← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

* ما يهدى إليه النظر في هذا الموضع: إذا نظرنا في هذه المواضع نظرة فاحصه وجدنا أن تقديم: " هدى الله "، له سبب اقتضاه في الموضعين الأول والثاني. إذ هو آت نصاً من أول الأمر على أن: " هدى الله هو الهدى " في معرض حديث يُدَّعَى فيه أن غير الله له هدى. ففى البقرة ادعى ذلك الهدى اليهود والتصارى، ومن أجل مدعاهم هذا لا يرضون إلا عمن اتبعهم وصدقهم: (وَلن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النصَارَى حَتى تَتبِعَ ملتَهُمْ) . فكأنهم يرفضون أن يكون هدى غير ما هم عليه منكرون لما سواه. فجاءت الآية مفندة دعواهم: (قُلْ إن هُدَى الله) ، أي: لا هداكم ولا هدى غيركم، ففى الأسلوب قصر قلب. يقول النسفي: " وهدى الله هو الهدى كله ليس وراءه هدى ". وكذلك في الأنعام: (لهُ أصْحَابٌ يَدعُونَهُ إلى الهُدَى ائْتنَا) فالأصحاب يدعون أن لهم هدى، فسلك القرآن - هنا - مسلكه في آيةَ البقرة لوجود السبب في الموضعين. أما تقديم " الهدى " في آل عمران على " هدى الله " فلأن القوم هنا لم يبد منهم إنكار. أو دعوى استئثارهم بالهدى، بل هم مقرون بذلك وإنما يريدون أن يفتنوا مَنْ هم على هدى: (الَّذيِنَ آمَنُواْ) عما هم عليه ليستأثروا هم بهدى الله حسداً من عند أنفسهم أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا. فجات الآية الكريمة: (قُلْ إن الهُدَى هُدَى اللهِ) . اعتراضاً مبيناً لوهمهم فيما حسبوا أنهم

стр. 632

قادرون عليه من إضلال المؤمنين. فتعريف الهدى بـ " الألف واللام "، وجعله موضوعاً للحديث والحكم عليه بأنه: " هدى الله " هو التعبير الأنسب للمقام لما في " ال " من معنى الاستغراق. ففى العبارة قصر أفراد. * * * الموضع الثالث " شهادة الرسول وشهادة الأمة ": (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) . وقال سبحانه: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) . فى هذين النصين نوعان من التقديم. أولهما: تقديم شهادة الأمة على الناس، على شهادة الرسول على الأمة في آية البقرة. وتقديم شهادة الرسول على الأمة. على شهادة الأمة على الناس في آية الحج، وهذا من التقديم غير الاصطلاحي. وثانيهما: تقديم " عليكم " على " شهيداً " في البقرة ثم الإتيان به على الأصل في آية الحج: " شهيداً عليكم " وهذا من التقديم الاصطلاحي الذى يعني به البلاغيون.

стр. 633

وسر التقديم في النوع الثاني ظاهر. فقوله تعالى: " عليكم شهيداً " في البقرة أفاد فيه تقديم الجار والمجرور: " عليكم " تخصيص شهادة الرسول على الأمة دون ما غيرها من الأمم. * * ماذا قال المفسرون: وقد قال المفسرون إن المراد بشهادة الرسول - هنا - على الأمة شهادة لها بالعدالة والتزكية، لأن الله قد وصف الأمة بقوله " وَسَطاً " أي خياراً عدولاً، وعلى هذا فإن محمداً ﷺ لا يزكى غير أمته لقيام هذه الأمة مقام الشاهد على جميع الأمم. وهذا الفهم الذي فهمه المفسرون من شهادة الرسول على الأمة. يفيدنا إلى أبعد مدى في فهم السر في النوع الأول الذي يصوره هذا السؤال. * سؤال وجواب: لماذا قُدمت شهادة الأمة على شهادة الرسول في البقرة وعكس الأمر فى الحج؟ والجواب: إن الكلام في سورة البقرة مسوق لتقرير عدالة الأمة، وكونها شاهدة على الأمم. أما شهادة الرسول عليها فهى تزكية لها لقبول شهادتها، والتزكية تكون بعد أداء الشهادة نفسها. إذ هي أصل. والتزكية تابعة لها. ولولا ذلك لما قُدمت شهادة الأمة على شهادة الرسول. لتباين المنزلتين. ووجه آخر للتقديم أن يقال إن الخطاب أصلاً مؤجه إلى الأمة: (وكَذَلكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلى الناسِ) . وظاهر أن " لَام التعليل " داخلة على مَا من أجله كان الجعل. فتقديم شهادة الأمة على شهادة الرسول أمر اقتضاه حُسن النظم، وتلاؤم المعنى. . هذا في البقرة.

стр. 634

أما في سورة الحج فقد جاء الترتيب بين الشهادتين على الأصل بتقديم شهادة الرسول على شهادة الأمة. وذلك لأن المعنى - كما نص عليه المفسرون - أن يشهد الرسول على أمته بأنه بلغها ما أنزِل إليه من ربه. وأن تشهد الأمة على الأمم السابقة بأن رسلهم قد بلغتهم ما أنزِل إليهم من ربهم. فموضوع الشهادتين واحد هو التبليغ. لذلك قُدِّمت شهادة الرسول، لأنها الأصل. وأخرت شهادة الأمة، لأنها الفرع. إذ هي مترتبة عليها ومستقاة منها. فالتقديم هنا من باب ما هو أصل على ما هو فرع. ولم يذكر الخطيب الإسكافي شيئاً عن هذا الموضع في كتابه المذكور لا فى البقرة، ولا في الحج. * * * الموضع الرابع " التوحيد والخَلق ": (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) . (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) . والناظر في هاتين الصورتين يجد عبارة: (خَالقُ كُل شَىْءٍ) قُدِّمت فى غافر وأخِّرت عليها عبارة: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) .

стр. 635

وفى الأنعام عكس الوضع. فقدِّمت: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) وأُخِّرت: (خَالِقُ كُلً شَيءٍ) . * * توجيه ميسور: والتوجيه - هنا - سهل ميسور. إذ المقام في غافر مقام تعدد وتذكر بنعم الله فناسب ذلك تقديم: (خَالقُ كُلً شَيءٍ) ، والمقام في الأنعام مقام يزعم فيه المشركون تعدد الآلهة حيث جعلوا له شركاء الجن. فقُدِّمت: (لاَ إلهَ إلا هُوَ) . لأن فيها نصاً على نفى التعدد المزعوم. فالتقديم هنا من باب تقديم الأنسب فالأنسب وقد تحدث عن هذا الموضع الخطيب الإسكافي بما لا يخرج عما قلناه، وإن جعل المقام في " غافر " مقام تثبيت خلقه. * * * الموضع الخامس: " الذِينَ آمَنُواْ، وَالذِينَ هَادُواْ ": (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) . (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) . فى آية البقرة قُدِّمت: " النصارى " معطوفة على " الذين هادوا " على " الصابئين " وفي آية الحج عكس الموضع فقدمت: " الصابئين " على " النصارى ".

