Полный текст (956 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
أتاح دخول التوكيد القسمى والتوكيد ب " النون " على الفعل وهذا يكشف لنا أن أمر سجن يوسف قد بدا لهم بداءً مؤكداً لا بديل له.
ولو وُضِع الاسم بدل الفعل لفاتت هذه الاعتبارات.
وقد عبَّر عن فساد القلوب بالختم عليها. وكذلك الأسماع.
أما الأبصار فحيث لم يهتدوا إلى الصواب عن طريقها وعموا عن الدلائل والآيات. فقد عبَّر عن هذا بالغشاء الذي يُجعل على الأبصار فيحجب عنها الرؤية الصحيحة.
يقول الزمخشري موجهاً ذلك: " فالختم والكتم أخوان. لأن في الاستيثاق
من الشيء بضرب الخاتم عليه. كتمانه وتغطيه لئلا يتوصل إليه ولا يطلع
عليه ".
" والغشاوة: الغطاء - فعالة من غشاة إذا غطاه - فإن قلت: ما معنى
الختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار؟.
قلت: لا ختم ولا تغشية ثَمَّ على الحقيقة.
وإنما هو من باب المجاز. ويُحتمل أن يكون من كِلا نوعيه.
وهما الاستعارة والتمثيل ".
وحاصل كلامه أن لنا اعتبارين في تحليل هذا المجاز.
إما أن نعتبر الختم والتغشية كُلا منهما استعارة مفرد لفرد. على طريق
التصريحية التبعية في الختم والتصريحية الأصلية في التغشية.
وإما أن نعتبر الكلام كله. استعارة تمثيلية لهيئة بهيئة. وكلا المعنيين حسن.
وإن كان الذوق يميل إلى اعتبار المجاز المفرد فيها دون المركب.
وقد أبى الزمخشري إسناد الختم إلى " الله " على الحقيقة. متأثراً بمذهبه
الاعتزالى الذي لا يجيز إسناد أفعال القُبح إلى الله. ولذلك جعله من المجاز
العقلي. والفاعل الأصلى هو الشيطان، أما إسناده إلى " الله " فلأنه أقدر
стр. 772
الشيطان عليه. والعلاقة - إذن - هي السببية.
وقد رأى هذا الرأي فى غير هذا الموضع.
وقد تناول القرآن هذه الحواس الثلاث: " القلوب - الأسماع - الأبصار "
عند حديثه عن الكافرين في أساليب متنوعة. ومواضع مختلفة تفيد فى
جملتها: أن وجود هذه الوسائل لانعدام أثرها النافع فيهم كعدم وجودها.
وكثرت في هذه الأساليب استعارة " ختم " للدلالة على هذا المعنى.
قال في الجاثية: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) .
* * *
* مقارنة سريعة:
ولنا أن نقارن بين صورة المجاز في هذه الآية. وبين صوره في آية " البقرة ".
فالحال هنا هو الحال هناك: كفر وعناد، وهناك ختم على القلوب والأسماع، وغشاوة على الأبصار، وهنا - كذلك ختم وغشاوة. فالآيتان متفقتان في رسم الإطار العام للمعنى مختلفتان في دقائق التعبير.
ففى آية " البقرة " القلوب مقدمة على السمع. وهنا السمع مقدم على
القلب. وهنا أيضاً تصريح بنسبة جعل الغشاوة على البصر، وهناك ترك لذلك التصريح اكتفاءً بذكر الجار والمجرور.
فما السر إذن؟
لعل السر في ذلك أن في آية " البقرة " مجرد إخبار عن حال الكافرين عامة
فهم لا تثمر فيهم بشارة ولا يخيفهم إنذار. .
من أجل ذلك لم يهئ الله لهم أسباب الهداية. لعدم استعدادهم لذلك.
стр. 773
أما في آية " الجاثية " فعرض لنموذج معيَّن فريد من جنسه، وقصد إلى
نوع ألد خصومة وأبعد ضلالاً، يشعر بذلك أن صدر الآية فيه لفت قوى إلى
تأمل حال هذا النوع: (أفَرَأيْتَ مَنِ اتخَذَ إلهَهُ هَواهُ) . . هذه واحدة.
(وَأضَلهُ اللهُ عَلى عِلم) . . وهذه ثانية.
(وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلبِهِ) . . وهذه ثالثة.
(وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشَاوَةً) . . وهذه رابعة.
فهو لانغماسه في هواه لم يعر دعوة الحق أدنى اهتمام، فهو عنها في صمم،
فجدير بقلبه أن يُختم ما دام لم يصل إليه عن طريق السمع توجيه مفيد، فلم
يسمع، ولم يع، ولم ير شيئاً غير شهواته وملاهيه.
وقال في سورة الأنعام: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ) . .
وظاهر أن هذه الآية مسوقة في مقام التهديد والوعيد وهو مقام قرة وعنف، ولهذا جاءت الاستعارة هنا مناسبة للمقام لا فيها من قوة وعنف، ففى الآيات السابقة كان كل من السمع والبصر موجوداً، لكنهما منوفان، وفي هذه الآية السمع والبصر مأخوذان من أصلهما، حتى ليخيل إلى التأمل في هذه الصورة أنها تمثل أناساً غريبي الخِلقة ليس لهم حاسة سمع ولا حاسة بصر!
والقلوب مع هذه مختوم عليها، فماذا بقى فيهم من وسائل النفع؟
لا شيء. . إذن فلا خير في بقائهم ولا أسف على هلاكهم.
* *
стр. 774
* صمت. وكلام:
وصورة أخرى من صور الحشر، يحكيها القرآن عن الكافرين حينما يأتون يوم القيامة يريدون أن يجادلوا عن أنفسهم، فإذا هموا بالاعتذار فقدوا النطق وهنا نرى كلمة " ختم " تفارق مكانها السابق - القلوب والأسماع - وتقفز قفزة سريعة لتجثم فوق الأفواه: (اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ) .
(هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) .
الأفواه هنا أحكم ختمها. لماذا؟ لأنهم همَّوا بالكلام مجادلين ومعتذرين.
فدحضوا وفقدوا كل حُجة للدفاع عن أنفسهم، وهنا تأتي مفاجأة لم تكن فى
الحسبان لحظة: (. . وَتُكَلَمُنَا أيْديهمْ وَتَشْهَدُ أرْجُلهُم بمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .
يا سبحان الله. . أرادوا الكلام من حيث عهدوا ليدفعوا عن أنفسهم العذاب
فما استطاعوا. وتكلم منهم ما ليس بمتكلم لإحلال العذاب عليهم. .
من هذه النصوص نرى أن القرآن يستعير كلمة " ختم " إذا كانت فعلاً
ماضياً أو مضارعاً، ويجعلها صفة لقلوب الذين كفروا فلم يفقهوا شيئاً.
* *
* " طبع " و " ختم " أختان:
وقد فسَّر المفسِّرون ومنهم الزمخشري " ختم ": بطبع لإفادة نفس المعنى.
ومن العجيب أن كلمة " طبع " قد استخدمها القرآن مستعارة لهذا المعنى.
وجاءت كذلك في إحدى عشرة آية. وهي:
стр. 775
(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) .
(. . رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧) .
(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣) .
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) .
(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) .
(ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) .
(كَذَلِكَ يَطبَعُ اللهُ عَلى قُلوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلمُونَ) .
(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) .
стр. 776
(أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) .
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) .
* *
* وصف جامع:
وبالنظر في هذه الآيات جميعاً يتضح لنا أن القرآن استخدم مادتى: " ختم "
و" طبع ". في مواضع متعددة يشملها وصف واحد هو أن هاتين الكلمتين
تفيدان في هذه النصوص إعراض مَن وقعت في سياق الحديث عنهم عن قبول
الإيمان. وأن القرآن يقرن بهما في كل موضع جاءتا فيه وصفاً يفيد نفى العلم
النافع عنهم. أو وصفاً يُشعر بذمهم وسوء مصيرهم.
