Полный текст (956 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .
(فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) .
(ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
* *
* نصيب العاطفة:
ونصيب العاطفة من هذا البيان جانبان:
١ - أن يذكر الأمر الأولى بالاعتبار فيثير القرآن في العاطفة مشاعر النبل
للإقبال عليه والعمل به.
٢ - أن يذكر الأمر الأولى بالترك أو الذي لا يليق. فيثير فيها مشاعر
النفور لتنأى عنه وفي بعض الألفاظ دلالة مشعة على كلا الجانبين:
الترغيب والتنفير.
فعند حدوث النزاع يسمَّى الإبقاء على الحياة الزَوجية " إمساك "،
والإنسان لا يمسك إلا بشيء له فيه منفعة.
* إغراء:
وهذا إغراء على الحفاظ بكيان الأسرة، والعدول عن الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله. . . وضرورة تشريعية لا يُلجأ إليها إلا في حالة اليأس التام من إصلاح الأمور.
وقد صرَّح القرآن نفسه بهذا المعنى في موضع آخر، فقال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) .
стр. 422
كما سمى القرآن الطلاق " تسريح " لا ترغيباً فيه، وإنما لا يجب على
المسلمين من حُسن المعاملة، وجمال الكيفية التي يوقعون بها الطلاق حيث
اقتضته الضرورة ولا بديل له.
لأن التسريح في الأصل: الإرسال للمرعى.
ففيه إيحاء للأزواج العازمين على الطلاق أن يُحسنوا معاملة زوجاتهم، ولا يُسيئوا إليهن. ولم يكتف القرآن بالدلالة اللغوية للفظ " تسريح " حتى اشترط أن يكون: " تسريح بإحسان "
كما وصفه على لسان نبيه محمد ﷺ يخاطب زوجاته: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) .
قال الراغب: " السرح: شجر له ثمر - وسرحت الإبل: أصله أن ترعيه
السرح، ثم جُعِلَ لكل إرسال في الرعى. . والتسريح في الطلاق نحو قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَانٍ) . وقوله: (وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)
مستعار من تسريح الإبل كالطلاق في كونه مستعاراً من إطلاق الإبل ".
وقال في مادة " م س ك ": " إمساك الشيء المتعلق به وحفظه قال تعالى:
(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) ، وقال: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) ، وقال: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ)
فهذان اللفظان اللذان يترددان كثيراً في تشريع الطلاق حظ النفس منهما أكثر من حظ العقل.
وهما مختاران اختياراً دقيقاً للدلالة على المراد منهما.
стр. 423
ثم انظر مرة أخرى إلى هذه الصورة: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) .
وتأمل كلمات: " تعضلوهن "، " تراضوا "، " بالمعروف ".
قال الراغب فى مادة " ع ض ل ": " العضلة: كل لحم صلب في عصب، ورجل " عضل ": مكتنز اللحم، وعضلته: شددته بالعضل المتناول من الحيوان نحو: عصبته.
وتجوز به في كل منع شديد قال: (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)
قيل: خطاب للأزواج. وقيل: للأولياء ".
والظاهر أن حقيقة التعبير هنا هو المنع. لكنه استعير له اللفظ الوارد فى
الآية لا فيه من إيقاظ العاطفة، وتحردك النفس نحو ما هو مطلوب.
* *
* ترقيق العاطفة:
وهذه صورة أخرى من صور ترقيق العاطفة عند النزاع في الطلاق:
قال سبحانه: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) .
الآية الأولى خطاب للمتنازعين قبل المس، والحال أنهم لم يفرضوا للنساء
فريضة فالملابسة هنا بينهم ضعيفة.
ومع أن الآية قد نفت عنهم الحَرَج إذا طلَّقوا فى هذه الحال فإنها أوجبت عليهم إمتاعهن كل حسب قُدرته غنياً أو فقيراً،
стр. 424
وسمى هذا المتاع: (مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) .
وهذا التعبير يثير عند الأزواج مشاعر المروءة والنخَوة ويستل من النفوس السخائم فتبذل ما وجب عليها في رضا وحنان، والمستفيد هنا المطلقات.
والآية الثانية خطاب لهم - كذلك - والحال أن الطلاق وقع قبل المس وقد
فرضوا لهن فريضة. فعلى الزوج - إذن - أن يبذل لها نصف ما فرض.
هذا حق للمطلقة واجب على المطلِّق. فلها أن تستمسك بحقها.
وعليه أن يؤديه لها.
ذلك أصل المسألة وأساس القضاء الذي لا يجوز له أن يعدل عنه، لأنه
مأمور بأخذ الحقوق وإعطائها لمستحقيها.
* *
* الدعوة إلى الإصلاح:
لكن القرآن الذي يفسح المجال دائماً أمام المتنازعين للتسامح والتصالح،
لأنهما في النهاية يؤديان إلى الموَدة والإخاء بينهم، لم يقف عند حد بيان أصل
المسألة. فتراه بعد أن قررها يقول: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ. .) .
فأداء النصف واجب على المطلق. وللمطلقة أن تعفو عنه كله أو جزئه،
أو يعفو وليها.
فهذا الاستثناء أول درجة في سلم المصالحة. ولكن هل القرآن وقف بالمسألة
عند حد الاستثناء؟
لو كان الأمر كذلك لكان وافياً في الإذن بالتصالح، والأخذ بالحسنى من جانب صاحب الحق.
لكن القرآن لم يقف بها عند هذا الحد.
بل ذكر بعد الاستثناء ما يُرَجِّح العمل به، ويُرَغب المطلقات أو أولياءهن فيه.
فقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
стр. 425
أليس في ذلك ترغيب شديد إلى العفو بين المتنازعين. إنه كذلك.
وهنا تبدو المسألة قد كملت من جانبيها القضائى والاستثنائى، أو القانونى والأخلاقى، مع الترغيب في الثاني دون الأول وليس عند هذا الحد - أيضاً - يقف القرآن.
بل يُوجِّه إرشاده إلى طرفى النزاع لا صاحب الحق منهما، ولا مَن عليه الحق.
إرشاد جامع للأخذ بالحُسنى: (وَلاَ تَنسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ) .
نصيحة غالية لا أتصور المتنازعين عند سماعها إلا آذاناً واعية، وقلوباً
فسيحة. وأنفساً صافية لم يبق فيها من آثار الخصومة إلا الذِكرى.
وتأتى - بعد ذلك - الفاصلة فتضع المتنازعين تحت رقابة دقيقة لا يعزب
عنها شيء، تكافئ الحسن بالإحسان. . والسيئ بمثل ما فعل:
(إن اللهَ بمَا تَعْمَلونَ بَصِير) .
وهنا يُسدل الستار، وتتم الصورة من جميع مقوماتها: وضوح التشريع
وأصول الحكم، والترغيب في العفو والإحسان.
والتنفير من الظلم والإساءة.
هذه مُثُل من الأحكام والتشريع القرآني، لمسنا فيها - بإيجاز - المنهج الذى
يسير عليه القرآن في بيان تلك الأحكام، إنه لم ينح بها النحو التقريرى كما هو الشأن في مثل هذه القضايا. وإنما خاطبَ بها النفس الإنسانية بكل مدركاتها:
العقل والمنطق والعواطف والمشاعر. دون أن تحس بضعف في الصياغة،
ولا قصور في المعنى.
