← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

* الكافرون واستيقاد النار: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) المفسرون على أن هذا المثل، والذي بعده بيان - معاً - لحال المنافقين، وقد رأينا أن الدكتور محمد عبد الله دراز يجعل هذا المثل لبيان حال الكافرين، والذي بعده لبيان حال المنافقين، على طريقة اللف والنشر المرتب. . وقد جارينا الدكتور دراز في هذا التقسيم لسبب ذكره هو هناك. . ولسبب آخر نذكره نحن. وهو أن عرض القرآن لقصة الكافرين كان موجزاً إذ لم يتعد الآيتين - كما سبق آنفاً - أما عرضه لقصة المنافقين فقد كان مفصلاً إذا ما قيس بقصة الكافرين. وهذان المثلان - كذلك - أولهما موجز بالقياس إلى ثانيهما، وهذا يمكن الاستئناس به بل التمسك به عندما يقال إن المثل الأول وارد لبيان حال الكافرين. وأياً كان الخلاف فإن هذا لا يؤثر على جوهر الموضوع. فلنأخذ في البيان: " مثلهم ": أي قصتهم العجيبة الشأن. ويرى الزمخشري أن المثل - هنا - مستعار استعارة الأسد للمقدام. يريد بذلك الاستعارة التصريحية الأصلية للحالة أو القصة أو الصفة إذا كان لها شأن أو فيها غرابة كأنه قال: إن حالهم العجيبة الشأن كحال الذي استوقد ناراً. وهذا التشبيه معقود بين صورة معقولة - وهي المشبه - وصورة محسوسة هى المشبَّه به. والفائدة فيها عائدة على المشبه شأن كل تشبيهات القرآن، ووجه الشبه هو الحيرة والشك والتخبط. والتورط في الظلام.

стр. 807

وقد عبَّر القرآن في ثنايا هذا التشبيه بـ " الإضاءة " في حال الإثبات، وبـ " النور " في حال النفي دون الإضاءة، ليفيد الذهاب بكل ما حصل لهم من نور. وإحلال الظلام محله. ولو عبَّر بنفى الإضاء لأفاد ذلك نفى الزيادة في النور مع بقاء أصل النور لأن " إضاءة " فرط النور. وفي: " ذهب الله بنورهم " استعارة تمثيلية. لأن الواقع أن لا نور حقيقة ولا ظلمات. وفي إسناد الذهاب والترك إلى " الله " تسجيل عليهم بالضلال الذي ليس بعده هدى لأن الذاهب بالنور، والتارك لهم في الظلمات، هو الله الذي لا معطي لما منع. ولا مانع لما أعطى. (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) . * * بين التشبيه والاستعارة: أما قوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) . فالزمخشري يرى فيه وجهين: أن يكون تشبيهاً - وعليه المحققون. أو يكون استعارة. وهذا مختَلف فيه. وجعله تشبيهاً أولى لذكر الشبه وهم المنافقون. وهذا بناء على أن المحذوف - المنوى ذكره - كالمذكور. " وهذا عند مفلقى البيان من باب التمثيل البليغ المؤسس على تناسى التشبيه ". وهنا ظاهرة جديرة بالتسجيل هي أن الشبه في القرآن الكريم قد يكون محذوفاً مع حذف الوجه والأداة وبقاء المشبَّه به فحسب. ومع هذا يعتبر الأسلوب تشبيهاً. والبيانيون يسمون هذا " استعارة تصريحية أصلية "، والقول ببقاء التشبيه مع هذا الحذف لم يقولوا به خارج دائرة القرآن.

стр. 808

والذى حملهم على ذلك قوة ملاحظة المحذوف. وهذه خاصة من خصائص التشبيه القرآني. تضاف إلى ما ذكرناه من خصائص في الفصل السابق. وقد مهَّد القرآن لهذا الحكم بقوله تعالى: (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) . * * * الكافرون. . والصيِّب: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) وهذان المثلان - فضلاً عما فيهما من دقة تصوير وإصابة مرمى - يشتملان على صور جزلة من المجاز اللغوي والعقلي. وضروب من التشبيه ازدان بها الأسلوب. وقوى المعنى. فقد قال: (ذَهَبَ اللهُ بنُورهِمْ) ولم يقل: ذهب نورهم. . لأن الذهاب المجرد ليس مثل أن يذهب الله به. فنحن نلمس الفرق بين أن يقال: شرب الخمر حتى ذهب عقله. وأن يقال: شرب الخمر حتى ذهبت الخمر بعقله. فالعبارة الثانية أقوى من الأولى. لأن الخمر ذهبت بالعقل وانتبذت به مكاناً قصياً. فهنا ذاهب ومذهوب به. وكذلك: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) أقوى من أن يقال: ذهب نورهم. ومنه قولهم في المبالغة: ذهبت به الخيلاء. وذهب السلطان بماله. *

стр. 809

* عبارة تنبئ عن إحساس نفسي: وفي المثل الثاني صور من المجاز ترجمت عن مشاعر الخوف والقلق والحيرة عند المنافقين. فهم لفرط فزعهم يجعلون أصابعهم في آذانهم. وهذه لقطة مثيرة للانتباه فى قصة هذا الفريق. والواقع أنهم جعلوا أطراف أصابعهم في آذانهم لأن الأذن لا تتسع لجعل الأصابع فيها. وطريق هذا التعبير هو المجاز المرسل. وعلاقته هنا الكلية لأن أطراف الأصابع جزؤها. والسر البلاغي فيه أن قصف الرعد قد أطار أحلامهم. فأخذوا يتقونه بسد الأذن حتى لا يسمعوه. وهم إزاء هذا القصف لم يكتفوا بوضع أطراف الأصابع. بل كانوا يحاولون غرزها كلها في كل آذانهم اجتهاداً منهم ألا يسمعوه. وكان للصواعق المصاحبة للبرق والرعد أثر كبير في بلوغ خوفهم المدى. ولم يكونوا يخافون خطراً يسيراً. وإنما كانوا يخافون الموت. وقد جاء هذا المجاز في موضع آخر من القرآن حكاية قول عن نوح يشكو قومه إلى ربه: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) . بَيْدَ أن المقام مختلف " فما في سورة البقرة كان المقام مقام خوف وفرار من الهلاك المتوقَع. وقد بيَّن ذلك الخوف قوله تعالى: (منَ الصوَاعق حَذَرَ الموْتِ) . والمقام في " نوح " مقام عناد ونفور عن سماع دعوة الحق. وقد بئن هذا العناد والنفور قوله تعالى: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) .

