وفى هذا الجانب وردت النصوص الآتية:
(وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) .
وقال: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) .
وقال: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) .
وقال: (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) .
وقال: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .
فهذه أهوال وظواهر غير معهودة تحدث يوم القيامة ساقها القرآن عن طريق
التشبيه.
ففى آية " الكهف " شبَّه بعثهم وعرضهم على الله بهيئتهم وحالهم عند
النشأة الأولى: (كَمَا خَلقْنَاكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ) ، ووجه الشبه هنا أنهم مجردون
من كل حَول وقوة، لا مال لهم ولا ولد، حفاة عراة إلا مَن اكتسى بلباس
التقوى، ولا يبعد أن يدخل في وجه الشبه اعتبار الجمع كما في قوله تعالى:
(ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ) .
والزمخشري يُرجح أن وجه الشبه كونهم حفاة عراة، لا يملكون من حطام
الدنيا شيئاً.
стр. 737
وفى آية " الحج " جاء تمثيلهم بالسكارى. وقد مهَّد لهذا التشبيه بأهوال
تسلم مَن شاهدها إلى ما يشبه السُّكر من الذهول والهذيان وفقد الإدراك.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) .
و (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) كناية عن صفة هي الفزع من شدة
الهول وانشغال كل امَرئ بما كسب: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) .
وآية " المعارج " أبانت الأطوار التي ستئول إليها السماء إذ تكون كالمهل
وهو دردى الزيت كما سبق.
أما الجبال فستكون مثل الصوف المصبوغ التفرق. إذا طيرته الريح.
وجاء تشبيهم في " القمر " بالجراد المنتشر في الكثرة والانتشار، كما جاء
تشبيهم في " القارعة " بالفراش المبثوث، ووجه الشبه الكثرة والضعف
والتموج والاضطراب.
وقال في " المعارج ": (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِراعاً كَأنهُمْ إلى
نُصُبٍ يُوفضُونَ) ، الإيفاض: السرعة. والنُصب، كل ما نُصِبَ وعُبِدَ
من دون اللَه. وهذا التشبيه مقصود به الكافرون.
ففى التشبيه بإيفاضهم إلى النُصب تهكم بهم. وتوبيخ لهم.
كأنهم يسرعون نحو أصنامهم التي كانوا يعبدونها لتنجيهم مما هو واقع.
стр. 738
وجاء في " الرحمن ": (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) .
" وردة ": أي حمراء. و " الدهان ": الزيت.
هذه معان جد رائعة عرفناها في القرآن الكريم عن طريق التشبيه في أسلوب
جزل واضح، والآن ننتقل إلى مجموعة أخرى وهي:
١ - في مجال القدرة الإلهية:
وفي هذا المجال وردت النصوص الآتية: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) .
شبه الموج بالجبال في الضخامة والامتداد الشامخ.
ومع هذا فإن السفينة - سفينة نوح - ظلت تمخر الماء في سلام.
وتشبيه " الموج " بالجبال ضرورة بيانية لأن المقام يقتضي إبراز نعمة الله وكيف نجى المؤمنين وسط الطوفان وتلاطم الأمواج.
ومن ذلك تشبيه السفن نفسها بالجبال في قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) .
والوجه - هنا ليس مجرد الضخامة - بل هو ملاحظة الاستقرار مع كونها
تجرى في البحر. لا تضطرب ولا تميد ميداً يؤدى بها إلى الهلاك.
وآثر هنا " الأعلام " مكان " الجبال " لأن العَلم هو الجبل الطويل لا مطلق جبل.
ولا شك أن السفن أضخم وأكثر شموخاً من الموج.
وهذا ملحظ دقيق لاستعمال أحد المترادفين فيما هو به أولى.
لم يُعرف ذلك على دقته وروعته في غير القرآن.
стр. 739
وكما شبَّه الموج بالجبال شبَّه بالظلل. وهي القطع من السحاب فقال:
(وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .
وفي تشبيه الموج بـ " الظلل " التي هي سحاب ملحظ دقيق وجدة ظاهرة،
وليس فيه تشبيه الشيء بنفسه وإن كان كل منهما ماء، لأن وجه الشبه الضخامة.
وأوثر لفظ " الظلل " على " السُحُب " لأنه يشعر بأن الموج ارتفع فوق ظهر
الماء حتى صار له ظل. وهذا أنسب من حيث المقام.
وجاء تشبيه الجبل بالسحابة في قوله تعالى: (وَإذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ
كَأنَّهُ ظلة) .
وهذا مثل من قُدرة الله لما صدَّ بنو إسرائيل عن العمل بما شرعه الله لهم قلع
جبل " الطور " ورفعه فوق رءوسهم كأنه سحابة. مظلة وهددهم إذا لم يمتثلوا أمره بأن يسقط عليهم الجبل.
ووجه الشبه الارتفاع والإظلال، والغرض بيان قُدرة الله وتهديد بنى إسرائيل
- ليتعظ مَن عداهم.
وجاء في مبدأ خلق الإنسان قوله تعالى: (خَلقَ الإنسَانَ مِن صَلصَال
كَالفَخَّارِ) .
" الصلصال ": الطين اليابس الذي له صلصة، و " الفخار ": الخزف،
ووجه الشبه الجفاف واليبوسة.
وأصل الصلصلة تردد الصوت من الشيء اليابس، والغرض من هذا
التشبيه تذكير الإنسان بمبدأ خلقه وكيف أن قُدرة الله قد أخرجته من هذا المبدأ
стр. 740
إلى ما هو عليه إنساناً سوياً. وذلك أدعى للشكر. فهو مسوق للتوييخ على
إخلالهم بمواجب شكر النِعَم.
وجاء في تشبيه السرعة: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) .
وقد جاء هذا التشبيه في أسلوب قصرى محكم البناء.
ويهدف إلى تحقيق غرضين: السرعة الفائقة. واليُسر.
وقد أوفى التشبيه بالغرضين أيما وفاء. وأين منه قول الشاعر:
ظَللنَا عِنْدَ بَابِ أبِى نَعِيمٍ. . . بِيَوْمٍ مِثْلِ سَالِفَةِ الذُّبابِ
وأين منه قول الآخر:
ويوْم كَظِلِّ الرُمْح قَصَّرَ طولهُ. . . دَمُ الزًقِّ عَنا واصْطِكَاكُ المزاهِرِ
قوة وجزالة في التشبيه القرآني. وعفة ألفاظ. لا نجد لها مماثلاً فيما سواه.
مع أن التشبيه القرآني - هنا - وفي كل موضع مختص، بالتفوق والدقة فى
تصوير المعاني وتقريبها للفهم.
* *
٢ - باقة من زهور:
تقدمت الإشارة إلى هذا في صدر هذا الفصل. ونستعرض فيه أنماطاً من
التشبيه والتمثيل لا تخضع لغرض واحد. وإن أمكن توزيعها على بعض الفروع السابقة.
من ذلك قوله تعالى في تشبيه اليهود: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) .
стр. 741
أراد الله أن يصف اليهود بترك العمل بما علموا. فاختار لهم هذا المثل:
" حمار " يحمل أسفار العلم ونفائس المعارف. فهو يحملها على ظهره
ويصطك بها جنباه ويعانى من تعبها والكد في معاناة السير بها دون أن يعى
شيئاً مما حوته.
