← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٦ - السبق: إما باعتبار الإيجاد كتقديم الليل على النهار. قال سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) وإما باعتبار الإنزال كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ. .) . أو باعتبار الوجوب والتكليف كقوله تعالى: (اركَعُواْ واسْجُدُواْ) . وقوله: (فَاغْسِلواْ وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ) . ولو قال هنا: من حيث الوجود الفعلي لكان أنسب. أو باعتبار الذات، كقوله تعالى: (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) . وقوله: (مَا يَكُونُ من نجْوَى ثَلاَثَة إلا هُوَ رَابعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادسُهُمْ) . أَما قوله تعالى: (أن تَقُومُواْ لله مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكرُواْ. .) . فقد علله بأنه للحث على الجماعة والاجَتماع على الخير. وكان الأولى أن يعتبر التقديم - هنا - باعتبار الوقوع التنجيزى لأن الرجل لا يكون زوجاً لاثنتين حتى يكون - قبلاً - زوجاً لواحدة. . وهكذا في البواقى. أو يكون التقديم باعتبار الترتيب المَصاعدى. أو من باب تقديم الأقل على اكثر، والوجه الأولى - مما ذكرناه نحن - أقوى هذه الوجوه جميعاً. ٧ - السببية: كتقديم " العزيز " على " الحكيم "، لأنه عزَّ فحكم. و" العليم " على " الحكيم "، لأن الإحكام والإتقان ناشئان عن العلم.

стр. 597

قال: وأما تقديم " حكيم " على " عليم " في الأنعام. فلأن المقام تشريع الأحكام ومنه تقديم العبادة على الاستعانة في قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) . وذلك لأنها سبب حصول الإعانة. ويتفق ضياء الدين بن الأثير مع ابن الصائغ فى هذا التوجيه. * تقديم ذو وجهين: ويخالفهما العز بن عبد السلام إذ يقول. " وقدم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على (إِيَّاكَ نَسْتَعينُ) - لأن (إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) - خبر بمعنى الدعاء فيكون من التصف المختَص بالعبد. والعبادة مختصة بالله تعالى فقدم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ليقع ما لله في نصفه، وما للعبد في نصفه. أو قُدم اهتماماً بالعبادة لأنهم يُقدِّمون الأهم ". فالتقديم هنا عند العز محتمل لوجهين: أن يكون لما بينه من جَعْل ما لله لله، وما للعبد للعبد. وهذا التوجيه تبدو فيه روح عبد السلام فقيهاً محدثاً. أن يكون التقديم من أجل أهمية العبادة على الاستعانة. وهنا يبدو هو بلاغياً متذوقاً. ٨ - الكثرة على القلة: ومن أمثلته عنده قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) . قَذم " الظالم " لكثرته، ثم " المقتَصد " ثم

стр. 598

" السابق ". وجعل منه تقديم السارق على السارقة والزانية على الزاني لأن السارق أكثر من السارقة، والزانية أكثر من الزاني. ويرى العلامة أبو السعود في تفسيره: أن المرأة هي الداعية إلى الزنا وبها تتعلق الرغبات. . لذلك قُدِّمت. والذي أراه: أن تقديم السارق على السارقة لأن معرَّة السرقة في الرجل أكبر شأناً منها في المرأة. . لأنه المكلف بجلب الرزق لنفسه ولمن يعول. فوقوعه فى السرقة قدح في قُدرته. وتقصير في مهمته. فكان حرياً به وهو الرجل القادرعلى العمل والكدح أن لا يفعل ما يقعد به عن الشرف والكرامة. وأما تقديم الزانية. . فلأنها أيضاً تلحقها من المعرَّة منه ما لا يلحق الزاني، فقد يترك بها الزنا علامات مادية كزوال البكارة والحمل السفاح وما إلى هذه الاعتبارات، فقدم في كل موضع ما يناسبه باعتبار ما ذكرناه، والنكات - كما يقولون - لا تتزاحم، فقد يكون المراد بالتقديم جميع ما سبق ما دام لا تناقض أو تنافى بينهما. ٩ - الترقى من الأدنى إلى الأعلى: وقد مثل له بأمثلة كثيرة منها قوله تعالى: (ألهُمْ أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أمْ لهُمْ أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا) . قال: بدأ بالأدنى لغرض الترقي. لأن اليد أشرف من الرِجل، والعين أشرف من اليد، والسمع أشرف من البصر. ١٠ - التدلي من الأعلى إلى الأدنى: ومن أمثلته - عنده - قوله تعالى: (لاَ يُغَادرُ صَغِيرةً وَلاَ كَبِيرَةً إلَّا أحْصَاهَا) . * *

стр. 599

* مقارنة بين المنهجين: عرضنا - في إيجاز - نظريتين في التقديم، إحداهما نظرية البلاغيين، والثانية نظرية ابن الصائغ. ونخلص الآن إلى الموازنة بينهما. أولاً - نظرية البلاغيين تشمل كل أنواع الكلام سواء أكان قرآناً أو حديثاً. أو شعراً، أو نثراً. فهى تنظر في جميع الأساليب بلا خلاف. أما نظرية ابن الصائغ فإنها خاصة بالتنزيل الحكيم، ولم يُمثل لها من غير آياته. وبهذا فإن نظرية البلاغيين أهم وأجدى لشمولها وعدم اختصاصها بنوع معيَّن من القول. ثانياً - يؤخذ على ابن الصائغ عدة أمور: (أ) إهماله أسباباً هامة لم يتعرض لها، وهي التقديم الذي يفيد الاختصاص وهذه وظيفه هامة جداً خاصة في دراسة التقديم في القرآن الكريم الذي قصر همه عليه. وهذا قصور ظاهر. (ب) أنه لم يلتزم الدقة في وضع القواعد، والتمثيل لها. وقد رأينا خلطه فى التمثيل للنوعين الأولين اللذين هما التبرك والتعظيم. كما أننا لم نجاره فى ما ذكر من أمثلة عليه باعتبار وجه السر فيها والتمسنا وجهاً آخر للتقديم غير ما ذكره هو. (ب) ورأينا خطأه حين زعم أن الإنس يُقدم على الجن في القرآن في كل موضع ذكِر فيه لأن الإنس أشرف من الجن. وقد أثبتنا اثني عشر موضعاً جاء فيها الجن مقدماً على الإنس على خلاف ما ذكر هو. كما أننا التمسنا وجهاً للتقديم فيها على غير ما ذهب إليه هو. ومثل ذلك الخطأ الذي وقع فيه أنه زعم أن السمع يُقدم على البصر في القرآن وأن سر التقديم هو التشريف.

стр. 600

وقد أثبتنا مواضع لم يتنبه إليها هو قُدم فيها البصر على السمع. وقد خرجنا تلك الأمثلة على غير الوجه الذي ادعاه. وقد سبقنا أحد الباحثين إلى شيء من ذلك أشرنا إليه في موضعه. ثالثاً: أنه كما أهمل التقديم المفيد للاختصاص حصر بحثه في نوع معيَّن هو الأسماء والصفات المرتبطة ارتباطاً عطفياً. ولم يشر من قريب أو بعيد إلى تقديم المسند إليه، أو المسند، أو المفعول به، أو متعلقات الفعل مما عنى به البلاغيون عناية فائقة. وحتى عندما يذكر مثالاً على ما يراه من قاعدة فإنه يكتفى بعرض المثال دون تحليل، اللهم إلا فيما ندر كتوجيه تقديم الأنعام على ضمير المخاطبين، وقد وُفِقَ فيه، وكتوجيه تقديم الوصية على الدَّيْن، وقد وُفِقَ فيه كذلك. رابعاً: أن نظريته تعتمد على قواعد عامه تفتح باباً من الخلاف معه عند التطبيق - كما رأينا - أما البلاغيون فقد بنوا نظرتهم على أسس وقواعد فنية يقل أو ينعدم الخلاف معهم فيها عند التطبيق. خامساً: أنه بحسب طبيعة منهجه - فاته الكثير من مظاهر التقديم فى القرآن كتقديم السمع على العلم. وقد خلا منهجه من الإشارة إليه مع كثرة ما سرد من أمثله في باب التشريف بالذات. سادساً: ويؤخذ عليهما معاً - البلاغيين وابن الصائغ - أنهم يجعلون مراعاة الفواصل سبباً في التقديم، وهذا اعتبار لفظي فحسب لا يليق أن نفهم على أساسه روائع التعبير في القرآن الكريم وحسب ابن الصائغ أنه مجتهد، والمجتهد لا يخلو من الأجر - إن حسنت النية - أخطأ أو أصاب، ويين الأجرين فرق ما بين الصواب والخطأ. سابعاً: ويؤخذ على البلاغيين أنهم أهملوا كثيراً من مظاهر الأسلوب فلم يتعرضوا لها تعرضاً كافياً، ولم يدخل شيء منها في حسابهم. مثل تقديم الوصية على الدَّيْن لأنه ليس بمسند إليه ولا مسند، ولا مفعول به، ولا ظرفاً. .

стр. 601

ومثل تقديم السمع على البصر - مما عنى به ابن الصائغ - فلكل من النظريتين مزايا وعيوب، ونحن في الكشف عن أسرار التقديم في القرآن الكريم محتاجون إلى النظريتين معاً. وإلى غير هاتين النظريتين، من كل ما يعيننا على فهم التقديم في القرآن الكريم. هذا ما يمكن أن يقال عن نظريتى البلاغيين، وابن الصائغ. ولنعرض الآن - فى إيجاز أيضاً - كلا من نظرية ابن الأثير، ونظرية المفسربن في التقديم. * * * ثالثاً: منهج ابن الأثير في التقديم يقسم ابن الأثير التقديم إلى قسمين: الأول، وسماه: ما يختص بدلالة الألفاظ على المعاني. ولو أخر المقدم، أو قدم المؤخر لتغير المعنى. الثاني، وسماه: ما يختص بدرجة التقديم في الذكر. لاختصاصه بما يوجب له ذلك. والأول عنده نوعان: أ - ما يكون التقديم فيه هو الأبلغ، كتقدم المفعول به على الفعل، وتقديم الخبر على المبتدأ، وتقديم الظرف أو الحال أو الاستثناء على العامل. وقد مثل لها بأمثلة مصنوعة، وهذا النوع يفيد عنده الاختصاص مرة، ومراعاة نظم الكلام مرة أخرى. وهو بهذا يرد على الزمخشري والبيانيين، حيث يجعلون التقديم في هذا النوع - بكل صوره، ومعهم الحق - مفيداً للاختصاص: ومراعاة نظم الكلام عنده أبلغ من الاختصاص وأوكد منه.

стр. 602

فما يفيد الاختصاص قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) . قال: " إنما قال: بل الله فاعبد " ولم يقل: " بل اعبد الله "، لأنه إذا تقدم وجب اختصاص العبادة به دون غيره. ولو قال: " بل اعبد " لجاز إيقاع الفعل على أي مفعول شاء. * مراعاة النظم: ومما التقديم فيه - عنده - لمراعاة نظم الكلام قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . قال: " وقد ذكر الزمخشري في تفسيره أن التقديم في هذا الموضع قُصِدَ به الاختصاص وليس كذلك، وإنما قُدم لكان نظم الكلام، لأنه لو قال: " نعبدك ونستعينك " لم يكن له من الحسن ما لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ) . ألم تَر أنه تقدم قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) . فجاء بعَد ذلك قولهَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ) وذلك لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو على حرف النون. ولو قالَ: " نعبدك ونستعينك " لذهبت تلك الطلاوة، وزال ذلك الحسن. ثم يخلص من ذلك كله إلى إبطال ما ذكره الزمخشري وغيره من علماء البلاغة، والحق أن الصواب جانبَ ابن الأثير في هذا. والصحيح مذهب الزمخشري والبلاغيين. ومن مراعاة نظم الكلام عنده قوله تعالى: (فَأوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى) . ومنه أيضاً قوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) .

стр. 603

ثم يقول: وله في القرآن نظائر كثيرة ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) . فقوله: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) . ليس تقديم المفعول فيه على الفعل من باب الاختصاص وإنما من باب مراعاة: نظم الكلام. فإنه قال: (الليْلُ نَسْلخُ مِنْهُ النهَارَ) . وقال: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي) . فاقتضى حسق النظم أن يقول: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ) ليكون الجميع على نسق واحد في النظم ولو قال: " وقدرنا القمر منازل " لما كان بتلك الصورة في الحسن. وكذلك يرى في قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) قال: إن تقديم المفعول في الموضعين الأولين لمكان حسن النظم. * * مأخذنا على ابن الأثير: ويؤخذ على ابن الأثير إسرافه في حمل التقديم على مراعاة: النظم أو ما يسميه أحياناً: " الفضيلة السجعية ". وليس له من دليل واحد يستطيع أن يقنعنا به لنجاريه فيما يقول. إن الأمثلة التي ذكرها جاءت مستوفية لشروط إفادة القصر، وهو في الوقت نفسه يفصل بينها.

стр. 604

فبعضها - عنده - يقيد القصر وهذا صحيح، وبعضها لا يفيد، وهذا غير صحيح، لقد أغراه الحسن اللفظي فيه فراح يشيد به، وينفى عنه إفادة القصر. والواقع أنه يفيد الأمرين: القصر - كما يرى غيره - والحسن اللفظي - كما يرى هو ولا ينازعه في ذلك أحد. وما الذي يمنع من إفادة القصر في قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ) ؟. لقد أجمع البيانيون أن مثل هذا التعبير يفيد التوكيد والاختصاص مرة، والتوكيد مرة أخرى على حسب تقدير المحذوف. ولو كان المراد الحسن اللفظي - أي بدء الجمل بأسماء كما يقول - لما جاءت القراءة المشهورة التي هي النصب. لأن الرفع يوفي بالغرض حينئذ. وقراء الرفع هنا قراءة صحيحة كما نص عليها الشيخان أبو السعود والزمخشري. وكذلك لا يسلم قوله بالحسن اللفظي فقط في قوله تعالى: (فَأمَّا اليَتيِمَ فَلاَ تَقْهَرْ) ، لأن لو كان الأمر - كذلك - لوجب التماثل بين الفواصل ولقال - مثلاً - فخبر فتبنى الفواصل على حرف الراء. أما تقديم الخبر فقد مثل له بقوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) ، وهو يرى في تقديم الخبر في هذا الموضع التدليل على فرط اعتقادهم في حصانتها، وزيادة وثوقهم يمنعها إياهم. قال: " وفي تصويب ضميرهم اسماً لأن بناء الجملة عليه، دليل على تقريرهم في أنفسهم أنهم في عزة وامتناع لا يبالى معهما بقصد قاصد، ولا تعرض متعرض ولا شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله.

стр. 605

قال: ومن غامض هذا الموضع قوله تعالى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) . والتقدير: " فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة". ويفيد التقديم - عنده - أمرين: الأول: تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها. الثاني: أراد أن الشخوص خاص بهم دون غيرهم. دل على ذلك بتقديم الضمير أولاً. ثم بصاحبه ثانياً. كأنه قال: فإذا هم شاخصون دون غيرهم. ولو لم يرد هذين الأمرين لقال: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة. والذي أراه في هذه العبارة - بعد موافقة ابن الاثير على إفادة التعبير الأمرين - أن إفادة اختصاصهم بهذه الحالة، مستفاد من اختصاص شخوص الأبصار بدلالة الالتزام فليس في التعبير قصر اصطلاحي يفيد الأمرين معاً وتفسير ابن الأثير يفيد هذا المعنى. * * * تقديم الظرف: أما تقديم الظرف عند ابن الأثير، وهو يشمل الظرف الاصطلاحي والجار والمجرور، فيكون على الوجوه الآتية: ١ - إذا كان مقصوداً به الإثبات فالتقديم فيه أولى من التأخير وهو - فى هذه الحالة - يفيد القصر. ومثل له بقوله تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) .

стр. 606

وبقوله أيضاً: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) والتقديم في هذه الصورة مفيد للقصر، لكنه غفل عن موضع وهو " لله " حيث قدم الجار والمجرور على الفاعل: (مَا في السماوات وَمَا في الأرْض) . فلم يشر إليه وقصر ملاحظته على: (لهُ الملكُ وَلهُ الحَمدُ) . ويحمل ابن الأثير مواضع كثيرة وردت في القرآن الكريم وقدم فيها الظرف فهى مفيدة للاختصاص حتى على حسب ما قرره هو هنا. لكنه يحملها على الحُسن اللفظي وهذه الفكرة تستبد به كثيراً قال: وقد استُخدم تقديم الظرف فى القرآن كثيراً كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . أى تنظر إلى ربها دون غيره. فتقديم الظرف هنا ليس للاختصاص. وإنما هو كالذي أشرتُ إليه في تقديم المفعول. وأنه لم يُقدم للاختصاص وإنما قُدم من أجل نظم الكلام. وأنت ترى أن ابن الأثير يناقض نفسه في هذا الكلام حيث ينفى عن هذه الأمثلة إفادة الاختصاص. ثم يعود فيفسرها تفسيراً قصرياً. ألم يقل في قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . أي: تنظر إلى ربها دون غيره؟. ومن المواضع التي يرى أنها لا تفيد الاختصاص. بل هي لمراعاة نظم الكلام النصوص القرآنية الآتية: قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) . وقوله تعالى: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) .

стр. 607

وقوله تعالى: (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) . وقوله تعالى: (عَليْهِ تَوكلتُ وَإلَيْهِ أُنِيبُ) . قال بعد أن ذكرها: " فإن هذه جميعها لم تُقدم فيها الظروف للاختصاص وإنما قُدمت لمراعاة الحُسن في نظم الكلام فاعرف ذلك ". وقد وَهِمَ ابن الأثير في هذه النظرة التي لم يستطع أن يشفعها بدليل. فهى - قطعاً - للاختصاص. . وذلك أمر يوحى به التعبير نفسه، ويؤكده المعنى المدلول عليه بهذا التعبير. وإذا كان مقصوداً به النفي فيحسن فيه الأمران: التقديم والتأخير، ولكل منهما موضعه. فتقديمه في النفي مفيد للقصر - عنده - وهو كذلك عند غيره. أما التأخير فلا يفيد سوى النفي المجرد. وعبارته في ذلك: " فأما تقديمه في النفي فإنه يقصد به تفضيل النفي عنه على غيره، وأما تأخيره فإنه يقصد به النفي أصلاً من غير تفضيل ". وظاهر أنه يريد بالتفضيل: القصر، وينفيه عدم القصر. وذكر للتأخير قوله تعالى: (ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) وهذا حق. أما التقديم فقد مثل له بقوله تعالى: (لاَ فيهَا غَولٌ) . ثم قال: " فإنه إنما أخر الظرف في الأول لأن القصد من إيَلاء حرف النفي الريب نفى الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق. لا باطل وكذب. . ولو أولاه الظرف لقصد أن كتاباً آخر فيه الريب لا فيه، كما قصد في قوله تعالى: (لاَ فِيهَا غَولٌ) فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلاً من غير تفضيل. وتقديمه يقتضي تفضيل النفي عنه.

стр. 608

ويمثل للحال والاستثناء بأمثلة مصنوعة وينتهى من ذلك كله إلى أن الكلام فيها مثل الكلام في غيرها - يريد الظرف - حسب التفصيل المتقدم. * * تعقيب: إن الظرف - مطلقاً - سواء أكان في النفي أو في الإثبات، يخضع لقواعد مضبوطة من حيث إفادة القصر وعدمه، فما فائدة هذه التقسيمات إذن. اللهم إلا ما ادعاه من أن نوعاً من التقديم في الإثبات، لا يأتي للقصر، بل لمراعاة نظم الكلام وهذا منحى ثبت ضعفه فيما سبق. * * ٢ - النوع الثاني من القسم الأول: وهو ما يكون التأخير فيه هو الأبلغ، وضابطه عنده: أن يُقدم ما الأولى به التأخير ولأن المعنى يختل ويضطرب ويسميه " المعاظلة المعنوية " كتقديم الصفة على الموصوف، وتقديم الصلة على الوصول، وبدهي أنه ليس لهذا النوع أمثلة من القرآن الكريم. إذ هو ضرب نازل من الكلام لذلك مثل له ابن الأثير بأمثلة خارجة معيبة وهذا النوع يسميه البلاغيون " التعقيد ". ومن أمثلته عند ابن الأثير قوله الشاعر: فَقَدْ - والشَّكُّ - بَيَّنَ لِي عَنَاءً. . . بِوشْكِ فِرَاقِهِمْ صُرَدٌ يَصِيحُ وتقدير الكلام: صُرَد يصيح بوشك فراقهم بيَّن لي عناء. حيث قَذم المعمول: " بوشك فراقهم " على العامل: " يصيح ". والصُرَد طائر ضخم الرأس يصيد العصافير، ومنه أيضاً قول الشاعر: فَأصْبَحَتْ بَعْدَ خَطً بَهْجَتَهِا. . . كَأن قَفْراً رِسُومَهَا قَلما والتقدير: فأصبحت بعد بهجتها قفراً كأن قلماً خط رسومها.

стр. 609

وغيرهما كثير ذكره ابن الأثير ثم نقده ورماه بالغموض الذي لا يتضح معه مراد والكلام إنما يُقصد به الإيضاح والإفهام. * * * * القسم الثاني - من قسمى التقديم - عند ابن الأثير: وهو الذي يختص بدرجة التقدم في الذكر لاختصاصه بما يوجب له ذلك. وقد أبان ابن الأثير أن هذا القسم لا يحصره حد، ولا ينتهى إليه شرح، والذي ذكره هو منه. نبذة مختصرة ليقاس عليها غيرها كما يقول هو. وذكر من أسبابه ما يأتي: ١ - تقديم السبب على المسبب: ومثَّل له بقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعينُ) حيث قُدمت العبادة على الاستعانة لأنها سببها. وقد علمنا رأي العَز بن عبد السلام فيها. وقوله تعالى (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) حيث قُدمَت حياة الأرض على حياة الأنعام والناس. لأن حياة الأرض سبب فيما بعدها من حياة الأنعام والناس. ٢ - تقديم الأكثر على الأقل: وهو - هنا - يتفق مع ابن الصائغ ومثاله من القرآن الكريم قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) . ٣ - تقديم الأفضل على المفضول: ولم يمثل له من القرآن بل اكتفى بأنه لو عكس الترتيب في الآية السابقة لكان فيها ذلك.