يبين للإنسان فيه مصادر أخذه، ومجالات إعطائه.
مُحبِّباً إلى نفسه ومشاعره وروحه عمل الخير، ومُكَرِّهاً لها عمل ما هو دون
الخير، من شر خالص. أو خير خلاف الأولى.
* * *
* الجدل القرآني:
ولكنتا لا نقف عند حد الأحكام والتشريع فيه.
لتأييد هذه السمة الأسلوبية
فى القرآن التي أسميناها: الإقناع والإمتاع.
стр. 426
بل نستعرض مثلاً في مجال آخر، غير الأحكام والتشريع، وإن كان الشأن
فيه أن يسلك في بيانه المنهج التقريرى العقلي.
ذلك المجال هو: الجدل القرآني لخصوم الدعوة الإسلامية.
وموضوعات هذا الجدل متعددة لكننا نختار منها موضوعين اثنين لنرى كيف
جادلهم فيها القرآن، وأى منهج سلك.
وهذان الموضوعان هما: قضية التوحيد ، وما يتعلق بها، ثم قضية البعث
ومايتعلق بها.
* قضية التوحيد:
جاء القرآن ينكر على المشركين ما هم فيه من عبادة الأصنام، وفكرة تعدد
الآلهة، وأن يكون هناك صلة بين الخالق الحقيقي المخصوص بالعبادة، وبين هذه الأصنام التي يتقربون بها - في زعمهم - إلى الله. كما حكى عنهم القرآن: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)
وكانت هذه هي القضية الأولى التي يواجهها الإسلام.
ولقد قطع القرآن - فى مكة - شوطاً كبيراً في محاربة هذا الضلال.
لافتاً الأنظار إلى الحقيقة.
ممثلاً وواعظاً، مجادلاً ومحاوراً، منذراً ومبشراً، مناقشاً وهادياً.
كان القوم يبررون ما هم عليه بحجج واهية تتلخص في:
١ - التقليد الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم.
٢ - أن هذه الآلهة وسيلة للتقرب إلى الله.
٣ - أن فكرة وحدة الخالق أمر مستحدَث.
* *
стр. 427
* عرض مقولة المشركين:
ولقد حكى القرآن طرفاً من شُبهاتهم لأول مرة في سورة " ص " المكية.
حيث إن السور التي نزلت قبلها وهي: " اقرأ - القلم - المزمل - المدثر -
المسد - التكوير - الأعلى - الليل - الفجر - الضحى - الشرح - العصر - العاديات - الكوثر - التكاثر - الماعون - الكافرون - الفيل - الفلق -
الناس - الإخلاص - النجم - عبس - القدر - الشمس وضحاها - البروج - التين - قريش - القارعة - القيامة - الهُمزة - المرسلات - سورة ق - البلد - الطارق - القمر ".
لم يرد فيها شيء من مقولاتهم في هذا المجال. وقد صوَّر لنا القرآن فى
سورة " ص " اعتراضهم وما استندوا عليه من دليل فقال:
(أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا) .
فكرة التوحيد عند هؤلاء القوم فكرة عجيبة، صاحبها مختلق لها، لأن
الرواية لم تنقلها لهم. إنها لمؤامرة. . فليثبتوا على آلههتهم.
هذا تصورهم للموضوع.
والملة الآخرة التي اتخذوها سنداً هي مِلة عيسى ﵇.
لأن النصارى حرَّفوهَا فصاروا مثلثين لا موحدين.
أو هي مِلة قريش وما كانت عليه من عبادة الأصنام.
* *
стр. 428
* موقف القرآن من هذه الشُّبهة:
وكان موقف القرآن من هذه الدعاوى هو موقف المنكر المبطل لا يدُعون. قال:
(. . بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) .
وفي هذا الرد يبدأ القرآن بحقيقة هامة. ثم يمضى في الإنكار والتوبيخ
لهؤلاء المعاندين فيبيِّن أولاً أنهم في شك من ذكر الله.
وأن هذا الشك سيزول إذا ذاقوا العذاب ثم يأخذ في توييخهم فيقول:
أهؤلاء يملكون خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب فيصيبوا بها مَن يشاءون
ويصرفوها عمَّن يشاءون؟
ويتخيروا النبوة لبعض صناديدهم ويترفعوا بها عن محمد ﵇؟
لا. . . هم لا يملكون ذلك. إذن فليس لهم من الأمر من
شيء فليخسأوا.
أم لهؤلاء مُلك السموات والأرض وما بينهما؟
إن كان لهم فليرتقوا فى الأسباب ويصعدوا المعارج إلى العرش فيستولوا عليه، ويدبروا الأمر.
إذن فليس لهم مُلك السموات والأرض وما بينهما فلذلك لم يرتقوا فى
الأسباب. . إذن فليخسأوا.
ثم يبين لهم حقيقة أمرهم، وسوء مصيرهم، فيقول: (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١) .
стр. 429
وفى هذا تسلية وقوة عزم للرسول ﵊ ألا تبال بما يقولون فإن مصيرهم الهزيمة، ولن ينتصروا عليك بحال.
ويكمل الرد بسوق أمثلة ووقائع تاريخية حيث كذبت أقوام الرسل. فهلكوا.
وينتهي دور سورة " ص " في أن هؤلاء ضالون في عقيدتهم متطفلون فيما
ليس لهم فيه، عاجزون عن امتلاك أمرهم فضلاً عن عجزهم عن امتلاك شئون غيرهم. وأنهم لا محالة مهزومون.
ثم يجول معهم القرآن جولات أخرى مبيناً لهم أن هذه الأصنام التي يتخذون
منها آلهة يعبدونها ما هي إلا أشكال جامدة لم ولن تنفع، ولم ولن تضر.
* *
* طريقان لدعوة الناس إلى الحق:
وهذه الحقيقة مرة يخاطبهم بها خطاباً مباشراً، ومرة يسوقها لهم على لسان
الأنبياء والرسل السابقين:
أولاً: الخطاب المباشر. قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) .
أى وربي لو لم يكن في القرآن غير هذه الآية في إبطال عقيدة الأصنام لكان
القرآن قد أبطلها من أساسها بحيث لم تقم لها حُجة بعد. لا عند عابديها،
ولا عند غيرهم من الناس.
ولما وسع المخالفين - لو أنصفوا - إلا التسليم والإذعان. عرض واضح
ودليل قاطع.
* *
стр. 430
* استدراج يؤدى إلى العجز:
فقد نصبت الآية التماثيل والأصنام أمام النظَّارة. لافتة أنظار أتباعها إليها.
وقد حضرت في الذهن والخيال أشكالاً جامدة صماء خالية من كل سبب للحياة.
أُحضرت - هكذا - ليحكم عليها وهي حاضرة.
أجل هذه هي: تماثيلكم وأصنامكم التي تدعونها من دون الله.
أليس كذلك؟
إذن فإنَّا سائلوكم أسئلة فأجيبوا عليها. ولتكن إجاباتكم مقرونة بالدليل
والشاهد. . اسمعوا إذن:
١ - هذه هي الأرض ممتدة واسعة، فيها أنهار وبحور، فيها زروع وكروم،
فيها منازل وجبال وصحارى، فيها ذلك وفيها غير ذلك.
