← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

* توجيه النص مع الحذف وعدمه: تعددت الآراء في توجيه ذلك. . ففريق يقولون: إنها واو الثمانية (١) . . ويذكرون على ذلك أمثلة من القرآن الكريم اتفق لهم فيها مجيء هذه الواو فيما هو مظنة ذلك. منها: أن الله يقول فى شأن أبواب الجنة: (وَفُتحَتْ أبْوَابُهَا) ، وفي أبواب النار: (فُتِحَتْ أبْوَابُهَا) وأبواب الجنَة ثمانية وأبواب النار ودركاتها - سبعة. ومنها قوله تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) . وعدُّوا منها - كذلك: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) . لأن " أبكاراً " ثامن كذلك. . * رد ابن المنير على هذا الرأي: وقد شنع ابن المنير على مَن يقول بواو الثمانية هذه ولم يرضه. وناقش أدلتهم وانتهى من المناقشة بأن ما زعموه من وجود واو ثمانية في اللغة العربية غير مُسلم. وأن كل واو جاءت في موضع مما يستدلون به هي لغير ما يرون. فالواو فى: (وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) للربط بين الصفتين المتعاطفتين. ويؤيد رأيه بأن هذه الواو صاحبت هاتين الصفتين في جميع استعمالاتهما مثل: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) ، و (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) . والواو في قوله تعالى: (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) للتقسيم. ولو حذفت لذهب المعنى المراد.

стр. 492

يقول ابن المنير مستخلصاً من كل ما سبق: "فقد وضح أن الواو في جميع هذه المواضع المعدودة لغير ما زعمه هؤلاء، والله الموفق ". * * * * إضافة: ْونضيف إلى ما ذكره ابن المنير ما يأتي: إن الواو كما دخلت على: (والناهُونَ) دخلت على (والحَافظونَ) وهى التاسعة فهلَّا قالوا بأنها واو التسعة، مشابهة لتلك؟ وحيث لم يسغ لهم هذا القول فما الفرق - إذن - بنين الواوين الداخلتين على: (والناهُونَ) ، (والحَافِظونَ) ؟ أرى أن ليس فيما ذكروه حُجة لهم على هذه الواو الذعاة. ويوجه الزمخشري - فيما يذكر - التعبير. فيقول: " إن هذه الواو هي التى تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة. وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف. وإن اتصافه بها أمر ثابت مستقر. وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا: (سَبعَة وَثَامِنُهُمْ كَلبُهُمْ) قالوا عن ثبات علم. وطمأنينه نفس. ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم. والدليل عليه أن الله سبحانه أتبع القولين الأولين قوله: (رَجْماً بالغَيْب) وأتبع القول الثالث قوله: (مَا يَعْلمُهُمْ إلا قَلِيلٌ) . وأقول: إن الذي ذكره الزمخشري توجيه صائب. ورأي سديد لائق بكتاب الله تعالى، وأنا مع مَن ينكر أن هذه الواو تسمى واو الثمانية. لأنه حتى ولو سلمنا به لاحتاج الأمر إلى توجيه آخر هو:

стр. 493

لماذا اختصت اللغة العربية الثمانية بهذه الواو دون غيرها من الأعداد؟ وأظن أن محاولة توجيه هذا الجعل الأخير لا يخرج عن تعليلات ليس تحتها طائل. * * * موضع ثالث لحذف الواو: ومن أمثلة حذف الواو وذكرها أيضاً قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) . وقوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) . فالموضعان متماثلان. وقد ذكر الواو في الأولى. وحذف في الثانية. . فما السر؟ وقد رد ابن الأثير المسألة إلى مجرد الجواز من حيث الصناعة النحوية. قال: " اعلم أن كل اسم نكرة جاء خبره بعد " إلا ". يجوز إثبات الواو في خبره وحذفها، كذلك قولك: ما رأيت رجلاً إلا وعليه ثياب. وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب - بغير واو ". وكلام ابن الأثير على ما فيه من خلط بين الخبر والصفة لا يحل الإشكال لأن مجرد الجواز النحوي تخريج عام لا ينطبق على موضوعنا هذا إلا من وجه بعيد كما ترى. ويقول الزمخشري: " هذه الواو ذكرت في آية الحجْر لتفيد لصوق الصفة بالوصوف على نحو ما كان في قوله تعالى: (سَبعَةٌ وَثَاَمِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) . * *

стр. 494

* هل توجيه الزمخشري مقنع ؟ وكلام الزمخشري على ما فيه من قُرب إلى الصواب حيث حلل الفكرة تحليلاً مباشراً ولم ينزلها على تخريج عام - مع هذه الاعتبارات كلها - لا يقنع الباحث لأنه يرد عليه سؤال مؤداه: لماذا رجح لصوق الصفة بالموصوف في الآية الأولى ورجح عدم لصوقها في الثانية؟ والذي أراه في توجيه المسألة - بعد موافقة الزمخشري على أن الواو مفيدة للصوق الصفة بالموصوف - أن المقام في الأولى يقتضي التأكيد بخلاف الثانية. لأن الصفة المراد إثباتها في الأولى كون القرية ذات كتاب سابق قد أنزل على رسولها لا الكتاب المحفوظ المقدر فيه أجلها - كما يقول الزمخشري - وذلك لأن الآية تهدف إلى أنهم أنذروا ولم يؤخذوا ظلماً. والصفة المراد إثباتها في الثانية كون القرية ذات منذرين. وفرق بين الكتاب والمنذرين، لأن الكتاب ليس له من قوة الظهور ما للرسل. لذلك كان المقام فى الأولى مقام تأكيد، وفي الثانية - أعنى ظهور المنذرين - لأنهم جماعة من الناس فهم في غنى عن التأكيد الذي احتاجت إليه الأولى. فكان الذكِر والحذف من أجلهما. * * * حذف حرف الجر " الباء ": ومثل ذلك - في غير الواو - حذف حرف الجر " الباء " في قوله تعالى: (جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) .

стр. 495

قوله تعالى: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) . هذان موضعان متماثلان تمام التماثل. وقد خولف بينهما. فجاء التعبير فى آية آل عمران بعطف (الزُّبُرِ) و (الْكِتَابِ الْمُنِيرِ) على (الْبَيِّنَاتِ) محذوفاً منهما حرف الجر " الباء " الداخلَة علىَ المَعطوف عليه. وهذا حسَن وفصيح. ثم جاء التعبير في آية فاطر مذكوراً فيه حرف الجر " الباء " في المعطوفين: (بِالزُّبُرِ) و (وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) . * توجيهي للمسَألةَ: ولم أر توجيهاً لأحد في هذا. . . ولذلك فإنى أوجهه - فيما أرى - على النحو الآتى: أولاً: إن ذكر الحرف في المواضع الثلاثة - المعطوف عليه، والمعطوفين - جاء في سورة " فاطر " وهي مكية النزول. فهى إذن أسبق وجوداً بين الناس بهذا الاعتبار فهى مؤسسة للمعنى الوارد فيها بخلاف ما في " آل عمران "، لأن " آل عمران " مدنية النزول. ثانياً: إن القوم في مكة يختلف حالهم عن القوم في المدينة من حيث الاستجابة إلى الدعوة والإسراع إلى الإيمان. فأهل مكة أهل عناد وتحد، وأهل المدينة أهل إسلام وطاعه. ثالثاً: هذان الاعتباران يفيدان أن المقام في مكة كان يقتضي التأكيد فى المعاني لتقريرها ورسوخها لتتناسب مع حالة الإنكار التي كانوا عليها. وعلى هذا جاء التعبير في " فاطر " المكية. لأن تكرار حرف الجر في المواضع الثلاثة يشعر بتكرار التعلق، فكأنه قال: جاءوا بالبينات. وجاءوا بالزير. وجاءوا بالكتاب المنير.

