وقد يُحذف في غير هذه المواضع كما جاء في بعض القراءات نحو قراءة مَن
قرأ: (فَلاَ خَوْفٌ عَليْهمْ) . فيمن ضم ولم يُنون - أي فلا خوف شيء
عليهم، كما قرئ: (سًلاَمٌ عَليْكُمْ) - أي سلام الله عليكم.
أو على إضمار " ال ".
وهذه المواضع مما يظهر فيها أمر الحذف والتقدير. وهو فضلاً عن كونه من
التوسع في اللغة فإن فيه فضيلة الإيجاز مع وفاء الدلالة.
* *
٦ - حذف الحال وحذف التمييز:
هاتان فضلتان الأصل فيهما عدم الحذف، لأن الفضلة ضعيفة لا تكاد تتصور
إذا حذفت. لكنا وجدنا في القرآن بعض المواضع التي اعتراهما فيهما الحذف.
لأن الدليل عليهما في تلك المواضع من القوة بحيث أجاز ذلك الحذف.
وقد تحدث ابن هشام في المغني عن حذف الحال، والتمييز.
وذكر بعض مواضع حذف الحال ولكنه لم يمثل لحذف التمييز في القرآن الكريم.
مع أن فى القرآن مواضع جاء فيها التمييز محذوفاً.
فمن أمثلة حذف التمييز في القرآن الكريم قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف:
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .
التمييز في هذه الآية محذوف تقديره: كم يوماً لبثتم؟
ودليل الحذف: كون السائل مستفهماً عن مدة لبثهم نائمين.
وإنما كان التقدير ب " اليوم " دون ظروف الزمان الأخرى لأن السؤال منصب عن مدة النوم. والنومة الواحدة
لا تتجاوز - في العادة - اليوم أو بعضه.
стр. 527
كما جاء التمييز محذوفاً في نفس السورة في قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) . والتقدير: ثلاثة فتيان أو أشخاص، والمعدود
معلوم الحقَيقة والجنس فلذلك سُوغَ حذف تمييزه.
ومثله قوله تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) .
فقد نص المفسرون على أن التمييز محذوف تقديره: قطعة.
والذي دَلَّ على الحذف أن كُلا من " أسباطاً " و " أمماً " لا يجوز إعرابه تمييزاً لـ " اثنتى عشرة " لأمرين:
أولاً: أنهما جمع. وتمييز العدد المذكور لا يكون مفرداً منصوباً.
ثانياً: تأنيث جزئى العدد يدل على أن التمييز مؤنث. إذن فهو محذوف،
فإن كان في حذف التمييز ما يؤدى إلى لبس في المعنى وجب ذكره.
ومثاله من سورة الكهف أيضاً قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) .
" وذلك لأن العدد المذكور لم يدخل في حساب أحد منهم.
وعلمه إنما إلى الله وحده فكان لا بدَّ من ذكره. وكذلك كان.
ثم انظر إلى عَجُز الآية حينما عطف القرآن قوله: (وَازْدَادُوا تِسْعًا)
كيف عاد إلى حذف التمييز عندما سهل تصوره.
فلم يذكر تمييز التسعَ. لماذا؟
لأنه قد عُلِمَ من العطف على ما عُلِمَ تمييزه نصاً.
فكان ذكره شبيهاً بالزيادة التي لم تدع إليها حاجة في البيان.
وهذا فن عظيم من فنون التصرف في القول لم تجده على كماله إلا في القرآن
الكريم لأنه تنزيل حكيم.
стр. 528
أما حذف الحال فقد جاء فيه في مواضع كثيرة. وفي كل موضع حُذِفَ فيه
الحال قد قام الدليل القوى على حذفه وتقديره. كأن يكون عاملاً قد بقى معموله.
خذ إليك مثلاً قوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) .
والتقدير: قائلين لهم: سلام.
فالمحذوف حال من الفاعل الذي هو الواو في " يدخلون " وهي - أي الحال - هنا اسم فاعل له معمول هو: " سلام عليكم ".
وهو مقول القول المحذوف الواقع حالاً، فبقاء المعمول يتطلب تقدير العامل ضرورة.
ولذلك صح الحذف لقوة القرينة وللإسراع إلى تعجيل المسرَّة التي يوحى بها المعمول: " سلام ".
وذلك فضل الله يتلقى به أهل رضوانه.
ومثله قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) .
أي قائلين: ربَّنا.
فهل ترى في حذف أي منهما " الحال " و " التمييز " - وهما فضلتان -
أى إجحاف بالمعنى أو قصور في البيان.
* *
* حذف المفعول به:
لعلماء البلاغة بحوث رائعة في حذف المفعول. قلَّبوا فيه وجوه القول. وأولوه عناية خاصة لم يولوها لغيره من المحذوفات.
وقعَّدوا له القواعد. وذكروا الأسباب.
стр. 529
* الأغراض البلاغية لحذف المفعول به:
١ - البيان بعد الإبهام. كما في فعل المشيئة والإرادة ونحوهما إذا لم
يكن في تعلقه بمفعوله غرابة.
ومثاله من القرآن: (فَلوْ شَاءَ لهَدَاكُمْ أجْمَعِينَ) .
وقوله: (وَلوْ شَاءَ اللهُ لجَمعَهُمْ عَلى الهُدَى) .
فإذا كان في التعلق غرابة امتنع الحذف.
ومثلوا له من غير القرآن بقول الشاعر:
وَلوْ شِئْتُ أنْ أبْكِى دَماً لبَكَيْتُهُ. . . عَليْهِ وَلكِنْ سَاحَةُ الصبْرِ أوْسَعُ
فقد صرَّح بالمفعول به ولم يحذف لأنه بكاء لم وهو غريب في العادة ولو حُذفَ
لم يُعْلم.
وفي البيان بعد الإبهام يقول عبد القاهر: " وذلك أن في البيان إذا ورد بعد
الإبهام، وبعد التحريك له أبداً لطفاً لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك.
وأنت إذا قلت: لو شئتَ. علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء. فهو يضع في نفسه أن ههنا شيئاً
تقتضى مشيئته له أن يكون أو لا يكون.
فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم - عرف ذلك الشيء. وليس يخفى أنك لو رجعت فيه إلى ما هو أصله فقلت: لو شئتَ ألا تُفسد سماحة حاتم لم تفسدها. . صرتَ إلى كلام غث. وإلى شيء يمجه السمع. وتعافه النفس ".
وهذا السبب وجيه. فلا اعتراض عليه.
стр. 530
٢ - دفع توهم غير المراد:
ومثَّلوا له بقول الشاعر:
كمْ ذدِْتَّ عَنِّى مِنْ تَحَامُلِ حَادثِ. . . وَسَوْرَةِ أيامٍ حَزَزْنَ إلى العَظم
أى حززن اللحم إلى العظم. وإنما حُذِفَ المفعول لئلا يتوهم متوهم أن الحز كان إلى اللحم فقط. وهذا يُشعر بتهوين أمر الملمة المدفوعة.
والمقام مقام مدح المناسب فيه عِظم النعمة.
لذلك طوى ذكره لأنه يفهم المراد ابتداءً.
وهذا أيضاً توجيه دقيق ولا شيء فيه.
٣ - إظهار كمال العناية بوقوعه على المفعول. ومثلوا له بقول البحتري يمدح المعتز.
قَدْ طلبْنَا فَلمْ نَجِدْلكَ فِى السُّؤ. . . دُدِ وَالمجدِ والمكَارِم مِثْلاً
أى قد طلبنا لك مِثْلاً في هذه المظان فلم نجده. فحذف المفعول الذي هو
" مِثْلاً " لأن غرضه أن يوقع نفى الوجود على صريح لفظ المثل دون ضميره.