стр. 810

وفى قوله: (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) كناية عن صرف أبصارهم عنه حتى لا يبصروه، فكما وضعوا أصاَبعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه. جعلوا ثيابهم أغشية على أعينهم لئلا يبصروه. وهو كناية عن صفة. كما جعلوا أصابعهم في آذانهم كناية عن صرف أسماعهم عنه حتى لا يسعوه وكان المجاز المرسل فيها من حيث إطلاق الأصابع على البعض. وكذلك يمكن حمل الكناية الثانية على المجاز المرسل لأنهم استغشوا جزء ثيابهم لا كلها، فقد اجتمع في هذين التعبيرين الكناية - وهي واسطة بين الحقيقة والمجاز - ثم المجاز المرسل. * * * إحاطة علم الله: (وَاللهُ مُحِيط بالكَافِرِينَ) أي لا يفوتونه كما لا يفوت المحَاط به المحيط. وفي هذا التعبير مجاز. قال العلامة أبو السعود: " شبه شمول قدرته تعالى لهم، وانطواء ملكوته عليهم، بإحاطة المحيط بما أحاط به فى استحالة الفوت ". وشبه الهيئة المنتزعة من شئونه تعالى معهم بالهيئة المنتزعة من أحوال المحيط مع الحاط. فالمجاز هنا على ما بينه العلامة أبو السعود محتمل الإفراد والتركيب. صُورَ فيه العقول بالمحسوس لتقريره وسرعة تصوره. وقد استعمل القرآن هذه المادة: " أحاط " مترددة بين الحقيقة والمجاز فى صور شتى. وجانب المجاز فيها أكثر من جانب الحقيقة. وقد تشتمل بعض المواضع على مجازين لغوي وعقلي. وتلك أمثلتها:

стр. 811

أولاً - الصور الحقيقية: (أ) (أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) . (ب) (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) . (ب) (إنَّا أعْتَدنا لِلظَالِمِينَ نَاراً أحَاطَ بِهِمْ سُرّادقُهَا) . هذه المواضع الثلاثة التي استخدم القرآن فيها مادة " أحاط " في معانيها اللغوية لا رابع لها. لأن جهنم محيطة بالكافرين على الحقيقة. وكذلك سرادقها. ثانياً - الصور المجازية: (أ) (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) . يقول الراغب في هذا المجاز: فذلك أبلغ استعارة، وذلك أن الإنسان إذا ارتكب ذنباً واستمر عليه استجره إلى ما هو أعظم منه فلا يزال يرتقى حتى يُطبع على قلبه فلا يمكنه أن يخرج عن تعاطيه. (ب) (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) . (جـ) (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) . (د) (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) .

стр. 812

(هـ) (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦) . (و) (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) . (ز) (وَظنُواْ أنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) . (ح) (بَلْ كَذبواْ بِمَا لمْ يُحِيطواْ بِعِلمِهِ) . (ط) (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) . (ى) (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) . (ك) (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ) . (ل) (وَإذْ قُلنَا لكَ إن رَبَّكَ أحَاطَ بِالناسِ) . (م) (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلَبُ كَفيْهِ عَلى مَا أنفَقَ فِيهَا) . (ن) (وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) . (س) (كَذَلِكَ وَقَدْ أحَطنَا بِمَا لدَيْهِ خُبْرًا) . (ع) (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) . (ف) (أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) .

стр. 813

(ص) (فَقَالَ أحَطتُ بِمَا لمْ تُحطْ به) . (ق) (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤) . (ر) (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) . (ش) (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)) . (ت) (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) . (ث) (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) . * * صياغة القرآن لمادة " أحاط ": تلك هي المواضع التي استخدم القرآن فيها مادة " أحاط " استعمالاً مجازياً، وقد بلغت خمسة وعشرين موضعاً باعتبار أن آية " النمل " فيها موضعان: " تحيطوا "، و " لم تحط ". وقد ترددت هذه الصور من حيث الصياغة بين الفعل الماضي والمضارع واسم الفاعل. وهذا أكثرها إذ بلغت صوره عشراً وكذلك الفعل الماضي. أما المضارع فأقل الأنواع إذ لم تزد صوره عن سبع. * * المعاني الواردة فيها: أما من حيث المعنى فإن هذه المادة قد استعملت - مجازاً - في الأغراض الآتية: ١ - العلم. وهو أكثر مواضع استعمالها مثل: (وَلا يُحيطونَ بشَىْءٍ مِنْ عِلمِهِ) .

стр. 814

ومثل: (وَقَدْ أحَطنَا بِمَا لدَيْهِ خُبْرًا) . ومثل: (وَأن اللهَ قَدْ أحَاطَ بِكُل شَىْءٍ علمًا) . ٢ - القدرة مثل: (وَإذْ قُلنَا لكَ إن رَبَّكَ أَحَاطَ بِالناسِ) . ومثل: (وَاللهُ مِن وَراهِم مُحِيطٌ) . ومثل: (وَظنُواْ أنهُمْ أُحَيطَ بِهِمْ) . ٣ - المنع: مثل: (إلا أن يُحَاطَ بكُمْ) . . أي إلا أن تمنعوا وتغلبوا. ٤ - الحفظ: مثل: (ألاَ إنهُ بكُلِّ شَيء مُحِيطٌ) . . أي حافظ له من جميع جهاته. ٥ - الحصر والشمول مثل: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) إذ هو من إحاطة العدو وهو صفة لليوم لا للعذاب، والمراد: محيط بهلاكه وعذابه. ومنه قوله تعالى: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) . . أي أهلك كله. قال الزمخشري: " وأحيط به: عبارة عن إهلاكه وأصله من: أحاط به العدو. لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه. ثم استعمل في كل إهلاك. ومنه قوله تعالى: (إلا أنُ يَحَاطُِ بْكم) .