стр. 496

وخلا التعبير المدني من هذا التكرار لعدم الحاجة إليه لإسلام أهل المدينة وطاعتهم. * * * صورة أخرى لحذف الحرف في القرآن: وقد يأتي الحرف في القرآن محذوفاً على غير الصور السابقة. ففيها كان الحرف المحذوف من الحروف التي ليست من بِنية الكلمة كـ " واو العطف " و" باء الجر " و " ياء النداء ". أما ما نحن بصدد ذكره فهو حذف حرف من بِنية الكلمة. فتأتي في موضع آخر على صورة أخرى. ونكتفى في هذا النوع بذكر مثال واحد. قال سبحانه في سورة البقرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) . وقال في طه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) . والشاهد في " تبع " و " أتبع " الأولى بدون همزة وبتخفيف الباء. . والثانية مقترنة بهما. ولذلك سر فما هو؟ * * توجيهات العلماء للمسألة: نقل عبد الغنى الراجحي أقوال للأئمة في توجيه هذا التعبير. . الإمام البقاعى يرى أن المقام في " طه " مقام تحذير ونسيان فشذد الفعل حثاً على النشاط والجد وقد سبقه مباشرة: (بَعَضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُو) والمقام يتطلب أدنى اتباع وأقله. وقد جاء جواب الشرط في المَوضعين مناسباً لدلالة

стр. 497

الفعل فهو في طه: (فَلاَ يَضِلُ وَلاَ يَشْقَى) ، وفي البقرة: (فَلاَ خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) بنفى الضلال والشقاء في الأول. والخوف والحزن فى الثاني. ويقول الأنصارى: إن القصة في " طه " بنيت من أولها على القوة والمبالغة والتوكيد فناسب آخرها أولها. ويقول ابن جماعة: إن التشديد في " طه " للتصريح بمعصية آدم وقد سبقه الاتباع مشدداً في نفس السورة. ويقول صاحب ملاك التأويل: " إن صيغة التخفيف في سورة البقرة حيث لم يتقدم في حكاية إغواء إبليس لآدم ذكر وسوسة الشيطان والاحتيال عليه. وصيغة التشديد في " طه " حيث تقدمت وسوسة اللعين صريحة وسعة مكره واحتياله. فكان المخفف بجوار ما لا تعمل فيه. والمشدد بجوار ما فيه ذلك. هذا ما ذكره الراجحي عن الأئمة السابقين. وكل هذه التوجيهات تبدو وجيهة لا ريب وما منها إلا وهو لائق بالمقام. والنكات - كما يقولون - لا تتزاحم. فلتكن كلها مرادة للحكيم سبحانه خاصة وأن ليس بينها تدافع. أما رأى الراجحي نفسه في الموضوع - والذي أراه معه - فهو أن المشدد كان مع أهل مكة. والمخفف كان مع أهل المدينة. ولا ينكر أحد ما بين البيئتين من فروق. وكيف أن القرآن كان شديداً في تعبيره مع أهل مكة. رقيقاً فيه مع أهل المدينة. . ذلك هو منهج القرآن مع الفريقين. ما سبق كان خاصاً بحذف الحرف في القرآن سواء أكان خارجاً عن بنية الكلمة أو داخلاً فيها. وهي مُثُل مضروبة لا على سبيل الاستقصاء. * * *

стр. 498

ثانياً - حذف الكلمة المفردة: وخطة البحث هنا تجرى على هذا النسق: (أ) حذف الفعل. (ب) حذف الفاعل. (جـ) حذف المبتدأ. (د) حذف الخبر، (هـ) حذف الموصوف. (و) حذف الصفة. (ز) حذف المضاف. (ح) حذف المضاف إليه. ١ - حذف الفعل: يأتي حذف الفعل في القرآن الكريم على ضربين: ١ - ضرب يُحذف فيه الفعل دون تعويض. ويبقى عمله من رفع ونصب. ٢ - وضرب يُحذف فيه الفعل مع إقامة شيء مقامه. وهو التعويض الذى نقصده ويكون الشيء المقام مقامه " العوض " على جهة الإبانة أو التفسير له. وكل من هذه الأنواع لا يُصار إليها إلا لغرض بياني. من ذلك حذف الفعل إذا وقع اسم مرفوع على الفاعلية بعد أدوات الشرط: " إن " و " إذا ". مثل ذلك مطالع سور التكوير والانفطار. والانشقاق. ومواضع أخرى مثبوثة فى ثنايا السور المختلفة: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) .

стр. 499

(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) . (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) . * فى " التكوير " حذف الفعل بعد أداة الشرط " إذا " في اثني عشر موضعاً. وولى الاسم مرفوعاً أداة الشرط. ثم فسَّر ذلك الفعل المحذوف بإعادته بعينه بعد الاسم المرفوع. والفعل المحذوف في هذه المواضع هو فعل الشرط، ويجب تقديره في مثل هذه الاستعمالات لأن أدوات الشرط مختصة بالدخول على الأفعال دون الأسماء. وذلك هو الأصح عند البصريين وبعض العلماء. وفي " الانفطار " حذف الفعل بعد أرلع أدوات للشرط. وفعل فيه ما فعل فى سابقه. وفي " الانشقاق " حذف في موضعين كذلك. وفي كل بقى الفاعل مرفوعاً. ودليل الحذف ما ذكرناه من مذهب البصريين من أن أدوات الشرط لا تدخل إلا على الأفعال. * *

стр. 500

* سبب الحذف هنا: ذلك هو الدليل. . فما هو السبب؟ إنه حذف لإرادة التأكيد المستفاد من تكرار الإسناد. فالفعل في قوله تعالى: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) قد أُسند إلى الفاعل مرتين. مرة - محذوفاً - إلى الظاهر " الشمس " ومرة - مذكوراً - ضمير الفاعل " هي ". فكأنه قال: إذا كُوِّرَتْ الشمس كُوِّرَتْ الشمس. . والمقام في كُل يقتضي التوكيد لغرابة الأفعال والظواهر المدلول عليها. لأن الناس لم يشهدوا مثلها من قبل. ولن يشهدوا ذلك إلا مرة واحدة يوم البعث. وفضلاً عن غرابتها في نفسها ومخالفتها للسنن المعهود - فإنها تتصل بقضية البعث اتصالاً مباشراً، والبعث كان - كما نعلم - مثار جدل ومبعث إنكار والمناسب له التوكيد والتقرير. وكان ذلك هو ما فعله القرآن. وهذه السور جميعها مكيات النزول. وقد جاء ذلك في سورة التوبة في قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) . فقد اقتضى المقام هنا التوكيد لأن إستجارة المشرك بعدوه المسلم مما يُنكر ويُستغرب. فخرج الكلام مخرج التوكيد. قال الزمخشري: " أحد " مرتفع بفعل الشرط مضموراً يفسره الظاهر. . تقديره: وإن استجارك أحد استجارك، ولا يرتفع بالابتداء لأن " إن " من عوامل الفعل لا تدخل على غيره. والمعنى: إن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه ولا ميثاق فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من التوحيد والقرآن. وتبين ما بعثت له فأمنه حتى يسمع كلام الله ويتدبره ويطلَّع على حقيقة الأمر. ثم أبلغه بعد ذلك داره التي يأمن فيها. إن لم يسلم ".

