Полный текст (956 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
* ملاحظة: لم يتحدث الخطيب الإسكافي عن هاتين الآيتين من حيث
ما فيهما من التقديم والتأخير الذي وجهناه. بل تحدث عن إحداهما من
وجه آخر.
* *
* الموضع التاسع عشر " الشفاعة والعدل ":
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) .
(وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) .
هاتان الآيتان بينهما فروق من وجوه:
١ - في الأولى قُدمت الشفاعة على العدل وجُعِلت الشفاعة نائب فاعل
لفعل منفى هو: " لا يقبل "، أما العدل فجُعِل نائب فاعل لفعل منفى هو:
"يؤخذ".
٢ - وفي الثانية قُدم العدل على الشفاعة وجُعِل نائب فاعل لفعل منفى هو:
" لا يقبل " وهو نفس الفعل الذي أسندت إلى الشفاعة بنفس الطريقة في الآية
الأولى.
٣ - أما الشفاعة فقد أخرت فيها مع التغاير في الفعل الذي أسنِد إلى
العدل حين أخر في الآية الأولى. وكان حقه أن يُسند إليها لتتم المقابلة من كل الوجوه. وهي في التركيب الجديد: " ولا تنفعها شفاعة "
فما السر إذن فى هذا الاختلاف بين الموضعين؟
стр. 667
* توجيه الزركشي لهاتين الآيتين:
نقل الزركشي سؤالين حول هاتين الآيتين:
الأول: لماذا قدم في الأول نفى قبول الشفاعة على نفى أخذ العدل؟
الثاني: ولماذا عبَّر في الثانية بنفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة مكان عدم
أخذ العدل، ونفى قبول الشفاعة حيث قدم المؤخر وأخر المقدم في الأولى؟
نقل هذين السؤالين - ولم يرتض أن يكون هذا التصرف في التعبير من باب
التوسع في الكلام. وذكر في توجيه ذلك نقولاً وآراء نوجزها فيما يأتي:
أدار الأمر على النفس مكررة في كل موضع مرتين، والنفس الأولى غير الثانية، وكل منهما صالح لأن يرجع الضمير عليه في:
" منها " و: " تنفعها ".
وجعل الضمير في: " لا يُقبل منها شفاعة " راجعاً إلى النفس الأولى التى
هى الشافعة لغيرها.
والغرض من هذا ذكر الشفاعة للمشفوع له. لذلك قدمها
وأخبر أنها غير مقبولة وهذا من شأنه حَمل السامع على ترك الشفاعة لعلمه
بعدم قبولها.
أما: " ولا يؤخذ منها عدل " فالضمير - عنده - يحتمل العود على كل
من النفسين، فإذا قُدَِّر عوده على الأولى " الشافعة " فقد جرت العادة أن
الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده شيئاً ليكون مؤكداً لقبول شفاعته.
فمن أجل هذا قُدِّم ذكر الشفاعة على دفع العدل ".
وهذا كلام غير واضح - كما يبدو - ولعله أراد أن الشافع يتقدم بعرض
شفاعته عند المشفوع عنده أولاً.
ثم يعطيه ما يريد أن يؤكد به قبول شفاعته.
ولكون التقديم على هذا جارياً على الأصل.
стр. 668
ثم قال: " وإن جعلنا الضمير راجعاً إلى المشفوع فيه. فهو أحرى بالتأخير
ليكون الشافع قد أخبره بأن شفاعته قد قُبِلت. فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسساً لحصول مقصود الشفاعة وهو ثمرتها للمشفوع فيه ".
وكلامه - هنا - يُفهم منه أن يجوز حصول الأمرين: قبول الشفاعة ودفع
العدل، وليس الأمر كذلك. . لأن المراد من الآية - والله أعلم - أن عدم قبول الشفاعة باعث على تحريك النفس على دفع العدل لتكون الشفاعة مقابل عوض.
يعني أنه يفكر في تقديم العدل بعد فشل الشفاعة من الشافع.
هذا في الآية الأولى. . .
أما الآية الثانية. . فقد جعل الضمير في: " منها عدل " راجعاً إلى النفس
الثانية التي هي صاحبة الجريمة. وتقديم العدل - هنا - للحاجة إلى الشفاعة
عند مَن طلب منه ذلك قال: ". . ولهذا قال في الأولى: " ولا يُقبل منها
شفاعة "، وفي الثانية: " ولا تنفعها شفاعة " لأن الشفاعة إنما تُقبل من
الشافع وإنما تنفع المشفوع له ".
ثم حكى عن بعض مشايخه - لم يذكر اسمه - إن الله نفى قبول الشفاعة
لا نفعها. ونفى أصل العدل الذي هو الفداء، وبدأ بالشفاعة في الأولى لتيسيرها على الطالب أكثر من تحصيل العدل على ما هو معروف في دار الدنيا.
أما في الثانية. . فإنه لا تقرر زيادة التأكيد بدأ بما هو أعظم الذي هو
الخلاص بالعدل وثنى بنفى الشفاعة فقال: " ولا تنفعها شفاعة " ولم يقل:
لا تُقبل منها شفاعة، وإن كان نفى الشفاعة يستلزم نفى قبولها.
لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة فنفى الشفاعة أعم.
فلم يكن بين نفى القبول ونفى النفع بالشفاعة تلازم.
стр. 669
فنفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة مؤكدان لاستقرار ذلك في الآية.
ونقل عن صاحب المفردات رأياً خلاصته:
" وأما تغيير النظم فلما كان قبول العدل وأخذه.
وقبولها الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات
واختلافها فرق في المعنى ".
ولكن الزركشي لم يرتض هذا الرأي ورده رداً موفقاً، ونقل عن الإمام
فخر الدين الرازي: إن الناس متفاوتون، فمنهم مَن يختار أن يشفع فيه أولاً.
ومنهم مَن يختار بذل العدل. فذكر الله لكل طائفة ما يلائمها في الموضعين.
وبهذا ينتهي حديث الزركشي عن هاتين الآيتين.
*
* جولة مع المفسرين:
وقد رجعتُ إلى تفسير الزمخشري فوجدته يُرجع الضمير في الموضعين للنفس
الثانية العاصية ويجوز عوده على الأولى.
أى لا تُقبل شفاعتها في غيرها. ولا يؤخذ منها عدل إذا أرادت أن تبذله
لخلاص غيرها.
والإمام النسفي يرجع الضمير في: " ولا يقبل منها شفاعة "
و: " ولا يؤخذ منها عدل. . " للنفس الأولى - المؤمنة - إذا شفعت في الكافرة.
أما أبو السعود فيُجوز عود الضمير على أي منهما. ولم يتعرض منهم
أحد للتقديم والتأخير في هذه المواضع. وشغلهم عنهما مرجع الضمير وتقرير
المعنى.
стр. 670
أما الخطيب الإسكافي فقد اقتضب القول اقتضاباً وجاء تخريجه للمسألة
توجيهاً عاماً لم يتعرض فيه للتقديم في موضع - والتأخير في آخر.
تلك خلاصة سريعة لما ذكره صاحب البرهان من نقول، وما يراه هو شخصياً
فى توجيه التقديم والتأخير في هذا الموضع.