فأرونى ماذا خلق أصنامكم منها. كلها أو بعضها.؟
إن زعمتم أن شيئاً من ذلك لهم قأقيموا الدليل. .؟
لندع الأرض وما عليها. . .
هذه السموات الطِباق، خلقها الله ورفعها - هكذا - في الفضاء ليست لها
عمد ترتكز بها على الأرض.
نبئونى ألأصنامكم شِرك فيها؟ ما هو نصيبهم منها؟ وكيف؟
إن زعمتم ذلك فأتوا بالدليل. . وإلا فأنتم مضللون مخدوعون.
ولا يحق لكم أن تستمروا على هذا الضلال، والداعي يدعوكم إلى الصواب.
أتدرون ما هو الدليل الذي نطلبه منكم على صحة دعواكم؟
إن هذا الدليل يتلخص في خطوتين أيسرهما عسير؟
стр. 431
الأولى: (ائْتُونِى بكَتَابِ مَن قَبْلِ هَذَا) هل في مقدوركم ذلك؟
ألا فافعلوا وإنا لمنتظرون.
أعجزتم؟ . . نحن نعذركم لأننا نعلم أنكم عاجزون.
فنخفف عنكم في كيفية الدليل، دعوا الكتاب. . . . حيث لم تأتوا ولن تأتوا به. . وأتوا بأيسر الأمرين.
الثانية: (أوْ أثَارَةٍ مًنْ عِلمٍ) أثارة أية أثارة من عدم تؤيدكم.
أهذه صعبة؟ صعبة كذلك - أم مستحيلة. . إنها مستحيلة.
أعجزتم عن هذه وتلك.
فاعلموا الآن أنكم كاذبون في دعواكم. .
لأنكم لم تشفعوها بدليل. فكفوا إذن ولا تسترسلوا في أباطيلكم. .
وضعوا نُصب أعينكم قول الشاعر:
والدَّعَاوِىَ مَا لمْ يُقِيمُواْ عَليْهَا. . . بَينَاتٍ أبْنَاؤُهَا أدْعِيَاءُ
هذه جولة حكيمة مفحمة.
لم يحاورهم القرآن فيها محاجياً أو ملغزاً، وإنما
حاورهم في وضوح، وفي سهولة. . اتخذ من الأرض ومن السماء وحدات
للقياس، وألزمهم الحُجة في نص لم تزد كلماته على التسع والعشرين كلمة. .
انتصر عليهم وتركهم منهزمين.
* *
* نماذج أخرى فيها دلالة التوحيد:
ثم تتوالى بعد الجولات على نفس الصورة من الوضوح والسهولة، ولفت
الأنظار إلى حقائق الكون، ومظاهر الطبيعة التي هي وحدات القياس الوجدانى
والنطق الروحي. بعيداً عن التعقيد والغموض.
стр. 432
(أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) .
أو: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)
أو: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤) .
* *
* حوارٌ حيٌّ:
أرأيتَ حواراً مثل هذا الحوار؟ أرأيتَ بياناً أوضح من هذا البيان.
أرأيت قياساً أصوب من هذا القياس.
أرأيتَ براهين أقطع للشبهات، وأفحم للخصم وأثبت للمطلوب من هذه الأقيسة؟
стр. 433
قل لى بربك: أي جزئية من هذا القياس يمكن أن ينكرها الخصم إنكاراً
يستطيع أن يجازيه عليه منصف.
أليست هذه حقائق مسلمة. وقوانين راسخة رسوخ الجبال:
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. . .) .
انظر كيف اجتمع الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة
. . بل الدليل نفسه جامع بنِ عمق المقدمات ووضوحها.
ودقة التصوير لما يعقب التنازع من الفساد الرهيب.
إن الدليل هنا: برهانى خطابى شعرى معاً.
فهل نجد مثل هذا في كتاب من كتب الحكمة النظرية؟
لكن القرآن ينهى الخلاف في هذه القضية في كلمات لا تبلغ عدد أصابع
اليدين.
فوازنها بما كتب عنها في أسفار الفلسفة. وبحوث الحكماء.
* *
* منطق تصويري:
نحن لا نشاهد في الكون فساداً، وإنما نظاماً ودقة. وحياة وحركة.
كواكب تدور في أفلاكها في نظام عجيب. وسموات مظلة، وأرضاً مقلة، وأنهاراً جارية وريحاً سارية.
ذلك هو النظام. . إذن فالله واحد لا شريك له، وإلا لسقطت السموات على الأرض ولتعطلت الكواكب، وغار الماء.
مقدمات الدليل ثابتة مسلمة.
فالنتائج - كذلك - ثابتة مسلمة. . . وليس وراء ذلك مطلب.
والمثال الثاني مثل الأول. . لو كان لله ولد، لكان معه إله.
ولو كان مع الله إله - سبحانه - لحدث النزاع ولذهب كل إله بما خلق.
لكن شيثاً من ذلك لم يحدث. . إذن فالله واحد لا شريك له.
* *
стр. 434
* الكون دلالة التوحيد الكبرى:
أما المثال الثالث، فقد طوَّف في أرجاء السموات والأرض والتقط وصور
واستدل وذكر. في أسلوب خطابى العبارات.
استدلالى الموضوعات. يقينى المقدمات.
الصورة تلو الصورة، والمشهد إثر المشهد. والدليل عقب الدليل.
فى حركات سريعة خاطفة. . ووثبات صائبة.
" وهكذا تشترك مشاهد الأض والسماء مع ما يقع لهم من الأحداث كل يوم
. . مع الأحاسيس الفطرية التي تلجئ الإنسان إلى القوة الكبرى عند الشدة
تشترك في مخاطبة الحس والخيال ولمس البصيرة والوجدان، لتركيز عقيدة
التوحيد في النفوس. . ومثل هذا كثير جداً في القرآن، مكرر مع تنوعه -
تكرر صور القيامة ومشاهد النعيم والعذاب ".
* *
* ضعف الأصنام:
ونذكر مثلين ضربهما القرآن لضعف الأصنام، بعد أن شنع على هذه الأباطيل
مما خاطب الله به المشركين خطاباً مباشراً:
أولهما: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) .
ذلك مثلهم. . . فهل بيت العنكبوت بغريب عن أفكارهم، أم هو شيء مألوف لهم يرونه صباح مساء. وهل في بيت العنكبوت قوة يأوى إليه ضعيف أم حصانة يلوذ بها واجف؟ ليفكروا. .
стр. 435
ثانيهما: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) .
ذلك مثلهم في عدم النفع. وهذا مثلهم في عدم الإيجاد أو جلب النفع
لأنفسهم، وإن شاءوا فليجربوا فعناصر القصة تتألف من الأصنام والذباب
وفتات الطعام فليغروا الذباب بحمل شيء منه، وليطلبوا من الأصنام إعادته.
فهل يمكنهم ذلك؟ فليفكروا.
* *
* نُذُر على ألسنة الرسل:
ثانياً - ما ساقه الله على لسان رسله. .
قال سبحانه على لسان إبراهيم: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) .