وفي ذلك إظهار لكمال العناية بوقوع النفي على المفعول. ولو ذكره لوقع النفى على الضمير فيفوت المراد.
وفي البيت توجيه آخر مؤداه: (إن الحذف هنا لكراهة أن يواجه المدوح بأن له مثلاً. والذي أراه أن التوجيه الأول في البيت أحق بالاعتبار في توجيه الحذف.
وإن كان في التوجه الثاني رقة وعذوية.
٤ - قصد التعميم في المفعول مع الاختصار. وقد مثلوا له بقوله تعالى:
(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ) .
стр. 531
أي: يدعو كل أحد. ويلاحَظ أن العموم مستفاد حتى مع ذكره ولذلك قالوا: " مع الاختصار " - ليسلم لهم التمثيل؟
* سبب قرآنى بحت:
٥ - رعاية الفاصلة. وهذا سبب قرآنى لا غير.
أما الأسباب التي سبقت فعامة وإن كان بعضها ليس له شاهد في القرآن.
وقد مثلوا له من القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .
أى: وما قلاك، فحذف الكاف الذي هو ضمير المخاطب وواقع مفعولاً به
لمراعاة الفاصلة. لأن ما قبلها كانت فاصلته الألف.
ولنا عود لمناقشة هذا التوجيه. .
٦ - استهجان ذكره. ومثلوا لذلك بحديث عائشة رضى الله عنها تصف
أخلاق بيت النبوة: " فما رأيتُ منه وما رأى مني " تعني: العورة
٧ - مجرد الاختصار، ومثلوا له من القرآن بقوله تعالى:
(أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) .
وقوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) .
وقد عَدَّ السكاكي من الحذف لمجرد الاختصار قوله تعالى:
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا) .
*
стр. 532
* خلاف حول آية:
فقد حُذِفَ المفعول في النص الحكيم في أربعة مواضع وهي: " يسقون " -
" تذودان " - " نسقى " - " فسقى ".
- ويخالف الخطيب السكاكي. فيعد الحذف في المواضع الأربعة لإثبات العلم
فى نفسه.
وكذلك قال الزمخشري: " ترك المفعول لأن الغرض هو الفعل
لا المفعول ".
كما يرى هذا الرأي عبد القاهر الجرجاني. وله في توجيه هذا الحذف كلام
طويل.
وعلى هذا فإن الخطيب والزمخشري وعبد القاهر يرون غير ما يراه السكاكي
فى الحذف المذكور.
وقد حاول السيد أن يوفق بين هذين الرأيين، لكنه في النهاية مال إلى رأى
السكاكي حيث قال: " فصاحب الفتاح نظر إلى أن المفعول هو الغنم المضافة
إليهما - بنتا شعيب - والمواشي المضافة إليهم.
وكل واحد منهما يقابل الآخر.
فلو لم يقدر المفعول في الآية لفسد المعنى. وهذا أدق نظراً وأوضح معنى ".
والذي يؤخذ على رأى السكاكي والسيد. أن المفعول ما دام بهذه المنزلة عنده من الأهمية فلماذا جعل مجرد الاختصار عِلَّة الحذف.
ومجرد الاختصار حُجة ضعيفة؟
* *
стр. 533
* نقد وتوجيه:
هذا مجمل لما ذكروه من أسباب حذف المفعول وأغراضه البلاغية. .
فهل ينتهى البحث البلاغي عندها؟ أم يمكن أن يتوصل إلى أسباب وأسرار أخرى؟
وهل هذه الأسباب التي ذكروها مسلمة؟ أم بينها ما يحتمل المناقشة
والتعديل؟
مع إعجابى بالبحوث القيمة التي وضعها العلماء في حذف المفعول بالذات،
فإن لي على بعض توجيهاتهم تحفظات آراها ضرورية.
وهي كالآتي:
أولاً: أنهم يرون مجرد الاختصار - مفرداً، أو هو مع إرادة العموم - سبباً
بلاغياً في حذف ما يُحذف. وهذا لا يُسلم على إطلاقه فمجرد الاختصار ضمن عِلَّة أخرى للحذف قوية أمر لا يُدفع. وليس دنا عليه ملاحظات.
أما أن يُجعل مجرد الاختصار وحده سراً بيانياً نؤجه به الأسلوب.
فذلك ما لا يمكن قبوله في يُسر.
وكل موضع حكموا بأن الحذف فيه لمجرد الاختصار يمكن توجيهه بلاغياً على
غير الوجه الذي ذكروه. فلننظر في أمثلتهم عليه.
فهم يذكرون قوله تعالى حكاية عن المشركين: (أهَذَا الذي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) ، ويقولون: إن الحذف فيه لمجرد الاختصار؟
وقوله تعالى: (أرِني انظرْ إليْكَ) ، ويقولون: إن الحذف فيه لمجرد
الاختصار كذلك؟
ويذكرون قوله تعالى: (فَلاَ تَجْعَلواْ لله أندَاداً وَأنتُمْ تَعْلمُونَ) ،
ويقولون: إن الحذف فيه لمجرد الاختصار أيضاً؟
والمواضع الثلاثة تحتمل غير ما ذكروه. .
стр. 534
فالحذف في الآية الأولى يمكن حمله على غرض آخر مؤداه: أن مَنْ صدر
منهم هذا الكلام: (أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) - وهم المشركون -
ينكرون أن يكون محمد ﷺ مبعوثاً رسولاً من عند الله. لذلك صدروا مقولتهم بالاستفهام الإنكارى.
فإثبات الرسالة له أمر لا تساعدهم عليه أنفسهم ولذلك
جاء التعبير مصوراً للقلق النفسي الذي كان يساورهم من أمر الرسالة.
حيث حذف المفعول لأنهم يكرهون وقوع بعثه رسولاً في الواقع.
لذلك لم يوقعوا الفعل " بعث " على ضميره ليطابق اللفظ حالتهم النفسية.
* *
* كراهة نسبة الرسالة هي السبب:
إذن فكراهة نسبة الرسالة إلى محمد ﷺ في الواقع وفي اللفظ هي التي أوحت بحذف المفعول.
وهذا الحذف يُصور لنا ما وراء اللفظ من خفايا نفوسهم وظواهرها.
لا أن الحذف جاء لمجرد الاختصار - كما يقولون!
ولهذا نظير عندهم من غير باب حذف المفعول.
وهو قول الشاعر:
إذا سَئِمَتْ مُهَندَهُ يَمِينٌ. . . لِطولِ العَهْدِ بَدَّلهُ شِمَالاً
والأصل: يمينه. أي يمين الممدوح. فحذف الهاء الواقع مضافاً إليه.
وعللوه بقولهم: إنه لكراهة إسناد السأم ليمين الممدوح.
فأخرج الكلام مخرج مطلق يمين لا يمينه هو.
والآية الثانية: (أرِنِى أنظرْ إليْكَ) . قدَّروا فيها المحذوف: ذاتك.
وحملوا حذفه على مجرد الاختصار.
* *
стр. 535
* عزة المطلب هي السبب:
فلماذا لا يكون الحذف لأن نفس موسى ﵇ لا تساعد عليه - لعزة
الطلب - لذلك طوى في نفسه ذكره ولم يصرِّح به.
والواقع يشهد بذلك. فإن الناس إذا سأل بعضهم بعضاً. وكان موضوع
السؤال عظيماً فإن السائل يتلجلج أمام المسئول ولا يكاد يُفصح عن المطلوب.
فسبب الحذف في الآيتين نفسي مع الاختلاف في البواعث.
ففي حذف المفعول في قوله تعالى حكاية عن المشركين:
(. . أهَذَا الذي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً)
كان السبب نفسياً باعثه كراهة إيقاع الفعل على ضمير
المسنَد إليه ليطابق اللفظ الشعور.
أما في قوله حكاية عن موسى ﵇: (أرِنِي أنظرُ إليْكَ)
فإن السبب نفسي كذلك هو الرهبة والإجلال والطمع في مطمع.
وذلك - فيما أرى - أولى من اعتبار عِلَّة الحذف فيهما مجرد الاختصار.
أما الآية الثالثة فقد كفانا الخطيب القزويني مؤنة البحث فيها فقال: " يجوز
حمل الحذف فيها لأن الغرض إثبات الفعل في نفسه فيكون التقدير: وأنتم من
أهل العلم والمعرفة ".
* *
* مجرد الاختصار وحده لا يكفي:
فمجرد الاختصار - إذن - عِلَّة سلبية لا تفسر الأساليب تفسيراً بلاغياً،
والظاهر أن علماء البلاغة كانوا يحملون عليها كل حذف لم يتبين لهم فيه وجه
ظاهر من الاعتبارات المناسبة.
стр. 536
فأولى بالباحث الحديث أن يكون من هذا السبب على حذر لأنه يحجر على
الفهم ولا يغنى عن البحث.
ثانياً: أنهم يعتبرون - كذلك - رعاية الفاصلة سبباً من أسباب الحذف وغيره
من مظاهر التعبير المخالفة للظاهر أو العُرف اللغوي.
وهي كثيرة جداً في القرآن الكريم.
وقد أحصى منها ابن الصائغ أكثر من أربعين موضعاً زعم أن الحذف فيها
وغير الحذف من أجل رعاية الفواصل أو مطابقة رءوس الآي.
ولكنه عاد فقال:
" إن هذه المواضع تحتمل وجوهاً أخرى غير مناسبة الفواصل.
وقد نقل عنه ذلك السيوطي وقال: إن لشمس الدين ابن الصائغ الحنفي كتاباً سماه " إحكام الرأي في أحكام الآي " ذكر فيه هذه الوجوه.
والأمثلة التي ذكرها ابن الصائغ فإن الظاهر فيها إنها ليست لرعاية الألفاظ
بل لدواع أخرى غيرها.
وقد ناقشنا بعضها فيما تقدم.
* *
* ورعاية الفواصل وحدها لا تكفي:
والحق أن رعاية الفاصلة سبب أقوى من مجرد الاختصار.
وهو مع قوته ينبغي عدم التعويل عليه وحده في توجيه الظواهر الأسلوبية.
وهذا أمر أمكن التوصل إليه في يُسر.
فلننظر فيما ذكروه من أمثلته.
إنهم ذكروا قوله تعالى: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .
وقالوا: إن المفعول حُذِفَ لرعاية الفواصل.
стр. 537
ويقول الزمخشري: " إنه اختصار لفظي مثل: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) : أي والذاكراته، وسببه عند الزمخشري - أَى سبب
الاختصار اللفظي - ظهور المحذوف والأولى - فيما أرى - أن يكون السبب
فى الحذف - هنا - كراهة مواجهة الرسول ﷺ بأنه موضع قلى من الله.
ولو وقع ذلك في سياق النفي فإن الذوق البلاغي يقتضيه.
وقد أَشار إلى ذلك - فيما أذكر - الخطيب في الإيضاح ".
ولهذا نظير في القرآن الكريم من اللطف في الخطاب مع النبي ﵇
حتى في أشد مواضع العتاب كقوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) .
فلم يواجهه بالعبوس والتولي.
وقال: (عَفَا اللهُ عَنكَ لمَ أذنتَ لهُمْ) .
فقدم العفو على سبب العتاب. . . وغير ذلك كثير.
وإنما لم تكن رعاية الفصل بين الآيات سبباً وحده في الحذف وغيره.
لأنها مظنة السجع المتكلف. فلذلك ينبغي الحيطة في مثل هذه الأمور. وبلاغتنا العربية غنية بالاعتبارات المناسبة في توجيه الأسلوب في غير ما سرق أو قصور.
* * *
ثالثاً - حذف جملة فأكثر:
أما حذف جملة فأكثر. فإن القرآن قد حفل بكثير منه. وقد وضع العلماء
لهذا النوع ضوابط نوجزها فيما يلي:
أولاً: حذف السؤال المقدَّر ويسمى " الاستئناف " ويأتي على وجهين:
١ - إعادة الأسماء والصفات.
وقد مثلوا له من غير القرآن الكريم بقولهم
أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان.
стр. 538
وقولهم: أحسنت إلى زيد، صديقك القديم حقيق بالإحسان.
وقد صرح ابن الأثير بأبلغيه الثاني. وهو ما كان المعاد فيه صفة لاشتماله
على موجب الإحسان.
ومثَّلوا له من القرآن بقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) .
والاستئناف وارد قبل " أُولئك " كأن سائلاً ساًل: فما بال المتصفين بهذه
الصفات قد اختصوا بالهدى؟
فأجيب: إن الذين اتصفوا بهذه الصفات غير مستبعد أن يفوزوا - دون
الناس - بالهدى عاجلاً والفلاح آجلاً.
٢ - الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات. ومثلوا له من القرآن بقوله
تعالى: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) .
وتقدير السؤال المحذوف: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه؟
فقيل: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) .
стр. 539
وإلى هنا يسكت ابن الأثير. . والظاهر أن في الآية استئنافاً آخر قبل قوله:
(قَالَ يَا ليْتَ قَوْمِى يَعْلمُونَ) .
وتقديره: فماذا قال حين قيل له ادخل الجنة؟
فأجيب: (قَالَ يَا ليْتَ قَوْمِى يَعْلمُونَ) .
ثانياً: الاكتفاء بالسبب عن المسبب، وبالمسبب عن السبب. ومثَّلوا للأول بقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) .
فقد ذكر سبب الوحي. وهو تطاول العمر. ودلَّ به على المسبب الذي هو
الوحي. أما الثاني - وهو الاكتفاء بالمسبب عن السبب - فقد مثلوا له بقوله
تعالى: (فَإذا قَرَاتَ القُرآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرجيم) .
والتقدير: إذا أردت قراءة القرآن. فاكتفى بالمسبب. الذي هو القراءة عن
السبب الذي هو الإرادة.
وقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) .
والتقدير: فضرب فانفجرت.
ثالثاً: الإضمار - على شريطة التفسير وهو أن يحذف من صدر الكلام
ما يؤتى به في آخره. فيكون الآخر دليلا عليه وهو ثلاثة أنواع:
стр. 540
الأول: أن يأتي على طرلقة الاستفهام. فتُذكر الجملة الأولى دون الثانية
مثل: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)
والتقدير: أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن أقسى قلبه.
ودليل الحذف قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) .
الثاني: أن يأتي على حدى النفي والإثبات، ومثلوا له بقوله تعالى:
(لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا. .) .
والتقدير: لا يستوى منكم مَنْ أنفق من قبل الفتح وقاتَلَ.
ومَنْ أنفق من بعده وقاتَلَ.
ودليل الحذف: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا) .
الثالث: أن يأتي على غير هذين فلا يكون استفهاماً ولا على حدى النفى
والإثبات، ومثَّل له ابن الأثير بقول أبى تمام:
يَتجَنَّبُ الآثَامَ ثُمَّ يَخَافُهَا. . . فَكَأنمَا حَسَنَاتُهُ آثَامُ
قال: وفي صدر البيت إضمار مفسَّر في عجزه.
وتقديره: " أنه بتجنب الآثام فيكون قد أتى بحسنة.
ثم يخاف تلك الحسنة. فكأنما حسناته آثام ".
يرى ابن الأثير أن البيت طباق قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) .
стр. 541
لكن المفسرين فسَّروا هذه الآية على غير ما يراه ابن الأثير.
يقول الزمخشري فى معناها: " الذين يعطون ما أعطوا "
أي الذين يفعلون الخيرات وهم وجلون من ربهم أن لا يتقبل منهم.
ونقل حديثاً روته عائشة عن النبي ﷺ يؤيد ما ذكره. وكذلك رأى الإمام النسفي في تفسيره قال: " الذين يعطون ما أعطواً من الزكاة والصدقات وهم خائفون ألا يُقبل منهم لتقصيرهم ".
وعلى هذا فإن ما يراه ابن الأثير من تطابق الآية والبيت غير دقيق.
وأظهر من البيت المذكور في التمثيل له قول الشاعر:
سُنَّة العُشَّاقِ واحِدَةٌ. . . فَإذا أحْبَبْتَ فَاسْتَكِنِ
لأن المعنى: سُنَّة العشاق واحدة هي الاستكانة. فإذا أحببتَ فاستكن.
أما مثاله من القرآن فأولى أن يكون قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) .
فقد قال المفسرون: " وجعلنا ابن مريم آية، ثم حُذفَت الأولى لدلالة الثانية
عليها"
والحذف من الأول لدلالة الثاني عليه كثير في كلامهم.
رابعاً: ما ليس بسبب ولا مسبب ولا إضمار - على شريطة التفسير
ولا استئناف.
أى إن الحذف هنا ليس له ضابط معيَّن. فهو يشمل كل حذف بعد الأنواع
الثلاثة المذكورة وهو - بحق - كثير جداً في القرآن.
وأكثر ما يكون فى القصص ولا حد لمقدار ما يُحذف فيه.
стр. 542
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى يحكى طرفاً من قضة يوسف عليه
السلام في السجن: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) .
فىَ هذا النص الحكيم حذف في أربعة مواضع. والمحذوف ليس حرفاً ولا كلمة مفردة بل كلام كثير. وتلك المواضع هي:
أولاً: عند ما طلب الذي نجا من الفتيين أن يرسلوه إلى يوسف.
وتقدير المحذوف فيه: إلى يوسف فاستجابوا له فأرسلوه فلما مثل أمامه قال له. . . . .
ثانياً: بعد أن نبأه يوسف بحقيقة الرؤيا، والتقدير: فرجع إليهم فقص لهم
ما قاله يوسف.
ثالثاً: بعد أن طلب الملك أن يأتوه بيوسف. والتقدير: فأرسلوا ليوسف
رسولاً ليأتي به إلى الملك فلما وصل إليه أعلمه بأمره قال. . . . .
رابعاً: حين عاد الرسول وأبلغ الملك رغبة يوسف، والتقدير: فلما رجع
الرسول إلى الملك وأبلغه رغبة يوسف أرسل الملك إلى النسوة اللاتي قطعن
أيديهن وسألهن قائلا. . . . .
стр. 543
والمحذوف في المواضع الأربعة ظاهر موضعه سهل تصوره. . إذ لا يستقيم
الكلام إلا بملاحظة المحذوف ودليل الحذف فيها أو قرينته أن هذه الأحداث
يحكمها أمران هما: الترتيب الزمني بينها. ثم التلازم الطبيعي.
أما الترتيب الزمني. . فأمره واضح. إذ تجرى أحداث هذه القصة على نسق
وقوعها: السابق سابق. واللاحق لاحق. فلم يتداخل حدثان في زمن واحد.
وأما التلازم الطبيعي. . فمن حديث أن هذه الأحداث ما طرى ذكره منها. . .
وما ذكِر ولم يُطو. . بينها صلات وثيقة فبعضها مقدمة طبيعية لبعض.
أو لازم له.
ففى الموضع الأول لا يُتصور سؤال الرسول ليوسف ﵇ إلا بعد تصور استجابة طلبه والإذن له بالذهاب إلى يوسف ثم الوصول إليه ومثوله أمامه. .
هذه الفجوات متروكة بلا إشارة. لأنها واقعة بين طرفين هي واسطتهما. على طريقة قص المناظر (فى الأدب المسرحي والتمثيلي الحديث) .
وما دام الفكر يهتدى إليها في يُسر وسهولة. فإن ذكرها - والحالة هذه -
ليس بمستساغ.
ذلك سر الحذف.
يُضاف إليه أن أولى فنون التعبير بالإيجاز والحذف والإجمال هو القصص لأنه
يعالج كثيراً من الواقف ويسرد كثيراً من الأحداث.
فمن خصائصه أنه يحتاج إلى كثير من البيان حتى يكمل بناء القصة.
وتؤدى غرضها الجمالى والأخلاقى.
لذلك كانت القصة ميداناً للاختصار والحذف.
وفي حاجة ماسة إلى التركيز والإجمال.
وكذلك جاء القصص القرآني.
ومن حذف الجمل في القرآن الكريم أمور:
стр. 544
- حذف أداة الشرط وفعله:
ويكثر هذا بعد الطدب نحو: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) ، أي: إن اتبعتمونى.
ونحو: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) ، أي: أن تقل لهم.
وجعل منه الزمخشري قوله تعالى: (فَلن يُخْلفَ اللهُ عَهْدَهُ) ، أى
إن اتخذتم عند الله عهداً.
كما جعل منه أبو حيان قوله تعالى: (فَلمَ تَقْتُلُونَ أنبِيَاءَ اللهِ مِن
قَبْلُ) . أي: إن كنتم آمنتم بما أنزل الله إليكم فَلم تقتلون؟
ويجوز أن يجعل منه قوله تعالى:
(فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) ،
على قراءة مَن جزم الفَعل وجعل منَه السعد وابن الأَثير وقوله تعالى:
(يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)
وجعلا الفاء في " فاعبدون " واقعة في جواب شرط محذوف تقديره:
إن أرضى واسعة فإن لم تخلصوا العبادة في أرض فاخلصوها في غيرها.
فحذف الشرط وعوض منه تقديم المفعول لإفادة الاختصاص.
- حذف جواب الشرط:
وهو كثير في القرآن الكريم. ومنه قوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ) . أي فافعل. .
стр. 545
ومنه قوله تعالى: (وَإذَا قيلَ لهُمُ اتقُواْ مَا بَيْنَ أيْديكُمْ وَمَا خَلفَكُمْ
لعَلكُمْ تُرْحَمُونَ) ، أي: أعَرضوا
ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ) .
أى: لرأيتَ أمراً عظيماً.
وقوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) .
أي: لعذبكم
ومنه الآيات الآتية: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) َ
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى)
فحذف جواب الشرط عام فيما كانت الأداة فيه جازمة أو غير جازمة.
كما فى الأداة " لو " في الموضعين المذكورين.
فإذا لم يتضح جواب " لو " وجب ذكره.
كما في قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) .
وكذلك حذف جواب " لما " في قوله تعالى:
(فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)
стр. 546
- حذف جواب القَسَم:
ما أكثر حذف جواب القَسَم في القرآن. وقد جاء ذلك في مطالع
السور مثل: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا. .) ، ومثل: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) ، وَمثلَ: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ، ومثل:
(وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) .
وتقدير الجواب في الأول: لتبعثن.
وفي الثاني: إنه لمعجز - يعني القرآن،
وفي الثالث: ليس الأمر كما زعموا.
وفي الرابع: ليعذبن.
هذا في مطلع السور.
أما في درج الكلام فإن السيوطي يرى في قوله تعالى:
(لأعَذبُنهُ عَذَاباً شَدِيداً) . أن جملة القسم محذوفة. .
والتقدير: والله قسمي.