وخلاصة سريعة - أيضاً - لما ذكره ثلاثة من المفسرين وإشارة إلى رأي
الخطيب الإسكافي. فهل بقى - بعد - احتمال آخر
يتفق مع طبيعة الأسلوب؟
*
* رأيي في المسألة:
والذي أرجحه في مسألة إرجاع الضمائر هو أن يكون الضميران في الآية
الأولى راجعين إلى النفس الأولى. لأنها التحدث عنها. ولأن الضمير في:
" ولا يقبل منها شفاعة " لا يصح رجوعه إلا إليها. لأنه لو أراد النفس الثانبة " العاصية " لقال: " ولا يقبل فيها شفاعة " وهذا يرجح عود الضمير في: " ولا يؤخذ منها عدل " إليها هي أيضاً. ويكون المعنى - والله أعلم -: إن النفس المؤمنة لا تجزي عن سواها شيئاً، وإذا شفعت في غيرها فشفاعتها
مردودة، وإذا استبدلت بالشفاعة المردودة العدل فإنه كذلك لا يؤخذ منها.
ويكون ذلك كله تأكيداً لانفصام الروابط التي كانت بين الناس في الحياة
الدنيا من والدية ومولودية وأخوة وصداقة وزوجية:
(وَأنْ ليْسَ لِلإنْسَانِ إلا مَا سَعَى) .
وعود الضميرين في هذه الآية على النفس الأولى أولى - عندى - حتى
تكون الأفعال المنفية في المواضع التي هي: " لا تجزى " و " لا يُقبل "
و: " ولا يؤخذ " حديثاً عن النفس الأولى في سلسلة واحدة تخصها.
стр. 671
أما في الآية الثانية. . فإن الضميرين لا يحسن عودهما إلا على النفس
الثانية العاصية.
ويكون المعنى: أن النفس العاصية يوم القيامة لا يجزي عنها أحد شيئاً مهما
كانت الروابط، وإذا أراد أن يفدى نفسه فلا يُقبل منه فدى، وإذا تشفع بغيره فلا تنفعه شفاعة.
أما تقديم الشفاعة أولاً وتأخيرها ثانياً، وتأخير العدل أولاً وتقديمه ثانياً،
فإنى أتفق مع ما ذكره الزركشي عن أحد شيوخه في توجيهه لهذا التقديم
والتأخير، إذ المراد به قطع رجائهم رداً لما ذكره بنو إسرائيل من أنهم أبناء
الأنبياء وسيشفعون لهم يوم القيامة.
ففى الآية الأولى نفى عنهم نفع الغير بكل وجه من وجوه النفع، وفي الثانية
نفى عنهم نفع أنفسهم مقدماً الفداء الذي يدفعه الجرم عن نفسه في الغالب.
وأخر الشفاعة لأنها تكون من غيرهم. والله أعلم.
* * *
* الموضع العشرون " اللعب واللهو ":
فى هذا الموضع تدور المقارنة حول تقديم اللعب على اللهو ثم تقديم اللهو
على اللعب. في مواضع أخرى.
أما تقديم اللعب على اللهو ففى المواضع الأربعة الآتية:
١، ٢ - الأنعام في آيتين: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) .
(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) .
стр. 672
٣ - محمد في آية واحدة: (إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦) .
٤ - الحديد في آية واحدة: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) .
وقدم اللهو على اللعب فيما يأتي:
١ - الأعراف: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١) .
٢ - العنكبوت: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) .
ذكر الزركشي في البرهان هذه المواضع وعلل تقديم اللعب على اللهو بأن
اللعب يكون زمن الصبا. واللهو يكون زمن الشباب، وزمان الصبا متقدم على زمان اللهو.
أما تقديم اللهو في " الأعراف " فلأن ذلك يكون يوم القيامة فذكر على
ترتيب ما انقضى وبدأ بما به الإنسان انتهى من الحالين.
وأما في " العنكبوت " فلأن زمان الشباب الذي يكون فيه اللهو أكثر من
زمان الصبا الذي يكون فيه اللعب.
وإنما ذكر ذلك هنا لأن المراد زمان الدنيا.
وأنه سريع الانقضاء قليل البقاء.
стр. 673
هذه خلاصة سريعة لما ذكره الزركشي في توجيه هذه المواضع.
لكن الباحث لا يقنع بما ذكره جملة وإن كان بعضه مقبولاً.
ويحسن هنا التفرقة بين اللعب واللهو. .
*
* مفهوم اللعب واللهو:
" لعب: أصل الكلمة " اللُعاب " وهو البزاق السائل. .
ويلعب فلان: إذا كان فعله غير قاصد به مقصداً صحيحاً. . ".
" اللهو: ما يُشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. يقال: لهوتُ بكذا. .
ولهيتُ عن كذا: اشتغلت عنه بلهو. . . ".
هذا ما ذكره الراغب في تحديد معنى اللعب ومعنى اللهو. والتأمل فيهما
يجد أنهما غير مترادفين. بل لكل منهما معنى. فاللعب لا يكون إلا فعلاً لم
يتحدد من ورائه قصد مفيد.
أما اللهو فقد يكون فعلاً من أفعال النفس غير
مصحوب بحركة ويكون حينئذ أقرب إلى معنى الذهول.
قال الزمخشري: " يقال لمن كان في عمل لا يجدى عليه: إنما أنت
لاعب ".
وقال في موضع آخر: " يشتغلون بما لا يجدى عليهم كأنهم يلعبون ".
وقال أبو السعود: " اللعب عمل يثقل النفس ويفترها عما تنتفع به.
واللهو صرفها عن الجد ". فالفرق - إذن - أن كل لعب يمكن أن يكون لهواً.
وقد ينفرد في الذهول النفسي ولو لم يُصحب بعمل.
стр. 674
ويؤيد تفسير اللهو بهذا المعنى أن القرآن أسنده إلى القلب في قوله تعالى:
(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) .
وإسناد اللهو إلى القلوب دليل على أن اللهو عمل من أعمال النفس.
وليس بلازم أن يُصحب بحركات. وإلا لكان لعباً فيما يبدو.
*
* اللعب في القرآن:
وإذا رجعنا إلى القرآن نفسه في استخدام هاتين المادتين وجدناه كثيراً ما يُطلق
اللعب على سلوك المخالفين للرسل من ذلك قوله تعالى:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) .
وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) .
وقال: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضهِمْ يَلعَبُونَ) .
وقال: (أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) .
وقال: (بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلعَبُونَ) .
وقال: (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) .
وقال: (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) .
стр. 675
وقال: (إنمَّا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لعِبٌ وَلهْوٌ) .
وقال: (اعْلمُواْ أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لعبٌ وَلهْوٌ وَزِينَةٌ) .
وقال: (لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ) .
وقال: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا) .
وقال: (وَذَر الَّذِينَ اتخَذُواْ دَينَهُم لعباً وَلهْوَاً وَغَرتهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا)
* اللعب والخوض:
فى هذه النصوص الكريمة جاء اللعب مع الخوض في خمس آيات.
اثنتان منها بلفظ الاسم وثلاثة بلفظ الفعل.
وفي الآيات الخمس جاء الخوض مقدماً على اللعب.