* إبراهيم يجادل قومه:
هذا طرف من قصة إبراهيم مع قومه. إنه يسألهم عمن يعبدونه ليبيِّن لهم أن
هذا المعبود لا ينفع ولا يضر.
стр. 436
قال لهم: ما تعبدون؟ قالوا له: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين.
قال لهم: هذه الأصنام التي تعبدونها، وقد اتخذتموها أرباباً من دون الله هل لهم سمع يسمعونكم به إذا دعوتم؟.
وهل لهم قدرة على النفع والضر فتعبدوها طمعاً فى النفع وخوفاً من الضر.
قالوا له: بل وجدنا أباءنا كذلك يفعلون.
وهنا يظهر التقليد الأعمى فى فكرة الأصنام. . مجرد أن أباءهم كانوا يفعلون ذلك.
والتقليد حجة ضعيفة. . استدرجهم إليها إبراهيم في حواره معهم.
ومشركو مكة يسمعون ويرقبون الأحداث إلى أيِّ مصيرٍ تنتهي.
فالقضية قضيتهم. والليلة بنت البارحة.
ثم يتابع إبراهيم ﵇ الحوار بعد أن استدرجهم إلى الاعتراف بعجز
آلهتهم: أرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وأباؤكم الأقدمون.
إنهم عدو لى إلا رب العالمين.
وقوله: " عدو لى " تصوير للمسألة في نفس ليعلموا
أنه نصحهم بما نصح به نفسه.
لأن رب العالمين هو الذي خلقنى، وهو الذي خلق كل شيء، وهدانى، وهو
القادر على أن يؤتى كل نفس هداها. وهو يطعمنى ويسقين.
ويطعم كل شيء ويسقيه. ويشفينى إذا مرضت، ويشفى كل مريض.
وهو الذي يميتنى ويحيينى، ويميت كل حى ويحييه، والذي أطمع أن يغفر لى
خطاياى يوم الدين.
وذلك لأنه " الله " القادر على كل شيء، المالك لكل شيء. .
فليس ما تدعونهم - وقد علمتم شأنهم - مثله، وليس كمثله شيء.
أفى هذا التوجيه قسر للعقول؟ أو فيه إلغاء لفكر الإنسان الحر، مهما كان
موقفه من العقيدة التي يدعو إليها الداعي.
فليقارنوا بين مَن دَعوهم آلهة. وبين الإله الحق وليختاروا لأنفسهم ما يحلو.
* *
стр. 437
* و (هودٌ) يجادل قومه:
وقال سبحانه على لسان هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) .
فى هذه الآيات الثماني تبدأ حياة أُمة، ثم تنتهى.
أمة ضلت طريق الحق ورسولها يدعوها إلى ذلك الطريق.
أخلص لهم رسولهم - هود - في النصح والإرشاد ونهاهم عن عبادة الأصنام. وأمرهم أن يعبدوا الله - وحده - ويستغفروه. فإذا فعلوا هطلت عليهم نعمه: يرسل السماء عليهم مدراراً فتجود الأرض بالخيرات ليأكلوا هم وأنعامهم من فضله ويحيوا حياة سعيدة.
ويزدهم قوة إلى قوتهم. فلا يطمع فيهم طامع، ولا ينال منهم عدو.
стр. 438
لكنهم لووا أعناقهم قائلين: (يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) .
ويرمونه بالسوء من بعض أصنامهم، فيبرأ منهم، ويُشهد الله ويُشهدهم
على براءته من شركهم.
ثم يغريهم على أن يكيدوه مجتمعين إن استطاعوا هم وآلهتهم، وليفاجئوه
بهذا الكيد دون أن ينظروه.
وبيَّن لهم أنه توكل على الله ربه وربهم، الذي هو آخذ بناصية كل دابة.
ربٌّ له الغلب وجنده هم المنصورون. وصراطه هو المستقيم.
وبيَّن لهم - كذلك - أنه قد أبلغهم رسالة ربه فإن أعرضوا أهلكهم الله وبدَّل غيرهم ولا يضروه شيئاً.
* نجاة وهلاك المخالفين:
وتنتهى القصة بأن الله نجى هوداً والمؤمنين معه. نجاهم من عذاب غليظ.
وهلكت عاد. فلم يستطيعوا أن يدفعوا الشر عن أنفسهم، ولم تستطع
آلهتهم أن ينصروهم.
نصره الله ونجاه ومَن آمن معه. لأنه قادر عظيم آخذ بناصية كل شيء.
وخذلتهم آلهتهم لأنها عاجزة حقيرة تتأثر بعوامل الدهر، ولا تؤثر فى
شيء، وهذا هو موضع العبرة في كلمات قصار، فليتدبرها مشركو مكة
والملحدون في كل زمان ومكان: (أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) .
فى الأمثلة السابقة جميعاً يجرد القرآن الأصنام من كل صفات القوة والتأثير،
ويضعها في مكانها الحقيقي من عالم الجمادات، فهى لا تنفع عابداً لها
стр. 439
ولا تضر عاصياً، ويستهدف القرآن من وراء هذا صرف الناس عن هذه النزعة الضالة، موجهاً لهم الوجهة السليمة في الاعتقاد القلبى والسلوك العملى.
* *
* السخرية من الأصنام:
وفي مواضع أخرى يسخر القرآن الكريم سخرية لاذعة من الأصنام وعابديها، ونذكر من ذلك مثالين:
* مثال على لسان إبراهيم:
أولهما: قول إبراهيم ﵇ لقومه حينما واجهوه بتحطيمه أصنامهم:
(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) .
لقد أفلح إبراهيم ﵇ في رسم هذه الخطة التي أفحم بها خصومه.
وأراهم عجز آلهتهم عياناً حيث لم يدفعوا الضر عن أنفسهم.
ثم استدرجهم من هذه الواقعة إلى أن يلقنهم الحقائق التالية:
стр. 440
إن هذه الأصنام فاقدة القدرة على النطق، كما أنها فاقدة القدرة على أى
شيء فهى جماد.
إن المعبود الذي يستحق العبادة مَن ينفع ويضر،
وهؤلاء حيث ثبت عجزهم عن نفع أنفسهم
فحرى ألا يُعبدوا لعجزهم عن نفع غيرهم وضره.
إن قومه مسلوبو العقل الرشيد.
إذ لو كانوا عقلاء لصرفهم تفكيرهم عن هذا الضلال المبين.
أما السخرية اللاذعة فإننا نراها في العبارات الآتية:
(بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) .
وقد علم وعلموا أنهم لا ينطقون.
(أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ) .
وفي هذا توييخ لهم وسخرية بأصنامهم. وإنكار أن يكونوا عابدين لهاء.
وهى لا تنفع ولا تضر.
(أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) .
* * *
* ومثال على لسان موسى:
(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) .
يا لسخرية القَدَر. إله. . . إله يُحرق - هكذا بالتكثير - ثم يُنسف ويذرى
فى اليمِّ. . ما أتفه هذا الإله. وما أتعسه.
стр. 441
وما أضل وأتعس مَن اتخذه إلهاً. . إن كان إله فليدفع عن نفسه التحريق
والنسف. . وكيف له ذلك؟
ما موقف النفس والعقل معاً من هذا الإله المحرَّق المنسوف نسفاً.