فقد نزَّل علمهم بها - أي بالتوراة - منزلة الجهل بما فيها من حيث أنهم لم
يعملوا بمقتضاها. فلم يكن لهم مثل أقرب من مثل الحمار الذي تلك صفته.
فالتركيب ظاهر في جهة المشبَّه به. لأنه ليس المراد تشبيههم بالحمار مجرد
حمار، بل الحمار على الهيئة المخصوصة.
وكذلك المشبه مركب أيضاً. لأن المراد تشبيه اليهود بتلك الهيئة المخصوصة
لامجرد يهود.
والوجه شقاء كل باستصحاب ما يتضمن النفع العظيم.
والفوائد الشريفة من غير أن يحصل على شيء مع معاناة الكد والمتاعب في حمله.
وقد سار هذا التمثيل مثلاً على أفواه المتأدبين والبلغاء.
وقال سبحانه في شأن المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) .
قال الزمخشري في توجيه هذا التشبيه:
" شُبهوا في استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير - بـ " الخُشُب المسندة "، ولأن الخُشُب إذا انتُفِعَ به كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام غير منتفَع به أُسند إلى الحائط فشُبهوا به في عدم الانتفاع ".
стр. 742
ولا يجوز أن يكون المشبه الأصنام لا المنافقين. وهذا بعيد لأن الأصنام
لا قول لها. وصياغة الآية تُشعر ب معان دقيقة .
* *
* معان دقيقة:
ذلك أن فيها شرطين، أحدهما: الأداة فيه " إذا " وهو: (وَإذا رَأيْتَهُمْ
تُعْجِبُكَ أجْسَامُهُمْ) .
وثانيهما: الأداة فيه " إنْ " وهو: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) .
وقد وقع الشرط الثاني قبيل التشبيه مباشرة فجاء التشبيه في حيزه.
إذن - فلماذا أوثرت " إذا " في الشرط الأول و " إن " في الثاني؟
ولماذا أولى التشبيه الشرط الثاني وكان الأولى من. حيث الظاهر أن يلى
الشرط الأول ما دام التشبيه منصباً على الأجسام حسبما تقدم عند الزمخشري؟
وفي الإجابة عن هذه الأسئلة أُرجح الآتى:
إيثار " إذا " في جانب الشرط الأول لعله - والله أعلم - لبيان حرصهم على
غشيان مجالس رسول الله ﷺ طمعاً في الحظوة عنده. ودفعاً للشك فيهم.
ورجاء أن يصيبوا بعض ما يفتح الله عليه من مال. يبتغون من هذا الوجود
إظهار الولاء والطاعة.
فلكثرة وقوعه منهم، وحرصهم عليه، صُدِّر بأداة الشرط المفيدة لتحقق
مدخولها، وهي " إذا " خاصة.
أما إيثار " إن " في جانب القول فلعله - والله أعلم - لحرصهم - كذلك
على عدم القول عنده إلا بحساب خشية أن يفلت منهم لفظ يكشف نواياهم وينم عما تخفى صدورهم من الكفر والنفاق. فلم يكونوا ينطلقون في الحديث عنده
стр. 743
لعدم ثقتهم في أن يقولوا كلاماً كله رائج عنده. فكانوا لا يقولون إلا بحساب
ولا يقولون إلا المنمق من القول.
ولهذه الاعتبارات صدر الشرط بـ " إن " المفيدة للشك في حصول مدخولها
لأن " إن " وظيفتها ذلك الشك.
وأما إيلاء التشبيه الشرط الثاني فلأن له مدخلاً فيه ولو ولى الأول مباشرة
لنبا المعنى.
وذلك لأن معنى الشرط الأول - منفصلاً - لا ينسجم معه معنى التشبيه
لو حُمِلَ عليه فكان لا بدَّ من توسط الشرط الثاني.
فقولهم - إذن - هو سر افتضاحهم وإن حرصوا على تنميقه وتهذيبه.
لذلك أشبهوا " الخُشُب المسندة " التي عفا عليها الدهر فلم تصبح موضع
أمل أو مورد نفع.
وبقى معنى دقيق لم أر مَن تنبَّه له وهو مستفاد من إيلاء التشبيه الشرط
الثاني الذي فعل الشرط فيه: " يقولوا ".
وهذا المعنى هو إيهام أن المشبه هو القول.
على أن يكون المشبَّه به هو صوت الخُشُب المسندة لأنها لو أزيلت عن أماكنها سمعت لها دوياً وطنطنة ليس تحتها معنى وليس لها مدلول.
وهذا يعني أن قولهم هراء لأن كل ما يصدر عنهم في حضرة الرسول إنما هو
مبعثه النفاق والمخادعة.
ومن روائع تشبيهات القرآن: تشبيه المؤمنين بالإخوة مع اختلاف أنسابهم قال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) وهو تشبيه بليغ حسب مصطلح أهل الفن نزل فيه وصف الإيمان الصادق بمنزلة القرابة من الأب والأم.
стр. 744
وقال: (فَأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْواناً) . . أي بنعمة الهداية. . .
وزوجات النبي أمهات المؤمنين، قال: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) . أي في رعاية الحُرمة، مع ملاَحَظة أَنه
لم يقَل: النبي أبو المؤمنين ليتشاكل المعنى. لأن القرآن نفى ذلك في سورة
الأحزاب: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ، فما كان له أن ينفى هناك. ويثبت هنا وصدق الله إذَ يقول:
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
ومنها - كذلك - تشبيه ضوء الفجر في أول عهده وظلام الليل في آخر
عهده بالخيط الأبيض. والخيط الأسود في قوله تعالى:
(حَتى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) .
لأنهما يكونان دقيقين فى هذه اللحظة.
ومنهما تشبيه " الجفان " " بالجواب في الاتساع وذلك في قوله تعالى:
(وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ) . والجابية الحوض الذي يُجمع فيه الماء.
ومنها تشبيه كراهية بعض المؤمنين للقتال بالسوق إلى الموت في قوله تعالى:
(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) .
ومنها تشبيه الزوج غير مرغوب فيها ولا مُطلقة بالمعلقة في قوله تعالى:
(فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) .
стр. 745
ولعل وجه الشبه هنا الاضطراب والتحير والقلق النفسي الذي ينتاب هذه
الزوج.
ومن التشبيات الضمنية قوله تعالى: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) .
جاء التشبيه الضمنى في هذه الآية في استئنات تعليلى مبيِّن لسبب الأمر
بخفض الصوت. فرفع الصوت ليس فضيلة إذا كان لغير الحاجة. .
والدليل أن صوت الحمير مع أنه أرفع الأصوات هو أنكرها. .
فكأنه شبَّه رافع الصوت بالحمار، وشبَّه صوته بصوت الحمار.
ومنه كذلك قوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) . ناهياً عن التكبر،
والصعر: ميل في العنق. والتصعير: إمالتَه عن النظر كبراً.
وأصل الصعر داء يصيب الإبل فتميل عنقها من أجله.
وهذه صورة قبيحة وكأن القرآن يُشبه التكبر بالناقة المنوفة بالصعر قال الشاعر الجاهلى:
إذا الملِكُ الجَبَّارُ صَعَّرَخَدَّهُ. . . مَشَيْنا إليْهِ بِالسُيُوفِ نُعَاتِبُه
* *
٣ - التشبيه السلبى في القرآن الكريم:
أداة التشبيه في كل أسلوب تشبيهى تعقد صلة بين طرفيه، وتنبئك بأن
المشبه تربطه بالمشبه به رابطة هي الصفة المشتركة بينهما. لأن التشبيه فى
أبسط تعاريفه هو إلحاق أمر بأمر في صفة مشتركة بينهما بأداة تشبيه مذكورة
أو مقدرة!
ولكنك تجد في القرآن الكريم - أحياناً - هذه الأداة لا تعقد تلك الصلة بين
طرفى التشبيه، فهى تتوسطهما، وليس بين ذينك الطرفين شبه ما، فقد
يكونان ضدين أو كالضدين أو غيرهما.
* وقفة تأمل:
هذه نصوص برزت فيها التشبيهات السلبية حسبما اتفقنا من قبل على هذه
التسمية.
وما هو حقيق بالملاحظة والتسجيل أن هذا النوع من التشبيه ذو خصائص مميزة يحسن بنا أن ننظر فيها.
أولاً: أنها صيغت على أسلوب التشبيه وليس بين الطرفين أدنى صلة.
والأداة إما مذكورة فيها - وهذا هو الغالب - وإما مقدرة - وهذا قليل - وقد ينصب النفي فيها على فعل فيه معنى التشابه مثل: (هَلْ يَسْتَوى الأعْمَى
والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُلمَاتُ والنُّورُ) ؟.
ثانياً: أن هذه التشبيهات تكون حين يجرى القرآن الكريم مقارنة بين معنيين
ضدين أو كالضدين. وهذا الأسلوب غير معثور عليه خارج القرآن إلا نادراً.
وهو مع نُدرته ليس على طريقة هذه النصوص القرآنية. لما فيها من جدة
وجزالة. ومن النادر لهم قول داود الأنطاكى:
فَقُلْ لِمَنْ يَرْغَبُ فِى أسْمَرٍ. . . مَا الفضةُ البَيْضَاءُ مثْلُ النحَاسِ
وقال المتنبي: َ
مَا الَّذِي عِنْدَهُ تُدارُ المنَايَا. . . كَالَّذِي عِنْدَهُ تُدارُ الشمُولُ
ومن شواهد النحاة:
تَعَلمْ فَليْسَ المرْءُ يُولدُ عَالِماً. . . وَليْسَ أخُو عِلمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وأثر الاقتباس من القرآن ظاهر في البيت الأخير.
أما قول الأنطاكي السابق فمعناه: بارد لا عاطفة فيه.
وقريب منه بيت المتنبي.
стр. 749
ثالثاً: أن في كل أسلوب تشبيهى من هذا النوع استفهاماً إنكارياً هو سر
السلب فيه. . . وقد تخلو بعض هذه المواضع من ذلك الاستفهام الإنكارى لفظاً ويستفاد السلب حينئذ من أمر خارج عن الأسلوب ويكون الأمر المفيد للسلب:
إما الشرع وحده كنفي التشبيه بين البيع والربا، أو الشرع والعقل كنفى التشبيه بين من يَخلق ومن لا يَخلق، أو العادة والواقع كنفي التشبيه بين الذكر والأنثى.
رابعاً: إن أداة التشبيه في بعضها قد حُذفِت مع حذف المشبَّه به ولم يبق من
أطراف التشبيه الأربعة إلا المشبه. لأن الوجه - محذوف. كذلك.
وهذا ورد في أربعة مواضع:
موضع في " الرعد " في قوله تعالى:
(أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) .
وموضعان في " الزمر " أحدهما: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. .) .
وثانيهما: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .
والرابع في " فاطر " في قوله تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) .
ومع هذا الحذف لثلاثة من أركان التشبيه. لم يسم الباقى بعد الحذف
استعارة. . والبيانيون يطلقون على ما كان شأنه كذلك: استعارة بالكناية.
لكنهم لم يقولوا هذا فيها، أي في هذه الأساليب، بل أبقوا التعبير على
أصله من التشبيه.
стр. 750
والمانع من جعل هذه الأساليب استعارة مكنية أمران:
أحدهما: أن المحذوف - هنا - منوى التقدير وملاحظ وجوده لقوة الدليل
عليه. ولا بدَّ من تقديره لأنه جواب استفهام مذكور أو مقدَّر. ففى الكلام - إذن - إيجاز بالحذف.
ثانيهما: أن حمله على الاستعارة المكنية غير صالح لأن فيها لا بدَّ من
وجود رمز ينوب مناب المشبَّه به.
وليس في هذه الأساليب وجود لذلك الرمز.
وهذا لون من التشبيه لم نجده إلا في القرآن الكريم.
فهو خاصة من خصائصه لا جدال فيها.
ففى الآية التاسعة من الزمر: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ)
يقول الزمخشري: " من: مبتدأ خبره محذوف. تقديره أفمن هو قانت كغيره.
وإنما حذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: معناه أمنْ هو قانت أفضل أو مَن
هو كافر ".
وقال في الآية الثانية والعشرين منها. وهي: (أفَمن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ
للإسْلاَم فَهُوَ عَلى نُورٍ مَن ربهِ فَوَيْلٌ لِلقَاسيَة قُلُوبُهُم) :
" أفمن عرف اللَهَ أنه من أهل اللطف فلطف به حتى شرح صدرَه للإسلام ورغب فيه وقبله كمن لا لطف له ".
وقال في آية فاطر وهي: (أفَمَن زُينَ لهُ سُوءُ عَمَلِه فَرَآهُ حَسَناً. .) :
" يعني أفمن زُيَنَ له سوء عمله من الفريقين كمن لم يزيَّن لَه. . ".
وقد حذا أبو السعود والإمام النسفي حذو الزمخشري مع الاختلاف
فى الصياغة بداهة.
стр. 751
وكذلك خرَّجوا آية الرعد على أسلوب التشبيه.
يقول النسفي: (أفَمَنْ هُوَ قَائم عَلى كل نَفْس بمَا كَسَبَتْ) :
" يعلم خيره وشره ويعد لكلٍّ جزاءه كمن ليسَ كذلك "؟.
وكذلك ذهب الإمامان الزمخشري وأبو السعود. . فقد أجمعوا على
أن هذه الأساليب باقية على أسلوب التشبيه وإن كان المحذوف منها ثلاثة من
أركانه.
*
خامساً - سر مجيئها على التشبيه:
إن مسوغ مجيء هذه الأساليب على طريقة التشبيه السلبى فيها واقع خارج
القرآن. والذي في القرآن هو نفي ذلك التشبيه هو سلب أن يكون بين ما عدوه خارج دائرة القرآن متشابهاً تشبيه ما.
فذلك خطأ في الحسبان جاء تصحيحه
بسلب التشبيه بين الطرفين في القرآن الكريم.
فليس مَن أحياه الله بالهدى كمن مات بالضلال. وليس مَن هو قائم
على كل نفس بما كسبت كمن ليس كذلك.
وليس من اتقى الله وخافه كمن عصاه وفجر.
* *
* التشبيه المقلوب:
بقيت صورتان اختلف فيهما. .
إحداهما هو قوله تعالى: (افَمَن يَخْلقُ كَمَن لا يَخْلقُ) .