стр. 636

وشبيه بآية الحج قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . فهنا - كذلك - قُدِّمت " الصابئين " لفظاً في أظهر الآراء على النصارى " كما جاء فى سورة البقرة. * رأي الإسكافي: ورأى الخطيب الإسكافي - ملخصاً - في هذه المواضع الثلاثة أن الترتيب بين هذه الفِرق ملاحَظ فيه أمران: ١ - ترتيب بحسب الكتب السماوية المنزلة على كل مَن كان له منها كتاب. ٢ - ترتيب بحسب الأزمنة لا بحسب الكتب. ففى آية البقرة كان الترتيب بحسب الكتب. فقدم الذين آمنوا بما أنزِل على إبراهيم ﵇ لأنهم سابقون، ثم الذين هادوا لأن التوراة سابقة على الإنجيل، ثم النصارى لأنهم أهل الإنجيل، ثم أتى بالصابئين لأنهم لا كتاب لهم. وفي المائدة والحج كان الترتيب بحسب الأزمنة. وقُدِّم " الصابئين " على " النصارى " لأنهم أسبق منهم زمناً. هذا واضح في سورة الحج لمجيء: " الصابئين " فيها منصوباً، أما في المائدة فقدم لفظاً ونوى تأخيره معنى بدليل رفعه على الاستئناف. . قال الإسكافي: وإنما قدم في اللفظ، وأخر في النية، لأن التقدم الحقيقي التقدم بكتبه المنزلة على الأنبياء ﵈. . . *

стр. 637

* تخريجنا لهذه المواضع: هذه خلاصة سريعة لما ذكره الإسكافي في توجيه هذه الأساليب. وكنت قد ذكرت قبله ما يأتي: ويبدو أن فهم السر هنا يتوقف على ملحظين: الأول: ما هو المراد بالصابئين؟ الثاني: نوع الحكم الذي حكم به على هذه الأسماء. أو الفِرق الواردة فى المواضع المتقدمة. فالملحظ الأول يتضح أمره من أقوال المفسرين. فالزمخشري والنسفي يريان أن الصابئين هم قوم عدلوا عن دين اليهودية ودين النصرانية وعبدوا الملائكة، ويذهب العلامة أبو السعود مذهباً قريباً من هذا. أما الملحظ الثاني. . فإن نوع الحكم الحكوم بـ على هذه الفِرق، وهو خبر " إن " مختلف من موضع إلى آخر. فهو في البقرة: (فَلهُمْ أجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهمْ وَلاَ خَوْفٌ عَليْهمْ وَلاَ هُم يَحْزَنُونَ) . ومثله في المائدة: (فَلاَ خَوْفٌ عَليْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) . وقد تقدم على كل من الخبرين ما يمهد ويرشح له ويلوح به، ففى البقرة جاء قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالحاً) . وفي المائدة جاء قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ باللهَ واليَوْمِ الآخر وَعَمِلَ صَالحَاً) فههنا دعوة إلى الإيمان وحث وإغراء عليه. وهذا لا يكون إلا في حال الحياة، فقدم النصارى على الصابئين إذ لا يبعد أن يكون المراد بهم صابئي النصارى، وقُدِّموا لفظاً على نية التأخير معنى ليشمل صابئي الملتين: اليهود والنصارى، وفي تقديم اليهود والنصارى عليهم لأنهم أفضل إذ هم أهل كتاب.

стр. 638

أما تقديم " الذين آمنوا " فعلى ما يراه الإسكافي أنهم مؤمنو الأمم السابقة، فتقديمهم من حيث أنهم أفضل هذه الأنواع، أما على ما يراه الزمخشري وغيره من المفسرين من أن المراد بهم " المنافقون " فهم وإن كانوا كفاراً من حيث الباطن فإن اطلاق وصف الإيمان عليهم في الظاهر جعلهم في المرتبة الأولى من الذكر لا باعتبار أنفسهم، ولكن باعتبار شرف الإيمان نفسه. * * بين المفسرين والإسكافي وهذا - أعنى رأى الزمخشري والمفسرين - أقوى من رأي الإسكافي. بدليل نظمهم مع اليهود والنصارى والصابئين وغيرهم في سلك واحد، وأنهم - جميعاً - مطالبون بتحقيق الإيمان لعريهم عنه. أما الخبر في آية الحج فمختلف عن هذين إذ هو: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧) . يفصل بينهم في الجزاء. خيراً وشَراً، أو يفصل بينهم في المكان فلا يجمعهم في مكان واحد، وأيًّا كان نوع الفصل. فهو لا يكون - كما صرَّحت الآية - إلا يوم القيامة، لذلك سلك فى النظم وجهاً آخر. فكأن القرآن نظر في سرد هذه الفرق إلى السبق الزمني. فاليهود وصابئوهم سابقون زمناً على النصارى. لذلك قَدَّم اليهود عاطفاً عليهم صابئيهم، ثم ذكر النصارى. ولم يحتج لذكر صابئي النصارى اكتفاءً بذكر صابئي اليهود، كما لم يذكر فى آية البقرة صابئي اليهود اكتفاءً بذكر صابئي النصارى. وكانت آية المائدة وسطاً بين التعبيرين، وتلك - إذن - قسم عادلة!!. أما تأخير المجوس والذين أشركوا عن هذه الفِرق. فلأنهم ليسوا أهل كتاب! * *

стр. 639

* الموضع السادس " وَمَا أُهلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ": (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) . (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) . (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) . َ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) .َ هذه أربعة نصوص ترددت فيها عبارة: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) في ثلاثة منها هي: المائدة، والأنعام، والنحل بتقديم: " لغَير اللهَ " عَلى " به " والأصل تقديم: " به " على " لغير الله " لأن الضمير فيه عائد على " ما " و" لعير الله " متعلق بـ " أهل " وهو صلة الموصول " ما " والموصول مقدم

стр. 640

دائماً على الصِلة. فكان حق العائد عليه التقديم على التعلق بالصلة. لكن خولف هذا الأصل في المواضع الثلاثة المذكورة وهذه المواضع منها موضعان مكيان هما: الأنعام والنحل. والموضع الثالث - وهو المائدة - مدنى إلا الآية التي فيها هذه العبارة فمكية نزلت في حجة الوداع كما نص على ذلك العلماء. وجاءت العبارة على الأصل (وَمَا أُهِل لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) في موضع واحد، هو سورة البقرة. وهي مدنية بلا خلاف. والآن نستطيع أن نفهم السر في التقديم والتأخير في هذه النصوص الحكيمة وخلاصة القول فيه: إن ما قُدم فيه " لغير الله " على " به " خطاب لأهل مكة، مسارعة إلى نفى الشِرك وإبطالاً لاتخاذ الأصنام آلهة تُعبد، ويُذبح ويُنحر باسمها، بدليل أن السورتين - الأنعام والنحل - مكيتان. والمائدة - وإن كانت مدنية - فإن الآية الواردة فيها هذه العبارة مكية نزلت في حجة الوداع. وكأن القرآن يقول لأهل مكة: لا تظنوا أن الإسلام قد سكت عما أنكر عليكم وقد رحل رسوله ورجاله عن دياركم وغابوا عنكم طيلة عشر سنين. فإن الإسلام باق على دعوته: الحلال حلال، والحرام حرام، لأنه مبادئ وأسس ثابتة لا تقبل الإبطال أو التبديل. أما ما قُدم فيه " به " على " لغير الله " فهو خطاب لأهل المدينة، وهم ليسوا عُبَّاد أصنام ولا كافرين حتى يسارع معهم إلى نفى الشِرك، وإبطال الأصنام، والدليل على تأييد هذه الملاحظة أن الخطاب بدئ بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا. . " فالخطاب إذن مع مؤمنين. مع أهل مكة يهدف القرآن إلى نفى الشِرك أولاً. ثم تحريم ما حَرم ثانياً. ومع أهل المدينة يهدف إلى تحريم ما يُحرم أولاً. ثم الثبات على ما هم عليه من الإيمان ثانياً. *

стр. 641

* مقامان مختلفان: مقامان مختلفان. اختلف معهما التعبير اختلافاً روعي فيه دقائق الوقف وخفايا الأحوال. هذا توجيهى للتقديم والتأخير في هذه المواضع الأربعة، وظاهر أن اعتمادى فيه كان بحسب النزول وقرائن الأحوال. أما الخطيب الإسكافي فقد بحث فيه من جهتين. . الأولى: لماذا كان التقديم في البقرة: (وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللهِ بِهِ) هو الأصل وأبان أن أصالته من حيث إن الضمير الذي هو الَهاءَ في " به " مجرور بالباء و " لغير الله " معدى باللام. وما جُر بمثل هذه الباء فحقه التقديم على ما عداه. وعبارته في ذلك: " أما الموضع الأول - يريد البقرة - فإنه جاء على الأصل الذي يقتضيه حكم اللفظ لأن الباء التي يتعدى بها الفعل في هذا المكان من جملة الباءات التي تجيء كحرف من نفس الفعل. فيجب لذلك أن تكون أحق بالتقديم ". أما تقديم " لغير الله " على " به " في المواضع الثلاثة المذكورة فقد اكتفى بأنه قُدِّم فيها لأنه الأهم. والذي يبدو أن ما اهتديتُ إليه فيه تحليل موضوعى للأسلوب. وكشف للسر على غير الوجه الذي ذكره الإسكافي. * * * الموضع السابع " القَوَامة والشهادة ": (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) .