وقد نص المفسرون على أن المراد بالخوض هو الباطل.
وأنا معهم. وأضيف أن إطلاق الخوض على
الباطل مجاز في التعبير لأن الخوض إنما يكون في الماء. يقال: خاض الماء
خوضاً ومخاضة.
قال الراغب: " الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه.
ويُستعار فى الأمور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يُذَم الشروع فيه ".
* *
* التوجيه البلاغي للنص:
والمجاز فيه يصلح أن يكون استعارة بالكناية حيث يُشبِّه بالباطل بالماء ثم
يحذف ويرمز له بشيء من لوازمه وهو الخوض. والجامع بين المستعار منه
стр. 676
والمستعار هو أن كلا منهما مهلك. الباطل يحق بفاعله العقاب.
والماء يغرق من يخوض فيه.
أو يكون استعارة تبعية تصريحية يُشبه فيها اقتراف الباطل بخوض الماء
والجامع ما مَرَّ. والاستعارة على هذا استعارة مفردة.
ويجوز حملها على التمثيل. وهما أولى من الأول.
ولما كان الخوض بهذا المعنى قُدم على اللعب. وجُعل محتوياً عليه:
(في خَوْضهمْ يَلعَبُونَ) ، وكذلك في إطلاق اللعب على أعمالهم وسلوكهم
مجاز في التعبير على طريق الاستعارة التصريحية التبعية وفيه تعريض بهم لأن
اللعب لا يكون إلا للصبيان غير الراشدين وفيه رمز إلى حقارة أعمالهم حيث لم يترتب عليها نفع كاللعب.
ولهذا قدم اللعب - والله أعلم - على اللهو في المواضع الأربعة المذكورة.
كما قدم الهزو على اللعب لأن الهزو - وهو الاستهزاء والسخرية - أشد شناعة من اللعب.
* *
* لماذا قدَّم " اللهو على اللعب " إذن ؟
أما الموضعان اللذان قَدم فيهما اللهو على اللعب - وذلك جار على خلاف
الغالب فيه - فلأن المقام يقتضي ذلك.
* والبيان:
إن اللهو - على ما سبق - من شأنه أن يُنسي اللاهي ويُشغله عما ينفعه.
ولما كان معناه - كذلك - مدح الله الطائعين من عباده نافياً عنهم اللهو فقال: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. .) أَى لا تشغلهم ًَ
стр. 677
وقد نسب الله النسيان إلى الكافرين في سورة الأعراف في الآية التي قدم
فيها اللهو على اللعب. فقال: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا) .
فهم هنا: ناسون. . لذلك - والله أعلم - قدم اللهو على اللعب لغلبة صفة
النسيان على الوقف، واللاهي ناس أو قريب منه.
أما في سورة العنكبوت. . فقد جاء قبل الآية التي قدم فيها اللهو على اللعب
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) .
هذه حقائق لو سئلوا عنها لنسبوها لخالقها.
وهذا يقتضي أن لا يكفروا إذن فلماذا كفروا ولم ينتفعوا بهذا العلم؟
مرجع ذلك أنهم ناسون لاهون. متشاغلون عنه بلهو الحياة وغرور الدنيا.
إن جانب اللهو - هنا - ظاهر. لذلك - والله أعلم - قُدِّم اللهو على اللعب كما قُدِّم هناك.
* * *
* إجمال:
وشبيه لهذه المواضع العشرين أن القرآن يجمع كثيراً بين النفع والضر مُقدِّماً
أولهما على ثانيهما في الأقل - سبعة مواضع - ومُقدِّماً ثانيهما على أولهما
فى الأكثر. .
стр. 678
وسر ذلك كله راجع - قياساً على ما قدمناه من المواضع العشرين - إلى
دقائق وأسرار لا يُحرم المتأمل من شيء منها لو أحسن التأمل. وعمق الفكر:
(كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) .
* * *
стр. 679
الباب الرابع
من سحر البيان في القرآن الكريم
* التشبيه والتمثيل.
* المجاز في القرآن الكريم.
* المجاز القرآني .
стр. 680
الفصل الأول
التشبيه والتمثيل
فى القرآن الكريم كثير من التشبيهات والتمثيلات الآسرة، نجد القرآن يتخذ
من هذا الفن التعبيرى وسيلة من وسائل الكشف والإيضاح، والتهذيب والتريية، والتبشير والإنذار، والترغيب والترهيب، والتزيين والتقبيح، والقوة والضعف، والهداية والضلال، والتعظيم والتحقير. . . إلى آخر هذه الأغراض.
والهدف الدينى هو الطابع السيطر على كل ما في القرآن من تشبيه وتمثيل.
ودراستنا لهذا الفن في القرآن تعتمد على تقسيم التشبيه والتمثيل فيه إلى
مجموعات، كل مجموعة تخدم غرضاً عاما موحداً - وإن وُجِدَت بينها فروق
وخصائص جزئية - وسنتبع هذه المجموعات بنظرة عامة نحاول من خلالها تسجيل ما تفرق فيها من ملاحظات وخصائص هي هدفنا من هذا الفصل.
* مجموعات التشبيه والتمثيل في القرآن:
وهذه المجموعات يمكن تلخيصها فيما يأتي:
أولا - في شأن الكافرين، وتحت هذه المجموعة أربعة أغراض:
١ - ضلال المعتقَد
٢ - ضعف المعتقَد.
٣ - بطلان الأعمال
٤ - سوء المصير.
ثانياً - في شأن المؤمنين، وتحت هذه المجموعة غرضان رئيسيان تحت كل
منهما صور مختلفة وسيأتي الحديث عنها مفصلاً، وهما:
١ - الترغيب: سواء أكان في عقيدة أو سلوك أو حسن مصير.
стр. 681
٢ - الترهيب: سواء أكان من عقيدة، أو سلوك، أو سوء مصير.
ثالثاً - مظاهر القُدرة: وهذه المجموعة تنظم كثيراً من الظواهر التي تدل على
عِظم قُدرة الله في السماء والأرض وما بينهما.
رابعاً - باقة من الزهور.
أولا: في شأن الكافرين
١ - ضلال المعتقد:
الكافرون والأنعام
(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١) .
هذه صورة خلاصتها: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق. أو: ومثل الذين كفروا كمثل بهائِم الذي ينعق. والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان - فى أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة. ودوى الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار - كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها.
ولا تفقه شيئاً آخر ولا تعى كما يفهم العقلاء ويعون.
وقيل: معناه مثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم
التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم على باطل.
وقيل: معناه مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع. ولكن
هذا التوجيه لا يساعد عليه قوله تعالى: (إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) . لأن الأصنام
لا تسمع شيئاً.
стр. 682
والوجه الأول هو الأظهر لأن المراد بيان إعراضهم عن دعوة الحق.
فسواء عندهم الإنذار وعدم الإنذار. لأنهم في الضلال سادرون.
وقد آثر القرآن كلمة:
" ينعق " لما فيها من مناسبة للمعنى. والنعيق: التصويت. يقال: نعق
المؤذن، ونعق الراعى بالضأن قال الأخطل:
فَانْعِقْ بِضَأنِكَ يَا جَرِيرُ فَإنما. . . مَنتْكَ نَفْسُكَ فِى الخَلاَءِ ضَلاَلاَ
والقوم - هنا - مشبَّهون بالأنعام فهى تسمع الصوت دوياً ولا تميز ما فيه من
معان وقيم مدعو إليها.
والقرآن كثيراً ما يُشبِّه الكافرين - في الضلال - بـ " الأنعام "، بل هم
أكثر منها ضلالا: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
وهذا التعبير من قبيل التمثيل المركب. شبَّه فيه هيئة إعراضهم عن دعوة
الهدى بهيئة قطيع من الأغنام ينعق بها راعيها فلا تعى ولا تسمع.
ووجه الشبه بين كل من الطرفين هو الضلال وسلب الإدراك.
*
* صورة ثانية - حالهم مع كل ما يجب فهمه:
من ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) .
هذا تصوير ثان لبيان ضلالهم هدف التشبيه منه مثل الأول.
والفرق بينهما أن التمثيل السابق ملحوظ فيه حالهم مع الداعي لهم إلى الحق. وهنا طوى ذلك الجانب مع تقديره بدلالة الالتزام.
فخرج الكلام معه - أي التصوير الثاني
стр. 683
- مخرج بيان حالهم مع كل ما يجب فهمه، ومع كل ما يجب رؤيته، ومع كل
ما يجب سماعه.
فى هذه الصورة خبر أو حكم هو: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .
وهذا الخبر أو الحكم ذكرت بعده مبرراته: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا) .
وهذه الصفات الثلاث مقتضية لذلك المصير. ولكنها في نفس الوقت ممهددة
لحكم آخر. بل تكاد تدل عليه: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) .
إنهم أشد ضلالاً من الأنعام. لأنها تنقاد إلى أربابها التي تعلفها وتتعهدها،
وتعرف مَن يحسن إليها ممن يسيء إليها. وتهتدى لراعيها ومشاربها.
وهؤلاء لا ينقادون لربهم. لا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان لهم الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع.
ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك.
ولا يهتدون للحق الذي هو المصدر الهنيء والعزب الروي.
لذلك كانوا الكاملين في الغفلة.
وجاء تشبيههم بالأنعام كذلك في قوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
*
* صورة ثالثة - أكلهم كأكل الأنعام:
كذلك شبَّه أكلهم باكل الأنعام حتى تتم الصورة من كل الوجوه الممكنة فقال
سبحانه: (وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) .
стр. 684
أى يأكلون غافلين غير مفكرين في العاقبة كما تأكل الأنعام في المسارح
والمعالف غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ".
والآن. . قد كملت الصورة التي رسمها القرآن من حيث تشبيه الكافرين
بالأنعام حتى لا يكادوا يمتازون عنها إلا في الهيكل العام.
*
* صورة رابعة - الكافرون وسلب الإحساس:
(مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤) .
وهذه صورة مقررة لما سبق، شُبًهَ فيها فريق الكافرين بالأعمى والأصم،
وقابل ذلك تشبيه المؤمنين بالبصير والسميع.
قال الزمخشري: " وهو من اللف والطباق، وفيه معنيان: أن يشبه الفريق
تشبيهين اثنين كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب.
وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصم والذي جمع بين البصر والسمع. على أن تكون الواو في " الأصم " و " السميع " لعطف الصفة على الصفة كقول الشاعر:
يَا لهفَ زبايةِ لِلحَارثِ. . . السابح فالغانم فالآيبِ
لكن الأولى إبقاء حرف العطف على أصله من عطف ذات على ذات فيكون
التشبيه متعدداً ولا ضير في ذلك.
ولا حاجة إلى التخريج الذي ذكره
الزمخشري فهو مجرد احتمال.
стр. 685
* صورة خامسة - قسوة قلوبهم وتحجرها:
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) .
وفي هذه الصورة وصف لتحجر قلوبهم التي لا يفقهون بها. شبهها في عدم
تأثرها بالحق واستجابتها لداعي الهدى بالحجارة. ووجه الشبه القسوة، وهنا
نلمح خاصة فريدة في تشبيه القرآن. فقد سبق عندما شبَّه القوم بالأنعام فى
الضلال. أنه ترقى في التشبيه ولم يرض مساواتهم بالأنعام فقال: (بَلْ هُمْ
أضَلُ) . وقال: (بَلْ هُمْ أضَل سَبِيلاً) .
مع ملاحظة أن هذا الترقي في التشبيه مقترن بظواهر تعبيرية هي إذا ذكر
نفى العقل عنهم، أو نفى الفقه.
أو وردت كلمة القلوب، ففى " الأعراف "
كان التعبير: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ) .
وفي " الفرقان ": (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) .
وكذلك في موضعنا هذا: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)
فترقى في التشبيه هنا. كما ترقى في الموضعين السابقين.
وليس هذا الترقي مبالغة مكذوبة. بل هو حقيقة واقعة
فالحجارة أنواع: نوع يتفجر منه الأنهار.
ونوع يشقق فيخرج منه الماء.
ونوع يحس ويتأثر ويهبط من خشية الله.
وقلوب هؤلاء ذاهبة في التجمد والتحجر مذهباً
فقدت فيه وظائفها ففاقت الصخور في قساوتها
وهي كتلة من لحم ودم.
стр. 686
ولبلوغ قلوبهم في القسوة درجة عظيمه عدل القرآن عن الإتيان بأفعل
التفضيل من الفعل نفسه: فلم يقل: " أقسى " بل: (أشَدُّ قَسْوَةً) ، لأن
هذا التعبير أوضح في دلالته على المراد هنا ".
*
* صورة سادسة - الكافرون والظلمات:
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) .
وقفنا في التشبيهات السابقة على تشبيه الكافر في الضلال بالأعمى
والأصم، كما شبَّه المؤمن في الهداية بالبصير والسميع.
وهنا في هذه الصورة الجديدة طائفة من التشبيهات. .
منها تشبيه الكفر والضلال بالظلمات. وتشبيه الإيمان والهدى بالنور. .
والمتأمل يجد لهذه المعاني روعة ودقة انسجام.
ففى جانب الكافر: عمى وظلمات. . والأعمى لا يبصر فهو دائماً في ظلام، وفي جانب المؤمن: إبصار ونور. والبصر دائماً في نور.
*
стр. 687
* ومعنى آخر نلمحه:
فقد استعار القرآن لفظ " الأعمى " للكافر. . ثم استعار لفظ " الظلمات "
للكفر، وهنا تتحدد الصلة الوثيقة بين الكفر والعمى. وتتحدد كذلك شدة ضلال الكافر فهو أعمى في ظلام. والعمى وحده حاجب لرؤيته شيئاً. فكيف إذا كان هذا الأعمى في ظلام أنه أشد عرضة للهلاك حيث لا يتقى بنفسه الشر.
ولا يتقيه سواه لأنهم لا يرونه (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) . .
هكذا يقول القرآن.
والمؤمن بصير. والإيمان نور. وهنا كذلك تتحدد الصلة القوية بين الإبصار
والنور بمعنى الإيمان.
وتتحدد كذلك درجة هداية المؤمن لأنه مبصر في نور: (نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) . . وهكذا يقول القرآن.
يقول إمام البيان عبد القاهر الجرجاني:
" النور في القرآن مستعار للبيان والحُجة، ويُستعار للعلم نفسه أيضاً وللإيمان. وكذلك حكم الظلمة إذا استعيرت للشُبهة والجهل والكفر.
وإذا استعيرت للضلالة والكفر فلأن صاحبهما كمن يسعى في الظلمة فيذهب في غير الطريق وربما دُفِعَ إلى هلك وتردى في أهوية ".
والأعمى الذي يتخبط في الظلام يحكم على الأشياء أحكاماً خاطئة.
وكذلك حال الكافرين ففد سوَّل لهم ضلالهم أن يجعلوا لله - سبحانه - شركاء لا يخلقون شيئاً وهم يُخلقون. .
ثم ضرب الله مثلاً لحقه. ومثلاً لباطلهم. .
(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) .
стр. 688
مثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس.
فيحيون به وينفعهم جم المنافع. وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلى والأوانى المختلفة، وأن ذلك ماكث في الأرض. باق ظاهراً: الماء تبقى آثاره، والجواهر تبقى أزمنة متطاولة.
ومثل الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله. وانسلاخه عن المنفعة بزبد
السيل الذي يرمى به به ويزيد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.
فالحق ثابت. وهو كثير النفع. والباطل زائل ليس له قرار. ضَلَّ مَنْ تمسك
به، وكذلك يضرب الله الأمثال.
وضرب المثل: اعتماده وذكره. وعبَّر عنه بـ " الضرب " لأن المثل له من
التأثير القوى في النفوس مثل ما للضرب فيها من الإحساس.
* *
* صورة سابعة - الكافرون والموت:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) .
هذه الصورة تحمل كثيراً من ملامح الصور المتقدمة.
فقد ضربت النور مثلاً للهداية، كما ضربت الظلمات مثلاً للكفر والضلال. ونفت أن يكون بين الفريقين شبه.
стр. 689
ضربت الموت مثلاً للكفر والضلال، والحياة مثلاً للإيمان والهدى، فالكافر
الضال ميت. . والجامع بينهما عدم النفع. والمؤمن حي. . والجامع بينهما
الانتفاع بكل.
وقد روعي في جانب تشبيه الكافر ما روعي في جانب تشبيه المؤمن، فقد
قال سبحانه في تشبيه المؤمن: (وَجَعَلنَا لهُ نُوراً يَمْشِى بِه فِى النَّاسِ) .
فقوله: " يمشى به في الناس ". زيادة تقرير وإيضاح.
وقال في جانب الكافر: (كَمَن مثَلهُ فِى الظُلمَاتِ ليْسَ بخَارِجٍ مِنْهَا)
فقوله: " ليس بخارج منها " زيادة تقرير وإيضاح، لماَ روعيت هناك
روعيت هنا. فتعادلت كفتا الميزان.
*
* إجمال:
هذه مُثُل وتشبيهات بيَّن القرآن بها ضعف عقيدة الكفر، وقد رأينا الكافر
فيها أعمى مرة وأصم أخرى، وميتاً ثالثة، وكالأنعام بل هو أضل رابعة.
يعيش في عزلة عن المجتمع الإنسانى الصالح كما تعيش البهائم. يأكل مثل
أكلها. . ويهيم على وجهه مثلها، يسوم كما تسوم، هي مصيرها أن تذبح
لكنها غافلة. وهو مصيره النار.
ثم تراه - بعد - متحجراً، بليد الإحساس وباطله الذي عليه زائل لا ينفع
كرغاوى السيل وإفرازات المعادن إذا صهرَت بالنار. فما أضله وما أضل
مسعاه. . .؟ (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) .
* *
٢ - ضعف المعتقد:
* مثله كمثل الكلب:
وقد صوَّر القرآن هذا الجانب في صورة مختلفة من التشبيه والتمثيل فها هو
يمثل لهم حالهم بحال الكلب. ذلك المخلوق الحقير. فيقول سبحانه:
стр. 690
(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) .
مثله كمثل الكلب. .
أى صفته التي هي مثل الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها.
وهى حال دوام اللهث به واتصاله سواء حُمِلَ عليه - أي شُدَّ عليه وهيج وطرِد - أو تُرِكَ غير معترَض له بشيء، وهذا المثل يتضمن وصفهم بالحقارة والضعة.
*
* ومثلان آخران - رجلان لا يستويان:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) .
هذان المثلان ينفيان عن الأصنام - التي هي معتمد عقيدة الكفر - صفة
الكسب فهم لا يقدرون على شيء. . أي شيء
ويلاحَظ أنه عندما نفى عنها هذه الصفة المهمة. فإنه يثبت لها صفة أخرى
تتم بها الصورة ويتحقق الضعف في أجلى أوضاعه.
стр. 691
ففى المثل الأول حين نفى عن العبد قُدرته على شيء أثبت له الرق. والرق
نفسه عجز، وقد مهَّد لهذه الصفة بذكر العبد مقدماً عليها: (عَبْداً ممْلُوكاً
لأ يَقْدرُ عَلى شَىءٍ) ، وقارن صفته هذه المتناهية في الضعف بمن مَن الله
عليه بجَلائل النِعَم من حرية تجعله حر التصرف محرر الإرادة.
ورزق حسن ينفقه على المحتاجين وهو لا يخاف مالكاً يحجر عليه.
فهو يُنفق منه سراً وجهراً.
ثم ينفى المساواة بينهما من كل الوجوه، وهل تستوى العبودية مع الحرية، والعجز مع القُدرة، والغنى مع الفقر؟
وفي المثل الثاني. . حين نفى عن أحد الرجلين قُدرته على الكسب مطلقاً
أثبت له صفة البكم. ثم قارنَ بينه ويين مَنْ هو طلق اللسان يأمر بالمعروف وهو على صراط مستقيم. . ثم نفى أن يكون بين الرجلين شبه.
ويرى الزمخشري أن القابل للمثلين في الموضعين: مثل مضروب لله تعالى،
فما كان في غاية العجز فهو الأصنام، وما كان في غاية القوة فهو الله.
وقريب منه قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩) .
هذا المثل ضربه الله لمن يُثبت آلهة شتى. وما يلزمه على قضية مذهبه من أن
يدعى كل واحد منهم عبوديته. ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا ويبقى هو
متحيراً ضائعاً لا يدرى أيهم يعبد؟ وعلى ربوبية أيهم يعتمد؟.
وممن يطلب رزقه وممن يلتمس رفده. فهمُّه مشاع وقلبه أوزاع.
فهل يستوى حال هذا الحائر مع حال مَن يُثبت إلهاً واحداً.
فهو قائم بما كلفه به، عارف بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه في عاجله وآجله.
стр. 692
فههنا اضطراب وقلق وحيرة وتشتت. وضعف وعجز. وذلك مثل الكافر
عقيدة ومعتمد عقيده.
* ومثال آخر - قياس من الواقع:
(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) .
هذا المثل مضروب لضعف الأصنام. وقد ساق الله بهذا المثل قياساً
لا ينكرونه، لأنه مضروب لهم من أنفسهم. وحاصله:
قاس حال الأصنام مع خالقها وخالق مادتها. بحال المملوكين مع مالكيهم.
وهم هنا المخاطبون، فالله يقول لهم: هل لكم ممن تملكون من الأرقاء شركاء
فيما رزقناكم وملكته أيمانكم، فأنتم وهم متساوون الملكية والتصرف فيه،
وإذا تصرفتم في شيء منه دون إذنهم خفتم من مساءلتهم لكم على هذا التصرف كما يخاف بعضكم بعضاً - معاشر الأحرار - إذا تصرف واحد منكم فيما يملكه غيره؟
هم لا شك منكرون أن يكون هذا حالهم مع حال مملوكيهم.
وإذا تقرر ذلك فكيف يثبتون لله - سبحانه - شركاء فيما خلق؟
وهذا المثل محتو على تشبيه ضمنى شُبِّه فيه هيئة بهيئة. وهم معه أحد
رجلين: إما أن ينكروا أن يكون لمملوكيهم هذا الحق، فيلزمهم نفيه عن الأصنام وتبطل قضية التعدد المزعومة.
وإما ألا ينكروا - وهذا مستبعد - فيكونوا متناقضين مع الواقع ومع
أنفسهم.
стр. 693
والأصنام - هنا - أيضاً ضعيفة كالمملوك مع المالك. بل هي أشد ضعفاً
لأنها لا تملك حياة ولا موتاً ولا نشوراً.
* *
* وصورة أخرى - الذباب هو المنتصر:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) .
بلغت الأصنام في هذا المثل حالة من الضعف المزرى ليس وراءها زيادة
فهم - أي الذين يدعونهم من دون الله " لن يخلقوا ذباباً "
والذباب مخلوق حقير وضيع لن يخلقوه مجتمعين، فأولى متفرقين.
وليت الأمر يقف عند هذا الحد. - إذن لهان الخطب - ولكن هذا المخلوق الحقير " الذباب " لو استلبهم شيئاً عجزوا عن استنقاذه منه: ضعف الطالب الذي هو الأصنام، وضعف المطلوب الذي هو الذباب.
وهذه الصورة وإن لم تأت على طريق التشبيه في الظاهر. فهى متضمنة له
فى المعنى، يقول صاحب الكشاف: " قد سميت الصفة أو القصة الرائعة
المتلقاة بالاستحسان والاستغراب " مثلاً " تشبيهاً لها ببعض الأمثال المسيرة
لكونها مستحسنة مستغربة عندهم ".
*
* بَلهٌ مضحك:
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) .
стр. 694
العابد يرفع حاجاته إلى معبوده راجياً منه العطاء.
والكافرون مخدوعون إذا رجوا من أصنامهم خيراً.
فهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يفقهون شيئاً.
ولا هم يملكون شيئاً فيعطوه لهم.
هذه حقيقة. . فكيف أخرجها القرآن؟
(لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) . نفىَ أن يسًتجيبوا لهمَ بشَيء. . فَأقنطهم ثم ذكر أداة الاستثناء.
ومن شأن المستثنى أن يكون مغايراً للمستثنى منه فقال: (إلا)
. . فتعلقت آمالهم بالآلهة من جديد، وانتظروا فكان المستثنَى أوقع في اليأس
من المستثنَى منه. . (كَبَاسط كفيْه إلى الماء ليَبْلغ فَاهُ وَمَا هُوَ ببَالِغه) .
صورة مرسومة بالألفاظ المشعة - َ ليست ذا ألوان - ولكنها فاتَت مَاَ يُرسم
بالألوان: رجل منحن على سطح ماء مصاب بعجز يمنع يده أن تفترف منه. وهو ظامئ يكاد يقتله العطش، ولكنه في بلاهة يبسط يده إلى الماء راجياً أن يصعد إلى كفيه ليرتوي. فلا الماء صاعد ولا هو مرتو مع قرب الماء وشدة الحاجة إليه.
وفي التشبيه لون بديعى هو تأكيد الذم بما يشبه المدح.
فما أضعف ما يطلبون منه العون، وما أشد عذابهم وآلامهم.
فالضعف شامل لآلهتهم ولهم أنفسهم.
*
وهناك صورتان أخريان يمثل القرآن الكريم فيهما كيفية مواجة هؤلاء الكفار
لعظائم الأمور:
* هلع قاتل:
أما إحداهما فقوله تعالى: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) .
стр. 695
وأما ثانيتهما فقوله تعالى: (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) .
فهم عند الخوف رعاديد تضطرب نفوسهم اضطراباً يظهر أثره على العيون.
فتدور في مكانها. لقد بلغ الخوف مداه. حتى إن حالهم هذه تشبه حال
المحتضر عندما يأتيه الخطر من كل مكان. ويستسلم بكل ما فيه من ضعف
للقدر المحتوم بكل ما فيه من قوة باطشة وسلطان عظيم - فليست هناك حالة
معروفة للخوف أفزع من حالة المحتضر - لذلك لم يرض القرآن لهم مثلاً فى
ضعفهم وجبنهم. إلا أن يمثل لهم بتلك الحال التي لا يجهلها أحد.
هكذا يُسهم التشبيه والتمثيل مع شقيقهما المجاز - كما سنرى - في رسم
صورة صادقة لضعف الكفر في نفسه من حيث الأصنام التي كانوا يعبدونها.
ومن حيث الكافر نفسه فليسوا هم على شيء من دين. وما هم بدافعى عن
أنفسهم ضراً يُراد بهم. ولا أصنامهم وآلهتهم بمحققى آمالهم. وإن عاداهم
أحقر المخلوقات - كالذباب - لم يستطيعوا مصاولته.
* وضعف بالغ:
وهذه آية نختم بها هذه الجولة. . جولة القرآن مشبهاً وممثلاً لضعف معتقد
الكافرين في كل مظهر من مظاهره: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) .
هذا مثلهم في اعتمادهم على آلهتهم: مثل رجل أوى إلى بيت العنكبوت
ليحميه من خطر متوقع. وإنهم ليعلمون ما هو بيت العنكبوت؟
خيوط واهنة لو مَرَّ عليها نسيم هادئ لخرقها ومزقها:
(وَإن أوْهَنَ البُيُوت لبَيْتُ العَنكَبُوت لوْ كَانُواْ يَعْلمُونَ) ،
والقرآن - كما نرى - إنما خاطَبهم بما يحسون ويشَاهدون في حديث واضح وضوح الشمس لعلهم يتذكرون.
* *
стр. 696
٣ - بطلان الأعمال:
كما تحدث القرآن عن ضلال معتقد الكافرين، وعن ضعف آلهتهم وعن
ضعفهم في أنفسهم.
تحدث عن بطلان أعمالهم التي يقدمونها ويحسبون أنها
نافعة لهم.
* صورة أولى - صفوان ووابل:
ومن هذا قوله تعالى: (. . كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) .
الصفوان: الحجر الأملس. والوابل: المطر العظيم. والصلد: الآجر النقى. .
والآية تمثل أعمال الكافرين الصالحة - بحسب الظاهر - كصلة القُربَى والعطف على الفقراء. وإغاثة الملهوف.
