← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

صورة مخيفة. . . . البحر وحده خطر على مَن يركبه، فما بالك إذا كان هذا البحر ملفوفاً بالظلمات من كل جانب، وهذه الظلمات لا سبيل إلى الخلاص منها، والبحر هائج ثائر، الموج فيه طبقات بعضها فوق بعض، وفوق الموج سحاب يملأ الأفق ويسد منافذ الضوء. وفي مطلع الآية الأولى نجد التعبير: (والذينَ كَفَرُواْ أعْمَالُهُمْ كَسَرابٍ. .) . وقبلها وجدنا التعبير: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ. .) . وكان حق التعبير أن يقال في الموضعين: " ومثل أعمال الذين كفروا كرماد ". و " وأعمال الذين كفروا كسراب ". لكن القرآن خالف هذا النسق، وجعل المثل في الأولى: مثل الذين كفروا، ثم أبدل منهم أعمالهم بدل اشتمال. كما أبدل نفس الأعمال من الذين كفروا في الآية الثانية، فما السر إذن فى هذا التعبير؟ إن السر - فيما يظهر - واضح، لأن الناس جميعاً يوم القيامة مجردون من جميع الاعتبارات إلا اعتبار العمل صالحاً كان أو غير صالح. ففي تصديرهم وإبدال أعمالهم منهم إشعار بهذا المعنى، فالإنسان يقاس بعمله فحسب لا بماله، ولا ولده، ولا جاهه، ولا سلطانه، فمثل عمل الإنسان مثل للإنسان نفسه.

стр. 702

* وصورة أخرى - هباء منثور: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) . فههنا تشبيه مؤكد حيث حُذِفت أداته، ويُلاحَظ أنه لم يجعله " هباءً " حتى جعله " منثوراً " مفيداً بذلك ذهاب عملهم من الأساس. قال الزمخشري: " مُثلت حال هؤلاء القوم وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف. . بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها ومزقها شر ممزق، ولم يترك لها أثراً ولا اعتباراً، وشُبِّه عملهم بالهباء في قلته وحقارته وعدم جدواه، ثم بالمنثور منه لأنك تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر كل مذهب. (إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) . * * ٤ - سوء المصير: الضلال في المعتقد يؤدى إلى ضعف الموقف الذي يتخذه صاحب العقيدة، وهذا يسلمه إلى بطلان السلوك الذي يبنيه عليه، وبطلان السلوك أو الأعمال يؤدى به في النهاية إلى سوء المصير. وعلى هذا النسق كانت تشبيهات القرآن وتمثيله في جانب الكافرين، فأنت ترى سوء المصير واضحاً في الصور الآتية:

стр. 703

* صوة أولى - ترهقهم ذلِة: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) . هنا وجوه أرهقها الذل فأظلمت كأنها مغشاة بقطع من ليل اشتد ظلامه وليس لهم من عذاب الله من عاصم. * * صوة ثانية - تَرَدٍّ مهلك: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) . الشرك بالله فاقد كل سند يعتمد عليه في حياته الأولى والثانية، وهو صائر بلا محالة إلى أسوأ ألوان الهلاك. والآية ترسم لنا خطوط هذه النهاية المؤلة. . إنسان هوى من السماء - من السماء هكذا - هوى ساقطاً على الأرض، وهنا يفترق الطريق شُعبتين كل واحدة منهما تؤدى إلى خطر ماحق. . (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) لقد تمزق هو - إذن - قبل أن يصل إلى الأرض، لأن المسافة بين الأرض والسماء بعيدة بعيدة، لذلك فإن الطير تتوزعه في حواصلها فيصير غذاء لها وقد هلك وتمزق شر ممزق. . هذه شُعبة. (أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) تهوى به تسير سيراً سريعاً. إلى أين؟ إلى مكان سحيق سحيق. . وهنا تكمن بواعث الخوف والرهبة فالمكان - هنا - منكر، لأنه مكان غير معروف - وهذا هو سر الرهبة والخوف.

стр. 704

وقد آثر القرآن كلمة " خَرَّ " بدل: سقط، ليشترك جرس اللفظ في الدلالة على المعنى مع المعنى نفسه، فالساقط من عَلٍ يشق الهواء بجسمه فتسمع لهويه صوتاً يشبه خرير الماء، ويحدث هذا في الأجسام الساقطة من مسافات عالية بدرجة ملحوظة. وهذا التشبيه محتمل عندهم - علماء البلاغة - التركيب والإفراد. وأمر التركيب فيه ظاهر، أما الإفراد فقد خرجوه على النحو الآتى: أن يُشبَّه الإيمان في علوه بـ " السماء "، والذي أشرك بالله وترك الإيمان بـ " الخار من السماء "، والأهواء التي تتوزع أفكاره بـ " الطير المختطفة " . . والشيطان الذي يضله بـ " الريح " التي تهوى بما عصفت به في بعض المهاوي المهلكة ". وجمال الصورة التي رسمها القرآن - هنا - وفي كل موضع مماثل لا يتوقف على اعتبار التركيب أو الإفراد. فهو أمر ثابت محسوس، وإن كنت أرى أن التركيب في مثل هذه الصورة أولى من الإفراد. لأنه لا يخلو - أحياناً - من التكلف في التخريج وقد يكون ليس مقصوداً للهِ. * * وتصعَّد منهك: وصورة أخرى مقابلة للسابقة: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) . هذا مثل مَن آثر الكفر على الإيمان. تتسلمه الأوهام الضالة. ويغتاله الشيطان بوساوسه فيضيق صدره وتختنق أنفاسه. ويصبح أمره عسراً.

стр. 705

كأنما يصعد في السماء وهو ضارب بقدميه على الأرض، لأن صعوده في السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة. قال الراغب: " والصعد والصعيد والصعود واحد. لكن الصعود والصعد يقال للعقبة. ويُستعار لكل شيء شاق - قال -: (وَمَن يُعْرضْ عَن ذكرِ رَبًه يَسْلكْهُ عَذَاباً صَعَداً) ، وقال: (سَأرْهقُهُ صَعُوداً) أي: عقبة شاقة ولا يبعد أن يكون هذا التجاذب إلى أَعلى مرة ثم إلى أسفل أخرى دليلاً على قلق الكافر وتنازع أفكاره بين مهاوى الضلال والفتنة. ونسمات الهدى والإيمان. * وصورة رابعة - صيحات وصواعق: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) . هذه عاقبة قوم ضلُوا أخذتهم الصيحة فهلكوا. فصوَّر لنا القرآن صيرورتهم بعد هلاكهم بأنهم كانوا مثل " هشيم المحتظر ". هكذا. . ومادة " هشم " تدور حول تكسر المادة وصيرورتها أجزاء - وهذا كافٍ في هلاكهم - ولكنه يصف الهشيم بأنه " هشيم المحتظر "، وهذا يفيدنا معنيين: أن الكوارث حلت بهم جميعاً فتساقطوا بعضهم فوق بعض. هكذا يكون الهشيم في الحظيرة. وأنهم أصبحوا وقوداً للنار تسرع فيه إذا أشعلت لأن " هشيم المحتظر " أكثر جفافاً من الهشيم الأخضر.