فقد عُدَّ هذا الموضع من التشبيه المقلوب
وأصله: أفمن لا يخلق كمن يخلق.
стр. 752
والثانية هي قوله تعالى: (إنمَا البَيْعُ مثْلُ الرِّبَا) ، والأصل: إنما
الربا مثل البيع. فهو كذلك من التشبيه المقلوب وإنما كان الأصل كذلك فى
الآية الأولى. لأن الكلام مسوق للإنكار. أي إنكار أن يسوى ما لا يخلق بمن
يخلق. فيكون إلزاماً لهم بالحُجة حيث عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله
سبحانه وجعلوا غير الخالق مثل الخالق.
وأجاب الشيخ حمزة فتح الله بأن الخطاب لعُبَّاد الأوثان، وهم بالغوا فى
عبادتها حتى صارت عندهم أصلاً. فجاء الإنكار على وفق ذلك.
ويقول السكاكي: " عندى أن الذي تقتضيه بلاغة القرآن هو أن يكون المراد
بـ " مَنْ لا يخلق " الحي القادر من الخَلق لا الأصنام.
وأن يكون الإنكار موجها إلى توهم تشبيه الحي العالِم القادر من الخلق به - تعالى وتقدَّس عن ذلك علواً كبيراً - تعريضاً عن أبلغ الإنكار لتشبيه ما ليس بحي عالِم قادر به تعالى، ويكون قوله تعالى: (أفَلاَ تَذكرُونَ) تنبيه توبيخ على مكان التعريض ".
* فكرة للدرس:
وأقول: إن ما ذهب إليه السكاكي لا ترتاح إليه النفس، كما أن فكرة
التشبيه المقلوب في الآية قد يمكن الاستغناء عنها.
لأن المتأمل في المعاني التي تحدثت عنها سورة النحل قبل الآية المذكورة يجد
أن تلك المعاني تأتي على الترتيب الآتى:
أن الله خلق الكون أرضاً وسموات، وخلق الإنسان وخلق الأنعام، وسخر
الأنهار والبحار والكواكب لخدمة الإنسان، وأنزل الماء من السماء لري الأرض
стр. 753
وإنبات الزرع والأشجار والثمار، وأنه تعالى خلق أشياء كثيرة يعلمها الناس، وخلق غير ذلك مما لا يدخل تحت علمهم في الماضي أو الحال أو الاستقبال.
فالطابع الغالب على هذه المعاني هو الخلق والإيجاد والتسخير. بعد هذا
قال: (أفَمَن يَخْلقُ كَمَن لا يَخْلقُ) .
ولعل المعنى منها: أفمن خلق هذه الأشياء - ويخلق ما يشاء - وهو حي
قادر على كل شيء دلت على ذلك آثاره - كمن لا يخلق شيئاً -
وهو يُخلق ويُصنع وهو أعجز ما يكون أن يفعل شيئاً؟
ويكون - على هذا التقدير - وجه الشبه النفي هو العجز والضعف. .
يعنى أن القُدرة الفائقة ثابتة للهِ.
والعجز المقْعِد ثابت لما سواه أصناماً وغيرها من المخلوقات.
وعلى هذا - والله أعلم - لا قلب في التشبيه هنا.
* *
* البيع، والرِّبَا:
أما الآية الثانية: (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) فقد نزلت في شأن أهل مكة
وكانوا يستحلون الربا وبالغوا في حلْيتَه حتى جعلوه أصلاً قاسوا عليه البيع
فأمر القلب فيها ظاهر والداعي إليه معلوم.
وهذا التقديم ينبئ عن مغالطة فاحشة ركن إليها مستحلو الربا.
شأنهم فى ذلك شأنهم في كل مسائل العقيدة والسلوك والأخلاق.
قالوا: ومنه قوله تعالى: (أفَرَأيْتَ مَنِ اتخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ) . .
وهذا يلزم عليه أمران:
стр. 754
أولهما: كون الآية على أسلوب التشبيه الذي أداته مُقدَّرة.
ثانيهما: أنه من التشبيه المؤكد الجمل لحذف الوجه مع الأداة.
والذي يبدو أن في عَذَ هذه الآية من باب التشبيه - سواء أكانت من التشبيه
المعدول أو المقلوب - مجافاة للصواب.
لأن الآية تبالغ في شأن من اتبع الهوى ونسي واجبات الخالق. وليس الغنى أنه ساوى بين واجبات الخالق.
ومغريات الهوى. إذن فليس له - من ظاهر حاله - إله غير الهوى.
وقد سبق عن ابن عباس أن في الآية تقديماً وتأخيراً. .
والتقدير: " اتخذ هواه إلهه ".
فعدها - إذن - من التشبيه ليس بمسلم.
وعدوا من المقلوب قوله تعالى حكاية عن ابنة عمران: (وَليْسَ الذَّكَرُ
كَالأُنثَى) . . والأصل: وليس الأنثى كالذكر. ولعل سر التقديم هنا أن
نفسها كانت تمتلئ رغبة في الذكر الذي طلبته.
* *
* خصائص تشبيهات القرآن:
أولاً - إن القرآن الكريم قد اشتمل على قدر كبير من التشبيهات ومن
التمثيل لا تكاد تخلو منها واحدة من سوره الطوال.
بل قد حفلت قصاره بكثير منه.
وهو يتخذ من الأسلوب التشبيهى والتمثيلي وسيلة للبيان والتهذيب،
والتربية والإصلاح والمدح والذم، والإرشاد والتوجيه.
ثانياً - إن الغرض الدينى هو السمة الظاهرة في جميع تشبيهات القرآن
وتمثيله وليس بينها ما يخلو من هذه السمة.
стр. 755
ثالثاً - إن الفائدة في التشبيه القرآني تعود دائماً على المشبه لأن المشبه
به أقوى صلة بالصفة المشتركة بين الطرفين. وهذا هو الغالب فيه.
" ومن غير الغالب أن يتساوى الطرفان في الصفة. أو يكون المشبه أقوى
من المشبَّه به كقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) ، وليس هناك داع للاحتجاج على مشروعية هذاَ
التشَبيه وصحة معَناه بأمثلة من الشعر أو غيره.
لأن المراد الإيضاح والبيان وليس المراد بيان المقدار ".
والتشبيه الإيضاحى لا يُشترط فيه قوة الصفة في المشبه به دون المشبه،
والأولى أن يقاس على القرآن أقوال الشعراء لا أن يقاس هو عليها سواء في
ذلك مسائل هذا الفن وغيره من الفنون كالنحو والصرف.
رابعاً - مادة التشبيه والتمثيل القرآني:
إن القرآن يتخذ من الطبيعة وظواهرها من سُحب وأمطار. ورعد وبرق.
ويحور وأنهار. وزروع وأشجار. وجبال وصواعق. وزوابع وأعاصير.
يتخذ من كل ذلك مادة حية في تشبيهاته وتمثيلاته. . كما يتخذ من الحيوانات والآفات التي تصيب الإنسان كالعمى والبُكم والصم. . .
وما أشبه ذلك، يتخذ منه كذلك مادة لتشبيهاته وتمثيلاته.
ويتخذ من أحوال الحياة من غير هذه العناصر مادة يُشكِّل فيها التشبيه والتمثيل على نمط فريد. واتخذ كذلك من المعادن النفيسة مادة لتلك التشبيهات.
كما اتخذ من صفات البَشر من الرق والحرية وما أشبههما مادة لتشبيهاته،
وقد تكون الصورة المشبَّه بها مفروضة غير مدركة كتشبيه الإنفاق الخالص بسنبلة
стр. 756
أنبتت سبع سنابل، وكتشبيه طلع شجرة الزقوم برؤوس الشياطين،
وكتشبيه اهتزاز العصا باهتزاز الجان.
ولذلك كانت تشبيهات القرآن خالدة حية مستمرة الجدة والطرافة، والرقة
والجزالة، لأنها مصنوعة من مادة حية متجددة الرواء والنماء.
خامساً - غناء التشبيه والتمثيل القرآني:
إن جملة التشبيه والتمثيل في القرآن غنية بالمعاني الإضافية التي تقوى من
المعنى الذي من أجله صيغ التشبيه أو التمثيل ولم يُكتَف فيها بمجرد وجود
التشبيه بين الطرفين نفياً أو إثباتاً، ذماً أو مدحاً، وتقوم فواصل الآي في هذا
المجال بنصيب كبير.
ففى تمثيل الإنفاق الخالص بالسنبلة التي أنبتت سبع سنابل تجد وجه الشبه
هو الكثرة والنماء. فجاءت الفاصلة مع قرينتها وافية بهذا المعنى أيما وفاء،
(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) .
وفي تمثيل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة جاءت الفاصلة مؤكدة لهذا المعنى: (أُصْلُهَا ثَابثٌ وَفَرْعُهَا فِي السماءِ) .
كما أكدت فاصلة تشبيه الكلمة الخبيثة المعنى حيث كانت: (اجْتُثتَ من
فَوْقِ الأرْضِ مَا لهَا مِن قَرَارٍ) .
ثم تأمل المقابلة الساحرة بين الموضعين: " أصلها ثابت " مع " اجتثت من
فوق الأرضِ "، و " فرعها في السماء " مع " ما لها من قرار ".
وإيثار لفظ مكان آخر يؤدى هذا الدور أيضاً، فقد جاء تشبيه الموج بالجبال، وتشببه السفن بها كذلك. ولكنه في جانب تشبيه الموج آثر كلمة: " الجبال "، وفي جانب تشبيه السفن بها آثر كلمة: " الأعلام " وأصل المعنى واحد.
стр. 757
ولعل السر في هذه التفرقة أن السفن أضخم عادة من الموج والمراد بالجبل
مطلق الجنس، أما الأعلام فلا يراد بها إلا الجبال العظيمة، فلذلك جاءت كل كلمة في الموضع المناسب لها من حيث الوفاء بحق المعنى في دقة وإحكام.
وقد ينمى القرآن المعنى المراد من التشبيه بزيادات لا تخلو من دلالة مهمة
كقوله تعالى: (وإنْ يَسْتَغيثُواْ يُغَاثُواْ بمَاءٍ كَالمهْلِ) ، وإلى هنا يكمل المعنى. .
ثم يأخذ القرآن بعد ذلك في إضافة زيادات مهمة تزيد المعنى
الأصلي قوة وسلطاناً. فيقول: (يَشْوي الوُجُوهُ) ، ويقول: (بئْسَ
الشَّرابُ) ، ويقول: (وَسَاءت مُرْتَفَقاً) .
ومثله قوله تعالى: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) .
فقد وصف " المهل " بأنه: " يغلى في البطون ".
ثم أخذ " الغلي " المفهوم من الفعل: " يغلي " وأدخله في تشبيه
آخر: " كغلي الحميم " فخطا بالمعنى نحو القوة خطوة لها شأنها من حيث
المقام. مقام التهديد والإنذار. . وغير ذلك كثير.
فأنت ترى - إذن - أن جملة التشبيه أو التمثيل في القرآن مرنة لها من
الحرية أن تدخل من المعاني الإضافية واستبدال لفظ مكان آخر أو أن تأتي فى
الفاصلة بما يقوى المعنى ويؤكده. في غير ما سرف ولا فضول.
سادساً - إن الأداة الغالبة في تشبيهات القرآن هي " الكاف " ثم " كأن "،
وغالباً ما تدخل الكاف على كلمة " مثل " فتشبه مثلا بمثل. وقَلَّ حذف الأداة فى تشبيهات القرآن على عكس ما يرى ابن الأثير في المثل السائر.
وقد تدخل " الكاف " على " ما " المصدرية.
وهي هنا تفيد التساوى بين الطرفين كما في قوله تعالى:
(آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ) .
стр. 758
وقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) .
وقوله: (إنا أوْحَيْنَا إليْكَ كَمَا أوْحَيْنَا إلى نُوحٍ) .
*
* صورتان فيهما دقة:
وقد يكون المشبه مع " كما " محذوفاً كقوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) .
فقد قال النسفي: " كما أخرجك ربك " في محل نصب على أنه صفة
الفعل المقدر. والتقدير: " قل الأنفال استقرت للهِ والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك ".
وأورد الزمخشري هذا الرأي بلفظه ومعناه، ثم أورد رأياً آخر، قال: أن
يرتفع محل الكاف على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: " هذه الحال كحال
إخراجك، يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم فى
كراهة خروجك للحرب ".
وتابع العلامة أبو السعود ما ذكره الزمخشري في الوجهين.
ومن هذا يتضح أن " كما " لم تدخل على المشبَّه به. بل دخلت على ما هو
معمول في المعنى للمشبَّه به. وهو: " لكارهون ".
ومثله في كون الأداة غير داخلة على المشبَّه به - وهي: " كما "، أيضاً
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) .
стр. 759
َقال الزمخشري: " فإن قلتَ: ما وجه صحة التشبيه وظاهره تشبيه كونهم
أنصاراً للهِ بقول عيسى صلوات الله عليه: (مَنْ أنصَارِي إلى الله) ؟
قلت: التشبيه محمول على المعنى، وعليه يصح والمراد: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى حين قال لهم: (مَنْ أنصَارِي إلى اللهِ) .
*
* سر آسر:
وهذا التصرف البديع لم يُعرف في غير القرآن. ولعل السر في إيلاء أداة
التشبيه غير المشبه به - كما رأينا - الإيماء إلى عقد تشبيه بين القولين وهما:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ أنْصَارَ الله) ، و (قَالَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
لِلحَوارِيينَ مَنَْ أنصَارِي إلى اللهِ) .
والوجه: أن كُلا من القولين يجب أن يُطاع ويُمتثل.
أما قول عيسى ﵇ فقد أجيب. فعلي الذين آمنوا - كذلك - أن يجيبوا هذا القول ويمتثلوه.
وقد تدخل " الكاف " على اسم الإشارة - وهو كثير جداً في القرآن: وهو
على كثرته نوعان:
نوع يتضح فيه أمر التشبيه. مثل: (وكَذَلكَ أوْحَيْنَا إليْكَ رُوحاً مِن
أُمْرِنَا) بعد قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا) .
стр. 760
وهذا النوع - أعنى وضوح التشبيه معها - هو الغالب في استعمالها فى
القرآن الكريم.
والنوع الثاني: ألا يكون أمر التشبيه فيها ظاهراً. مثل قوله تعالى:
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) .
لذلك يرى بعض الباحثين: أن يحمل معناها على التوكيد وإن صح معها
تقدير التشبيه. وهذا الرأي لا يخلو من الوجاهة.
هذا. . وقد تتصدر أداة التشبيه في القرآن كلاماً جديداً يكون مشبَّهاً به.
أما المشبه فغير مذكور صراحة، بل هو أمر منتزع من كلام سابق وذلك كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) .
قال الزمخشري: " دأب هؤلاء كدأب الذين من قبلهم من آل فرعون
وغيرهم) .
ولهذه الآية نظائر هي: آية: ٥٤ من نفس السورة وآيتا: ٥٠ - ٥١ من
الأنفال، وآية: ٣١ من غافر.
فالمشبه - هنا - محذوف، والذي سوَّغ حذفه دلالة المقام عليه.
وفي كل موضع من هذه المواضع التي حُذفَ فيها المشبه حرص القرآن الكريم على ذكر أداة التشبيه للإشعار به لأنها لو حُذفت مع حذف المشبه لكان الحمل على التشبيه بعيد التصور نوعا.
стр. 761
ولا أظن أن هذا النوع من التشبيه معروف خارج دائرة القرآن.
فهو كذلك سمة من سماته الفريدة.
سابعاً - تجمع تشبيهات القرآن بين أقسام التشبيه الأربعة المعروفة من حيث
الطرفان.
ففيه تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه المعقول بالمحسوس وهذا القسم هو
الغالب فيه. كتشبيه الإنفاق الخالص بسنبله أنبتت سبع سنابل.
وكتشبيه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة والكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة. . . وغير ذلك كثير.
*
* وهم مدفوع:
وقد وَهمَ بعض المعاصرين فقال إن تشبيهات القرآن تقف عند هذين
القسمين. لأن تشبيه العقول بالمعقول وارد في القرآن الكريم، ومنه قوله
تعالى: (وَإذا قيلَ لهُمْ آمنُواْ كَمَا آمَنَ الناسُ قَالواْ أُنُؤْمنُ كَمَا آمَنَ
السُّفَهَاءُ)
وقوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) .
وقوله تعالى ْ (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) .
وقوله تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) .
فلا يشك - أحد أن التشبيه في هذه الآيات واقع بين معقول ومعقول، فكيف ساغ إذن أن يقال إن التشبيهات في القرآن لم تخرج عن ذينك القسمين؟
стр. 762
ولم تقف تشبيهات القرآن عندما ذكرنا، بل هو مليء بأمثلة أخرى.
وفيه - كذلك - تشبيه المحسوس بالعقول.
ومثاله قوله تعالى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا) .
وقوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) .
والآن فهل لقول مَن يرى أن تشبيهات القرآن محصورة بين تشبيه المحسوس
بالمحسوس والمعقول بالمحسوس نصيب من الصحة؟
*
* وجه الشبه في تشبيهات القرآن:
أما وجه الشبه فيأتي مفرداً ومركباً، وكل منهما عقلي وحسي.
فما الوجه فيه مفرد عقلي قوله تعالى: (إنَّا أوْحَيْنَا إليْكَ كَمَا أوْحَيْنَا إلى نُوح) .
والوجه ثبوت كون الوحينِ من عند الله.
وما الوجه فيه مفرد حسي قوله تعالى: (وَجَنة عَرْضُهَا السماواتُ
والأرْضُ) . والوجه هو الاتساع والبسطة.
وما الوجه فيه مركب عقلي قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) .
وما الوجه فيه مركب حسي قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) .
وقد جمعت تشبيهات القرآن بين تشبيه المفرد بالمفرد كما في قوله تعالى:
(وَهى تَجْرى بهمْ في مَوْجٍ كَالجبَال) ، وقوله: (من صَلصَال كَالفَخاَرِ) .
стр. 763
والمركب بالمركب كما في قوله: (مَثَلُ الَّذِينَ اتخَذُواْ من دُون الله أُوْليَاءَ
كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتخَذَتْ بَيْتاً) .
وتشبيه المفرد بالمركب كقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) .
ولا رابع لهذه الأقسام إذ لم يرد فيه تشبيه المركب بالمفرد.
*
* ووهم آخر مدفوع:
ولستُ مع الأستاذ علي الجندى إذ يرى " أن التشبيه المتعدد لم يرد فى
القرآن لما فيه من أثر الصنعة والتكلف ".
والواقع أن التشبيه المتعدد وارد في القرآن.
وقد خلا من أثر الصنعة والتكلف وهو على أنواع:
١ - التعدد في الوجه والطرفان مفردان. مثل قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) . .
فقد شبَّه القمر بالعرجون - وهما مفردان - من ثلاثة وجوه. هي: الدقة والانحناء والاصفرار.
ومثله: (يَوْمَ يَكُونُ الناسُ كَالفَراشِ المبْثُوثِ) . .
أي في الكثرة والضعف والتموج.
٢ - وقد يكون الشبه مفرداً، والمشبَّه به متعدداً كقوله تعالى: (كَأنهُن
اليَاقُوتُ والمرْجَانُ) .
стр. 764
ومنه أيضاً - أي من المتعدد - قوله تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ) . . فقد تعدد المشبه به والمشبَّه مفرد.
وبهذا يندفع ما ذهب إليه الأستاذ على الجندى من نفى التعدد عن تشبيهات
القرآن الكريم مع خلوها - متعددة، وغير متعددة - من أثر للتكلف والصنعة.
*
* مدخول الأداة في التشبيه المركب:
ثامناً - أن أداة التشبيه في القرآن الكريم حين تدخل على أحد أجزاء
الصورة التشبيهية في التشبيه المركب فإن الجزء الذي تدخل عليه هو أعظم تلك الأجزاء في رسم الصورة. لذلك أوثر دخولها عليه من بين بقية الأجزاء.
يظهر هذا جلياً في المواضع الثلاثة التي شبَّه فيها القرآن الدنيا في سرعة
فنائها بعد ازدهارها. فإن الأداة في تلك المواضع الثلاثة لم تدخل إلا على الماء، والماء ليس مشبَّهاً به بل مجموع الأجزاء مع ملاحظة الصورة المكونة منها هى المشبَّه بها.
وما ذلك إلا لأن الماء هو أهم عنصر من عناصر تلك الصورة التي أريد
التشبيه بها. فليس في بقية الأجزاء جزء ليس للماء مدخل فيه.
وكذلك عندما ضرب الله مثل اليهود في حفظهم للتوراة. وترك العمل بها،
فإن الأداة دخلت على أحد أجزاء الصورة وهو الحمار، والحمار في تلك الصورة هو أهم جزء من أجزائها كلها لذلك أوثر الدخول عليه.
وكذلك عندما شبَّه الله أعمال الذين كفروا، فإن الأداة دخلت على أهم جزء من أجزاء الصورة وهو الرماد.
стр. 765
ولعل هذا الأسلوب للإيمان بأن مدخول الأداة يمكن أن يستقل بأن يكون
الطرف القابل للمشبه في قوته وأهميته في البيان والإيضاح، ولو حاولتَ
مخالفة ما صنعه القرآن في هذه المواضع وما أشبهها فأدخلت الأداة على جزء
آخر لوجدتَ مخالفة بين المعنيين، وهذا العمل - أي تبديل الجزء المدخول عليه بآخر - قد لا يكون له فرق في المعنى إذا نحن أجريناه خارج دائرة القرآن كبيت بشار مثلاً:
كَأن مَثَارَ النَقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنا. . . وَأسْيَافَنَا ليْلٌ تَهاوَى كَواكِبُه
*
* عود للتشبيه المسلوب:
تاسعاً - ومن خصائص التشبيه القرآني تلك التشبيهات السلبية بما تحتوى
عليه هي نفسها من خصائص وذلك حين يقارن القرآن بين أمرين ليس بينهما وجه للمقارنة فينفى القرآن أن يكون بينهما وجه من وجوه الشبه، ويغلب على هذا النوع دخول الاستفهام الإنكارى، وقد يؤكد ذلك الإنكار بلفظ مذكور فى الفاصلة،
كقوله تعالى: (أفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسقاً لا يَسْتَوُونَ) .
وقد يأتي الإنكار قبيل الفاصلة كقوله تعالى:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) .
стр. 766
وقد يُبدَّل من هذا التشبيه تشبيه آخر منكر فيه تخصيص لعموم إفادة الأول
وذلك كقوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) .
ويمكن أن يدمج هذا الملحظ إلى ما أسميناه بغنى جملة التشبيه في القرآن
الكريم.
* *
* نوع فريد من التشبيه في القرآن:
عاشراً - وفي التشبيه القرآني نهج فريد لم يُعهد في سواه ذلك أن الناظر
فى تشبيهات القرآن يرى أداة التشبيه تأتي عقب جمل من الكلام لها معنى قد
أدئه. فتدخل أداة التشبيه على اسم إشارة مشار به إلى مجموع تلك الجمل
باعتبار المعاني التي أدَّتها فيكون اسم الإشارة مشبَّهاً به ملحوظاً فيه معاني
تلك الجمل، ويأتي بعد ذلك المشبه مؤخراً اسماً أو فعلاً.
والمعهود أن المشبه رتبته التقديم على المشبَّه به وعلى الأداة.
ومن ذلك قوله تعالى بعد ذكر قصة أصحاب الجنة وقد فصَّل القرآن الحديث فيها: (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) .
فالمشبه العذاب - وهو هنا - اسم وقد أُخرَ على المشبَّه به والأداة لفظاً لأن
رتبته التقديم إذ هو مبتدأ. و " الكاف " وما دخلت عليه خبره.
والمعنى: " العذاب كذلك "، ولعل السر في التقديم هنا لأن المشبَّه به لم يستقل بالمعنى لأنه مشار به إلى معاني الجمل التي سبقته. فقُدم لتقدمها.
стр. 767
ومعنى آخر - أن البدء بأداة التشبيه هنا والياً لها المشبَّه به تُشعر باتصال
الكلام، أما لو بدئ بـ " العذاب " لتوهم زوال ذلك الاتصال.
ومنه أيضِاً: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) .
والمشبه - هنا - فعل كما ترى.
كما تأتي أداة التشبيه في بدء كلام فتربط بينه وبين كلام سابق من حيث
أنهما متشابهان - لتؤذن - مع هذا بتفصيل المشبَّه به فيما يستأنف من الكلام.
ومثاله أيضاً من قصة أصحاب الجنة: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) .
ويتوالى الحديث بعد ذلك في تفصيل قصة أصحاب الجنة التي هي مشبَّه بها.
* *
* التشبيه والتمثيل أصيلان في أسلوب القرآن:
حادى عشر - لذلك كانت جملة التشبيه في القرآن تمثل عنصراً أساسياً فى
إيضاح المعاني وتقريرها. وليست ثانوية في الأسلوب.
لذلك استخدمها القرآن الكريم في الأغراض الهامة من المدح إلى الذم.
ومن الترغيب إلى الترهيب. ومن التهذيب والإصلاح إلى التشريع والأحكام إلى الجدل والإفحام إلى آخر مقاصد الكتاب الحكيم.
ثانى عشر - إن الباحث في تشبيهات القرآن يراه محذوف الوجه دائماً فهي
- إذن - من التشبيهات الجملة التي تقتضى التماثل التام بين الطرفين. وفى
هذا نوع من تأكيد الصلة بين ذينك الطرفين.
* * *
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
* *
* عرض سريع:
فى هذه الآيات يتحدث القرآن عن طائفتين من الناس:
طائفة كافرة، وأخرى جمعت إلى الكفر النفاق.
وفي حديثه عن كل من الطائفتين ذكر أوصافها،
وأسباب تلك الأوصاف وجزاءها المدَّخر لها في الآخرة.
ففى الآية الأولى من النص الحكيم إجمال للحديث عن الكافرين.
وفي الآية الثانية تفصيل موجز لقصتهم.
وفي الآية الثانية عشرة مثل مضروب لهم.
ثم حكم عليهم في الآية الثالثة عشرة.
أما قصة المنافقين فتبدأ بالآية الثالثة من النص الحكيم. حتى الحادية عشرة.
وعندها يُسدل الستار قليلاً ليبرز أمامنا مثل الكافرين في الآية الثانية عشرة
وما بعدها وبهما ينتهى الحديث عن الكافرين. ويُرفع الستار مرة أخرى عن
طائفة المنافقين. ليضرب لهم - أيضاً - مثلاً موضحاً وكاشفاً لحقيقتهم وبهذا
ينتهى الحديث عن الطائفتين (١) .
وفي كلا الموضعين - الكافرين والمنافقين - كان حديث انقرآن مفصلاً بحكمة ومقدَّراً بمقدار.
أولاً - في شأن الكافرين:
وقد حصر القرآن شأنهم في البقاء على الكفر والعناد مهما دعوا وأنذروا.
стр. 770
هذا الشأن يصوره القرآن في عبارات وجيزة ذات براعة في التصوير، وقوة فى التأثير:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) .
فقد جاءَ الحكم مؤكداً ب " إن "، وآثر التعبير عنهم بالوصول ليمكن وصفهم بالذي استحقوا عليه العقاب في الصلة.
كما أن اسمية الجملة مفيدة أيضاً للتأكيد. وعبَّر عن الإنذار بالفعل ليفيد فائدة لم يكن لتحصل لو عبَّر عنها بالاسم. لأن الأصل: سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك. أو إنذارك وعدم إنذارك سواء عليهم.
* *
* لماذا يستخدم القرآن المصدر المؤول .
والجواب: إن المصدر المؤول أو الفعل يتيح صلاحية الكلام لإفادة اعتبارات
من شأنها أن تقوى المعنى أو تجعله أنسب المقام.
ومن ذلك قوله تعالى: (أوَلمْ يَكْفهمْ أنا أنزَلنا) ، والتقدير: أو لم يكفهم إنزالنا وقد رأينا أن المصدر المؤول جعل الكلام صالحاً لدخول حرف التوكيد على الجملة.
كما أن اعتبار التجدد والحدوث المستفاد من الفعل هنا مطلوب.
وقال في سورة البقرة: (وَأن تَصُومُوا خَيْرٌ لكُمْ) .
بدل: " صيامكم ". لأن الاستقبال مع التجدد والحدوث داخل في الاعتبار هنا: إذ المقام مقام بيان حكم شرعي إنما يطاع ويمتثل بعد ثبوت التشريع.
وقال في سورة يوسف: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) .
فإن الذوق يحكم بأن فاعل " بداَ " هنا. هو المصدر المتصيَّد من الفعل وتقديره: بدا لهم سجنه. وإنما وضع الفعل: " ليسجننه " بدله لأنه
стр. 771
أتاح دخول التوكيد القسمى والتوكيد ب " النون " على الفعل وهذا يكشف لنا أن أمر سجن يوسف قد بدا لهم بداءً مؤكداً لا بديل له.
ولو وُضِع الاسم بدل الفعل لفاتت هذه الاعتبارات.
وقد عبَّر عن فساد القلوب بالختم عليها. وكذلك الأسماع.
أما الأبصار فحيث لم يهتدوا إلى الصواب عن طريقها وعموا عن الدلائل والآيات. فقد عبَّر عن هذا بالغشاء الذي يُجعل على الأبصار فيحجب عنها الرؤية الصحيحة.
يقول الزمخشري موجهاً ذلك: " فالختم والكتم أخوان. لأن في الاستيثاق
من الشيء بضرب الخاتم عليه. كتمانه وتغطيه لئلا يتوصل إليه ولا يطلع
عليه ".
" والغشاوة: الغطاء - فعالة من غشاة إذا غطاه - فإن قلت: ما معنى
الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟.
قلت: لا ختم ولا تغشية ثَمَّ على الحقيقة.
وإنما هو من باب المجاز. ويُحتمل أن يكون من كِلا نوعيه.
وهما الاستعارة والتمثيل ".
وحاصل كلامه أن لنا اعتبارين في تحليل هذا المجاز.
إما أن نعتبر الختم والتغشية كُلا منهما استعارة مفرد لفرد. على طريق
التصريحية التبعية في الختم والتصريحية الأصلية في التغشية.
وإما أن نعتبر الكلام كله. استعارة تمثيلية لهيئة بهيئة. وكلا المعنيين حسن.
وإن كان الذوق يميل إلى اعتبار المجاز المفرد فيها دون المركب.
وقد أبى الزمخشري إسناد الختم إلى " الله " على الحقيقة. متأثراً بمذهبه
الاعتزالى الذي لا يجيز إسناد أفعال القُبح إلى الله. ولذلك جعله من المجاز
العقلي. والفاعل الأصلى هو الشيطان، أما إسناده إلى " الله " فلأنه أقدر
стр. 772
الشيطان عليه. والعلاقة - إذن - هي السببية.
وقد رأى هذا الرأي فى غير هذا الموضع.
وقد تناول القرآن هذه الحواس الثلاث: " القلوب - الأسماع - الأبصار "
عند حديثه عن الكافرين في أساليب متنوعة. ومواضع مختلفة تفيد فى
جملتها: أن وجود هذه الوسائل لانعدام أثرها النافع فيهم كعدم وجودها.
وكثرت في هذه الأساليب استعارة " ختم " للدلالة على هذا المعنى.
قال في الجاثية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) .
* * *
* مقارنة سريعة:
ولنا أن نقارن بين صورة المجاز في هذه الآية. وبين صوره في آية " البقرة ".
فالحال هنا هو الحال هناك: كفر وعناد، وهناك ختم على القلوب والأسماع، وغشاوة على الأبصار، وهنا - كذلك ختم وغشاوة. فالآيتان متفقتان في رسم الإطار العام للمعنى مختلفتان في دقائق التعبير.
ففى آية " البقرة " القلوب مقدمة على السمع. وهنا السمع مقدم على
القلب. وهنا أيضاً تصريح بنسبة جعل الغشاوة على البصر، وهناك ترك لذلك التصريح اكتفاءً بذكر الجار والمجرور.
فما السر إذن؟
لعل السر في ذلك أن في آية " البقرة " مجرد إخبار عن حال الكافرين عامة
فهم لا تثمر فيهم بشارة ولا يخيفهم إنذار. .
من أجل ذلك لم يهئ الله لهم أسباب الهداية. لعدم استعدادهم لذلك.
стр. 773
أما في آية " الجاثية " فعرض لنموذج معيَّن فريد من جنسه، وقصد إلى
نوع ألد خصومة وأبعد ضلالاً، يشعر بذلك أن صدر الآية فيه لفت قوى إلى
تأمل حال هذا النوع: (أفَرَأيْتَ مَنِ اتخَذَ إلهَهُ هَواهُ) . . هذه واحدة.
(وَأضَلهُ اللهُ عَلى عِلم) . . وهذه ثانية.
(وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلبِهِ) . . وهذه ثالثة.
(وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) . . وهذه رابعة.
فهو لانغماسه في هواه لم يعر دعوة الحق أدنى اهتمام، فهو عنها في صمم،
فجدير بقلبه أن يُختم ما دام لم يصل إليه عن طريق السمع توجيه مفيد، فلم
يسمع، ولم يع، ولم ير شيئاً غير شهواته وملاهيه.
وقال في سورة الأنعام: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) . .
وظاهر أن هذه الآية مسوقة في مقام التهديد والوعيد وهو مقام قرة وعنف، ولهذا جاءت الاستعارة هنا مناسبة للمقام لا فيها من قوة وعنف، ففى الآيات السابقة كان كل من السمع والبصر موجوداً، لكنهما منوفان، وفي هذه الآية السمع والبصر مأخوذان من أصلهما، حتى ليخيل إلى التأمل في هذه الصورة أنها تمثل أناساً غريبي الخِلقة ليس لهم حاسة سمع ولا حاسة بصر!
والقلوب مع هذه مختوم عليها، فماذا بقى فيهم من وسائل النفع؟
لا شيء. . إذن فلا خير في بقائهم ولا أسف على هلاكهم.
* *
стр. 774
* صمت. وكلام:
وصورة أخرى من صور الحشر، يحكيها القرآن عن الكافرين حينما يأتون يوم القيامة يريدون أن يجادلوا عن أنفسهم، فإذا هموا بالاعتذار فقدوا النطق وهنا نرى كلمة " ختم " تفارق مكانها السابق - القلوب والأسماع - وتقفز قفزة سريعة لتجثم فوق الأفواه: (اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ) .
(هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) .
الأفواه هنا أحكم ختمها. لماذا؟ لأنهم همَّوا بالكلام مجادلين ومعتذرين.
فدحضوا وفقدوا كل حُجة للدفاع عن أنفسهم، وهنا تأتي مفاجأة لم تكن فى
الحسبان لحظة: (. . وَتُكَلَمُنَا أيْديهمْ وَتَشْهَدُ أرْجُلهُم بمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
يا سبحان الله. . أرادوا الكلام من حيث عهدوا ليدفعوا عن أنفسهم العذاب
فما استطاعوا. وتكلم منهم ما ليس بمتكلم لإحلال العذاب عليهم. .
من هذه النصوص نرى أن القرآن يستعير كلمة " ختم " إذا كانت فعلاً
ماضياً أو مضارعاً، ويجعلها صفة لقلوب الذين كفروا فلم يفقهوا شيئاً.
* *
* " طبع " و " ختم " أختان:
وقد فسَّر المفسِّرون ومنهم الزمخشري " ختم ": بطبع لإفادة نفس المعنى.
ومن العجيب أن كلمة " طبع " قد استخدمها القرآن مستعارة لهذا المعنى.
وجاءت كذلك في إحدى عشرة آية. وهي: