١ - نقض عهد الله.
٢ - قطع ما أمر الله به أن يوصل.
٣ - الإفساد في الأرض.
ونقض العهد هو عدم الوفاء به. . . لكن القرآن عبَّر عنه بالنقض فقال:
(يَنقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ ميثَاقه) ، والميثاق بمعنى التوثقة أي الإحكام
والتوثيق، وهذا التعبير مجازى لأَن النَقَض حقيقة هو: نقض البناء والحبل
وهو " انتثار العقد من البناء والحبل والعقد. وهو ضد الإبرام "
وهو فك التركيب والفسخ فيما هو محسوس.
والمآل واحد في جميع التفسيرات.
وهذا يمضى بكون النقض واقعاً على العهد مجازاً شُبِّهَ فيه المعنوي بالحسي تصويراً للمعنى وتشخيصاً ليكون أوضح وأمثل أمام النظر.
قال الزمخشري في توجيه المجاز في الآية المذكورة:
" النقض: الفسخ وفك التركيب.
فإن قلت: من أين ساغ استعمال النقض فى إبطال العهد؟
قلتُ: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة
لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة:
يا رسول الله، إن بيننا ويين القوم حبالاً ونحن قاطعوها.
فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك.
وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا إليه بذكر شيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة عَلى مكانه.
ونحوه قولك: شجاع يفترس أقرانه، وعالِم يغترف منه الناس،
وإذا تزوجتَ امرأة فاستوثرها. لم تقل هذا إلا وقد نبهتَ على
الشجاع والعالِم بأنهما أسد وبحر، وعلى المرأة بأنها فراش ".
والاستعارة التي يقصدها الزمخشري هنا هي الاستعارة المكنية لأن تحليله
لمجاز الآية ينطبق عليها.
стр. 457
وعلى هذا فإن العهد قد سمى بالحبل. فالحبل مشبَّه به، حُذف ورُمِزَ له بشيء من لوازمه الذي هو النقض. والقرينة هي إثبات النقض للعهد.
أما الجامع بين الحبل والعهد، فهو الإحكام والاستيثاق.
وقد أظهر المجاز المعنى في صورة المحسوس ليكون أبين وأظهر، وليُنَفًر من
هذا السلوك المشين لأن فك إحكام الحبل هدم لعمل بذل فيه صاحبه جهداً، ولأن الحبل بعد فكه يصبح عديم الجدوى.
*
* " نقض ". . في القرآن:
وقد جاءت هذه الكلمة " نقض " بمعنى المجاز أيضاً في مواضع أخرى من
القرآن الكريم، مراداً بها فيها ما أريد بها هنا. مثل قوله تعالى:
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) .
وجاء قبل هذه الآيهَ قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) .
ومنها توله تعالى: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) .
(الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ المِيثَاقَ) .
وقوله: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. .)
стр. 458
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)
وقوله: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
* نتيجة:
هذا التتبع لاستعمالات كلمة " نقض " في صورها المختلفة في القرآن
الكريم، يضع أمامنا حقيقة هامة، هي أن القرآن قد عبَّر بها في كل موضع من مواضعها المذكورة سواء مثبتة أو منفية. عبَّر بها عن إبطال العهد وعدم الوفاء به بعد الالتزام والتحمل. . وإبطال العهد أمر معنوي. .
أما النقض فهو فسخ التركيب في المركبات الحسية كالحبل والغزل ونحوهما فهو أمر حسي.
واستعماله في المعنوي مظهر من مظاهر إبراز القرآن للمعاني المعقولة فى
صورة المحسوسة اعتناءً بالمعنى، وإظهاراً له في أجلى صور الوضوح.
* *
* القطع والوصل:
وكذلك جاء التعبير في بيان الجريمة الثانية التي ارتكبها الخالفون وهي:
(وَيَقْطعُونَ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ) .
فالقطع والوصل مستعملان في غير ما خصهما به الوضع.
لأن القطع مستعمل حقيقة في الأجسام الصلبة المتماسكة.
فهو في أمر حسي. . وكذلك
стр. 459
الوصل مستعمل في المحسوسات والمراد منهما في الآية - كما يرى العلامة
أبو السعود: " يحتمل كل قطيعة لا يرضى الله بها كقطع
الرحم، ومعاداة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء ﵈، والكتب في عدم التصديق، وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطى شر، فإنه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التي هي مقصودة بالذات من كل وصل وفصل ".
وهذه كما ترى أمور معنوية قد عُبِّرَ عنها بما يُعبر به عن الحسية جرياً على
سُنة القرآن في التصوير والتشخيص.
وقد وردت المادة " ق ط ع " على سبيل المجاز وعلى سبيل الحقيقة.
فمن المجاز ما ورد في هذه الآية: (وَيَقْطعُونَ مَا أمَرَ اللهُ به أن يُوصَلَ) ،
ونوع المجاز فيه استعارى حيث شبَّه تركهم ما أمر الله به أنَ يَؤتى بقطع ما هو
موصول متماسك. والقرينة حالية إذ سياق الحديث في التكاليف الشرعية.
والجامع بين المستعار منه والمستعار له زوال الأثر في كل.
فالموصول إذا قطع ذهبت قوته والانتفاع به، وما أمر الله به أن يؤتى إذا ترك زال أثره من رضوان الله وإثابته.
* قطع ووصل في القرآن:
وقد طابق القرآن بين القطع والوصل. كما طابق بين: " ينقضون "
و" ميثاقه " إذا أخذنا برأى مَن يقول: إن الميثاق المراد به التوثقة كالميعاد
المراد به الوعد - والاستعارة تصريحية تبعية. .
ومن استعمالات القرآن المجازية لهذه الكلمة النصوص الآتية:
стр. 460
(وَقَطعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذبواْ بآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمنينَ)
(أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) .
(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) .
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) .
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) .
(وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) .
(وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) .
(مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) .
(وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) .
وإنما كان التعبير في هذه النصوص مجازياً استعارياً لاستعمال اللفظ:
" قطع " في الأمور المعقولة. للمبالغة في بيان المعنى وتوكيده وتقريره، كما
هو الملحوظ في كل مجاز.
أما استعمالاتها الحقيقية فيه فكثيرة منها المواضع الآتية:
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .
стр. 461
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) .
(فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) .
وكذلك استعمل القرآن مادة: " وص ل " بمعنى الوصل استعمالاً مجازياً"
فى المواضع الآتية مراداً بها فيها ما أريد بها هنا:
وهى: (وَالَّذِينَ يَصِلونَ مَا أمَرَ اللهُ به أن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) .
(وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) .
ولم يستعمل القرآن هذه المادة " وص ل " إذا كان مراداً بها " الوصل "
استعمالاً حقيقياً بل مجازياً. وإنما استعمل ذلك في مواضع مقصود منها
" الوصول " دون " الوصل " مثل قوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لكُمَا سُلطَاناً
فَلاَ يَصِلُونَ إليْكُمَا)
والملاحظ أن استعمال المادة الأولى " ق ط ع " في القرآن أكثر من استعمال
مادة " وص ل " وأن جانب المجاز في المادتين هو الغالب
وهو في " وص ل " بمعنى " الوصل " شامل لجميع مواضع ذكرها.
* *
* ضعف العقيدة:
ونموذج آخر: قال تعالى في سورة الحج: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) .
стр. 462
(وَمِنَ الئاسِ) - أي وبعض الناس. وهذا الفريق يعبد الله ما دامت
فضائله كثيرة عنده يرفل فيها صباح مساء.