стр. 815

قلت فيما سبق: " أن بعض هذه المواضع قد يحوى مجازين: لغوياً وعقلياً. وذلك مثل قوله تعالى: (وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) . . فقد أسند اسم الفاعل: " محيط " إلى ضمير اليوم. وفاعل الإحاطة فى الواقع هو الله تعالى، إذن ففى هذا الإسناد مجاز عقلي علاقته الزمانية. وسره البلاغي المبالغة في شدة هوله حتى كأن اليوم نفسه أصبحت له إرادة الهلاك والقصاص العادل منهم. ومنه قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) . * " مواضع الحقيقة والمجاز فيها: ومن هذا كله نستنتج: ١ - إن القرآن لم يستعمل هذه المادة في معانيها الحقيقية اللغوية إلا فى سياق الحديث عن جهنم. فإذا ما خرج الحديث عن جهنم فإن الاستعمال المجازي لازم لها في جميع صورها. ٢ - إن المجاز يغلب على هذه المادة إذ جاء في أربع وعشرين صورة تقدم الحديث عنها. أما الاستعمال الحقيقي فقد اقتصر على مواضع ثلاثة. هي التى تحدثت عن وجهنم وسرادقها. ولذلك يمكن القول بأن مادة " أحاط " في القرآن مادة مجاز. *

стр. 816

* الكافرون والبرق: (يَكَادُ البَرْقُ يَخْطفُ أبْصَارَهُمْ) . تقدم مثلهم بـ " الصيب " الذي فيه ظلمات ورعد وبرق. وكان من أثر الرعد مع الصواعق - المصاحبة له - أن جعلوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوه. وهناك كان البرق بعد الرعد فجاء حديث القرآن هنا عن البرق. وبعد أن بيَّن هناك أثر الرعد. والبرق كان ساطعاً قوياً حال دون أبصارهم ودون الإبصار بها. لأنه طاقة هائلة من الضوء. والضوء إذا كان قوياً لم تستطع معه العين الرؤية. . يحدث هذا لو حلق أحد ببصره نحو قرص الشمس فإنه يكل بصره. ولما كان البرق غير دائم الظهور وإنما هو يلمع ثم يختفي فيعود لامعاً. كان المسند إليه: " يخطف ". مناسباً أيما مناسبة لظهوره السريع واختفائه الأسرع، لأن الخاطف دأبه دائماً أن يقفز فيخطف ثم يسرع مدبراً. ولا خطف هنا على الحقيقة، ولذلك كانت: " يكاد " مفتاح تصور الحَدَث كما هو في الواقع. نافية عنه كل مظنات الغلو البغيض. والتعبير - بعد - من المجاز: إذ هو استعارة تصريحية تبعية شبه فيها أثر البرق على أبصارهم من الضعف والكلال بـ " الخطف ". والجامع ما يترتب على كل من إزالة ما يترتب على الشيء موجوداً. والقرينة استحالة وقوع الخطف من البرق. وإسناد الخطف إلى البرق مجاز عقلي علاقته السببية لأن المزيل الحقيقي لأبصارهم هو " الله " والبرق سبب.

стр. 817

وسره البلاغي في الموضعين: إبراز المعنوي في صورة المحسوس للإيضاح والتقرير. هذا في تشبيه الإزالة بالخطف. . لأن الخطف يفيد نزع الأبصار نفسها من أماكنها وتركها بلا آلة بصر. أما الإزالة فقد يقف معناها عند سلب الأثر وهو الإبصار دون آلته. وفي المجاز العقلي صار البرق عدواً لهذا الفريق. ذا إرادة وتدبير وتربص. . يتحين الفرص ثم يقفز في حركة سريعة وينزع أبصارهم من أماكنها ثم يولى. وأين لهم أن يطلبوه وهم لا يبصرونه ولا يعرفون طريقه. هو في السماء وهم على الأرض! * * منهج القرآن في مادة " خطف ": وقد ذكرت مادة " خطف " في القرآن على سبيل المجاز في الصور الآتية: ١ - (تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) . ٢ - (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) . ٣ - (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) . ٤ - (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) . ٥ - (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) . يقول الراغب في توجيه هذه الاستعمالات: الخطف والاختطات: الاختلاس بالسرعة يقال: خَطفَ - يَخْطِفْ - وخُطِفَ يُخْطفْ.

стр. 818

يعني (وَيُتَخَطَّفُ الناسُ منْ حَوْلهمْ) : أي يُقتلون ويُسلبون. . وعلى هذا فإن المجاز ظاهر فيما عدا: " فتَخَطفه الطير " لأن الاستعمال الحقيقي هنا أقرب إلى التصوير لأن الطير يخطف الهاوي جزءاً جزءاً. وعلى هذا أيضاً يمكن أن نقول: أولاً: إن هذه المادة في القرآن الكريم يغلب عليها جانب المجاز إذ هو ظاهر فى كل أمثلتها - ما عدا موضعاً واحداً - فإن الحمل على المعنى الحقيقي فيه أقرب إلى التصور. ثانياً: إن هذه المادة لم تستعمل فيه إلا في مقام الامتنان. وذلك في موضعين: أحدهما: (تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) . وثانيهما: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) . أو مقام الخوف والهلاك وذلك في بقية مواضعها: (يَكَادُ البَرْقُ يَخْطفُ أبْصَارَهُمْ) . (إن نتبِع الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطفْ مِنْ أرْضِنَا) . (فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ) . (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) . وعلى هذا - أيضاً - يمكن القول بأن هذه المادة في القرآن مادة مجاز. وقد أسند القرآن إلى البرق في هذه الآية فعلين آخرين غير الخطف:

стр. 819

(كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) . والإسناد في كليهما مجازي علاقته السببية. وفي الآية مقابلة بين ثلاث وثلاث: أضاء وأظلم، لهم وعليهم، مشوا وقاموا، لأن المراد ب " قاموا " وقفوا ولم يمشوا لشدة الظلام. * وقد على " أظلم " بـ " عليهم " لأن الإظلام مضر. والإضاءة بـ " لهم " لأنها مفيدة. فقرن كلا منهما بما يناسبه. * * * ذهب وخطف: (وَلوْ شَاءَ اللهُ لذَهَبَ بسَمْعهمْ وَأبْصَارهمْ إن اللهَ عَلى كلً شَىْء قَدِير) . (لذَهَبَ بسَمْعهِمْ) مجاز لغوي حقيقته: لأزال سمعهم وأبصارهم. وسره البلاغي فوقَ إبراز المعقول في صورة المحسوس. لتسجيل الشقاء عليهم واستمرارهم في تلك الخطوب الأليمة. لأن الذهاب هنا فيه معنى الإمساك بالشيء المذهوب به، وفيه معنى المصاحبة على حد قولهم: ذهب السلطان بماله - لأنه أبلغ من أذهب السلطان ماله، ومن: ذهب ماله - لما في الصورة الأولى من الإمساك والاستصحاب وهذا المجاز صنو المجاز السابق: (يَكَادُ البَرْقُ يَخْطفُ أبْصَارَهُمْ) . . ولكننا إذا قارنا بينهما ظهرت لنا دقة التعبير فى القرآن الكريم عجيبة عاجبة: فى جانب " البرق " كان اللفظ المستعار (الخطف) المفهوم من الفعل " يخطف "، وفي جانب " الله " كان المستعار " الذهاب " المفهوم من الفعل " لذهب " والسر في اختلاف لفظي المستعار عجيب.