стр. 706

ومعنى آخر نلحظه: هو أن الهشيم يصبح قليل القيمة. أو هباء تذروه الرياح كما جاء في قوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) . وصورة مماثلةَ. (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨) . وأخرى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وأخرى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً) . هذه ثلاث صور قريبة فيما بينها إذ تشترك الثلاث في أن الصيحة هى آخذة الذين كفروا. . وهذا إسناد مجازي علاقته السببية. لأن الآخذ الحقيقي هو الله. وعقب كل مرة تأخذهم فيها الصيحة يصبحون جاثمين لا حراك لهم. ويصيرون بعد هلاكهم كأنهم لم يسبق لهم وجود في الحياة. استؤصلوا من جذورهم. فقد شبَّه وجود هم بالعدم لانعدام آثارهم. يقال: غنى بالمكان - أي أقام به - يعني: " كأن لم يقيموا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين " وفي الصورة الثالثة جاء تشبيههم بـ " الغثاء ". . والغثاء يُضرب به المثل فى الضياع. ومصداق هذا في قوله سبحانه: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) .

стр. 707

وصورة أخرى: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) . لقد أهلك الله عاداً وثمود فأصبح هلاكهم أمراً مشهوراً وأصلاً يُقاس عليه. لذلك أمر الله رسوله محمداً ﷺ أن يُخوف أهل مكة إذا استمروا في إعراضهم أن يرسل الله عليهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فيحل عليهم عذاب بئيس. صورتان أخريان: لقد شبَّه القرآن الكافرين حين أخذهم الله بعقابه العاجل بأنهم " أعجاز نخل ". وذلك في موضعين: أحدهما قوله تعالى: (فَتَرَى القَوْمَ فيهَا صَرْعَى كَأنهُمْ أعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةً) . وثانيهما قوله تعالى: (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) . فتشبيههم بأعجاز النخل دون غيرها من الأطراف للإشعار بأنهم أبيروا من أصلهم فلم تبق لهم باقية. وقد حرص القرآن في الموضعين أن يصف الإعجاز بوصف متمم للصورة. فالأعجاز " خاوية " في آية الحاقة. والنخل " منقعر " في آية القمر، ولك أن تسمى هذا من باب تحقيق التشبيه. كقول الشاعر: حَمَلتُ رُدَيْنيًّا كَأن سِنَانه. . . سَنَا لهَب لمْ يَتصِلْ بِدُخَانِ وذلك لأن أعجاز النخل قد تكون لها قوة إذا لم تكن خاوية. وإذا لم يكن النخل منقعراً. * *

стр. 708

* مآل الكافرين: وقد آثر القرآن وضع كل كلمة في مكانها لأنها تؤدى المعنى مع موافقة رؤوس الآي. ومما يتصل بسوء مصيرهم حديث القرآن عن مآلهم وطعامهم وشرابهم، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) . فى هذه الآيات يُشبِّه الله طعام الأثيم بـ " المهلِ ". والمهل: دردى الزيت. وهذا تشبيه له باعتبار الذات. ثم وصفه بأنه: " يغلى في البطون ". ثم شبه غليه بـ " غلي الحميم ". والحميم: الماء الحار الشديد الحرارة. وقد ورد الحميم في شأن أصحاب الناركثيراً: (وَسُقُواْ مَاءً حَميماً) و (إلا حَميماً وَغَسَّاقاً) ، و (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ) َو (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) . و (ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) . و (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) . ويطلق الحميم على العَرَق المتصبب. . فبئس قوم هذا طعامهم. وقريب من هذا قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) . المستغيث: طالب الغوث. ومن سوء مصير أهل النار أنهم طلبوا النجاة منها فأجيبوا بما يزيدهم حسرة وندامة. . أجيبوا بماء كدردى الزيت حار ساخن يشوى وجوههم. وما هم بخارجين من النار.

стр. 709

ففى " يُغَاثوا " استعارة تهكمية مثل: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ، وهذا أنسب للمعنى من جعله من باب المشاكلة اللفظية. * وصورة ثانية: علمنا أن " الزقُوم " هي طعام الأثيم. فكيف صورها القرآن إذن؟ (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) . يا للهول. . حتى شكل الطعام مخيف. ومذاقه علقم. فيالسوء المنقلب، وإذا كان هذا طعامهم. شربوا عليه " شرب الهيم " والهيم: الإبل تصاب بداء تشرب منه فلا تروى. فشبهوا بها أحط تشبيه. قال ذو الرمة: فَأصْبَحَتُ كَالهَيْمَاءِ لاَ الماءُ مُبْرِدُ. . . صَداهَا وَلاَ يقضي عَليْهَا هُيَامُهَا أى: أصبح كالإبل المريضة تشرب فلا تروى. وتتعذب فلا تموت وتستريح . . وبدهى أننا لم نتناول هذه الجوانب الأربعة. إلا ما جاء منها في أسلوب التشبيه والتمثيل. وإلا ففى القرآن الكريم كثير من المواضع أفاضت فى الحديث عنها. ولم تدخل في اعتبارنا بحسب المنهج الذي اتبعناه. * * * * وقفة جامعة: وفيما قدمناه من نماذج رسم القرآن عن طريق التشبيه والتمثيل صورة واضحة لهذا الفريق من الناس. صورة كاملة الملامح واضحة العبارة آسرة البيان. ونماذج كل مجموعة من المجموعات الأربع السابقة يقوى بعضها بعضاً فى دقة وإحكام، وتكاد ملامح نماذج المجموعة الواحدة منها. تتشابه منها وتتأصر حتى إنك لتستطيع أن تصوغ عنها صورة واحدة لها خصائص ومميزات.

стр. 710

خذ - مثلاً - ظاهرة بطلان أعمالهم. حتى النهاية واحدة في كل نموذج من نماذجها وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني لا ينكره منصف. وفي كل الصور التي ذكرناها يخاطب القرآن كل القُوَى المدركة في الإنسان. العقل بما له من سلطان. والعواطف بما لها من تأثرات. والحواس على اختلاف ما بينها من طبائع. . . والنفس والوجدان. ولهذا كانت تشبيهات القرآن وتمثيله صوراً حيَّة لا تتأثر بتقادم دهر ولا يسمو فوقها بيان. ولنعرض - بعد - لتشبيهات القرآن وتمثيله في شأن المؤمنين حسب الخطة. * * * ثانياً: في شأن المؤمنين في مجالات الترغيب وردت الصور الآتية: ١ - مضاعفة الأعمال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) . الغرض من التمثيل ترغيب المؤمنين في الإنفاق في سبيل الله. وهذا عمل محمود. لذلك نرى المثل يضع أمام المنفقين في سبيل الله كل وسائل الترغيب والإغراء المحمود. فوحدة المال المنفَق - درهماً أو ديناراً - كحبة وُضعتَ في الأرض. . ثم أنبتت سبع سنابل. السنبلة الواحدة تحمل مائة حبة. فيَكون مجموع ما ينتج عن الحبة الواحدة سبعمائة حبة. وهذا حد أدنى يحصل عليه المنفقون. * *

стр. 711

٢ - مقاييس البر: وأعمال البر لها مقاييس تزكو بها. كشدة الحاجة عند المنفق لما بذل من مال. . قال تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) . وقال: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) . . أي لن تنالوا كمال البر. وقال: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) - في رأى مَن يقول على حُبِّ الطعام. أو شدة الحاجة عند المنفق إليه. فإن حاجات المحتاجين تتفاوت. قال تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) . وكالإخلاص في الإنفاق. . هذه الاعتبارات تضاعف الجزاء أضعافاً كثيرة. ولذلك ترقى المثل في درجات الجزاء فقال: (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) . . فباب الزيادة في الجزاء مفتوح. ولن يقف عند حد السبعمائة المذكورة. قال الزمخشري: " هذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر. ولا يقدح فيه أن الممثَّل به غير موجود في الواقع. لأن التمثيل على سبيل الفرض والتقدير ". * *

стр. 712

٣ - وصورة أخرى " مثل للتكثير ": (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) . " الجنة ": البستان. و " الرَّبوة ": المكان المرتفع. و" الوابل ": المطر العظيم. و " الطل ": المطر القليل. وخصها بالذكر - أي خصن هذه الجنة التي هذه صفتها - لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً وقليل الماء يكفي لإروائها ككثرته لكرم منبتها وخصوبة تربتها. وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر سواء أكانت الأموال النفَقة كثيرة كالوابل. أو قليلة كالطل. . قال الزمخشري: " مثل حالهم عند الله بالحنَّة على الربوة. ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل وكلتاهما زاكية عند الله. زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده". * * ٤ - الترغيب في الجهاد: المثلان السابقان يهدفان إلى الترغيب في الإنفاق في سبيل الله. وهناك مثل آخر يُرغب في الجهاد: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤) . فقد شبَّه المقاتلين في سبيله في تماسكهم وقوة إيمانهم وصلابتهم للعدو وتصديهم له بالبنيان الذي رُصَّ بعضه إلى بعض ورُصِف.

стр. 713

وقد وصف المشبَّه به " بنيان " بقوله تعالى: (مَرْصُوصٌ) أي قائم. ولولا هذا الوصف لما جاء التشبيه بهذه المنزلة من الدقة والقوة. لأن البنيان قد يكون إذا لم يوصف بوصف يفيد الاحتراس " آيلاً للسقوط " أو ساقطاً، فجاء الوصف في الآية الكريمة مانعاً لإرادة شيء من هذا. مفيداً لقوة البنيان. وشدة تماسكه. قال الراغب: (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) أي: محكم كأنما بنى بالرصاص ". * * ٥ - الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة: وقال تعالى مُرغباً في الكلمة الطيبة ومُحذراً من الخبيثة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) . ههنا شجرتان. . إحداهما ضُرِبت مثلاً للكلمة الطيبة - أئ كلمة طيبة وهذه الشجرة قد تهيأت لها أسباب النمو والرواء فالتربة خصبة والسقى منتظم، لذلك ضربت جذورها في أرضها الطاهرة فنمت أصولها وطالت فروعها حتى كادت تلامس السماء. ودام ثمرها فهى تؤتيه - بإذن ربها - كل حين. والثانية أبيدت بمجرد ظهورها فوق الأرض فلم تنم ولم تضرب جذورها فى الأرض. . وشتَّان بين هاتين الشجرتين.

стр. 714

والأولى حمل الكلمة الطيبة على جنس الكلام الطيب. والكلمة الخبيثة على جنس الكلام الخبيث لا أن تخص الأولى بكلمة التوحيد. والثانية بكلمة الكفر. ولا مانع أن تكون كلمة التوحيد أصلاً في الكلمة الطيبة. وكلمة الكفر أصلاً فى كل كلام خبيث. والتشبيه في الصورتين تشبيه مفرد - وهو " الكلمة الطيبة " في الأولى، و" الكلمة الخبيثة " في الثانية - بمركب. وهذا ظاهر. ووجه الشبه في الأولى ما يترتب على كُل من الآثار النافعة. والمنافع الجمَّة. أما في الثانية فالوجه عدم ترتب آثار نافعة في كُلا، وإن كان أثر الكلمة الخبيثة هو إدخال قائلها النار. ويتصل بمبدأ الترغيب أمور هي: ١ - المدح والثناء. ٢ - وصف النساء والحور والولدان. ٣ - وصف الجنة. ونورد أمثلة ذلك من التشبيه والتمثيل القرآني على نفس الترتيب المذكور. ١ - المدح والثناء: ويأتي في مقدمة هذا الجانب مدح القرآن للرسول وأصحابه. قال سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) .

стр. 715

إنها لصورة غنية عن كل شرح، ومثل واضح لا يحتاج إلى بيان، فالزرع يخرج غضاً طريا، وهكذا كان الإسلام متمثلاً في محمد ﵇، ثم يخرج شطأه فيقويه ويناصره حتى يستغلظ ويقوى ويستوى قائماً على سوقه، وزرع هذه صفته من شأنه أن يُعجب الزرَّاع ويأخذهم بروائه. فمحمد ﵇ أو الإسلام متمثلاً فيه - شبيه بالزرع، والزرع تحيا به النفوس، ويبهج النظر بخضرته وبهائه. وفي هذا التشبيه كثير من اللطائف والأسرار، منها ما تقدم، ومنها كذلك أن الإسلام كان سريع الانتشار والاستقرار، يدل على ذلك العطف بالفاء فى قوله: (أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى) . ومنها أن الإسلام كان يتم كماله في صورة دقيقة وحكمة وتدبير حيث شُبِّهت أطوار نموه بأطوار نمو الزرع، وهي مراحل طبيعية لا ارتجال فيها ولا مخالفة لسُنَن النشوء والارتقاء. ثم كان هذا الزرع لقوته وحُسن روائه باعثاً على حالتين: إعجاب الزُرَّاع به، ثم غيظه الكافرين. " إنه زرع من نوع خاص ينمو ولا يذبل. . يقوى ولا يضعف. . وهكذا كان محمد ﷺ وصحبه ". ووجه الشبه شيء يبدو صغيراً ثم ينمو ويقوى ويكتمل فيعجب الأحباء. ويغيظ الأعداء. ومن ذلك: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) .

стр. 716

فى هذه الآية مدح وثناء للفقراء الزاهدين فيما في أيدى الناس. وهم لشدة زهدهم وتظاهرهم بالغنى أشبهوا الأغنياء عند الجاهل بحالهم. ولأن الغنى نوعان: غنى عن المال بالمال. وغنى عن المال بالقناعة والتعفف. والثاني فضيلة من فضائل النفس يستحق أصحابها المدح والثناء. . ولهذا مدحهم القرآن. * * * ٢ - وصف النساء والحور والوِلْدَان: وصف القرآن النساء لغاية دينية إذ بها يحفظ الرجل نفسه ودينه من الوقوع فى المحظور. والقرآن في وصفه للمرأة لم يصف جمالها الحسي. وإنما وصف جمالها النفسي المعنوي. وبذلك يفارق وصف المرأة في القرآن ما دأب عليه الشعر الجاهلي من الأوصاف الحِسية. والالتذاذ المادي الوضيع. وعليه جاء قول الشاعر: إذا مَا الضَجِيعُ ثَنَى جِيْدَهَا. . . تَثنَتْ عَليْهِ فَكَانَتْ لبَاسَا فقد شبههن - القرآن - باللباس مرة فقال: (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) . واللباس فيه معنى الحفظ والوقاية من الأخطار، وفيه معنى التجمل والزينة فى أعين الناس، وفيه معنى حفظ العورات وما لا يحب أحد أن يطلع عليه الناس. والفرق بين التعبير القرآني وبين قول الشاعر أن المراد باللباس في القرآن معناه المجازي بكل ما يحمل اللفظ. أما في قول الشاعر فإن اللباس مراد به معنى حسي مكشوف. لهذه المعاني شبَّه القرآن النساء باللباس للرجال، ثم شبَّه الرجال باللباس لهن. لأن كُلاُّ منهما يحفظ الآخر ويحميه ويزينه.

стр. 717

لذلك امتنَّ به على خلقه فقال: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) . ويرى ابن الأثير أن تشبيه المرأة باللباس لم يُعرف قبل وروده في القرآن الكريم. وهذا الوصف من شأنه أن يُرَغب الرجال في البناء بالنساء. والنساء فى الحفاظ على روابط الأسرة واستمرار سعادتها. وشبههن مرة بالحَرْث فقال: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) . وتشبيه المرأة بالحرث من حيث أن كُلا منهما - المرأة والحَرْث - موضع أمل . . . فالأرض تنبت ما به قوام الحياة. والنساء ما به يحيا النوع الإنسانى. ويستمر في عمارة الأرض. فبين المعنيين تعانق. * * * وصف الحور والوِلْدَان: فى وصف الحور جاء الحديث في القرآن عن الجمالين: الحسي والمعنوي. لا تكاد صورة من صور التشبيه والتمثيل لهن تخرج عن هذا الهدف. قال سبحانه: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) . وقال: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) . وقال: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) .

стр. 718

وقال في وصف الوِلْدَان: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) . فى هذه النصوص الكريمة شُبّهت الحور بالبَيْض المكنون في الأداحى. وبه تُشَبه العرب النساء وتسميهن " بيضات الخدور ". - ونلمح في هذا التشبيه معنيين هما: الرقة والبياض. وهذان وصفان راجعان إلى جمال الأنثى الحسي. وإن كانت الرقة أقرب إلى الجمال النفسي منها إلى الحسي. ولأنهما راجعان إلى ما ذكرنا. فهما لا يكفيان وحدهما في المدح والثناء. بل لا بدَّ من وصف آخر يكمل النعمة. وصف آخر خُلقى لأن المرأة لا تُمدح لجمالها وحده فجمالها قد يرديها كما جاء ذلك في الحديث الشريف. وقد تكفل بهذا الوصف الخُلقى قوله تعالى: (مَكْنُونٌ) أي محفوظ مصون، وهذا معناه العفة وقصر استمتاعهن على أزواجهن. وقد أكَّد هذا قوله تعالى: (قَاصِراتُ الطَّرْفِ) ، وقوله: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِى الخِيَامِ) . . وهذا أقصى ما يتَطلبه الحر في المرأة. وكما نلمح في تشبيههن بالياقوت والمرجان معنى النفاسة والزكاوة. لأن مَن يملك شيئاً من هذين النوعين فهو عليه حريص وبه معتز. وكذلك قوله تعالى: (كَأمْثَالِ اللُؤلؤِ المكْنُونِ) . . لأن اللؤلؤ قسيم الياقوت والمرجان فيما ثبت لهما من المعاني الشريفة والنضارة واللمعان. وهو لؤلؤ مكنون لم تعبث به يد عابثة.

стр. 719

(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) . . فالعفة والحصانة أبرز ما توصف به الحور العين فضلاً عن الجمال الحسي والاكتمال الخُلقى. أما الوِلدَان. فقد شُبهوا - أيضاً - باللؤلؤ فأفاد هذا التشبيه جمال المنظر ونفاسة الذات. ثم وصفه بأنه " منثوراً " فالوصف هنا مغاير للوصف في جانب الحور العين. . هناك يثبت العفة والحصانة والطهارة لإناث الحور. والعفة والطهارة أكرم أوصاف الإناث على الإطلاق ولا يضر الأنثى ما فاتها بعدهما. أما الوِلدَان فإن القصد إلى كثرتهم وانتشارهم لخدمة أهل الجنة أمر مطلوب، وليسوا هم بحاجة إلى إثبات العفة لأنهم ليسوا مظنة التبذل. . ولهذا جاء الوصف - هنا - كما كان - هناك - وافياً بالفرض: (إذا رَأيْتَهُمْ حَسبْتَهُمْ لُؤلُؤاً مَنثُوراً) . فهم في صفاء اللؤلؤ وانتشار الكواكب. وصدق الله العظيم. ما أحسن قوله وأحكم كتابه. * * * ٣ - وصف الجنة: قال سبحانه: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) . وقال: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) .

стр. 720

" في الآيتين حديث عن عرض الجنة دون الطول. لأن ما له عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله. فإذا عُرِف عرضه بالبسطة عُرِف أن طوله أبسط وأمد ". ويرى السعدى - كما يذكر الزمخشري - أن العرض قد يُراد به البسطة وليس ما يقابل الطول. كقوله تعالى: (فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) ويكون المعنى: بسطتها كبسطة السماء والأرض. . والآيتان تصفان الجنة من حيث الاتساع أو المساحة. وهذا ظاهر. وقال سبحانه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥) . وقال سبحانه: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) . وهاتان تتحدثان عن نعيم الجنة لا عن عرضها وطولها. وهما تدخلان في باب التشبيه من حيث أن المراد بالمثل فيهما الصفة الشبيهة بالمثل في غرابتها. وآية " محمد " كالتفصيل لآية " الرعد ". ففى آية " الرعد " إشارة مجملة إلى نعيم الجئة. وفي آية " محمد ﷺ " تفصيل وتسمية لألوان ذلك النعيم.

стр. 721

وفى " الرعد " إشارة إلى دوام الأكل وإن انفردت بذكر الظل. وفي " محمد " تعيين لذلك الأكل: (وَلهُمْ فِيهَا مِن كُل الثمَرَاتِ) . والآيتان تثبتان للجنة الموعود بها المتقون كل أسباب البهجة والنعيم الخالد، وقد اشتملت آية " محمد " على زيادة لا بدَّ لها من توجيه. وهي قوله تعالى: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) . وقد تطوع الزمخشري بهذا التوجيه فقال: " فإن قلتَ: ما معنى قوله تعالى: " مثل الجنة التي وُعِدَ المتقون فيها أنهار. . كمن هو خالد في النار. . . "؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي والإنكار. لانطوائه تحت كلام مصدَّر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه. وانخراطه في سلكه. وهو قوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) ، فكأنه قيل: " أمثل الجنة التي وعد الَمتقون. كمن هو خالد في النارَ "؟ فإن قلتَ: فلِمَ عرى من حرف الإنكار. وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة مَن يسوى بين التمسك بالبينة. والتابع لهواه وأنه بمنزلة مَن يسوى بين الجنة التي تجرى تحتها الأنهار ويين النار التي يُسقى أهلها الحميم ". والحق أن ما ذكره الزمخشري كلام في منتهى الجودة. وكذلك يرى العلامة أبو السعود في تفسيره. وقد زاد كثرة التقديرات إذ أورد الوجوه الآتية: (كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ) : خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمنْ هو خالد فى الجنة حسبما جرى به الوعد كمن هو خالد في النار؟ وقيل: معناه أمثل الجنة كمثل جزاء مَن هو خالد في النار؟ ففى الكلام حذف متضايفين.

стр. 722

أو: أمثل أهل الجنة كمثل مَن هو خالد في النار؟ قال: " وعرى عن حرف الإنكار وحذف ما حذف تصويراً لمكابرة مَن يسوى بين التمسك بالبينة وبين التابع للهوى بمكابرة مَن يسوى بين الجنة الموصوفة بما فصل من الآيات الجليلة وبين النار ". * * * في التخويف والتحذير: الترغيب والترهيب وسيلتان من وسائل تربية الجماعات والأمم، وقد تقدم دور التشبيه القرآني في مجال الترغيب والوصف المحبَّب للموصوف، ونتناول فيما يأتي دوره في الترهيب وما يتصل به من معان. ١ - وصف الدنيا: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) . وقال سبحانه: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) . وقال: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) . * *

стр. 723

* ملامح مشتركة بين الصور الثلاث: هذه الصور الثلاث اشتركت في معنى عام لم تخل منه واحدة منها وهو تشبيه الدنيا بماء أنزله الله من السماء. فأحيا الأرض بعد موتها. وأنبتت واخضرت واكتملت صورة الأرض بالأشجار والزروع المختلفة الطعوم والألوان والحجوم فدبت على ظهرها الحياة مرحة نشيطة. وحالف الحظ أقواماً فملكوا من حطامها وعروضها الكثير. وسخروها لخدمتهم وتوصَّلوا إلى بعض من أسرارها وقد بدت في أعينهم عروساً فاتنة. وظنوا أنهم قادرون على إخضاعها لأغراضهم فركنوا إليها واثقين، وبينما هم كذلك جاءها أمر الله فدمرها تدميرا" وأصبحت أثراً بعد عين كأن لم يكن لها وجود سابق. والصور في المواضع الثلاثة من الصور المركبة شُبِّهت فيها الحياة الدنيا فى زهوها وسرعة فنائها بصورة الزرع في نموه وازدهاره. وصيرورته هشيماً جافاً وأعواداً متهشمة متكسرة لا يتعلق بها أمل. ولا تغنى عن شيء؟ فجدير ألا يطمئن إليها عاقل ولا يغتر بها إنسان. أو الوجه - كما يقول الزمخشري -: " سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال ". وقد برزت في ثنايا التشبيهات الرئيسية صور بيانية تدور حول التشبيه والمجاز والقصر. ففى آية " يونس " وردت التعبيرات الآتية: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) . . وهذا مجاز طريقه الاستعارة التمثيلية.

стр. 724

قال صاحب الكشاف: " جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها. وتزيَّنت بغيرها من ألوان الزين ". ووردت عبارة: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) فـ " أتاها أمرنا " مجاز حكمي علاقته المفعولية والتقدير: آتيناها أمرنا، وفي الإسناد إلى الأمر من المبالغة والفخامة ما فيه. و" جعلناها حصيداً " تشبيه مؤكد محذوف الأداة أي كحصيد. و" حصيد " بمعنى مفعول ووضع " فعيل " مكان " مفعول " لا يشعر به من المبالغة في المعنى. و" كأن لم تغن بالأمس ". تشبيه مرسل لذكر الأداة فحواه تنزيل وجود الدنيا حيث كانت بمنزلة العدم لسرعة فنائها وذهاب أثرها. كما اشتملت الفاصلة على تشبيه: (كَذَلِكَ نُفَصلُ الآيَاتِ) . . أى مثل هذا التفصيل الواضح تفسيرنا لكل الآيات. وآية " الكهف " اختصرت المسافة من أقصر طريق. وقد وصفت الهشيم الذي شُبِّهت به الدنيا بأنه " تذروه الرياح " لدقة أجزائه وجفافه. وحقَّرت آية " الحديد " الدنيا ووصفتها عن طريق التشبيه المؤكد بأنها: " لعب ولهو " وهما لا يجديان على صاحبهما غير الألم والحسرة. ثم قصرت: " آثر الحياة الدنيا " عند الراكنين إليها بأنه " متاع الغرور " قصر موصوف على صفة وطريقه النفي والإثبات. وترى التئاماً ساحراً بين مطلع الآية وفاصلتها. * * ٢ - وصف الأعمال المخالفة للتوجيه الإلهى: من ذلك وصف الغيبة في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) .

стр. 725

فقد شبَّه المغتاب بمن يأكل لحم أخيه ميتاً. وهذه صورة تعافها النفوس. . وتنفر عنها الطباع. قال الزمخشري: " تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من المغتاب على أفظع وجه وأفحشه. وفيه مبالغات شتى: منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة. ومنها إسناد الفعل إلى " أحدكم " والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك. ومنها لأنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً. ومنها أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتاً ". وهذه اعتبارات دقيقة لحظها الزمخشري تُسجَّل له. ولكن جعله الاستفهام للتقرير لا يرتاح إليه الفكر. والأولى حمل الاستفهام على الإنكار كقوله تعالى: (أكَفرْتُم بَعْدَ إيمَانكُمْ) . . وذلك لأن الاستفهام التقريرى يكون مدخوله مثبتاً كقوله تعالى: َ (ألمْ نَشْرَحْ لكَ صَدْرَكَ) . ومدخول الاستفهام في آية الغيبة منفى: فكيف للزمخشري أن يجعل الاستفهام معه للتقرير؟ ومنها أيضاً قوله تعالى محذراً من نقض الأيمان والعهود: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) . خاطب الله العرب بما هو مألوف لهم. من ذلك الصورة المشبَّه بها في الآية الكريمة، و " نقض الغزل " يؤدى إلى إفساده حيث يُراد الانتفاع به، ولا يحب أحد أن يبطل عملاً بدأه أو أكمله خاصة إن كان هذا العمل موضع أمل.

стр. 726

والتي تنقض غزلها خرقاء لا عقل لها ولا رشاد. . هي كمن يحرث في البحر يكد ويتعب فيما لا يعود عليه بنفع. والنقض في جميع استعمالاته يدور حول الإفساد والإبطال. قال الراغب: " النقض انتشار العقد من البناء. والحبل والعقد وهو ضد الإبرام. ومن نقض الحبل والعقد استعير نقض العهد. . ". لذلك وقع التحذير بهذه الصورة لتكون أوقع في النفس. وأحرى بالالتزام. ومنه التحذير من الإنفاق على غير الصفات المطلوبة. قال سبحانه: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) . جاءت هذه الآية بعد ثناء على المنفقين في سبيل الله، ولا ينفقون إلا عن إيمان به ورضا نفس وحب فيه، فكان فيها ترغيب لهم فيما استحقوا عليه الثناء. أما هذه الآية فجاءت مُحذرة من مخالفة الأصول الشرعية في الإنفاق. قال الزمخشري: " وهذا مثل للذى يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغى بها وجه الله. فإذا كان يوم القيامة وجدها محبَطة فيتحسر حسرة مَن كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار فبلغه الكبَر. وله ذُرية ضعفاء - والجنة معاشهم - فهلكت بالصاعقة ". وإذا كانت هذه الآية مسوقة لتنفير الناس من الإنفاق على غير وجه الشرع فقد حفلت الصورة الأدبية فيها بعبارات أدت المعنى على وجه حكيم.

стр. 727

فالرجل صاحب الجنة المذكورة التي فيها النخيل والأعناب. والأنهار تجرى من تحتها وله فيها من كل ثمر نصيب، ذلك الرجل قد حلت به الشيخوخة فأضعفته فهو غير قادر على الكسب مما سواها. وله أولاد ضعاف في حاجة إلى ثمارها. أصابها إعصار مدمر فيه نار فاحترقت في غمضة عين. فلو كان هو شاباً لهان الخَطب. ولو كان أولاده أقوياء لهان الخَطب. ولكن كيف وهو وأولاده بتلك الصفة. ومما يزيد من الحسرة: أن الواقعة كانت مفاجئة فلم تكن هناك فرصة للاحتياط، والاحتراق أعقب الإصابة فلم تكن هناك فرصة للإنقاذ. (فَأصَابَهَا إعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) وهل تنكير الإعصار والنار إلا لإرادة التهويل من شأنها. ومثل هذه الآية التحذير من أكل الربا في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) . فصورة الإنسان الذي يتخبطه الشيطان من المس صورة بغيضة إلى النفس. فمَنْ أراد أن يكون كذلك لا يتورع أن يأكل الربا! وهل يرضى عاقل هذا المصير لنفسه؟ ومنه التحذير من أذى الأبرياء كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) . * *

стр. 728

٣ - التخويف من أهوال الحشر: للتشبيه في القرآن الكريم دور هام في الحديث عن يوم القيامة، وحديث القرآن عن يوم القيامة على أنواع: أولاً - إمكان وقوعه: أى أنه ليس كما يقول المنكرون أنه مستحيل الوقوع، وفي هذا الجانب وردت النصوص الآتية: قال سبحانه: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) . وقال: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) . وقال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) . وقال: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) . وَقال: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) . وقال: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) .

стр. 729

* قياس واضح يُلزمهم بالتصديق: فى النصوص المتقدمة يهدف القرآن إلى إثبات صحة وقوع البعث ففند تلك الشُّبهة الواهية التي بنى عليها المنكرون مذهبهم فيه. حيث استبعدوا وقوع البعث بعد الموت وصيرورتهم تراباً وعِظاماً. والحقيقة التي اعتمد عليها القرآن في هذا المجال حقيقة بدهية لا تحتاج إلى جدل طويل، وقد ساق لهم القضية في أسلوب منطفى واضح لا يخرج عن التسليم به إلا مكابر. فالله خدق الكون كله على غير مثال سابق ومن غير مادة تقدمت في الوجود عليه. . خلق مادته وشكل تلك المادة فيما نراه ونشاهده. . أرض وسماء. . أفلاك وأنهار. . صحارى وجبال. . إنسان وحيوان. وبدهى أن الذي خلق الحياة أولاً فإن الإعاده - وإن استوى عنده أمرها مع أمر البداية - فهى أهون عليه. وقياساً عليه فإن البعث أمر ممكن في نفسه. وإن كان من حيث الوعد به واجباً شرعياً. جاء هذا القياس في أسلوب تشبيهى أدبي. فالمشبَّه به هنا هو المقيس عليه من حيث أنه أمر واقع. . والمشبَّه هو المقيس وهو أمر متوقع. وما دام نظيره قد ثبت وقوعه علماً وعقلا. فإن ما قيس عليه أدخل فى مجال الوقوع: (كَمَا بَدَأكُمْ تَعُودُونَ) . (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) . (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) .

стр. 730

وجه الشبه في هذه النصوص - وما أشبهها - هو الإمكان واليُسر والسهولة. . . وقد كان تحدي القرآن لهم واضحاً في القصة الآتية: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) . فى هذا النص الكريم رد مفحم على دعواهم التي صدَّرها القرآن النص. ثم أخذ في الرد عليها فلم يتركها شيئاً ذا قيمة. قاس أمراً متوقَعاً على ما هو واقع فعلاً، ليستوى معه في إمكان الوقوع. وبذلك تندحض شُبهتهم. * * ثانياً - قرب وقوع يوم القيامة: وفي ذلك وردت النصوص الآتية: قال سبحانه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥) . وقال: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) . فى آية " الأحقاف " شبَّه مدة لبثهم قبل القيامة بكونها ساعة من نهار. هكذا: ساعة من نهار. . لم تزد عليه. والساعة الملبوثة " نكرة " من يوم " نكرة " كذلك، ولعل التنكير هنا مقصود به التقليل، ولتلك القِلة لم يحفظوا

стр. 731

لهما صورة في الذاكرة فصارتا عندهم وقتاً مبهماً. ووجه الشبه بين الطرفين: قصر المدة. وقد جاء قصر هذه المدة عن طريق المجاز الاستعاري في قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) . حيث شبَّه مدة لبثهم فى القبور بالزيارة. ويروى أن أعرابياً سمع هذه الآية فقال: لقد بُعِثَ الناس. والتشبيه في آية الأحقاف ذو غرضين: أحدهما: تثبيت النبي ﷺ حتى لا يستعجل لهم العذاب، لأنهم حين يرونه لم يشعروا إلا بقصر عيشهم الذي كانوا فيه. وثانيهما: تهديد المنكرين بقرب ما يوعَدون. وفي آية " النازعات " شُبهت المدة الملبوثة قبل القيامة بعشية يوم أو ضحاه، وهذا تفسير للساعة في آية " الأحقاف "، وهي هنا جزء من اليوم لم تتعده، وقد أضيف الضحى إلى ضمير " العشية " ولم يقل: أو ضحىً: ليكون الجزءان من يوم واحد، ولو قطع " الضحى " عن هذه الإضافة لجاز وقوع " العشية " في يوم والضحى في يوم آخر، وهذا يؤذن بتعدد أيام الدنيا فى موقف يُراد فيه بيان القصر الواقع فيها فهو لا يخدم المعنى ولذلك عُدِلَ عنه. وإضافة " الضحى " إلى ضمير " العشية " لمحة بيانية لتحقيق التشبيه. وقد جاء عن غير طريق التشبيه: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) . * *

стр. 732

ثالثاً - طول يوم القيامة: ويقابل قصر المدة السابقة على يوم القيامة. طول اليوم نفسه، أي طول يوم القيامة، وفي هذا وردت النصوص الآتية: قال سبحانه: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) . وقال سبحانه: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) . وقال سبحانه: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) . هذه ثلات آيات تصف يوماً يتبادر إلى الذهن وشاع عند الناس أنه يوم القيامة، ولذلك آثرنا تسجيل هذه الآيات الثلاث هنا لندرسها من خلال آراء العلماء فيها وما يبدو للنظر من توجيه. وأول ما يُلاحَظ على هذه الآيات أن اثنتين منها تصف اليوم في الطول بألف سنة، والأخرى تصفه - في الطول أيضاً - بخمسين ألف سنة. وهذا الاختلاف في الوصف يحمل على الاعتقاد بأن اليوم الوارد في الآيات الثلاث ليس المراد به يوماً واحداً، بل يومان على الأقل. لذلك اهتم العلماء بالبحث في هذا الإشكال. ويتلخص رأى الخطيب الإسكافي في التمييز بين اليوم الموصوف بألف سنة وهو الوارد في سورتى الحج والسجدة، ويين اليوم الموصوف بخمسين ألف سنة وهو الوارد في سورة المعارج.

стр. 733

فما وُصفَ في " المعارج " بأن طوله خمسون ألف سنة فهو يوم القيامة، أما ما في آية " الحج " فإن المراد به عنده مضاعفة العذاب ومضاعفة النعيم، يعني أن يوم العذاب ينال فيه العاصي من العذاب ما يناله في ألف سنة لشدة الهول. . ويوم النعيم ينال فيه المنَعم خيراً كثيراً ينال مثله في ألف سنة من أيام الدنيا. أما ما في " السجدة " فإن المراد به وقت نزول وعروج الملائكة بأمر الله. إذ يكون نزولهم وصعودهم في يوم واحد. وما بين السماء والأرض خمسمائة سنة، فيكون مجموع الصعود والنزول ألف سنة. وللخطيب الإسكافي رأيان آخران: أحدهما: أن يكون اليومان في " الحج " و " السجدة " من أيام الله التى خلق فيها السموات والأرض. ويوم " المعارج " هو يوم القيامة. ثانيهما: أن يكون الحديث في المواضع الثلاثة عن يوم القيامة. والمعنى أنه لا آخر له. وفيه أوقات مختلفة طولاً وقصراً. والعلامة أبو السعود المختار عنده أن اليومين اللذين في " الحج " و" السجدة " يومان آخران غير يوم القيامة. فيوم " الحج " من أيام الدنيا. والعذاب المستعجَل هو العذاب الذي نزل بهم في الدنيا وطال اليوم لشدته عليهم. ويوم " السجدة " هو يوم صعود وهبوط الملائكة بتدبير الأمر. وهو يوم القيامة، ولكن أبا السعود لم يرتح لهذا الرأي، ولم يقطع فى اليوم الوارد في آية " المعارج " برأى واضح بل اكتفى بأن يراد به يوم القيامة أو هو عبارة عن بُعد المعارج والعرش.

стр. 734

ولم يخرج الزمخشري عما فصله أبو السعود. فاليومان في " الحج " و" السجدة " الأرجح عندهما أنهما غير يوم القيامة. ويوم " المعارج " الأظهر أنه يوم القيامة عند الزمخشري، أما أبو السعود فهو عنده مجرد احتمال. * والخلاصة: أن النظم القرآني في المواضع الثلاثة ليس فيه دلالة قطع على أن المراد باليوم فيه هو يوم القيامة أو غيره من أيام يعلمها الله. والذي يبدو من ظاهر الآيات وسياق الكلام الذي وردت فيه أن اليوم المذكور في آية " الحج " هو يوم من أيام عذاب الله الكافرين. والمعنى: أن يوماً واحداً منها عظيم في شدة وقعه عليهم لدرجة أن ما ينالهم فيه من عذاب لا ينال مثله إلا في ألف سنة من أيامنا المعهودة. لأن أيام الشدائد تطول على حد قول الشاعر: كِلِينِى لِهمٍّ يَا أُمَيْمَةُ قَاتِلِى. . . وَليْلٍ أُقَاسِيه بَطِيءِ الكَوَاكِبِ وقول الآخر: فِى ليْلِ صَولٍ تَنَاهَى العَرْض وَالطُولُ. . . كَأنمَا ليْلُهُ بِالحَشْرِ مَوْصُولُ أما اليومان اللذان في " السجدة " و " المعارج " فيتبادر تعلقهما بالعروج، وعلى ذلك فإن العروج نوعان: نوع يتم في يوم يعادل ألف سنة من دورة الفلك. وقد سبق تفسير ذلك عند الخطيب الإسكافي. ونوع يتم فيما يعادل خمسين ألف سنة. وحقيقة ذلك مما يعلم الله وحده. إما إرادة يوم القيامة بيوم آية " الحج " فبعيدة. وكذلك آية " السجدة " وإن كان احتمال إرادة يوم القيامة فيه - أي اليوم المذكور في آية " السجدة "- قوياً بخلاف ما في آية " الحج ".

стр. 735

أما آية، المعارج " فإن حمل اليوم فيها على يوم القيامة رأى تؤيده القرائن ويكفي أن ننظر إلى الآيات التي جاءت آيتنا في سياقها ليتأكد لنا ذلك التأييد. قال سبحانه: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) . فهذه الظواهر لا تكون إلا يوم القيامة. وهذا يُرجح أن يكون المقصود هنا يوم القيامة. ما لم نعتبر إرجاع الضمائر على العذاب الوارد في قوله تعالى: (سَألَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع) لأن كُلا من العذاب، واليوم المذكور فى قوله: (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) . صالح لإرجاع الضمير عليه في قوله تعالَى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) . أى يرون العذاب أو اليوم الطويل. وأياً كان اليوم المذكور في هذه الآيات الثلاث فإن التشبيه قد أفاد طوله غير المعهود لأنه يوم تحدث فيه من الأعمال أو الأهوال ما لا يحدث مثله إلا فى الزمن المشبَّه به. والله أعلم. * * * أهوال القيامة: وتحدث القرآن - كذلك عن طريق التشبيه عن الأهوال الجسام التي تقع يوم القيامة والظواهر التي ليس للناس بها عهد.

стр. 736

وفى هذا الجانب وردت النصوص الآتية: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) . وقال: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) . وقال: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) . وقال: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) . وقال: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) . فهذه أهوال وظواهر غير معهودة تحدث يوم القيامة ساقها القرآن عن طريق التشبيه. ففى آية " الكهف " شبَّه بعثهم وعرضهم على الله بهيئتهم وحالهم عند النشأة الأولى: (كَمَا خَلقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ) ، ووجه الشبه هنا أنهم مجردون من كل حَول وقوة، لا مال لهم ولا ولد، حفاة عراة إلا مَن اكتسى بلباس التقوى، ولا يبعد أن يدخل في وجه الشبه اعتبار الجمع كما في قوله تعالى: (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) . والزمخشري يُرجح أن وجه الشبه كونهم حفاة عراة، لا يملكون من حطام الدنيا شيئاً.

стр. 737

وفى آية " الحج " جاء تمثيلهم بالسكارى. وقد مهَّد لهذا التشبيه بأهوال تسلم مَن شاهدها إلى ما يشبه السُّكر من الذهول والهذيان وفقد الإدراك. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) . و (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) كناية عن صفة هي الفزع من شدة الهول وانشغال كل امَرئ بما كسب: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) . وآية " المعارج " أبانت الأطوار التي ستئول إليها السماء إذ تكون كالمهل وهو دردى الزيت كما سبق. أما الجبال فستكون مثل الصوف المصبوغ التفرق. إذا طيرته الريح. وجاء تشبيهم في " القمر " بالجراد المنتشر في الكثرة والانتشار، كما جاء تشبيهم في " القارعة " بالفراش المبثوث، ووجه الشبه الكثرة والضعف والتموج والاضطراب. وقال في " المعارج ": (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِراعاً كَأنهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفضُونَ) ، الإيفاض: السرعة. والنُصب، كل ما نُصِبَ وعُبِدَ من دون اللَه. وهذا التشبيه مقصود به الكافرون. ففى التشبيه بإيفاضهم إلى النُصب تهكم بهم. وتوبيخ لهم. كأنهم يسرعون نحو أصنامهم التي كانوا يعبدونها لتنجيهم مما هو واقع.

стр. 738

وجاء في " الرحمن ": (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) . " وردة ": أي حمراء. و " الدهان ": الزيت. هذه معان جد رائعة عرفناها في القرآن الكريم عن طريق التشبيه في أسلوب جزل واضح، والآن ننتقل إلى مجموعة أخرى وهي: ١ - في مجال القدرة الإلهية: وفي هذا المجال وردت النصوص الآتية: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) . شبه الموج بالجبال في الضخامة والامتداد الشامخ. ومع هذا فإن السفينة - سفينة نوح - ظلت تمخر الماء في سلام. وتشبيه " الموج " بالجبال ضرورة بيانية لأن المقام يقتضي إبراز نعمة الله وكيف نجى المؤمنين وسط الطوفان وتلاطم الأمواج. ومن ذلك تشبيه السفن نفسها بالجبال في قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) . والوجه - هنا ليس مجرد الضخامة - بل هو ملاحظة الاستقرار مع كونها تجرى في البحر. لا تضطرب ولا تميد ميداً يؤدى بها إلى الهلاك. وآثر هنا " الأعلام " مكان " الجبال " لأن العَلم هو الجبل الطويل لا مطلق جبل. ولا شك أن السفن أضخم وأكثر شموخاً من الموج. وهذا ملحظ دقيق لاستعمال أحد المترادفين فيما هو به أولى. لم يُعرف ذلك على دقته وروعته في غير القرآن.

стр. 739

وكما شبَّه الموج بالجبال شبَّه بالظلل. وهي القطع من السحاب فقال: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) . وفي تشبيه الموج بـ " الظلل " التي هي سحاب ملحظ دقيق وجدة ظاهرة، وليس فيه تشبيه الشيء بنفسه وإن كان كل منهما ماء، لأن وجه الشبه الضخامة. وأوثر لفظ " الظلل " على " السُحُب " لأنه يشعر بأن الموج ارتفع فوق ظهر الماء حتى صار له ظل. وهذا أنسب من حيث المقام. وجاء تشبيه الجبل بالسحابة في قوله تعالى: (وَإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأنَّهُ ظلة) . وهذا مثل من قُدرة الله لما صدَّ بنو إسرائيل عن العمل بما شرعه الله لهم قلع جبل " الطور " ورفعه فوق رءوسهم كأنه سحابة. مظلة وهددهم إذا لم يمتثلوا أمره بأن يسقط عليهم الجبل. ووجه الشبه الارتفاع والإظلال، والغرض بيان قُدرة الله وتهديد بنى إسرائيل - ليتعظ مَن عداهم. وجاء في مبدأ خلق الإنسان قوله تعالى: (خَلقَ الإنسَانَ مِن صَلصَال كَالفَخَّارِ) . " الصلصال ": الطين اليابس الذي له صلصة، و " الفخار ": الخزف، ووجه الشبه الجفاف واليبوسة. وأصل الصلصلة تردد الصوت من الشيء اليابس، والغرض من هذا التشبيه تذكير الإنسان بمبدأ خلقه وكيف أن قُدرة الله قد أخرجته من هذا المبدأ

стр. 740

إلى ما هو عليه إنساناً سوياً. وذلك أدعى للشكر. فهو مسوق للتوييخ على إخلالهم بمواجب شكر النِعَم. وجاء في تشبيه السرعة: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) . وقد جاء هذا التشبيه في أسلوب قصرى محكم البناء. ويهدف إلى تحقيق غرضين: السرعة الفائقة. واليُسر. وقد أوفى التشبيه بالغرضين أيما وفاء. وأين منه قول الشاعر: ظَللنَا عِنْدَ بَابِ أبِى نَعِيمٍ. . . بِيَوْمٍ مِثْلِ سَالِفَةِ الذُّبابِ وأين منه قول الآخر: ويوْم كَظِلِّ الرُمْح قَصَّرَ طولهُ. . . دَمُ الزًقِّ عَنا واصْطِكَاكُ المزاهِرِ قوة وجزالة في التشبيه القرآني. وعفة ألفاظ. لا نجد لها مماثلاً فيما سواه. مع أن التشبيه القرآني - هنا - وفي كل موضع مختص، بالتفوق والدقة فى تصوير المعاني وتقريبها للفهم. * * ٢ - باقة من زهور: تقدمت الإشارة إلى هذا في صدر هذا الفصل. ونستعرض فيه أنماطاً من التشبيه والتمثيل لا تخضع لغرض واحد. وإن أمكن توزيعها على بعض الفروع السابقة. من ذلك قوله تعالى في تشبيه اليهود: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) .
следующие страницы →