إن النفس لتسخر منه وتحتقره. وإن العقل ليرفضه، ويصد عنه.
العقل والنفس معاً ينفضان أيديهما منه. إنه لخيال. بل إنه لوهم.
ويعد أن يستقر في العقل والنفس هذا المعنى، تأتى العقيدة الصحيحة
لتتمكن أيما تمكن بعد تجرية أثبتت فشل فكرة التعدد واتخاذ الأصنام آلهة من
دون الله. . جاء دور الحق. ليؤمن به العقل، وتعظمه النفس: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) .
* *
* منهج تربوي:
ثم انظر إلى هذا المنهج التربوي الرشيد، والاستدراج الحكيم الذي ساقه
القرآن على لسان النبي إبراهيم ﵇.
قال سبحانه في سورة الأنعام:
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)
стр. 442
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)
فقد أنكر إبراهيم على أبيه وقومه أن يتخذوا أصناماً آلهة، ورماهم بالضلال
المبين ثم سلك معهم مسلك مجاراة الخصم فيما يزعم من باطل ليستعرض شُبهة واحدة تلو الأخرى. فيبطلها. وهكذا حتى إذا ما بقى له شيء يمكنه التمسك به دفع شُبهه مرة واحدة وأثبت المطلوب الذي يريد إثباته.
* * *
* عرض ونقد:
ولستُ مع بعض المفسرين والكُتَّاب الذين يُجوِّزون أن يكون إبراهيم قال ذلك فى فتوته على سبيل الاعتقاد متدرجاً من صورة إلى أخرى.
حتى اهتدى إلى الحق. لستُ مع هؤلاء لأسباب. .
أولاً: إن هذا يتنافى مع الرسالة لأن القرآن صريح في أن إبراهيم إنما قال
ذلك وهو رسول.
ثانياً: إنه في أثناء هذه المراحل بعد أن رأى القمر بازغاً، وقبل أن يرى
الشمس قال: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) .
فمَن هو ربه إذن ومَن هم القوم الضالون إن لم يكونوا هم الذين اتخذوا الأصنام أرباباً من دون الله؟
стр. 443
ثالثاً: إن القرآن افتتح هذا الفصل بإنكار إبراهيم ﵇ على أبيه
وقومه أن يتخذوا أصناماً آلهة. ووصفهم بالضلال المبين.
رابعاً: إن إبراهيم ﵇ فرغ من تجاربه هذه إلى إثبات العقيدة
الصحيحة في زمن لا يزيد عن يوم وليلة.
* إيضاح ذلك:
إنه رأى - والله أعلم - الكوكب في أول الليل فقال: هذا ربى. .
فلما أفل فى جزء من الليل نفسه بزغ القمر. فأقلع عن فكرة الكوكب
وأقبل على فكرة القمر. فلما أشرقت الشمس في الصباح وسطع ضوؤها فلم يعد معه وجود للقمر أقلع عن فكرة القمر.
وأقبل على فكرة الشمس. .
وذلك كله في ليل سابق ويوم لاحق. وأى تفسير غير هذا يلزم منه امتداد
زمن التجارب الثلاث فنحتاج إلى تخريجات لسنا في حاجة إليها مع إمكان هذا
الإيضاح الذي أوردناه.
وإذا تقرر ذلك فهل كان انتقال إبراهيم ﵇ من مرحلة عدم الاهتداء
إلى الإله الحقيقي، إلى مرحلة الاهتداء إليه انتقالاً طبيعياً في هذه المدة
الوجيزة؟
قد يُجاب على هذا بأن صفاء الفطرة يمكن معه مثل هذا الانتقال السريع.
ونحن نقول بدورنا: إن صفاء الفطرة هذا كفيل بصيانة إبراهيم ﵇ من مثل هذا التخبط، والقرآن نفسه يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) .
* *
стр. 444
* هدفنا من النقد:
والذي نهدف إليه من هذا كله هو أن ما جاء على لسان إبراهيم ﵇
ليس إلا مجاراة للخصم من حيث الظاهر، واستدراجاً إلى الإنكار عليهم بصور عملية يشاهدونها ويحسونها حتى يهتدوا إلى الإيمان الحق.
فإذا كان الكوكب وهو في السماء، والقمر وأثره في الكون ظاهر. والشمس وهي مصدر الدفء والنور. . إذا كانت هذه الأشياء العلوية الفائقة مرفوضة أن تكون أرباباً.
فما بالك بالتماثيل والأصنام التي كان يعبدها قوم إبراهيم؟
ذلك ما يمكن استخلاصه من القصة على وجه مقبول ملائم لمقام الرسالة،
وصيانة الرسل من الزيغ في أصل العقيدة المؤهلين لإبلاغها ونشرها.
* * *
* قطب واحد:
والآن - ويعد هذه المثل جميعاً - ما هي الطريقة التي سلكها القرآن فى
قضية التوحيد؟ إن محور العبرة في هذا المجال يدور حول قطب واحد.
مهما اختلفت النماذج وصياغة التعبير.
ذلك القطب يرتكز على جانبين:
أولهما: إثبات كل صفات الجلال والعظمة لله. بحيث يؤمن العقل بوجوده،
ويرفض أن يكون له شريك.
وكانت أدلة هذا الجانب مظاهر الكون من الخلق والإيجاد، والإحياء والإماتة، وإنزال الماء وإنبات الزرع المختلف الأحجام والألوان والطعوم.
وإرسال الرياح وتسيير السحاب وكشف الضر وإيصال النفع.
هذه مظاهر نُسِبت إلى الله، ولا تصح نسبتها إلا إليه.
إذن فهو موجود فى الواقع، وفي العقل، وفي النفس والوجدان.
стр. 445
وهذا الكون يسير على نظام دقيق لا تخلف فيه، تصرف منسوب إلى إله
عظيم القُدرة، مطلق الإرادة. إذن فهو واحد ليس له شريك في الواقع.
وفى العقل، وفي النفس والوجدان.
ثانيهما: إثبات صفات العجز المطلق، والضعف المهين، والشلل الكلي عن
كل حركة، نافعة أو ضارة. لتلك الأصنام التي يدعونها آلهة.
إذن فليست هى آلهة في الواقع، وفي العقل، وفي النفس والوجدان.
وإذا ثبت أنها ليست آلهة، لأنها مخلوقة لا خالقة، مقدور عليها لا قادرة،
إذن فهى ليست شريكة للهِ في الواقع، وفي العقل، وفي النفس والوجدان.
* المشكلة الثانية - قضية البعث:
فى المشكلة السابقة - مشكلة تعدد الآلهة والتوحيد - اعتمد المشركون فيما
اعتمدوا على شُبهة هي أقوى ما عندهم وأضعف ما يعتمدون عليه في نفس
الوقت، تلك الشُّبهة هي شُبهة التقليد الأعمى لا وجدوا عليه آباءهم.
لقد رددوا هذه الشُّبهة كثيراً كلما دعاهم الدعاة إلى توحيد الله، وترك ما هم فيه من ضلال.