стр. 642

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) . فى الآية الأولى قدم: " قوامين لله " على: " شهداء بالقسط "، وفي الثانية قدم " قوامين بالقسط " على: " شهداء للهِ ". السورتان في الأشهر مدنيتان: النساء باتفاق، والمائدة فيها خلاف، والذى أجمعوا عليه أن المائدة - أو التوبة - هي آخر ما نزل من القرآن، والمائدة أرجح في هذا المجال. وقد نقل صاحب البرهان أن الرسول ﷺ قرأ المائدة فى حجة الوداع ثم قال: " إن آخر القرآن نزولاً المائدة فأحلوا حلالها وحرِّموا حرامها. ونقل السيوطي عن أبى عبيد، عن محمد بن كعب: " قال: نزلت سورة المائدة في حجة الوداع وفيما بين مكة والمدينة " ونقل أيضاً أقوالاً أخرى تقوي من هذه الوجهة. ومع هذا فإننا نجد نسبة السورة في المصاحف إلى المدني. ولعل هذا أخذ بالرأي القائل أن المدني هو ما نزل بعد الهجرة وإن نزل بمكة، وهو أحد أقوال هو أشهرها. * قيمة هذه النقول: وهذه النقول التي ذكرناها تفيدنا إلى حد بعيد في توجيه التقديم والتأخير فى هذين الموضعين لأننا نبنى عليها الآتى:

стр. 643

١ - أن ما قُدِّم فيه: (كُونُواْ قَوامينَ بالقسْط) . خطاب خالص للمؤمنين لأن القوامة لله عند المؤمنين أمر متحقق، والمطلوب تحرى العدل فى الشهادة والحكم. وذلك في سورة النساء. وقد ذكر الواحدى أن الآية نزلت في النبي ﷺ وقال: " روى أسباط عن السدى قال: نزلت في النبي ﷺ " اختصم إليه غنى وفقير. وكان ضلعه مع الفقير رأى أن الفقير لا يظلم الغنى فأبى الله تعالى إلا أن يقوم بالقسط فى الغنى والفقير فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) - حتى بلغ: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) ٢ - وأما ما قُدم فيه: (كُونُواْ قَوَّامِينَ للهَ) فهو خطاب للمؤمنين والناس عامة. لأن السورة في كثير من الآراء نزلت بحجه الوداع، أو هي آخر ما نزل من القرآن، ولهذا فإن أهل مكة داخلون في المخاطبين بها، إذ هي فى مقام الإرشاد العام. لذلك قدم فيها: (كُونُواْ قَوامِينَ لله) لأن القوامة لله أمر ليس بمتحقق عند جميع المخاطبين. بل متحقق عند بعَضهم دون البعض الآخر. * دلالة النص نفسه: ولنا من نصوص الايتين شاهد. فآية المائدة تُشعر بأنها توصى المسلمين عامة بتحرى العدل حتى مع قوم هم عدو لهم: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) . والقوم - هنا - هم المخالفون في الدين، وهذا لا يكون إلا حين يختلط المسلمون بهم، فهم - أي المخالفون - تفترض الآية وجودهم. ولا شك أن أهل مكة مهتمون بما تلاه الرسول ﷺ على الناس في حجة الوداع، متناقلون له.

стр. 644

فقُدِّمت القوامه للهِ، لأنها من الأمور الكلية، والمقاصد العامة في الدين، بينما تشعرنا آية النساء بأن الأمر لا يخرج فيها عن توجيه المسلمين بأن يتحروا العدل فيما يعرض لهم من خصومات بعضهم مع بعض. والقوامة للهِ أمر متحقق عندهم، والجديد المطلوب هو المبالغة في توخى العدل بين الخصوم: (شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) . كما أن في فاصلتى الآيتين ما يؤكد ذلك. . ففى المائدة كانت الفاصلة: (إن اللهَ خَبِيرٌ بمَا تَعْمَلُونَ) . وفي النساء كانت الفاصلة: (إن اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلونَ خَبِيراً) . حيث قدم: " خبير " في المائدة على: " تعملون " وقدم: " تعلمون " على " خبيراً " في النساء لأن الخطاب مع المخالفين، وفيهم أهل مكة بفتضى إنشاء وإيجاد الأمور به، لخلو المخاطب منه، ولو تنزيلاً، والمؤمنون لا ينكرون علم الله بعملهم. بخلاف غيرهم فتقديم: " خبير " في المائدة على: " تعملون " مع أن المقدَّم متعلق به، لأنه أهم، ولعل الفعل: " كان " في فاصلة السورة: (إن اللهَ كَانَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراٌ) . يشير إلى حصول هذا المعنى عندهم في الماضي. بينَما تخلو فاصلة المائدة من هذه الإشارة! * رأي الخطيب الإسكافي: فرق الخطيب بين الموضعين بأن ما في سورة النساء خطاب للناس بالعدل فى الشهادة. أما في سورة المائدة فالأمر للولاة. . وعلى كل فإن ما ذكره

стр. 645

لا يقنع الباحث في هذا المجال. لذلك أثبتُ ما رأيته تفسيراً أقرب إلى الواقع دون أن أُغيِّر منه شيئاً. * * * الموضع الثامن " اطمئنان القلوب ": (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) . (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) . فى هاتين السورتين عبارة تكررت فيهما مع اختلاف يسير في الصياغة فهى فى الأنفال: (وَلِتَطمَئِن بِهِ قُلوبُكُمْ) . فى الأنفال قدم: " به " على: " قلوبكم "، والأصل تقديم " القلوب " لأنه فاعل. وفي آل عمران جاء الترتيب على الأصل فقدم: " قلوبكم " على " به ". * *فرقان يوضحان السر: والسؤال: لماذا قدم: " به " في الأنفال، وآخرَ في آل عمران؟ وموضوع الحديث في الموضعين واحد؟ والجواب - فيما أرى - إننا نلحظ في الموضعين فرقين. . أحدهما: مستفاد من النص نفسه. والثاني: خارج عنه، وكلاهما يقتضيان مجيء النظم فى الموضعين على ما هما عليه.

стр. 646

فالأمر الذي يُفهم من النص نفسه في آية الأنفال استغاثة من المؤمنين يوم بدر بريهم. والاستغاثة: طلب الغوث. والمستغيث: متشوِّق لما يُغاث به متطلع إليه في موطن الخوف وطلب النجدة فجاء قوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) . فقدم ضَمَير الإمداد مع عامله على القلوب لاهتمامهم به، وشدة حاجتهم إليه، لأنه موضع رجائهم. فالمقام هو الذي اقتضى تقديمه ولعل عجز الآية يقوي ذلك: (إن اللهَ عَزِيرٌ حَكِيمٌ) . . عزيز: لا يغلب جنده، وحكيم: لا يعطى النصر والمدد إلا لمن يستحق، مؤكداً ذلك بـ " إن " واسمية الجملة. أما آية آل عمران فقد خلت من هذا الاعتبار، فأخرج الكلام فيها مخرج الوعد المشروط: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) . ففى الآية حكاية ما حدث يوم " بدر "، وتذكير لهم بما صنع الله معهم فيها، واعداً أن يصنعه في " أُحد " لو صبروا واتقوا. فلم يصبروا عن الغنائم، ولم يتقوا حيث خالفوا أمر رسول الله ﷺ . فلذلك لم تنزل الملائكة. والذي يُفهم من خارج النص: أن " الأنفال " نزلت في غزوة بدر والدماء لم تجف بعد، والعهد بها لم يطل فالخطاب فيها مؤسس، فروعي فيها ما روعي من مقتضيات الأحوال على نحو ما ذكرنا. وآية آل عمران تذكير بما حدث. وحكاية حال مضت إذ هي - أي آل عمران - مدنية متأخرة في النزول عن وقوع

стр. 647

غزوة بدر. وفرق بين ما يُؤسس وما يُحكى. لذلك اقتضى الحال في آل عمران أن يأتي التعبير فيها على الأصل إذ لا مقتضى للعدول عنه. * * رأي الخطيب الإسكافي: يتلخص رأى الإسكافي في عبارته الآتية: ". . وأما تأخير: " به " بعد قوله: " قلوبكم " فلأنه لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول هو قوله: (وَمَا جَعَلهُ اللهُ إلاًّ بُشْرَى لكُمْ) . وعطف الكلام الثاني عليه، وقد وقع فيه جار ومجرور وجب تأخيرها في اختيار الكلام ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام محتاج إليه وتأخير ما قد يستغنى عنه. وأما تقديم: " به " في الآية الثانية فلأن الأصل في كل خبر يصدر بفعل أن يكون الفاعل بعده ثم المفعول والجار والمجرور، وقد يقدم المفعول على الفاعل. . وكذلك الجار والمجرور بمنزلة المفعول في التقديم والتأخير. . وفى هذا الموضع. . فإن المعتمد تحقيقه عند المخاطبين إنما هو الإمداد بالملائكة، وهو الذي أخبر الله تعالى عنه أنه لم يجعله إلا بُشرى فوجب أن يُقدم في الكلام ". والذي يُفهم من هذه العبارة أن الخطيب علل التأخير في آل عمران على مناسبة لفظية بحتة، والواقع أن التأخير في آل عمران لا يحتاج إلى تعليل لمجيئه على الأصل. أما في الموضع الثاني - الأنفال - فقد وفق الخطيب حيث أرجع التقديم إلى ملحظ دقيق هو الحالة النفسية التي كانت تسيطر على فكر المخاطبين فخاطبهم القرآن مراعياً تلك الحالة فقدم ما هو أهم عندهم. وسبق أن ذهبنا هذا المذهب قبل الاطلاع على كتاب الإسكافي المذكور. . وذلك فضل من الله وإلهام. * *

стр. 648

* الموضع التاسع " وكَفَى بِاللهِ شَهِيداً ": (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) . فى الإسراء قدم: " شهيداً " على: " بينى وبينكم " وفي العنكبوت عكس النظم فقدم: " بينى وبينكم " على: " شهيداً " فما السر إذن؟ والجواب: إن التأمل في الموضع الأول - الإسراء - يرى القوم قد أوغلوا في تحديهم للرسول ﷺ وتفننوا في مظاهر العناد. فقالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ) . * * التفاوت في التحدي هو السر: لقد بلغ التحدي - هنا - غاية بعيدة. انتقلوا فيه من صورة إلى صورة قاصدين من ورائه إعجازه وإفحامه. أما الموضع الثاني - العنكبوت - فإن القرآن حكى فيه تحدى القوم للنبى ﷺ على وجه الإجمال: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢) .

стр. 649

والتفتن في المعارضة، ولحجج الخصومة فيما حكاه القرآن عن القوم فى الإسراء حال داعية إلى تقديم: " الشهادة " على: " البينة " لأنهم حين لم تثمر فيهم النُذر التي بلغتهم عن ربهم أثاروا في الداعي شعور الاستياء منهم والأسف عليهم. فكأنه - أي الداعي - كان يردد في نفسه: ربي. . إن خروج هؤلاء عن الحق. وتماديهم في الباطل، ليس عن تقصير مني لقد بلغتهم ما أمرتنى به. وأنت تعلم أنى قد بلغت. ههنا خصومة محتدة، ولا يفصل في الخصومات المحتدة أفضل من شهادة حق، لذلك رجح تقديم: " شهيداً " وهو الأصل على تأخيره، وهو جائز. وإنما كان تقديم: " شهيداً " هو الأصل لأنه حال أو تمييز، وهو صفة مشبهة باسم الفاعل صالح لأن يتعلق به شيء، والظرف هنا: " بينى وبينكم " متعلق به فرتبته إذن التأخير حيث لا مقتضى للخروج عن الأصل. وتأخيره غير مخل بالتعبير لكونه في الأصل كذلك ولأن الفاصلة: (إنهُ كَانَ بعَبَاده خَبيراً بَصيراً) . تشير إلى طرفى موضوع الشهادة. المشهود له، وَالمشهَوَد عَليه. إذَ هي نص صريح في أن الله خبير بصير بالعباد ففيها نوع تخصيص بتعلق العلم والبصر. وهذا يفيدنا في توجيه تقديم الظرف: " بينى وبينكم " على: " شهيداً " فى سورة العنكبوت. ونص الآية مرة أخرى: (قُلْ كفَى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُم شَهِيداً يَعْلمُ مَا فِى السماواتِ والأرْضِ. .) أي بينى أنا وبيَنكم أنتم لا بيني وبين أحد غيركم.

стр. 650

والداعي للتخصيص هنا المستفاد من تقديم الظرف: " بينى وبينكم " على: " شهيداً " وهو العامل فيه أن قوله تعالى بعده: (يَعْلمُ مَا فِى السماوات والأرْضِ) ، يفيد أن تعلق العلم - هنا - عام، وعلم الله بالعباد أحد أفراده. لذلك رجح - والله أعلم - تقديم الظرف لإفادة التخصيص، لاحتمال المقام العموم. على خلاف الأول. وأمر آخر: هو أن تأخير: " شهيداً " ليجاور: " يعلم ما في السموات " من المناسبة في أعلى مكان، لأن الشهيد عالِم لا محالة!! * ملاحظة: ليس للخطيب الإسكافي توجيه في هذا الموضع لا في الإسراء، ولا في العنكبوت. فلزمت الإشارة. * * * * الموضع العاشر " التلاوة وتعليم الكتاب ": (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) . (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) . فى البقرة قدم تعليم الكتاب والحكمة، على التزكية. وفي الجمعة عكس الترتيب فقُدمت التزكية على تعليم الكتاب والحكمة!! فلماذا أوثر في كل موضع ما هو عليه من النظم؟