стр. 501

وترى أن الزمخشري لم يذكر سبب الحذف البياني. وهو لا يخرج عما قلناه. ويُحذف الفعل أحياناً - ويُعوَّض عنه مصدره للدلالة على التأكيد كذلك، وقد مَثل له ابن الأثير بقوله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) . فقد حذف الفعل وأقيم مصدره مقامه. والمعنى: فاضربوا الرقاب ضرباً. قال ابن الأثير: " وفي هذا معنى التوكيد والمبالغة والاختصار وجرى الزمخشري على هذا التوجيه ". وقد ناب المصدر عن فعله في موضعين أخرين في هذه الآية: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) . إذ التقدير: فإما تمنُّون مَناً. وإما تفدون فداءً. . وفيهما ما في الأول. ويبدو أن المقام مبنى على الإيجاز لنزول هذه الآية في ظروف الحرب. وقد يكون السر البياني في حذف الفعل هو الاختصاص كما في قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) . فقد حذف الفعل في الآيتين في فواصلهما: (إِيَّايَ فَارْهَبُونِ) و (إِيَّايَ فَاتَّقُونِ) والمعنى: " إياى فارهبوا فارهبون. وإياى فاتقوا فاتقون ". قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) هو من قولك: زيداً رهبته. وهو أوكد في إفادة الاختصاص من: (إيَّاكَ نَعْبُدُ) .

стр. 502

فالاختصاص من تقديم المفعول " إياي " والتوكيد من تكرار الفعل الفسر ولعل هذا هو الفرق الذي قصد إليه الزمخشري بين: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) . و (إيَّاكَ نَعْبُدُ) لأن " إياك " منصوب بالفعل بعده لعدم اشتغاله بسواه و (إيَّاكَ نَعْبُدُ) يفيد الاختصاص - دون التوكيد - لعدم إرادة تقدير فعل قبل " إياك ". * * * إيضاح: وفي على حذف الفعل - هنا - لإفادة الاختصاص مجاراة لما ذكره الزمخشري والسيد وصاحب المطول " وإلا فالحقيقة أن الاختصاص مستفاد من تقديم المفعول لا من التكرار. بدليل وجود الاختصاص مع عدم التكرار المفهوم من الحذف ". وإلى هذا يشير السيد في حاشيته على المطول فيقول: " وقدم المفعول عوضاً عنه - أي عن الشرط المحذوف - على أحد الرأيين مع كون تقديمه مفيداً لأمرين أخريين: الاختصاص وصيرورة " الفاء " متوسطة في الكلام كما هو حقها. فصار الكلام هكذا: " إياى فارهبوا. ثم كرر الفعل تأكيداً وقصداً ". * * * * حذف الفعل اكتفاءً بآخر: وقد يُحذف الفعل لوقوعه في خير فعل آخر لكل منهما معموله في الكلام. ولقوة اختصاص ذلك المعمول بفعله. ودليل الحذف في هذا النوع هو العُرف اللغوي، أو الشرعي. . فمن الأول قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) والتقدير: فأجمعوا أمركم. وادعوا شركاءكم، وَقد جاء ذلك

стр. 503

صريحاً في قراءة ابن مسعود وأُبيٍّ. فقد نص على ذلك الزمخشري، وابن الأثير. فـ " أمركم " معمول " أجمعوا ". . و " شركاءكم " معمول الفعل المحذوف " ادعوا "، والدليل هو العُرف اللغوي إذ لا يصح أن يتعلق " الشركاء " بإجماع الأمر والرأي. أما السبب فإيجاز مع تكثير المعنى. ولإخراج المعمولين المختلفى العامل مخرج المعمولين لمعمول واحد لسبق إجماع الرأي على دعوة الشركاء. . ولأن كِلاَ الأمرين مطلوبان لموقف واحد هو أن يتحدوا ما استطاعوا ضد نبي الله نوح ﵇. ولينظروا بعد حشد كل ما يمكنهم من عوامل الانتصار مَن هو المنتصر؟ والواو ليست عاطفة مفرداً على مفرد. بل جملة على جملة - كما ترى. وعليه جاء قول الشاعر: " علفتها تبناً وماءً بارداً " - أي: وسقيتها ماءً بارداً ومثله: " وزججن الحواجب والعيونا ". أي: وكحلن العيون. لأن العُرف اللغوي يمنع من تشريك ما بعد " الواو " مع ما قبله في حكمه. لأن لكل منهما متعلقاً خاصاً لا يصح تعليق الآخر به، وجعل الفعل المذكور - فى الظاهر - للمعمولين - وهو في الواقع لأحدهما ضرب من التعبير فيه خلابة وسحر. ويرى الزمخشري أن " الواو " في الآية الكريمة ليست للعطف. بل هي بمعنى " مع "، ويرى أن مجيء الشركاء على هذا الموضع فيه معنى التهكم. وكِلاَ التوجهين لا يأباه الأسلوب.

стр. 504

ومثال ما دل على حذفه العُرف الشرعي دون اللغوي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) . بنصب: "أرجَلكم ". فـ " أرجلكم " معمول لفعل محذوف تقديره: واغسلوا أرجلكم. فالذي دَلَّ على الحذف وتعيين المحذوف - هنا - هو الشرع. لأنه أفاد أن الرِجل فى الوضوء تُغسل ولا تُمسح كما يُمسح الرأس. فلذلك لم يصح عطفاً على " رءوسكم " لئلا تشترك معها في الحكم وهو فاسد كما ترى. ولم تُعطف على " وجوه " للفصل بين المتعاطفين. ولعل السبب إخراج الأعمال التي يقوم بها المتوضئ مخرج اليُسر والسهولة فكان الحذف من أجل ذلك. * * * الحذف للتحذير والإغراء: وقد يُحذف الفعل لإرادة التحذير أو الإغراء. فمثال الأول قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) . أى: احذروا، فحذف الفعل لما ذكر. وللاختصار - مع كثرة المعنى ومثال الثاني قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) . فحذف الفعل والتقدير: الزموا، وعوض عنه اسم الفعل " عليكم ". وقوله تعالى: (انتَهُواْ خَيْراً لكُمْ) .

стр. 505

أى: انتهوا واصنعوا خيراً لكم. فحذف الفعل دون تعويض وبقى معموله منصوياً على الإغراء، والسر البلاغي في الموضعين هو ضيق المقام. لئلا يصيبه مكروه في الأول ولئلا يفوته الخير في الثاني. * * * حذف الفعل إذا وقع جواب سؤال: وكذلك يُحذف الفعل إذا وقع جواب سؤال - أي ضمنه - لقيام القرينة على تعيينه. . وذلك مثل قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) . وقوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ. . .) .َ وتقدير المحذوف فعلاً في الموضعين أولى من تقديره خبراً. ليتطابق السؤال مع الجواب، ولأن الكثير الغالب في جواب الاستفهام حذف المبتدأ كقوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) . (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ) ، والقول بأن الفعل المحذوف خبر جائز وتقدير الجواب على الوجهين: " ليقولن خلقهن الله ". و " ليقولن الله خلقهن ". ويؤيد هذا ما ذكره ابن هشام عند تقدير المحذوف في قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) . حيث قال: (فلا يُقدر: ليقولن الله خلقهم. بل خلقهم الله، لمجيء هذا في شبه هذا الموضع وهو:

стр. 506

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) . وفي مواضع آتية عَلى طريقته نحو: (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) . و (قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) . ودليل الحذف أو مسوغه هنا كونه مذكورا في سياق جواب السؤال. . وهذا السؤال قد اشتمل على الفعل نفسه. * سبب هذا الحذف: والسبب البلاغي لهذا الحذف هو - والله أعلم - توفير العناية باسم الجلالة الذي هو المقصود الأهم. ولتكثير الفائدة لاختلاف التقدير كما رأينا. وقد جاء فى سورة الزخرف مصرحاً بالفعل في قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) . وهنا تبدو ملاحظة هامة. . . إن هذه السور الأربع التي ورد فيها هذا السؤال مكيات النزول. وهذه مناسبة عامة لورود السؤال لما طُبِعَ عليه أهل مكة من جدل وعناد، وإن السورة التى صرح فيها بالفعل في صدر الجواب - وهي لقمان - هي أول سورة نزلت من هذه السور الأربع. ولذلك جاءت على الأصل. بدون حذف شيء لأنها سورة مؤسسة، وجاء الحذف فيما نزل بعدها اعتماداً عليها. وهناك مواضع كثيرة حُذتَ فيها الفعل في التنزيل الحكيم. ولكنها لا تخرج فى مجموعها عن التأكيد والتقرير والاختصاص. مثل قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) .

стр. 507

وقوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وخلاصة هذا الموضع: إن الفعل يُحذف - أحياناً - في القرآن الكريم لداع بلاغي. وهذا الحذف يتوافر له الدليل القوى الدال عليه والسبب المرجح له فهو صنيع حكيم، وفن جليل من فنون التعبير لا تجد فيه إلا حكمه وإصابة. * * ٢ - حذف الفاعل: الفاعل ركن أساسي من ركني الجملة الفعلية. ولذلك يمنع النحاة حذفه لغير عِلَّة صرفية أو يمنعونه مطلقاً فالذِكر هو الأصل فيه. فالعلة التي من أجلها يحذف ون الفاعل خاصة بما إذا كان الفاعل " واو جماعة " وقد أكَد فعله بـ " نون التوكيد " أو " ياء مخاطبة " وقد أكد مثل سابقه. والنحاة - غير الخضري والصبان - يوجبون الحذف في هذين الموضعين. والجواز فى سواهما. أما هما فيريان المنع مطلقاً وقد جاء ذلك كثيراً في القرآن الكريم. مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) . وقوله سبحانه: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) .

стр. 508

فقد حذف الفاعل وهو " واو جماعة " في: " تَمُوتُنَّ " و " لَتَسْمَعُنَّ ". لأنه التقى ساكناً مع نون التوكيد الساكنة " الأولى " فحذف للتخلص من التقاء الساكنين. وبقى الضم دليلاً عليه. ومثاله مع ياء المخاطبة: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) . هذا قياس مطرد في كل ما كان شأنه كذلك. وقد نقلت الرواية العربية حذفه لغير هذا في موضعين: * حذف الفاعل على غير قياس: أحدهما: في قول العرب: أرسلت، وهم يريدون جاء المطر ولا يذكرون السماء التي هي فاعل الإرسال. وثانيهما: قول حاتم الطائى: أماوِيُّ مَا يُغْنِي الثراءُ عَلى الفَتَى. . . إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضَاقَ بِهَا الصدْرُ ومسوغ الحذف في الموضعين قرينة الحال القوية التي لا يلتبس معها معنى بمعنى، ففى " أرسلت " الفاعل معروف وهو السماء. لأن المطر لا يأتي إلا من جهتها. وفي " حشرجت " الفاعل معروف هو " النفس " لأنه لا يُحشرج ساعة الموت إلا هي. وقوة القرينة أمر هام بنوا عليه كثيراً من الأساليب والأحكام اللغوية كتركهم علامة التأنيث في الصفات الخاصة بالمؤنث والتي لا يشاركه فيها المذكر. مثل: حامل، ومرضع، وحائض. * *

стр. 509

* مماثلة عجيبة . ومن روائع الصدف: أن حذف الفاعل جاء في القرآن الكريم - في غير ما ذكر - في ثلاثة مواضع منها موضعان شبيهان بالموضعين اللذين حذف فيهما عند العرب في المثالين المذكورين. فالأول قوله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) . ففاعل " بلغت " هو النفس ولمَ يجر لها ذكر قبل حتى يُقَال إنها مضمرة. وهذا شبيه ببيت حاتم إذ الفاعل هناك النفس والفاعل هنا النفس * وكلاهما حديث عن ساعة الاحتضار. وهي القرينة الحالية التي دلت على الحذف وعينت المحذوف. ومثله قوله تعالى: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) . إذ لا يبلغ التراقى عند الموت إلا النفس والموضع الثالث هو قوله تعالى: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) . ففاعل: " توارت " هو الشمس في أرجع الأقوال والشمس أكبر مظهر من مظاهر الطبيعة تسير في مسار ونظام دقيق لا يتخلف، وهى أشرف وأعظم الأفلاك. . فحذفت في الآية لقوة ظهورها كما حذفت السماء فى قول العرب السابق: " أرسلت " لأنها مثل الشمس ظهوراً وعظمة، وقوة القرينة مع الاختصار مرجع للحذف على الذِكر لأن حذف ما يُعلم جائز، كما يقول ابن مالك. فهل بعد قوة القرينة من سبب بلاغي آخر للحذف أو لترجيحه على الذِكر فى هذه المواضع؟ *

стр. 510

* سبب حذف الفاعل فيها: إن السر البلاغي لهذا الحذف - فيما أرى - هو ضيق المقام، إذ المقام فى الأولين وصف ما يعترى المحتضر من عوارض الموت. وفي الثالث المقام مقام شكوى وندم. وقد سوَّغت قوة القرينة الحذف في موضع آخر وهو قوله تعالى: (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) . ففاعل " الظن " هو المحتضر إذ المقام يعنيه دون سواه، وقد عبر عن شعور المحتضر بالظن دون اليقين. لأنه لا يعلم مجيء الأجل إلا الله وإن قويت علامات الموت عند الناس. فقد يتخلف ظنهم. * * * موضعان آخران لحذف الفاعل في القرآن: وفي القرآن الكريم موضعان آخران حُذِفَ فيهما الفاعل. أحدهما - قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) . وقد اختُلفَ في الفاعل هنا فبعضهم يرى أنه: " بينكم " ويقرأه حينئذ بالرفع بدل النصبَ على الظرفية المكانية، وعليه فلا حذف. وبعضهم يرى: أن الفاعل محذوف تقديره الأمر - مثلاً - حذف لقوة إيحاء الفعل به. والموضع الثاني: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) . فالفاعل محذوف وهو المصدر المتصيد من الفعل، والتقدير: ثم بدَا لَهم سجنه. وهذا أليق من تقديره: ثم بدا لهم البداء. لأن الفعل المذكور: " ليسجننه " أقوى دلالة على الفاعل المحذوف. *