صحة ومال وولد. فإذا تبدلت هذه النِعَم وابتلاه الله بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات
تبدل إيمانه كفراً، وطاعته معصية، وأخذ ينعى حظه في الحياة.
قال العلامة أبو السعود: " روى أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة،
وكان أحدهم إذا صح بدنه، وأنتجت فرسه مُهراً سوياً، وولدت امرأته ولداً
سوياً، وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبتُ منذ دخلتُ في دينى هذا إلا خيراً،
واطمأن. وإن كان الأمر بخلافه قال: ما أصبتُ إلا شراً، وانقلب ".
والمعنى أن هذا الفريق يعبد الله على ظاهر من الإيمان لم يتمكن الإيمان من
قلبه. . .
وفي التعبير ب " الحرف " دقة بالغة في تصوير الحالة النفسية لمن كان
شأنه هكذا، والحرف لغة: الطرف، وهو حافة الشيء.
والواقف عليه لا يقر له قرار:
" إن الخيال ليكاد يجسم هذا " الحرف " الذي يعبد الله عليه هذا
البعض من الناس، وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم وهم
يتأرجحون بين الثبات والانقلاب، وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح مما يؤديه وصف بالتزعزع، لأنها تنطبع في الحس وتتصل منه بالنفس ".
*
* صورة أدبية موحية:
هذا موطن جمال وتشخيص في هذه الآية الكريمة. . .
وهناك صورة أدبية موحية بينها وبين هذه الصورة " حرف " اتساق وتلاؤم. وهي: (انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) .
стр. 463
فى الصورة الأولى إيماء إلى حقيقة الحالة النفسية التي يكون عليها هذا
الفريق، ثم ماذا بعد تصوير الحالة النفسية؟
إن المشهد الذي يصوره لنا القرآن في الجانب المقابل، حركة عنيفة تؤدى إلى
الهلاك السريع والتحطم البالغ. (انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ)
والانقلاب على الوجه ذهاب بالصورة إلى قمة التأثير النفسي تنفيراً من هذه الحالة المشينة.
وإنَّا لنلمح التناسق العجيب بين هذين المشهدين " الحرف " و " الانقلاب "
فإن مَن يقف على طرف سرعان ما يهوى ساقطاً لا يلوى على شيء، وتلك نتيجة لازمة يدركها الخيال وإن لم يصرح بها في التعبير (١) .
هذه الصور الدائبة الحركة، والشخوص البارزة بديل من معنى ذهنى مجرد،
كان يمكن أن يؤدى بهذه العبارات: من الناس فريق يعبد الله على إيمان ضعيف فإن كرمه الله بالنعَم هَدئ وقَر.
وإن ابتلاه بالصائب ثار وفر، وهلك مع الهالكين.
وبين الطرَيقتين بون شاسع وفرق جسيم.
*
* إثارة الخيال:
لقد اشترك في إدراك هذه الصورة حاسة البصر حيث يتخيل لها ذلك الرجل
الجالس أو الواقف على الطرف المتأرجح بين الثبات والتزعزع.
وإن البصر يرقب ذلك الشبح وهو يهوى إلى الأرض في حركة سريعة حين زلت به القدم. . .
وحاسة السمع إنها لتكاد تتخيل صوت ارتطامه بالأرض الصلبة، يخرق صماخ الأذنين فيتمزق الجسم شر ممزق، ويتهشم العظم وتتناثر أشلاؤه هنا وهناك. .
وعواطف الحيرة والقلق، ثم الشفقة والرثاء. ثم الذهن حين يقارن ويتأمل
يمحكم.
ووراء ذلك كله يكمن سر التعبير كما جاء في الآية الكريمة. .
* *
стр. 464
* صورتان متماثلتان:
وهناك صورتان مماثلتان لهذه الصورة.
أولاهما قوله تعالى:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) .
هذه الصورة برزت فيها المعاني شخوصاً مرئية. في عالم محسوس مجسم،
ونماذج فنية معروضة للنظارة. لو استطاع رسام أن يبرزها بخطوطه وألوانه
لكانت براعة تحسب له في عالَم التصوير، والمصوِّر يملك الريشة واللوحة
والألوان، ولكن هنا ألفاظ فحسب صوَّر بها القرآن هذه المعاني حية نابضة
بالحركة. فملأت الشعور والوجدان وأغنت عن الريشة واللوحة والألوان.
*
* مقومات الجمال في النص:
ولننظر إلى جمال التعبير في مواطن جماله: (واعْتَصِمُواْ بحَبْلِ الله جَميعاً) . . والاعتصام هو ذلك التماسك القوى بشيء مجسم محسوس
(الحبل) مثلاً. . . وحبل الله دينه. سمى حبلاً على سبيل الاستعارة. والاعتصام ترشيح للمجاز.
يقول الزمخشري: " قولهم ": " اعتصمت بحبله ": يجوز أن يكون تمثيلاً -
أى استعارة تمثيلية - لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلى من
مكان مرتفع بحبل وثيق يأمن انقطاعه.
وأن يكون " الحبل " استعارة لعهده والاعتصام لوثوقه بالعهد، أو ترشيحاً لاستعارة الحبل بما يناسبه.
والمعنى: واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تتفرقوا عنه.
أو اجتمعوا على
стр. 465
التمسك بعهده إلى عباده، وهو الإيمان والطاعة، أو بكتابه.
لقوله ﵇:
" القرآن حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه ".
*
* مجازان تمثيليان:
فالمجاز في الآية يحتمل التركيب - أي استعارة تمثيلية - والإفراد على أن
يكون الاعتصام كما قال: ترشيحاً للمجاز، والمجاز الرشح أبلغ من المجرد،
ولكل مقام.
وفي الآية مجاز تمثيلى آخر، وهو قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) وهو قريب من: (يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) في كونه مجازاً تمثيلياً
، ونموذجاً بَشرياً. وكون مكمن السر الجمالى فيهما " الحرف " و " الشفا " إذ هما متحدان معنىً مختلفان لفظاً.
شبَّه حالهم وهم على الكفر والمعاصي بحال مَن يقارب السقوط في حفرة من
النار، وشبَّه هداية الله لهم إلى الإيمان والطاعات بإنقاذ مَن كاد يهوى في النار، وإبعاده عنها وتحقق السلامة له.
* تحليل المجاز في (شَفَا حُفْرَةٍ) :
قال صاحب الكشاف: " وشفا الحفرة وشفتها:
حرفها بالتذكير والتأنيث. . .
فمثلت حياتهم التي يُتوقع بعدها الوقوع في النار بالقعود على حرفها مشفين
على الوقوع فيها ".
فانظر كيف عمد القرآن إلى تجسيم المعنى لتأكيده وتقريره، وللعناية بإيضاحه
حتى يثير في أنفسهم مدى الهلاك الذي كانوا مشرفين عليه، فتبين لهم نعمة
الله في أجلى مظاهرها، أوَ ليس الذي ينجيك من الهلاك المحقق واهباً لك حياة
جديدة.
стр. 466
إن التردى في حفرة - مجرد حفرة - فيه تعرض لخطر جسيم.
فما بالك إذا كانت هذه الحفرة مستعرة بالنار؟
ليتأمل الخيال وليصور تلك الحفرة عمقاً واتساعاً كيف يشاء.
فتلك فراغات متروكة له يدركها كيفما يريد.
وصورة ثالثة. . . . .
قال تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) .
هاتان صورتان شاخصتان: بُنيان أسس على تقوى من الله ورضوان.
أساسه التقوى والرضوان، فهو قوى متين.
وبُنيان أسس على قواعد ضعيفة على طرف جرف هار. . فهو في غاية
الضعف لا يلبث أن ينهار.
قال الزمخشري: " أسس بنيانه على أضعف قاعدة وأرخاها وأقلها بقاء.
وهو الباطل والنفاق الذي مثله (جُرُف هَارٍ) في قلة الثبات والاستمساك.
وضع " شفا الجُرف " في مقابله التقوى. لأنه جعل مجازاً عما ينافى التقوى.
فإن قلتَ: ما معنى: (فَانْهارَ به فِى نَارِ جَهَنَّمَ) قلتُ: لما جعل الجُرف
الهائر مجازاً عن الباطل قيل: فانهاَرَ به في نار جهنم، على معنى: فطاح به
الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز. فجيء بلفظ الانهيار الذي هو
للجُرف، وليصور أن البطل كأنه أسس بنيانه على شفا جُرف هار من أودية
جهنم فهوى به ذلك الجُرف فهو في مقرها.
والشفا: الحرف والشفير.
وجرف الوادى: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء
وتجرفه السيول فيبقى واهياً،
والهار: الهائر وهو المتصدع الذي أشرف على التهدم والسقوط ".
стр. 467
فالمجاز هنا تمثيلى مركب.
ولتحقيق تصوير المعنى بصورة المحسوس كانت
أجزاء الصورة كذلك مجازية.
فالبنيان هو الدين الخالص.
وشفا الجُرف الهار هو الباطل والنفاق.
وجاء من ذلك كله ذلك المعنى الآسر.
قال الزمخشري معلقاً على هذا البيان الرفيع:
" وأنت لا ترى كلاماً أبلغ من هذا الكلام. . ".
هذه الصور الثلاث آثر القرآن أن يخرجها هذا الخرج الماثل الشاخص.
* *
* موازنة بين الصور الثلاث:
ولنوازن بين هذه الصور الثلاث، التي كان " الحرف " و " الشفا " يمثلان
فيها أجمل لقطة من لقطات الخيال. ولنقدم لهذه الموازنة بتمهيد:
أولاً: إن أبطال أو شخوص هذه الصور مختلفون حالاً مع التقارب فى
الوصف العام، فالذي يعبد الله على حرف - الذي هو بطل الصورة الأولى - عنده حظ من إيمان وإن ضؤل. فهو - إذن - على شُعبة من هدى، وبسبب نجاة.
ثانياً: أما أبطال الصورة الثانية: (وكُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ. .)
فإن حالهم الذي دل عليه لفظ: " كنتم " كانت متناهية في الخطورة حين كانوا متلبسين بتلك الحال. واستجابتهم إلى داعي الهدى (فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) دليل على حسن استعدادهم لتلقى التريية الصالحة إذا ما تهيأت لهم ظروفها، وحمل مشعلها هاد صالح على قدر عظيم من الخُلق والفضيلة.
ثالثاً: وأما بطل الصورة الثالثة:
(أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
فذو نفس خبيثة. أصرت على رفض الهدى،
стр. 468
ولجت في عتوها ونفورها. فليس لها من ماضيها أو حاضرها ما يشفع لها
ويدفع عنها سوء المصير.
* * *
* أثر هذه الفروق:
إذا وضعنا أمامنا هذه الفروق الواضحة بين أبطال الصور الثلاث.
ثم عمدنا نحلل التعبير إزاء كل صورة منها، رأينا الدقة والسحر يتمثلان أروع تمثيل فى الصور الثلاث.
فـ " الحرف " في الصورة الأولى: (مَنْ يَعْيُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ)
و" الشفا " في الصورة الثانية: (وكُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَةٍ مَنَ النارِ) نلحَظ
بينهما هذا الفرق: أن " الحرف " متروك على حالته. لم يستتبع بوصف يفيد
أكثر من أنه حرف، حرف وكفى، أما " الشفا " فقد وُصفَت بأنها حفرة من
النار.
هناك حرف مجرد، مطلق حرف، وهنا شفا ممتدةَ على محيط حفرة
تشتعل فيها النار.
لماذا كان التعبير هكذا. . . .؟
ولعل السر العجيب في ذلك أن مَن يعبد الله على حرف هو على شعبة من
إيمان في حال عبادته. فهو إذن على شيء من هدى.
ولما كان حظه من الإيمان لا يؤهله لاحتمال الشدائد والصبر على المكروه - وقَلَّ أن يسلم منهما إنسان - ناسبت حاله تلك حال مَن يقف على طرف شيء يخشى سقوطه منه وترديه.
ولكن كيف؟ . . يسقط وكفى.
أما الأوس والخزرج فقد كانوا قبل إسلامهم في ضلال وحروب أذهبت من
نفوسهم المروءة وطبعتهم بطابع وحشي.
فناسب من هذه الوجهة أن تشبه حالهم بحال مَن يقف على طرف حفرة تتأجج فيها النار وتستعر.
فمَن تردى منهم هلك واحترق. ولكن الله سلم.
стр. 469
هناك مجرد وقوف على حرف.
وهنا وقوف على طرف حفرة تضطرم بالنار.
الصورة الثانيه أكثر رهبة من الأولى، وأسوأ مصيراً - لأن المخالفة المستوجبة
للعقاب في الأولى أهون شأناً منها في الثانية.
وتأتى الصوره الثالثة. . وقد علمنا موقف بطلها السادر في الضلال،
العرض عن الهدى المتصف بالكفر والنفاق.
لأن الجزاء من جنس العمل.
فهو أشد خطراً من سابقيه، وأفظع ذنباً.
فجاء التعبير القرآني أشد ما يكون اتساقاً مع ما ثبت له من صفات الكفر والنفاق: (عَلى شَفَا جُرُف هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ) .
فـ " الشفا " - هنا - غير الشفا وغير الحرف هناك: الشفا شفا جرف.
والجرف ما يجرفه السيل. إذن فهو شفا رخو هش تغوص فيه الأقدام، بل
الركب والأجسام. . . هذه واحدة.
وهو (هَارٍ) . . هكذا بالنص. متفتت لا تبثت عليه خطىً، ولا يمكن عليه
سير، ضعف فوق ضعف فأنى يستقيم له بنيان؟ . . . وهذه ثانية.
(فَانْهَارَ بِهِ) انهار به فعلاً، وليس مشرفاً على الانهيار.
وهنا تكمل نهاية المأساة من حيث نتائجها الطبيعية.
تكمل بالتردى والسقوط الذي كان متوقعاً، لأن المقدمات صادقة، موصلة - لا محالة - إلى هذه النهاية. . .
وهذه ثالثة.
(فِى نَارِ جَهَنمَ) لم يكن السقوط على الأرض وفي قاع الحفرة فحسب.
لماذا؟ لأن قاع الحفرة أو سطح الأرض قد يكون - كذلك - رخواً هشاً.
стр. 470
فقد يتوهم متوهم أن الساقط عليه قد ينجو وإن تعرض لطفيف الإصابات.
فكان هذا الاحتراس الحكيم الدافع لكل وهم: (فِى نَارِ جَهَنمَ) وهي - أى
النار - كفيلة بهلاكه ولو لم يسقط فيها. بل ولو دخلها في زينة عروس. . .
وهذه رابعة.
ثم " النار " ليست هي مطلق نار. فقد تكون ضعيفة لا تصيبه إلا بالحروق
التي - يمكن النجاة منها. لذلك، ودفعاً لهذا الاحتمال - كذلك - كانت النار المنهار فيها هي نار جهنم وهي معلوم شأنها:
(لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) .
(نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) .
(وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ) . . وهذه خامسة.
* *
* ملاحظة أخرى في الموازنة:
وصفوة القول: لقد ناسب التعبير القرآني حال كل
من الصور أدق مناسبة قدر لها تقديراً
دون إيجاز مخل، ولا إطناب ممل.