стр. 610

ولست أدري لماذا لم يمثل له، والقرآن مشحون بمثل هذا النوع. كقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) . وقوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ) . فإن ما قُدم أفضل من حيث الانتفاع به فالخيل أفضل الأَنواع، والحَمير أفضل من البغال. ٤ - تقديم الأعجب فالأعجب: ومثَّل له بقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ) . ٥ - تقديم المناسب: ومثل له بقوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) . فتقديم الإناث على المذكور - مع أن المذكور أشرف - ليناسب ما يرونه بلاء البلاءُ. ومثل له بقوله تعالى: () وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) . لَأنه حين ذكر شهادته على شئون أهَل الأرض وأحوالهم ووصل ذلك بقوله: " وما يعزب " لاءم بينهما لِيَليَ المعنى المعنى. * * * أبرز ملامح منهج ابن الأثير: هذه خلاصة سريعة لنظرية ابن الأثير في التقديم. فما هي - إذن - أبرز خصائصها؟

стр. 611

والجواب: أولاً: أنه يجمع بين طريقتى ابن الصائغ والبلاغيين فهو حين يوجه تقديم حياة الأرض على حياة الأنعام والناس. وحين يوجه تقديم الظالم لنفسه على المقتصد. وحين يوجه تقديم العبادة على الاستعانة. حين يوجه هذا كله وما كان على شاكلته مما ليس بمسند إليه ولا بمسند. فإنه ينهج نهج ابن الصائغ. وحين يتلمس أسباب تقديم المفعول والظرف والحال والاستثناء. . والخبر. حين يوجه هذا كله فإنه ينهج نهج البلاغيين مع ولوعه بكثرة التقسيمات والتنويعات كما مرت بنا في دراسة منهجه. ثانياً: أنه يميل إلى التطرف - كثيراً - ومخالفة ما عليه الإجماع. كإخضاعه أنواعاً شتى من التقديم لحسن النظم، نافياً عنه إفادة الاختصاص مع أنه في الواقع مفيد للاختصاص. ثالثاً: أنه يهتم بالنصوص القرآنية. ويتخذ منها المورد الأولى في مثلة مبيِّناً ما فيها من وجوه الجمال الفني، والحُسن اللفظي. رابعاً: أنه يجمع إلى العلم العقل الذكي، والذوق الحساس، فهو لذلك كان ناقداً طويل الباع، صائب الحكم في أكثر قضاياه التي تعرض لها. ومنهجه مجد إلى حد كبير في فهم أسرار التقديم في القرآن الكريم. * * * ْرابعاً: منهج المفسرين في التقديم قد تكون الفروق دقيقة بين ما نسميه بمنهج المفسرين، وبين الطرق الثلاث المتقدمة - طريقة ابن الصائغ وطريقة البلاغيين وطريقة ابن الأثير - والذى دعانى إلى أن أفرد بحثاً خاصاً تحت هذا العنوان " منهج المفسرين " أنى رأيت المفسرين أنفسهم قد تمرسوا هذا الفن حين تصديهم دشرح كتاب الله وإيضاح معانيه، وبيان مظاهر الجمال والإعجاز فيه.

стр. 612

ورأيت هذه الطريقة - طريقة المفسرين - قد استوعبت ما ذهب إليها أصحاب المناهج السابقة. فهى لا تتقيد بما قيَّد البلاغيون به منهجهم ولا بما حصر فيه ابن الصائغ فكرته ولا بما دار في فلكه ابن الأثير. فهى تجمع ما تفرق من هذه الطرق من محاسن، ولذلك كان للمفسرين جولات غنية جداً في فهم التقديم فى القرآن والكشف عن أسراره المختلفة. وكل ما يؤخذ عليهم أنهم قد ينساقون - أحياناً - وفي بعض المواضع إلى إرجاع شيء من التقديم إلى رعاية الفواصل - كما يقول البلاغيون - أو حُسن النظم السجعى كما يقول ابن الأثير. ولما كان تتبع أسفار التفسير - وهي كثيرة - ليس بمستطاع هنا. فإنى سأعتمد أساساً على اثنين منهم هما: ١ - العلامة أبو السعود في تفسيره المسمى " إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم ". ٢ - الإمام محمود بن عمر الزمخشري. في تفسيره المسمى " الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ". أولاً: من تفسير أبى السعود ١ - تقديم التحلية على اللباس: قال تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) . يقول العلامة أبو السعود في تقديم التحلية على اللباس: " للإيذان بأن ثبوت اللباس لهم أمر محقق، غنى عن البيان، إذ لا يمكن عراؤهم عنه. وإنما المحتاج إلى البيان أن لباسهم ماذا؟ بخلاف الأساور واللؤلؤ فإنها ليست من اللوازم الضرورية. فجعل بيان تحليتهم بها مقصوداً بالذات. ولعل هذا هو الباعث إلى تقديم بيان التحلية على بيان حال اللباس ".

стр. 613

فهذا البحث ليس في تقديم المسند إليه أو المسند، أو متعلقاتهما مما يعنى به علماء البلاغة. وإنما هو تقديم معنى على معنى بغض النظر عن الألفاظ الدالة عليه وتحت أي ضابط يقع. لذلك فهو أقرب إلى طريقة ابن الأثير والعلة أو السر في التقديم هنا - كما يراه أبو السعود - ليس من الأسرار التي أرجع إليها علماء البلاغه تقديم ما يُقدم. وهو ما موفق في هذا التوجيه. ويؤيده من النظم نفسه أن المعنى الأولى " التحلية " مدلول عليه بالجملة الفعلية. التي تفيد التجدد والحدوث وطول الكلام في العبارة نفسها. أما المعنى الثاني: فقد دلَّ عليه بعبارة موجزة قوامها ثلاث كلمات: " ولباسهم فيها حرير "، كما دَلَّ عليه بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والدوام. فكأن الله - سبحانه - في التحلية. أراد أن ينشِئ ويحدث معنى جديداً فهى إذن تأسيس. كذلك فقد عمد إلى ما هو حاصل معناه عند السامع " لباسهم " وجعله موضوعاً لحكم " حرير " فأفاد الخبر بيان النوع وليس المعنى الأصلى الحاصل على وجه الجملة!؟ فلله دَرُّ أبي السعود فقد كان ملهَماً وهو يقرر هذه الحقيقة. ومع احترامنا لما يرى أبو السعود يمكن تخريج المسألة على الوجه الآتى: * توجيه آخر: إن التقديم هنا سببه تقديم الأضعف على الأقوى. وإذا جاز هذا فإن له فى القرآن نظائر وأشباهاً. يقول الرازى في قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) . " قدم حق اليتيم والسائل، لأنه غني، وهما محتاجَان. وتقديم حق المحتاج أولى ".

стр. 614

ولنا أن نقول على طريقته في تقديم اليتيم على السائل: " قدم اليتيم على السائل. لأن اليتيم أضعف من السائل. إذ هو لا يكون يتيماً إلا دون البلوغ والرُشد. والسائل قد يكون بالغاً راشداً. فقدم ما هو مظنة الضعف وموضع الرعاية والعطف على ما هو ليس بهذه الحالة. ويتأكد المعنى وضوحاً إذا أخذنا بالرأي القائل إن المراد بالسائل هو سائل العلم لا الطالب الصدقة. ونظيره ما تقدم عند ابن الصائغ في تقديم الوصية على الدَّيْن. ولعل من هذا النوع تقديم الإناث على المذكور في معرض الهبات: (يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكُورَ) . لأن الأنثى أقل شأناً من الذكر في معرض الهبة. وكان العرب يرون هبتها عاراً فقدمت الإناث على المذكور تنبيهاً لهم على خطأ تلك النظرة لإفادة أن الإنثى والذكر سواء كلاهما هبة من الله. وهذا التوجيه أراه أنسب مما ذهب إليه ابن الأثير آنفاً حيث جعله بلاء. كما كانوا ينظرون إليه - فقدم ليلائم البلاء. وقريب منه ما ذكره أبو السعود في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا. .) حيث قدم حالة القاتلية على المقتولية، للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتال بذلاً للنفس. والداعي إلى هذا التقديم أن الناس كانوا لا يساوون بين أن يَقتل المجاهد العدو. وبين أن يُقتل هو. فالاستشهاد أعظم صور الجهاد.

стр. 615

فأراد الله أن يبيِّن لهم أن كلا العملين عظيم: القتل للعدو والقتل بيد العدو. وعلى هذا فإن القرآن قدم الأضعف على الأقوى إشعاراً بتساويهما فى الفضل. . هذا على قراءة حفص حيث قدم المبني للمعلوم " فيَقتلون " على المبني للمجهول " يُقتلون ". أما على قراءة مَن عكس. فإن أبا السعود يرى تقديم الشهادة: رعاية لكونها عريقه في الباب. وإيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله. بل بكونه أحب إليهم من السلامة. * ٢ - تقديم قصة نوح على مصاحبها: وقال في تقديم قصة نوح ﵇ على غيره ممن ذكِرَ معه في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) قال: " وفي تقديم قصة نوح على سائر القصص ما لا يخفى وجهه. وفى إيرادها إثر " قوله تعالى: (وَعَليْهَا وَعَلى الفُلكِ تُحْمَلونَ) من حُسن الموقع ما لا يوصف. فالتقديم هنا ذو غرضين: ١ - مناسبة ما تقدم: حيث تقدم عليها الفلك والحمل عليه. ٢ - الإشارة إلى سبقه في الوجود ففي التعبير تقديم بحسب الترتيب الزمني.

стр. 616

وهذا السبب الآخر لم يذكره أبو السعود صراحة بل اكتفى بكونه ظاهراً لا يخفى. . ولا يمكن أن يكون مراده غير ما ذكرناه. * ٣ - تقديم المحصنات على مصاحبها: " وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) . يرى أبو السعود أن في تقديم المحصنات الغافلات على المؤمنات. وهي ثلاثة أوصاف لموصوف واحد. إيذاناً بأن المراد الوصف المنبئ عما ذكر من صفتى الإحصان والغفلة. وليس المراد المعنى المؤسس المصحح لإطلاق الاسم في الجملة - كما هو المتبادر على تقدير التقديم. والخلاصة - عنده - أن ترتيب هذه الصفات الثلاث كما جاء في الآية مفيد بأنهن مؤمنات بكل ما يجب الإيمان به من الواجبات والمحظورات وغيرها إيماناً حقيقياً تفصيلياً. * رأي لنا في المسألة: هذا ما ذكره أبو السعود. ويمكن توجيه التقديم على وجه آخر. وهو أن الكلام مسوق للتشنيع على الرامين، وتفظيع أمرهم بدليل قوله تعالى في عجز الآية: (لعِنُواْ فِى الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَلهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) . وإذا كان الأمر كذلك فإن تقديم " المحصنات " وإليةَ الفعل " يرمون " وإيقاعه عليها مباشرة يساعد على إبراز ذلك المعنى الذي هو التشنيع على الرامين وتفظيع حالهم لأن " الإحصان " ينافى مدلول الرمى إذ هو - أى الإحصان - نص في العفة الثابتة لهن.

стр. 617

ويناسب ذلك عطف " الغافلات " على " المحصنات " إذ المراد من الغفلة نفى أن يكون لهن أدنى شعور بما يُنسب إليهن لأنهن لم يأتينه من أصله. وذلك بخلاف ما لو قدم " المؤمنات " لفات ذلك المعنى. لأن المؤمنة قد تخطئ. فكأن القرآن يقول: إنهم يرمون مَن شأنه ألا يُرمى لوجوده في الواقع على خلاف ما يدَّعون. * ٤ - توسط "الظرف ": ومن روائع ما ذكره العلامة أبو السعود توجيهه لتوسط بين " لولا " وفعلها فى قوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) . قال أبو السعود: " وتوسيط الظرف بين " لولا " وفعلها لتخصيص التحضيض بأول زمان سماعهم وقصر التوييخ على تأخير الإتيان بالمحضض عليه إلى ذلك الأوان، والتردد فيه. ليفيد أن عدم الإتيان به رأساً في غاية ما يكون من القباحة والشناعة ". وهذا فهم صادق لكلام الله الجزل، نرى فيه أبا السعود لم يكتف بإرجاع التوسط الظرفى إلى سبب واحد، بل أرجعه إلى ثلاثة أسباب. . وهو صائب الرأي فى هذا وهو ينحو هذا النحى العذب في تحليله البياني لكتاب الله الكريم. ونختم جولتنا معه بهذا الموضع: * ٥ - تقديم المجرورات في " الشرح ": قال تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) .

стр. 618

يقول أبو السعود: " وزيادة الجار والمجرور مع توسطه بين الفعل ومفعوله، للإيذان بأن الشرح من منافعه ﵊ ومصالحه. مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه، وتشويقاً له إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن ". ويرى الإمام النيسابورى أن الجار والمجرور مقحم في هذه المواضع وفائدته الإجمال ثم التفصيل. فهو يتفق مع أبى السعود في تقديره زائداً. ويختلف معه في التوجيه. والقول بالزيادة في القرآن أمر ليس مقبولاً عند التحقيق. فكل ما جاء فى النظم الكريم له معنى دال عليه يزول بزواله. لذلك فقد تصدى للرد على هذه الفرية - عموماً - عالم ملهم هو المغفور له محمد عبد الله دراز ونفى بالدليل المقنع أن يكون في القرآن زائد. وفي موضوعنا هذا لم ترض صاحبة التفسير البياني ما قال به أبو السعود والنيسابورى وهي ترى في الجار والمجرور فى المواضع الثلاثة ضرورة بيانية اقتضاها المقام ولكنها لم تبين وجه تلك الضرورة. وأنا مع الرافضين للقول بالزيادة في القرآن في هذه المواضع، وفي كل موضع يذهب فيه هذا المذهب. والذي أراه في الجار والمجرور في المواضع الثلاثة المذكورة أنها واردة لتأكيد المعنى المفهوم من الجملة. لذلك حرص القرآن الكريم على أن يذكر في كل موضع من المواضع الثلاثة الجار والمجرور المناسب للمعنى. ففى الموضع الأول كان: (ألمْ نَشْرَحْ لكَ صَدْرَكَ) . فالشرح خير. فناسبه " لك " وقدم اهتماماً به. وفي الموضع الثاني كان: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) وقدم: " عنك " لنفس المعنى الذي قدم من أجله " لك " في الآية السابقة.

стр. 619

وفى الثالث كان: (وَرَفَعْنَا لكَ ذكْرَكَ) فالرفع للذكر خير وشرف ولذلك عاد " لك " مرة أخرى، لأنه مشعر بالنفع. فلا زيادة ولا إقحام. . ولو تلا تالٍ هذه الآيات محذوفاً منها الجار والمجرور لظهر الفرق من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. فيما عليه النص الكريم وفيما عليه غيره بعد الحذف. ويقول أبو السعود في الموضع الثاني: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ) وتقديمه على المفعول الصريح مع أن حقه التأخير عنه. لما مَرَّ مراراً من القصد إلى تعجيل المسرة والتشويق إلى المؤخر، ولما أن في وصفه نوع طول. فتأخير الجار والمجرور عنه مخل لتجاوب أطراف النظم. ويذهب الشيخ محمد عبده مذهب أبى السعود في توجيهات هذه الآيات فيقول: " والإتيان بالجار والمجرور - " لك " و " عنك " - وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير ". * ٦ - سر تقديم المجرورات على " رجال " في آية النور: ومما يفيد التقديم فيه أكثر من غرض قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) َ. قال أبو السعود: " رجال ": فاعل " يسبح ". وتأخيره عن الظروف لما مَرَّ مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر. ولأن في وصفه نوع طول فيخل تقديمه بحسن النظم ".

стр. 620

وهذا التوجيه على قراءة مَنْ بنى الفعل للفاعل. وقد فات أبا السعود أن فى الآية ثلاثة ظروف متجاورة لم يشر إلى سر ترتيبها، وهي: " له فيها بالغدو ". والذي يبدو أمام الباحث أن تقديم " له " على تالييه: " فيها بالغدو " لأن الضمير المجرور وهو " الهاء " عائد على اسم الجلالة. فقدم إذن تعظيماً له. أما تقديم " فيها " فلأن الضمير المجرور، عائد على " المساجد " أو " البيوت " وقد تقدم ذكرها في الكلام فكان تقديمها أولى من تقديم " بالغدو ". هذه مُثل من تفسير أبى السعود، عالج فيها التقديم بمنهج حر واسع النظرة وتفسيره حافل بمثل هذه الصور وهو - كما رأينا - مولع بتقصى الأسرار التى يفيدها التقديم فتراه يثبت لك في الموضع الواحد سراً أو سرين أو ثلاثة. وهذه طريقة جديرة بالتقدير لفهم أسرار الكتاب الكريم وفهم مقومات الجمال الفني فيه. * * ثانياً: من كشاف الزمخشري لا فرق بين نظرة الزمخشري ونظرة أبى السعود في التقديم. فهما جميعاً ينهلان من معين واحد. وأبرز ما يمتاز به منهجهما هو الحرية. وعمق النظرة. وإن كان العلامة أبو السعود أرسخ قدماً من الزمخشري في هذا المجال. وقد سبق لنا أن وقفنا على شيء من توجيه الزمخشري للتقديم في قوله تعالى: (وَلكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) . ونذكر من كشافه نموذجاً آخر لمعالجته للتقديم في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)

стр. 621

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) . يَقول الزمخشري: " فما للقصة لم تُقَص على ترتيبها، وكان حقها أن يُقدم ذكر القتيل، والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها. وأن يقال: وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها ". ويجيب: " كل ما قُصَّ من قصص بنى إسرائيل إنما قُصَّ تعديداً لما وُجدَ منهم من الجنايات. وتقريعاً لهم عليها. ولما جُدِّدَ فيهم من الآيات العظام. . وهاتان قصتان كل منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدين. فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء. وترك المسارعة إلى الامتثال. وما يتبع ذلك. والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة. وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قُدمت قصة الأمر بذبح البقرة، على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على أصله لكانت قصة واحدة. ولذهب الغرض من تثنيَة التقريع. * * * أبرز ملامح منهج المفسرين: فالدراسة - هنا - لم تتعلق بتقديم المفردات - فضلاً عن أن تتعلق بمسند إليه أو مسند، أو ظرف. . وإنما تعلقت بتقديم قصة على قصة. بكل ما تحمله كل

стр. 622

من القصتين من ألفاظ وعبارات. وأبانت لنا سر تقديم قصة على أخرى. كما أبانوا - أي البلاغيون - السر في تقديم خبر على مبتدأ. أو ظرف على معمول آخر. * * * اقتراح: والسؤال الآن: أي هذه الطرق أجدى في فهم التقديم في القرآن؟ والجواب: هي كلها بعد تهذيب بعضها وإصلاح حواشيها. . أن القرآن كل حرف فيه - فضلاً عن كل كلمة وكل جملة - موضوع بحساب دقيق. وفيه ترتيب مقومات الأداء - أي وحدات الأسلوب - على وجه أحسن وهو ثروة فكرية. ومتعة أدبية. فنحن في حاجة إلى منمهج شامل يُنظر في أسلوبه من حيث العبارات ومن حيث المعاني. ويُقاَرن ويُستخلص فإن القرآن ما زال بكراً عزيز المنال. . وهذه المناهج كلها أعون على كشف أسراره ومعانيه. * * *

стр. 623

الفصل الثالث التقديم غير الاصطلاحي أو اختلاف النظم في العبارات ذات المعنى الواحد مَرَّ بنا - فيما سبق - نوعان من التقديم. . . أولهما: تقديم ما حقه التأخير وضابط هذا النوع: أن المقدَّم فيه له رتبة معلومة في التركيب كالخبر رتبته التأخير عن المبتدأ، والمفعول به رتبته التأخير عن الفعل والفاعل. وهذا النوع يُعلم حاله بمجرد النظر إلى العبارة، حيث يُرى ما قُدم قد أزيل عن مكانه من الجملة ووُضِعَ في مكان آخر مقدماً على ما كان له، وقد عنى البلاغيون بهذا النوع ووضعوا له القواعد والأصول. ولم يهتموا بغيره إلا فيما ندر. ثانيهما: تقديم ما ليس له رتبة معيَّنة في التركيب، لكنه قد يقع مصاحباً لشبيه له أو أشباه مقدماً عليها فيلحظ البلاغي سراً للمقدم كتقديم الوصية على الدَّيْن. وتقديم حالة القاتلية على المقتولية في بعض آى القرآن. وكتقديم الأموال على الأولاد في كل موضع اجتمعا فيه مثل: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .

стр. 624

وقوله: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) . وقوله: (يَوْمَ لاَ يَنَفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ) . وقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) . وقوله: (وَمَا أمْوَالُكُمْ وَلاَ أوْلاَدكُم بِالتِى تُقَربكُمْ عِندَنَا زُلْفَى) . وكثير غير هذه المواضع قُدمت فيها الأموال على الأولاد في القرآن الكريم. . ولعل السر في تقديم الأموال على الأولاد: أن الإنسان يملك أموالاً قبل أن يكون له أولاد. وأن المال أكثر نفعاً للرجل من ولده. وأكثر شغلاً له. وهذا النوع ليس له نصيب ذو قيمة عند البلاغيين، وإنما عنى به المفسرون وكان أبرز خصائص منهجهم في التقديم. وقدمنا فيما سبق نبذة من أقوالهم فيه معتمدين أساساً على ما كتبه العلامة أبو السعود في تفسيره، وجار الله الزمخشري فى كشافه. * * * نوع ثالث من التقديم: ونحن الآن بصدد نوع ثالث من التقديم مختلف تماماً عن النوعين السابقين لأنك إذا نظرت إلى العبارة مجردة لم يظهر لك فيها تقديم أو تأخير إنما ترى كل كلمة وقعت موقعها في الجملة التي هي فيها. وإذا قارنتَ هذه العبارة بموضع آخر اتحد معها في أصل المعنى ظهر لك أن الكلمة قُدِّمت في موضع، وأخِّرت في آخر. مثال ذلك قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ) . وقوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) .

стр. 625

فلو أنك نظرتَ إلى آية البقرة المذكورة وحدها لم يظهر لك شيء من أمر التقديم والتأخير فيها. لكنك حين تقارنها بآية الأعراف المتفقة معها في أصل المعنى المختلفة معها فى النظم بان لك أمر التقديم والتأخير واضحاً. فدخول الباب سُجداً مُقدم في البقرة، والقول بالحِطة مؤخر. وقد عكس ذلك فى الأعراف فجاء القول بالحِطة مقدماً ودخول الباب سُجداً مؤخراً إ! وقد أحصيتُ من هذا النوع واحداً وعشرين موضعاً في القرآن الكريم. فرحتُ أبتغي توجيهاً لها عند المفسرين فلم أجد إلا عبارات مقتضبة في مواضع قليلة جداً لم تشف غليل باحث. وبدهي أن البلاغيين لم يعالجوا هذا النوع لا من قريب، ولا من بعيد. إلا في موضع واحد أو اثنين وسنشير إلى هذا كله فى موطنه. والحق يقال إن الإمام الزركشي قد سرد هذه الآيات في باب التشابه وحلل القول في مواضع نادرة منها، وحتى ما كتبه هو لم يحل المشكلة. وسأنبه عليه فى موضعه كذلك. أمام هذه الاعتبارات اضطررتُ إلى استئناف البحث في هذه المواضع جميعاً. معتمداً في توجيه السر فيها على ما يأتي: ١ - شروح المفسرين وما قاله بعضهم من عبارات مقتضبة لم تشف غليلاً. ٢ - ما كتبه الزركشي في البرهان عن بعض المواضع منها. ٣ - وهو المعتمد الأهم. هو القرآن نفسه أوازن وأستنتج وأقف في كل موضع أدرسه على ما اشتمل عليه من دقائق اللفظ والمعنى، وقرائن الأحوال واختلاف المقامات والسابق واللاحق نزولاً. وكان لهذا فضل توجيهى في كل المواضع التي تناولتها بالدراسة هنا.

стр. 626

وبعد الفراغ من توجيهاتها كلها واستفراغ كل جهدى في دراستها بعد هذا كله عثرتُ على كتاب " درة التنزيل وغرة التأويل: في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز ". للشيغ الإمام أبى عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي المتوفى سنة ٤٢١ هـ، رواية الإمام إبراهيم بن علي ابن محمد المعروف بابن أبى الفرج. وفي هذا الكتاب حديث عن أكثر هذه المواضع تناوله المؤلف في شيء من الإفاضة والتوسع. وعلى التو قمتُ بمراجعة فاحصة لما كتبته في توجيهها مقارناً بما جاء فى كتاب الخطيب الإسكافي. وللحق أقول: إننى لم أغيِّر كثيراً فيما انتهيتُ إليه من نتائج بعد اطلاعى على هذا الكتاب، وسوف أشير إلى رأيه ملخصاً فيما يأتي عند توجيه كل موضع إن شاء الله. ونحدد - قبلاً - هذه الآيات: * إشارة سريعة لنصوص التقديم غير الاصطلاحي: الموضع الأول: هو آية البقرة: ٥٨ مع آية الأعراف: ١٦١، والثاني: آية البقرة: ٦٢ مع آية الحج: ١٧، والثالث: آية البقرة: ١٢٠ مع آية الأنعام: ٧١، والرابع: آية البقرة: ١٤٣ مع آية الحج: ٧٨، والخامس: آية البقرة: ١٧٣ مع آية المائدة: ٣ والأنعام: ١٤٥ والنحل: ١١٥، والسادس: آية البقرة: ٢٦٤ مع آية إبراهيم: ١٨، والسابع: آية آل عمران: ١٥٦ مع آية الأنفال: ١٠، والثامن: آية النساء: ١٣٥ مع آية المائدة: ٨، والتاسع: آية الأنعام: ١٠٢ مع آية غافر: ٦٢، والعاشر: آية الأنعام: ١٥١ مع آية الإسراء: ٣١، والحادى عشر: آية النمل: ١٤ مع آية فاطر: ١٢، والثاني عشر: آية الإسراء: ٨٩ مع آية الكهف: ٥٤، والثالث عشر:

стр. 627

آية المؤمنون: ٨٣ مع آية النمل: ٦٨، والرابع عشر: آية الآسراء: ٩٦ مع آية العنكبوت: ٥٢، والخامس عشر: آية القصص: ٢٠ مع آية يس: ٢٠، والسادس عشر: آية آل عمران: ٤٠ مع آية مريم: ٨، والسابع عشر: آية البقرة: ١٢٩ مع آية الجمعة: ٢، والثامن عشر: آية البقرة: ٣٥ مع آية البقرة: ٥٨، والتاسع عشر: آية البقرة: ٢٣ ١ مع آية البقرة: ٤٨، والموضع العشرون: آيات: الأنعام: ٣٢ ومحمد: ٣٦ والحديد: ٢٠ مع آيتي الأعراف: ٥١ والعنكبوت: ٦٤ هذه عشرون موضعاً اتحد فيها أصل المعنى أو كله واختلفت صور النظم من حيث التقديم والتأخير وغيرهما، وقبل أن نخوض في التفصيل أرجو أن أوافق على تلك التسمية التي أثبتها في العنوان وهي: " التقديم غير الاصطلاحي " أو " اختلاف النظم في العبارات ذات المعنى الواحد ". * الموضع الأول " دخول الباب والقول بالحِطة ": (وَادْخُلواْ البَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حطة) . (وَقُولُواْ حِطةٌ وَادْخُلُواْ البَابَ سُجَّداً) . علل الزمخشري في كشافه. وأبو السعود في إرشاده التقديم والتأخير في هذا الموضع بعدم التناقض. وحجتهما أن المأمور به هو الجمع بين الأمرين: القول بالحطة، والدخول ساجدين من غير اعتبار الترتيب بينهما. وسواء قدموا الحِطة أَو أخَّروها لْهم جامعون في الإيجاد بينهما. أما الخطيب الإسكافي فقد أرجع التقديم والتأخير إلى أن القرآن إنما حكى المعنى دون اللفظ. وما دام الأمر كذلك فلا غرابة.

стр. 628

وأرجع السيوطي هذا الاختلاف في هاتين الآيتين، وما شاكلهما إلى التفنن فى الفصاحه وإخراج الكلام على أساليب مختلفة. * * رأينا في الموضوع إن الذي ذكروه - وإن كان صحيحاً في نفسه - فغير كاف لإقناع الباحث فى كتاب الله. فهو أقرب إلى التوجيه العام من التحليل الموضوعى الدقيق، الذى يكشف عن السر في كل ظاهرة من ظواهر التعبير. لذلك ندير البحث على وجه آخر أرى أنه أقرب إلى الصواب، والمعروف أن السجود قد يكون شكراً على النعَم، والاستغفار طلباً للعفو من الذنوب، والقوم في الموضعين مُنْعَم عليهم ومَخطئون. فتقديم السجود في البقرة على الاستغفار تغليب لجانب الشكر على جانب الاستغفار وهذا التغليب مبعثه أمران: الأول: أن الله قد حثهم - صراحة - على الشكر في معرض الحديث. الثاني: أن نعمة الله عليهم في البقرة أظهر وأكمل مثها في الأعراف. وذلك لاشتمال الحديث في البقرة على بعثهم بعد الموت بالصاعقة، وهذه نعمة جديدة. كما وصف " الأكل " بالرغد: (فَكُلواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً) . وقد فسر " الرغد " بالسعة ولم يأت هذا الوصف فى الأعراف. والحديث في البقرة جار مجرى الخطاب، بينما هو في الأعراف آت على أسلوب " الخبر " المحكى. وقد عطف الأكل على الأمر بالدخول بـ " الفاء ". فأفاد أن أكلهم الرغد مترتب على دخولهم، وأنه سريع الحصول لهم. والعطف فى الأعراف بـ " الواو " وهو لا يفيد سوى مطلق الجمع.

стр. 629

والقول بالأمرين - الدخول ساجدين، والقول بالحطة - مسند إلى ضمير اسم الجلالة " الله " صراحة " وإذ قدنا "، أما فىَ الأعراف فقد جرى الحديث مجرى ما لم يسم فاعله: " وإذ قيل لهم. . " ففى الإسناد الأول من الفخامة والجلال ما ليس في الإسناد الثاني حسب مقتضيات المقام. كذلك فإن التعبير في البقرة مفيد لحدوث النعمة المستوجَب عليها الشكر. أما في الأعراف فلا يفيد ذلك الحدوث ضرورة لأن: " ادخلوا " غير: " اسكنوا " فالأول يفيد أنهم كانوا خارجها وأتيح لهم دخولها، والثاني يفيد أنهم كانوا فيها، والجديد في الأمر تمكنهم من الاستمرار على ما هم عليه. فظهور كمال النعمة في البقرة اقتضى تقديم الأمر بالسجود، لأن السجود مظهر عظيم من مظاهر شكر النعَم. ثم روعي جانب الخطيئة في الأعراف فقدم ما يناسبه وهو القول بالحطة لزوال ما اقتضى التقديم في آية البقرة. ومن الخير أن نذكر نصوص القصة في السورتين كاملة: أولاً - البقرة: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) . ثانياً - في الأعراف: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) . * *

стр. 630

* الموضع الثاني " هُدَى الله هُوَ الهُدَى ": (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) . جاء هذا التعبير بتقديم (هُدَى الله) على (هُوَ الهُدَى) في سورة البقرة. وجاء عكسه. أي تقديم: " الهُدَى " على " هُدَى الله " حيث قال: (قُلْ إن الهُدَى هُدَى اللهِ) في آل عمران. ولم يذكر أحد من المفسرين في توجيهه شيئاً. وأغفلها الخطيب الإسكافي فلم يتحدث عنها بهذا الاعتبار. بل جاء بآية البقرة لغرض آخر لم يدخل فيما نحن فيه من حيث التقديم والتأخير. والذي أراه من سياق الآيات نفسها أن لكل تقديم وتأخير في هذه المواضع سبباً اقتضاه. . فقد جاء فى سورة البقرة: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) . وجاء في الأنعام: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) . وجاء في آل عمران: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) . * *

стр. 631

* ما يهدى إليه النظر في هذا الموضع: إذا نظرنا في هذه المواضع نظرة فاحصه وجدنا أن تقديم: " هدى الله "، له سبب اقتضاه في الموضعين الأول والثاني. إذ هو آت نصاً من أول الأمر على أن: " هدى الله هو الهدى " في معرض حديث يُدَّعَى فيه أن غير الله له هدى. ففى البقرة ادعى ذلك الهدى اليهود والتصارى، ومن أجل مدعاهم هذا لا يرضون إلا عمن اتبعهم وصدقهم: (وَلن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النصَارَى حَتى تَتبِعَ ملتَهُمْ) . فكأنهم يرفضون أن يكون هدى غير ما هم عليه منكرون لما سواه. فجاءت الآية مفندة دعواهم: (قُلْ إن هُدَى الله) ، أي: لا هداكم ولا هدى غيركم، ففى الأسلوب قصر قلب. يقول النسفي: " وهدى الله هو الهدى كله ليس وراءه هدى ". وكذلك في الأنعام: (لهُ أصْحَابٌ يَدعُونَهُ إلى الهُدَى ائْتنَا) فالأصحاب يدعون أن لهم هدى، فسلك القرآن - هنا - مسلكه في آيةَ البقرة لوجود السبب في الموضعين. أما تقديم " الهدى " في آل عمران على " هدى الله " فلأن القوم هنا لم يبد منهم إنكار. أو دعوى استئثارهم بالهدى، بل هم مقرون بذلك وإنما يريدون أن يفتنوا مَنْ هم على هدى: (الَّذيِنَ آمَنُواْ) عما هم عليه ليستأثروا هم بهدى الله حسداً من عند أنفسهم أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. فجات الآية الكريمة: (قُلْ إن الهُدَى هُدَى اللهِ) . اعتراضاً مبيناً لوهمهم فيما حسبوا أنهم

стр. 632

قادرون عليه من إضلال المؤمنين. فتعريف الهدى بـ " الألف واللام "، وجعله موضوعاً للحديث والحكم عليه بأنه: " هدى الله " هو التعبير الأنسب للمقام لما في " ال " من معنى الاستغراق. ففى العبارة قصر أفراد. * * * الموضع الثالث " شهادة الرسول وشهادة الأمة ": (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) . وقال سبحانه: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) . فى هذين النصين نوعان من التقديم. أولهما: تقديم شهادة الأمة على الناس، على شهادة الرسول على الأمة في آية البقرة. وتقديم شهادة الرسول على الأمة. على شهادة الأمة على الناس في آية الحج، وهذا من التقديم غير الاصطلاحي. وثانيهما: تقديم " عليكم " على " شهيداً " في البقرة ثم الإتيان به على الأصل في آية الحج: " شهيداً عليكم " وهذا من التقديم الاصطلاحي الذى يعني به البلاغيون.

стр. 633

وسر التقديم في النوع الثاني ظاهر. فقوله تعالى: " عليكم شهيداً " في البقرة أفاد فيه تقديم الجار والمجرور: " عليكم " تخصيص شهادة الرسول على الأمة دون ما غيرها من الأمم. * * ماذا قال المفسرون: وقد قال المفسرون إن المراد بشهادة الرسول - هنا - على الأمة شهادة لها بالعدالة والتزكية، لأن الله قد وصف الأمة بقوله " وَسَطاً " أي خياراً عدولاً، وعلى هذا فإن محمداً ﷺ لا يزكى غير أمته لقيام هذه الأمة مقام الشاهد على جميع الأمم. وهذا الفهم الذي فهمه المفسرون من شهادة الرسول على الأمة. يفيدنا إلى أبعد مدى في فهم السر في النوع الأول الذي يصوره هذا السؤال. * سؤال وجواب: لماذا قُدمت شهادة الأمة على شهادة الرسول في البقرة وعكس الأمر فى الحج؟ والجواب: إن الكلام في سورة البقرة مسوق لتقرير عدالة الأمة، وكونها شاهدة على الأمم. أما شهادة الرسول عليها فهى تزكية لها لقبول شهادتها، والتزكية تكون بعد أداء الشهادة نفسها. إذ هي أصل. والتزكية تابعة لها. ولولا ذلك لما قُدمت شهادة الأمة على شهادة الرسول. لتباين المنزلتين. ووجه آخر للتقديم أن يقال إن الخطاب أصلاً مؤجه إلى الأمة: (وكَذَلكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى الناسِ) . وظاهر أن " لَام التعليل " داخلة على مَا من أجله كان الجعل. فتقديم شهادة الأمة على شهادة الرسول أمر اقتضاه حُسن النظم، وتلاؤم المعنى. . هذا في البقرة.

стр. 634

أما في سورة الحج فقد جاء الترتيب بين الشهادتين على الأصل بتقديم شهادة الرسول على شهادة الأمة. وذلك لأن المعنى - كما نص عليه المفسرون - أن يشهد الرسول على أمته بأنه بلغها ما أنزِل إليه من ربه. وأن تشهد الأمة على الأمم السابقة بأن رسلهم قد بلغتهم ما أنزِل إليهم من ربهم. فموضوع الشهادتين واحد هو التبليغ. لذلك قُدِّمت شهادة الرسول، لأنها الأصل. وأخرت شهادة الأمة، لأنها الفرع. إذ هي مترتبة عليها ومستقاة منها. فالتقديم هنا من باب ما هو أصل على ما هو فرع. ولم يذكر الخطيب الإسكافي شيئاً عن هذا الموضع في كتابه المذكور لا فى البقرة، ولا في الحج. * * * الموضع الرابع " التوحيد والخَلق ": (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) . (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) . والناظر في هاتين الصورتين يجد عبارة: (خَالقُ كُل شَىْءٍ) قُدِّمت فى غافر وأخِّرت عليها عبارة: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) .

стр. 635

وفى الأنعام عكس الوضع. فقدِّمت: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) وأُخِّرت: (خَالِقُ كُلً شَيءٍ) . * * توجيه ميسور: والتوجيه - هنا - سهل ميسور. إذ المقام في غافر مقام تعدد وتذكر بنعم الله فناسب ذلك تقديم: (خَالقُ كُلً شَيءٍ) ، والمقام في الأنعام مقام يزعم فيه المشركون تعدد الآلهة حيث جعلوا له شركاء الجن. فقُدِّمت: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) . لأن فيها نصاً على نفى التعدد المزعوم. فالتقديم هنا من باب تقديم الأنسب فالأنسب وقد تحدث عن هذا الموضع الخطيب الإسكافي بما لا يخرج عما قلناه، وإن جعل المقام في " غافر " مقام تثبيت خلقه. * * * الموضع الخامس: " الذِينَ آمَنُواْ، وَالذِينَ هَادُواْ ": (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) . (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) . فى آية البقرة قُدِّمت: " النصارى " معطوفة على " الذين هادوا " على " الصابئين " وفي آية الحج عكس الموضع فقدمت: " الصابئين " على " النصارى ".
следующие страницы →