стр. 651

* نظرة فاحصة تكشف السر: الجواب: إن نظرة فاحصة في النصين تكشف السر. فتقديم: (يُعَلَمُهُمُ الكتَابَ والحكْمَةَ) في البقرة، وعطفه مباشرة على قوله: (يَتْلواْ عَليْهِمْ آيَاتَكَ) لما بَين المعنيين من تناسب لدرجة أنهما يبدوان في قوة المعنى الواحد. إذ من التلاوة يكون حصول تعليم الكتاب والحكمة. كما أن تأخير: (وَيُزكيهِمْ) فيه تناسب بينه وبين الفاصلة: (إنكَ أنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) لأن التزكية لا تكون إلا من العزيز الحكيم. إذ هما وصفان موجبان للعظمة والإصابة في الفعل والقول. أما تقديم التزكية في الجمعة فلتقدم: " القدوس " وما عطف عليه إذ بين التزكية والقداسة نسب وصلة. وتأخير تعليم الكتاب والحكمة لما بينه وبين الفاصلة من تناسب كذلك اقتضاه المعنى: (وَيُعَلَمُهُمُ الكتَابَ وَالحكْمَةَ وَإن كَانُواْ من قَبْلُ لفِى ضَلال مبين) . فجمع بينهما لكي نظهر نعَمة الله عليهم فضل ظهور. لأن الضدين إذا اجتمعا وضح الفرق بينهما. * * فهم آخر: ولنا أن ندير الأمر على اعتبار آخر مؤداه: أن المقام في سورة البقرة مقام دعاء سلك فيه الداعي الترتيب الطبيعي بين المتعاطفات، لأن قصده أن تبنى الأمة بحصول وسائل الهداية لها. فالرسول يتلوا آيات ربه على مسامعها فيزيل ما عندها من جهل، ويعلمهم عن طريق التلاوة الكتاب والحكمة، فإذا حصل لهم ذلك زكت أنفسهم وطهرت قلوبهم حيث هينت دواعى ذلك لهم فقدم ما هو سبب على ما هو مسبب. وأمر ذلك ظاهر.

стр. 652

والمقام في سورة الجمعة مقام تمجيد للهِ. وامتنان على عباده بجلائل النِعَم. فقُدمت التلاوة لأنها أولى وسائل الهداية. وقُدِّمت " التزكية " على ما بعدها لأنها المقصود الأهم من التربية والإصلاح المنشودين. وأُخر تعليم الكتاب والحكمة ليظهر أثر النِعَم واضحاً إذا قُرِنَ بضده، وهو الضلال البين الذي كانوا فيه من قبل. ونظير ذلك: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) . فقرن كل نعمة بما يقابلها مما أزاله الله عنه. ليظهر كمالَ فضل الله عليه. * ملاحظة: ليس للخطيب الإسكافي توجيه في هذا الموضع لا في البقرة ولا في الجمعة فلزمت الإشارة. * * * الموضع الحادى عشر " لاَ يَقْدِرُونَ عَلى شَىْءٍ مِمَّا كَسَبُواْ ": (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) . (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) .

стр. 653

فى هاتين الآيتين وردت عبارة: (لاَ يَقْدرُونَ عَلى شَىْءٍ مما كَسَبُواْ) بتقديم: " شيء " على: " مما كسبوا " في البقَرة. ثم بتقديم: " مما كسبوا " على: " شيء " في سورة إبراهيم ﵇. * * بحث عن السر: العبارة في آية البقرة وردت ضمن خطاب للمؤمنين ينهاهم الله أن يكونوا مثل مَنْ يُنفق ماله رئاءً ولا يؤمن بالله واليوم الآخر. ووردت في آية إبراهيم ﵇ في سياق كلام مبنى من أول الأمر على بيان مصير أعمال الكافرين. وهو شامل لجميع أعمالهم من الطاعات الظاهرة ومنها الإنفاق. والمثل الأول - في سورة البقرة - تعليمى إرشادي للمؤمنين. والثانى: إنذارى تقريرى للكافرين. وما سوف تكون عليه أعمالهم يوم القيامة والذي ينفق ماله رئاءًا لذى ورد في آية البقرة هو المنافق المظهِر للإيمان المبُطِن للكفر. أما المقصود بآية إبراهيم فهم الكافرون المعلنون لكفرهم. والمنافق حين يُنفق إنما يريد استثمار نفقته لتعود عليه بالنفع. ولما كان يتظاهر بإنفاقها بين الناس. موهماً لهم أنه يبتغى بها وجه الله. ويخفى قصده الحقيقي فإن: " شيء " وهو ما يرجو أن يحصل عليه من " ربح " هو كل أمله الذي يملأ نفسه فقُدِّم من أجل ذلك وسُلَطَ عليه النفي ليكون أبلغ في قطع آماله. وعقم كسبه. أما يوم القيامة. . فإن الكافرين تتعلق آمالهم بكسبهم ظانين أنه مُجْدٍ لهم. فكسبهم حينئذ ملء نفوسهم فعمد القرآن من أول الأمر إلى محط رجائهم ونفى قدرتهم عليه: (لاَ يَقْدِرُونَ مِما كَسَبُواْ عَلى شَيءٍ) ، وفي ذلك إشارة إلى

стр. 654

عجزهم الشامل فإذا كانوا عاجزين عن كسبهم. فإن عجزهم عما سواه ثابت متحقق. * ملاحظة: ليس للخطيب الإسكافي توجيه لهذا الموضع - لا في البقرة ولا في إبراهيم - لذلك لزم التنويه. * * * الموضع الثاني عشر " الكِبَر والعُقْر ": (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) . (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) . فى آل عمران قدم بلوغه الكِبَر على عُقْرِ امرأته. وفي مريم عكس الترتيب فقدم عُقْر المرأة على بلوغه الكِبَر. . فما السر إذن؟ * ملاحظة أمرين: والجواب: ولا بدَّ - هنا - أن نلحظ أمرين: أولهما: أن زكريا ﵇ كان يمنعه من الإنجاب سببان: عُقْر امرأته وتقدم سِنُّه. ثانيهما: أن هذين السببين كانا يخطران بباله بدرجات متفاوته أحياناً. . . إذا تقرر هذا فإن السبب الذي يمثل في خاطره أكثر يعمد إلى تقديمه ويؤخر ما عداه.

стр. 655

ففى سورة آل عمران أفاد التعبير نفسه أن الكبَر هو السبب الأظهر عند زكريا ﵇. حيث أسند إليه البلوغ: (وَقًدْ بَلغَنِىَ الكبَرُ) فكأن الكِبَر كان يطارده حتى أدركه. . بخلاف مريم فإن البلوغ فيها مسند إلى ضمير زكريا ﵇. لذلك قَدم الكِبَر في آل عمران وأُخر عُقْر امرأته. أما في مرلم فإن تقديم العُقْر على بلوغه الكبَر. . فلأن العُقْر - على ما شرحناه - كان السبب الأظهر. * وسبب آخر: أن زكريا ﵇ قد تقدم على قوله هذا في سورة مريم شكواه إلى ربه من الكبَر: (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ، ومع هذا فقدَ تلقى البشرى من ربه بأنه وُهبَ له غلامٌ. . فكأن الله ألهمه، أو هو فهم من البشرى أن ما شكاه من الكَبر ليس بسبب مانع من الإنجاب. . إذن فالعُقْر ما زال باقياً في خاطر إبراهيم فقدمه على الكبَر. ثم عطف بلوغه عنه عتياً عليه لأنه لم يشك - قبل - العُقْر. فكان عنده السبب الأظهر. فالتقديم هنا والتأخير هناك. والتأخير هناك والتقديم هنا. إنما هو بحسب ما هو أظهر. ولم يتحدث الخطيب الإسكافي عن هذا الموضع كذلك. وكذلك يلاحظ الباحث أن عُقْر امرأة زكريا ﵇ حين أخر في كلام آل عمران كانت العبارة الدالة عليه: " وامرأتى عاقر " مبتدأ وخبر مجردان. ولكن حين قُدِّم في مريم كانت العبارة الدالة عليه: (وكَانَت امْرَاتِى عَاقراً) بزيادة " كان " إذا قورنت بموضعها في آل عمران، و " كاَن " تفيد ثبوتَ النسبة في الماضي مع الاستمرار هنا. * *

стр. 656

* الموضع الثالث عشر " وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ ": (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) . هذان موضعان متماثلان - كما ترى - في المعنى. وقد تكررت فيهما عبارة: (وَتَرَى الفُلكَ مَواخِرَ فيه) بتقديم " مواخر " وهي حال من " الفُلك " إن كانت الرؤية بصرية، ومفعولَ ثَان لـ " ترى " إن كانت علمية. ثم أُخر لظرف: " فيه " عن " مواخر ". وهذا الترتيب أصلى. هذا في النحل. . أما في فاطر فقد عكس الموضع. فقدم الظرف " فيه " على: " مواخر " على خلاف الأصل. إذ الظرف من حقه التأخير على ما تقدم فما السر إذن؟ تقدم أن تقديم: " مواخر " في النحل على: " فيه " هو الأصل ولا مقتضى للعدول عنه. * سرد محكم: أما تقديم الظرف: " فيه " على: " مواخر " في فاطر. فسببه فيما أرى هو تعلق " لتبتغوا من فضله " به. والتقدير: وترى الفُلكَ فيه تمخر الماء - أي تشقه - لتبتغوا من فضله. لذلك أخر: " مواخر " ليجاور معموله: " لتبتغوا " والأصل عدم الفصل.

