) ، وقال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) ، وقال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)
فهذان اللفظان اللذان يترددان كثيراً في تشريع الطلاق حظ النفس منهما أكثر من حظ العقل.
وهما مختاران اختياراً دقيقاً للدلالة على المراد منهما.
стр. 423
ثم انظر مرة أخرى إلى هذه الصورة: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) .
وتأمل كلمات: " تعضلوهن "، " تراضوا "، " بالمعروف ".
قال الراغب فى مادة " ع ض ل ": " العضلة: كل لحم صلب في عصب، ورجل " عضل ": مكتنز اللحم، وعضلته: شددته بالعضل المتناول من الحيوان نحو: عصبته.
وتجوز به في كل منع شديد قال: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)
قيل: خطاب للأزواج. وقيل: للأولياء ".
والظاهر أن حقيقة التعبير هنا هو المنع. لكنه استعير له اللفظ الوارد فى
الآية لا فيه من إيقاظ العاطفة، وتحردك النفس نحو ما هو مطلوب.
* *
* ترقيق العاطفة:
وهذه صورة أخرى من صور ترقيق العاطفة عند النزاع في الطلاق:
قال سبحانه: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) .
الآية الأولى خطاب للمتنازعين قبل المس، والحال أنهم لم يفرضوا للنساء
فريضة فالملابسة هنا بينهم ضعيفة.
ومع أن الآية قد نفت عنهم الحَرَج إذا طلَّقوا فى هذه الحال فإنها أوجبت عليهم إمتاعهن كل حسب قُدرته غنياً أو فقيراً،
стр. 424
وسمى هذا المتاع: (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) .
وهذا التعبير يثير عند الأزواج مشاعر المروءة والنخَوة ويستل من النفوس السخائم فتبذل ما وجب عليها في رضا وحنان، والمستفيد هنا المطلقات.
والآية الثانية خطاب لهم - كذلك - والحال أن الطلاق وقع قبل المس وقد
فرضوا لهن فريضة. فعلى الزوج - إذن - أن يبذل لها نصف ما فرض.
هذا حق للمطلقة واجب على المطلِّق. فلها أن تستمسك بحقها.
وعليه أن يؤديه لها.
ذلك أصل المسألة وأساس القضاء الذي لا يجوز له أن يعدل عنه، لأنه
مأمور بأخذ الحقوق وإعطائها لمستحقيها.
* *
* الدعوة إلى الإصلاح:
لكن القرآن الذي يفسح المجال دائماً أمام المتنازعين للتسامح والتصالح،
لأنهما في النهاية يؤديان إلى الموَدة والإخاء بينهم، لم يقف عند حد بيان أصل
المسألة. فتراه بعد أن قررها يقول: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. .) .
فأداء النصف واجب على المطلق. وللمطلقة أن تعفو عنه كله أو جزئه،
أو يعفو وليها.
فهذا الاستثناء أول درجة في سلم المصالحة. ولكن هل القرآن وقف بالمسألة
عند حد الاستثناء؟
لو كان الأمر كذلك لكان وافياً في الإذن بالتصالح، والأخذ بالحسنى من جانب صاحب الحق.
لكن القرآن لم يقف بها عند هذا الحد.
بل ذكر بعد الاستثناء ما يُرَجِّح العمل به، ويُرَغب المطلقات أو أولياءهن فيه.
فقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
стр. 425
أليس في ذلك ترغيب شديد إلى العفو بين المتنازعين. إنه كذلك.
وهنا تبدو المسألة قد كملت من جانبيها القضائى والاستثنائى، أو القانونى والأخلاقى، مع الترغيب في الثاني دون الأول وليس عند هذا الحد - أيضاً - يقف القرآن.
بل يُوجِّه إرشاده إلى طرفى النزاع لا صاحب الحق منهما، ولا مَن عليه الحق.
إرشاد جامع للأخذ بالحُسنى: (وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ) .
نصيحة غالية لا أتصور المتنازعين عند سماعها إلا آذاناً واعية، وقلوباً
فسيحة. وأنفساً صافية لم يبق فيها من آثار الخصومة إلا الذِكرى.
وتأتى - بعد ذلك - الفاصلة فتضع المتنازعين تحت رقابة دقيقة لا يعزب
عنها شيء، تكافئ الحسن بالإحسان. . والسيئ بمثل ما فعل:
(إن اللهَ بمَا تَعْمَلونَ بَصِير) .
وهنا يُسدل الستار، وتتم الصورة من جميع مقوماتها: وضوح التشريع
وأصول الحكم، والترغيب في العفو والإحسان.
والتنفير من الظلم والإساءة.
هذه مُثُل من الأحكام والتشريع القرآني، لمسنا فيها - بإيجاز - المنهج الذى
يسير عليه القرآن في بيان تلك الأحكام، إنه لم ينح بها النحو التقريرى كما هو الشأن في مثل هذه القضايا. وإنما خاطبَ بها النفس الإنسانية بكل مدركاتها:
العقل والمنطق والعواطف والمشاعر. دون أن تحس بضعف في الصياغة،
ولا قصور في المعنى.
يبين للإنسان فيه مصادر أخذه، ومجالات إعطائه.
مُحبِّباً إلى نفسه ومشاعره وروحه عمل الخير، ومُكَرِّهاً لها عمل ما هو دون
الخير، من شر خالص. أو خير خلاف الأولى.
* * *
* الجدل القرآني:
ولكنتا لا نقف عند حد الأحكام والتشريع فيه.
لتأييد هذه السمة الأسلوبية
فى القرآن التي أسميناها: الإقناع والإمتاع.