Полный текст (956 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
واللفظ - هنا - مشعر بالعظمة بذاته، وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى:
(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) .
هذا في التعظيم.
أما في التحقير فيمكن الاستشهاد عليه بقوله تعالى:
(الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) .
واللفظ - هناَ - مشعر بالتَحقير بذاته.
وأما بالإضافة فمثل قوله تعالى: (إن كَيْدَ الشيْطانِ كَانَ ضَعِيفاً) .
وقد نَصن السكاكي على موضعنِ آخرين، أحدهما:
٨ - أن يكون كونه متصفاً بالخبر هو المطلوب لا نفس الخبر. كما إذا قيل:
كيف الزاهد؟ فتقول: الزاهد يشرب ويطرب.
وقد عَدَّ بعض المحدَثين هذا الموضع تحت ضابط: طرافة حصول المسند من
المسند إليه لأن الزاهد من شأنه التقوى والورع، فكونه شارباً طروباً مخالف
لا ينبغي.
وثانيهما:
٩ - أن يكون متضمناً لاستفهام مثل: أيهم منطلق؟
لأن أدوات الاستفهام لها الصدارة.
١٠، ١١ - التقديم لإفادة التخصيص أو التقوى. وفي ذلك مذهبان،
أحدهما لعبد القاهر الجرجاني، والثاني لأبى يعقوب يوسف السكاكي.
стр. 562
أولاً - مذهب عبد القاهر:
وهو يتلخص في الاعتبارات الآتية:
١ - إذا تقدم المسند إليه على خبره الفعلي، وقد ولى حرف النفي، فإنه
يفيد قصر نفى الخبر عليه وجهاً واحداً، سواء أكان المسند إليه معرفاً أو منكراً، مُظهَراً أو مُضمَراً.
٢ - أما إذا كان المسند إليه غير والٍ لحرف النفي، وكان خبره أيضاً فعلياً،
ولم يكن المسند إليه نكرة سواء أكان الخبر مثبتاً أو منفياً.
فإنه يأتي - أحياناً - للتخصيص إن كان للمخاطب حكم على خلاف حكمك.
ويفيد التقوى - فحسب - إن لم يكن له ذلك الحكم المخالف لا تقول.
والمرجع في ذلك للمقامات وقرائن الأحوال.
٣ - فإن كان نكرة، والحال أن خبره فعلي مثبت أو منفى، ولم يل المسند
إليه حرف النفي فإنه يفيد التخصيص قطعاً. إلا أنه يتنوع إلى نوعين:
(أ) تخصيص الجنس.
(ب) تخصيص الواحد من الجنس (العدد) .
وتوضيح ذلك بالأمثلة:
ما أنا قلت - هذا ما محمد قال هذا - ما رجل قال هذا. . في هذه الأمثلة
الثلاثة قُدم المسند إليه الذي خبره فعلي والياً - أي المسند إليه - حرف النفي، وهو معرف في المثالين الأولين مضمر في أحدهما، ومظهر في الثاني، ونكرة
فى الثالث.
وقد مثَّل عبد القاهر لهذا النوع بقول المتنبي:
وَمَا أنَا أسْقَمْتُ جِسْمِى بِهِ. . . وَمَا أنَا أضْرَمْتُ فِى القَلبِ نَاراً
стр. 563
ويرتب عبد القاهر على هذه القواعد أمرين:
أولاً: أنه يصح لك أن تقول: ما قلتُ هذا، ولا قاله أحد من الناس.
ولا يصح ذلك في الوجه الآخر.
فلو قلت: ما أنا قلت هذا. ولا قاله أحد من الناس، كان خلفاً من القول.
وكان في التنافض بمنزلة أن تقول: لست الضارب زيداً أمس.
فتثبت أنه قد ضُرِب ثم تقول من بعده: وما ضربه أحد من الناس.
ثانياً: إنك تقول: ما ضربتُ إلا زيداً، فيكون كلامك مستقيماً،
ولو قلت: ما أنا ضربت إلا زيداً، كان لغواً من القول.
وذلك لأن نقض النفي بـ " إلا " يقتضي أن تكون ضربت زيداً.
وتقديمك ضميرك وإيلاؤه حرف النفي يقتضي نفى
أن تكون ضريته فهما يتدافعان فاعرفه.
*
* معارضة:
وعارض الخطيب هذا التعليل الذي شرحه عبد القاهر من حيث أن إيلاء
الضمير حرف النفي يقتضي ألا يكون ضربه. لكنه لم يذكر - أي الخطيب -
لماذا لم يسلم بقول عبد القاهر.
ورد السعد على اعتراض الخطيب بقوله: " إن تقديم المسد إليه، وإيلاءه
حرف النفي إنما يكون إذا كان الفعل المذكور ثابتاً متحققاً بينهما.
وإنما المناظرة فى فاعله فقط ".
٤ - أما إذا لم يل المشد إليه حرف النفي، والخبر - كذلك فعلي - مثبت
أو منفى فإنه يفيد القصر تارة، إذا كان للسامع حكم خلاف ما أنت تقول
стр. 564
كقولك: أنا كتبت في معنى فلان. قلباً أو إفراداً أو تعييناً - حسب حالة
السامع - ويؤكد الإفرادى بـ " وحدي "، والقلبى بـ " لا غيري ".
فإن لم يكن للسامع حكم خلاف ما أنت تقول، فإنه لا يفيد إلا التقوى.
* *
* مبنى إفادة التقوي:
وطريق إفاد التقوي في هذا النوع فيه رأيان:
فالخطيب والجمهور يقولون: إنه راجع إلى تكرار الإسناد، وهذا واضح
إذ الخبر فيه مسند إلى المبتدأ مرتين.
مرة من حيث أنه خبره. ومرة من حيث إنه فعل مسند إلى ضميره
وهذا رأي وجيه كما ترى.
وعبد القاهر يرى أنه راجع إلى أن تقديم المحدَّث عنه يفيد تنبيه السامع
لقصده بالحديث قبل إيراد الحديث تحقيقاً للأمر، وتأكيداً له.
والفرق بين الرأيين - بعد اتفاقهما في إفادة التقوية - أن رأى الخطيب
والجمهور مبنى على قواعد الصناعة النحوية لا غير، أما رأى عبد القاهر
فمبناه الذوق والوجدان المرهف.
وتطبيقاً لهذه الفكرة سرد الإمام عبد القاهر - وتابعه المتأخرون - بعض
النصوص القرآنية وغيرها.
فمن القرآن ذكر الآيات الآتية:
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) .
(وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) .
стр. 565
ويعترف عبد القاهر بأنه استقى مذهبه هذا من سييوبه صاحب الكتاب فيقول:
" وهذا الذي ذكرت من أن تقديم ذكر المحدَّث عنه يفيد التنبيه له.
قد ذكره صاحب الكتاب في المفعول إذا قدم فرفع بالابتداء، وبنى الفعل الناصب له عليه وعدى إلى ضميره فشغل به، كقولنا في: ضربت عبد الله. عبد الله ضربته.
فقال: وإنما قلت عبد الله فنبهته له، ثم بنيت عليه الفعل ورفعته بالابتداء ".
*
* مرجحات رأي:
ثم يقول: " ويشهد لما قلنا من أن تقديم المحدث عنه يمتضى تأكيد الخبر
وتحقيقه، أنَّا إذا تأملنا وجدنا هذا الضرب من الكلام يجيء:
١ - فيما سبق فيه إنكار من منكر مثل قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلى الله
الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلمُونَ) .
٢ - وفيما اعترض فيه شك. نحو أن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع
فلان؟ فتقول: أنا أعلم.
٣ - أو في تكذيب مدع. كقوله تعالى: (وَإذَا جَاءُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَقَدْ
دَّخَلواْ بِالكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ) .
٤ - أو فيما القياس في مثله ألا يكون كقوله تعالى: (وَاتخَذُواْ من
دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلقُونَ) .
٥ - وفيما يكون على خلاف العادة. كقولك: ألا تعجب من فلان، يدعى
العظيم وهو يعيى باليسير. ويزعم أنه شجاع وهو يفزع من أدنى شيء.
стр. 566
٦ - وفي الوعد والضمان، وهو فيها حسن كثير، تقول للرجل: أنا أعطيك.
أنا أكفيك. . لأن الموعود والمضمون له في حاجة إلى التأكيد.
٧ - ويكثر - كذلك - في المدح كقوله الشاعر يفخر:
نَحْنُ فِى المشْتَاة نَدْعُو الجَفْلى. . . لاَ تَرَى الآدَبُ مِنا يَنْتَقْر
ويرى عبد القاهر أن بعض المواضع لا يصلح فيها إلا هذا النوع من التعبير
فهو فيها ألزم. وذلك إذا وقع الفعل المضارع بعد واو الحال.
كقول الشاعر:
تَمَزَزْتُهَا وَالدِّيكُ يَدْعُو صَبَاحَهُ. . . إذَا مَا بَنُو نَعْشٍ دَنبوا فَتَصَوبوا
فلا يصح - عنده - أن تقول: رأيته ويكتب، ودخلت عليه ويمل الحديث،
وتمززتها ويدعو صباحه، فإنه ليس بشيء. والملحظ هنا ذوقي.
ومما لا يصلح فيه إلا هذا النوع من التعبير قوله تعالى:
(إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) .
وقوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) .
وقوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) .
قال بعد ذكر هذه النصوص: " فإنه لا يخفى على مَن له ذوق أنه لو جيء
بذلك والفعل غير مبنى على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى وقد زال عن
صورته، والحال التي ينبغي أن يكون عليها ".
стр. 567
وعبد القاهر في تقديره هذه المسألة، التي لم يُسْبَق إليها كان على جانب كبير
من تذوق البلاغة الرفيعة، والتي تسمو فوق توجيهات القواعد، إنها بلاغة
الجمال الفني والذوق المصفى. والإحساس السليم.
* *
* التقديم والتأخير في الفعل المنفي:
يطبق عبد القاهر فكرته التي حرر القول فيها في الفعل المثبت في الفعل
المنفي كذلك. فهما فيها سواء قال: " واعلم أن هذا الصنيع يقتضي فى
الفعل المنفى، ما اقتضاه في الفعل المثبت فإن قلت: أنت لا تحسن هذا. كان
أشد لنفي إحسان ذلك عنه من أن تقول: لا تحسن هذا. ويكون الكلام فى
الأول مع مَن هو أشد إعجاباً بنفسه، وأعرض دعوى في أنه يحسن.
حتى إنك لو أتيت بـ " أنت " فيما بعد " تحسن " فقلت:
لا تحسن أنت، لم يكن له تلك القوة، وكذلك قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) .
يفيد من التأكيد في نفى الإشراك عنهم مما لو قيل: الذين لا يشركون بربهم.
أو: بربهم لا يشركون. ولم يفد ذلك ".
هذا في المعرفة. أما الفكرة فإنها تفيد التخصيص الجنسى أو العددى.
فنحو: رجل جاءنى. يحتمل أن يكون الجائي امرأة فيكون لقصر الجنس،
أو رجلين، فيكون لقصر العدد قلباً أو إفراداً أو تعييناً. .
هذه خلاصة رأى عبد القاهر في إفادة تقديم المسند إليه التخصيص أو التقوي
حرصنا أن نعرضها بعيداً عن تعليقات أصحاب الشروح والحواشي إلا فيما خف لأن الذوق وحده هو الذي يحكم على هذا المذهب الجزل والمورد العذب والإحساس الرقيق.
стр. 568
ثانياً - مذهب السكاكي:
يضع السكاكي لإفادة تقديم المسند إليه التخصيص شرطين:
١ - أن يجوز تقدير كونه في الأصل مؤخراً. بأن يكون فاعلاً في المعنى مثل
قولك: أنا قمت. فإنه يجوز تقدير أصله: قمت أنا، على أن يكون " أنا "
تأكيداً للفاعل الذي هو " التاء " في " قمت ". فقدم وجعل مبتدأ.
٢ - أن يقدر كونه كذلك. فإن انتفى الشرط الأول، وهو جواز تقديره
مؤخراً على أن يكون فاعلاً في المعنى دون اللفظ، ولم يلاحظ في الكلام تقديم
ولا تأخير أو انتفى الشرط بأن كان المسند إليه اسماً ظاهراً، فإنه لا يفيد
إلا تقوى الحكم.
وفرق بين النكرة والمعرفة بأن النكرة لو لم يُقذر فيها ذلك لامتنع تخصيصه
إذ لا سبب له سواه. ولو امتنع تخصيصه لم يقع مبتدأ. بخلاف المعرَّف لوجود
شرط الابتداء فيه وهو التعريف.
والمثال: رجل جاءنى صالح. لإفادة تصر الأفراد، أي: لا رجلان ولا رجال.
وقصر الجنس، أي: لا امرأة.
وشرط إفادة النكرة التخصيص ألا يمنع منه مانع.
وهو يضع هذا القيد ليمنع ما رأى عبد القاهر أن فيه تخصيصاً، وهو خصوص المثال الذي يقول: شر أهر ذا ناب، إذ لا يجوز عنده أن يكون المعنى: الهر شر لا خير، ولا المهر شران لا شر.
وحين رأى إطباق العلماء على إفادة المثال المذكور التخصيص، التمس له
وجهاً آخر هو أن التخصيص فيه نوعى. أي: شر عظيم أهر ذا ناب.
وبذلك أصبح شرطه: " ألا يمنع من التخصيص مانع " لا محصل له.
* *
стр. 569
* مقارنة:
المقارنة بين هذين المذهبين تُسفر عما يأتي:
١ - عبد القاهر يجعل أهمية خاصة لإيلاء المسند إليه حرف النفي في إفادة
التخصيص بل المدار عنده على هذا الإيلاء بينما يهدر السكاكي هذا الشرط
كلية.
٢ - عبد القاهر يرى أن العرف إذا لم يقع بعد النفي وخبره فعلي مثبت
أو منفي فإنه يفيد الاختصاص، مضمراً أو مظهراً، وكلام السكاكي صريح فى أنه لا يفيده إلا المضمر.
٣ - عبد القاهر لا يرى الاختصاص في المشتقات. والسكاكي يرى ذلك.
*
١٢ - تقديم المسند إليه لإفادة عموم السلب، وعكسه في عكسه:
يُقدم المسند إليه إذا كان لفظ " كل " ومثله ما في معناه: كجميع وعامة.
على أداة السلب ليفيد عموم السلب، وشموله لكل ما أضيف إليه لفظ
" كل " وما جرى مجراه في الدلالة.
فإذا عكست وقدمت أداة السلب على لفظ " كل " انعكس فأفاد سلب
العموم والشمول عما أضيف إليه " كل ".
واقتضى ذلك ثبوت الفعل، ومثله الأوصاف المشتقة لبعض ونفيه عن بعض.
ولا بدَّ - هنا - من مراعاة شروط ثلاثة:
١ - أن يكون المسند إليه مسوراً ب " كل "، أو ما جرى مجراه.
٢ - أن يكون المسند مقروناً بحرف النفي.
стр. 570
٣ - أن يكون المسند إليه بحيث لو أُخر كان فاعلاً في المعنى.
هذا هو مذهب الإمام عبد القاهر.
*
* موقف المتأخرين من هذا الرأي:
لعلماء البلاغة الذين جاءوا بعد الجرجاني والسكاكي رأى في هذا المذهب
ونخص منهم اثنين:
١ - الخطيب القزويني.
وقد عرض هذا الموضوع في صيغة التضعيف فقال:
" قيل: وقد يقدم لأنه دال على العموم. .
ثم أخذ في تحليل المسألة تحليلاً رائعاً.
مستخدماً في ذلك مهارته النقدية.
وقواعد المنطق، وقد انتفع بما كتبه مَن سبقه من العلماء
كبدر الدين بن مالك في المصباح.
٢ - ثم السعد في المطوَّل، ونقد السعد لهذا الموضوع موضوعى وجيه يقول:
" لأنا لا نجده حيث لا يصلح أن يتعلق الفعل ببعض كقوله تعالى:
(إن اللهَ لاَ يُحبُّ كُل مُخْتَالِ فَخُورٍ) ، و (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) ، (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) .
٣ - والسعد يقصد من هذا أن مقتضى ما قاله عبد القاهر أن الله يحب
بعض المختال الكفور، ويحب بعض الكفار الأثيم، وأن الرسول مأذون له أن
يطيع بعض الحلَّاف المهين.
стр. 571
وليس هذا بصالح هنا، ولا هو مقصود. وهذا أكبر خطر يوجه لرأى
عبد القاهر ﵀ في خصوص هذه المسألة.
لكن السعد لم يبطل كل ما قرره عبد القاهر. بل كان رقيقاً معه في الحكم
على مذهبه مع قوة دليل الطعن ووجاهته. . فقال:
" إن الحكم في مثل هذه القاعدة أكثري لا كلي ".
وقد دافع الشيخ البرقوقي في شرح التلخيص عن الشيخ عبد القاهر فقال:
" فإن قلت: ماذا تصنع في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (ثم ذكر الآيتين الأخريين) ؟
وقال: " قد يعدَل عما يدل على عموم السلب إلى ما يفيد سلب العموم. والسلب عام على الحقيقة للتعريض بالمخاطب.
والإيماء إلى أنه شر صنفه. .
فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) .
معناه: إن محبة الله لا تعم الحتالين الفخورين حتى تشمل هؤلاء.
فكأَنه سبحانه يقول: لو أن محبتنا تعلقت بمختال فخور
لما تعلقت بأولئك، لأن مختالهم وفخورهم شر مختال وفخور.
وهكذا يقول في الآيات التي تشبه هذه الآية. وما ظاهره أنه من سلب
العموم، وحقيقته أنه من عموم السلب.
وهذا دفع وجيه، وتخريج مقبول ليس من السهل التقليل من شأنه فرحم الله
العلماء الملهمين.
*
١٣ - تقديم "مثل "و"غير":
لى " مثل " و " غير " وضع خاص في التقديم.
فهما لا يخضعان للمقاييس السابقة التي ترجح التقديم تارة، والتأخير أخرى. بل هما مقدمان دائماً تقديماً
стр. 572
لازماً أو كاللازم.
يقول عبد القاهر: " واستعمال " مثل " و " غير " على هذا السبيل شيء مركوز في الطباع. وهو جار في عادة كل قوم، فأنت الآن إذا
تصفحتَ هذا الكلام وجدَت هذين الاسمين يُقدمان أبداً على الفعل إذا نحى بهما هذا النحو الذي ذكرتُ لك - يريد الكتاية بدون تعريض -
وترى هذا المعنى لا يستقيم فيهما إذا لم يُقدما، ورأيتَ كلاماً مقلوباً عن جهته، ومغيَّراً عن صورته، ورأيتَ اللفظ قد نبا عن معناه، ورأيتَ الطبع يأبى أن يرضاه ".
وهذا القانون الذي يخضع عبد القاهر " مثل " و " غير " تحته يتحقق بألا
يراد ب " مثل "، و " غير "، غير ما أضيفتا إليه - أي أريد بهما الكناية
بدون تعريض. مثل قول المتنبى يعزى عضد الدولة في أمه:
مِثْلُكَ يَثْنِى المزْنَ عَنْ صَوْبِهِ. . . وَيسترِدُّ الذمْعَ عَنْ غَرْبِهِ
وعبد القاهر - كما علمنا - يرجع السر في هذا التقديم إلى الطبع والعُرف
اللغوي، وجاء الخطيب وأشار إلى توجيه عبد القاهر.
ثم أخذ يلتمس وجهاً آخر خلاف ما ذكره عبد القاهر.
وقد تابعه السعد في المطول عند حديثه عن تقديم
" مثل " و " غير "، وخلاصة رأيهما:
قال الخطيب في الإيضاح: " والسر في ذلك أن تقديمهما يفيد تقوى الحكم
كما سبق تقديره - يريد تكرار الإسناد - وأن المطلوب بالكناية في قولنا:
مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، هو الحكم؛ وأن الكناية أبلغ من التصريح فيما قُصِدَ بها فكان تقديمهما أعون للمعنى الذي جلبا لأجله.
стр. 573
ثانياً - أسباب تقديم المسند:
يُقدم المسند على المسند إليه عند البلاغيين للأسباب الآتية:
١ - تخصيصه بالمسند إليه، نحو: (لكُمْ ديِنُكُمْ وَلِىَ ديِنِ) .
ولهذا لم يقُدم الظرف في قوله تعالى: (ذَلكَ الكتَابُ لاَ رَيبَ فيه) .
لئلا يفيد التقديم ثبوت الريب فيما عدا القرآن من كتَب الله المنزلة.
٢ - للتنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا صفة، كقول الشاعر:
لهُ هِمَمٌ لاَ مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا. . . وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى أجلُّ مِنَ البَحْرِ
ومنه قوله سبحانه: (وَلكُمْ فِى الأرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ) .
٣ - للتفاؤل به، كقول الشاعر:
* سَعِدَتْ بِغُرَةِ وَجْهِكَ الأيَّامُ *
وفي هذا المثال نظر حاصله: أن الاستشهاد به إنما يصلح إذا اعتبرنا الأيام
مبتدأ مؤخراً، والجملة قبله خبراً مقدماً. والتقدير: الأيام سعدت بغُرة وجهك.
وهذا الاعتبار ليس بلازم لجواز أن تكون الأيام فاعلاً لـ " سعدت ".
فلا تقديم حينئذ؛ فالأولى بهم أن يمثلوا للتفاؤل بما لا لبس فيه.
٤ - أو التشويق إلى ذكر المسند إليه كقول الشاعر:
ثَلاَثَة تُشْرِقُ الدنْيَا بِبِهَجَتِهَا. . . شمسُ الضحى وَأبُو إسْحقَ والقَمَرُ
стр. 574
وقد وضع السكاكي لهذا الموضع شرطاً قال: " وحق هذا تطويل الكلام فى
المسند وإلا لم يحسن ".
٥ - وزاد السعد في المطول: ومما يقتضي تقديمه - أي المسند - تضمنه
للاستفهام نحو: كيف زيد. أو:
٦ - كونه أهم عند المتكلم. وقد نبَّه السعد على أن الصنف أهمل هذين
النوعين ثم التمس له عذراً.
وتقدم التخصيص يقتضي الاهتمام دائماً بالمقدم.
ولذلك قدروا المحذوف فى قوله تعالى: (بسْم الله) مؤخراً ليصح تقديم الجار والمجرور.
أما تقديم الفعل عليها في قَوله تعالَى:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) .
فقد خرج على وجهين:
أولهما: أن تقديم الفعل - هنا - أولى لكونها أول سورة نزلت وهي تأمر
بالقراءة.
من هنا كان الفعل أولى بالتقديم.
ثانيهما: وهو السكاكي: أن الجار والمجرور (بِاسْمِ رَبِّكَ) متعلق
بـ: (اقْرَأْ) الثانية. ومعنى الأول: أفعل القراء. وأوجَدها.
ولم يرض الخطيب رأى السكاكي، فعقب عليه بقوله: " وهو بعيد "
لكنه لم يبيَن وجه بُعده. ولعله يريد بوجه البُعد طول الفصل بين العامل
والمعمول. إذ بينهما جملتان.
ثالثاً - تقديم بعض المعمولات على بعض:
ومن أسباب هذا التقديم:
١ - أن يكون التقديم - فيما قُدم - هو الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه،
كتقديم الفاعل على المفعول.
وتقديم المفعول الأول على الثاني، لأن في الأول معنى الفاعلية.
стр. 575
أما ترتيب الفاعيل فيما بينها فقيل: الأصل تقديم المفعول المطلق، ثم
المفعول به بلا واسطة حرف الجر، ثم ما كان بواسطة.
ثم المفعول فيه: الزمان فالمكان. ثم المفعول لأجله. ثم المفعول معه، والأصل - كذلك - أن يذكر الحال عقيب صاحبه والتابع عقيب المتبوع من غير فاصل.
وعند اجتماع التوابع فالأصل تقديم النعت ثم التأكيد ثم البدل ثم البيان.
* ملاحظة:
١ - أرى أن هذا الترتيب من باب الفرض والتقدير، لأن الأساليب لا تكاد
تجتمع فيها هذه المعمولات في موضع واحد.
كما أنه يبدو كمنهج القواعد الجافة، والأفضل - بلاغة - أن يخضع التقديم والتأخير فيها لنفس الاعتبارات التي رأوها في المسند إليه والمسند.
٢ - أو لأن ذكره أهم. وذلك حسب اعتناء المتكلم أو السامع.
وهذا الاعتبار يغنى عن الترتيب الذي ذكرناه آنفاً.
وقد مثلوا لذلك بقولهم: " قتل الخارجي فلان "
لأن قتل الخارجى هو الأهم لا مَن قتله.
وكأن يقال: قتل اللصَّ شرطيٌّ فإن خشية الناس من اللص تجعل نبأ قتله عندهم هو المطلوب لا مَن باشر القتل.
٣ - وإما لأن في التأخير إخلالاً بالمعنى. . ومثلوا له بقوله تعالى:
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) .
فلو أخر " مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ " عن " يَكْتُمُ إِيمَانَهُ " لوَقع في الوهم أنه صلة.
فلم يفهم أن ذلك الرجل من آل فرعون وهو المطلوب.
فقد ذكرت الآية للرجل ثلاثة أوصاف. فقدم الإيمان، لأنه أشرفها. .
وأُخر " يَكْتُمُ إِيمَانَهُ " لأن في تقدمه على الثاني خللا بالمعنى وهذا توجيه سديد ليس عليه اعتراض.
стр. 576
٤ - وإما لأن في التأخير إخلالاً بالتناسب.
وقد فسَّروا هذا التناسب برعاية الفواصل، والسجع، وموافقة كلام السامع
ومن أمثلتهم في رعاية الفاصلة قوله تعالى: (فَأوْجَسَ في نَفْسه خيفَةً
موسَى) . حيث جعلوا تقديم الجار والمجرور والمفعول به على الفاعل
" موسى " لرعاية الفواصل. لأنها مبنية على الإلف.
وجعل السكاكي التقديم للعناية مطلقاً. سواء أكان من معمولات الفعل
أو غيره، قسمين:
أحدهما: أن يكون أصل الكلام التقديم، كتقديم المبتدأ المعرف على الخبر،
وتقديم ذي الحال المعرف على الحال، وتقديم العامل على المعمول.
وثانيهما: أن تكون العناية بتقديمه، إما لأنه نصب عينك كتقديم المعمول
على العامل في قولك: وجه الحبيب أتمنى، لمن قال لك: ما الذي تتمنى؟
وتقديم المفعول الثاني على الأول في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) .
على أنهما مفعولا " جعلوا ". فإن ذكر الله.
وذكر وجه الحبيب أهم لأنه في نفسه نصب عينك.
كذلك إذا توهمت أن مخاطبك ملتفت إليه منتظر لذكره، كقوله تعالى:
(وَجَاءَ مِنْ أُقْصَا المدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) .
وكما إذا عرفت أن في التأخير مانعاً كقوله تعالى:
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
حيث قَدمَ الحال من " قومه " عَلىَ الوصفَ " الذين كفروا "
إذَ لو تأخر لتوهم أنه من صلة الدنيا، لأنها هنا اسم تفضيل من الدنو وليست اسماً، والدنو يتعدى بـ " من ".
стр. 577
* مناقشة الخطيب له:
وناقش الخطيب كلام السكاكي بما حاصله:
أولاً: أنه جعل تقديم " لله " على " شركاء " للعناية والاهتمام وليس
كذلك. لأن الآية مسوقة للإنكار التوبيخى. فيمتنع أن يكون تعلق " جعلوا "
بالله منكراً على الإطلاق بل باعتبار تعلقه بـ " شركاء ".
وما قيل فى ب " الله " يقال كذلك في " شركاء "، لأن المنكر
تعلقه بهما لا بأحدهما.
فلا فرق إذن بين التلاوة وعكسها.
فإذا قُدم أحدهما على الآخر فلا يصح تعليل
التقديم بالعناية.
وهذا نقد وجيه نحمده للخطيب.
ومنه ندرك إلى أي مدى كان السكاكي واهماً.
* *
* تقديم المفعول به:
كما عنوا بحذف المفعول به، عنوا بتقديمه كذلك. حتى صارت لهذا المفعول
عندهم منزلة خاصة في بحوثهم.
ويُقدم المفعول به على فعله لثلاثة أغراض:
أولاً: أن يكون لرد الخطأ في التعيين كقولك: فلان عرفت، وهذا المثال
صالح لجميع أغراض القصر. قلباً وإفراداً وتعييناً.
ثانياً: أن يكون لتأكيد الحكم دون قصره. وذلك كقولنا: محمداً أكرمته،
وهذا المثال صالح لاحتمالين:
(أ) أن يفيد التوكيد وجهاً واحداً.
وذلك إذا قُدر المحذوف قبل المنصوب: أكرمت محمداً أكرمته.
(ب) أن يفيد التخصيص لأن المحذوف المقدر كالمذكور إذا قُدِّر المحذوف
بعد المنصوب. فيكون التقدير: محمداً أكرمت أكرمته.
стр. 578
ولهذا جزم السكاكي بإفادة التقديم التخصيص في قوله:
(وَأمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) . فيمن قرأ بنصب " ثمود ".
وذلك لامتناع تقدير المحذوف قبل المنصوب لالتزام النجاة فاصلاً بين " أما " و " الفاء " ولو قُدَِّر كذلك فات ذلك الالتزام ووقع المحظور.
* *
* تقديم المفعول للإنكار:
ثالثاً: أن يكون لإنكار الفعل على معنى: لا ينبغي أن يكون.
وقد أفاض الإمام عبد القاهر في تحليل هذا الموضوع في أسلوب أدبي آسر، قال - وكلامه فى الهمزة: " وقد تكون إذ يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه ".
وبعد أن أورد أمثلة لتقديم الفاعل، شارحاً وموضحاً لمذهبه، يورد كذلك
أمثلة لتقديم المفعول والياً الهمزة فيقول: " ونظير هذا - أي نظير تقديم الفاعل
- قوله تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ) .
أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد أَشياء.
ثم أريد معرِفة عين المحرم، مع أن المراد إنكار التحريم من أصله، ونفى أن
يكون قد حُرِّم شيء بما ذكروا أنه محرم وذلك إن كان الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنه قد كان ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيمَ هو؟
أفى هذا أم ذاك؟ أم في الثالث؟ ليتبين بطلان قولهم، ويظهر مكانَ الفرْيَةِ
منهم على الله ".
وقريب من هذا قوله: " واعلم أن حال المفعول - فيما ذكرنا - كحال الفاعل.
أعنى تقديم الاسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع،
من أن يكون بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل
فإذا قلت: أزيداً تضرب؟
стр. 579
كنت قد أنكرت أن يكون زيد بمثابة أن يُضرب أو بموضع أن يُجترأ عليه. ويستجاز ذلك فيه.
ومن أجل ذلك قدم " غير " في قوله تعالى: (قُلْ أغَيْرَ الله أتخِذُ وَلِيًّا) .
وقوله تعالى: (أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ) .
وكان له من الحسن والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل: أأتخذ غير
الله ولياً؟ . . أتدعون غير الله؟ وذلك لأنه حصل بالتقديم معنى قولك:
أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ ولياً؟
و: أيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟
و: أيكون جهل أجهل وعمى أعمى من ذلك؟
ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: " أأتخذ غير الله ولياً.
وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط ولا يزيد على ذلك فاعرفه ".
وهذا البحث جزء من بحث رائع جداً خطه الإمام عبد القاهر فيما يلي همزة
الاستفهام من فعل أو فاعل أو مفعول أو غيرها.
وحاصل مذهبه - في كل أولئك - أن الهمزة يجب أن يليها المسئول عنه.
والمقرر به من فعل أو اسم.
والمعنى يختلف باختلاف المقدم الوالى لهمزة الاستفهام.
هذا في التصور دون التصديق. لأن أجزاء الجملة في التصديق لا يختص
شيء منها فضل اختصاص بالمعنى حتى يكون تقديمه وإيلاؤه الهمزة واجباً.
هذه خلاصة سريعة لنهج البلاغيين في التقديم.
وقد رأينا أنهم يهتمون بتقديم المسند إليه، والمسند، والمعمولات، ومنها المفعول به. . ولا يزيدون على ذلك.
*
стр. 580
ثانياً: منهج ابن الصائغ في التقديم
ذكر هذا المنهج السيوطي في المعترك، وهو بصدد تقسيم التقديم.
وقد قسمه إلى قسمين:
أحدهما: ما أشكل معناه، بحسب الظاهر، فلما عرف أنه من باب التقديم
والتأخير اتضح. وقد أورد على هذا القسم بعض الأمثلة من القرآن الكريم. ومنها ما حكاه عن ابن أبى حاتم عن قتادة في قوله تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
قال - يعني قتادة -: هذا من تقديم الكلام يقول: " لا تعجبكَ أموالهم ولا أولادهم فى الحياة الدنيا. إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة ".
وحكى عن قتادة - كذلك - أنه قال في قوله تعالى:
(إنِّى مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إليَّ) : هذا من المقدَّم والمؤخر، أي: " رافعك إليَّ ومتوفيك ".
وحكى عن عكرمة أنه قال في قوله تعالى: (لهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ
يَوْمَ الحِسَابِ) : هذا من التقديم والتأخير.
يقول: لهم يوم القيامة عذاب شديد بما نسوا.
ونُسبَ إلى ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال في قوله تعالى:
(فَقَالُواْ أرِنَا الَلهَ جَهْرَةً) ، أي: " إنما قالوا جهرة أرنا الله "
قال ابن جرير: يعني سؤالهم كان جهرة.
كما حكى عن ابن عباس - أيضاً - أنه قال في قوله تعالى:
(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)
الأصل: هواه إلهه. لأن مَن اتخذ الله هواه غير مذموم.
стр. 581
ويبدو أن السيوطي كان مأخوذاً بهذا النوع من التقديم، لأنا نراه يقول معقباً
عليه: " وهذا جدير أن يُفرد بالتصنيف ".
والذي يأخذه الباحث عليهم في هذا القسم، أنهم يكتفون ببيان ما في العبارة
من تقديم، ولم يذكروا وجه وسر ذلك التقديم، ولماذا خولف فيه الأصل. فمثلاً قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) قالوا: إن فيها تقديماً
وتأخيراً. . وهذا صحيح على بعض الآراء.
لكنهم لم يبينوا لماذا قدمت التوفية على الرفع؟
ويمكن التوصل إليه.
والذي أراه أن السر في ذلك: هو أن الرفع إلى الله لما كان موهماً لانتفاء
حلول الموت بعيسى ﵇ لو قُدِّم على التوفية.
أراد الله أن يقطع ذلك الوهم ابتداءً فقدم التوفية على الرفع.
دفعاً لذلك الوهم،
والقسم الثاني عند السيوطي عرَّفه بقوله: ما ليس كذلك ثم أشار إلى
أن العلامة شمس الدين بن الصائغ الحنفي وضع فيه كتاباً سماه " المقدمة
فى أسرار الألفاظ المقدمة " وقال في مقدمته: " إن الحكمة الشائعة الذائعة
فى ذلك الاهتمام - أي في التقديم - كما قال سيبوبه في كتابه: كأنهم
يقدمون الذي بيانه أهم، وهم ببيانه أعنى. وهذه الحكمة إجمالية.
وأما أسباب التقديم وأسراره فقد ظهر لي منها في الكتاب العزيز عشرة أنواع ".
إذن فما هي تلك الأسباب كما يراها ابن الصائغ؟
стр. 582
هى كالآتى:
١ - التبرك: كتقديم اسم الله في الأمور ذوات الشأن. ومنه قوله
تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) .
وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) .
٢ - التعظيم كقوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) .
*
* تعقيب:
إن الباحث لا يرى فرقاً بين ما ذكره المؤلف من أمثلة على التبرك،
وما ذكره من أمثلة على التعظيم.
والأولى في مثل هذه الأمثلة أن يكون التقديم فيها لأصالة المقدَّم في الوصف
الذي من أجله سيق الحديث.
ولا شك أن شهادة الله أكبر شأناً من شهادة الملائكة.
وشهادة الملائكة أكبر شأناً من شهادة العلماء لقريهم من الله وفرط طاعتهم له.
كما أن طاعة الله من طاعة الرسول. فقدم في الموضعين ما هو آصل في بابه.
*
٣ - التشريف: وقد ذكر ابن الصائغ كثيراً من الأمثلة تطبيقاً على هذا
القانون منها قوله تعالى: (إن المسْلمينَ والمسْلمَاتِ) .
حيث قدم الذكر لشرفه على الأنثى.
وقوله تعالَىَ: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) ،
حيث قدَّم الحر على العبد لَشرفه، ويمكن اعتبار تقديم الذكر على الأنثى في: (وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) .
стр. 583
ومنه تقديم الخيل على البغال والحمير، والبغال على الحمير في قوله تعالى:
(وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) .
والحي على الميت في قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) .
ومنها كذلك تقديم السمع على البصر في قوله تعالى:
(خَتَمَ اللهُ عَلى قُلوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أبْصَارِهِمْ) .
وقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) .
* تعقيب:
قد أطرد تقديم السمع على البصر وما يجرى مجراه في القرآن الكريم -
سواء أكان الكلام في شأن الخالق، أو شأن المخلوقين.
وقد تقدم أمثلة ما الكلام فيه في شأن الناس. ومنه قوله تعالى:
(إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ) .
وكذلك في شأن الله ومنه قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)
وقال سبحانه: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) .
* *
стр. 584
* ملحظ مهم فات ابن الصائغ:
وليس تقديم السمع مقصوراً على البصر. فقد قُدم على العلم - كذلك -
وهذا لم يتنبه له ابن الصائغ. والمتتبع لمواضع تقديم السمع على العلم وما جرى مجراه في القرآن يجد أنها اثنان وثلاثون موضعاً.
هي كل ما جاء فيه.
وهي فى المواضع الآتية:
سبعة في البقرة آيات: ١٢٧، ١٣٧، ١٨١، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٤٤،
٢٥٦، وثلاثة في آل عمران آيات: (٣٤، ٣٥، ١٢١،
وواحدة في النساء آية: ١٤٨، وواحدة في المائدة آية: ٧٦، واثنان في الأنعام آيتا: ١٣، ١١٥، وواحدة في الأعراف آية: ٢٠٠ وأربعة في الأنفال آيات: ١٧، ٤٢، ٥٣، ٦١، وموضعان في التوبة آيتا: ٩٨، ١٠٣، ثم يونس: ٦٥، ويوسف: ٣٤، والأنبياء: ٤، وموضعان في النور: ٢١، ٦٠، ثم الشعراء: ٢٢٠، وموضعان في العنكبوت: ٥، ٦٠، ثم فصلت: ٣٦، والدخان: ٦، والحجرات: ١
وكما قُدِّم السمع على البصر وما جرى مجراه، وكما قُدِّم على العلم، قُدِّم
ذلك على القُرب في قوله تعالى: (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) .
هذا ما يقف عليه الباحث في تقديم السمع على ما سواه.
وقد فات ابن الصائغ وهو يقرر تقديم السمع على البصر. لأنه أشرف منه. فاته تقديم السمع على العلم، وعلى القُرب. وهو يؤخذ عليه.
كما لا نُسلِّم له أن التقديم هنا من باب تشريف المقدَّم على المؤخر دون أن
يحتمل المقام تفسيراً آخر. ونحن نحاول ذلك فيما يأتي:
* سر هذا التقديم:
فتقديم السمع على البصر لكونه أهم منه، لأن ما يحصل من ضروب المعرفة
عن طريق السمع لا يحصل عن البصر.
стр. 585
والبصر يتوقف في تحصيله للعلم على وسائط لا يتوقف عليها السمع.
وكم من أناس فقدوا نعمة الإبصار فلم يقعدوا عن طلب العلم بل كانوا من المبرزين فيه.
يقول " جوبو ": " ولعل في إمكان الشاعر الذي وُلدَ أعمى أن يرسم بشعره
صوراً ملونة إلى أبعد حد. رغم أنه لا يعتمد إلا على إحساسات اللمس
والسمع والشم. على الإحساس بالحياة على العواطف والأفكار.
إن جمال الشمس لا يقوم على النور وحده. . ولقد قال أحد العميان: إنى
لأسمع الشمس لحناً جميلاً. وأما السمع الذي أوجد أرفع الفنون (الشعر
والموسيقى والبلاغة) فإنه يدين بأرفع مزاياه الجمالية للصوت. لكونه خير
وسيلة للتفاهم بين الكائنات الحية التي قد أكسبته قيمة اجتماعية.
ونحن نعلم أن بشاراً كان أعمى. . . ومع ذلك فإنه صاحب البيت المشهور
الذي يمثل به البلاغيون للتشبيه التمثيلي فلا يكاد يتكرر مثله في موضوعه.
وهو:
كأن مَثَارَ النَقْع فَوْقَ رُءُوسِنَا. . . وَأسَيَافَنَا ليْلٌ تَهاوَى كواكِبُه
فهل أبصر بشار أجزاء هذه الصورة البديعة. واللوحة الخالدة؟ لا. . ولكن
أحسها فأخرجها أجمل إخراج.
* *
* مقارنة بين ثلاثة نصوص:
ولقد قارن عبد القاهر الجرجاني بين بيت بشار هذا وبين بيتى المتنبي وعمرو
ابن كلثوم، وهما مبصران. ففضَّل بيت بشار على بيت المتنبي الذي يقول فيه:
يَزُورُ الأعَادىِ فِى سَمَاءٍ عَجَاجَة. . . أسِّنَتُهُ فِى جَانِبَيَها الكَواكِبُ
стр. 586
كما فضَّله على بيت عمرو الذي يقول فيه:
تَبْنِي سَنَابِكُهَا مِنْ فَوْقِ أرْؤُسِهِمْ. . . سَقْفاً كَوَاكِبُهُ البِيضُ المبَاتِيرُ
الشعراء الثلاثة متحدون في الغرض. لأن كل واحد منهم يُشبه لمعان
السيوف في الغبار بالكواكب في الليل.
وفي تفوق قول بشار يقول عبد القاهر:
". . إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن كرم الوقع، ولطف التأثير فى
النفس ما لا يقل مقداره، ولا يمكن إنكاره. وذلك لأنه راعى ما لم يراعه غيره.
وهو أن جعل الكواكب تهاوى فأتم التشبيه. وعبَّر عن هيئة السيوف، وقد سُلتْ من الأغماد، وهي تعلو وترسب. وتجيء وتذهب. ولم يقتصر على أن يريك لمعانها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران. . ".
وبشار نفسه يقول:
يَا قَوْم أذُنِى لِبَعْضِ الحَى عَاشِقَةٌ. . . وَالأذُنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أحْيَانا
قَالوا: بِمَنْ لاَ تَرَى تَهْذِي فَقُلتُ لهُمْ. . .الأذُنُ كَالعَيْنِ تُوفِى القَلبَ مَا كَانَا
وأروع من هذا قوله:
إنْ تَكُ عَيْنِى لا تَرى وَجْهَهَا. . . فَإنهَا قَدْ صُورَتْ فِى الضميرِ
ويقول المازني عن بشار: " وإن كان من المعقول إذا تعطلت جارحة أن تقوى
الأخرى، أو كما يقول بشار نفسه: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب. ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء. فيتوفر حسه. وتذكو قريحته ".
*
стр. 587
* ملحظ آخر فات ابن الصائغ:
ويؤخذ على ابن الصائغ - هنا - مأخذ ثان. حاصله أن كلامه في تقديم
السمع على البصر يُشعر بأن ذلك مطرد في الذكر الحكيم، وليس كذلك. فقد جاء البصر قبل السمع في مواضع نذكر منها ما يأتي:
أولاً: قوله تعالى في سورة الكهف: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) .
وقوله في سورة الأعراف: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
وقوله في الكهف أيضاً: (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) .
وقوله في سورة الإسراء: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا) .
هذه أمثلة لم يتنبه لها ابن الصائغ. إذن فلو كان تقديم السمع على البصر
لشرف السمع على البصر دون اعتبار آخر لاقتضى ذلك تقديمه في كل موضع اجتمعا فيه ولما تخلف منها موضع واحد لعدم تخلف العِلَّة في التقديم.
فالناظر في آيات الكتاب الحكيم يجد:
(أ) تقديم السمع على البصر في الأغلب بما يقرب من الأصل.
(ب) تقديم البصر على السمع فيما قَلَّ.
стр. 588
يقول الدكتور عبد الغني الراجحي موجهاً هذه الظاهرة ما خلاصته: " والقاعدة التي انتهينا إليها بعد طول النظر والبحث أنه بالنسبة للخلق والعباد وفي مقام ذكر حواسهم والاستفادة بها، وفيما يوحى إليهم من الرسالات، أو عدم الانتفاع بها في هذه المجالات يتقدم السمع على البصر، لأن الوليد يكتمل تمييزه بسمعه قبل بصره، ولأن المسموعات من جميع الجهات. والمرئيات من جهة واحدة.
ولأن الانتفاع بالسمع في مقام الهدايات والنبوات أكثر.
هذا بالنسبة للعباد لا يكاد يتخلف فيأتي البصر قبل السمع إلا لملحظ بلاغي ".
ثم يُخرًج الراجحي الآيات التي قُدم فيها البصر على السمع تخريجاً لا يخالف
عليه. . ثم يقول: " أما بالنسبة إلى الله ﷻ فالأمر فيه على خلاف
البَشر لا ترتيب ولا تفاوت عنده بين المسموعات والمبصرات، فإذا جاء البصر متقدماً على السمع - كما في سورة الكهف - أو جاء السمع مُقدماً على الرؤية - كما في سورة طه - فلا غضاضة في ذلك لا سيما إذا كان كل واقعاً موقعه لمناسبات لفظية ومعنوية تقضي بذلك ".
وقد خولف هذا الأصل - شأنه شأن كل الأصول - لاعتبارات مناسبة،
فقوله تعالى في سورة الكهف: (أبَصرْ به وَأسْمِعْ) قد تقدم عليه قوله:
(لهُ غَيْبُ السماوات وَالأرْضِ) وَالغيب شامل للمبصرات والمرئيات
والمسموعات وغيرهما، لكن ما غاب من المخاطب من مبصرات السموات
والأرض - إذ هو الكون كله وما وقع عليه بصر المخاطب من حيز ضيق محدود - أكثر بهذا الاعتبار مما غاب عنه من مسموعات. .
لذلك اقتضى المقام الإتيان بالبصر مقدماً على السمع.
وقوله تعالى فيها أيضاً:
(الَّذِينَ كَانَتْ أعْيُنُهُمْ فِى غطاءٍ عَن ذكْرِي وكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) .
حيث قدم البصر على السمع على خَلاف
стр. 589
الأصل. لأن هذه الآية تقدم عليها قوله تعالى: (وَعَرَضْنَا جَهَنمَ يَوْمَئذ
للكَافِرِينَ عَرْضاً) أي عرضناها ليروها. فناسب ذلك تقديم البصر على
السمع.
وأما قوله تعالى في سورة الأعراف: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
حيث قدم الأعين على الآذان. فلأنه - َ سبحانه - شبههم بالأنعام فأخر السمع ليكون مجاورا لتشبيههم بها. لأن الأنعام لا تختلف رؤيتها للأشياء عن رؤية الإنسان لها. وإنما يقع التخالف في السمع إذ لا يميز الحيوان بين النصح وغيره من الأقوال ولا تثمر فيه النُذُر.
بقي تقديمه في سورة الإسراء في قوله تعالى: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القِيَامَة
عَلى وُجُوههمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) ، حيث قدم العمى الذي هو ضدَ
الإبصار، وَأخَر الصمم الذي هو ضد السمع.
فذلك لمناسبة الحشر على الوجوه لأن مَن أُلقى على وجهه ثم سُحبَ عليه لم يبصر شيئاً ولم يستطع أن يتكلم بكلام مسموع فتأخذه دهشة الهول فَلا يكاد يسمع مما حوله شيئاً.
وعلى هذا النسق العجيب جاءت الآية الحكيمة.
* خطأ وقع فيه ابن الصائغ:
وبهذا يستبين الخطأ الذي وقع فيه ابن الصائغ. وشيء آخر. . . . . . وأنا
لا أريد أن أذكر كل ما ساقه ابن الصائغ من أمثلة قدم فيها الأشرف على غيره
. . . وإنما أتناول بالذي والتفصيل ما جانبه فيها الصواب. .
ولذلك فإن هناك خطأ آخر نأخذه عليه.
стр. 590
وهو أنه قرر أن الإنس يُقدم على الجن في القرآن الكريم في كل موضع وردا
فيه لشرف الإنس على الجن!!
وهذا خطأ أيضاً. . وليتضح لنا وجه هذا الخطأ نذكر استعمالات القرآن للجن والإنس مجموعين في سياق واحد.
قال سبحانه: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) .
(قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
(وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
(وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
(أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) ً
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) .
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا) .
(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) .
(وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) .
(الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) .
стр. 591
هذه اثنتا عشرة آية جاء الجن والإنس، أو الجِنةِ والناس، مجموعين فيهما
فى سياق واحد.
مقدماً فيه الجن على الإنس، والجِنة على الناس. . وهذا يهدر ما ذهب إليه
ابن الصائغ من أساسه.
وهناك مواضع قُدِّم فيها الإنس على الجن وهي:
(فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) .
(فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) .
(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) .
(وكَذَلكَ جَعَلنَا لِكُل نَبِى عَدُوا" شَيَاطينَ الإنسِ والجِن) .
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)
(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) .
وهذه ست آيات أورد القرآن فيها الإنس والجن أو الجان مجموعين في سياق
واحد مُقدَّماً فيه الإنس على الجن، وعلى الجان.
* *
* عرض ونقد وتحليل:
وبمقارنه يسيرة بين الطائفتين يتضح أن ورود الجن مقدَّماً على الإنس فى
القرآن الكريم أكثر كثرة نسبتها ٢ - ١، أو ١٢ - ٦
فكيف ساغ لابن الصائغ أن يزعم أن الإنس يأتي مقدَّماً على الجن في القرآن
الحكيم في كل موضع اجتمعا فيه؟!!
стр. 592
وكيف جاز للسيوطي أن يتابعه على هذا. وهو العالِم المحرر المدقق، دون
أن يشير إلى وجه الخطأ فيه؟.
وحتى في المواضع التي قُدم فيها الإنس على الجن لا يستقيم قول ابن الصائغ
أن التقديم فيها لتشريف المقدَّم.
وإلا فأى تشريف يعود على الإنس في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) .
إن تحرير القول في هذه المواضع أن يدار الأمر فيها من حيث التقديم والتأخير
على غير هذا الوجه الذي ذهب إليه ابن الصائغ.
ونحن نُخرِّج مثالين منها من كل طائفة مثال على خلاف ما ذكره هو من تفسير لكون ذلك مقياساً لما بقي من أمثله:
المثال الأول: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) .
فى هذه الآية قُدم الإنس على الجن. . لماذا؟
ليس للتشريف قطعاً - كما يرى ابن الصائغ - لأن المقام ليس مقام تشريف
وهذا ظاهر.
إذن فما هو الوجه اللائق لتفسير هذا التقديم؟
والذي أراه - وأرجو أن يكون سديداً - أن سر التقديم هنا: لأن عداوة
الإنس للرسل ظاهر أمرها. وعنادهم لهم لا يحتاج إلى دليل.
تحدث عن ذلك القرآن مبيِّناً الصراع الطويل بين قُوَى الهداية والخير متمثلة في الرسل، وقُوَى الضلال والشر متمثلة الناس المخالفين لدعوة الرسل.
فبنو إسرائيل - مثلاً - وهم من الإنس تمردوا على الرسل وقتلوهم.
ولم تقتل الجن رسولاً أو نبياً.
стр. 593
هذا الظهور في عداوة الإنس للرسل جعلهم أصلاء في هذا المقام جديرين
بالتقديم فيه.
أما عداوة الجن للرسل فهى مساع وحيل متخفية، يدركها العقل ولا تدركها
الحواس، فهى - بهذا الاعتبار - تأتي في المرحلة الثانية بعد عداوة الإنس
للرسل والتمرد عليهم وقتلهم.
فالتقديم - إذن - ليس للتشريف. بل لأن المقدَّم أكبر شأناً من حيث اتصاله
بالحقيقة التي سيق من أجلها الكلام.
الموضع الثاني: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
وفي هذا الموضع قُدمت الجنة على الناس. لأن المقام يقتضي ذلك. المقام هنا
وسوسة خفية. وإغراء متسَتر، والجن - حيث يروننا ولا نراهم - أقدر على هذه الوسوسة، وهي بهم أليق. إغراء خفى. ومغر أشد خفاء. على هذا النهج الذي خرجنا عليه المثالين يجب أن نفهم التقديم والتأخير في هذه المواضع وما أشبهها. لا على ما ذهب إليه ابن الصائغ لأنه يحجر على التذوق الحر، والبحث الجاد في توجيه الظواهر الفنية.
وهو أمر ليس بمقبول.
أما تقديم السمع على العلم. فذلك - فيما أرى - من باب تقديم السبب على السبب لأن السمع سبب من أسباب العلم، أو من تقديم الخاص على العام.
وأما تقديم السمع على القُرب في الموضع المذكور فهو لا يبعد أن يكون من
قبيل الترتيب الطبيعي بين الأشياء، لأن مَن يُدعى فيستجيب يقرب من الداعي الذي دعاه.
ويرى ابن الصائغ أن تقديم " هارون " على موسى، وموسى أشرف من
هارون، إنما هو مخالف للأصل.
وعزاه إلى مراعاة الفواصل.
وقد رددنا على هذه الشُّبهة من قبل في مبحث الفواصل.
*
стр. 594
* رأي صائب:
وقد وفق ابن الصائغ أيما توفيق في توجيه التقديم في قوله تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)
فقد حمل التقديم في " أنعامهم " على " وأنفسهم " حيث تقدم ذكر الزرع،
وهو مرعى الأنعام، وقد جاء على الأصل في آية عبس: (مَتَاعاً لكُمْ
وَلأنْعَامكُمْ) لأن سياق الهديث فيه طعام الإنسان. حيث قال سبحانه:
(فَليَنطرِ الإنسَانُ إلى طعَامِهِ) .
ولأن الآية تقدم فيها كلمة (متاعاً) وهذا يقتضي تقديم مَن هو أكثر تذوقاً
للمتاع وفهماً له. وهو الناس.
* *
* السموات لم تُقدَّم على الأرض دائماً:
ويرى كذلك تقديم السموات على الأرض من أجل شرف السماء. .
ويُرَد عليه أن الأرض جاءت مقدمة على السموات في مواضع منها:
(تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) .
ولعله يقول: إن التقديم هنا لمراعاة الفواصل - وحتى لو سلمنا له بذلك - فإنه زعم أن السموات في القرآن - دائماً - مقدمات على الأرض وهذا يخالفه!
*
٤ - المناسبة، وقد جعلها نوعين:
الأول: مناسبة المقدَّم لسياق الكلام ومن أمثلته عنده الآيات الآتية:
стр. 595
(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) ،
ولم يكتف فى هذا الموضع بذكر المثال بلَ حلله فقال: ". . لأنها حالة إراحتها آخر النهار يكون الجمال بها أفخر، إذ هي بطان، وحالة سراحها للمرعى يكون الجمال بها دون الأول. إذ هي فيه خماص ".
ويؤيد الرمخشري هذا التوجيه، ويكاد أن يتفقا في العبارة.
أما النوع الثاني: فهو مناسب لفظ لما له من التقدم نحو: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) .
وقوله: (لهُ الحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآخِرَةِ) .
أما قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) فالتقديم - عنده - لمراعاة
الفواصل.
وقد وردت " الآخرة " مقدمة على " الأولى " في المواضع الآتية: (فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) .
(فَأخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةُ وَالْأُولَى) .
(وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى) .
وقد علمنا تصرف ابن الصائغ فيما يخالف قاعدته أن يحمله على مراعاة
الفواصل كما مَرَّ.
٥ - الحث عليه: ومن أبرز أمثلته عنده تقديم الوصية على الدَّيْن في قوله
تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وحُجَّته أن الوصية
ضعيفة فلو أُخِّرَت لتهاون الَناس في أمرهم فُقدِّمت للحث عليها. .
стр. 596
٦ - السبق: إما باعتبار الإيجاد كتقديم الليل على النهار.
قال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)
وإما باعتبار الإنزال كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ. .) .
أو باعتبار الوجوب والتكليف كقوله تعالى: (اركَعُواْ واسْجُدُواْ) .
وقوله: (فَاغْسِلواْ وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ) .
ولو قال هنا: من حيث الوجود الفعلي لكان أنسب.
أو باعتبار الذات، كقوله تعالى: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) .
وقوله: (مَا يَكُونُ من نجْوَى ثَلاَثَة إلا هُوَ رَابعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلا هُوَ
سَادسُهُمْ) .
أَما قوله تعالى: (أن تَقُومُواْ لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكرُواْ. .) .
فقد علله بأنه للحث على الجماعة والاجَتماع على الخير.
وكان الأولى أن يعتبر التقديم - هنا - باعتبار الوقوع التنجيزى لأن الرجل
لا يكون زوجاً لاثنتين حتى يكون - قبلاً - زوجاً لواحدة. . وهكذا في البواقى.
أو يكون التقديم باعتبار الترتيب المَصاعدى. أو من باب تقديم الأقل على
اكثر، والوجه الأولى - مما ذكرناه نحن - أقوى هذه الوجوه جميعاً.
٧ - السببية: كتقديم " العزيز " على " الحكيم "، لأنه عزَّ فحكم.
و" العليم " على " الحكيم "، لأن الإحكام والإتقان ناشئان عن العلم.
стр. 597
قال: وأما تقديم " حكيم " على " عليم " في الأنعام. فلأن المقام
تشريع الأحكام ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) .
وذلك لأنها سبب حصول الإعانة. ويتفق ضياء الدين بن الأثير مع ابن الصائغ فى هذا التوجيه.
* تقديم ذو وجهين:
ويخالفهما العز بن عبد السلام إذ يقول.
" وقدم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على (إِيَّاكَ نَسْتَعينُ) - لأن (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
- خبر بمعنى الدعاء فيكون من التصف المختَص بالعبد. والعبادة مختصة
بالله تعالى فقدم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليقع ما لله في نصفه، وما للعبد في نصفه.
أو قُدم اهتماماً بالعبادة لأنهم يُقدِّمون الأهم ".
فالتقديم هنا عند العز محتمل لوجهين:
أن يكون لما بينه من جَعْل ما لله لله، وما للعبد للعبد.
وهذا التوجيه تبدو فيه روح عبد السلام فقيهاً محدثاً.
أن يكون التقديم من أجل أهمية العبادة على الاستعانة.
وهنا يبدو هو بلاغياً متذوقاً.
٨ - الكثرة على القلة: ومن أمثلته عنده قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) . قَذم " الظالم " لكثرته، ثم " المقتَصد "
ثم
стр. 598
" السابق ". وجعل منه تقديم السارق على السارقة والزانية على الزاني لأن
السارق أكثر من السارقة، والزانية أكثر من الزاني.
ويرى العلامة أبو السعود في تفسيره: أن المرأة هي الداعية إلى الزنا وبها
تتعلق الرغبات. . لذلك قُدِّمت.
والذي أراه: أن تقديم السارق على السارقة لأن معرَّة السرقة في الرجل أكبر
شأناً منها في المرأة. . لأنه المكلف بجلب الرزق لنفسه ولمن يعول.
فوقوعه فى السرقة قدح في قُدرته. وتقصير في مهمته.
فكان حرياً به وهو الرجل القادرعلى العمل والكدح أن لا يفعل ما يقعد به عن الشرف والكرامة.
وأما تقديم الزانية. . فلأنها أيضاً تلحقها من المعرَّة منه ما لا يلحق الزاني،
فقد يترك بها الزنا علامات مادية كزوال البكارة والحمل السفاح وما إلى هذه
الاعتبارات، فقدم في كل موضع ما يناسبه باعتبار ما ذكرناه، والنكات - كما يقولون - لا تتزاحم، فقد يكون المراد بالتقديم جميع ما سبق ما دام لا تناقض أو تنافى بينهما.
٩ - الترقى من الأدنى إلى الأعلى: وقد مثل له بأمثلة كثيرة منها قوله
تعالى: (ألهُمْ أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أمْ لهُمْ أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا) .
قال: بدأ بالأدنى لغرض الترقي. لأن اليد أشرف من الرِجل، والعين أشرف
من اليد، والسمع أشرف من البصر.
١٠ - التدلي من الأعلى إلى الأدنى: ومن أمثلته - عنده - قوله تعالى:
(لاَ يُغَادرُ صَغِيرةً وَلاَ كَبِيرَةً إلَّا أحْصَاهَا) .
* *
стр. 599
* مقارنة بين المنهجين:
عرضنا - في إيجاز - نظريتين في التقديم، إحداهما نظرية البلاغيين،
والثانية نظرية ابن الصائغ. ونخلص الآن إلى الموازنة بينهما.
أولاً - نظرية البلاغيين تشمل كل أنواع الكلام سواء أكان قرآناً أو حديثاً.
أو شعراً، أو نثراً. فهى تنظر في جميع الأساليب بلا خلاف.
أما نظرية ابن الصائغ فإنها خاصة بالتنزيل الحكيم، ولم يُمثل لها من غير
آياته.
وبهذا فإن نظرية البلاغيين أهم وأجدى لشمولها وعدم اختصاصها بنوع معيَّن
من القول.
ثانياً - يؤخذ على ابن الصائغ عدة أمور:
(أ) إهماله أسباباً هامة لم يتعرض لها، وهي التقديم الذي يفيد الاختصاص
وهذه وظيفه هامة جداً خاصة في دراسة التقديم في القرآن الكريم الذي قصر
همه عليه. وهذا قصور ظاهر.
(ب) أنه لم يلتزم الدقة في وضع القواعد، والتمثيل لها. وقد رأينا خلطه
فى التمثيل للنوعين الأولين اللذين هما التبرك والتعظيم.
كما أننا لم نجاره فى ما ذكر من أمثلة عليه باعتبار وجه السر فيها والتمسنا وجهاً آخر للتقديم غير ما ذكره هو.
(ب) ورأينا خطأه حين زعم أن الإنس يُقدم على الجن في القرآن في كل
موضع ذكِر فيه لأن الإنس أشرف من الجن.
وقد أثبتنا اثني عشر موضعاً جاء فيها الجن مقدماً على الإنس على خلاف ما ذكر هو.
كما أننا التمسنا وجهاً للتقديم فيها على غير ما ذهب إليه هو.
ومثل ذلك الخطأ الذي وقع فيه أنه زعم أن السمع يُقدم على البصر في القرآن وأن سر التقديم هو التشريف.
стр. 600
وقد أثبتنا مواضع لم يتنبه إليها هو قُدم فيها البصر على السمع.
وقد خرجنا تلك الأمثلة على غير الوجه الذي ادعاه.
وقد سبقنا أحد الباحثين إلى شيء من ذلك أشرنا إليه في موضعه.
ثالثاً: أنه كما أهمل التقديم المفيد للاختصاص حصر بحثه في نوع معيَّن هو
الأسماء والصفات المرتبطة ارتباطاً عطفياً. ولم يشر من قريب أو بعيد إلى
تقديم المسند إليه، أو المسند، أو المفعول به، أو متعلقات الفعل مما عنى به
البلاغيون عناية فائقة.
وحتى عندما يذكر مثالاً على ما يراه من قاعدة فإنه يكتفى بعرض المثال دون
تحليل، اللهم إلا فيما ندر كتوجيه تقديم الأنعام على ضمير المخاطبين، وقد
وُفِقَ فيه، وكتوجيه تقديم الوصية على الدَّيْن، وقد وُفِقَ فيه كذلك.
رابعاً: أن نظريته تعتمد على قواعد عامه تفتح باباً من الخلاف معه عند
التطبيق - كما رأينا - أما البلاغيون فقد بنوا نظرتهم على أسس وقواعد فنية
يقل أو ينعدم الخلاف معهم فيها عند التطبيق.
خامساً: أنه بحسب طبيعة منهجه - فاته الكثير من مظاهر التقديم فى
القرآن كتقديم السمع على العلم. وقد خلا منهجه من الإشارة إليه مع كثرة
ما سرد من أمثله في باب التشريف بالذات.
سادساً: ويؤخذ عليهما معاً - البلاغيين وابن الصائغ - أنهم يجعلون مراعاة
الفواصل سبباً في التقديم، وهذا اعتبار لفظي فحسب لا يليق أن نفهم على
أساسه روائع التعبير في القرآن الكريم وحسب ابن الصائغ أنه مجتهد،
والمجتهد لا يخلو من الأجر - إن حسنت النية - أخطأ أو أصاب، ويين الأجرين فرق ما بين الصواب والخطأ.
سابعاً: ويؤخذ على البلاغيين أنهم أهملوا كثيراً من مظاهر الأسلوب فلم
يتعرضوا لها تعرضاً كافياً، ولم يدخل شيء منها في حسابهم.
مثل تقديم الوصية على الدَّيْن لأنه ليس بمسند إليه ولا مسند، ولا مفعول به، ولا ظرفاً. .
следующие страницы →