وفي هذه المشكلة اعتمدوا كذلك على شُبهة واحدة هي أقوى ما يمكن أن يُقال لدى منكرى البعث، وهي - كذلك - أضعف شُبهة يمكن أن تقف أمام تقرير هذه الحقيقة في الواقع وفي الاعتقاد
وكافيك من خصم أقوى ما لديه من دليل أضعف ما يمكن أن يعترض به
عليك.
ولقد ناقش القرآن شُبهتهم هذه ودحضها بما ساق من براهين قوية.
وحجج مفحمة.
ولنذكر شواهد ذلك فيه. .
стр. 446
* رد شُبه الإنكار:
أولاً - قال سبحانهَ مبيناً مقوله منكرى البعث. مفنداً لها:
(بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) .
بدهي أن عناصر الموضوع الذي اشتمل عليه النص الكريم تتلخص فيما يأتى: الأول: فكرة إنكار البعث.
الثاني: أدلة هذه الفكرة كما يصورها زاعموها.
الثالث: الرد عليها من وجوه.
العنصر الأول صوَّره القرآن بعد مقدمة قصيرة بقوله: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) .
الثاني: وهو أدلة هذه الفكرة.
جاء الحديث عنها ضمن الحديث عن العنصر الأول، فاستبعادهم للبعث سببه: استحالة إعادة الأجسام بعد الموت وصيرورتها تراباً وعظاماً.
* *
стр. 447
* سببان للإنكار:
هذا سبب أصيل في دعواهم. وقد قواه لديهم سبب آخر، لكنه سبب إضافى ثانوى هو: أن آباءهم الأقدمين قد وُعِدوا مثلهم هذا الوعد.
لكنه لم ينفذ، فدل ذلك على عدم وقوعه - كما يزعمون - فهو من أساطير الأولين وحكاياتهم.
هذان هما جانبا القضية.
وجاء دور الرد. فكيف بدأ القرآن الرد عليهم؟
رد القرآن الكريم عليهم بمقدمات مسلمة لديهم. أو لا محيص لهم من
التسليم بها لأنها لائحة بينة.
ثم رتب على هذه المقدمات النتائج الملزمة التي لا تحتمل شكاً ولا إنكاراً
ولا مكابرة ولا استبعاداً. وخاطب عقولهم وطالبهم بالتأمل والذكرى، وحذرهم خشية الله وعقابه، وأهاب بهم أن يتركوا الجهالة وألا يخدعوا أنفسهم بباطل القول وغروره.
فالله وحده هو خالق الكون. وما فيه من عجائب تدل على عظيم قدرته
وحريته إرادته: مغيث الملهوف، وحامى المكروب، ومؤمِّن الخائف، ولا يقدر أحد أن يمنع بطشه إذ نزل.
إن كل حركة. . وكل سكون في الكون هو مصدره: خالقه وموجده، ومكيفه بكيفية خاصة، وخالق الشيء ابتداء على غير مثال سبق لا يعجزه أن يعيده على ما كان عليه، أو في أية صورة أراد.
* *
* صحة البعث حقيقة:
فالدليل على صحة البعث مستقى من خلق أنفسهم، وخلق الكون وما فيه
من مظاهر مختلفة فليتأملوها.
ولقد كان أول ما لفت إليه القرآن أنظارهم الأرض ومَن فيها.
لأنه أقرب مشهد إليهم إذ عليها يحيون، وفيها يحرثون ويزرعون. ثم ترقى معهم إلى
стр. 448
السموات السبع خطوة أخرى لأن السموات أظهر ما يُشاهَد بعد الأرض.
وما دام الأمر تأملاً في السموات فليتأملوها كذلك في العرش العظيم.
ومَن ربهما؟ أليس ربهما الله؟
وإذا عرف أن العرش مصدر القُدرة والسلطان فقبل أن يخطو بعيداً عنه خطوة
واحدة ليذكروا مَن بيده ملكوت السموات والأرض، وملكوت كل شيء. أليس هو الله؟
ومن رقة الجدل القرآني ولين معرضه فإنه في ختام كل مشهد يذكر عبارة
تستل من المعاندين عنادهم.
فبعد المشهد الأول يقول: (إن كُنتُمْ تَعْلمُونَ) ، وبعد المشهد الثاني يقول:
(أُفَلا تَذكرُونَ) ، وبعد المشهد الثالث يقول: (أُفَلا تَتقُونَ) ، وبعد المشهد
الرابع يقول: (فَأنَّى تُسْحَرُونَ) .
إن مشاهد البعث بعد هذه النماذج الماثلة أمام النظر، المتكررة على تطاول
الدهر لهي جزء من مشهد لما هو واقع ملموس.
هي عملية إعادة لأشكال ورسوم وُجِدَت قبل ولم تكن لها حقائق تأتى مطابقة لها فما أسهل العود.
* *
* استدلال ممتع:
* فقد عرض القرآن دلائله وبراهينه في أسلوب أدبي رائع.
يستهوى نفس العربي فينفتح فؤاده - وهو لا يدرى - لسماع ما يُعرض عليه مأخوذاً بعذوبته وجماله. ثم يرى نفسه مسوقاً للتأمل فيما يسمع، والتدبر فيما يُلقى إليه.
وإن كان مخالفاً لعقيدته ومفنداً لرأيه ومبطلاً لما درج عليه من مذاهب وأهواء.
" ولم يتوجه القرآن بالدليل إلى العقل وحده. لكنه خاطب جميع القوى
المدركة والمؤثرة في النفس الإنسانية. . وتدرج في الدليل من مرحلة إلى أخرى مستخدماً الإثارة الوجدانية تارة.
وتحريك العاطفة تارة أخرى. وهز مشاعر
стр. 449
الرجاء والخوف. ووجَّه النظر إلى الحَس المشاهَد.
وقاس عليه البعيد الغائب.
وقطع السبيل على المجادل وسد جميع الثغرات أمام الناظر، حتى لا يجد
غضاضة في التسليم، ولا مرارة في القبول، ولا محيصاً من الإذعان ".
* *
* دعوى مردودة:
قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) .
هنا مثل مضروب لاستبعاد البعث.
عظام إنسان محروقة مصحونة ذراها منكر البعث أمام الرسول قائلاً:
مَنْ يحيى العظام وهي رميم؟!
والاستفهام هنا إنكارى.
هذه دعواه فبماذا ردها القرآن؟
هذا المنكِر للبعث الضارب للمثل، نسي حقيقة هامة.
لو تأملها لما ساغ له أن ينكر كما لم يسغ له أن يضرب المثل.
إنه نسي خلقه من أين جاء وإلى أين يذهب. فَلْنُجارِه على نسيان خلقه،
ولنكتف بتلك الإشارة إلى هذا النسيان في عرض دعواه.
стр. 450
إن القرآن الكريم لم يطلب من هذا المنكِر وأمثاله صعباً، بل طلب منهم أن
ينظروا حولهم حتى يتبين لهم أن الذي يحيى العظام وهي رميم هو الذي أنشأها
أول مرة، وهو بخلقها وبخلق كل شيء عليم.
فإن شكُّوا في هذا فلينظروا إلى النار التي يوقدونها. وفيها متاع لهم.
الذي جعل لهم هذه النار من الشجر الأخضر - وبينهما تناف كما ترى - هو الذي يحيى العظام وهي رميم.