стр. 511

* وما سر الحذف إذن ؟ أما الأول فأرى سر الحذف فيه إرادة التعميم. ليقدروا ما شاءوا من صلات تعطلت كانت قوية بينهم. أو أي أمر كان يجمعهم إلى آخر ما يحتمله المقام. وفي الثاني وضعوا الفعل موضع الفاعل لدلالة الفعل على الاستقبال لأنه حال التفكير في الأمر واستقرارهم على أن يسجنوه لم يكن سجيناً. وإنما سُجِنَ بعد إجماعهم على هذا الرأي. ودلالة الفعل على الاستقبال ظاهرة. ولو قال: " بدا لهم سجنه " لفات هذا المعنى. ومعنى آخر صلح له الفعل دون الاسم هنا هو: أن الفعل أمكن معه تصوير حالتهم النفسية وإجماعهم الأكيد على سجنه وأنهم لن يستبدلوا به أمراً آخر أخف منه فدخلت على الفعل لام القَسَم ونونه، والاسم " سجنه " غير صالح لهذه الدلالات بداهة. والدكتور أحمد أحمد بدوي يرى أن الحذف لمجرد أن الفعل شديد الإيحاء بالفاعل. هذا صحيح ولكن ما رأيناه بجانب هذا أولى فيما أظن. * * ٣ - حذف المبتدأ، وحذف الخبر: حذف أحد ركني الجملة الاسمية - المبتدأ أو الخبر - كثير شائع في الكلام العربي الفصيح وليس لديهم محظور في حذف أيهما إذا دلت عليه قرينة. واقتضاه داع بلاغي أو صناعي. وحذفهما له أحوال شتى عند النحاة. فقد يكون واجباً، وقد يكون جائزاً .. وقد حققوا كل هذه المواضع ووضعوا أصولها وقواعدها. وهذا بخلاف حرصهم الشديد على عدم الحذف في الجملة الفعلية. إذ يرون أن ذكر الفاعل - دائماً - واجب إلا فيما ذكرناه. والفعل الأصل فيه الذكر. وليسَت هناك حالة واحدة يجب فيها حذفه فالأمر فيه دائماً معمول على الجواز.

стр. 512

فنظرتهم إلى ركني الجملة الفعلية غير نظرتهم إلى ركني الجملة الاسمية - كما رأينا - ولم أجد توجيهاً لأى أحد في سبب اختلاف النظرتين. وإن كنت أرى أن الرابطة بين الركنين في الاسمية رابطة متكافئة. فليس أحدهما فيها بأظهر من الآخر. أما الرابطة بين الركنين في الفعلية فغير متكافئة. لأنها ملحوظة في الفاعل بدرجة أقوى إذ هو موجد للفعل. فيكون في حذفه إجحاف بالمعنى فلم يترخصوا فيه. وفي القرآن الكريم مواضع متعددة وكثيرة جدا لحذف المبتدأ. أو الخبر. أو هما معاً. . وفي كل موضع حدث فيه حذف من هذا النوع فالحذف فيه سواء أكان واجباً - كما ترى الصناعة النحوية - أو جائزاً. . فهو أحسن من الذكر. خذ إليك - مثلاً - قوله تعالى في مطلع سورة البقرة: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) . فقد جاء فيه المبتدأ محذوفاً قبل قوله " هدى " والتقدير: " هو هدى ". فلماذا الحذف؟ أرى أن سر الحذف - هنا - أمران: أحدهما: الإشعار بالاتصال المباشر بين " الكتاب " و " هدى " بعد جملة الاعتراض ولو ذكر فقيل: هو هدى. لزال هذا الاتصال؛ لأنه مع الذِكر يكون " هدى " خبراً عن ضميراً لكتاب. ومع الحذف فإن أول ما يقع في الذهن أنه صفة مباشرة له. وكم بين هذا الكتاب ويين الهدى من اتصال. حتى أوثر إنه هو الهدى نفس الهدى. ولم يقل: " هادياً " مثلاً.

стр. 513

ثانيهما: أن ذكر المبتدأ - هنا - يؤدى إلى نوع من الثقل اللفظي حيث يصبح التركيب: " فيه هو هدى " لاجتماع ثلاثة هاءات لم يفصل بينها إلا حرف واحد، والهاء من حروف الحلق، وحروف الحلق معروفة بالثقل. هذا ما أراه. وأرى في الوقت نفسه أن هذين الاعتبارين أولى مما ذهب إليه الدكتور أحمد أحمد بدوي من أن سر الحذف فيه خشية أن يبعث في النفس السآمة والملل لشدة وضوحه. ويحذف المبتدأ - كذلك - إذا وقع في سياق تقدم ذكره فيه. فتكون إعادته تكراراً لم تدع إليه حاجة. وأمثلة ذلك كثيرة كقوله تعالى: (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وقوله تعالى: (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) . وقوله تعالى: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١) . وقوله تعالى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) . وتقدير النظم في الآية الأولى: " وهو رب الشرق ". . وفي الثانية: " هى لا تبقى ". . " هي لواحة ". . وهكذا بقية النصوص. وليس مجرد قوة الظهور هي السر في هذا الحذف. إذ لنا في المثال الأول: " هو رب " أن نقول: إن الخبر المذكور لا يصح إسناده إلا لضميره. لأنه ليس للمشرق والمغرب رب سواه وحذف المبتدأ محقق لتكثير الفائدة. إذ يجوز تقدير

стр. 514

كلمة " رب " خبراً لمبتدأ محذوف هو " هو " ويجوز اعتباره بدلاً من " رب " الأولى في قوله تعالى: (واذكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتلْ إليْهِ تَبْتِيلاً) . قال الزمخشري في تفسيره: قرئ - يعني " رب " الثانية - مرفوعاً على المدح، ومجروراً على البدل من " ربك ". وعن ابن عباس: عن القَسَم بإضمار حرف القسم. كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: لا إله إلا هو. فهذه معان ثلاث احتملها المقام بسبب الحذف. . ولو ذكر المبتدأ لاقتصر المعنى عليه دونما سواه. وفي الأمثلة الثلاثة الأخر. تقدم ذكر النار في أسماء لها وصفات. فصارت ماثلة في الذهن. لأنها عظيمة الشأن تملأ النفوس رهبة ورغبة. رهبة من الوقوع فيها. ورغبة في النجاة منها. فكان هذا كافياً في حضورها في الذهن عند الحديث عنها. وفي هذا الحذف ترهيب لا يخفى أثره. وفيه كذلك تعجيل الساءة لهم. حيث حذف الضمير " هي " وعوجلوا بذكر النار أو بصفة من صفاتها المقبضة مثل: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) * * * * أسباب أخرى لحذفهما: ويحذف الخبر كذلك عند ظهوره وسهولة تعيينه مثل قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) . فقد حذف الخبر من قوله تعالى: (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) والتقدير: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ كذلك أو مثلهن. فيكون الخبر محذوفاً وحده.

стр. 515

أو التقدير: فعدتهن كذلك، فيكون المبتدأ والخبر محذوفين. . والذي سوع الحذف هنا هو العطف بالواو. لأن العطف يشرك المعطوف عليه فيما ثبت له من الإعراب والحكم. ولذلك صرَّح بالخبر بعده في قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) لاختلاف أجل الحامل عن أجل غيرها: مَن هي يائسة من المحيض. أو مَن لم تحض. فذكر الخبر هنا واجب لأن حذفه يؤدى إلى فساد المعنى. كذلك ورد حذف الخبر في قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) . وقبله حذف من نفس السورة " الزمر " في قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩) . وكذلك جاء في سورة في " فاطر " في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨) . هذه مواضع ثلاثة حُذفِ فيها الخبر. وفي " فاطر " قذر الزمخشري الخبر بقوله: " أفمن زُيًنَ له سوء عمله من هذين الفريقين كمن لم يُزَينْ له "؟ وتابعه النسفي على هذا التقدير. ثم نقل عن الزجاج تقديرين آخرين. قال: " وذكر الزجاج أن المعنى: أفمن زُين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرات. فحذف الجواب لدلالة: فلا تذهب نفسك عليه.