وهذا المعنى يؤدى بنفى العلم صراحة في بعض المواضع، وفي بعضها يؤدى بنفى ما يُفهم منه نفى العِلم.
هذا قياس مطرد نجده في كل النصوص الواردة في هذا الشأن.
لِمَ لمْ يتخلف منها واحد؟
ففى آية " البقرة " خُتمت الآية بوصف صريح في ذمهم ومصيرهم السيئ:
(وَلهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ) .
وآية " الجاثية " قرنت الآية بعدة أوصاف لإفادة معنى الذم.
وفي آية " الأعراف " كذلك: (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) .
* *
* تفرقة عجيبة:
وباستقراء استعمال القرآن لهذه المادة: " ختم " نجد استعمالاتها إذا كانت
فعلاً. مقصورة على مواضع الذم. متضمناً السياق الذي هي فيه وصفاً يُشعر
بذلك الذم متقدماً عليها أو متأخراً عنها.
وقد سبق شرح هذه الظاهرة العجيبة.
стр. 777
أما إذا كانت اسماً فإنها تختص في هذه الحالة بمواضع المدح، وقد جاءت -
كذلك - في سورتين، إحداهما: سورة الأحزاب في قوله تعالى:
(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ،
وقد أجمع العلماء على أن ختَم الرسل بمحمد ﵇ وصف شامل لفضائل التعظيم اختص الله به محمداً ﵇.
والثانية - سورة المطففين: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) .
وهذه خاصة من خصائص الأسلوب القرآني إذ يفرِّق بين استعمالات الكلمة
الواحدة فيطرد استعمالها على صورة معينة في موضع ويطرد صورة أو صوراً
أخرى من استعمالاتها أيضاً في موضع آخر.
أما مادة " طبع " فقد استعملت كذلك في معنى الذم.
وقرن استعمالها فى كل موضع بوصف مشعر بذلك الذم.
على أن الغالب في الوصف هنا أن يكون بنفى العِلم أو الإيمان.
أو ما يؤدى إلى نفى العِلم بطريق التجوز في الكلام.
فآيتا " التوبة " اللتان ذكرناهما آنفاً. إحداهما فيها نفى العلم صراحة:
(فَهُمْ لاَ يَعْلمُونَ) ، والثانية تنفى عنهم " الفقه " الذي هو أخص من العلم:
(فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) ، وآية " النساء " تنفى عنهم العلم صراحة. . .
أما آيتا سورة " الأعراف " فإحداهما تصريح بنفى " السمع:
(فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) وهذا يتضمن نفى العلم عن طريق المجاز المرسل الذي علاقته السببية. لأن السمع سبب في " العلم " إذ هو وسيلته،
والثانية تُصرَّحَ بنفى الإيمان: (فَمَا كَانُواْ ليُؤْمنُواْ بمَا كَذَّبُواْ به مِن قَبْلُ) ،
وفي نفى الإيمان نفى للعلم النافع عن طريق المجاز المرسل الذي علاقته السببية، لأن السمع سبب فى
стр. 778
العلم إذ هو وسيلته، ولأن الإيمان سبب عن العِلم الذي يهدى إلى النظر والتأمل وينَتهي إلى الإيمان الدعم بالدليل.
وتدل آية سورة " يونس " على نفى الإيمان كذلك: (فَمَا كَانُواْ ليُؤْمنُواْ
بِمَا كَذَّبواْ بِهِ مِن قَبْلُ) .
أما آية سورة " الروم " فتنص على نفى العلم صراحة: (كَذَلكَ يَطبَعُ
اللهُ عَلى قُلوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلمُونَ) .
وفي آية " النحل " إثبات الغفلة لهم أمر يستدعى - بداهة - سلب العلم
عنهم: (وَأؤلئكَ هُمُ الغَافلونَ) مع تقرير المعنى بتعريف الطرفين وتوسط
ضمير الفصل بينهَما. وهذا يفيَد القصر والتوكيد.
وتعود آية " المنافقين " إلى نفى الفقه، كما سبق في إحدى آيتى " التوية ":
(فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ) ، وفي " غافر " نجد ذلك الوصف: (مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)
وهما خلتان ذميمتان. لا يتصف بهما إلا جاهل أو من في حكمه.
وفي آية " محمد " كان اتباع الهوى هو الوصف اللازم لهذا الفريق والمتبع الهوى حقير ذليل.
* *
* منهج القرآن في " طبع " و " ختم ":
فهذه سُنة القرآن فقد اتبع كل تصوير مجازي لمادة " طبع " - بعد التزامه
ورودها في مواضع الذم - وصفاً مؤكداً للمعنى ومشعراً به.
وهذه الأوصاف مهما تباينت طرقها فإنها لا تخرج عن تسجيل أشنع ألوان الذم لهؤلاء المذكورين.
ولنا أن نسجل - هنا - في اطمئنان. أن هاتين الآيتين " ختم " و " طبع "
مادتا مجاز في القرآن. مع التزام " طبع " في مواضع الذم. و " ختم "
كذلك إذا كانت فعلاً. فإن كانت اسماً فهى للمدح لا غير.
* *
стр. 779
* " ربط " تنافى " ختم " و " طبع ":
من بديع القول أن القرآن حين التزم - على النحو الذي أبناه - استخدام
مادتى " ختم " و " طبع " للدلالة على فساد القلوب.
فإنه التزم مادة " ربط " للدلالة على صيانة القلوب من الفساد.
وذلك في مواضع ثلاثة:
الأول في أهل بدر: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ)
وقال في شأن أهل الكهف مادحاً: (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا. .) .
وقال في شأن أم موسىَ: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) .
فى المواضع الثلاثة السابقة استخدم القرآن مادة " ربط " فعلاً في معنى
المدح، على العكس من " ختم " و " طبع ".
وكذلك إذا كانت اسماً. . قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) .
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .
فى المواضع الثلاثة الأولى جاءت الكلمة - فعلاً - فأفادت حفظ القلوب من
الفساد وبقاءها على الإيمان والثبات.
وفي الموضعين الرابع والخامس وردت المادة في مقام الجهاد. اسماً فى
الأولى، وفعلاً في الثانية. وذلك كله في مقام المدح والثناء.
стр. 780
وهى في المواضع الثلاثة الأولى جاءت على طريق المجاز، استعارة تصريحية
تبعية، ويمكن حملها على المجاز المركب - كما سبق - عن الزمخشري فى
توجيه المجاز في " ختم ".
كما يلاحَظ أن الاستعمال المجازي هنا - بل وغير المجازي - مصحوب
بوصف يؤكد المعنى ويقويه وقد سبق نظيره في مادتي " طبع " و " ختم ".
* *
ثانياً - في شأن المنافقين:
أما المنافقون. . فقد بدأ الله قصتهم بمطلع مجمل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) .
وطائفة المنافقين معقدة الأحوال. لها ظاهر طيب. وباطن خبيث.
ولهذا سلك القرآن في حديثه عنهم مسلكاً فيه شيء من تفصيل إذا ما قيس
بحديثه عن طائفة الكافرين.
فقد جاء حديثهم في إحدى عشرة آية من نص
بلغت جملة آياته خمس عشرة آية.
وقد اشتمل حديث القرآن عنهم على صور من المجاز والمعاني والبديع. .
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) .
تشتمل هذه الآية على صغرها على إجمال قصة الكافرين.
وتحتوي على أصول القضية وفروعها وإثبات الإيمان في صدر الآية حسب مدعاهم ونفيه عنهم فى عجزها.
حسب عدم الله بهم. يمثل عند البلغاء ما يسمونه طباق السلب،
وأثره في جمال الأسلوب واضح.
وقد ذكر الله في الرد عليهم: (وَمَا هُم بمُؤْمنينَ) غير معد الوصف
ب " مؤمنين " إلى معمول. فما هم بمؤمنين باللهَ ولا بَاليوم الآخر. وذكرهما فى
стр. 781
الدعوى أغنى عن ذكرهما في الرد عليها. كما نلاحظ دخول حرف الجر على الوصف وحقه ألا يدخل عليه. وذكره عفيد لتأكيد النسبة. لينفى عنهم - نفياً مؤكداً - ما أرادوا أن يروجوه عنهم رواجاً مؤكداً.
ولهذا تعادلت كفتا الميزان.
ثم لننظر إلى دقة التعبير القرآني. إنه قال: (مَن يَقُولُ آمَنا) ولم يقل:
" ومن الناس من آمن بالله " لأن القول غير الإيمان.
ولو كان كذلك لما جاز نفيه وإلا أدى إلى تناقض يحتاج إلى تحرج بعيد.
فكل لفظة فيه موضوعة بحساب.
(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) .
هذا شروع في تفصيل قصة المنافقين و " الخدع " أن يوهم صاحبه خلاف
ما يريد به من المكروه من قولهم: ضب خادع، إذا أمَر الحارس يده على باب جحره أوهمه إقباله عليه ثم خرج من باب آخر.
فكيف جاز - إذن - إطلاقه على الله. وهو العليم الخبير؟
*
* الخداع في جانب الله:
يجيب على ذلك صاحب المفردات فيذكر قوله تعالى: (يُخَادعُونَ اللهَ)
ثم قال: " أي يخادعون رسول الله وأولياءه ".
ونسب ذلك إلى الله تعالى من حيث أن معاملة الرسول كمعاملته.
ولذلك قال تعالى: (إن الَّذِينَ يُبَايعُونَكَ إنمَا يُبَايعُونَ اللهَ) ، وجعل ذلك خداعا تفظيعاً لفعلهم وتنبيهاً على عظم الرسول وعظم أوليائه، وقول أهل اللغة: إن هذا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فيجب أن يُعلم أن المقصود بمثله في الحذف لا يحصل لو أتى بالمضاف المحذوف لما ذكرنا من التنبيه على أمرين:
стр. 782
أحدهما: فظاعة فعلهم فيما تحروه من اللفظ معه.
وأنهم بمخادعتهم إياه يخادعون الله.
وثانيهما: التنبيه على عظمة المقصود بالخداع وأن معاملته كمعاملة الله ".
ويرى الزمخشري أن هذا مجاز عند البيانيين لأنهم تعاطوا - أي المنافقين
حسب ظنهم - أفعال المخادع، والدليل عليه صدق نفيه في عجز الآية:
(وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفُسَهُمْ) . . مجاز استعاري كذلك لأن المراء لا يخدع
نفسه، وإنما سمى إضرارهم أنفسهم " خداعاً " حيث كانوا لا يشعرون بأن فى
عملهم هذا ما يعود عليهم بالضرر، وقد حسن من موقع المجاز هنا مشاكلته
للمجاز الأول بلفظه ومعناه.
وليس ضرر المنافقين بواقع على أحد، وإنما هو واقع بهم، وهذا المعنى أفاده
القصر في الآية الذي طريقه النفي والإثبات.
ولهذه المادة " خدع " مواضع في القرآن جاءت في واحد منها على معناها
اللغوى، وجا عت في بقية المواضع على طريق المجاز منها الاثنان اللذان في آيتنا هذه، وقد وضح المجاز فيهما، أما المواضع الأخرى فهى:
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) .
فخداعهم لله مجاز تقدم الوجه فيه، أما خداع الله لهم فمجاز - كذلك - لأن
الخداع الحقيقي يوهم - هنا - أن المخادع يعجز عن الكافحة وإظهار المكتوم، مع أن الله تعالى قادر على هتك سترهم وإنزال العذاب بهم ولا حَرَج عليه.
ولكن حيث وضع فعل الله بهم مقابلاً لما توهموه خداعاً للهِ.
سمى جزاؤه لهم خداعاً، فهو كقوله تعالى: (صَبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أحْسَنُ منَ الله
صِبْغَةً)
стр. 783
* ولكن ما خداع الله لهم ؟
رأى يقول: إن ذلك من حيث تجرى عليهم أحكام المسلمين من حيث الظاهر
مع أن الله توعدهم وعيداً شديداً. . وهذا رأى صائب.
ولكن لماذا لا يراد بذلك إنعام الله عليهم وتقلبهم في مظاهر النعيم يسومون
فيها كما تسوم الأنعام، ومصيرهم في الآخرة النار: (إنَّ المنَافقينَ فى
الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ)
*
* توجيه جديد للآية:
ولنا في الآية ملحظ. . ذلك أن الله عبَّر في جانب المنافقين بفعل رباعى:
" يخادعون " إذ أصله: خادع، وهذا يقتضي مفاعلة بين طرفين مخادعٍ
ومخادعَ.
وفي جانب الذات العلية عبَّر بوصف من فعل ثلاثى لا مفاعلة فيه:
" خادعهم " من خدع. . فما السر إذن؟
أرى - والله أعلم - أن الفعل: " يخادعون ". على حسب تصورهم أن
الله مخادع أمام ألاعيبهم - فهنا طرفان من حيث الظاهر.
أما في جانب الله، فإن فعله سبحانه موجه إليهم لا على سبيل الخداع وإنما
هو فعل واقع من قوى لا يخشى شيئاً، على ضعيف يخشى كل شيء.
فليس - هنا - مخادعة كاملة الأطراف، ولذلك خولف في الموضعين بين
صيغ العبارة. . . ودليلي على ذلك القرآن نفسه.
стр. 784
فإنه في آية " البقرة " قال: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) . .
فهنا طرفان: مخادعٍ - وهم المنافقون - ومَخادَع - وهم الذين آمنوا، فجاء
الفعل " يخادعون " من " خادع " المقتضى للمفاعلة بين طرفين.
وعندما بيَّن أن هذا الخداع غير مؤجه إلا إليهم أنفسهم جاء الفعل:
(وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أنفُسَهُمْ) ، من " خدع " الثلاثى الذي لا مفاعلة فيه.
لأنه ليس هنا طرفان بل طرف واحد، وإن صح هذا فذلك من دقة التعبير فى
هذا الكتاب المعجز.
قال الراغب في: (وَهُوَ خَادعُهُمْ) : معناه مجازيهم بالخداع.
وقال سبحانه: (وَإن يُرِيدُواْ أن يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ. .) . .
والكلمة هنا ورادة على المعنى اللغوي لا مجاز فيها. .
وقال: " يخدعوك " دون "يخادعوك " لأن الله حسبه فهو ليس موضع مخادعة - أعنى محمداً ﷺ
- فلم يكن للخداع طرفان فجيء به من فعل لا يقتضي المفاعلة، وهذا جار على المنهج الذي أبنَّاه آنفاً.
* * *
* " النفاق ". . كلمة مدنية:
والخلاصة: أن هذه المادة " خدع " لم يستعملها القرآن إلا في سياق الحديث
عن المنافقين.
فهى - إذن - كلمة مدنية لا عهد للقرآن بها في مكة، فالبقرة والنساء
والأنفال سور مدنية، وهي السور التي وردت فيها هذه المادة.
стр. 785
وهى أيضاً في القرآن مادة مجاز. لأنها لم ترد على وجه الحقيقة إلا فى
موضع واحد وهو آية " الأنفال "، أما في آيتى البقرة والنساء فقد جاءت على طريق المجاز الاستعاري.
* *
* دور المرض في المجاز:
(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) .
استعمال المرض في القلوب يكون حقيقة. ويكون مجازاً. فيكون حقيقة إذا
أصابها مرض جعلها عاجزة عن أداء واجبها نحو الجسم من تغذيته بالدم وتنقيته من الشوائب.
ويكون مجازاً للدلالة على فساد المعتقَد والحقد والحسد وما أشبه ذلك من
الأمراض التي لا تعلق لها بصحة الأجسام.
والقلب الخالى من هذه الأمراض المجازية قد استعار له القرآن كلمة " سليم "
من " السلامة " ضد المعنى الأول. فقال سبحانه: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) .
قال الراغب: المرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان وذلك ضربان:
الأول: مرض جسمى وهو المذكور في قوله تعالى: (وَلا عَلى المريض
حَرَجٌ) .
الثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل والجُبن والبخل والنفاق. . وغيرها من
الرذائل الخلقية نحو قوله تعالى: (فِى قُلوبِهِم مَرَضٌ) .
стр. 786
فالمراد بالمرض الذي في القلوب هو الكفر والنفاق، وهذا على سبيل المجاز
الاستعاري، والاستعارة فيه تصريحية أصلية.
ويذكر الراغب سبب تشبيه الكفر وغيرهما بالمرض ويرجع ذلك لما يأتي:
إما لأنها مانعة من إدراك الفضائل كالمرض المانع للبدن من التصرف الكامل.
وإما لأنها مانعة من تحصيل الحياة الأخروية.
وإما لميل النفس بها إلى الاعتقادات الرديئة. . ميل البدن المريض إلى
الأشياء المضرة.
ومعنى: (فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) أي: كفراً ونفاقاً. . مجاز كذلك جاء
مشاكلاً للمجاز الأول.
وإسناد زيادة المرض إلى الله مجاز عقلي عند صاحب الكشاف، وقد تقدم
وجهه فيما سبق.
أما: (وَلهُمْ عَذَابٌ أليمٌ) . ففى إسناد " الأليم " إلى ضمير العذاب
مجاز عقلي عند الجميع حيث أسند الإيلام إلى ضمير العذاب.
ونظيره قول الشاعر:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلفْتُ لهَا بِخَيْلٍ. . . تَحِيَّةُ بَيْنهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ
حيث أسند الوصف: " وجيع " إلى ضمير الضرب. لأن الضرب سبب الإيجاع كما أن العذاب سبب الإيلام. فالعلاقة فيهما السببية.
والقرينة حالية.
وقد استعار القرآن هذه المادة: " مرض " من دلالتها الوضعية إلى معان
مجازية في إحدى عشرة آية هي:
стр. 787
(فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ. .)
(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ) .
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) .
(لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) .
(أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا. . .) .
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢))
(فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) .
(لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ)
(فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) .
стр. 788
(وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) .
* المرض. . حقيقة ومجازاً:
وهذه المواضع الأحد عشرة إذا أضفنا إليها الموضعين السابقين في آية البقرة
يكون مجموعها ثلاثة عشر موضعاً.
استعمل القرآن فيها هذه الكلمة استعمالاً مجازياً
على طريق الاستعارة التصريحية التبعية.
وقد استعمل القرآن هذه المادة في معانيها اللغوية في المواضع الآتية:
(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) .
حكاية عن إبراهيم ﵇.
(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) .
(وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) .
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) .
(وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) .
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) .
(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ. .) .
(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى) .
(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) .
стр. 789
(وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) .
(عَلِمَ أن سَيَكُونُ مِنكُم مَرْضَى) .
* *
* موازنة ضرورية:
وهذه هي مواضع استعمال المادة في معناها اللغوى. إذ لا مجاز في واحد
منها وقد ذكرتها تمهيداً لإجراء موازنة بين الاستعمالين المجازي والحقيقي أراها
- ضرورية في هذا المجال.
وهذه الموازنة تعتمد على الحقائق الآتية:
أولاً: أن القرآن يقصر استعمال هذه المادة استعمالاً مجازياً إذا كانت اسماً -
وإن شئت فتتبع مواضع استعمالها اسماً حيث جاءت وصفاً للقلوب فلا تجد
واحداً متها خرج عن نطاق الاسمية.
وهو في استعماله لها استعمالاً مجازياً ما فارقت وصف القلب في أي موضع
كذلك.
وقد جاءت جزءاً من صلة الموصول الاسمى " الذي،، ولم تخرج عن هذه
الحال إلا في موضع واحد هو آية " النور ": (أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا) ، وهي كذلك واردة في شأن المنافقين. بدليل عطف " الكافرين "
عليها في قوله تعالى: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ)
. . أما عطفه على (المنافقَون) فىَ مثل قوله تعالى:
(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ)
فلا يبعد أن يكون عَطف تفسير.
ثانياً: أما استعمال القرآن لها في معانيها اللغوية فذلك مقصور على
حالتين:
стр. 790
(أ) إذا كانت فعلاً. وهي كذلك في موضع واحد. وهو آية الشعراء
حكاية عن إبراهيم ﵇: (وَإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) .
(ب) إذا كان وصفاً مشتقاً - مفرداً كان أو مجموعاً - وهي في هذه
الحالة لا ترد إلا في مقام التشريع وتيسير الأحكام.
والمتتبع لمواضعها التي أثبتناها - قبلاً - يجد المادة موزعة حسب المنهج
الذي شرحناه.
وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني ودعامة من دعامات إعجازه مثيرة
مدهشة، فيها دقة وعمق نظر.
أما الدقة. . فلالتزام هذا المنهج الفريد وما كان هناك حَرَج لو خولف لا فى
واقع اللغة ولا في طبيعة الأسلوب.
وأما عمق النظر. . فللبحث عن سر هذا الالتزام وما روعي فيه من لطائف
ودقائق يعز فهمها وتوجيهها.
* * *
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) .
دعوى الإيمان من المنافقين غير رائجة.
أما نسبتهم الكفر إلى أنفسهم فرائجة ما في ذلك شك.
والخطاب في الشق الأول من الآية مع مؤمنين ينكرون كل
الإنكار أن يؤمن أهل النفاق.
والخطاب في الشق الثاني منها موجه إلى شياطينهم.
وهم لا ينكرون أنهم معهم باقون على الكفر والنفاق.
* *
стр. 791
* مقتضى الظاهر ومخالفته:
واختلاف المقام يقتضي المخالفة بين كيفيات الكلام فيهما.
والظاهر يقتضي أن يؤكدوا دعوى إيمانهم مع المؤمنين. لأنهم منكرون لما يقولون شاكون فيه وألا يؤكدوا مع شياطينهم لأنهم مصدقون لهم لا يحتاجون إلى تأكيد ولكنا نرى الموضع هنا مختلفاً.
إلقاء الخطاب مجرداً من كل توكيد مع المؤمنين ومؤكداً مع الشياطين والظاهر
يقتضي العكس.
يرى السعد أن سر المخالفة في الموضعين: أنهم تركوا التوكيد مع خطاب
المؤمنين. لأن دعوى الإيمان لا تروج من المنافقين. وهم يعلمون ذلك فأنفسهم - إذن - لم تساعدهم عليه.
أما توكيدهم له مع الشياطين فلأن هذا رائج منهم عند شياطينهم.
ولتوافر الرغبة فيه وكمال العناية به.
فالتوكيد وعدم التوكيد جار على مراعاة الحالة النفسية عند المتكلم لا المخاطب.
وهذه لفتة حسنة من لفتات السعد. ومَن تبعه في هذا المذهب الجزل.
الذي هو وثيق الصلة بعلم النفس وأصول البلاغة الحية.
وقد جاء في خطابهم شياطينهم: (إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزئُونَ) ، ففسروا
قولهم مع المؤمنين: " آمنا " بأنه ليس إلا استهزاء، فكان الرد عليهم فيه قوة
وتوكيد. على غرار ما أثبتوه هم: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) فأكد ذلك باسمية
الجملة. وبأن الله هو الذي يستهزئ بهم.
والاستهزاء من الله مجاز إذ لا يصح ذلك منه على وجه الحقيقة.
ولهذا فسَّروا هذه الآية بأن الله يجازيهم على الهزء. . ومعناه: أنه أمهلهم مدة ثم أخذهم مغامضة، فسمى إمهاله إياهم استهزاءً من حيث أنهم اغتروا به
اغترارهم بالهزء فيكون ذلك كالاستدراج من حيث لا يعلمون.
стр. 792
(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) .
مادة " مذ " تدور في المعاجم اللغوية حول معنى الزيادة والتكثير. . من مَدَّ
الجيش وأمدَّه: إذا زاده بما يقويه ويكثره.
ويقال: مدَّه الشيطان في الغي والضلال وأمدَّه: إذا واصله بالوساوس حتى يتصل غيه. ويزداد انهماكاً فى المعاصي.
وإسناد المد إلى الله مجاز عقلي عند الزمخشري. . لأن فاعل المد عنده هو
الشيطان. وأسْنِدَ إلى الله لأنه سببه المقدر عليه.
وقد عدمنا فيما سبق وجهه عنده.
على أنه يجوز - عنده - أن يكون مجازاً عن عدم القسر والإلجاء وإن لم
يُصرِّحَ هو بمجازيته.
وقد أنكر الزمخشري أن يراد به الإمهال - وهو رأي المفسرين - وحُجَّته أنه
يعدى بنفسه إذا كان بمعنى الزيادة - كما في الآية - ويعدى بـ " اللام " إذا
كان بمعنى الإمهال. . قال: " فإن قلتَ: ما حملهم - يعني المفسرين - على
تفسير المد في الطغيان بالإمهال وموضوع اللغة - كما ذكرت - لا يطاوع عليه؟
قلت: استجرهم إلى ذلك خوف الإقدام على أن يسندوا إلى الله ما أسندوا إلى الشيطان، ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته. .
وإلا كان بمنزلة الأروى من النعام. ومن حق مفسِّر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه. والبلاغة على كمالها. وما وقع به التحدي سليماً من القادح.
فإذا لم يتعاهد أوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم
والبلاغة على مراحل ".
*
стр. 793
* المعاني التي أفادتها " مَدَّ " في القرآن:
والناظر في مواضع " مدَّ " في القرآن يخرج بالنتائج الآتية:
أولاً: أن هذه المادة يتجاذبها فيه جانبا حقيقة ومجاز.
فالحقيقة في نحو قوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ)
إذ المراد بالسبب: الحبل، والحبل يُمَد حقيقة.
وقوله تعالى: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)
لأن الإمداد هنا بمعنى الزيادة وهو من معاني الكلمة في اللغة.
والمجاز في نحو قوله تعالى: (وَيَمُدُّهُمْ فِي طغْيَانهِمْ يَعْمَهُونَ) .
وقوله: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) .
ثانياً: إذا استعمل القرآن هذه المادة في الحبوب فالغالب فيها أن تكون من
الإمداد. قال: (يُمْدِدكُمْ ربُّكُم) ، وقال: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) .
أما إذا استعملها في المكروه فالغالب فيه أن تكون من المد.
قال: (وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) .
وقال: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ) .
ثالثاً: أن استعمالها في جانب الأرض والظل والمال. . يفيد معنى
البسطة والتوسع تجوزاً. فإن مد المال في قوله تعالى:
(وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا)
في معرض الامتنان يشبه فيه المال على سبيل المجاز بشيء ممدود
قد شغل جانباً كبيراً من المساحة لكثرته.
رابعاً: واستعمالها في جانب العين يفيد معنى الإطلاق والإرسال تجوزاً،
كذلك فإن معنى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) أي ترسل النظر وتطلقه إلى
مظاهر النعيم عند الآخرين.
стр. 794
والذي أراه: أن جانب المجاز فيما أسند إلى الله من معان يرى الزمخشري
فيها أن الإسناد فيها جار على المجاز العقلي، أو يذهب المفسرون إلى تفسيرها
بالإمهال. . أن جانب المجاز في مثل هذه كقوله تعالى:
(وَيَمُدُّهُمْ فِى طغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ) أن الله يمنع عنهم ألطافه ولا ييسر لهم سبل الهداية.
لأنه علم أنهم اختاروا الغيَّ على الرشد.
ووجهه: أن يشبه منع أسباب الهداية عنهم بإمدادهم بوسائل الضلال
والطغيان. . والجامع أن كلا من الأمرين - المنع والإمداد - يترتب عليه
إغراقهم في الضلال ولجوهم فيه.
*
* العَمَه. . العمى:
و" العَمَه " مثل " العمى "، إلا أن العمى يشمل فقد البصر. وخطل
الرأي، بينما العَمَه خاص بضلال الرأي ومنه قولهم: سلك أرضاً عمهاء: أى لا منار فيها.
وكذلك فرق الراغب بين العمى والعَمَه فقال: العَمَه: التردد في الأمر من
التحير! يقال: عمه وعامه. والعمى يقال في افتقاد البصر والبصيرة، ويقال
فى الأول: أعمى، وفي الثاني: أعمى وعم.
والمادة تدور حول الحجب والتغشية، والمتتبع لمادة " عَمَه " في القرآن
يجدها قد استعملت في معنى الضلال مطلقاً.
وذلك في المواضع الآتية:
(وَيَمُدُّهُمْ فِى طغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .
(وَنَذَرُهُمْ فِى طغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .
стр. 795
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) .
(لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)) .
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) .
تلك هي مواضع استعمال مادة " عَمَه ". .
وليس المراد بها المعنى اللغوي الذي هو التردد والحيرة، لأن هذا قد يكون وصفاً لبعض المؤمنين، ولذلك أرى أن الكلمة هنا مراد بها أنهم سادرون في ضلالهم لا يفيقون منه.
ودليلي على ذلك القرآن نفسه حيث يقول:
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) . .
فهم سكارى لا رُشد معهم، ولا هدى ينير لهم الطريق.
* *
* طريق المجاز فيهما:
إذا استقر ما ذهبتُ إليه فإن طريق التجوز فيه أنه من المجاز المرسل،
والعلاقة هي الإطلاق والتقييد. فقد استعمل في مطلق ضلال بعد اختصاصه
فى اللغة بضلال التردد في الرأي والحيرة فيه.
أما مادة " عمى " فقد جاءت في القرآن حقيقة ومجازاً لغوياً على طريق
الاستعارة التصريحية الأصلية أو التبعية التصريحية، على أن في مواضعها
موضعين قد دَق تقدير المجاز فيهما.
فتكون " حقيقة " إذا أريد بها معيَّن كقوله تعالى:
(عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) .
لأن المراد بالأعمى هنا شخص معيَّن هو عبد الله بن أم مكتوم
كما جاء ذلك في كتب التفسير.
стр. 796
أو تكون في مجال التشريع كما في قوله تعالى:
(ليْسَ عَلى الأعْمَى حَرَجٌ) .
وتكون " مجازاً " إذا استعْملت في شأن الكفر والضلال، والكافرين
والضالين، وقد مَرَّ بنا كثير من أمثلَتها في فصل " التشبيه والتمثيل " ولنذكر
ما لم نذكره هناك:
(فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَليْهَا) .
(وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) .
والآيات لم تخرج عن طريق المجاز كذلك، فقد شبَّه ضلال القلوب بعمى
الأبصار، والجامع أن كُلاً منهما يحول بين صاحبه وبين المنافع الشريفة، ففى
المجاز استعارة محسوس لمعقول لقصد الإيضاح والتقرير.
وفيما تقدم مواضع حملت على عمى البصر وعلى عمى البصيرة، وضابطهما
أن المفرد فيها " عمٍ " والجمع: عمين أو عمون، لأنه حينئذ من العَمَه الشامل لعمى البصر وعمى البصيرة كقوله تعالى: (إنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ) .
*
" صورتان دقيقتان:
وقد ورد من هذه موضعان آخران هما: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) .
وقوله: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) .
стр. 797
قال الراغب في توجيه معنى الآيتين: " وعمى عليه: أي اشتبه حتى صار
بالإضافة إليه كالأعمِى قال: (فَعَميَتْ عَليْهمُ الأنبَاءُ يَوْمَئذ) ،
(وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) .
وقال الزمخشري: ". . . ومعنى " عَمِيَتْ ": خفيت، فإن قلتَ: ما
حقيقته؟ قلتُ: حقيقته أن الحُجة كما جُعِلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء. لأن الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره. .
فمعنى: فعميت عليكم البينة: لم تهدكم
كما لو عمى على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد ".
وما ذكره الراغب والزمخشري ليس بمقنع.
بل إن ما ذكراه لا يخلو من مآخذ
وهى - فيما ذكره الراغب - يسيرة.
لأنه قال: حتى صار بالإضافة إليه كالأعمى.
وهذا لا يحل الإشكال، لأن القوم لم يبصروا الأنباء، ولم يهتدوا
إلى الرحمة، فهم العُمْىُ وليست الأنباء أو الرحمة.
وما ذكره الزمخشري فيه مجافاة للأوْلى. لأنه فسَّر الرحمة بالنبوة.
ثم جعلها - أي النبوة - عمياء من حيث لم تهدهم كما لو ضَل دليل قوم في مفازة بقوا بغير هاد.
وكما جُعِلت الحُجة بصيرة ومبصرة جُعِلت عمياء.
هذا مُحصل كلامه. . ولو كان الأمر كذلك لكان للقوم أكبر حجة يتمسكون بها على البقاء على الكفر. ما دامت حُجَّتهم عمياء.
*
* محاولة لتوجيه المعنى في الموضعين:
والذي أراه أن المسألة في الموضعين تُفهم على المجاز المرسل. الذي علاقته
الجزئية لأن القوم عُمْىٌ لا يبصرون شيئاً.
والحجَّة أو الأنباء بعض أفراد ما لا يبصرونه، فكما يقال: رعت الإبل الغيثَ - ويراد به النبات المتسبب عن
стр. 798
الغيث يقال هنا على الأنباء إذا لم تُبْصَر بأنها عمياء. .
لأنها جزء ما لا يبصره القوم.
وأولى من هذا عندى أن يُقال إن في العبارة قلباً على حد قول الشاعر:
* وَلاَ يَكُ مَوْقِف مِنَ الوداعَا *
أما ما ذكره الراغب والزمخشري فلا يسلم من المآخذ كما رأينا.
وبعد هذا يمكن أن يقال: إن هاتين الآيتين " عَمَه " و " عمى "
في القرآن مادتا مجاز.
* * *
* الاشتراء والضلالة:
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) .
عبَّر عنهم باسم الإشارة الموضوع للبعيد.
إشارة إلى بُعدهم عن الحق الذى باعوه فكان في هذا التعبير براعة استهلال من أول مطلع،
و" الاشتراء " افتعال من الشراء.
وهو هنا مستعار من معناه اللغوي المعروف لاستبدالهم الضلالة بالهدى.
لأنه يفيد اختيارهم للضلالة على الهدى، والاستعارة فيه تصريحية تبعية
لجريانها في المشتق.
ولعل السر البلاغي الذي عدل من أجله عن أصل التعبير - الذي هو
الاستبدال - لأن المشترِي يكون راغباً في الشيء المشترَى. باذلاً للثمن فيه.
لأنه غير راغب فيه إذا قورن بما اشتراه.
هذا غرض. .
وغرصْ آخر: إن الشيء المشترَى ملازم لمن اشتراه.
أما الثمن المبذول فيه فمفارق له متى وقع البيع بين الطرفين صحيحاً.
стр. 799
وهؤلاء كانوا زاهدين في الهدى، ولذلك بذلوه ثمناً فيما بحبونه - وهو
الضلالة، فبين هذا المجاز معان وخفايا مستورة لم يكن للوقوف عليها سبيل لو
عبَّر عنها بأسلوب الحقيقة اللغوية.
*
* استعمالات " شَرَى " وقانونها:
وهذه المادة - مادة " شَرَى " - وردت في القرآن خمساً وعشرين مرة
جاءت على صور المجاز في ثلاث وعشرين مرة منها.
وعلى المعنى الحقيقي في مرتين فحسب، ولها في القرآن منهج وقانون. فلنذكره مطبقين عليه بالأمثلة:
١ - إذا خلت من تاء الافتعال كانت بمعنى " باع "، وجاءت على هذه
الصورة في أربعة مواضع.
ثلاثة منها على المعنى المجازي.
وواحد بالمعنى الحقيقي وهي على الترتيب:
(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) .
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) .
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) .
وهذه هي المواضع الثلاثة التي استُعْمِلت فيها المادة استعمالاً مجازياً كما هو
ظاهر من السياق.
أما الموضع الرابعء. فهو قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف:
(وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) .
" شَرَوْهُ ": باعوه. فالاستعمال هنا حقيقي وليس مجازياً. .
لأن البيع وقع بمعناه المعروف.
стр. 800
٢ - وإذا لم تخل من تاء الافتعال. كانت بمعنى " الشراء " لا البيع، إلا
فى موضع واحد جاءت فيه بمعنى " البيع " وسنشير إليه عند وروده.
وهي في هذه الحالة في جميع الصور مستعملة استعمالاً مجازياً إلا في موضع واحد جاءت فيه على المعنى الحقيقي.
وهو قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر:
(وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)
فالشراء هنا حقيقة وليس مجازاً.
وقد مضى إخبار القرآن عن إخوة يوسف.
وأن " شَرَوه " هناك بمعنى باعوه حقيقة لا مجازاً، وكذلك فإن " اشترى "
هنا من بين أخواته وقع بمعنى الشراء حقيقة لا مجازاً.
وهذه معادلة تدعو إلى الدهش والاستغراب.
* المجاز اللغوي في " شَرَى ":
أما مجيء المادة على المجاز اللغوي فيتمثل في العشرين موضعاً الآتية:
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) .
لما كان المجاهد يبذل نفسه في سبيل الله ويدفع بها إلى الأخطار.
والنفس أغلى شيء يمتلكه الإنسان والجود بها أسمى مراتب الجود.
ولما كان يبذل ماله مع روحه في سبيل الله، وللمال عند الناس شأن عظيم.
والمجاهد يتحمل من المشقات في المرابطة والسهر، وهجر المال والزوجة والولد مقبلا على ربه. حاملاً روحه في كفه. . فإن الله يثيبه على هذه الأعمال الجليلة أجراً عظيماً فليس له مأوى إلا الجنة.
فهنا نفس مبذولة. ومال مبذول. يقابلهما رضا الله وفضله لمن صحت نيته
فى الجهاد وأكرمه الله بالاستشهاد.
стр. 801
صور القرآن هذه الحالة بما فيها من طرفين متقابلين بصورة البيع والشراء،
فالمجاهد بائع نفسه وماله لله. والله مشتر تلك النفس الطاهرة وذلك المال المزكى.
المؤمن المجاهد يقدم نفسه وماله عروضاً مبيعة. والله ينعم بالرضوان والجنة ثمناً
مبذولاً.
وهذه عملية رابحة. . فالنفس لا شك ميتة. والمال زائل أو مُفارَق.
أما الجنة فلا تُنال إلا لمن عمل لها كالمجاهدين.
فالتعبير يحتمل المجاز المركب.
وهو فيه أظهر، كما يحتمل الإفراد،
وفي إسناد الشراء إلى الله إشعار بضمان الثمن ووفرته.
وقد صرحت بهذا نفس الآية إذ جاء فيها: (وَمَنْ أوْفَى بعَهْده منَ الله) ظ
. . لا أحد.
وإذا أخذنا باعتبار أن المجاز فيها مفرد. ففى " اشترى " استعارة تصريحية
تبعية. وقد مهدت ورشئحت لاستعارة أخرى من جنسها وهي قوله تعالى:
(فَاسْتَبْشرُواْ ببَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُم به) . . . فاكتمل بذلك شطرا الحسن
وإن هاتين الاستعَارتين لتتعانقان. فماَ دَام الله مشترياً لنفس ومال المجاهدين.
فهم - إذن - بائعون. فليستبشروا ببيعهم هذا. . ومَن أوفى بعهده من الله؟
وتلك بقية المواضع: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوا الحَيَاةَ الدُنْيَا بِالآخِرَة) .
(بئْسَمَا اشْتَرَوا به أنفُسَهُمْ أن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزلَ اللهُ بَغْياً) .
(وَلقَدْ عَلِمُواْ لمَنَ اشْتَرَاهُ مَا لهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) .
والموضع الثالث هو الموضع الذي لم تخل فيه المادة من تاء الافتعال.
ودلت مع ذلك على البيع دون الشراء
مخالفة بذلك سنن أخواتها حسبما ذكرنا آنفاً.
стр. 802
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ) .
(إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) .
(فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) .
(اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ) .
(وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) .
(وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) .
(فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا) .
(لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) .
(وًيشْتَرُونَ بِهِ ثَمَمْاً قَلِيلًا) .
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ) .
(وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) .
(خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) .
(يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) .
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .
وبهذا اكتملت مواضعها الخمسة والعشرون.
стр. 803
وقانون هذه المادة في القرآن يتلخص فيما يأتي:
أولاً: إذا خلت من تاء الافتعال كانت بمعنى " باع " واستعمالها حينئذ يأتى
على طريق المجاز الاستعاري إلا في موضع واحد فإنها تكون فيه حقيقة وليست
مجازاً، وجملة هذا النوع أربعة مواضع.
ثانياً: إذا لم تخل من تاء الافتعال كانت بمعنى " الشراء " المعروف
واستعمالها حينئذ مجازي إلا في موضع واحد فإنها جاءت فيه على المعنى
الحقيقي.
ثالثاً: أن هذه المادة يتجاذبها طرفا البيع والشراء، والحقيقة والمجاز، فهى
بمعنى " البيع " في أربعة مواضع. وبمعنى " الشراء " في بقية المواضع،
وهى بمعنى الحقيقة في موضعين وبمعنى المجاز في ثلاثة وعشرين موضعاً، ولهذا
يمكن أن نطلق عليها - في القرآن - أنها مادة مجاز. . لأنه الغالب على استعمالها.
رابعاً: إذا أريد استعمالها في جانب المدح جاءت منفية إلا في موضع واحد
جاءت فيه مثبتة. وهو: (إن اللهَ اشْترَى منَ المُؤْمنينَ) لأن شرف
المعنى فيها كان من حيث إسناد الشراء إلى اللهَ تعالىَ فَأفادت كفالته بإثابة
المجاهدين، وتكون في هذه الحال حديثاً عن المؤمنين.
أما إذا أريد استعمالها في مواضع الذم فإنها تأتي مثبتة ولا تكون حينئذ
إلا في سياق حديث عن الكافرين.
*
* التجارة والربح:
(فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) .
تقدم أن القرآن سمى تمسك الكافرين بالضلالة: " شراء " على طريق
الاستعارة التصريحية التبعية.
ولذلك ناسب أن يسمى عملهم هذا: " تجارة"،
стр. 804
ولما كان العرض البيع " الهدى " ليس متعادلاً مع الثمن المبذول " الضلالة "
كانت التجارة خاسرة.
وفي إطلاق معنى " التجارة " عليه مجاز استعاري أيضاً لكنها استعارة
تصريحية أصلية لجريانها في غير المشتق.
وإسناد نفى الربح عنها مجاز عقلي حقيقته: فما ربحوا في تجارتهم. وسره
البلاغي أن إثبات الخسارة لتجارتهم مفيد لبطلانها أساساً.
وإذا خسرت تجارتهم كانوا هم خاسرين من باب أولى.
فهذا المجاز حقق غرضين دفعة واحدة.
وفيه فوق ذلك تخييل لا تخفى عذوبته.
وإذا تأملنا صور المجاز في هذه الآية في مواطنه الثلاثة: " اشتروا "،
" ربحت "، " تجارة "، ثم الإسناد إلى ضميرها. .
وجدنا المجاز فيها يتضام ويتعانق في أُلفة وإخاء.
وللزمخشري إطراء رائع في هذا. . يقول فيه:
" فإن قلتَ: هَبْ أن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازاً في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة. كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟.
قلتُ: هذا من الصنعة البديعية التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا.
وهو أن تساق كلمة مساق المجاز، ثم تقفى بأشكال لها وأخوات.
وإذا تلاحقن لم نر كلاماً أحسن منه ديباجة وأكثر ماءً ورونقاً وهو
المجاز المرشح. وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن في أذنى قلبه خطلا.
وأن جعلوه كالحمار. ثم رشحوا ذلك دوماً لتحقيق البلادة.
فادعوا لقلبه أذنين.
وادعوا لهما الخطل ليمثلوا البلادةَ تمثيلاً يلحقها ببلادةِ الحمار مشاهدة
ومعاينة".
* *
стр. 805
* المجاز في " التجارة " عقلي:
وقد أسند القرآن الحكيم أحداثاً للتجارة على سبيل المجاز العقلي في أربعة
مواضع غير هذا الموضع. واحد منها الإسناد فيه إلى صريح لفظها، والثلاثة
الأخرى الإسناد فيها إلى ضميرها. وهي على الترتيب:
١ - (رجَالٌ لا تُلهِيهِمْ تجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذكْرِ اللهِ) .
٢ - (إلَا أن تَكُونَ تجَارًةً حَاضرَةً تُديرُونَهَاَ بَيْنَكُم) .
٣ - (يَرْجُونَ تجَارَةً لَن تَبُورَ) .
٤ - (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) .
والنظر في هذه الآيات يكشَف عن عدة أمور:
١ - أن الإسناد في المثال الأول إلى صريح لفظ التجارة، وفي الأربعة
الأخرى إلى ضميرها. وفي كُلا الإسناد مجازي وسره المبالغة.
في تقرير المعنى وتأكيده.
٢ - أن المواضع الخمسة - اثنين منها استعملت كلمة " التجارة " فيها فى
المعنى الحقيقي وهما آية النور، وآية البقرة الثانية. أما الثلاثة الباقية فإن
"التجارة" فيها مجاز لغوي على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية.
وسره إبراز المعقول في صورة المحسوس.
٣ - أن المواضع الثلاثة التي استعملت فيها " التجارة " في المعنى المجازي
تحتوي على مجازين في كل مثال: الاستعاري اللغوي الذي شرحناه،
والإسنادي العقلي الذي سبقت الإشارة إليه.
وعليه. . فإن استعمال هذه المادة في القرآن لم يخل من صور المجاز فهى
إذن مادة مجاز فيه.
стр. 806
* الكافرون واستيقاد النار:
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)
المفسرون على أن هذا المثل، والذي بعده بيان - معاً - لحال المنافقين، وقد
رأينا أن الدكتور محمد عبد الله دراز يجعل هذا المثل لبيان حال الكافرين،
والذي بعده لبيان حال المنافقين، على طريقة اللف والنشر المرتب. .
وقد جارينا الدكتور دراز في هذا التقسيم لسبب ذكره هو هناك. .
ولسبب آخر نذكره نحن.
وهو أن عرض القرآن لقصة الكافرين كان موجزاً إذ لم يتعد الآيتين -
كما سبق آنفاً - أما عرضه لقصة المنافقين فقد كان مفصلاً إذا ما قيس بقصة
الكافرين.
وهذان المثلان - كذلك - أولهما موجز بالقياس إلى ثانيهما، وهذا يمكن
الاستئناس به بل التمسك به عندما يقال إن المثل الأول وارد لبيان حال الكافرين.
وأياً كان الخلاف فإن هذا لا يؤثر على جوهر الموضوع. فلنأخذ في البيان:
" مثلهم ": أي قصتهم العجيبة الشأن.
ويرى الزمخشري أن المثل - هنا - مستعار استعارة الأسد للمقدام.
يريد بذلك الاستعارة التصريحية الأصلية
للحالة أو القصة أو الصفة إذا كان لها شأن أو فيها غرابة
كأنه قال: إن حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً.
وهذا التشبيه معقود بين صورة معقولة - وهي المشبه - وصورة محسوسة هى
المشبَّه به.
والفائدة فيها عائدة على المشبه شأن كل تشبيهات القرآن، ووجه
الشبه هو الحيرة والشك والتخبط. والتورط في الظلام.
стр. 807
وقد عبَّر القرآن في ثنايا هذا التشبيه بـ " الإضاءة " في حال
الإثبات، وبـ " النور " في حال النفي دون الإضاءة، ليفيد الذهاب بكل ما
حصل لهم من نور. وإحلال الظلام محله. ولو عبَّر بنفى الإضاء لأفاد ذلك نفى الزيادة في النور مع بقاء أصل النور لأن " إضاءة " فرط النور.
وفي: " ذهب الله بنورهم " استعارة تمثيلية. لأن الواقع أن لا نور
حقيقة ولا ظلمات.
وفي إسناد الذهاب والترك إلى " الله " تسجيل عليهم
بالضلال الذي ليس بعده هدى لأن الذاهب بالنور، والتارك لهم في الظلمات، هو الله الذي لا معطي لما منع. ولا مانع لما أعطى.
(وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) .
*
* بين التشبيه والاستعارة:
أما قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .
فالزمخشري يرى فيه وجهين: أن يكون تشبيهاً - وعليه المحققون. أو
يكون استعارة. وهذا مختَلف فيه. وجعله تشبيهاً أولى لذكر الشبه وهم
المنافقون. وهذا بناء على أن المحذوف - المنوى ذكره - كالمذكور.
" وهذا عند مفلقى البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسى
التشبيه ".
وهنا ظاهرة جديرة بالتسجيل هي أن الشبه في القرآن الكريم قد يكون
محذوفاً مع حذف الوجه والأداة وبقاء المشبَّه به فحسب. ومع هذا يعتبر
الأسلوب تشبيهاً.
والبيانيون يسمون هذا " استعارة تصريحية أصلية "،
والقول ببقاء التشبيه مع هذا الحذف لم يقولوا به خارج دائرة القرآن.
стр. 808
والذى حملهم على ذلك قوة ملاحظة المحذوف.
وهذه خاصة من خصائص التشبيه القرآني.
تضاف إلى ما ذكرناه من خصائص في الفصل السابق.
وقد مهَّد القرآن لهذا الحكم بقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) .
* *
* الكافرون. . والصيِّب:
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
وهذان المثلان - فضلاً عما فيهما من دقة تصوير وإصابة مرمى - يشتملان
على صور جزلة من المجاز اللغوي والعقلي. وضروب من التشبيه ازدان بها
الأسلوب. وقوى المعنى.
فقد قال: (ذَهَبَ اللهُ بنُورهِمْ) ولم يقل:
ذهب نورهم. . لأن الذهاب المجرد ليس مثل أن يذهب الله به.
فنحن نلمس الفرق بين أن يقال: شرب الخمر حتى ذهب عقله.
وأن يقال: شرب الخمر حتى ذهبت الخمر بعقله.
فالعبارة الثانية أقوى من الأولى. لأن الخمر ذهبت بالعقل وانتبذت به مكاناً
قصياً. فهنا ذاهب ومذهوب به.
وكذلك: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) أقوى من أن يقال: ذهب نورهم.
ومنه قولهم في المبالغة: ذهبت به الخيلاء. وذهب السلطان بماله.
*
стр. 809
* عبارة تنبئ عن إحساس نفسي:
وفي المثل الثاني صور من المجاز ترجمت عن مشاعر الخوف والقلق والحيرة
عند المنافقين.
فهم لفرط فزعهم يجعلون أصابعهم في آذانهم. وهذه لقطة مثيرة للانتباه فى
قصة هذا الفريق. والواقع أنهم جعلوا أطراف أصابعهم في آذانهم لأن الأذن
لا تتسع لجعل الأصابع فيها. وطريق هذا التعبير هو المجاز المرسل. وعلاقته
هنا الكلية لأن أطراف الأصابع جزؤها.
والسر البلاغي فيه أن قصف الرعد قد أطار أحلامهم. فأخذوا يتقونه بسد
الأذن حتى لا يسمعوه. وهم إزاء هذا القصف لم يكتفوا بوضع أطراف الأصابع.
بل كانوا يحاولون غرزها كلها في كل آذانهم اجتهاداً منهم ألا يسمعوه. وكان للصواعق المصاحبة للبرق والرعد أثر كبير في بلوغ خوفهم المدى.
ولم يكونوا يخافون خطراً يسيراً. وإنما كانوا يخافون الموت.
وقد جاء هذا المجاز في موضع آخر من القرآن حكاية قول عن نوح يشكو
قومه إلى ربه: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) .
بَيْدَ أن المقام مختلف " فما في سورة البقرة كان المقام مقام خوف وفرار من
الهلاك المتوقَع.
وقد بيَّن ذلك الخوف قوله تعالى: (منَ الصوَاعق حَذَرَ الموْتِ) .
والمقام في " نوح " مقام عناد ونفور عن سماع دعوة الحق. وقد
بئن هذا العناد والنفور قوله تعالى: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) .
стр. 810
وفى قوله: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) كناية عن صرف أبصارهم عنه حتى
لا يبصروه، فكما وضعوا أصاَبعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه.
جعلوا ثيابهم أغشية على أعينهم لئلا يبصروه. وهو كناية عن صفة.
كما جعلوا أصابعهم في آذانهم كناية عن صرف أسماعهم عنه حتى لا يسعوه
وكان المجاز المرسل فيها من حيث إطلاق الأصابع على البعض.
وكذلك يمكن حمل الكناية الثانية على المجاز المرسل لأنهم استغشوا جزء ثيابهم لا كلها، فقد اجتمع في هذين التعبيرين الكناية - وهي واسطة بين الحقيقة والمجاز - ثم المجاز المرسل.
* *
* إحاطة علم الله:
(وَاللهُ مُحِيط بالكَافِرِينَ) أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحَاط به المحيط.
وفي هذا التعبير مجاز.
قال العلامة أبو السعود: " شبه شمول قدرته تعالى لهم، وانطواء ملكوته عليهم، بإحاطة المحيط بما أحاط به فى استحالة الفوت ".
وشبه الهيئة المنتزعة من شئونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط
مع الحاط.
فالمجاز هنا على ما بينه العلامة أبو السعود محتمل الإفراد والتركيب.
صُورَ فيه العقول بالمحسوس لتقريره وسرعة تصوره.
وقد استعمل القرآن هذه المادة: " أحاط " مترددة بين الحقيقة والمجاز فى
صور شتى. وجانب المجاز فيها أكثر من جانب الحقيقة.
وقد تشتمل بعض المواضع على مجازين لغوي وعقلي.
وتلك أمثلتها:
следующие страницы →