بقيت ملاحظة أخيرة. .
فقد جاء في الصورة الأولى قوله تعالى: (انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) .
стр. 471
وجاء في سورة آل عمران: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) .
الانقلاب في الموضعين مجاز تصويرى على طريقة الاستعارة التمثيلية،
شبهت فيه أحوال معقولة بصور محسوسة.
ومع ذلك نلحظ بينهما فرقين هامين:
أولهما: الانقلاب في آية الحج على الوجه.
أما في آية آل عمران فعلى العقبين.
الأول انكفاء على الوجه الذي هو أشرف ما في الإنسان.
والثاني سقوط إلى الخلف.
ثانيهما: جاء بعد الانقلاب في آية الحج قوله تعالى: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) .
وهذه الخاتمة تجعلنا في يأس من إصلاح حال مَن كان الحديث في شأنه.
كما أننا نتبين مدى خسرانه وكونه ظاهراً لفداحته.
وجاء بعد الانقلاب في آية آل عمران قوله تعالى:
(وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) .
وهذه الخاتمة تدلنا على شيئين:
أن الانقلاب لا يضر إلا صاحبه فلا يلحق بالله - سبحانه - منه شيء.
وأن الله مع هذا كفيل بجزاء الشاكرين.
الخاتمة - كما ترى - في الموضعين مختلفة من حيث الدلالة:
الأولى ميئسة، والثانية فاتحة لأبواب الرجاء.
* *
стр. 472
* سر الاختلاف .
والسر - والله أعلم - أن آية آل عمران وردت في مقام عتاب من الله لعباده
الذين تأثروا بإشاعة قتل النبي ﷺ أو موته يوم أحد. وفي العتاب تأنيب وتأميل، تأنيب على ما بدا في الماضي، وتأميل فيما يجب التحلي به فى المستقبل.
لذلك كانت الخاتمة في آل عمران رقيقة باعثة على الرجاء والإنابة.
أما آية الحج فإن الذي يرتد عن دينه إذا ما ابتلاه ربه ويستبدل الكفر بالإيمان
والإساءة بالإحسان والمعصية بالطاعة.
قد أحل بنفسه عذاب ربه وباع دينه بدنياه فخسرهما معاً.
فليس معه بقية من رشاد يُرجَى بها هدايته.
ومصيره إلى النار لا محالة.
لذلك كانت الخاتمة معه قاسية أليمة.
كخاتمة حياته، وعاقبة أمره.
* * *
٢ - جمادات. . حية:
نجد في القرآن الكريم الجماد يتكلم، والمعنويات تُوصف بما يوصف به
الأحياء العاقلين، كما أسند إلى هذه الأنواع أحداث لا يأتى بها غير مَن كانت له حياة حقيقية وعقل وإرادة وتدبير، ترى ذلك فتسحر، ولا تستطيع أن تنكر منه شيئاً أو تحس بمخالفة في التعبير للسنن الذي ينبغى أن يكون عليه
والحديث في ذلك طويل ومتعدد الجوانب. . ولكننا سنضرب مثلاً لتأكيد
القاعدة ولبيان أن طريقة التصوير والبعث هي طريقة القرآن المفضلة. ومنهجه المتبع في بيان المقاصد المختلفة.
وأمثلة ذلك كثيرة منها: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) .
стр. 473
فأنت ترى السموات والأرض والجبال - هنا - جماعة من الإناث العاقلات.
فهمن معنى العرض، وخطر الأمانة فطلبن من الله أن يعفيهن من حملها
وأشفقن منها، إنه لتمثيل رائع أن ترى الجمادات تخاطب فتعقل وتفكر فتتكلم.
وقد جرى المفسرون على تفسير قوله تعالى: (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا)
أي: أبَيْنَ الخيانة فيها وأشفقن من الخيانة. .
ويفسرون " الأمانة " بالطاعة أو التكاليف الشرعية.
ولماذا لا نجرى الإباء على حقيقته - كما سبق - ويكون المعنى: طلبن من
الله إعفاءهن من حملها.
وحملها الإنسان، على أن يراد بالأمانة ما يؤمَن عليه
الإنسان من مال وغيره. لا مطلق طاعة ولا عموم التكاليف.
وقال سبحانه: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) .
تكاد كتب التفسير تجمع على أن المراد من أمر السماء والأرض في هذه الآية
أنه أمر تكوين. أي قال لهما: كونا وتشكلا على الهيئة التي نشاهدهما عليها.
وفي تحليل معنى الأمر يقول الزمخشري: " إنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا
عليه، ووجدتا كما أمرهما، وكانتا في ذلك كالأمور الطيع إذا ورد عليه فعل
الأمر المطاع.
وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل. ويجوز أن يكون تخييلاً
ويُبنى الأمر فيه على أن الله تعالى كلم السماء والأرض وقال لهما: ائتيا
شئتما ذلك أو أبيتما. فقالتا: أتينا على الطوع لا على الكُره.
والغرض تصوير أثر قُدرته في المقدورات لا غير، من غير أن يحقق شيء من الخطاب والجواب ".
стр. 474
وأياً كان نوع المجاز تمثيلاً أم غيره فإن شاهدنا في الآية ظاهر، حيث أسند
إلى السماء والأرض، وهما جمادان، أحداثاً إنما هي من اختصاص العقلاء.
وقال سبحانه: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) .
الآيات تتحدث عن قوم فرعون لما جاء الهلاك فهلكوا، تاركين وراءهم
ما كانوا فيه من نعمة وفضل.
أراد الله أن يبيِّن لنا حقارتهم، وأنهم غير مأسوف عليهم حين هلكوا
لعصيانهم وفسادهم. فقال: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) .
ففى نفى بكاء السماء والأرض عليهم تهكم بهم، لأن العرب كانوا إذا مات
لهم عظيم قالوا في تعظيم مهلكة: بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب
الجزع والبكاء عليه.
والقرآن بلغتهم نزل. فجاء نافياً ذلك البكاء المخصوص
عنهم ليدل أنهم ليسوا كمن يعظم فقده.
ونقل الزمخشري عن الحسن: " فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون.
بل كانوا بهم مسرورين ".
وفسَّر هذا - أي الزمخشري - بقوله: " يعنى: فما بكى عليهم أهل
الأرض ".
وعلى ما ذكره فإن التعبير من قبل المجاز العقلي
الذي أسند فيه البكاء منفياً إلى ما ليس له.
والعلاقة المحلية.
أما القرينة فاستحالة أن يكون من السماء والأرض بكاء.
стр. 475
وفى الآية شاهد ثان في قوله تعالى: (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) حيث أسند الوصف:
(كَرِيمٍ) إلى غير ما هو له حقيقة، وهو (مَقَامٍ) وذلك كثير فيه،
وسيأتى له بعد بعض التفصيل.
*
* كواكب مضيئة:
وقال سبحانه: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤) َ.
الكواكب والشمس والقمر أجرام سماوية فلا يأتي منها ما يأتي من العقلاء.
وقد أجراها القرآن في هذه الآية مجرى العقلاء في موضعين:
أولهما: فى (رَأيتُهُمْ) حيث أعاد عليها الضمير الذي يعاد به على
العقلاء.
وكان حق التعبير أن يقال: رأيتها.
ثانيهما: في قوله: (سَاجدينَ) حيث أجرى عليهم الوصف الذي من حقه
أن يجرى على العقلاء - كذلك - وكان حق التعبير أن يقال: ساجدة
لا " ساجدين " ولتوجيه ذلك طريقان:
أولهما: ذكره المفسرون وهو: " لأنه لما وصفها بما هو خاص بالعقلاء - وهو
السجود - أجرى عليها حكمهم، كأنها عاقلة.
وهذا كثير شائع في كلامهم أن يلابس الشيء من بعض الوجوه فيعطى حكماً من أحكامه إظهاراً لأثر الملابسة والمقاربة ".
وهذا توجيه حسن ومقبول. .
ثانيهما: ولم أره لأحد. وهو أن هذه الكواكب والشمس والقمر لما كانت
رموزاً وكنايات عن عاقلين، حيث صرَّح المفسرون بأن المراد بالكواكب: أخوته،
стр. 476
والشمس والقمر: أبواه - لما كانت كذلك - عوملت معاملتهم فأجرى عليها ماجرى عليهم.
والفرق بين التوجيهين: أن الأول عام يمكن الانتفاع به في غير هذا الموضع،
والثاني خاص به دون سواه.
وقال سبحانه: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .
عامل الشمس والقمر، والليل والنهار معاملة جمع المذكر العاقل.
فأجرى عليها ضميره. لأن الدقة والنظام اللذان يُشاهَدان في سير هذه الكواكب والظواهر الكونية خليق أن يأتى
من حكماء العاقلين، لا من أجرام وظواهر.
وهذا سوغ أن تكون مثلها فعوملت معاملتها.
والخلاصة أن ما يجرى مجرى العقلاء في القرآن الكريم.
إنما هو للمبالغة فى المعنى لتأكيده وتقريره.
وأن كل موضع وردت فيه هذه السمة، اشتمل المقام
فيه ما يسوغ هذا الصنيع في حكم البلاغة.
ليكون المعنى أوقع في النفس، وأيسر في الفهم، وأمثل للنظر.
وليس في هذا الاستعمال مخالفة للوضع اللغوي أو العُرف البياني، وإنما هو مسلك البلغاء الفاقهين لأسرار المعنى وتصاريف الأساليب.
وهو في القرآن على أسمى وجه وأرفع منزلة.
* * *
٣ - نماذج عامة:
تحدثنا في الصفحات السابقة عن لونين من ألوان التعبير القرآني نهج فيهما
منهج التصوبر والتمثيل في النماذج البَشرية السابقة.
ثم حياة الجمادات.
وعرفنا سر كل أولئك.
ونذكر في الصفحات التالية نماذج عامة تجلت فيها هذه السمة
فوهبت الجماد حركة والمعنويات تجسيماً.
والخفيات ظهوراً.
стр. 477
وكل ذلك فى لمحات ساحرة من فن القول.
وجمال التصوير، الليل والنهار و الريح والصباح
من الأمور المعقولة - هكذا استقر في أذهان الناس وهكذا كان الواقع.
* الليل والنهار والصبح:
ولكنها في القرآن أنفس حية .
وأجسام تتحرك وتتصرف تصرف الأحياء:
(وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) ،
(وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)
(فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) .
((وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) أي أقبل بظلامه لتسكن الحركة، ويئوب كل إلى
مأواه. . وأين كان الليل قبل أن يقبل بظلامه؟
الصبح حى يتنفس. إن هذا التنفس الصادر عن الصبح هو حركة الكون كله، تلك الحركة التي يصحو بصحوها الوجود - إنسان وحيوان وطيور -
عمل دائب وحركات سريعة متداخلة هي سر التقدم والعمران.
(وَالليْلِ إذَا يَسْرِ) يسرى إلى متى. ومتى جاء؟
والليل عاقل مختار يريد شيئاً ويفعله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) .
وإنك لترى الليل والنهار متسابقين في مباراة حامية لا تكف عن الحركة كل
منهما يبغى الآخر: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) .
* الريح:
والرباح ليست ظواهر كونية فحسب، ولكنها مشيئة مريدة لها وظيفة تؤديها
فى فهم وإدراك: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) .
أى بما تحمل من ماء أو طلع النخل متنقلة من ذكورها إلى إناثها.
فالتعبير قد أكسبها حياة حيوانية تلقح وتنتج.
стр. 478
والريح طيبة، وعاصفة، وعقيم، وعاتية، أوصاف لا تُطلق إلا على عقلاء.
ولكنك تجد في القرآن الريح موصوفة بهذا الوصف: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) .
ولم يكن الجائي هنا هو الريح وحده بل الموج كذلك جاء ساعياً بلا قدم من كل مكان: يمين وشمال، أمام وخلف.
(وَفى عَادٍ إذْ أرْسَلنَا عَليْهِمُ الرَّيحَ العَقِيمَ)
العُقم في الأصل يُطلق على المرأة التي لا تلد ولكنه هنا جاء وصفاً للريح التي لا تأتى بخير.
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) .
أي شديدة البطش. فهى جند من جنود الله الذَين لا يُغلبون.
* الأرض تهتز وتنشط:
والأرض ليست تلك الكتلة المنبسطة التي يسير عليها الناس.
ولكنها كائن عاقل كذلك، تراها " هامدة " مرة و " خاشعة " مرة أخرى. . وتراها فتاة خضرة تمرح وتفرح ويهزها الطرب:
(وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) .
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) .
وهكذا تصبح الأرض بلمسَة واحدة مصدراً للنشاط والحركة.
стр. 479
* الدعاء له طول وعرض:
والدعاء كلمات يتنفس بها المكروب، قد تكون خفية همسات نفس، وقد
تعلو علواً نسبياً فيسمعها المتضرع ومَن يليه، ولكنها لا تزيد على هذا الحد.
ولا يستطيع الخيال أن يبرزها إلا في حدودها الطبيعية.
لكن القرآن - كتاب المعجزات - جعل أمام الخيال من تلك الكلمات الهامسة، وخلجات النفس المكروبة.
جعل منها دنيا عامرة فسيحة لها عرض يقصر دونه أحدُّ وأقوى بصر.
اسمع إليه يقول: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) .
فهذا الإنسان ظالم كفور لا يلتزم الاعتدال لا في حال النعمة، ولا في حال
النقمة.
فإذا كان في نعمة نسي معطيها وكفر حقها.
ولكن هذا المعنى أدى فى صورة شاخصة ومنظر ماثل: (أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ) إنه لعقوق وكفران وسوء معاملة.
فإذا ابتلاه الله بشيء من " الشرِّ " ملأَ الدنيا طنطنة وضراعات
ذاهباً بها في كل مكان لا يزال يدعو ويتضرع لتعود إليه السلامة:
(فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) فالدعاء له عرض وطول.
وطوله لا يقع تحت ضابط، فليوصف عرضه، وإذا كان العرض هكذا ممتداً. فما بالك بالطول؟ ليعمل الخيال.
ومثل هذه الصور قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) .
فالضر ماس. إذن فهو له جارحة، وهو لشموله لتفكير الإنسان، وما يصيب
منه من قلق واضطراب سابغ لكل جزء فيه، ومحيط به حتى لكأنَّه لا يكاد يُرَى من وراء هذا الغطاء الكثيف.
هذه الاعتبارات أوحى بها قوله تعالى:
стр. 480
(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ) ، والكشف لا يكونِ إلا للأغطية والحُجب
المحسوسة كقوله تعالى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) .
* * *
* الحيرة والقلق:
ثم انظر إلى الحيرة والقلق، كيف يبرزهما القرآن في عبارات حساسة شديدة
الحساسية: (. . . وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) .
هذهَ الأرض الواسعة ضاقت حتى كادت تنخنق أنفاسهم.
لذلك تجد أنفسهم قد ضاقت عليهم هي الأخرى. . . فإلى أين يذهبون. . . أيخرجون من أنفسهم؟ . . . إنهم لو خرجوا منها - وكان ذلك مستطاعاً - لوجدوا أنفسهم فجأة فى الأرض.
أو ليست هذه الأرض هي التي وجدوا فيها أنفسهم - فرضاً -
قد ضاقت عليهم من قبل. . . فإلى أين المصير؟
إلى الله وحده. . لا ملجأ منه - لا أرضاً ولا سماءً ولا نفساً - إلا إليه.
* * *
* لفتة خاطفة:
قل لى بربك: هلْ في مقدور إنسان - مهما أوتى من البلاغة والبراعة -
أن يصوِّر هذه الحالة النفسية كهذا التصوير في دقة وإيجاز واستقصاء لجوانب
الصورة الواقعية والمحتملة.
لا. . ليس في إمكان بَشر.
إنه الله وحده. . وكتابه الحكيم سجلٌّ أمينٌ حافلٌ بهذه الصور الخلَّابة والمعاني
الآسرة.
стр. 481
الباب الثالث
من روائع " المعاني " في القرآن الكريم
* من أسرار الحذف.
* من أسرار التقديم في القرآن.
* التقديم غير الاصطلاحي .
стр. 482
الفصل الأول
من أسرار الحذف
الحذف فن عظيم من فنون القول، ومسلك دقيق في التعبير وتأدية المعاني،
ترى به ترك الترك أفصح من الذكر. والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة. وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتَم بياناً إذا لم تبن.
وقد أشاد البيانيون كثيراً بفن الحذف. وأفصحوا عن ملامحه الجمالية فقعَّدوا
له القواعد ووضعوا الشروط وأظهروا المزايا.
وكان لظاهر الحذف في القرآن الكريم أكبر عون للبلاغيين على تعرف جهاته.
ورصد حالاته وكشف أسراره مقيساً عليه كل فن بليغ وأدب ممتع.
* شروط الحذف:
كل حذف لا بدَّ فيه من شرط وسبب. .
أما الشرط فقد أجمعوا على أن الحذف لا يُصار إليه إلا إذا بقيت في الكلام
قرينة تدل على المحذوف. حتى لا يصبح البيان ضرباً من التعمية والغموض،
لأن شرط جودة الأسلوب الوضوح وحسن الدلالة.
وهذا الشرط ضرورى لا يُحمد إغفاله، لأن الحذف إذا لم يكن فيه ما يدل على المحذوف - ويعينه أحياناً -
جار على اللفظ والمعنى.
والألفاظ - كما قالوا - أوعية المعاني فلا بدَّ من
ملاحظتها مذكورة أو محذوفة دل عليها دليل (١) .
стр. 483
وأما السبب فهو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى ترجيح الحذف على الذِكر.
أو وجوبه. إذا كان أدل على فخامة المعنى. وسعة تصوره في بعض المواضع.
وفي هذا - أعنى الداعي إلى الحذف - يكمن السر الجمالى في التعبير
لكونه مظهراً من مظاهر مقتضى الحال. والتصرف في إلقاء الكلام. ومظاهر
الحذف في القرآن الكريم كثيرة جداً لكن البلاغيين اتجهت عنايتهم إلى حذف
المفعول به أكثر من غيره. لأن اللطائف فيه أكثر وأعجب.
ويمكن تصنيف الحذف في القرآن الكريم على الوجوه الآتية:
١ - حدف حرف
٢ - حذف كلمة مفردة.
٣ - حذف جملة.
٣- حذف فقرة كاملة.
وأرى أن دراسة الحذف فيه على هذا المنهج أضبط من المنهج
الذي سار عليه ابن الأثير في " المثل السائر ".
حيث قسَّم الحذف إلى نوعين:
أولهما: حذف الجمل ويقع في أربع أنواع. . وستأتي طريقته.
ثانيتهما: حذف المفردات ويقع في أربعة عشر نوعاً.
وقد أورد في حذف المفردات بعض الحروف، والحرف لا يعد مفرداً.
وكان الأولى أن يبحثه تحت عنوان " حذف الأداة ". .
كما أنه أدخل ما هو أكثر من جملة في حذف الجملة.
وحذف الجملة في حذف المفردات، لذلك آثرت هذه الطريقة إذ يبدو
أنها أكثر ضبطاً.
أولاً - حذف الحرف:
وقد جاء حذف الحرف في القرآن الكريم في مواضع متعددة، ولمعرفة حذفه
فيه - فيما أرى - ضابطان، الأول: دلالة الحرف المحذوف على معنى مع بقاء
стр. 484
هذا المعنى بعد الحذف.
والثاني: اعتبار الحرف محذوفاً بالقياس على موضع
آخر مماثل ورد فيه الحرف دون حذف.
فمن النوع الأول: حذف حرف النداء " الياء " كثيراً في القرآن الكريم حيث لم يأت في القرآن أداة نداء سواه. ولأن العلماء صرحوا على أن أداة النداء إذا حذفت وجب أن يقدر المحذوف ياءً. لأنها أم الباب.
وقد التزم القرآن الكريم حذف أداة النداء " الياء " مع كلمة " رب " خاصة
فى كل موضع وردت فيه على هذا الوجه إلا في موضعين:
الآية (٣٠) من سورة الفرقان. وهي قوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) .
والآية (٨٨) من سورة الزخرف، وهي قوله:
(وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) .
وقد قصر الدكتور أحمد أحمد بدوي إذ يقول:
" وعلى كثرة ما نودى الرب في القرآن لم أعثر عليه مسبوقاً بحرف النداء إلا
فى تلك الآية الكريمة: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) .
" ويبدو أنه لم يتتبع مواضعها. وإلا لم يقع في هذا القصور حيث صرَّح
بسبقه في آية الزخرف فحسب ".
وقد اهتدى الدكتور بدوي إلى تعليل مقبول لسر حذف أداة النداء " الياء "
مع " رب " إذ يرى أن سر الحذف فيه للمبالغة في تصوير قُرب المنادَى
" رب " حيث إن معناه: المربي والسيد والمالك. وهو بهذه المعاني من شأنه أن يكون قريباً حاضراً لا يحتاج في ندائه إلى وسائط.
* *
стр. 485
* لماذا حذف " يا " مع " رب "؟
ونضيف إلى ما ذكره الدكتور بدوي: إن هذه الكلمة " رب " أكثر استعمالاً
من غيرها في الدعاء. فروعي فيها من جهات التخفيف ما يجعلها أطوع فى
الألسنة. وأسهل في مجارى الحديث.
ولم يقتصر حذف أداة النداء في القرآن الكريم على كلمة " رب " فحسب،
بل جاء ذلك في مواضع كثيرة غيرها مثل: (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) .
ومثل: (طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) .
ومثل: (يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا) .
والأصل يا يس ويا طه ويا يوسف. . وقد كسا الحذف - هنا - العبارات
فخامة وخلابة.
* *
* إيثار " الياء ":
ولعل السر في إيثار القرآن الكريم لحرف النداء " يا " دون غيره.
لأن هذه الأداة تكون الوسيلة الطبيعية في النداء.
إذ هي أكثرها استعمالاً عند الخاصة والعامة.
ولأنها أم الباب، ولأنها أخف أحرف النداء في النطق، لأنها تبدو
فى خفة حركتها كأنها صوت واحد، لانطلاق اللسان بمدها دون أن يستأنف
عملاً.
أما الأربع الأخر - وهي الهمزة وأيا وهيا وأي - فإن كلا منها يبدأ بحرف من
حروف الحلق. وهي أثقل الأصوات نطقا.
* *
стр. 486
* حذف "لا" مع "تفتأ ":
ومن حذف الحرف في القرآن الكريم إسقاط " لا " في قوله تعالى:
(قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) .
والتقدير: لا تفتأ تذكر يوسف.
ويرى الزمخشري ومَن تابعه أن الحذف هنا حصل لأَمنِ اللبس.
والكلام مسوق للنفي إذ لو كان إثباتاً لوجب اللام والنون فيه.
فترك ذلك دليل على بقاء النفي وإن حذفت أداته.
وقال ابن المنير في حاشيته على الكشاف في الموضع المذكور: " وحذف " لا "
النافية للمضارع بعد القَسَم كثير لأمن اللبس ".
وقد استشهد الزمخشري بقول امرئ القيس:
فَقُلتُ يَمِينُ اللهِ أبْرَحُ قَاعداً. . . وَلوْ قَطعُواْ رَأسِى لدَيْكِ وَأوْصَالِى
هذا حاصل تخريجهم للمسألة.
ولكن ألا يرد عليهم هذا الاعتراض وهو: إن جواز الحذف - هنا - فى
الصناعة النحوية لا يمكن أن يكون تفسيراً بلاغياً لتوجيه المعنى.
وأياً كان أمر الحذف في الآية والبيت فإنه ليس مستوى الطرفين.
بل الإثبات أرجح منه لأنه الأصل.
فلا بدَّ - إذن - من تلمس وجه آخر غير الجواز النحوي يرجح من حيث
المعنى الحذف على الذكر.
* سر حذفه:
وهذا الوجه - كما أراه - أن حرف النفي في الآية الكريمة " لا " محذوف
لضيق المقام لأن الأزمات النفسية عند إخوة يوسف قد بلغت ذروتها في هذا
الموضع. ويكفي أن يستحضر الإنسان الآيات السابقة على هذه الآية للتأكد من صحة ما أراه. ويكون الجواز النحوي حينئذ ترشيحاً ومساندة لا نذكر:
стр. 487
(ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦) .
فقد تجمعت - هنا - آثار الجريمتين: فَقد يوسف. واحتجاز أخيه بنيامين.
وتفجرت في نفس يعقوب ﵇ عواطف اليأس والرجاء.
وظهر ذلك على ملامحه وأعرض عن إخوة يوسف غير آبهٍ بما يقولون.
شاكاً في قولهم في مقام يفيدهم فيه التصديق. جائراً بالشكوى إلى الله يكاد الأسى يمزق قلبه وهو شيخ كبير افترسه شعور الحزن على ولِيدين محبوبين.
هذه الواقف المويئسة كان لها أثر بالغ على إخوة يوسف فضاقت عليهم
الأرض بما رحبت فكان حسناً من القرآن - وهو يُعبِّر عن تلك الحالات النفسية الدقيقة - أن يكون في التعبير نفسه ما يشير إلى تلك الحالات أبلغ وأوجز إشارة. . وكان التعبير كذلك.
أما ما ذكروه عن امرئ القيس. . فإن موسيقى الشعر. وما كان فيه الشاعر
من موقف يترقب فيه الخطر. فإن من الخير له أن يستبدل بالكلمات الهمسات وبالهمسات الإشارات خوفاً من أسماع وأعين الرقباء.
وهذه حالة شبيهة بتلك. ناسبها أن يخرج التعبير على الصورة التي جاء
عليها في الموضعين.
стр. 488
ذلك ما أراه لائقاً لتوجيه المعنى - بلاغياً - فرق الجواز النحوي.
أما النوع الثاني من ضابطى حذف الحرف - وهو النوع الذي يعتبر الحرف فيه محذوفاً في موضع قياساً على موضع آخر جاء مذكوراً فيه - فإن أمثلة ذلك من القرآن كثيرة. . .
* *
* حذف الواو وذكره:
ومنها قوله تعالى في ثأن أهل النار: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) .
فى هذه الآية حذف حرف الواو وقيل: " فتحت " بدليل ذكرها في موضع
آخر مماثل لهذا الموضع.
وهو قوله تعالى في شأن أهل الجنة: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) .
* دلالة هذا الحذف:
الواو - إذن - محذوفة في الموضع الأول. مذكورة في الموضع الثاني.
فما السر في الحذف هناك والذكر هنا؟
وما الذي ترتب على الحذف والذكر من
تغيير في المعنى وفي الإعراب؟
لقد كان لهذا الصنيع أثره في الموضعين. ويمكن تلخيصه فيما يأتي:
١ - حذف الواو في الآية الأولى محض ما بعدها للشرط.
فأصبح جواباً لـ " إذا "، أما ذكرها في الثانية فقد حمى ما بعدها أن يقع جواباً للشرط.
стр. 489
ولوَّح بأن الجزاء محذوف. ولأنه صفة ثواب أهل الجنة.
فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف.
٢ - والحذف في الأولى دل على أن أبواب جهنم فتحت حين جاءوها، لأن
" إذا " ظرف لا يُستقبل من الزمان، و " فتحت " جوابها، والذكر في الثانية
دل على أن أبواب الجنة كانت مفتحة قبل أن يأتوها.
فلماذا - إذن - كانت أبواب جهنم مغلقة ثم فتحت حين جاءوها، وأبواب الجنة مفتحة قبل أن يأتوها؟
٣ - والجواب: لأن جهنم سجن، والسجن ذلك شأنه: حُراس شداد،
وأبواب محكمة الإيصاد: (عَليْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَة) .
والجنة دار كرامة وتشريف، فللترحيب بهم استعدت لهم قبل وصولهم،
(جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) .
* * *
* موضع آخر تُحذف الواو:
فتلك أسرار ثلاثة استفيدت من حذف حرف في موضع، وذكره في موضع
آخر مماثل.
ومثله في كون الواو محذوفاً في موضع ومذكوراً في آخر مماثل قوله تعالى:
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) .
وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) .
стр. 490
وتوجيه التعبير في الموضعين ميسور. لأنهما - وأن اتحدا في الغرض العام
- فبينهما فرق واضح هو مكمن السر في الذكِر والهدف.
فالآية الأولى تذكير من الله - مجرد تذكير - بما حدث لبني إسرائيل من
بطش فرعون وآله.
وفي الآية الثانية يعمد موسى ﵇ إلى تذكير بنى اسرائيل بنعَم
الله. . ويعدد عليهم تلك النعَم. فلم يكتف بذكر الإنجاء. بل مهُد له من أَول الأمر للتذكير فناسب ذلك تَعداد النعَم.
والفصل بين آحادها. فكأنه جعل سومهم العذاب محنة مستقلة نجاهم الله منها، وعطف عليها غيرها.
لذلك جيء بالواو بين النوعين. ومعروف أن العطف بالواو يقتضي المغايرة. .
فلو ترك هذا العطف لصار السوم والتذبيح نوعاً واحداً. ويكون الثاني تفسيراً للأول. كما هو في الآية الأولى.
وإلى هذا المعنى أشار الزركشي في شيء من الإجمال.
ومثله كذلك قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) .
فقد جاء " رابعهم " و " سادسهم ". بعد " ثلاثة " و " خمسة " بدون
واو. . . ثم خولف في " سبعة " هذا النسق. حيث عطف عليها " ثامنهم "
بالواو. والمواضع الثلاثة متماثلة.
فلا بدَّ من سر خفى اقتضى الحذف في الأولين.
والذكر في الثالث. . فما هو إذن ذلك السر؟
стр. 491
* توجيه النص مع الحذف وعدمه:
تعددت الآراء في توجيه ذلك. .
ففريق يقولون: إنها واو الثمانية (١) . .
ويذكرون على ذلك أمثلة من القرآن الكريم اتفق لهم فيها مجيء هذه الواو فيما هو مظنة ذلك.
منها: أن الله يقول فى شأن أبواب الجنة: (وَفُتحَتْ أبْوَابُهَا) ،
وفي أبواب النار: (فُتِحَتْ أبْوَابُهَا)
وأبواب الجنَة ثمانية وأبواب النار ودركاتها - سبعة.
ومنها قوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) .
وعدُّوا منها - كذلك: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) .
لأن " أبكاراً " ثامن كذلك. .
* رد ابن المنير على هذا الرأي:
وقد شنع ابن المنير على مَن يقول بواو الثمانية هذه ولم يرضه.
وناقش أدلتهم وانتهى من المناقشة بأن ما زعموه من وجود واو ثمانية في اللغة العربية غير مُسلم. وأن كل واو جاءت في موضع مما يستدلون به هي لغير ما يرون.
فالواو فى: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) للربط بين الصفتين المتعاطفتين.
ويؤيد رأيه بأن هذه الواو صاحبت هاتين الصفتين في جميع استعمالاتهما مثل: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، و (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) .
والواو في قوله تعالى: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) للتقسيم.
ولو حذفت لذهب المعنى المراد.
стр. 492
يقول ابن المنير مستخلصاً من كل ما سبق: "فقد وضح أن الواو في جميع
هذه المواضع المعدودة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق ".
* * *
* إضافة:
ْونضيف إلى ما ذكره ابن المنير ما يأتي:
إن الواو كما دخلت على: (والناهُونَ) دخلت على (والحَافظونَ) وهى
التاسعة فهلَّا قالوا بأنها واو التسعة، مشابهة لتلك؟ وحيث لم يسغ لهم
هذا القول فما الفرق - إذن - بنين الواوين الداخلتين على: (والناهُونَ) ،
(والحَافِظونَ) ؟
أرى أن ليس فيما ذكروه حُجة لهم على هذه الواو الذعاة.
ويوجه الزمخشري - فيما يذكر - التعبير. فيقول: " إن هذه الواو هي التى
تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة.
وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف.
وإن اتصافه بها أمر ثابت مستقر.
وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا:
(سَبعَة وَثَامِنُهُمْ كَلبُهُمْ) قالوا عن ثبات علم. وطمأنينه نفس.
ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم.
والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله: (رَجْماً بالغَيْب)
وأتبع القول الثالث قوله: (مَا يَعْلمُهُمْ إلا قَلِيلٌ) .
وأقول: إن الذي ذكره الزمخشري توجيه صائب.
ورأي سديد لائق بكتاب الله تعالى، وأنا مع مَن ينكر أن هذه الواو تسمى واو الثمانية. لأنه حتى ولو سلمنا به لاحتاج الأمر إلى توجيه آخر هو:
стр. 493
لماذا اختصت اللغة العربية الثمانية بهذه الواو دون غيرها من الأعداد؟
وأظن أن محاولة توجيه هذا الجعل الأخير لا يخرج عن تعليلات ليس تحتها طائل.
* *
* موضع ثالث لحذف الواو:
ومن أمثلة حذف الواو وذكرها أيضاً قوله تعالى:
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) .
وقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) .
فالموضعان متماثلان. وقد ذكر الواو في الأولى. وحذف في الثانية. .
فما السر؟
وقد رد ابن الأثير المسألة إلى مجرد الجواز من حيث الصناعة النحوية.
قال: " اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد " إلا ".
يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، كذلك قولك:
ما رأيت رجلاً إلا وعليه ثياب.
وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب - بغير واو ".
وكلام ابن الأثير على ما فيه من خلط بين الخبر والصفة لا يحل الإشكال لأن
مجرد الجواز النحوي تخريج عام لا ينطبق على موضوعنا هذا إلا من وجه بعيد
كما ترى.
ويقول الزمخشري: " هذه الواو ذكرت في آية الحجْر لتفيد لصوق الصفة
بالوصوف على نحو ما كان في قوله تعالى: (سَبعَةٌ وَثَاَمِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) .
* *
стр. 494
* هل توجيه الزمخشري مقنع ؟
وكلام الزمخشري على ما فيه من قُرب إلى الصواب حيث حلل الفكرة تحليلاً
مباشراً ولم ينزلها على تخريج عام - مع هذه الاعتبارات كلها - لا يقنع الباحث لأنه يرد عليه سؤال مؤداه:
لماذا رجح لصوق الصفة بالموصوف في الآية الأولى
ورجح عدم لصوقها في الثانية؟
والذي أراه في توجيه المسألة - بعد موافقة الزمخشري على أن الواو مفيدة
للصوق الصفة بالموصوف - أن المقام في الأولى يقتضي التأكيد بخلاف الثانية.
لأن الصفة المراد إثباتها في الأولى كون القرية ذات كتاب سابق قد أنزل على
رسولها لا الكتاب المحفوظ المقدر فيه أجلها - كما يقول الزمخشري - وذلك
لأن الآية تهدف إلى أنهم أنذروا ولم يؤخذوا ظلماً.
والصفة المراد إثباتها في الثانية كون القرية ذات منذرين.
وفرق بين الكتاب والمنذرين، لأن الكتاب ليس له من قوة الظهور
ما للرسل. لذلك كان المقام فى الأولى مقام تأكيد، وفي الثانية - أعنى ظهور المنذرين - لأنهم جماعة من الناس فهم في غنى عن التأكيد الذي احتاجت إليه الأولى.
فكان الذكِر والحذف من أجلهما.
* *
* حذف حرف الجر " الباء ":
ومثل ذلك - في غير الواو - حذف حرف الجر " الباء " في قوله تعالى:
(جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) .
стр. 495
قوله تعالى: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) .
هذان موضعان متماثلان تمام التماثل. وقد خولف بينهما. فجاء التعبير فى
آية آل عمران بعطف (الزُّبُرِ) و (الْكِتَابِ الْمُنِيرِ) على (الْبَيِّنَاتِ)
محذوفاً منهما حرف الجر " الباء " الداخلَة علىَ المَعطوف عليه.
وهذا حسَن وفصيح.
ثم جاء التعبير في آية فاطر مذكوراً فيه حرف الجر " الباء " في المعطوفين:
(بِالزُّبُرِ) و (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) .
* توجيهي للمسَألةَ:
ولم أر توجيهاً لأحد في هذا. . . ولذلك فإنى أوجهه - فيما أرى - على
النحو الآتى:
أولاً: إن ذكر الحرف في المواضع الثلاثة - المعطوف عليه، والمعطوفين -
جاء في سورة " فاطر " وهي مكية النزول. فهى إذن أسبق وجوداً بين الناس
بهذا الاعتبار فهى مؤسسة للمعنى الوارد فيها بخلاف ما في " آل عمران "،
لأن " آل عمران " مدنية النزول.
ثانياً: إن القوم في مكة يختلف حالهم عن القوم في المدينة من حيث
الاستجابة إلى الدعوة والإسراع إلى الإيمان.
فأهل مكة أهل عناد وتحد، وأهل المدينة أهل إسلام وطاعه.
ثالثاً: هذان الاعتباران يفيدان أن المقام في مكة كان يقتضي التأكيد فى
المعاني لتقريرها ورسوخها لتتناسب مع حالة الإنكار التي كانوا عليها.
وعلى هذا جاء التعبير في " فاطر " المكية. لأن تكرار حرف الجر في المواضع الثلاثة يشعر بتكرار التعلق، فكأنه قال: جاءوا بالبينات. وجاءوا بالزير. وجاءوا بالكتاب المنير.