стр. 657

ودليلي على ذلك من القرآن نفسه أن الواو حُذِفت في هذا الموضع. بينما لم تُحذف في الموضع الأول. والسبب: أن الآية الأولى تبدأ بقوله تعالى: (وَهُوَ الذي سَخرَ البَحْرَ لِتَاكُلواْ مِنْهُ) وما عطف عليه من استخراج الحلية. وجرى السفن. وابتغاء الفضل. أما الآية الأولى فليس فيها ما يصلح لعطف الابتغاء عليه. فهو إذن متعلق بـ " مواخر " والمعنى - كما بيَّنا - لا يأباه. والله أعلم. " * رأي الخطيب الإسكافي: أطال الإسكافي في توجيه هذا الموضع واهتم في حديثه بتقديم: " فيه " فى فاطر وحذف الواو منها. ويكاد يتفق رأيه مع ما ذكرناه. . إلا أنه زاد أن من جملة ما اقتضى تقديم " فيه " أن حروف الجر في هذا الموضع جاءت مقدمة في أكثر من موضع: (وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) . والإسكافي موفق في هذا التوجيه الذي اتفقنا معه في جوهوه وزاد هو المناسبة اللفظية من تقديم نظير ما قدم. * * * الموضع الرابع عشر " وَلقَدْ صَرَّفْنَا للنَّاسِ في هَذَا القُرآنِ ": (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) .

стр. 658

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) فى الإسراء قدم: " للناس " على: " في هذا القرآن " وفي الكهف قدم: " في هذا القرآن " على: " للناس " والموضعان متحدا المعنى. * * سؤال وجواب: فما السر إذن؟ . . والجواب: المقام في الإسراء مقام تحد وإعجاز. تحد للناس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن مشروطاً مظاهرة بعضهم لبعض. فما بالهم لو انفردوا. . وهذا التحدي قد بلغ النهاية باشتراط اجتماعهم. فالمتحدَى - هنا - نوعان: الإنس والجن. والمقصود بالتحدي بالدرجة الأولى هم الإنس أو الناس. لأنهم هم الذين زعموا أن مقدروهم أن يأتوا بمثل القرآن فكان تقديمهم فيه شبه تعريض بهم. حاصله - والله أعلم - أن ما زعموا محاكاته - أي القرآن - قد صرفنا فيه من كل مثل. و" صرفنا ": أي رددنا وكررنا غرائب الأمثال لهم ليهتدوا فأبوا إلا الإعراض والبطر بدل أن يشكروا هذه النعَم الموجبة للشكر والداعية إلى الهداية وكيف لهم أن يحاكوه وما هم منه على صَدر، أو ورد. أما في سورة الكهف. فقدم: " في هذا القرآن " لأن السورة من أول الأمر أشارت إلى فضل القرآن وأثنت عليه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا) . ولأن سياق الحديث وارد في أهوال القيامة: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)

стр. 659

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) . والقرآن آخر الكتب نزولاً فكأنه يقول لهم: إن هذا القرآن كان فيه نفعكم. لأنه الحق فجادلتم فيه ولم تؤمنوا به. ولأن السورة نفسها - الكهف - قد سردت قصة أهل الكهف وقصة الرجلين وضربت مثلاً للحياة الدنيا، ثم أشارت إلى آدم والملائكة وإباء إبليس السجود لآدم. وذكرت - تفصيلاً - قصة الإسكندر ذى القرنين ويأجوج ومأجوج فهى - إذن - سجل حافل بالمثل والقصة. لهذه الاعتبارات كلها أرى السر في تقديم: " في هذا القرآن " على: " للناس " والله أعلم. * * رأى الخطيب الإسكافي: يكاد ما ذكرته هنا - قبل اطلاعى على رأى الإسكافي كما مَرَّ - يتفق مع ما ذكره الخطيب الإسكافي وإن زدتُ عليه في موضعين: أولاً: اعتبارى في تقديم: " للناس " كونهم معرَّضاً بهم إذ هم المقصود بالتحدي أولاً. ثانياً: ما قُدم فيه: " في هذا القرآن " وارد في سياق حديث عن أهوال يوم القيامة. كما زاد هو بعض تفاصيل أسلوبية وتحدث عن آية أخرى وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١) . * *

стр. 660

* الموضع الخامس عشر " رزق الآباء والأبناء ": (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) . (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) . في الأنعام قدم رزق المخاطبين على رزق أولادهم المدلول عليه بعطف ضميرهم عليه، وفي الإسراء قدم رزق الأولاد على رزق المخاطبين. فما السر إذن والمعنى في الموضعين واحد؟ الجواب: إن الخطاب في الأنعام مع قوم فقراء يهمهم رزقهم أولاً، ثم رزق أولاد هم ثانياً فقدم رزقهم لأنه عندهم أهم. وفي الإسراء الخطاب مع غير فقراء لكنهم يخشون وقوع الفقر في المستقبل فتجوع أولادهم. فرزق أولادهم - لأنه مظنة القلة التوقعة - أهم عندهم من رزقهم لأنهم حاصلون عليه، فقدم رزق أولادهم على رزقهم لأنه أهم كما بيَّنا. والدليل أن التعبير في الأولى هكذا: " من إملاق " أي فقر واقع فعلاً. وفي الثانية: " خشية إملاق " أي فقر متوقع. هذه لمحات دالة في الأسلوب تغنى عن كل تخريج. وهكذا تنص كتب التفسير وكتب البلاغة فليس لنا في هذا الموضع سوى أمانة النقل. أما رأى الخطيب الإسكافي فمثل ما قرره المفسرون. * *

стр. 661

* الموضع السادس عشر " لقَدْ وَعِدنا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ": (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) . فى الآية الأولى قدم اسم الإشارة: " هذا " مراداً به البعث على: " نحن وآباؤنا ". وفي الآية الثانية قدم: " نحن وآباؤنا " على: " هذا " والمعنى فى الموضعين متحد. . فما السر إذن؟. * رأى الزمخشري: أجاب الزمخشري فقال: " فإن قلتَ: قدم في هذه الآية: " هذا " على: " نحن وآباؤنا " وفي آية أخرى قدم: " نحن وآباؤنا " على: " هذا "؟ قلتُ: " إن المقدَّم هو الغرض المعتمد بالذكر. وإن الكلام إنما سيق من أجله. ففى إحدى الآيتين دل على أن اتخاذ البعث هو الذي تعمد بالكلام، وفى الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد ". هذا ما ذكره الزمخشري. . وهو توجيه عام قد لا يكتفى به باحث يتطلب سراً أدق وتوجيهاً أعمق. إذ عليه يرد سؤال؟ : لماذا كان الأصل في إحدى الآيتين " اتخاذ البعث "، وفي الأخرى على " اتخاذ المبعوث " وهل هناك مانع أو عكس النظم "؟