стр. 820

لأن مفهوم الخطف أن يكون هناك تربص وترقب للفرصة. فإذا ما سنحت كانت الحركة السريعة في الانقضاض للخطف. ولا بدَّ للخاطف من التولي السريع ناجياً بنفسه وبما خطف. والخاطف خائف وجل. أما الذهاب في: " لذهب " فلا يقتضي شيئاً من ذلك، فالآخذ الذاهب قد يكون أخذه على سبيل القوة والاستعلاء - كما هنا - فلا تربص ولا ترقب، ولا تَحين فرصة ولا انقضاض ولا فرار خشية اللحاق ولا طلب يُتوقع من المأخوذ منه لأن الآخذ قادر قوى. والمأخوذ منه عاجزٌ ضعيف، ولأنه لا حَول له ولا قوة يعصمانه من حَولِ وقوة الله. لهذه الاعتبارات - والله أعلم - كان اختلاف لفظي المجاز كل واقع موقعه لا نابٍ ولا مستكره ولا وقوع في مخالفة حس أو شرع. وهذه خاصة من خصائص التعبير القرآني. تنتظم الأسلوب كله من " الحمد " فى افتتاح فاتحة الكتاب. . . إلى " الناس " في اختتام خاتمته. * * *

стр. 821

الفصل الثالث ٢ - المجاز القرآني دراسة تحليلية حول نص مختار من سورة الأعراف قال الله تعالى يحكى طرفاً من قصة موسى ﵇: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) .

стр. 822

* موضوع هذه الآيات: حكت هذه الآيات طرفاً من قصة موسى ﵇. وهو طرف مثير من تلك القصة وقد اشتملت هذه الآيات على صور شتى من المجاز والمعاني والبديعِ. إذ هي نص محكم متماسك يطالعك بمطلع مثير: (وَلمَا سَكَتَ عَن مُوسَى الغَضَبُ) فقد أسند السكوت إلى الغضب، وصار الغضب فاعلاً للسكوت. وهذا العمل يدعو إلى التأمل والتفكير. فليس الغضب ممن يتكلم حتى يُسند إليه السكوت. وليس السكوت من الأحداث التي تثبت للغضب أو تنفى عنه. الغضب عن ذلك بمعزل. * * مجاز على وجوه ثلاثة: إذن فإن في التعبير تجوزاً. وهو محتمل لثلاثة وجوه: أ - أن يكون استعارة تصريحية تبعية. بأن يشبه زوال الغضب. ب " السكوت " بجامع انعدام الأثر في كل. والقرينة - إذن - هى إسناد السكوت إلى الغضب. ٢ - أن يكون استعارة بالكناية. ووجهه أن تشبه الغضب بإنسان ثائر يقذف الحمم من لسانه ويضرب ويبطش ويصول ويجول. ثم تحذف المشبه به. وترمز له بشيء من خواصه وهو - هنا - السكوت. وإلى هذا الرأي يميل الزمخشري فيقول: " كأن الغضب كان يغريه على ما فعل. ويقول له: قل لقومك كذا. وألق الألواح وجر برأس أخيك إليك. وتُرِك النطق بذلك. وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذى طبع سليم. وذوق صحيح إلا لذلك ولأنه من قبيل شعب البلاغة ".

стр. 823

ويميل إليه العلامة أبو السعود فيقول: " وفي هذا النظم الكريم من المبالغة والبلاغة بتنزيل الغضب الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول منزل الآمر بذلك المغري، ثم استعير التركيب الدال على المشبَّه به للمشبه وفى التعبير عن سكونه بالسكوت ما لا يخفى ". ويذهب الإمام النسفي مذهبهما فيقول موجزاً: ولما كان الغضب لشدته كأنه هو الآمر لموسى بما فعل قيل: (وَلمَا سَكَتَ عَن مُوسَى الغَضَبُ) . ٣ - أن تكون استعارة تمثيلية بأن تشبه الهيئة الناشئة عن الغضب بهيئة إغراء مغر. فإذا انقطع عنه الإغراء سكن المغري ثم استعير التركيب الدال على المشبَّه به وهو " سكت " للمشبه. هذه توجيهات ثلاثة لتحديد نوع المجاز في الآية. والواقع أن روعة التعبير فيها لا تتوقف على معرفة ما هو نوع مجازها. والذي أميل إليه ما اختاره المفسرون من حمل المجاز على الاستعارة المكنية لأن الغرض وصف الغضب بأنه كان حاداً قد بلغ مداه من نفس موسى ﵇، حتى أصبح هو الذي يقول ويفعل، وهذا لا يتأتي على أكمل وجه إلا في الاستعارة المكنية. وبهذا يبدو ذوق المفسرين وكونهم أقرب إلى طببعة الأسلوب القرآني وجزالته. وفي قوله تعالى: (وَفى نُسْخَتهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ) مجاز مرسل علاقته اعتبار ما سيكون لأن الوصاَيا التي فيها إذا تمسك به قوم موسى هدتهم إلى الحق. وجعلتهم أهلاً لأن يرحمهم الله. والقرينة اعتبار أن يكون الهدى والرحمة ملتبسين بالنسخة تلبساً حقيقياً وقائمين بها. أو العلاقة اللزومية. . لأن مَن يتمسك بتلك الوصايا لزم أن يكون مهتدياً مرحوماً. * *

стр. 824

* بنو إسرائيل والرجفة: (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) . " الرجفة " من الرجف، والرجيف: هو شدة الحركة والاضطراب. ويقال: بحر رجاف. والإرجاف: إيقاع الرجفة إما بالفعل وإما بالقول. والمقصود بها في الآية حركة الجبل الشديد، واضطرابه وعليه المختارون من قوم موسى. والمراد معنى الأخذ المجازي الذي هو: الهلاك والموت. يقال: أخذته الحمى - إذا أماتته. وفاعل الأخذ بالمعنى الحقيقي الذى شرحناه هو الله تعالى. وإسناده إلى الرجفة مجاز عقلي علاقته السببية. والقرينة استحالة وقوع الهلاك من الرجفة بغير إذن الله وإرادته وقدرته. وسره البلاغي هو المبالغة في تصوير الهلاك حتى صارت الرجفة عدواً لهؤلاء الناس فصرعتهم لا كفروا. وفي إطلاق الأخذ على الهلاك مجاز لغوي على طريق الاستعارة التصريحية التبعية والجامع ما يترتب على كل من اختفاء الميت والمأخوذ. والقرينة استحالة أن تأخذهم الرجفة أخذاً. كلما يأخذ صاحب المتاع متاعه. واجتماع المجازين في هذه العبارة شبيهه من كلامهم قول الشاعر: وَتُحْيى لهُ المالَ الصوارمُ والقَنَا. . . وَيَقْتُلُ مَا تُحْيِى التبَسُمُ والجَدَا حيث استعار الإحياء والقتل لجمع المال وتفريقه. وأسند كلا من " تحيى " و " يقتل " إلى غير ما هو له. وهو " الصوارم " في الأول. و " التبسم " فى الثاني. وسره البلاغي المبالغة في تصوير المعنى. والبيت كناية عن الشجاعة والكرم أو استعارة تمثيلية وهو الأظهر. *

стр. 825

* الحقيقة والمجاز في مادة " أخذ ": ومادة " أخذ " في القرآن استعملت في المعنيين - الحقيقي والمجازي - والمعنى المجازي لها فيه عدة صور: ١ - فأحياناً يأتي بمعنى الهلاك والدمار. ويغلب في هذا النوع أن يكون إسنادها إلى الله تعالى. أو إلى ظواهر طبيعية كالرجفة والصيحة والصاعقة والطوفان. والإسناد إلى الله حقيقي بداهة. أما الإسناد إلى الظواهر الطبيعية فعلي طريق المجاز العقلي. وعلاقته - دائماً - السببية. . ومن أمثلة هذا النوع: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) . (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) . (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) . (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧) . (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) . ٢ - وأحياناً يكون بمعنى الابتلاء والاختبار. والإسناد في هذا النوع لا يكون إلا لله ومن أمثلته: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) .

стр. 826

(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) . (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) . ولعل معنى الابتلاء والاختبار واضح في هذه الآيات الثلاث. ٣ - وأحياناً يكون بمعنى العقاب والمجازاة. ومن أمثلته: (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) . (قَالَ مَعَاذَ اللهِ أن نَأخُذَ إلا مَن وَجَدنا مَتَاعَنَا عندَهُ) . (مَا كَانَ لِيَأخُذَ أخَاهُ فِى ديِنِ الملِكِ) . وإنما كان الأخذ هنا بمعنى العقاب - أعنى آيتى يوسف - لما ذكره الزمخشري من أن السارق في شريعة يعقوب يغرم مثل ما أخذ وإلا استُرِقَّ سنة. ولهذا كان حمل الأخذ على معنى العقاب أظهر وأولى. بل على معنى الاسترتاق. ٤ - ومرة يكون بمعنى الهيمنة والسلطان. وذلك مثل قوله تعالى: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) . ٥ - وأخرى تكون بمعنى الإمساك. ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) (يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) .

стр. 827

٦ - وحيناً بمعنى التقبل. ومثاله: (هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) . ٧ - وآخر بمعنى الغلبة ومثاله: (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) . . لأن الذي ينام يغلبه النوم فيمتثل له. والله سبحانه منزه عن هذا. ٨ - وبمعنى الإعداد. ومثاله قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ) . ٩ - وتأتي كذلك بمعنى التوثق والعهد. ومن أمثلته: (وَإذْ أُخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ) . (وَإذْ أُخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النبيِينَ لمَا آتَيْتُكُم مًن كِتَابٍ وَحِكْمَة) . (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) . ١٠ - وتأتي بمعنى اللبس والتزين. ومن أمثلته: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) . (يَا بَنِى آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلً مَسْجِدٍ) . ١١ - وتأتي معنى الاستحضار والاستصحاب، ومن أمثلته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ) .

стр. 828

(وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) . (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) . ١٢ - وتأتي بمعنى العمل. ومن أمثلته قوله تعالى: (وَأمُر قَوْمَكَ يَأخُذُواْ بِأحْسَنِهَا) . (وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ) . ١٣ - وتأتى بمعنى التخلق والانتهاج. ومن أمثلته: (خُذِ العَفوَ) . (آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) . ١٤ - وبمعنى الإزالة والإذهاب. مثل قوله تعالى: (قُلْ أرَأيْتُم إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأبْصَاكم) . * * صيغ مادة " أخذ ": والحق أن هذه المادة وردت كثيراً في القرآن في صورة الثلاثى المجرد: " أخذ " أو " يأخذ " أو " خذ "، وفي صورة اسم الفاعل منها " آخذ " وهما الصورتان اللتان عرضت بعض أمثلتهما مما وردت فيه مجازاً. . وقد وردت كذلك في صورتين أخريين هما: إحداهما: أن تدخل عليها تاء الافتعال " اتخذ " أو " يتخذ " أو "متخذ " وهي هنا تفيد الجعل مع اختصاص المتخذ بالولاء. أو الاستئثار به. مثال الأول

стр. 829

قوله تعالى: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) . ومثال الثاني قوله تعالى حكاية عن زعم الكفار: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) . وقوله تعالى: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) . وقوله تعالى في التسامي بغريزة الجنس: (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) . وثانيتهما: أن يزاد ألف في أولها وتصبح حينئذ رباعية مختصة بالمجازاة والعقاب. مثل قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) . وقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . * * نتائج مهمة: . إن الدارس لمادة " أخذ " في القرآن يخرج بالنتائج الآتية: أولاً: أنها تستعمل ثلاثية في المعنى الحقيقي والمجازي. والاستعمال المجازي فيها أكثر وروداً. وهي في هذه الحالة تقع مجازاً عن معان كثيرة قد أحصينا منها خمس عشرة حالة تردد بين المجاز المفرد هو الغالب عليها. وبين المجاز المركب. . مثل قوله تعالى: (لأخَدنا منْهُ باليَمين) لأنه تمثيل لقدرة الله

стр. 830

ومثل: (حَتى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وازينَتْ) . ثانياً: إذا لم تكن ثلاثية مجردة - بأن زيدت الألف في أولها، أو دخل عليها تاء الافتعال - فإن المعنى يصبح مع الأول محصوراً في المجازاة والعاقبة سواء أكانت اسماً أم فعلاً، والمعنى مع الثانية يصبح محصوراً في الجعل مع إضافة هذا الجعل إلى نفس المتخذ بأن يخص هو الشيء المتخذ بالولاء. أو الاستئثار به. ولا يخلو الاستعمال في الصورتين من المجاز. لأن أصل المادة موضوعة لتناول الشيء المأخوذ أخذاً حسياً. والمجاز في الأولى مرسل علاقته الإطلاق والتقييد. فيقال: آخذه - بمعنى لامه أو عاقبه، وسره البلاغي ما يُشعر به أصل الفعل من التناول والإمساك. والمجاز في الثانية تمثيلي مركب وسره البلاغي ما يشعر به أصل الفعل من تعظيم الشيء المأخوذ ومنزلته عند الآخذ. ثالثاً: وبعد هذا يمكن القول بأن هذه المادة - في القرآن الكريم - مادة مجاز وإن كان المجاز في بعض صورها لا يكاد يظهر لشيوع استعمال المعنى المجازي حتى صار كالحقيقة. * * الإسناد المجازي لمادة " رجف ": أما مادة " رجف " فقد أسند الله إليها أحداثاً غير ما تقدم. وذلك فى ثلاثة مواضع هي: ١ - (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) .

стр. 831

٢ - (فَأخَذَتْهُمُ الرجفَةُ) . ٣ - (فَأخَذَتْهُمُ الرجفَةُ) . وفي إسناد الأخذ إلى الرجفة تهويل لما أنزله بالكافرين. ومبالغة في تصوير المعنى لا يخفى أثرها. * * * الدعاء: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) . دعاء وتضرع من موسى ﵇. وتوبة وإنابة إلى الله ورغبة قوية فى توفيقه، والمراد بالكتابة: التقدير والإثبات. فمعنى " اكتب ": قَدِّر وأثبت واقسم لنا هذه الأشياء. فالتعبير عن التقدير والقسم بالكتابة مجاز لغوي على طريق الاستعارة التصريحية التبعية شبه فيها القسم - وهو معنوي - بالكتابة، وهي أمر حسي، والجامع التوثق في كل والعلاقة امتناع أن تكتب الحسنة. واستعمال " كتب " في الدعاء مجاز مرسل علاقته الإطلاق والتقييد. حيث أطلق الأمر وأراد به الدعاء. والقرينة امتناع أن يأمر الله آمر. * * مادة " كتب " في القرآن: وقد استخدم القرآن مادة " كتب " كثيراً ويغلب المجاز على استعمالها فيه إذا كانت فعلاً. وقد استخدمها مجازاً في أغراض شتى. نذكر منها ما يلي:

стр. 832

١ - بمعنى الفرض. . ومنه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . ٢ - وبمعنى الحلال. . ومنه قوله تعالى: (فَالآنَ بَاشرُوهُن وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لكُمْ) . ٣ - وبمعنى التثبيت. . ومنه قوله تعالى: (أُوْلئكَ كَتَبَ فِى قُلوبِهمُ الإيمَانَ) . ٤ - وبمعنى التقدير. . ومنه قوله تعالى: (قُل لَن يُصيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللهُ لنَا) . ٥ - وبمعنى الجعل. . ومنه قوله تعالى: (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) . ٦ - وبمعنى التخصيص. . ومنه قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) . ٧ - وبمعنى التملى. . ومنه قوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) . ٨ - وبمعنى الإحصاء. . كقوله تعالى: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) . *

стр. 833

* ملاحظات مهمة: ويلاحَظ - هنا - أن المجاز مقصور على استعمالها فعلاً. أما إذا استعملت صفة فإنها لا تخرج عن المعنى الوضعي. ومن ذلك قوله تعالى: (كِرَاماً كاتِبِينَ) . وقوله: (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ) . ويلاحَظ - كذلك - أن استعمالها فعلاً ليس دائماً بمعنى المجاز. بل قد تأتى فى المعاني الوضعية كالآية المتقدمة، وكقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) . ويلاحظ - كذلك - أن المجاز فيها متردد بين الاستعارة والمجاز المرسل، وقد بينا وجه الاستعارة في صدر هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها. . أما المجاز المرسل فظاهر في قوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) . وقد قلنا: إن معنى المجاز هنا هو التملى - حسب زعمهم - والتملى صائر إلى الكتابة فعلاقته اعتبار ما سيكون، والقرينة امتناع إيقاع الكتابة دون مصدر يمد بما سموه: أساطير الأولين. * * التوبة والرجوع الحسي: و (هُدنا إليْكَ) : أي تبنا. من هاد يهود - إذا رجع. أو هاد يهيد. والمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها نحوك، ويجوز على ما ذكره الزمخشري أن يكون الفعل مبنياً للمفعول. . أي: حركت إليك أنفسنا وأميلت.

стр. 834

وفى التعبير عن التوبة بالرجوع الذي هو عدول السائر عن وجهة كان يريدها إلى أخرى عرضت له مجاز يجوز حمله على وجهين: الأول: أن يكون تمثيلاً شبهت فيه هيئة التائب - وهي أمر معنوي - بهيئة الراجع، وهي أمر حسي. وسره التقرير والإيضاح. والجامع بين الأمرين رجوع التائب عن المعاصي والإقبال على الطاعات ورجوع السائر عن وجهته إلى أخرى. فالعدول هو الأمر الجامع بين الأمرين. والقرينة استحالة الرجوع المحسوس إلى الله. لأنه غير حال في مكان دون آخر يرجع إليه فيه. الثاني: أن يكون استعارة مفردة شبهت فيه التوبة بالرجوع - مطلق رجوع - والجامع والقرينة كما سبق، فهى استعارة تصريحية أصلية. * * * التعميم والتخصيص في الرحمة: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) . رحمة الله: نعمه وألطافه. والرحمة في الأصل: الشفقة والحنان. مشتقة من " الرحم " الذي هو موضع نمو الجنين لا يلقاه فيه من أسباب الراحة ووجوه الإنعام. ويراد بها في جانب الله لازمها. وهو ما يترتب عليها من الإكرام والتنعيم والإلطاف. ولما كانت الرحمة هيئة من هيئات النفس وشعوراً وجدانياً. . فإن وصفها بالوسع ضرب من المجاز ومعنى: " أن رحمة الله وسعت كل شيء " أن من شأنها أن تشمل جميع الموجودات لكثرتها وسعة فضلها.

стр. 835

وعلى هذا فالمجاز فيها محتمل لوجهين: الأول: أن تكون استعارة تمثيلية شبهت فيها هيئة الرحمة وما يمكن أن تظله فيها من المخلوقات بشيء محيط متسع ذى طاقة هائلة من الوسع. فالهيئة الأولى تخيلية والهيئة الثانية واقعية حسية. . وسره البلاغي إبراز المتخيل المعنوي في صورة الواقع الحسي. . والقرينة امتناع أن تتصف الرحمة بالوسع لأنها ليست ذات مساحة. . فتخيل إسناد الوسع إلى الرحمة هو قرينة المجاز. الثاني: أن تكون استعارة بالكناية. شبهت فيها الرحمة بشيء ذى وسع ثم حذف المشبه به ورُمِزَ له بخاصة من خواصه وهي " الوسع " ومعنى التمثيل فيها أظهر. والمعنى لا يتغير بتغيير التوجيه الاصطلاحي. فرحمة الله غير متناهية تكفي أهل السموات والأرض وما بينهما. وتزيد لتشمل كل شيء حتى الجمادات. وقد استعمل القرآن هذه المادة " وسع " تمثيلاً لبيان مقدار الرحمة أو العلم فى المواضع الآتية: أولاً - في جانب الرحمة: ١ - (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) . ٢ - (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) . ٣ - (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا) . ٤ - (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) . وقد قامت المغفرة في هذا المثال مقام الرحمة، لأن المغفرة جزء من الرحمة في معناها الشامل.

стр. 836

ثانياً - في جانب العلم: أ - (وَسِعَ كُرْسِثهُ السماوات والأرْضَ) (١) . ٢ - (وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) . ٣ - (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) . ٤ - (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) . ٥ - (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا) . وهذا الموضع مشترك بين العلم والرحمة. ولذلك أثبتناه في جانب الرحمة باعتبار. . وفي جانب العلم باعتبار. ومن النظر الفاحص في هذه النصوص يتضح أن كلاً من رحمة الله وعلمه يتخذ القرآن الكريم منهجاً واحداً للكشف عنهما وبيان مقدارهما فهما محيطان كل في موضوعة إحاطة شاملة تكاد تدرك بالحواس لشدة ظهور آثارها الدالة عليها. * * " واسع ". . وصفاً لله سبحانه: وجاءت هذه المادة على صورة اسم الفاعل وصفاً للهِ على سبيل المجاز كذلك متلوة بلفظ الحكمة مرة وبلفظ العلم سبع مرات. وهذه مواضعها على الترتيب: ١ - (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) .

стр. 837

٢ - (واللهُ يُؤْتِى مُلكَهُ مَن يَشَاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) . ٣ - (واللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) . ٤ - (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) . ٥ - (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) . ٦ - (ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) . ٧ - (إن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْله واللهُ واسِعٌ عَلِيمَ) . ٨ - (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) . * * مسوغات الوصف: تلك هي مواضع استعمال هذه المادة وصفا لله سبحانه على التمثيل المجازي وقد حرص القرآن الكريم على أن يقرن إلى وصف الله بهذه الصفة: " واسع " كلمات وأوصافاً أخرى تمهد لهذا الوصف المجازي وتشير إلى جهة مسوغ هذا الوصف. وهذا المسوغ نوعان: ١ - وصف يُذكر بعده - أي بعد الوصف المجازي - وكاد ينحصر هذا الوصف في " عليم " إلا في موضع واحد كان هذا الوصف " حكيماً ". ولا شك أن العلم يوصف بالسعة وكذلك الحكمة لأنها بمعناه.

стр. 838

٢ - كلمات تتقدم عليه وكادت تنحصر هذه الكلمات في الفضل. والفضل يوصف بالسعة فإن لم تكن " الفضل " فهى السعة والمغفرة والحكمة والمضاعفة. هذه المعاني متقدمة أو متأخرة مهَّدت لوصف الله بالوسع. فلم يكن هذا الوصف مستغرياً أو نابياً وإن كان يستخدم في وصف المساحات. وشتان ما بين المساحات وبين اسم " الجلالة " الموصوف في هذه الآيات. * * وصورتان أخريان: هذا وقد بقى من معانيها المجازية في القرآن الكريم - أو معان كالمجازية لأن أصلها المجاز وقد شاع استعمالها حتى أصبحت كالحقيقة اللغوية فيما استعملت فيه من هذا النوع - بقى صورتان. إحداهما بمعنى الطاقة، والثانية بمعنى الفضل والسعة في الرزق. واستعمالها في المعنى الأول: " الطاقة " جاء في خمس آيات هي: ١ - (لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) . ٢ - (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) . ٣ - (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا) . ٤ - (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) . ٥ - (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) .

стр. 839

وإنما كانت كانت هنا بمعنى الطاقة لأنها وقعت في حَيز التكليف. والتكليف منوط بما كان في قُدرة الإنسان وطاقته. وفي تشبيه الطاقة بالوسع تصوير أيضاً للمعنوي بالمحسوس والمجاز فيها يصح حمله على المركب والمفرد. أما استعمالها في الفضل وسعة الرزق فتلك هي مواضعه وهي خمسة أيضاً: ١ - (وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) . ٢ - (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) . ٣ - (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) . ٤ - (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) . ٥ - (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) . تدل الكلمة في هذه المواضع الخمسة على الفضل والتوسعة في الرزق، ويؤيد هذا عطف السعة على الفضل في الآية وهو عطف تفسير. والفضل إنما يوصف بالقِلة والكثرة، أما وصفه بالضيق والوسع فعلي طريق المجاز لا غير. * * الوسع وصفاً للأرض: ولهذا لم تأت الكلمة في القرآن - أي كلمة وسع - في المعنى الحقيقي إلا وصفاً للأرض في قوله تعالى: ١ - (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) .

стр. 840

٢ - (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ) . ٣ - (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ) . فإجراء - الوسع - في الآيات الثلاث وصفاً للأرض جار مجرى الحقيقة اللغوية لأن الوسع أصيل في الأرض. * * موضع آخر بين الحقيقة والمجاز: وبقى مثال واحد لاستعمال هذه المادة في القرآن الكريم يتجاذبه جانبا حقيقة ومجاز. وهو قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) . قال في مختار الصحاح: " أي أغنياء قادرون، ويقال: أوسع الله عليك - أى أغناك ". وعلى هذا التفسير فإن جانب المجاز ظاهر في الآية. ويمكن حمل العبارة على معنى الوسع الحقيقي - أي موسعون في البناء - وهو الأفضل لما هو واقع مشاهَد. وهذا هو جانب الحقيقة في التعبير. * * حصيلة هذه الجولة: إذا تقرر هذا فإن النتائج التي يمكن تسجيلها حول استعمال القرآن لهذه المادة تتلخص فيما يأتي: أولاً: أن الاستعمال المجازي غالب عليها. أما الاستعمال في المعنى الحقيقي فحظه فيها قليل لم يأت إلا في ثلاث آيات كانت في سياق الحديث عن الأرض.

стр. 841

وموضح رابع يتردد التعبير فيه بين الحقيقة والمجاز. ثانياً: يمكن أن يطلق على هذه المادة بأنها في القرآن مادة مجاز وأن المجاز ظاهر في بعض مواضعها. ويحتاج إلى روية في البعض الآخر. * * * مادة " تبع في القرآن ": (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) . . فى هذه الآية شروع في بيان صفات أخرى لمستحقي رحمة الله. وأول هذه الأوصاف إتباع الرسول ﷺ . و" تبعه " في اللغة: سار خلفه أو مَرَّ به فمضى معه. وكذا " أتبعه ". والمعنى اللغوي ليس مقصوداً للآية بل المراد العمل بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام والاقتداء به في قوله وفعله. وإنما عبَّر عنه بالاتباع لتصوير المعقول بالمحسوس لأن النفس حين تتأمل هذه الصورة ترى أن التابع ملازم للمتبوع متحر للسير معه في نفس الاتجاه الذى يبغيه. كما يدرك أن المتبوع رائد يسير أمام جنوده يسلك بهم أحسن الطرق إلى أشرف الغايات. وقد جاءت هذه المادة في القرآن الكريم - مادة تبع - فيما يزيد عن مائة وخمسين آية، وكثرة ورودها لا تحول دون أن نقف معها وقفة تكشف لنا عن منهج القرآن في استعمالها. وليكن ذلك مع بعض أمثلتها لا على سبيل الاستقصاء. والباحث يرى استعمالات القرآن لها تجرى على المنهج التالى:

стр. 842

أولاً - في مقام المدح: ١ - (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) . ٢ - (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) . ٣ - (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) . ٤ - (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) . ٥ - (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) . ٦ - (ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتبِعْهَا) . ثانياً - في مواطن الذم: ١ - (قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) . ٢ - (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) . ٣ - (وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلنَا قَلبَهُ عَن ذكرِنَا واتبَعَ هَواهُ) . ٤ - (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. ٥ - (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) .

стр. 843

٦ - (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) . ٧ - (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) . * * وقفة مع هذه المادة: هذه النصوص المختارة في الموضعين. . استعملت فيها المادة " تبع " استعمالاً مجازياً. ويختلف تقدير المجاز باختلاف الاعتبارات. فمثلاً قوله تعالى: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) يمكن حمله على الاستعارة التصريحية التبعية حيث شبَّه الامتثال والانقياد لما جاء به الوحي بالسير المعلوم. ويجوز حمله على الاستعارة بالكناية. بأن يُشبِّه الهدى برائد يتقدم الركْب على غاية شريفة. ثم حذف ورمز له بالاتباع. ويمكن حمله على المجاز التمثيلي بأن تشبه هيئة المؤمنين في اقتدائهم بالرسول ﵇ من امتثال الأمر واجتناب النهي بهيئة ركب يسيرون وراء هاد لهم. ناصح أمين. وهذا التوجيه صالح لتطبيقه على الآية الثالثة والآية الرابعة والآية السادسة من الطائفة الثانية. . وموطن المجاز فيها: (وَاتبَعَ هَواهُ) عبارة مشتركة بين الثالثة والرابعة. (واتبَعُواْ الشهَواتِ) وهي عبارة الآية السادسة.

стр. 844

فالهوى والشهوات صنوان، ومَنْ يتبعهما واقع في أسرهما. يصرفانه كيف يشاءان. لذلك فإن حمل المجاز في هذه المواضع على المفرد بنوعيه - التصريحية والمكنية - أو التمثيلي منه رأي سديد. * ملاحظات مهمة: وهنا ملاحظات هامة تبدو أمام النظر: أولاً: أن الاستعمال المجازي يغلب على هذه المادة حتى لا تكاد تجد من بينها ما استعملت فيه في معناها الوضعي إلا نادراً. وأن المجاز فيها يتردد بين المفرد والمركب. ثانياً: إذا كان متعلق المادة أمراً محموداً استعملت حينئذ في مقام المدح إخباراً عن المؤمنين. أو خطاباً لهم. أو في سياق الحديث عما ينبغي أن يكون. وفي هذا المقام لا تجيء إلا مثبتة. أما في سياق الحديث عن العصاة والكافرين. فإنها لا تجيء إلا منفية ما دام متعلقها أمراً محموداً. تحقيقاً لذمهم لما هم عليه من ضلال وكفر. ثالثاً: إذا كان متعلقها أمراً مذموماً. فإن كان سياق الحديث عن المؤمنين فإنها تجيء منفية. حفاظاً على صفة الكرامة والنزاهة لهم. وإن كان في سياق الحديث عن العصاة والكافرين. فبقاؤها على الإثبات أمر مطرد. تحقيقاً لصفة الذم والتحقير. رابعاً: وإذا كانت مخاطبة بين الكافرين فيما بينهم بعضهم لبعض. أو فيما بينهم وبين المؤمنين. فالحال مختلف تبعاً لاختلاف معايير الفضيلة عندهم. وهي تجرى على النحو الآتى:

стр. 845

١ - إذ خوطبوا ليتبعوا ما أنزل الله من البينات والهدى تمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم من عقائد ضالة ونحل فاسدة قائلين: (بَلْ نَتبِعُ مَا ألفَيْنَا عَليْهِ آباءَنَا) . ٢ - وإذا تدارسوا الموضع فيما بينهم بُغية الوصول إلى موقف يتخذونه قالوا: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) . أو قالوا: (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) . ٣ - وإذا خاطبوا الرسل أو أشياعهم المؤمنين قالوا: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) . أو قالوا: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) . ٤ - وإذا مثلوا أمام ربهم لم يستطيعوا تمويه وجه الحقيقة تمنوا لو تعاد لهم الكرة فيؤمنوا ويتبعوا الرسل قائلين: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) . فهنا - كما قلنا - معايير للفضيلة مختلفة. ولذلك إذا أرادوا إثباتها لأنفسهم جاءت الكلمة مثبتة. والغرض من إثباتها حينئذ إثبات الفضيلة - حسب زعمهم - إلى أنفسهم. أما حين يخاطبون المؤمنين فإثبات هذه الكلمة دليل الذم - في نظرهم - فهم مثلاً لا يتبعون الهدى لأنهم لو اتبعوه شردوا في الأرض. ومزقوا كل ممزق، فالعزة عندهم في البقاء على الضلال. والهوان في الدخول في الدين وإتباع تعاليمه. ألا ساء ما يحكمون.
следующие страницы →