وهذا المثل صورة أدبية مستوفية العناصر والأركان. موفية بالغرض أحكم
وفاء. هي تشبيه تمثيلي مُثلت فيه أعمال الكافرين بتراب منثور على حجر من الصوان الأملس. فهطلت عليه الأمطار فحملته وذهبت به كل مذهب فلم يبق منه فوق الحجر شيء.
التشبيه تمثيلي مركب - كما سبق - شُبِّهت فيه هيئة بأخرى.
ويجوز أن يكون من قبيل المفرد. .
فيُراد ب " الصفوان ": الكفر والرياء - إشارة إلى عقم الكفر والرياء -
شبه كل منهما بالصفوان الذي لا ينبت ولا يمسك ماءً.
стр. 697
ويُراد ب " التراب المنثور فوق الصفوان " - خاصة: عمل الكافرين،
لا مطلق تراب، فالقيد لازم، لأن مطلق تراب مظنة الإنبات.
وليست كذلك أعمال الكافرين.
ويراد ب " الوابل ": الإسلام لأنه حكم ببطلان الكفر وما يصدر عنه
من عمل.
وإذا قارنا بين " الصفوان " الذي هو الكفر والنفاق. و " الوابل " الذي هو
الإسلام أدركنا الفرق واضحاً بين العقيم الماحل. والثمر النضير.
ولهذا نظائر. . .
فقد شبَّه الله قلوب الكافرين بالحجار في القسوة فقال: (ثُمَّ قَسَتْ قُلوبُكُم
مَن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالحِجَارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً) .
كما شبَّه أعمالهم بالرماد - وسيأتي - فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ برَبِّهمْ
أعْمَالُهُمْ كَرَمَاد اشْتَدتْ بِهِ الريحُ) .
والرماد قريب من التراب، أما تشبيه الإسلام بالوابل فمنه تشبيهه بالصيب
- علىِ رأي - في قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ)
* وصورة أخرى - ريح ورماد:
(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) .
كانت أعمالَ الكافرين في المثل السابق: تراباً منثوراً على سطح وفي جوانب
حجر أملس.
стр. 698
وهى - هنا - " رماد محترق " لا تتعلق به آمال، وحتى مع هذا الوضع
الحقير لأعمالهم: " رماد " لم يقر له قرار. فقد اشتدت به الريح وهذا كاف
لتبديده وتطييره.
ولكن زيادة في تقنيطهم ومحو أي أثر لأعمالهم أضيفت إلى ما سبق أمور يكاد
معها عمل الكافر يكون عدماً.
وتلك الأمور هي: (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) - (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨) .
فاشتداد الريح كان في يوم عاصف، وإسناد العصف إلى ضمير اليوم، مع
أن الأصل: معصوف فيه، مبالغة في شدة العصف، وهو مجاز عقلي علاقته
الزمانية.
وأنهم في هذا اليوم، لا يقدرون على الانتفاع بكسبهم أو شيء منه، فقد
ضلوا ضلالاً بعيداً.
كما نلاحظ وصف الضلال بـ " البعيد ". ولم يقل: البين - مثلاً.
ولعل السر في هذا التعبير أن الريح لما طيرت الرماد المضروب مثلاً لأعمالهم. واشتد عصفها به في يوم اشتد عصفه. المعنى إذن: أن الريح طيرت الرماد إلى مسافات نائية جداً لو تعقبوها في تلك المسافات لوقعوا في حيرة وضلال بعيد.
والمسافات - كما نعلم - يناسبها البُعد الذي جُعِلَ الوصف منه وصفاً لضلالهم فى هذا المكان
* وصورة أخرى - ريح وصِرٌّ:
(مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) .
стр. 699
وخلاصة هذه الصورة: أن مثل إنفاقهم كمثل حرث أهلكته ريح فيها برد فلم يبق منه شيء، والتشبيه - هنا - تمثيلي مركب.
فمن حق الأداة فيه أن تدخل على أي جزء من أجزائه لا على أنه المشبه به. بل مجموع الأجزاء أو الصورة
هى المشبَّه بها. فلماذا - إذن - أوثر دخول الأداة على " الريح ". فلم تدخل - مثلاً - على " الحرث ". وهو صالح لدخولها عليه.
بل أولى لأنه فى الحقيقة أقرب ما يكون مشبهاً به؟
لذلك أرى أن في دخول الأداة على: (رِيحٌ فيهَا صِرٌّ) إشعاراً بأن
أعمالهم شبيهة بالريح في عدم استقرارها وثباتها.
هذا معنى يلحظه الحس من مجرد دخول الأداة على " ريح " قبل أن تحكم المعنى مصطلحات الفن. وقواعد أهل البيان.
وقد بولغ في وصف الريح بالبرودة فجرد منها صفتها فقال:
(فيهَا صِرٌّ) ولم يقل: ريح باردة. فكأن البرودة عامل آخر
مستقل خارج عن الريَح.
لأن ذلك هو مؤدى التجريد.
قال صاحب الكشاف: " المراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه وذهابه بالكلية.
من غير أن يعود عليهم نفع ما، بحرث قوم كفار ضربته صر فاستأصلته.
ولم يبق لهم فيه منفعة ما بوجه من الوجوه وهو من التشبيه المركب ".
وقد بيَّن الله في غضون هذا المثل أن ما حاق بهم كانوا هم سبباً فيه. .
وذلك فى موضعين: (حَرْثَ قَوْمٍ ظلمُواْ أنفُسَهُمْ) ،
(وَمَا ظلمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كَانُواْ أنفُسَهُمْ يَظلِمُونَ) . .
فذكر ظلمهم لأنفسهم ونفى أن يكون الله ظالماً لهم.
*
стр. 700
* وصورة أخرى - سراب وظلمات:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) .
شُبِّهت أعمال الكافرين في هاتين الآيتين بصورتين:
الصورة الأولى: شُبهت فيها بالسراب الذي يراه الناظر. فيحسبه ماءً. لأنه
كالماء يبدو من بعيد.
فإذا علق عليه الآمال وأراد أن يروى ظمأه فأقبل مسرعاً إليه لم يجده شيئاً.
وليت الأمر يقف عند خيبة الرجاء هذه، بل إنه بعد أن تنكشف له حقيقة
السراب الذي خدعه فأقدمه إلى حيث هو واقف الآن، أسلمه إلى مواطن الهلاك والضياع، كأنَّ أسداً في انتظاره فيفترسه.
وكذلك الكافر يقدم نحو عمله راجياً أن ينفعه فلا يجده شيئاً، ووجد الله
عنده فوفاه حسابه وأدخله النار، ولقى هلاك أمثاله في مقام كان يتوقع منه
النجاة!
وإذا كان عملهم سبباً في إهلاكهم فما أحرى أن يسمى ظلمات.
وهذا المعنى تكفلت به الآية الثانية: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) .
стр. 701
صورة مخيفة. . . .
البحر وحده خطر على مَن يركبه، فما بالك إذا كان هذا البحر ملفوفاً
بالظلمات من كل جانب، وهذه الظلمات لا سبيل إلى الخلاص منها، والبحر هائج ثائر، الموج فيه طبقات بعضها فوق بعض، وفوق الموج سحاب يملأ الأفق ويسد منافذ الضوء.
وفي مطلع الآية الأولى نجد التعبير: (والذينَ كَفَرُواْ أعْمَالُهُمْ
كَسَرابٍ. .) .
وقبلها وجدنا التعبير: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. .) .
وكان حق التعبير أن يقال في الموضعين: " ومثل أعمال الذين كفروا
كرماد ". و " وأعمال الذين كفروا كسراب ".
لكن القرآن خالف هذا النسق، وجعل المثل في الأولى: مثل الذين كفروا،
ثم أبدل منهم أعمالهم بدل اشتمال.
كما أبدل نفس الأعمال من الذين كفروا في الآية الثانية، فما السر إذن فى
هذا التعبير؟
إن السر - فيما يظهر - واضح، لأن الناس جميعاً يوم القيامة مجردون من
جميع الاعتبارات إلا اعتبار العمل صالحاً كان أو غير صالح.
ففي تصديرهم وإبدال أعمالهم منهم إشعار بهذا المعنى، فالإنسان يقاس
بعمله فحسب لا بماله، ولا ولده، ولا جاهه، ولا سلطانه، فمثل عمل الإنسان مثل للإنسان نفسه.
стр. 702
* وصورة أخرى - هباء منثور:
(وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) .
فههنا تشبيه مؤكد حيث حُذِفت أداته، ويُلاحَظ أنه لم يجعله " هباءً " حتى
جعله " منثوراً " مفيداً بذلك ذهاب عملهم من الأساس.
قال الزمخشري: " مُثلت حال هؤلاء القوم وأعمالهم التي عملوها في كفرهم
من صلة رحم وإغاثة ملهوف. . بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه
فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها شر ممزق، ولم
يترك لها أثراً ولا اعتباراً، وشُبِّه عملهم بالهباء في قلته وحقارته وعدم جدواه، ثم بالمنثور منه لأنك تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر كل مذهب.
(إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) .
* *
٤ - سوء المصير:
الضلال في المعتقد يؤدى إلى ضعف الموقف الذي يتخذه صاحب العقيدة،
وهذا يسلمه إلى بطلان السلوك الذي يبنيه عليه، وبطلان السلوك أو الأعمال يؤدى به في النهاية إلى سوء المصير.
وعلى هذا النسق كانت تشبيهات القرآن وتمثيله في جانب الكافرين، فأنت
ترى سوء المصير واضحاً في الصور الآتية:
стр. 703
* صوة أولى - ترهقهم ذلِة:
(وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) .
هنا وجوه أرهقها الذل فأظلمت كأنها مغشاة بقطع من ليل اشتد ظلامه وليس
لهم من عذاب الله من عاصم.
*
* صوة ثانية - تَرَدٍّ مهلك:
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) .
الشرك بالله فاقد كل سند يعتمد عليه في حياته الأولى والثانية، وهو صائر
بلا محالة إلى أسوأ ألوان الهلاك.
والآية ترسم لنا خطوط هذه النهاية المؤلة. . إنسان هوى من السماء - من
السماء هكذا - هوى ساقطاً على الأرض، وهنا يفترق الطريق شُعبتين كل
واحدة منهما تؤدى إلى خطر ماحق. .
(فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) لقد تمزق هو - إذن - قبل أن يصل إلى الأرض، لأن
المسافة بين الأرض والسماء بعيدة بعيدة، لذلك فإن الطير تتوزعه في حواصلها فيصير غذاء لها وقد هلك وتمزق شر ممزق. . هذه شُعبة.
(أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) تهوى به تسير سيراً سريعاً.
إلى أين؟ إلى مكان سحيق سحيق. . وهنا تكمن بواعث الخوف والرهبة فالمكان - هنا - منكر، لأنه مكان غير معروف - وهذا هو سر الرهبة والخوف.
стр. 704
وقد آثر القرآن كلمة " خَرَّ " بدل: سقط، ليشترك جرس اللفظ في الدلالة
على المعنى مع المعنى نفسه، فالساقط من عَلٍ يشق الهواء بجسمه فتسمع
لهويه صوتاً يشبه خرير الماء، ويحدث هذا في الأجسام الساقطة من مسافات
عالية بدرجة ملحوظة.
وهذا التشبيه محتمل عندهم - علماء البلاغة - التركيب والإفراد.
وأمر التركيب فيه ظاهر، أما الإفراد فقد خرجوه على النحو الآتى:
أن يُشبَّه الإيمان في علوه بـ " السماء "، والذي أشرك بالله وترك الإيمان
بـ " الخار من السماء "، والأهواء التي تتوزع أفكاره بـ " الطير المختطفة "
. . والشيطان الذي يضله بـ " الريح " التي تهوى بما عصفت به في بعض
المهاوي المهلكة ".
وجمال الصورة التي رسمها القرآن - هنا - وفي كل موضع مماثل لا يتوقف
على اعتبار التركيب أو الإفراد.
فهو أمر ثابت محسوس، وإن كنت أرى أن التركيب في مثل هذه الصورة أولى من الإفراد. لأنه لا يخلو - أحياناً - من
التكلف في التخريج وقد يكون ليس مقصوداً للهِ.
*
* وتصعَّد منهك:
وصورة أخرى مقابلة للسابقة: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) .
هذا مثل مَن آثر الكفر على الإيمان. تتسلمه الأوهام الضالة. ويغتاله
الشيطان بوساوسه فيضيق صدره وتختنق أنفاسه. ويصبح أمره عسراً.
стр. 705
كأنما يصعد في السماء وهو ضارب بقدميه على الأرض، لأن صعوده في السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة.
قال الراغب: " والصعد والصعيد والصعود واحد. لكن الصعود والصعد
يقال للعقبة. ويُستعار لكل شيء شاق - قال -: (وَمَن يُعْرضْ عَن ذكرِ رَبًه
يَسْلكْهُ عَذَاباً صَعَداً) ، وقال: (سَأرْهقُهُ صَعُوداً)
أي: عقبة شاقة ولا يبعد أن يكون هذا التجاذب
إلى أَعلى مرة ثم إلى أسفل أخرى دليلاً على قلق الكافر وتنازع أفكاره بين مهاوى الضلال والفتنة. ونسمات الهدى والإيمان.
* وصورة رابعة - صيحات وصواعق:
(إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) .
هذه عاقبة قوم ضلُوا أخذتهم الصيحة فهلكوا.
فصوَّر لنا القرآن صيرورتهم بعد هلاكهم بأنهم كانوا مثل " هشيم المحتظر ". هكذا. .
ومادة " هشم " تدور حول تكسر المادة وصيرورتها أجزاء - وهذا كافٍ
في هلاكهم - ولكنه يصف الهشيم بأنه " هشيم المحتظر "، وهذا يفيدنا
معنيين:
أن الكوارث حلت بهم جميعاً فتساقطوا بعضهم فوق بعض.
هكذا يكون الهشيم في الحظيرة.
وأنهم أصبحوا وقوداً للنار تسرع فيه إذا أشعلت لأن " هشيم المحتظر " أكثر
جفافاً من الهشيم الأخضر.
следующие страницы →