стр. 662

* رأيي في الموضوع: والذي أراه - بعد طول تأمل - أن الأمر ينكشف إذا وقفنا على حال منكرى البعث النفسية لحظة نطقهم بكل من العبارتين. كما حكاهما عنهم القرآن. والمرجع في ذلك إلى القرآن نفسه. فقد ذكر القرآن قبل الآية الأولى - أعنى آية النمل - قوله تعالى: (أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ) فصيرورتهم تراباً أبعدت عندهم احتمَال وقوع البعث. إذ أصَبحوا في طور مغاير لما كانوا عليه في الحياة. كذلك فإنهم هنا طووا ذكر الموت الذي يُشعر بسبق الحياة. واكتفوا بقولهم: " كنا تراباً " فكان - على زعمهم - حرياً بالإنكار والاستغراب. لذلك قُدِّم اسم الإشارة الدالة عليه لكونه محل إنكارهم القوى فصار عندهم أسرع حضوراً فى الذهن. فهو من هنا كان أهم بالإنكار فقُدِّم. أما في آية " المؤمنون ". . ففد ذكر القرآن الحكيم قبل مقولتهم قوله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) . فقد أقرُّوا - هنا - بالموت. فهم إذن قد سبقت لهم حياة. ثم ذكروا صيرورتهم تراباً وعظاماً. والعظام أثر باق من آثار الحياة التي كانوا يحيونها. فهم لم يتحولوا إلى طور مغاير تماماً لما كانوا عليه في الحياة. لذكر العظام. وهذا أضعف من درجة الإنكار عندهم لوجود العظام ولتقدم ذكر الموت المنبئ بمَقدم الحياة. وهذا الضعف في درجة الإنكار كان سبباً - والله أعلم - فى تقديم: " نحن وآباؤنا " وتأخير هذا لأنه موضع الاستغراب والإنكار. *

стр. 663

* رأي الخطيب الإسكافي: يرى الإسكافي أن أمر التقديم في الموضعين راجع إلى المناسبات اللفظية، فالآية الأولى أسندت فيها الأفعال إلى فاعليها بدون فصل، فلما قال: " لقد وعدنا " وجب في البناء على الأفعال المتقدمة أن يتم حكم الفاعل وهو توكيده والعطف عليه فقدم: " نحن وآباؤنا " على المفعول الثاني وهو: " هذا " لذلك. وأما الآية الثانية. . . . فإن الذي تقدمها: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أءذَا كُنا تُرَاباً وَآباؤُنَا) فأخر المعطوف على " اسم كان " الذي هو كالفاعل لها وهو قوله: " وآباؤنا " عن المنصوب الذي هو كالمفعول لها. وهو قوله: " تراباً " فصار الأصل ما هو كالمفعول مقدماً على ما هو معطوف على الفاعل. فاقتضى البناء عليه تقديم المفعول ثم العطف على الفاعل الضمر. فجاء: (لقَدْ وُعدنا نَحْنُ وَآباؤُنَا مِن قَبْلُ) لذلك. والفرق بين توجيهه - هو - وما ذهبتُ إليه أنه يُرجِع التقديم والتأخير إلى المقتضيات اللفظية. ونحن التمسنا مقتضيات نفسية، اعتمدنا فيها على ما بين الموضعين من فروق لفظية غير ما اعتبره هو. ولا مانع - عندى - أن يُحمل الأمر على كلا الاعتبارين. * * * الموضع السابع عشر " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى ": (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) . (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) .

стр. 664

فى القصص في الآية الأولى. جاء ترتيب النظم على وضعه الأصلى فولى الفعل فاعله: " رجل ". وفي الآية الثانية في سورة يس، خولف النظم فجاء الجار والمجرور: " من أقصا المدينة " والياً الفعل. فاصلاً بينه وبين فاعله. على خلاف الأصل. مع ملاحظة أن التشابه بين الموضعين لفظي فقط. لأن ما في سورة القصص: الرجل هو مؤمن آل فرعون والمدينة هي مصر. أما في سورة يس. . فإن الرجل هو حبيب بن إسرائيل النجار والمدينة هي أنطاكية. وهذا الاختلاف لا يمنع من البحث عن سر التقديم والتأخير فيهما حيث تشابه الموضعان لفظاً. فما السر إذن؟ * * رأي السكاكي: والجواب: يرى السكاكي أن تقديم الجار والمجرور في آية يس. . لأن ما قبل هذه الآية دال على سوء معاملة أهل المدينة للرسل. فكان ذلك مظنة أنِ يسأل سائل: أكانت هذه المدينة كلها بهذه الصفة أم أن فيها موطناً هو منبت خير؟ ، لذلك قدم ما يشتمل على المدينة لأنها أهم عند المخاطب. وهذا توجيه حسن نسجل إعجابنا به للسكاكي ﵀. أما تقديم: " رجل " على الجار والمجرور في آية القصص. فقد جاء على الأصل حيث لا مقتضى للعدول عنه.

стр. 665

* رأي الخطيب الإسكافي: ويرى الإسكافي أن تقديم الجار والمجرور في " يس " لأن فيه تبكيتاً للقوم إذ جاء " الناصح " من أقصا مكان فيها وهو لم يحضر ما يحضرون. ولم يشهد ما يشهدون من الآيات والنُذُر. أما تقديم (رجل) في القصص فلأنه الأصل ولم يكن ما يدعو إلى التبكيت، وهذا كلام رائع جداً. ولا مانع من حمل الأسلوب في الموضعين على ما ذكره السكاكي والإسكافي. * * * الموضع الثامن عشر " الأكل الرغد ": (وكُلاَ منْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا) هذا الخطاب من الله لآدم وحواء مؤذن لهما بدخَول الجنة وأكل منها فقدم: " رغداً " على: " حيث شئتما " ثم قدم: " حيث شئتم " على: " رغداً " في خطابه - سبحانه - لبني إسرائيل عند دخولهم قرية أريحاء، وكلا التعبيرين في سورة البقرة. الأول فى الآية: (٣٥) ، والثاني في الآية: (٥٨) - فما السر إذن؟ الجواب: إن تقديم: " رغداً " على: " حيث شئتما " في خطاب الله لآدم وحواء لأن طعامهما كان أهم عندهما، أما المكان المدلول عليه بـ " حيث شئتما " فما كان يعنيهما في شيء لأنهما اثنان والجنة فسيحة لا تضيق بهما. وتقديم: " حيث شئتم " في خطاب بنى إسرائيل لأنه أهم عندهم. إذ كانوا جمعاً من الناس. والدخول فيه " قرية " فقد يظنون أنها تضيق بهم إذا سعوا فيها ابتغاء الرزق والسكنى. فقدم ما هو عندهم أهم. والله أعلم.