стр. 516

أو: أفمن زُينَ له سوء عمده كمن هداه الله. فحذف لدلالة: فإن الله يضل من يشاء ويهدى مَنْ يشاء عليه ". وأقوم هذه الآراء - فيما أظن - الرأي الثالث مع احتمال الأسلوب لها جميعاً. ولعل هذا هو سر الحذف في هذه المواضع: أن تختلف وجهات النظر فيكثر معها المعنى ويتعدد. أما الموضعان اللذان في " الزمر " فقد قدر الخبر فيهما على النحو الآتى: " أفمن هو قانت كغيره، ثم: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن لم يشرح صدره "؟ . وإذا قارنا بين المواضع الثلاثة نجد أنها: أولاً: تنكر المساواة بين فريقين مختلفين في العقيدة والسلوك. وفي المنزلة عند الله. ثانياً: أنها - جميعاً - صدرت بحرف الاستفهام الإنكارى. ثالثاً: أن المحذوف فيها ظاهر تعيينه لدلالة الكلام عليه، وإن اختلف فيه أحياناً. والحذف مما يُمكِّن المحذوف من النفس بعد البحث عنه والتوصل إليه. وهكذا فقد اجتمع للحذف في هذه المواضع: المسوغ والمقتضي. وكذلك جاء حذف الخبر في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . أَى: حِل لكم. وقد أغنى عن ذكره التصريح به مرتين في صدر الآية. فكان فى حذفه حُسن الدلالة مع الإيجاز وعدم التكرار. * *

стр. 517

* حذف الخبر مع " لا " النافية: ومن المواضع التي كثر فيها حذف الخبر " لا النافية للجنس " مثل قوله تعالى: (قَالُوا لَا ضَيْرَ) أي علينا. وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ) : أي لهم. فالمحذوف في هذا كله الخبر إلا في آية اليائسات من الحيض فقد صح كون المحذوف الخبر وحده. أو هو مع مبتدئه. وهناك موضع آخر يصح فيه تقدير المحذوف - خبراً. أو مبتدءاً - وهو الواقع بعد " الفاء " الواقعة في جواب شرط. ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ) . وقوله: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) . ومثله: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ففيما عدا الأخير جاز التقدير أن يكون هكذا: فالواجب: عدِةٌ من أيام أخر. أو: فعِدة من أيام أخر واجب صيامها. وهكذا البواقي وفي الأخير يقدر: فأمري، أو شأني صبر جميل، أو: صبر جميل أمثل. وأنت ترى أن تكثير المعنى مع الإيجاز مصاحب لهذه الأساليب مع خلوها من الإجحاف والجور على المعنى. * *

стр. 518

٤ - حذف الموصوف وحذف الصفة: جاء حذف الموصوف في الكلام الفصيح كثيراً وهو أكثر من حذف الصفة لأنه أقوى منها، وجاء ذلك في القرآن الكريم على صور متعددة. منها قوله تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥) . وقوله تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ. وقوله تعالى: (فَليَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً) . وقوله تعالى: (وَذَلِكَ ديِنُ القَيِّمَةِ) . وقوله تعالى: (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) . هذه مواضع خذِف فيها الموصوف. لأن التقدير في الأولى: حور قاصرات الطرف. . وفي الثانية: دروعاً سابغات. وفي الثالثة: ضحكاً قليلاً وبكاء كثيراً. وفي الرابعة: المِلة القيمة. وفي الخامسة: الحياة الآخرة. وأرى أن السر البلاغي في حذف هذه الموصوفات - مما ذكرناه وما لم نذكره وهو كثير - هو توفير العناية بالصفة لأنها المطلوبة. فقصر الطرف هو دليل العفة المطلوبة في كل امرأة. والظاهر في الثانية الاهتمام بجودة الصننعة لأن المطلوب أن تكون الدرع سابغة لا مجرد درع، فأقيمت هذه الصفة التي هي محل العناية من كل درع مقام الموصوف. كذلك فإن القِلة من الضحك. والكثرة من البكاء هما المطلوب إثباتهما دون مجرد الضحك أو مجرد البكاء.

стр. 519

و " القَيِّمة " وصف حاز كل فضيلة فليس المراد كلمة " مِلة " لأن هذه تُطلق على كثير من العقائد الضالة وغيرها. إنما المطلوب الوصف " القَيِّمة " وهو ما يفصل بين ما هو حق وما هو باطل. فهو بالعناية أولى. وكثيراً ما اجتزئ بالآخرة - وهي صفة - عن الحياة وهي موصوف في التعبير القرآني كما في قوله تعالى: (وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى) ، وإذا كثر اتصاف الشيء بصفة واشتهر بها صلحت لأن تقوم مقامه. وهذا الوصف " الآخرة " هو الفاصل بين الحياتين: الأولى والآخرة. لأنهما جميعاً يشتركان في مطلق حياة. فكان لهذا الوصف الذي لا اشتراك فيه فضيلة ليست لغيره. لذلك نرى القرآن يُفرق بينهما حتى فيما هما مشتركتان فيه من لفظ " الحياة " إذ يقول: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) . فزاد في بِنية الكلمة زيادة تفيد المبالغة في إثبات المعنى. فكاد يسلب عن الحياة الأولى معنى الحياة. ويفيد - في نفس الوقت - أن الحياة الحقيقية إنما هى الآخرة. وهكذا تجد في كل موضع حُذِف فيه الموصوف وأقيمت الصفة مقامه لم يكن الحذف اعتباطاً - كما يقال - ولا قسراً. وإنما هو لسر يبدو فيه توفير العناية بالصفة لأمر يقتضي ذلك. أما حذف الصفة فدون حذف الموصوف. لأنها عرض لا تدل على نفسها إلا بذكرها، فمن حذف الصفة في القرآن قوله تعالى: (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) . أي صالحة. "

стр. 520

وقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. أي أتت عليه. وقوله تعالى: (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي الواضح. وقوله تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) . أى السابقة. . . وأسباب الحذف فيها واضحةَ. فحذف صفة السفينة: " صالحة " فيه مبالغة في تصوير طمع الملك واستيلائه على كل سفينة حتى ولو كانت غير صالحة. فغير الصالح داخل فى مأخوذ الملك، هكذا يخيل الحذف. ولو ذكر الوصف لزال هذا التخييل. وهذا التوجيه أراه أكثر قيمة مما ذكر الدكتور أحمد أحمد بدوي إذ يقول: " وقد أوحى إلينا هذا الحذف بأن الملك ينظر إلى السفينة العيبة كأنها قد فقدت حقيقتهاً. لأن هذا التوجيه غير مبين لسبب الحذف، والمعنى الذي ذكره مفهوم من (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا) وليس من الحذف. والحذف في وصف الريح أفاد أن قوة الريح تمكنها من تدمير كل شيء سواء أتت عليه أو لم تأت عليه فتأثيرها ممتد إلى كل شيء. ولو ذكِرَت الصفة لزال هذا التخييل. وهكذا يمكن فهم الحذف في كل موضع على أساس يخدم المعنى ولا يضره. * * ٥ - حذف المتضايفين: يحذف المضاف كثيراً كضرب من التوسع في اللغة. وإيراد المعنى في قليل من اللفظ لأن المضاف إذا حُذفِ سهل تصوره.

стр. 521

قال الأعشى: ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ ليْلةَ أرْمَدا. . . وَيِتَّ كَمَا بَاتَ السلِيمُ مُسَهَّدأ فحذف في البيت مضافان: مضاف إلى " ليلة "، ومضاف إلى " أرمد " والمعنى: اغتماض ليلة رجل أرمد. وقال الكلحبة اليربوعى: فَأدْرَكَ إرقْالُ العَرادةِ ظِلعَهَا. . . وَقَدْ جَعَلتْنِي مِنْ خُزَيْمَةَ أصْبعَا والتقدير: ذا مسافة أصبع. فحذف من الكلام مضافان متجاوران. وهذا في كلامهم لا حصر له. - وكذلك جاء حذف المضاف في القرآن الكريم. ومنه: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) . و (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) ، و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) ، و (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ، و (حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ) ، و (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) ، و (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا) . هذه نصوص من القرآن الكريم حُذِفَ فيها المضاف ودليل الحذف واحد فى الجميع هو عدم صحة تعلق الحكم المستفاد من السياق بالمذكور في اللفظ.

стр. 522

فالجائي: أمر ربك لا ربك. لاستحالة ذلك عقيدة. والآتى البنيان من القواعد: أمر الله لا الله نفسه. والمحرم: الاستمتاع بالأمهات لا ذواتهن، وأكل الميتة. والطيبات: لا ذوات الميتة أو الطيبات. والمسئول: أهل القرية. وأهل العير لا القرية نفسها. ولا العير نفسها. والمرسل إليه شعيب: أهل مدين لا مدين. . . وهكذا. والذي يهمنا في هذه المواضع السر البلاغي في الحذف لا تقصي أمثلته، والذي أراه في هذا العبارات وما أشبهها من كل موضع حُذفَ فيه المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه: أن سر الحذف فيه بلاغياً هو إظهارَ المعنى في صورة أتم وأوضح. وعلى وجه أقوى وأشمل. * * * مناقشة مثالين: أولهما: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) . هذه مقولة أخوة يوسف لأبيهم عندما أرادوا أن ينبئوه نبأ سرقة بنيامين أخيهم صواع الملك. وسبق أن نبأوه نبأ فقد يوسف شقيق بنيامين بأن الذئب أكله فحصل عنده - أى أبيهم - شك فيما قالوا. لكنهم في هذه الحالة الأخيرة صادقون. وهم يعلمون أن هذا الخبر سيفجر فى نفس أبيهم كثيراً من هواجس الريب والظن. فالمقام مقام إتهام لهم وإنكار لما يقولون. فأرادوا أن يُعبروا عن صدقهم وأنهم في هذا الخبر صادقون. فبالغوا فى تصوير صدقهم وادعوا أن أمر السرقة شاع حتى إن القرية كادت تعلم به ولو سألتها لأجابت فما بالك بأهلها؟ وحتى إن العير - التي هي حيوان أعجم -

стр. 523

كادت تفقه أمر هذه السرقة لكثرة ما ترددت على الألسنة فلو سألتها لأجابت بما نقول، فما بالك براكبيها! فالسر - إذن - وراء هذا الحذف هو قصد المبالغة واشتهار أمر السرقة بدرجة لم يستقم معها شك أو تكذيب. وأما المثال الثاني فهو قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) . وقد أجمع المفسرون على أن المراد: أهل قرية، وهذا صحيح. ولكن لماذا حذف المضاف إليه؟ والجواب: إن الله تعالى ينذر الناس بأن المخالفين منهم سيحل بهم سوء المصير. وضرب لهم من قصص السابقين مثلاً ليكون لهم فيها عظة. ومقام الإنذار يتطلب التهويل والتعظيم في عرض ما حدث أو ما سيحدث. لأن الإنذار مراد به التخويف ليرتدع المخالفون. ولما كان الأمر - كذلك - فقد صور الله في هذه الآية ما نزل بأهل القرى السابقين تصويراً فيه شدة وهول. فجعل الهلاك واقعاً على القرية نفسها بما فيها من زروع وأنهار - وجبال ومنازل وكل ما يتصل بها. وإذا كان الهلاك بالغاً هذا الحد فما بالك بأهل تلك القرى التي هلكت في أنفسها. إنهم - لا شك - أكثر هلاكاً وأكثر بوراً. والدليل على أن هدف الآية ما ذكرناه من التهويل والتعظيم في تصوير ما حدث أنها صُدِّرت بـ " كم " الخبرية التي معناها الكثرة في العدد. وجاء حذف المضاف مفيداً للتهويل في الكيف. فهو على نمط: (وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيْباً) في إفادة المبالغة والشمول.

стр. 524

ولنا أن نعتبر هذه العلة فىِ كل الأمثلة التي فيها حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ففى: َ (حُرِّمَتْ عَليْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) . أي الاستمتاع بهن. يحمل سر الحذف على إرادة العموم في المفعول. فيكون المحرم كل ما لا يليق بهن من عقوق وحرمان. وإساءة في قول أو عمل. وهذه الأمور وإن حرمت بطرق أُخرى فإن احتمال المقام لها على أنها داخلة فى جملة المحرم هدف من أهداف الأسلوب الحكيم. هذا في حذف المضاف. . أما حذف المضاف إليه فدونه في الورود ولكنه مثله من حيث إنه دال على معان كان حذفه من أجلها بلاغة. ويكثر حذف المضاف إليه إذا كان ياء المتكلم والمضاف منادى. كما في قوله تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي) . فقد حذف المضاف إليه. وهو " الياء ". والمضاف وهو " رب " منادى كما ترى. وقد اجتزئ عنه بالكسرة. وحذف كذلك في المواضع الآتية: قال تعالى: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) . فى هذا النص الحكيم حذف المضاف إليه. وهو ياء المتكلم. والمضاف منادى وهو ما جاء عليه الحذف في الآيات إلا في موضع واحد منها وهذا جائز في اللغة.

стр. 525

ولكن الجواز اللغوي لا يفسر لنا السر البلاغي. فتلك قاعدة نحوية عامة والمقاصد البلاغية اعتبارات خاصة. فما هو السر البلاغي إذن؟ * وجه لحذف ياء المتكلم مع " رب ": ولعل السر أن كلمة " رب " لا تحتاج في نسبتها إلى المتكلم إلى تلك العلامة اللفظية " الياء " فهو رب كل شيء سواء أضيف أو لم يضف. وقد حرص القرآن الكريم على أن يستعمل هذه الكلمة محذوفاً منها ضمير المتكلم المضاف إليه في أغلب مواضعها. هذا من حيث المعنى. . ووجه آخر من حيث اللفظ: لما كانت هذه الكلمة " رب " تستعمل كثيراً في النداء روعي فيها وجه الخفة. بحذف ما تضاف إليه إلا أن يكون ما تضاف إليه اسماً ظاهراً غير ضمير المتكلم. فإن الإضافة لا تكمل إلا بذكر المضاف إليه كقوله تعالى: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) . ولأن قوة القرينة مع الإضافة إلى ياء المتكلم ساعدت على أمر الحذف. بخلاف غيره، ويكثر - كذلك - حذف المضاف إليه في القرآن الكريم. بعد الظروف والغايات مثل: (للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمن بَعْدُ) . وبعد " كل " و" بعض " مثل: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) . وقوله تعالى: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) . وكذلك بعد " أي ". مثل قوله تعالى: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) .

стр. 526

وقد يُحذف في غير هذه المواضع كما جاء في بعض القراءات نحو قراءة مَن قرأ: (فَلاَ خَوْفٌ عَليْهمْ) . فيمن ضم ولم يُنون - أي فلا خوف شيء عليهم، كما قرئ: (سًلاَمٌ عَليْكُمْ) - أي سلام الله عليكم. أو على إضمار " ال ". وهذه المواضع مما يظهر فيها أمر الحذف والتقدير. وهو فضلاً عن كونه من التوسع في اللغة فإن فيه فضيلة الإيجاز مع وفاء الدلالة. * * ٦ - حذف الحال وحذف التمييز: هاتان فضلتان الأصل فيهما عدم الحذف، لأن الفضلة ضعيفة لا تكاد تتصور إذا حذفت. لكنا وجدنا في القرآن بعض المواضع التي اعتراهما فيهما الحذف. لأن الدليل عليهما في تلك المواضع من القوة بحيث أجاز ذلك الحذف. وقد تحدث ابن هشام في المغني عن حذف الحال، والتمييز. وذكر بعض مواضع حذف الحال ولكنه لم يمثل لحذف التمييز في القرآن الكريم. مع أن فى القرآن مواضع جاء فيها التمييز محذوفاً. فمن أمثلة حذف التمييز في القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) . التمييز في هذه الآية محذوف تقديره: كم يوماً لبثتم؟ ودليل الحذف: كون السائل مستفهماً عن مدة لبثهم نائمين. وإنما كان التقدير ب " اليوم " دون ظروف الزمان الأخرى لأن السؤال منصب عن مدة النوم. والنومة الواحدة لا تتجاوز - في العادة - اليوم أو بعضه.

стр. 527

كما جاء التمييز محذوفاً في نفس السورة في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) . والتقدير: ثلاثة فتيان أو أشخاص، والمعدود معلوم الحقَيقة والجنس فلذلك سُوغَ حذف تمييزه. ومثله قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) . فقد نص المفسرون على أن التمييز محذوف تقديره: قطعة. والذي دَلَّ على الحذف أن كُلا من " أسباطاً " و " أمماً " لا يجوز إعرابه تمييزاً لـ " اثنتى عشرة " لأمرين: أولاً: أنهما جمع. وتمييز العدد المذكور لا يكون مفرداً منصوباً. ثانياً: تأنيث جزئى العدد يدل على أن التمييز مؤنث. إذن فهو محذوف، فإن كان في حذف التمييز ما يؤدى إلى لبس في المعنى وجب ذكره. ومثاله من سورة الكهف أيضاً قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) . " وذلك لأن العدد المذكور لم يدخل في حساب أحد منهم. وعلمه إنما إلى الله وحده فكان لا بدَّ من ذكره. وكذلك كان. ثم انظر إلى عَجُز الآية حينما عطف القرآن قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعًا) كيف عاد إلى حذف التمييز عندما سهل تصوره. فلم يذكر تمييز التسعَ. لماذا؟ لأنه قد عُلِمَ من العطف على ما عُلِمَ تمييزه نصاً. فكان ذكره شبيهاً بالزيادة التي لم تدع إليها حاجة في البيان. وهذا فن عظيم من فنون التصرف في القول لم تجده على كماله إلا في القرآن الكريم لأنه تنزيل حكيم.

стр. 528

أما حذف الحال فقد جاء فيه في مواضع كثيرة. وفي كل موضع حُذِفَ فيه الحال قد قام الدليل القوى على حذفه وتقديره. كأن يكون عاملاً قد بقى معموله. خذ إليك مثلاً قوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) . والتقدير: قائلين لهم: سلام. فالمحذوف حال من الفاعل الذي هو الواو في " يدخلون " وهي - أي الحال - هنا اسم فاعل له معمول هو: " سلام عليكم ". وهو مقول القول المحذوف الواقع حالاً، فبقاء المعمول يتطلب تقدير العامل ضرورة. ولذلك صح الحذف لقوة القرينة وللإسراع إلى تعجيل المسرَّة التي يوحى بها المعمول: " سلام ". وذلك فضل الله يتلقى به أهل رضوانه. ومثله قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) . أي قائلين: ربَّنا. فهل ترى في حذف أي منهما " الحال " و " التمييز " - وهما فضلتان - أى إجحاف بالمعنى أو قصور في البيان. * * * حذف المفعول به: لعلماء البلاغة بحوث رائعة في حذف المفعول. قلَّبوا فيه وجوه القول. وأولوه عناية خاصة لم يولوها لغيره من المحذوفات. وقعَّدوا له القواعد. وذكروا الأسباب.

стр. 529

* الأغراض البلاغية لحذف المفعول به: ١ - البيان بعد الإبهام. كما في فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا لم يكن في تعلقه بمفعوله غرابة. ومثاله من القرآن: (فَلوْ شَاءَ لهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ) . وقوله: (وَلوْ شَاءَ اللهُ لجَمعَهُمْ عَلى الهُدَى) . فإذا كان في التعلق غرابة امتنع الحذف. ومثلوا له من غير القرآن بقول الشاعر: وَلوْ شِئْتُ أنْ أبْكِى دَماً لبَكَيْتُهُ. . . عَليْهِ وَلكِنْ سَاحَةُ الصبْرِ أوْسَعُ فقد صرَّح بالمفعول به ولم يحذف لأنه بكاء لم وهو غريب في العادة ولو حُذفَ لم يُعْلم. وفي البيان بعد الإبهام يقول عبد القاهر: " وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبداً لطفاً لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك. وأنت إذا قلت: لو شئتَ. علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء. فهو يضع في نفسه أن ههنا شيئاً تقتضى مشيئته له أن يكون أو لا يكون. فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم - عرف ذلك الشيء. وليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت: لو شئتَ ألا تُفسد سماحة حاتم لم تفسدها. . صرتَ إلى كلام غث. وإلى شيء يمجه السمع. وتعافه النفس ". وهذا السبب وجيه. فلا اعتراض عليه.

стр. 530

٢ - دفع توهم غير المراد: ومثَّلوا له بقول الشاعر: كمْ ذدِْتَّ عَنِّى مِنْ تَحَامُلِ حَادثِ. . . وَسَوْرَةِ أيامٍ حَزَزْنَ إلى العَظم أى حززن اللحم إلى العظم. وإنما حُذِفَ المفعول لئلا يتوهم متوهم أن الحز كان إلى اللحم فقط. وهذا يُشعر بتهوين أمر الملمة المدفوعة. والمقام مقام مدح المناسب فيه عِظم النعمة. لذلك طوى ذكره لأنه يفهم المراد ابتداءً. وهذا أيضاً توجيه دقيق ولا شيء فيه. ٣ - إظهار كمال العناية بوقوعه على المفعول. ومثلوا له بقول البحتري يمدح المعتز. قَدْ طلبْنَا فَلمْ نَجِدْلكَ فِى السُّؤ. . . دُدِ وَالمجدِ والمكَارِم مِثْلاً أى قد طلبنا لك مِثْلاً في هذه المظان فلم نجده. فحذف المفعول الذي هو " مِثْلاً " لأن غرضه أن يوقع نفى الوجود على صريح لفظ المثل دون ضميره. وفي ذلك إظهار لكمال العناية بوقوع النفي على المفعول. ولو ذكره لوقع النفى على الضمير فيفوت المراد. وفي البيت توجيه آخر مؤداه: (إن الحذف هنا لكراهة أن يواجه المدوح بأن له مثلاً. والذي أراه أن التوجيه الأول في البيت أحق بالاعتبار في توجيه الحذف. وإن كان في التوجه الثاني رقة وعذوية. ٤ - قصد التعميم في المفعول مع الاختصار. وقد مثلوا له بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) .
следующие страницы →