بل فلينظروا إلى السموات والأرض. هذه الأجرام العظيمة، أوَ ليس الذى
خلقها قادراً على أن يحيى الموتى. بلى إنه لقادر. إنما أمره إذا أراد سريع
التكوين. وبيده مقاليد السموات والأرض، ومقاليد كل شيء:
(كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) ، (كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ) ،
(مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ، (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) .
(فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) .
(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) .
стр. 451
هذه الأطوار التي يمر بها الإنسان نفسه في مراحل نموه وتكوينه، واقع
ثابت لا يمكن إنكاره.
وهو لا بدَّ له من موجد مؤثر غير متأثر حسبما يقتضي العقل.
أليس الذي أوجد هذه المخلوقات في أطوارها المختلفة بقادر على إعادتها.
بلى إنه لقادر. فما هي الحُجة التي يمكن أن يرتكن إليها المنكرون بعد. .؟
لا شيء. . . . . . .
* ومثال آخر:
(بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١) .
إن هذه الآيات العظام والمشاهد الضخام، التي يمرون عليها ليلاً ونهاراً، إذا
قيس بها أمر البعث كان في نفسه أيسر منها فعلاً، ينكرون وقوعه في وقت
لا ينكرون فيه ولا يُقبل منهم لو أنكروا هذه المقدمات؟
فليفكروا بعقولهم ففيما ذكر للعقل مجال.
وليتأملوا بحواسهم ففيما ذكر للحواس جمال.
стр. 452
* منزع الأدلة في المشكلتين:
لقد استعرضنا - في إيجاز - علاج القرآن الحكيم لمشكلتى التوحيد والبعث.
ونستطيع أن نقول - في اطمئنان - إن منزع الأدلة التي ساقها القرآن لمحاجة
المخالفين هو الطبيعة بما فيها من ظواهر وسنن، ونظام واتساق.
والطبيعة كتاب مفتوح كل إنسان قادر على قراءته وفهمه.
وهى متجددة أمام النظر فيها آيات وعِبَر. ولذلك نستطيع أن نفهم سر
اختيار القرآن هذا المصدر لسوق الأدلة، ولفت الأنظار، لأن القرآن يميل إلى اليُسر والسهولة وينأى عن التعقيد والصعوبة.
ففى الكون والطبيعة تتجلى مظاهر القدرة الخلاقة العظيمة، قُدرة الله الكبير المتعال:
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) .
وإذا كان منزع الأدلة في المشكلتين واحداً، هو الطبيعة الناطقة المتجددة
تجدد الحياة نفسمها. فإن طريقة الاستدلال تختلف من مشكلة إلى أخرى.
وقد ذكرنا القانون الذي أقامه القرآن لإثبات وجود الله، ووحدانيته، وإبطال فكرة الأصنام والتعدد في الآلهة.
والآن ما هو القانون الذي أقامه القرآن لإثبات وقوع البعث؟
فى سهولةة يمكن أن يقال: إن هذه الظواهر المشاهَدة المرئية قد ثبت أن الله
فاعلها، ولم يكن لها قبل خلقها مثال احتذى في إيجادها.
بل خلقها من العدم.
وهذه حقاثق ثابتة بالضرورة.
стр. 453
إذن فإن الذي قدر على البدء، كان - من باب أولى - قادراً على الإعادة.
وبذلك تصبح مسألة البعث من أسهل مظاهر التكوين لأنها إعادة.
هذا بالنسبة لنا وإن كان بالنسبة للهِ يستوى المبدأ والمعاد في اليُسر والإمكان.
ثم ما هي خصائص الجدل القرآني ؟
* خصائص الجدل القرآني:
تتمثل خصائص الجدل القرآني - حسبما يصل إليه الباحث في نصوصه -
فى الملاحظات الآتية:
أولاً: انتزاع الأدلة من الأحوال المحسوسة دونما إلغاز أو غموض - كما
ألف الناس في أقيستهم ومحاوراتهم.
ثانياً: سهولة تصور تلك الأدلة بحيث لا يمكن إنكارها لوضوحها وسرعة
فهمها.
ثالثاً: أن القرآن لا يقف أمام العقل وحده يخاطبه. بل يوجه إرشاده إلى كل
القُوَى المدركة في الإنسان، عقل ونفس، عواطف ووجدان.
رابعاً: أن الأسلوب الجدلى في القرآن الكريم يميل دائماً إلى جانب الإنصاف
ويستدرج الفكر بكل روافده إلى الحق مُطوقاً الخصم من جميع ثغوره مفنداً كل شُبهة لديه فلا يدعه حتى يستلب منه كل ما يمكن أن يستمسك به في أسلوب حكيم مقنع وتصوير سهل ممتع.
لقد لمس القرآن الوجدان واتبع طريقة التصوير فبلغ الغاية بمادته وطريقته
وجمع بين الغرض الدينى والغرض الفنى من أرفع طريق وأقرب طريق.
* *
стр. 454
* حقيقة مهمة:
وبقيت حقيقة هامة لا بدَّ من الإشارة إليها.
ذلك فإن القرآن بجدله الحكيم المقنع الممتع لم ينهزم في أي معركة.
بل كتبَ له النصر في جميع معاركه الفكرية التي خاضها سواء فيما ذكرناه من قضيَتى التوحيد والبعث. . أو فيما لم نذكره من قضايا أخرى،
وما أكثر ما خاض القرآن من قضايا فكرية ومشاكل وجودية
مثل قضية التحدى للقرآن الكريم وقضية التحريم والتحليل وقضية خلق
السموات والأرض وقضية صحة الرسالة.
وقضية نسبة الصاحبة والولد للهِ - سبحانه -
هذه كلها قضايا خاضها القرآن فانهزم الخصم وانتصر هو.
أما تمسك الخصم بما يرى - في بعض القضايا - فليس لقصور في الدليل،
ولا لغموض في الفكرة، بل كان ذلك مسبباً
عن عنادهم وتماديهم في الباطل.
وصدق الله إذ يقول: (وَجَحَدُوا بِهَا واسْتَيْقَنَتْهَا أُنفُسُهُمْ) .
* * *
٥ - التصوير والتشخيص:
القرآن كتاب كل شيء. فيه من جميع ألوان المعارف والعلوم والفنون ما ظهر
منها وعرفه الناس، وما لم يظهر في ضمير الغيب.
هو كتاب تاريخ وعلوم وعقيدة، وتشريع وقصص وآداب، وجدل وفلسفة
وحكمة ووعظ وهداية وإرشاد، وإصلاح وتهذيب وتوجيه.
وصدق الله العظيم حيث يقول: (مَا فَرطنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْءٍ) .
هذه المعارف والفنون والعلوم المختلفة، والأهداف والمقاصد المتباينة فضَّل
القرآن الكريم الحديث عنها بطريقة هي أفضل طرق التعبير وأقومها.
стр. 455
وهي طريقة: التصوير والتشخيص، سواء أكانت المعاني ذهنية، أو غير ذهنية فذلك منهجه فيها، وسمته التعبيربة الغالبة عليها.
وفضل هذه الطريقة على غيرها معروف، لأن المعاني فيها لا يخاطب بها
العقل وحده بل تشترك معه كل قُوَى الإدراك: السمع والبصر، الشم واللمس، والذوق. والعواطف والشعور والأحاسيس، فحين يخاطب القرآن الناس بهذه الطريقة يصبح الإنسان بكل شعوره وحواسه آلة إدراك وتذوق وتأمل.