وفي حذف الشرط أو جوابه أو حذف جواب القَسَم فإن دليل الحذف ما بقى
من الأجزاء، أما السبب البلاغي فلتقدره النفس بأى صورة مناسبة وفيه تكثير المعنى فقد قدر صاحب النحو الوافي جواب القَسَم في قوله تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) . بقوله: ما نفعكم.
وقدَّره المفسرون بقولهم: لكان هذا القرآنَ. .
وهو أرجح مما ذهب إليه صاحب النحو الوافي.
* *
* أنواع الحذف:
ذكر السيوطي في كتابه " معترك الأقران " أن الحذف يأتي على أربعة
أنواع هي:
الأول - الاقتطاع: وهو حذف بعض أحرف الكلمة لغير علة صرفية
أو نحوية، وقد حكى
стр. 547
السيوطي أن ابن الأثير، يمنع ورود هذا النوع في القرآن الكريم.
ثم ذكر رأى الؤيدين لوروده فيه ذاكراً أمثلتهم وأدلتهم كورود الحروف المقطعة في أوائل السور - على رأى مَن يقول إنها ترمز إلى أسماء الله - ثم قال:. . وادعى بعضهم أن " الباء " في قوله تعالى: (وامْسَحُواْ برُءُوسكُمْ)
أول كلمة " بعض " ثم حذف الباقى.
ومثل قراءة: " ونادوَا يا ماَلِ " بالترخيم.
ويبدو أن السيوطي يميل إلى رأى ابن الأثير في إنكاره ورود هذا النوع فى
القرآن على الرغم من أنه ذكر أمثلة أخرى منها حذف همزة " أنا " في قوله
تعالى: (لكِنا هُوَ اللهُ رَبِّى) - إذ جعل التقدير: لكن أنا هو الله ربي.
وكذلك أورد أربعة أمثلة أخرى لقراء مختلفين: " ويسمك السماء أن تقع
علرض ". و. . " وبما أنزليك " و " ومن تعجل في يومين فلثم عليه "
و" إنها لحدى الكبر ".
وقد راجعتُ كلام ابن الأثير في ذلك. فلم أجده قد صرَّح بعدم وجوده بل
اكتفي بتعليقه على بعض أمثلته من غير القرآن بقوله: " فهذا وأمثاله مما يقبح
ولا يحسن وإن كانت العرب قد استعملته فإنه لا يجوز لنا أن نستعمله ".
والمثال الذي علق عليه ابن الأثير هو قول الشاعر:
كَأن إبْرِيَقُهمْ ظبْي عَلى شَرَفٍ. . . مُفَدَّمِ بِسِبَا الكِتانِ مَلثُومُ
والتقدير: بسبائب الكتان.
والذي أذهب إليه أن ابن الأثير قد جانبه التوفيق في إنكاره.
ومن أقوى الأدلة عليه ما ذكره السيوطي نفسه من أمثلة تقدم ذكرها.
стр. 548
على أن في القرآن أمثلة أخرى لم يذكرها السيوطي.
وأكثر ما يكون ذلك فى أسماء المصادر مثل قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) .
والأصل: إنباتاً.
ولعل السر في العدول عن الأصل أمران:
الأول: لفظي وهو التخلص من كسرين يؤديان إلى نوع ما من الثقل إذا قارنا بين الصورتين: الأصلية، والتي عليها التعبير. لأن " الضاد " من أرض
مكسورة كما أن " الهمزة " من المصدر - وهي أول حرف فيه - مكسورة.
الثاني: معنوي لأن المصدر " إنباتاً " يدل على مجرد الحَدَث. أما اسمه
" نباتاً " فيدل على صورة النبات بعد خلقه وترعرعه. فضلاً عن دلالته على
الحَدث. ولا شك أن ما دل على معنيين أولى مما دل على معنى واحد.
والمقام هنا يقتضي ذلك لأنه بيان لقُدرة الله سبحانه.
وقد جيء بالمصدرالأصلى في قوله تعالى: (ثُمَّ يُعِيدكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ
إخْرَاجاً) والمقام واحد.
فلماذا إذن خولف نسق الآية الثانية عن نسق الأولى؟
والجواب من وجهين:
أولاً: لأن ما أطلقنا عليه " ثقل لفظي " في الأولى لو جيء بالأصل.
زال هنا في هذه الآية لسكون ما قبل همزة المصدر المكسورة.
ثانياً: لأنه لو قال: " خروجاً " بدل (إخراجاً ". والخروج مصدر خرخ
اللازم لأشعر ذلك - ولو في الوهم - أن الناس مختارون لخروجهم من المقابر
خارجون بقدرتهم.
وهذا الفهم لا يستقيم مع المقام.
وإنما لم يراع هذا الوجه فى الأولى لأن النبات
لا تُتصور له إرادة محضة.
ومنه كذلك حذف الياء من قوله
стр. 549
تعالى حكاية عن الخضر ﵇: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) .
وقوله سبحانه: (والليْلِ إذا يَسْرِ) .
فقد جاء حذف الياء فى الموضعين واجتزئ عنهما بالكسرة وبهذا يتضع ضعف ما ذهب إليه ابن الأثير.
الثاني - الاكتفاء:
وهو ما يقتضي المقام فيه ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفى بأحدهما
عن الآخر لنكتة ويختص غالباً بالارتباط العطفى كقوله تعالى:
(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) . أي والبرد.
وفي تخصيص الحر بالذكر دون البرد قيلَ:
لأنَ الخطاب أصلاً كان للعرب وهم في بلاد حارة.
فذكر ما هو أهم وهذا أوجه ما قيل في توجيه الآية.
وقوله تعالى: (بيَدكَ الخَيْرُ) . أي والشر، وذكر الخير دون الشر
لرغبة الناس فيه. أو لأنَه أكثر وجوداً من الشر.
ذكر الرأيين السيوطي فى المعترك أيضاً.
ومن أمثلته أيضاً الآيات الآتية: (وَلهُ مَا سَكَنَ فِى الليْلِ وَالنهَارِ) .
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصلاَةَ) .
والتقدير في الأولى: وما تحرك.
وخص السكون لأنه الأصل.
والتقدير فى الثانية: والشهادة، وخص الغيب بالذكر لأنه أدخل في باب المدح. ولاستلزامه الإيمان بالشهادة
وهناك أمثلة كثيرة لهذا النوع فلنكتف بما ذكرناه.
стр. 550
الثالث - الاحتباك:
وهو أن يحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، ومن الثاني ما ثبت نظيره فى
الأول.
ويطلق عليه الزركشي: " الحذف المقابلي " فيقول: " هو أن يجتمع في الكلام
متقابلان. فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ".
ومبنى هذه التسمية من الحبك. وهو الشد والإحكام وتحسين أثر الصنعة فى
الثوب، فحبك الثوب شد ما بين خيوطه بحيث يمنع عنه الخلل وأصله من
قولهم: " بعير محبوك العرى: أي محكمها، والاحتباك شد الإزار.
فكأن هذا النوع من الحذف يُكسب الكلام قوة وزينة.
القوة من حيث استيفاء الأقسام، والزينة من حيث الحذف المتناظر.
ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى:
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) .
والتقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق. والذي ينعق به.
فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الذي ينعق عليه.
ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة الذين كفروا عليه.
ومن أمثلته قوله تعالى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) .
والتقدير: تدخل غير بيضاء. وأخرجها تخرج بيضاء.
فحذف من الأول: تدخل بيضاء ومن الثاني: وأخرجها.
ومنه قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
стр. 551
والتقدير: يعذب المنافقين فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم، وهذا فن بديع فيه روعة وخلابة.
قال السيوطي: ومن لطيفه قوله تعالى: (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) . أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الَله. وأخرَى كافرةَ
تقاتل في سبيل الطاغوت.
قال الكرماني: " وله في القرآن نظائر وهو أبلغ ما يكون من الكلام "
حكاه عنه السيوطي في المعترك.
وأنت ترى أن هذا الأسلوب شبيه بالميزان الدقيق الحساس. .
فما أحرى أن يسمى به.
الرابع - الاختزال:
وهو ما ليس واحد مما سبق. والمحذوف فيه إما اسم أو فعل أو حرف أو أكثر.
والأظهر أن يسمى " الحذف العام " لأنه لا يمكن التفرقة بينه وبين الأقسام
الثلاثة المتقدمة لا من حيث المحذوف. ولا من حيث كيفية الحذف.
فأمثلته - إذن - هي ما تقدم لأنه يشمل حذف المضاف والمضاف إليه. والصفة والموصوف والفعل وهكذا.
ومن أمثلته قوله تعالى: (الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) ، أي حج أشهر.
وقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَليْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) أي نكاح أمهاتكم.
وقوله تعالى: (لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ الممَاتِ) أي ضعف
عذاب.
وقوله تعالى: (للهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) أي من قبل الغلب
ومن بعده.
стр. 552
وقوله تعالى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) . . أي فضرب
فانفلق. .
وهكذا. . فأنت ترى أن ما سموه من الحذف بالاختزال شامل لجميع الأقسام
على ما بيَّناه فليس له من نصيب إلا التسمية.
*
* والخلاصة:
صاحبنا القرآن الحكيم في هذا الفصل في بعض مواطن الحذف فيه.
والذى يدعوه البلاغيون: " أحد مظاهر الإيجاز ":
وهو أن يكون المعنى المفهوم من اللفظ أكثر من الألفاظ التي استُعملت فيه. وهذه فضيلة واحدة عامة من فضائل الحذف في القرآن - أعنى الإيجاز المذكور - وليس الحذف القرآني
ينتهى عند هذه الفضيلة المسماة بالإيجاز. بل له فضائل بيانية أخرى تكاد
تتعدد بتعدد مواضع وروده.
و خصائص الحذف القرآني - فيما أرى - يمكن
تلخيصها في الآتى:
* خصائص الحذف القرآني:
أولاً: سلامته من الإجحاف بالمعنى والخلل في الأسلوب فكل حذف فيه
يحكمه أمران:
(أ) دليل قوى يعين على تصوره وقد يعينه تعييناً أحياناً. وكل منهما -
أى التصور والتعيين - بليغ في موضعه.
ففى قوله تعالى حكاية عن يعقوب ﵇: (فَصَبْرٌ جَميلٌ)
يحصل تصور المحذوف دون تعيينه.
فيجوز أن يقدر التركيب علىَ هذا الوجه: فأمري صبر جميل، ويجوز أن يكون: فصبر جميل أمثل، وفي هذا تكثير للفائدة.
وفي قوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ) .
يمكن تعيين المحذوف، والتقدير لا محالة: فضرب فانفجرت.
стр. 553
وقد أفاد هذا الحذف مع الإيجاز سرعة حصول الانفجار والسرعة هنا
مطلوبة لأن المقام مقام طلب للنجاة من فرعون وقومه. .
وقد كرر هذا المعنى فى قوله تعالى: (أنِ اضْرِب بِعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلقَ) . فاتحد الموضعان فى الحذف والغرض.
ْويمكن أن نفهم من هذين الموضعين - فوق فضيلة الإيجاز، وفوق معنى
السرعة - معنى ثالثاً لم أجد أحداً قد نص عليه.
وهو أن الحذف يشير فيهما إلى سرعة امتثال موسى ﵇ لأمر ربه.
حتى إن الزمن بين تلقيه الأمر وتنفيذه لا يكاد يُذكر لقصره وذلك يكشف لنا - أيضاً - أن موسى ﵇ كان متلهفاً لا يشير عليه به ربه في التصرف أمام الأزمات.
(ب) الداعي البلاغي الذي دعا إلى الحذف، وهذا الداعي على ما وضع
فيه البلاغيون من بحوث قيمة وثرية.
ما زال مورداً بِكراً في القرآن الكريم.
فالباحث في مواضع الحذف في القرآن واجد جديداً لم يشر إليه القوم
وقد بان لنا - نحن - في غضون هذا الفصل نصيب من ذلك الجديد.
مثل ما ذكرناه فى توجيه الحذف في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف:
(تَالله تَفْتَؤأْ تَذكُرُ يُوسُفَ) . من أن الحذف كان لضيق المقام،
ومثل ما ذكرَناه من توجيه الحذف في قوله تعالى حكاية عن المشركين:
(أهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولاً) .
حيث أرجعنا حذف عائد الصلة إلى أمر نفسي هو كراهية إيقاع
الفعل المفيد لإثبات الرسالة للنبى ﷺ على ضميره. لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه. . والبلاغيون يعدون الحذف فيه من مجرد الاختصار.
стр. 554
وقوله تعالى: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) . حيث أرجعنا الحذف فيه إلى
عامل نفسي كذلك هو الرهبة والإجلال والطمع في غير مطمع.
والبلاغيون يعدونه - كذلك - من مجرد الاختصار.
ومثل ما ذكرناه من توجيه الحذف في قوله تعالى: (مَا وَدعَكَ رَبكَ
وَمَا قَلى) . من أن حذف المفعول فيه كراهية مواجهة النبي ﷺ بأنه موضع قلى من الله. . أو للإشعَار بمنزلته عند الله
فلذلك لم يوقع على ضميره فعل مكَروه، والمجال - بعد - مفتوح أمام النظر العميق الفاحص. وهذا مورد لا ينضب.
ثانياً: أن كل موضع حُذفَ فيه منه شيء فالحذف فيه أبلغ من الذِكر من حيث المعنى فليس في القرآن حذف ألبس أو أخل كقول الشاعر:
والعَيشُ خَيْرٌ فِى ظِلالِ. . . النَوْكِ مِمنَ عَاشَ كَدَّا
حيث حذف فألبس وأخل، وظل لفظه دون معناه.
لأن مراده العيش الناعم ولذلك عابره وحكموا بقصوره.
* *
* شهادة عدلين:
وأكاد أجزم أن عبد القاهر حينما قال: " ما من اسم حُذفَ في الحالة التى
ينبفى أن يُحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره ".
إنما كان يعني الحذف في القرآن على أن يُحمل كلامه على جميع صور
الحذف، سواء أكان المحذوف اسماً، أو فعلاً، أو حرفاً، أو جملة، أو أكثر
من جملة.
стр. 555
ونختم هذا الفصل بشهادة أديب ذوَّاق، وناقد فاحص:
" إن القرآن حين يحذف فيه ما يحذف من مشاهد وأحداث يحمل السامع
أو القارئ على المشاركة في بناء ما يمكن أن يقص. تنشيطاً لخياله، وتحريكاً
لوجدانه، فيظل - أبداً - مأسوراً لما يسمع أو يقرأ.
ماضياً على هوى نفسه.
وقد استمتعت نفسه بكل مزايا الفن الجميل. مؤمناً بما يهدف إليه القصص
القرآني من مُثل عليا وآداب رفيعة. وذلك لأن القرآن يحيل الجمال الفني أداة للتأثير الوجدانى. فخاطب حاسة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية " (١) .
هذا النص الموفق، وإن كان خاصاً من حيث قصد كاتبه بالقصص القرآني
ينطبق على مظاهر الحذف في القرآن جميعها. فلكل حذف فيه نصيب.
* * *
стр. 556
الفصل الثاني
من أسرار التقديم في القرآن الكريم
التقديم - بعامة - سمة أسلوبية لها عظيم الأثر في روعة الأسلوب وإبرازه
فى صورة حكيمة من الوفاء بالمعاني ومطابقتها لمقتضى الحال، سواء أكانت
هذه الحال ملاحظاً فيها جانب المخاطبين، أو جانب المخاطب.