стр. 666

* ملاحظة: لم يتحدث الخطيب الإسكافي عن هاتين الآيتين من حيث ما فيهما من التقديم والتأخير الذي وجهناه. بل تحدث عن إحداهما من وجه آخر. * * * الموضع التاسع عشر " الشفاعة والعدل ": (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) . (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) . هاتان الآيتان بينهما فروق من وجوه: ١ - في الأولى قُدمت الشفاعة على العدل وجُعِلت الشفاعة نائب فاعل لفعل منفى هو: " لا يقبل "، أما العدل فجُعِل نائب فاعل لفعل منفى هو: "يؤخذ". ٢ - وفي الثانية قُدم العدل على الشفاعة وجُعِل نائب فاعل لفعل منفى هو: " لا يقبل " وهو نفس الفعل الذي أسندت إلى الشفاعة بنفس الطريقة في الآية الأولى. ٣ - أما الشفاعة فقد أخرت فيها مع التغاير في الفعل الذي أسنِد إلى العدل حين أخر في الآية الأولى. وكان حقه أن يُسند إليها لتتم المقابلة من كل الوجوه. وهي في التركيب الجديد: " ولا تنفعها شفاعة " فما السر إذن فى هذا الاختلاف بين الموضعين؟

стр. 667

* توجيه الزركشي لهاتين الآيتين: نقل الزركشي سؤالين حول هاتين الآيتين: الأول: لماذا قدم في الأول نفى قبول الشفاعة على نفى أخذ العدل؟ الثاني: ولماذا عبَّر في الثانية بنفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة مكان عدم أخذ العدل، ونفى قبول الشفاعة حيث قدم المؤخر وأخر المقدم في الأولى؟ نقل هذين السؤالين - ولم يرتض أن يكون هذا التصرف في التعبير من باب التوسع في الكلام. وذكر في توجيه ذلك نقولاً وآراء نوجزها فيما يأتي: أدار الأمر على النفس مكررة في كل موضع مرتين، والنفس الأولى غير الثانية، وكل منهما صالح لأن يرجع الضمير عليه في: " منها " و: " تنفعها ". وجعل الضمير في: " لا يُقبل منها شفاعة " راجعاً إلى النفس الأولى التى هى الشافعة لغيرها. والغرض من هذا ذكر الشفاعة للمشفوع له. لذلك قدمها وأخبر أنها غير مقبولة وهذا من شأنه حَمل السامع على ترك الشفاعة لعلمه بعدم قبولها. أما: " ولا يؤخذ منها عدل " فالضمير - عنده - يحتمل العود على كل من النفسين، فإذا قُدَِّر عوده على الأولى " الشافعة " فقد جرت العادة أن الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده شيئاً ليكون مؤكداً لقبول شفاعته. فمن أجل هذا قُدِّم ذكر الشفاعة على دفع العدل ". وهذا كلام غير واضح - كما يبدو - ولعله أراد أن الشافع يتقدم بعرض شفاعته عند المشفوع عنده أولاً. ثم يعطيه ما يريد أن يؤكد به قبول شفاعته. ولكون التقديم على هذا جارياً على الأصل.

стр. 668

ثم قال: " وإن جعلنا الضمير راجعاً إلى المشفوع فيه. فهو أحرى بالتأخير ليكون الشافع قد أخبره بأن شفاعته قد قُبِلت. فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسساً لحصول مقصود الشفاعة وهو ثمرتها للمشفوع فيه ". وكلامه - هنا - يُفهم منه أن يجوز حصول الأمرين: قبول الشفاعة ودفع العدل، وليس الأمر كذلك. . لأن المراد من الآية - والله أعلم - أن عدم قبول الشفاعة باعث على تحريك النفس على دفع العدل لتكون الشفاعة مقابل عوض. يعني أنه يفكر في تقديم العدل بعد فشل الشفاعة من الشافع. هذا في الآية الأولى. . . أما الآية الثانية. . فقد جعل الضمير في: " منها عدل " راجعاً إلى النفس الثانية التي هي صاحبة الجريمة. وتقديم العدل - هنا - للحاجة إلى الشفاعة عند مَن طلب منه ذلك قال: ". . ولهذا قال في الأولى: " ولا يُقبل منها شفاعة "، وفي الثانية: " ولا تنفعها شفاعة " لأن الشفاعة إنما تُقبل من الشافع وإنما تنفع المشفوع له ". ثم حكى عن بعض مشايخه - لم يذكر اسمه - إن الله نفى قبول الشفاعة لا نفعها. ونفى أصل العدل الذي هو الفداء، وبدأ بالشفاعة في الأولى لتيسيرها على الطالب أكثر من تحصيل العدل على ما هو معروف في دار الدنيا. أما في الثانية. . فإنه لا تقرر زيادة التأكيد بدأ بما هو أعظم الذي هو الخلاص بالعدل وثنى بنفى الشفاعة فقال: " ولا تنفعها شفاعة " ولم يقل: لا تُقبل منها شفاعة، وإن كان نفى الشفاعة يستلزم نفى قبولها. لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة فنفى الشفاعة أعم. فلم يكن بين نفى القبول ونفى النفع بالشفاعة تلازم.

стр. 669

فنفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة مؤكدان لاستقرار ذلك في الآية. ونقل عن صاحب المفردات رأياً خلاصته: " وأما تغيير النظم فلما كان قبول العدل وأخذه. وقبولها الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات واختلافها فرق في المعنى ". ولكن الزركشي لم يرتض هذا الرأي ورده رداً موفقاً، ونقل عن الإمام فخر الدين الرازي: إن الناس متفاوتون، فمنهم مَن يختار أن يشفع فيه أولاً. ومنهم مَن يختار بذل العدل. فذكر الله لكل طائفة ما يلائمها في الموضعين. وبهذا ينتهي حديث الزركشي عن هاتين الآيتين. * * جولة مع المفسرين: وقد رجعتُ إلى تفسير الزمخشري فوجدته يُرجع الضمير في الموضعين للنفس الثانية العاصية ويجوز عوده على الأولى. أى لا تُقبل شفاعتها في غيرها. ولا يؤخذ منها عدل إذا أرادت أن تبذله لخلاص غيرها. والإمام النسفي يرجع الضمير في: " ولا يقبل منها شفاعة " و: " ولا يؤخذ منها عدل. . " للنفس الأولى - المؤمنة - إذا شفعت في الكافرة. أما أبو السعود فيُجوز عود الضمير على أي منهما. ولم يتعرض منهم أحد للتقديم والتأخير في هذه المواضع. وشغلهم عنهما مرجع الضمير وتقرير المعنى.

стр. 670

أما الخطيب الإسكافي فقد اقتضب القول اقتضاباً وجاء تخريجه للمسألة توجيهاً عاماً لم يتعرض فيه للتقديم في موضع - والتأخير في آخر. تلك خلاصة سريعة لما ذكره صاحب البرهان من نقول، وما يراه هو شخصياً فى توجيه التقديم والتأخير في هذا الموضع. وخلاصة سريعة - أيضاً - لما ذكره ثلاثة من المفسرين وإشارة إلى رأي الخطيب الإسكافي. فهل بقى - بعد - احتمال آخر يتفق مع طبيعة الأسلوب؟ * * رأيي في المسألة: والذي أرجحه في مسألة إرجاع الضمائر هو أن يكون الضميران في الآية الأولى راجعين إلى النفس الأولى. لأنها التحدث عنها. ولأن الضمير في: " ولا يقبل منها شفاعة " لا يصح رجوعه إلا إليها. لأنه لو أراد النفس الثانبة " العاصية " لقال: " ولا يقبل فيها شفاعة " وهذا يرجح عود الضمير في: " ولا يؤخذ منها عدل " إليها هي أيضاً. ويكون المعنى - والله أعلم -: إن النفس المؤمنة لا تجزي عن سواها شيئاً، وإذا شفعت في غيرها فشفاعتها مردودة، وإذا استبدلت بالشفاعة المردودة العدل فإنه كذلك لا يؤخذ منها. ويكون ذلك كله تأكيداً لانفصام الروابط التي كانت بين الناس في الحياة الدنيا من والدية ومولودية وأخوة وصداقة وزوجية: (وَأنْ ليْسَ لِلإنْسَانِ إلا مَا سَعَى) . وعود الضميرين في هذه الآية على النفس الأولى أولى - عندى - حتى تكون الأفعال المنفية في المواضع التي هي: " لا تجزى " و " لا يُقبل " و: " ولا يؤخذ " حديثاً عن النفس الأولى في سلسلة واحدة تخصها.
следующие страницы →