ونذكر فيما يلى نماذج هذه الطريقة مع بيان أثرها في النفس والشعور كلما
أمكن ذلك.
١ - نماذخ بَشرية:
للإنسان جانب كبير في القرآن الكريم، يرقب سلوكه ويضبط أحواله.
والناس بحسب سلوكهم وعقائدهم في القرآن الكريم أنواع وصنوف.
وقد تحدث القرآن عنهم حديثاً رائعاً صوَّر لنا فيه تلك الأنواع تصويراً فاق ما يخطه الرسام بخطوطه وألوانه. . ومساحاته وزواياه.
فأحبار اليهود - مثلاً - أو الكفار أو المنافقون، دأبوا على الغدر والخيانة
ولم يرعوا لله عهداً ولا ذمة.
رصد القرآن الكريم هذا السلوك الشائن.
وسجله في آية من سورة البقرة حيث يقول سبحانه:
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) .
* جرائم ثلاث:
فى الآية ثلاث جرائم ارتكبها الأحبار أو المنافقون أو الكفار كما جاء فى
كتب التفسير. . . وتلك الجرائم الثلاث هي:
стр. 456
١ - نقض عهد الله.
٢ - قطع ما أمر الله به أن يوصل.
٣ - الإفساد في الأرض.
ونقض العهد هو عدم الوفاء به. . . لكن القرآن عبَّر عنه بالنقض فقال:
(يَنقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ ميثَاقه) ، والميثاق بمعنى التوثقة أي الإحكام
والتوثيق، وهذا التعبير مجازى لأَن النَقَض حقيقة هو: نقض البناء والحبل
وهو " انتثار العقد من البناء والحبل والعقد. وهو ضد الإبرام "
وهو فك التركيب والفسخ فيما هو محسوس.
والمآل واحد في جميع التفسيرات.
وهذا يمضى بكون النقض واقعاً على العهد مجازاً شُبِّهَ فيه المعنوي بالحسي تصويراً للمعنى وتشخيصاً ليكون أوضح وأمثل أمام النظر.
قال الزمخشري في توجيه المجاز في الآية المذكورة:
" النقض: الفسخ وفك التركيب.
فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض فى إبطال العهد؟
قلتُ: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة
لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة:
يا رسول الله، إن بيننا ويين القوم حبالاً ونحن قاطعوها.
فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك.
وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة عَلى مكانه.
ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالِم يغترف منه الناس،
وإذا تزوجتَ امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهتَ على
الشجاع والعالِم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش ".
والاستعارة التي يقصدها الزمخشري هنا هي الاستعارة المكنية لأن تحليله
لمجاز الآية ينطبق عليها.
стр. 457
وعلى هذا فإن العهد قد سمى بالحبل. فالحبل مشبَّه به، حُذف ورُمِزَ له بشيء من لوازمه الذي هو النقض. والقرينة هي إثبات النقض للعهد.
أما الجامع بين الحبل والعهد، فهو الإحكام والاستيثاق.
وقد أظهر المجاز المعنى في صورة المحسوس ليكون أبين وأظهر، وليُنَفًر من
هذا السلوك المشين لأن فك إحكام الحبل هدم لعمل بذل فيه صاحبه جهداً، ولأن الحبل بعد فكه يصبح عديم الجدوى.
*
* " نقض ". . في القرآن:
وقد جاءت هذه الكلمة " نقض " بمعنى المجاز أيضاً في مواضع أخرى من
القرآن الكريم، مراداً بها فيها ما أريد بها هنا. مثل قوله تعالى:
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) .
وجاء قبل هذه الآيهَ قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) .
ومنها توله تعالى: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) .
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ) .
وقوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. .)
стр. 458
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
* نتيجة:
هذا التتبع لاستعمالات كلمة " نقض " في صورها المختلفة في القرآن
الكريم، يضع أمامنا حقيقة هامة، هي أن القرآن قد عبَّر بها في كل موضع من مواضعها المذكورة سواء مثبتة أو منفية. عبَّر بها عن إبطال العهد وعدم الوفاء به بعد الالتزام والتحمل. . وإبطال العهد أمر معنوي. .
أما النقض فهو فسخ التركيب في المركبات الحسية كالحبل والغزل ونحوهما فهو أمر حسي.
واستعماله في المعنوي مظهر من مظاهر إبراز القرآن للمعاني المعقولة فى
صورة المحسوسة اعتناءً بالمعنى، وإظهاراً له في أجلى صور الوضوح.
* *
* القطع والوصل:
وكذلك جاء التعبير في بيان الجريمة الثانية التي ارتكبها الخالفون وهي:
(وَيَقْطعُونَ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ) .
فالقطع والوصل مستعملان في غير ما خصهما به الوضع.
لأن القطع مستعمل حقيقة في الأجسام الصلبة المتماسكة.
فهو في أمر حسي. . وكذلك
стр. 459
الوصل مستعمل في المحسوسات والمراد منهما في الآية - كما يرى العلامة
أبو السعود: " يحتمل كل قطيعة لا يرضى الله بها كقطع
الرحم، ومعاداة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء ﵈، والكتب في عدم التصديق، وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطى شر، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي مقصودة بالذات من كل وصل وفصل ".
وهذه كما ترى أمور معنوية قد عُبِّرَ عنها بما يُعبر به عن الحسية جرياً على
سُنة القرآن في التصوير والتشخيص.
وقد وردت المادة " ق ط ع " على سبيل المجاز وعلى سبيل الحقيقة.
فمن المجاز ما ورد في هذه الآية: (وَيَقْطعُونَ مَا أمَرَ اللهُ به أن يُوصَلَ) ،
ونوع المجاز فيه استعارى حيث شبَّه تركهم ما أمر الله به أنَ يَؤتى بقطع ما هو
موصول متماسك. والقرينة حالية إذ سياق الحديث في التكاليف الشرعية.
والجامع بين المستعار منه والمستعار له زوال الأثر في كل.
فالموصول إذا قطع ذهبت قوته والانتفاع به، وما أمر الله به أن يؤتى إذا ترك زال أثره من رضوان الله وإثابته.
* قطع ووصل في القرآن:
وقد طابق القرآن بين القطع والوصل. كما طابق بين: " ينقضون "
و" ميثاقه " إذا أخذنا برأى مَن يقول: إن الميثاق المراد به التوثقة كالميعاد
المراد به الوعد - والاستعارة تصريحية تبعية. .
ومن استعمالات القرآن المجازية لهذه الكلمة النصوص الآتية:
стр. 460
(وَقَطعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذبواْ بآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمنينَ)
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) .
(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) .
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) .
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) .
(وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) .
(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) .
(مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) .
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) .
وإنما كان التعبير في هذه النصوص مجازياً استعارياً لاستعمال اللفظ:
" قطع " في الأمور المعقولة. للمبالغة في بيان المعنى وتوكيده وتقريره، كما
هو الملحوظ في كل مجاز.
أما استعمالاتها الحقيقية فيه فكثيرة منها المواضع الآتية:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .
следующие страницы →