وهو من أقدر الفنون على كشف خبايا النفوس وسبر غورها.
ويطوع المعاني للاعتبارات المناسبة التي يراها البليغ حرية بالكلام.
وقد أولاه علماء البلاغة عناية فائقة باعتباره أحد أصول علم المعاني الذي به
تعرف أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال.
أو هو - كما يقول السكاكي: " تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة
وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى
تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره ".
ودراستنا للتقديم في القرآن الكريم نمارسها - بعد - من خلال دراسة أربعة
مناهج وضعها العلماء وهم يعالجون هذا الفن " التقديم " وهذه المناهج الأربعة
هي:
стр. 557
الأول: منهج البلاغيين ابتداءً من عبد القاهر الجرجاني، حتى الخطيب
القزويني.
الثاني: منهج شمس الدين بن الصائغ الحنفي.
الثالث: منهج ضياء الدين بن الأثير.
الرابع: منهج المفسرين متمثلاً في العلامة أبى السعود. والإمام الزمخشري.
أولاً - منهج البلاغيين
الذي ينظر في منهج علماء البلاغة يجد طريقتهم في التقديم تعتمد على
العناصر الآتية:
(أ) حقيقة التقديم.
(ب) أغراض التقديم.
(ب) أقسام التقديم وموضوعاته.
والعنصران الثاني والثالث هما المسيطران على منهجهم.
فأغراض التقديم هي الدواعى والأسباب التي ترجح تقديم المقدم على تأخيره. وهذه الأغراض عندهم نوعان:
أغراض عامة كالاهتمام بالمقدَّم. وأغراض خاصة كإرادة التخصيص.
أما أنواع التقديم أو أقسامه. فإنها عندهم نوعان كذلك:
(أ) تقديم على نية التأخير، كتقديم الخبر على المبتداً، وتقديم المفعول
على الفاعل أو الفعل.
(ب) تقديم لا على نية التأخير كتقديم المبتدأ على الخبر وتقديم الفعل على
الفاعل.
стр. 558
وقد عارض الزمخشري - كما نقل عنه صاحب المطول - على اعتبار هذا
النوع من التقديم فقال: " إنما يقال مقدم ومؤخر للمزال لا للقار في مكانه "
ورد هذا الاعتراض بأن المراد بتقديمه الإتيان به مقدماً.
وهذا التقسيم نص عليه عبد القاهر في الدلائل وتابعه البلاغيون من
بعده.
والحق أن الزمخشري له دليل قوى فيما تمسك به. وإن كان يؤخذ عليه
ما أجاب به البلاغيون، لأنه اعتبار دقيق ما كان ليفوت الزمخشري وهو من
أبرز ذوَّاقي الأساليب.
أما موضوعات التقديم. فهى لا تخرج - عندهم - عن الأحوال الآتية:
١ - تقديم المسند إليه، وهو - هنا - خصوص المبتدأ.
أما نظيره " الفاعل " فليس له نصيب في هذا البحث، لأنه لو قُدم على فعله لأصبح مبتدأ وزال عنه معنى الفاعلية وتحولت إلى ضميره.
ويصبح التركيب - حينئذ - أصيلاً لا تقديم ولا تأخير فيه.
٢ - تقديم المسند، وهو - هنا - خصوص الخبر غير الفعلي.
لأن الخبر الفعلي لو قُدم لصار المبتدأ فاعلاً، ولحصلنا على نمط من التركيب مغاير تماماً لما حُوَل عنه.
فمثل: الصدق ينفع، لو قدمنا فيه الخبر - وهو فعلي - لأصبح
التركيب: ينفع الصدق. ولما بان - إذن - أن في الكلام تقديماً.
٣ - تقديم المتعلقات على عواملها، أو تقديم بعضها على بعض، كالمفعول
به على الفعل وكالظرف والجار والمجرور، وكالحال والتمييز، وكتقديم التوابع بعضها على بعض. عند هذا الحد تقف بحوث البلاغيين في التقديم، وقد كشفوا عن أسراره فيها وتباينت وجهات نظرهم في بعض الفروع.
стр. 559
ونوجز فيما يأتي خلاصة منهجهم في الموضوعات الثلاثة الآتية:
أولاً - أسرار تقديم المسند إليه:
يُقدم المسند إليه لأغراض مختلفة، وكان الأقدمون - قبل عبد القاهر
الجرجاني - يرجعون تقديم المسند إليه إلى غرض واحد عام، هو الاهتمام
والعناية. ويفسرون بذلك كل تقديم وقد أشار إلى ذلك سيبويه.
ولم يرتض عبد القاهر هذا التفسير العام، لأن الاهتمام والعناية من الظواهر التي تحتاج إلى تعليل وكشف عن دواعيهما.
وبهذا فتح عبد القاهر المجال أمام النظر بهذا التنبيه، وقد تلمس هو نفسه
فى كتابه " الدلائل " أسبابًا أعمق، وأسراراً أدق.
وقد أسفرت البحوث بعده عن الأسرار الآتية التي يقدم من أجلها المقدم - المسند إليه - هنا.
١ - التقديم للعناية والاهتمام: أشار الخطيب إلى شرح كونه أهم، كما
يقول صاحب المطول. وقبله السكاكي. والطريقة فيه أنه يُقدم لكون ذكره
إما لأنه الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، فإذا وُجدَ مقتض لتقديم المسند
أهمل تقديم المسند إليه، كما إذا أريد قصر المسند إليه على المسند،
أو التشويق إلى المسند إليه وذلك يقتضي تأخيره إذا كان في المسند ما يثير هذا
التشويق. أو غير ذلك من الأسباب.
لأن التقديم للأصالة ضعيف يراعى إذا لم يعارض بسبب آخر أقوى منه.
٢ - وإما ليتمكن الخبر في ذهن السامع لأن في المبتدأ - كذلك - تشويقاً
إليه إما لغرابة صلته إن كان موصولاً، كقول أبى العلاء:
وَالَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ. . . حَيوانٌ مُسْتَحدَث مِنْ جَمَادٍ
стр. 560
فإن الحيرة في جانب المسند إليه تشويق إلى معرفة مَن وقعت عليه، وتعلقت
به وهو المسند. وهذا يُمكَن الخبر في الذهن حيث قد هُيِئَ له، وأثير الشعور
نحوه.
وإما لغرابة صفته إن كان موصوفاً. كالتصرف في المثال السابق: الشيء
الجالب للحيرة حيوان مستحدث من جماد.
وإما لكونه ضمير شأن أو قصة. كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) .
وقوله: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ) . لأن ضمير الشأن والقصة - بما
فيهما من الإبهام - يشوقان السامع إلى البيان الذي يتكفل به المسند وذلك من دواعي التمكنِ.
٣، ٤ - وإما لتعجيل المسرة أو المساءة كقولك: سعيد في دارك.
والسفاح فى دار صديقك.
٥ - وإما لإيهام أنه لا يزول عن الخاطر، فهو إلى الذكر أقرب.
وذلك الإيهام إما لكونه مطلوباً في نفسه كقول الجائع العطشان:
الرَغيف والماء أجمل ما تحت السماء، وإما لكونه مستلذاً استلذاذاً حسياً كقول جميل:
بُثَيْنَةُ مَا فِيهَا إذا ما تُبُصِّرَتْ. . . مَعَابٌ وَلاَ فِيهَا إذا نُسبَتْ أشَبُ
أى هي الوسيمة الأصيلة فالتقديم لما ذكرناه.
٦، ٧ - وإما للمبادرة إلى إظهار تعظيمه أو تحقيره إذا كان اللفظ مشعِراً
بهما - إما بذاته - وقد مثلوا لهما بأمثلة مصنوعة.
وفي القرآن ما يغنيهم عن هذه الصناعة.
كقوله تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) .
стр. 561
واللفظ - هنا - مشعر بالعظمة بذاته، وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) .
هذا في التعظيم.
أما في التحقير فيمكن الاستشهاد عليه بقوله تعالى:
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) .
واللفظ - هناَ - مشعر بالتَحقير بذاته.
وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى: (إن كَيْدَ الشيْطانِ كَانَ ضَعِيفاً) .
وقد نَصن السكاكي على موضعنِ آخرين، أحدهما:
٨ - أن يكون كونه متصفاً بالخبر هو المطلوب لا نفس الخبر. كما إذا قيل:
كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب.
وقد عَدَّ بعض المحدَثين هذا الموضع تحت ضابط: طرافة حصول المسند من
المسند إليه لأن الزاهد من شأنه التقوى والورع، فكونه شارباً طروباً مخالف
لا ينبغي.
وثانيهما:
٩ - أن يكون متضمناً لاستفهام مثل: أيهم منطلق؟
لأن أدوات الاستفهام لها الصدارة.
١٠، ١١ - التقديم لإفادة التخصيص أو التقوى. وفي ذلك مذهبان،
أحدهما لعبد القاهر الجرجاني، والثاني لأبى يعقوب يوسف السكاكي.
стр. 562
أولاً - مذهب عبد القاهر:
وهو يتلخص في الاعتبارات الآتية:
١ - إذا تقدم المسند إليه على خبره الفعلي، وقد ولى حرف النفي، فإنه
يفيد قصر نفى الخبر عليه وجهاً واحداً، سواء أكان المسند إليه معرفاً أو منكراً، مُظهَراً أو مُضمَراً.
٢ - أما إذا كان المسند إليه غير والٍ لحرف النفي، وكان خبره أيضاً فعلياً،
ولم يكن المسند إليه نكرة سواء أكان الخبر مثبتاً أو منفياً.
فإنه يأتي - أحياناً - للتخصيص إن كان للمخاطب حكم على خلاف حكمك.
ويفيد التقوى - فحسب - إن لم يكن له ذلك الحكم المخالف لا تقول.
والمرجع في ذلك للمقامات وقرائن الأحوال.
٣ - فإن كان نكرة، والحال أن خبره فعلي مثبت أو منفى، ولم يل المسند
إليه حرف النفي فإنه يفيد التخصيص قطعاً. إلا أنه يتنوع إلى نوعين:
(أ) تخصيص الجنس.
(ب) تخصيص الواحد من الجنس (العدد) .
وتوضيح ذلك بالأمثلة:
ما أنا قلت - هذا ما محمد قال هذا - ما رجل قال هذا. . في هذه الأمثلة
الثلاثة قُدم المسند إليه الذي خبره فعلي والياً - أي المسند إليه - حرف النفي، وهو معرف في المثالين الأولين مضمر في أحدهما، ومظهر في الثاني، ونكرة
فى الثالث.
وقد مثَّل عبد القاهر لهذا النوع بقول المتنبي:
وَمَا أنَا أسْقَمْتُ جِسْمِى بِهِ. . . وَمَا أنَا أضْرَمْتُ فِى القَلبِ نَاراً
стр. 563
ويرتب عبد القاهر على هذه القواعد أمرين:
أولاً: أنه يصح لك أن تقول: ما قلتُ هذا، ولا قاله أحد من الناس.
ولا يصح ذلك في الوجه الآخر.
فلو قلت: ما أنا قلت هذا. ولا قاله أحد من الناس، كان خلفاً من القول.
وكان في التنافض بمنزلة أن تقول: لست الضارب زيداً أمس.
فتثبت أنه قد ضُرِب ثم تقول من بعده: وما ضربه أحد من الناس.
ثانياً: إنك تقول: ما ضربتُ إلا زيداً، فيكون كلامك مستقيماً،
ولو قلت: ما أنا ضربت إلا زيداً، كان لغواً من القول.
وذلك لأن نقض النفي بـ " إلا " يقتضي أن تكون ضربت زيداً.
وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفى
أن تكون ضريته فهما يتدافعان فاعرفه.
*
* معارضة:
وعارض الخطيب هذا التعليل الذي شرحه عبد القاهر من حيث أن إيلاء
الضمير حرف النفي يقتضي ألا يكون ضربه. لكنه لم يذكر - أي الخطيب -
لماذا لم يسلم بقول عبد القاهر.
ورد السعد على اعتراض الخطيب بقوله: " إن تقديم المسد إليه، وإيلاءه
حرف النفي إنما يكون إذا كان الفعل المذكور ثابتاً متحققاً بينهما.
وإنما المناظرة فى فاعله فقط ".
٤ - أما إذا لم يل المشد إليه حرف النفي، والخبر - كذلك فعلي - مثبت
أو منفى فإنه يفيد القصر تارة، إذا كان للسامع حكم خلاف ما أنت تقول
стр. 564
كقولك: أنا كتبت في معنى فلان. قلباً أو إفراداً أو تعييناً - حسب حالة
السامع - ويؤكد الإفرادى بـ " وحدي "، والقلبى بـ " لا غيري ".
فإن لم يكن للسامع حكم خلاف ما أنت تقول، فإنه لا يفيد إلا التقوى.
* *
* مبنى إفادة التقوي:
وطريق إفاد التقوي في هذا النوع فيه رأيان:
فالخطيب والجمهور يقولون: إنه راجع إلى تكرار الإسناد، وهذا واضح
إذ الخبر فيه مسند إلى المبتدأ مرتين.
مرة من حيث أنه خبره. ومرة من حيث إنه فعل مسند إلى ضميره
وهذا رأي وجيه كما ترى.
وعبد القاهر يرى أنه راجع إلى أن تقديم المحدَّث عنه يفيد تنبيه السامع
لقصده بالحديث قبل إيراد الحديث تحقيقاً للأمر، وتأكيداً له.
والفرق بين الرأيين - بعد اتفاقهما في إفادة التقوية - أن رأى الخطيب
والجمهور مبنى على قواعد الصناعة النحوية لا غير، أما رأى عبد القاهر
فمبناه الذوق والوجدان المرهف.
وتطبيقاً لهذه الفكرة سرد الإمام عبد القاهر - وتابعه المتأخرون - بعض
النصوص القرآنية وغيرها.
فمن القرآن ذكر الآيات الآتية:
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) .
(وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) .
стр. 565
ويعترف عبد القاهر بأنه استقى مذهبه هذا من سييوبه صاحب الكتاب فيقول:
" وهذا الذي ذكرت من أن تقديم ذكر المحدَّث عنه يفيد التنبيه له.
قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبنى الفعل الناصب له عليه وعدى إلى ضميره فشغل به، كقولنا في: ضربت عبد الله. عبد الله ضربته.
فقال: وإنما قلت عبد الله فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء ".
*
* مرجحات رأي:
ثم يقول: " ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يمتضى تأكيد الخبر
وتحقيقه، أنَّا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء:
١ - فيما سبق فيه إنكار من منكر مثل قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلى الله
الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلمُونَ) .
٢ - وفيما اعترض فيه شك. نحو أن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع
فلان؟ فتقول: أنا أعلم.
٣ - أو في تكذيب مدع. كقوله تعالى: (وَإذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ
دَّخَلواْ بِالكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) .
٤ - أو فيما القياس في مثله ألا يكون كقوله تعالى: (وَاتخَذُواْ من
دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلقُونَ) .
٥ - وفيما يكون على خلاف العادة. كقولك: ألا تعجب من فلان، يدعى
العظيم وهو يعيى باليسير. ويزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء.