← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وموضح رابع يتردد التعبير فيه بين الحقيقة والمجاز. ثانياً: يمكن أن يطلق على هذه المادة بأنها في القرآن مادة مجاز وأن المجاز ظاهر في بعض مواضعها. ويحتاج إلى روية في البعض الآخر. * * * مادة " تبع في القرآن ": (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) . . فى هذه الآية شروع في بيان صفات أخرى لمستحقي رحمة الله. وأول هذه الأوصاف إتباع الرسول ﷺ . و" تبعه " في اللغة: سار خلفه أو مَرَّ به فمضى معه. وكذا " أتبعه ". والمعنى اللغوي ليس مقصوداً للآية بل المراد العمل بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام والاقتداء به في قوله وفعله. وإنما عبَّر عنه بالاتباع لتصوير المعقول بالمحسوس لأن النفس حين تتأمل هذه الصورة ترى أن التابع ملازم للمتبوع متحر للسير معه في نفس الاتجاه الذى يبغيه. كما يدرك أن المتبوع رائد يسير أمام جنوده يسلك بهم أحسن الطرق إلى أشرف الغايات. وقد جاءت هذه المادة في القرآن الكريم - مادة تبع - فيما يزيد عن مائة وخمسين آية، وكثرة ورودها لا تحول دون أن نقف معها وقفة تكشف لنا عن منهج القرآن في استعمالها. وليكن ذلك مع بعض أمثلتها لا على سبيل الاستقصاء. والباحث يرى استعمالات القرآن لها تجرى على المنهج التالى:

стр. 842

أولاً - في مقام المدح: ١ - (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) . ٢ - (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ) . ٣ - (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) . ٤ - (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) . ٥ - (وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) . ٦ - (ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتبِعْهَا) . ثانياً - في مواطن الذم: ١ - (قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) . ٢ - (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) . ٣ - (وَلا تُطِعْ مَنْ أغْفَلنَا قَلبَهُ عَن ذكرِنَا واتبَعَ هَواهُ) . ٤ - (فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. ٥ - (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) .

стр. 843

٦ - (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) . ٧ - (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) . * * وقفة مع هذه المادة: هذه النصوص المختارة في الموضعين. . استعملت فيها المادة " تبع " استعمالاً مجازياً. ويختلف تقدير المجاز باختلاف الاعتبارات. فمثلاً قوله تعالى: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) يمكن حمله على الاستعارة التصريحية التبعية حيث شبَّه الامتثال والانقياد لما جاء به الوحي بالسير المعلوم. ويجوز حمله على الاستعارة بالكناية. بأن يُشبِّه الهدى برائد يتقدم الركْب على غاية شريفة. ثم حذف ورمز له بالاتباع. ويمكن حمله على المجاز التمثيلي بأن تشبه هيئة المؤمنين في اقتدائهم بالرسول ﵇ من امتثال الأمر واجتناب النهي بهيئة ركب يسيرون وراء هاد لهم. ناصح أمين. وهذا التوجيه صالح لتطبيقه على الآية الثالثة والآية الرابعة والآية السادسة من الطائفة الثانية. . وموطن المجاز فيها: (وَاتبَعَ هَواهُ) عبارة مشتركة بين الثالثة والرابعة. (واتبَعُواْ الشهَواتِ) وهي عبارة الآية السادسة.

стр. 844

فالهوى والشهوات صنوان، ومَنْ يتبعهما واقع في أسرهما. يصرفانه كيف يشاءان. لذلك فإن حمل المجاز في هذه المواضع على المفرد بنوعيه - التصريحية والمكنية - أو التمثيلي منه رأي سديد. * ملاحظات مهمة: وهنا ملاحظات هامة تبدو أمام النظر: أولاً: أن الاستعمال المجازي يغلب على هذه المادة حتى لا تكاد تجد من بينها ما استعملت فيه في معناها الوضعي إلا نادراً. وأن المجاز فيها يتردد بين المفرد والمركب. ثانياً: إذا كان متعلق المادة أمراً محموداً استعملت حينئذ في مقام المدح إخباراً عن المؤمنين. أو خطاباً لهم. أو في سياق الحديث عما ينبغي أن يكون. وفي هذا المقام لا تجيء إلا مثبتة. أما في سياق الحديث عن العصاة والكافرين. فإنها لا تجيء إلا منفية ما دام متعلقها أمراً محموداً. تحقيقاً لذمهم لما هم عليه من ضلال وكفر. ثالثاً: إذا كان متعلقها أمراً مذموماً. فإن كان سياق الحديث عن المؤمنين فإنها تجيء منفية. حفاظاً على صفة الكرامة والنزاهة لهم. وإن كان في سياق الحديث عن العصاة والكافرين. فبقاؤها على الإثبات أمر مطرد. تحقيقاً لصفة الذم والتحقير. رابعاً: وإذا كانت مخاطبة بين الكافرين فيما بينهم بعضهم لبعض. أو فيما بينهم وبين المؤمنين. فالحال مختلف تبعاً لاختلاف معايير الفضيلة عندهم. وهي تجرى على النحو الآتى:

стр. 845

١ - إذ خوطبوا ليتبعوا ما أنزل الله من البينات والهدى تمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم من عقائد ضالة ونحل فاسدة قائلين: (بَلْ نَتبِعُ مَا ألفَيْنَا عَليْهِ آباءَنَا) . ٢ - وإذا تدارسوا الموضع فيما بينهم بُغية الوصول إلى موقف يتخذونه قالوا: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) . أو قالوا: (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) . ٣ - وإذا خاطبوا الرسل أو أشياعهم المؤمنين قالوا: (إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) . أو قالوا: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) . ٤ - وإذا مثلوا أمام ربهم لم يستطيعوا تمويه وجه الحقيقة تمنوا لو تعاد لهم الكرة فيؤمنوا ويتبعوا الرسل قائلين: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) . فهنا - كما قلنا - معايير للفضيلة مختلفة. ولذلك إذا أرادوا إثباتها لأنفسهم جاءت الكلمة مثبتة. والغرض من إثباتها حينئذ إثبات الفضيلة - حسب زعمهم - إلى أنفسهم. أما حين يخاطبون المؤمنين فإثبات هذه الكلمة دليل الذم - في نظرهم - فهم مثلاً لا يتبعون الهدى لأنهم لو اتبعوه شردوا في الأرض. ومزقوا كل ممزق، فالعزة عندهم في البقاء على الضلال. والهوان في الدخول في الدين وإتباع تعاليمه. ألا ساء ما يحكمون.

стр. 846

وهم لا يتبعون الرسول، لأنه - عندهم - رجل مسحور. أو لأن الذين اتبعوه من الناس ما هم إلا أراذلهم وضعفاؤهم. ولا يفيقون من سكرتهم إلا ساعة العرض على الله. وحينئذ يتمنون العودة إلى الحياة ليتبعوا الرُسل. ٥ - وإذا لم يكن متعلقها مما يُحمد أو يُذم. وليس جارياً في مخاطبات بين الكافرين بعضهم بعضاً. أو بينهم وبين المؤمنين. فهى - إذن - تفيد ترتب أحداث تاريخية وقعت أو ستقع. فمن الأول. . قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا ( (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ. (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ) . (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) . (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) . ومن الثاني. . قوله تعالى: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) . ويلاحَظ هنا أن المعنى باق على مجازيته. إذ ليس المراد بالاتباع المعنى اللغوي الذي هو: سار خلفه. إلا في قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) فالاستعمال حقيقي فيه. ذلك هو قانون هذه المادة في القرآن الكريم. أو نهجها الذي تأتي عليه. . والمجاز غالب فيها. * *

стр. 847

* الرسول في التوراة والإنجيل: (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) . الضمير المنصوب في " يجدونه " - وهو " هاء " الغائب - راجع إلى الرسول المذكور قبل هذه العبارة ولمرجعه عليه اعتباران: أن يرجع عليه باعتبار الذات: أي يجدون ذاته. وهو المعنى المتبادر إلى الذهن من قوله تعالى: " يجدونه ". . وهذا غير مقصود. أن يرجع عليه باعتبار آخر غير الذات - الاسم أو الصفة مثلاً - وهو المعنى المراد. لأن " مكتوباً " يخصص عود الضمير على الاعتبار الثاني. ولأن الذات لا توجد بين ضفاف الكتب عن طريق الكتابة. وهذا يسلمنا إلى القول بالتجوز في التعبير. وأنها من المجاز المرسل لأن المعنى كما نص عليه الزمخشري: يجدون صفته. والصفة جزء الذات. . فالعلاقة الكلية لأنه أطلق الكل وأراد الجزء، والقرينة استحالة أن توجد الذات بين الكتب. وقد فسَّر القرآن نفس الصفات التي وجدوها مكتوبة فيما بين أيديهم من الكتب السماوية وهي كونه آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. مبيحاً لكل الطيبات. مانعاً لكل الخبائث. واضعاً عنهم ما كانوا ينوؤون به من أثقال وأغلال. وهنا نسأل سؤالاً: لماذا عبَّر القرآن الكريم عن الصفات بما يصح حمله على وجود الذات؟ وما مغزى هذا التعبير وسمته البلاغية؟

стр. 848

والجواب: لعل السر في ذلك - والله أعلم - أن الأوصاف التي ذكرت فى الكتب السماوية السابقة قبل القرآن بالغة الدقة في التصوير. حتى إن القارئ عندما يتلو "نصاً فيه تلك الأوصاف يحس - وهو يتلو - بأن ذات الموصوف قد مثلت أمامه نموذجاً واضحاً. وإن كان سراً في ضمير الغيب. وهذا منحى له وزنه في بلاغة القول، وفنون التعبير. فنحن نعد الكاتب الذي يخط قصة. أو يصف واقعة وصفاً دقيقاً. ويرسم الأشخاص رسماً عادقاً. حتى يسلب القارئ حدود الزمان والمكان، فتجيء قصته عملاً فنياً محكماً ووصفه شاملا. نعد هذا الكاتب أو الواصف قد ملك من البيان قدراً كبيراً ومن البلاغة حظاً وفيراً. وفوق هذا وذاك بيان القرآن وبلاغة القرآن. * * * الطيبات والخبائث: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) . هذان وصفان للرسول ذكرا بعد وصفين آخرين هما: (يَأمُرُهُم بالمعْرُوف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكَرِ) . وأصل الحل حل العقدة، ومنه قوله تعالى: (واحْللْ عُقْدَةً مًن لسَانِي) . واستعماله هنا في الحل - الذي هو ضد المنع - ففى أصل هذا التعبير مجاز ولكنه كثر استعماله حتى عار كالحقائق اللغوية. فكأن المحلل كان معقوداً ففك عقده وحل. والطيب ما لذ حساً. فعبَّر به عن الحلال ترغيباً فيه. والتحريم: المنع. والمراد به هنا المنع الشرعي.

стр. 849

والأصل في الخبيث: القبيح وما لا يوافق النفس حساً أو عقلاً. سمى الحرام خبيثاً من باب المجاز تشبيهاً له بالقبيح الذي تعافه النفس وتمجه الطباع. تنفيراً منه، وتزهيداً فيه. فقد وضع كل لفظ في موضعه اللائق به. واستعير للحلال ما يُرغب فيه، وللحرام ما يُنفر عنه. * * * " حل " في القرآن: واستعمال مادة " حل " في القرآن له ثلاثة أنواع: أولاً. أن يكون بمعنى الإزالة والفك، ومثاله قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ داعياً متضرعاً: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) . . أي أزل وفك. ثانياً: أن يكون بمعنى الإباحة والجواز. وهذا المعنى هو الغالب عليها وله أمثلة كثيرة، منها قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) . ومنها قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) وقوله: (يَا أيُهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لا يَعِل لكُمْ أن تَرِثُواْ الئسَاءَ كُرْهاً) . وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) .

стр. 850

ثالثاً: أن يكون بمعنى الحلول. وهذا المعنى كثير فيها. ومنه قوله تعالى: (وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) . وقوله تعالى: (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) . وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) . وقد احتمل قوله تعالى: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ) وجهين: أحدهما: وأنت حلال مستباح لهم يؤذونك ويناوئونك. وثانيهما: وأت حال نازل بهذا البلد. * ملحظ عجيب: ومن الملاحظات العجيبة أن القرآن استعمل " حلال " من الحل وله فيه طريقتان: إحداهما: أن ترد في مقام الحث. وقد اطرد القرآن وصفها بكلمة " طيب " فى جميع صورها وهي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) . وقوله: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) .

стр. 851

وقوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) . وقوله: (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) . ثانيتهما: أن ترد في مقام الإنكار والزجر. فتقطع عن ذلك الوصف. وذلك فى موضعين: الأول: قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) . الثاني: (أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ) . * * والسر: ولعل سر هذا الاختلاف أن الحلال في المواضع الأولى التي حثت الناس على الأكل مما رزقهم الله هو حلال أصيل في موضوعه فآثر القرآن وصفه بالطيب ترغيباً فيه وطلباً له. أما الحلال في المواضع الأخرى. فحلال مزعوم. والإنكار مسلط عليه أن يكون، فضلاً عن أن يوصف بالطيب. * * * " طاب " في القرآن: أما مادة " طاب " فإن استعمالها في القرآن الكريم يختلف باختلاف نوع اللفظ المستعمل فعلاً أو غير فعل. فإن كانت فعلاً - ولم ترد فيه كذلك إلا بلفظ الفعل الماضي في ثلاثة مواضع - فإن المعنى يختلف من موضع إلى آخر وتلك هي مواضعها فعلاً:

стр. 852

ا - (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) . ومعناها هنا: ما حل لكم. ٢ - (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) . ومعناها هنا: طهرتم من خبث الخطايا. ٣ - (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) . ومعناها هنا: سمحن أو وهبن. وعبَّر عن السماح بالطيب لأن المراعَى تَجافى أنفسِهن عما وهبنه وسمحن به فلا هن مكرهات عليه. أما إذا كان اللفظ المستعمل منها غير فعل. فهو على نوعين: أولاً: أن يكون مصدراً بمعنى الطيب. وله مثال واحد هو قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) . فـ " طوبى " مصدر كبُشرى، ومعنى طوبى لك: أصبتَ خيراً وطيباً. ثانياً: ألا تكون مصدراً ولا تكون حينئذ إلا صفة في المعنى أو المعنى والإعراب معاً. وهذا الاستعمال يستبد بكل أمثلتها. وتقع صفة بالمعنى المذكور لعدة أمور هي: ١ - أن تكون صفة للرزق وذلك كثير متعدد. . منه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) .

стр. 853

وقوله تعالى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) . ٢ - أن تكون صفة لـ " بلد ". . ومنه قوله تعالى: (وَالبَلدُ الطيًبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ) . وقوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) . ٣ - أن تكون صفة لكلام. . ومنه قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) . ٤ - أو تكون وصفاً لمساكن. . ومثاله قوله تعالى: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) . ٥ - أو وصفاً للريح. . ومثاله قوله تعالى: (حَتى إذَا كُنتُمْ في الفُلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طيِّبَةٍ) . ٦ - أو وصفاً لا يعلو الأرض من تراب. . ومثاله قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) . ٧ - أو وصفاً للشجر. . ومثاله قوله تعالى: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) . ٨ - أو وصفاً للحياة. . ومثاله قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) . ٩ - أو وصفاً للتحية. . ومثاله قوله تعالى: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) .

стр. 854

١٠ - أو وصفاً للناس - مذكورين أو غير مذكورين - بأن تقوم الصِفة مقامهم، وذلك كثير. ومنه قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) . وقوله تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) . هذا وقد بقى من استعماله - غير فعل - صورة واحدة تجرى مجرى الاسم مراداً بها الحلال ويقابلها في ذلك الخبيث بمعنى الحرام والباطل. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) . وقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) * * منهج القرآن في " طاب ": أولاً: أن القرآن يُفرق بين استعمال هذه المادة فعلاً أو اسماً. وفي استعماله لها فعلاً فإن كل موضع فيه قد أريد به معنى خاص غير ما يراد بغيره منها. أما استعماله لها غير اسم. فهى إما مصدر بمعنى الطيب، وإما صفة فى المعنى أو المعنى والإعراب وتقع كذلك لموصوفات متعددة. ثانيا: أن المجاز غالب على استعمالاتها في القرآن ما دام المراد ب " الطيب " فى اللغة ما لذَّ حساً، ولا يمكن حملها على معانيها الحقيقية إلا إذا وردت صفة لا يوصف باللذة الحسية كالرزق لأن منه المأكول والمشروب. أما مادة " حرم " فإن معناها اللغوي: المنع، وعلى هذا الفهم تدور صور المادة في القرآن الكريم مراداً بها المنع الشرعي أو القهري، ومن معانيها أيضاً التعظيم والحرمان.

стр. 855

ولما كانت هذه المعاني قريبة جداً من المعنى اللغوي للكلمة فلنكتف بهذه الإشارة إليها دون الخوض في ذكر الأمثلة. فذلك لا يؤدى إلى جديد. * * * المعاني المرادة من " خبث ": وأما مادة " خبث " فقد مرَّت أمثلتها مع - مادة " طاب " لأنها لم ترد منفردة. ولو رجعنا إلى تلك الأمثلة لبانَ أن القرآن يستعمل تلك المادة مجازاً فى الأغراض الآتية: ١ - أن يُطلقها على الحرام والباطل. ٢ - أن تأتي وصفاً لبلد. ٣ - أن تكون صفة لفريق من الناس. ٤ - أن تكون وصفاً لكلمة. ٥ - أن تكون وصفاً لشجرة. وإلى هنا ينتهى دور هذه المادة في القرآن الكريم. وتفترق عن مادة " طاب " بأن " طاب " إذا جرى وصف منها على الرزق فلا يمنع ما منع من إرادة المعنى الحقيقي. أما " خبث " إذا جاءت وصفاً للكسب أو الرزق فإنه مجاز دائماً لأن الحرام قد يلذ حساً. * * * الإصر والأغلال (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) . وهذه صفة من صفات الرسول. فهو بعد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإحلال الطيبات لهم وتحريم الخبائث. يضع عنهم الأمور الشاقة التي كانت

стр. 856

تأصرهم وتثقل كواهلهم والأغلال التي كانت تكبلهم من الحركة وحرية التصرف. تلك صفة من صفات الرسول يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل. فهى إذن نعمة عظيمة لأن فيها تحرير الإنسان. وقد نص المفسِّرون على أن المراد بـ " الإصر والأغلال " هو التكاليف الشاقة. قال الإمام النسفي في تفسير " الإصر ": " المراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة ". وقال في تفسير " الأغلال ": " هي الأحكام الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب البيوت. شبهت بالغل للزومها لزوم الغل ". ويتابع النسفي كثير من المفسرين. وفي العبارة مجاز تمثيلي شُبِّهت فيه هيئة القوم وما هم فيه من تكاليف شاقة بهيئة قوم ينوؤون بأثقال وأحمال وقد قُيّشدوا في السلاسل والأغلال فجاء رجل وخلصهم مما هم فيه ففك أغلالهم. وأنزل أحمالهم. فذلك هو هو إنسان النور والخلاص. هذا من حيث النظر إلى التعبير جملة. فإذا انظرنا إليه نظرة تفصيلية فإننا نحصل على ثلاثة مواضع فيه للمجاز المفرد. وهي: " يضع " لأن الموضع فى أخص معانيه الحط. ولا يقال إلا لحامل شىء قد أنزله. و" الإصر " هو الحمل الثقيل حساً. واستعماله هنا في المعنويات مجاز، وكذلك " الأغلال " لأن الأغلال هي السلاسل والقيود الحسية. * *

стр. 857

* " وضع " بين الحقيقة والمجاز: أما " وضع " فقد استعملت فيه حقيقة ومجازاً. ومن استعمالها حقيقة قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) . وقوله تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) . والموضع في هذين الموضعين مراد به الإنجاب. ومنه قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) . وقوله تعالى: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) . أما استعمالها مجازاً فيأتي مراداً به عدة معان: ١ - أن يكون بمعنى الجعل. ومنه قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) . وقوله: (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) . ويفيد هذا الموضع - مع الجعل والإيجاد - معنى البسطة والتهيئة. ٢ - أن تكون بمعنى الخلع والإلقاء. ومثاله قوله تعالى: (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِنَ الظهِيرَةِ) لأن الثياب - هنا - ملبوسة وليست محمولة حتى توضع. ٣ - أن تكون بمعنى البناء والإشادة. . ومثاله قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) .

стр. 858

٤ - أن تكون بمعنى الإزالة. . ومثاله قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْركَ) يعني أزلنا همومك التي كانت تثقلك. ٥ - أن تكون بمعنى الظهور والبروز. . ومثاله قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ) . ٦ - أن تكون بمعنى التهيئة. . ومثاله قوله تعالى: (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) . وكلمة " يضع " في آياتنا استعارة تصريحية تبعية حيث شبه إزالة الإصر والأغلال وإعفاءهم من كثير من الأعمال الشاقة بالموضع، والجامع ما يترتب على كل من الراحة وإلغاء العناء. والقرينة حالية. * * استنتاجات: إن القرآن استعمل مادة " وضع " في الحقيقة والمجاز. واستعمالها المجازي فيه يفيد عدة أغراض متباينة فيما بينها وإن شملها هدف عام كان سبباً فى التجوز والمشابهة. أما الإصر فهو في اللغة عقد الشىء وحبسه وقهره. يقال: أصرته فهو مأصور. والأصر والمآصير: محبس السفينة. ومن معانيه. الحمل الثقيل. واستعماله هنا في الأمور الشاقة مجاز على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، والجامع ما يترتب على كل من المشقات وقهر النفس بالعناء. وقد زاد من روعة المجاز الترشيح له بمجاز آخر هو " يضع " والترشيح مهيئ للنفس لتبعد بالمستعار عن معناه الحقيقي. لأن الحمل يوضع حقيقة فهو من ملائمات المعنى المجازي. المفيد للتقوية والتأكيد.

стр. 859

والمتتبع لاستعمال القرآن لمادة " إصر " يصل إلى الحقائق الآتية: ١ - أن تكون بمعنى المشقة والعناء وذلك في موضعين: أحدهما: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ) . ثانيهما: (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا) . والإصر فيهما استعارة أصلية تصريحية - كما سبق - وقد سبقه استعارة مرشحة في الموضعين فالترشيح في الأولى " يضع ". والترشيح في الثانية "تحمل ". . وكلاهما من ملائمات المشبه على القول بأن الإصر من معانيه: الحمل الثقيل. ٢ - أن تكون بمعنى العهد الموثق. ومثاله قوله تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) . وتشبيه العهد بالإصر - على ما يرى الراغب - أنه يؤدى بناقضه إلى الحرمان من الخيرات ويثبطه عنها. والأولى أن يشبه العهد المؤكد بالإصر بمعنى الحمل الثقيل من حيث التزام المعاهد بالوفاء بالعهد. ويكون المعنى - هنا - عظم العهد نفسه وخطورة المسئولية فيه. والخلاصة: أن هذه المادة لم تُستعمل في القرآن إلا مجازاً ولم تأت فيه إلا اسماً منكراً في موضع ومعرفاً في موضعين. أما الأغلال فهى - كذلك - استعارة تصريحية أصلية. وتكاد تصور بجرسها وموسيقاها المعنى المراد منها. * *

стр. 860

* معاني " غل ": ١ - " أن تأتي بمعنى القيد. . ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) . ومنه قوله تعالى: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) . وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) . ومنه كذلك: (وَجَعَلنَا الأغْلالَ فِى أعْنَاقِ الَّذِينَ كفَرُواْ) . ٢ - أن تكون بمعنى الخيانة. . ومنه قوله تعالى: (وَمَن يَغْللْ يَأتِ بمَا غَل يَوْمَ القِيَامَةِ) . ٣ - أن يأتي بمعنى الضغائن والأمراض النفسيه الحاقدة. . ومنه قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مَنْ غِل تَجْرِي من تَحْتِهمُ الأنْهَارُ) . ومنه أيضاً: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) ٤ - أن تأتي بمعنى البخل. . ومنه قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلولةً إلى عُنُقِكَ) . ومنه قوله تعالى: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) . والخلاصة: أن القرآن استعمل مادة " غل " في الحقيقه والمجاز. فإذا كانت مستعملة في معناها الحقيقي دلت على معنى القيد والتكبيل. وأظهر ما يكون ذلك في شأن أهل النار بدليل قرن الأغلال فيها بالسلاسل والسحب في قوله تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) .

стр. 861

فالأغلال بالنسبة لأهل النار أغلال حقيقية. . أما المجاز ففيما عدا ذلك. فإن كان الكلام وارد في وصف عام كالكفر. . فالمجاز المركب التمثيلي هو أظهر ما يكون في توجيه العبارة. . فمثلاً قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) . يقول الزمخشري فيه: " مثل تصميمهم على الكفر وأنه لا سبيل إلى ارعوائهم بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ". فهذه استعارة تمثيلية شُبِّهت فيها صورة القوم في كفرهم بصورة مَنْ غُلَّ وقُيِّدَ وسبغ " الغل " جسمه حتى ذقنه فلم يستطع حركة. ويكون قوله تعالى: (فَهُم مُقْمَحُونَ) . . ترشيحاً للمجاز والقرينة حالية. * * ثلاث كنايات: وإن كان الكلام في وصف خاص كالبخل فالكناية أظهر في توجيه العبارة. . فمثلاً قوله تعالى حكاية عن اليهود دعنهم الله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) . . فقولهم: (يَدُ الله مًغلُولة) ، وَقوله في الرد عديهم: (غُلت أيْديِهمْ) وقوله أيضاً: (بَل يَدَاهُ مَبْسُوطتَان) الأظهر في هذه العبارات أن يَكون قولهم: (يَدُ الله مَغْلولةٌ) ، وقوله: (غُلتْ أيْديهِمْ) كنايتين عن البخل. وأن يكون قوله تعالَى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطتَانِ) كناية عن الكرم الواسع.

стр. 862

والخلاصة: أن هذه العبارات يجوز اعتبارها مجازاً مركباً أو مفرداً بأن يكون المجاز فيها استعارة بالكناية فيما يصح فيه ذلك. ويجوز جعلها من باب الكناية حتى في عبارة اليهود: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) ، ولا يمنع من إيراد الكناية عليه أنه يجوز فيها حمَل الكلام على المعنى الحقيقي - وهذا قول فيه خلاف - لأنا نقول: إن الله قد صرَّح في القرآن بأن له يداً في غير هذا الموضع. وعلى ما بين السَّلف والخَلف من خلاف في هذا المجال فإن العبارة محكية عن اليهود وهم لا يراعون مثل ما نراعيه نحن المسلمين من هذه الاعتبارات الدقيقة في مجال الاعتقاد. هذا. . وقد بقى توجيه واحد للزمخشري في عبارة الرد التي ذكرها الله رداً على مقولة اليهود حيث قال: (غُلتْ أيْدِيهِمْ) . والزمخشري يُجَوز أن تكون العبارة من الاستعمال الحقيقي بأن تُحمَل على الوعيد أي أنه توعدهم بصيرورة حالهم إلى تلك الحال يوم يلقونه في الآخرة. والأولى بالاعتبار حملها على المجاز وإنَّا لنرى اليهود مضرب المثل في البخل بين العامة والخاصة فحق عليهم القول فبخلوا. * * * " النور " في القرآن: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) . وهذه صورة مجازية رائعة،. شُبِّه فيها القرآن بـ " النور " على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية والجامع: الهداية والإرشاد، والقرينة لفظية هى قوله: (أنزِلَ مَعَهُ) . وعبد القاهر الجرجاني يجعل هذه الاستعارة أبلغ أنواع الاستعارات ويسميها الضرب الصميم الخالص من الاستعارة. وضابطها عنده أن يكون الشبه مأخوذاً

стр. 863

من الصور العقلية. وذلك كاستعارة النور للبيان والحُجة الكاشفة عن الحق المزيلة للشك النافية للريب كما جاء في التنزيل من نحو قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) ، وكاستعارة الصراط للدين في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) . ثم يقول: " واعلم أن هذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ عندها الاستعارة غاية شرفها ويتسع لها كيف شاءت المجال في تفننها وتصرفها ". وقد استعار القرآن كلمة " النور " في تصرفاتها المختلفة كثيراً. والمتتبع لوروده فيه يجده على النحو الآتى: ١ - أن يكون وصفاً لكتاب. ولهذا عدة صور ففى سياق الحديث عن القرآن وردت الصور الآتية: (أ) (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ) (ب) (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) . (ب) (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) (د) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) . (هـ) (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) فى الآيات الخمس جاء " النور " في سياق الحديث عن القرآن الكريم، وفى القرآن مواضع أخرى يمكن حمل النور فيها عليه، وسوف نشير إلى ذلك فى مواضعه.

стр. 864

٢ - في سياق الحديث عن التوراة. وذلك مخصوص بموضعين: أولهما: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) . وثانيهما: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) . ٣ - في سياق الحديث عن الإنجيل، وذلك مخصوص بموضع واحد، هو قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ) . مما تقدم نستنتج: أولاً: أن القرآن قد وُصفَ بأنه نور في خمسة مواضع، على أن وصفه بالنور محتمل فيما يأتي من أَمثلة أخرى. ثانياً: أن التوراة وصفت بالنور في موضعين. ثالثاً: أن الإنجيل وصف به في موضع واحد. رابعاً: أن سورة المائدة وحدها ورد فيها وصف الكتب الثلاثة - القرآن والتوراة والإنجيل - بالنور. وقد قدم القرآن ثم جيء بعده بالتوراة وأخيراً الإنجيل. * * سؤال وجواب: والآن لا بدَّ من سؤال: هل لكثرة الحديث عن القرآن ووصفه بالنور فى مواضع تفوق مواضع التوراة والإنجيل مجموعة من سر؟ وهل تقديمه عليهما فى " المائدة " ثم تقديم التوراة على الإنجيل وزيادتها عليه بموضع. هل لكل ذلك سر بلاغي اقتضاه؟ والجواب: نعم. . لكل ذلك سر وهو - فيما أرى والله أعلم - أن كثرة وصف القرآن بالنور، ثم تقديمه على التوراة والإنجيل في سورة المائدة لا للقرآن من أثر بالغ في الهدايةِ من ثلاث جهات:

стр. 865

أولاً: أن فيه لكل مشكلة حلاً، فقد شملت هدايته وتوجيهاته: العقائد، والعبادات، والمعاملات. وجاء بكثير من العلوم والمعارف: بَشَّر، وأنذر، وأجمل، وفصَّل، ورغَّب، ورهَّب، وشرَّع فأحكم، وقصَّ، وهذَّب. . وصدق الله إذ يقول: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) . وهذه ميزة من حيث الموضوع. . ثانياً: أن كل نبى كان يُبعث إلى قومه خاصة ومنهم موسى وعيسى عليهم السلام. وكتاب كل نبى كان وصايا وإرشادات لأولئك القوم. ومحمد ﵊ بُعِثَ للناس عامة، فجاء القرآن عاماً لهؤلاء الناس. وليس لشعب جزيرة العرب خاصة. وهذه ميزة من حيث المكان. . ثالثاً: والرسالات السابقة كانت واجب العمل بها ما دام رسولها حياً، فإذا قُبِضَ أُفسح المجال لرسول آخر ورسالة أخرى. أما رسالة محمد ﷺ فهى خالدة إلى يوم القيامة لا يلغيها رسول بعده ولا يبطل العمل بها بحال. وهذه ميزة من حيث الزمان. . وهذا يُفسِّر لنا تلكما الظاهرتين وهما كثرة وصفه بالنور ثم تقديمه عليهما فى " المائدة "، أما تقديم التوراة على الإنجيل وزيادتها عليه بموضع، فلأن التوراة أسبق وجوداً من الإنجيل، فالترتيب بينهما زمني محض. أما الزيادة المذكورة فلأن التوراة أصل للإنجيل وهو مكمل لها. فلذلك خصصت بزيادة موضع عليه حين وصفا بالنور. ٤ - في سياق الحديث عن كتاب مفروض وجوده في معرض الجدل. . وذلك فى موضعين هما:

стр. 866

أولاً: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) . ثانياً: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) ٥ - في سياق الحديث عن الكتب التي أنزلها الله في الأمم السابقة. وذلك في موضعين أيضاً وهما: أولاً: (جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) . ثانياً: (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) . ونلاحظ الفرق بين الموضع الثالث والرابع. إذ الكتاب في الموضع الثالث " مُنكر " وفي الموضع الرابع " مُعرف " وسر التنكير هناك لأن الكتاب فى الثالث لا وجود له. بل مفروض وجوده في معرض الجدل. فهو موغل فى التنكير. أما في الموضع الرابع فالحديث عن كتاب سبق وجوده. والألف واللام فيه فى موضعيه لتعريف الجنس باعتبار القيد الذي هو الوصف. وقد جاء " منيراً " جزء وصف تمثيلي للنبى ﷺ فى قوله تعالى: (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) ، وكون الرسول " سراجاً منيراً " تجرَيد متضمن للتَشبيه لأن الذات المجردة مخالفة للذات المجرد منها. وتجريد الشيء من غيره متضمن للتشبيه بخلاف تجريد الشيء من نفسه لئلا يلزم تشبيه الشيء بنفسه.

стр. 867

ولا شك أن التجريد المتضمن للتشبيه - كما هنا - أبلغ من التشبيه المجرد لإفادة هذا من وجهين: التشبيه الذي تضمنه التجريد، ثم تجريد المشبه به. وهذا وحده في قوة الاستعارة التصريحية الأصلية. * * * النور للهدى والإيمان: وإذ تركنا القرآن وهو يتحدث عن الكتب واصفاً لها بـ " النور " وما اشتق منه من أسماء الفاعلين فإننا نراه يستعير النور للهدى والإيمان في مواضع متعددة وفي هذا النوع فإنه كثيراً ما يستعير " الظلمات " للضلال والكفر فى مقابلات عجيبة بين الأضداد والمتخالفات. ويتضح هذا من الأمثلة الآتية: ١ - (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) . ٢ - (وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) . ٣ - (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . ٤ - (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) . ٥ - (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) . ٦ - (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . ًَ٧ - (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) .

стр. 868

٨ - (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . ٩ - (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . ١٠ - (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) . ١١ - (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) . ١٢ - (يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) . فى هذه النصوص ضرب الله " النور " مثلاً للإيمان والهدى. و " الظلمات " مثلاً للضلال والكفر. * * ْ* منهج آخر للقرآن في استعمال النور: وللقرآن الكريم منهج آخر في التعبير بالنور، حيث صاغها في جمل وعبارات ترسم صوراً حسية معبراً بها عن معان ذهنية بغية الإيضاح والتقرير؟ من ذلك مشهدان من مشاهد التكريم خَصَّ الله بهما عباده الطائعين يوم العرض الأكبر. أحدهما قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) فهذا فريق من الناس كافأه الله حُسناً. فمنحه نوراً يوم القيامة يسير على هداه ويبدو أن المراد بالنور - هنا - نور حقيقي لا مجازي. ومع ذلك فإن الآية لم تخل من المجاز.

стр. 869

فقد أسند السعى إلى النور وليس هو فاعله الحقيقي. وهذا مجاز حكمى - كما يسميه عبد القاهر - أو عقلي كما اشتهر عند المتأخرين. والتقدير: يسعون بنورهم. والعلاقة اللزومية لأن النور ملازم لهؤلاء. والقرينة: استحالة أن يسعى النور منفرداً. * السر البلاغي لهذا المنهج: والسر البلاغي أن كل شيء أصبح في خدمة هذا الطريق. حتى النور أصبح خادماً لهم، يمهد الطريق ويسير عن أيمانهم وبين أيديهم. فهاتان كنايتان رائعتان بديعتان. فهو يسعى بين أيديهم وبأيمانهم لأن هاتين الجهتين هما اللتان يتلقى المؤمنون سجلات أعمالهم عن طريقهما، كما أن الكفار يؤتون كتبهم عن شمائلهم ومن وراء ظهورهم. إذن فهما كنايتان عما قدموا من عمل صالح. فحققوا لأنفسهم رضا الله ورحمته، ويجوز حمل العبارة على التمثيل. بأن مثل الله حالهم وما يلقونه من تكريم ورضوان بقوم هذه حالهم من سعى النور أمامهم وعن أيمانهم. وصورة أخرى مماثلة. وهي قوله تعالى: (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) . وليس بين الصورتين إلا فرق، واحد ففى الآية الأولى قدم: " يسعى " على الفاعل المجازي: " نورهم " وأسند الفعل إلى صريح لفظ الفاعل. وفي الآية الثانية قدّم: " نورهم " وجعل مبتدأ وأخر الفعل: " يسعى " وأُسند إلى ضمير النور إسناداً مجازياً. . . وليس بعد ذلك بينهما من فرق.

стр. 870

ولعل السر أن الله أراد أن يثبت صفة النور للمؤمنين والمؤمنات بكلتا الطريقتين المعروفتين في العربية - الجملة الاسمية والجملة الفعلية - ليفيد أن ذلك حاصل لا محالة. متجدد مستحدَث. وثابت متأصل، * * محاولات يائسة: وصورة أخرى مختلفة مع هاتين: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) . والنور هنا صالح حمله على القرآن والإسلام. . " مثلت حالهم بحال مَنْ ينفخ فى نورالشمس ليطفئه بفيه ". وهذا التمثيل له دلالتان: قوة نور الله وظهور أمره حتى مثل أمامهم نوراً حقيقياً كنور الشمس. . وهذا أحد الدلالتين. أما ثانيتهما: فضعف كيد الكافرين. لأن كل محاولاتهم لم تكد تعدو النفخ بأفواههم وما ذلك بمحقق لهم ما يريدون. وكلمة: " بأفواههم " تعبير جميل رشيق. لأن المعنى تم بدونه فجاء هو لإضافة ظلال رقيقة على المعنى العام اكتسى بها جمالاً ورواء. فقد أفادت - أولاً - أن كيدهم للقرآن لم يعد كلمات جوفاء اتهموه بها: أساطير الأولين - رئى من الجن - شِعر - لو نشاء لقلنا مثل هذا. هذه الكلمات لم يكن لها نصيب من الوجود سوى التلفظ بها لم تتمكن حتى من قلوب قائليها. وهذا يدل على ضعف كيدهم. وهى تفيد - ثانياً - أن النور كان ماثلاً أمامهم حتى قصدوه قصداً فى مكان وجهة، وهذا يدل على ظهور أمر الله وقوة انتصاره.

стр. 871

وهى تفيد - ثالثاً - أن هذا النور لم يكن لأى عامل آخر أن يطفئه. ريح شديدة - مثلا - أو عاصفة مدمرة. فهو قائم رغم هذه التقلبات التي لا يكاد يخلو منها وقت. فكيف يتسنى لهم أن يطفئوه بأفواههم.؟ إنه نور قوى باهر وسيظل - هكذا - نوراً باهراً قوياً. . ولو كره الكافرون. وبعد هذا يمكن أن نستنتج الحقائق الآتية: أولاً: أن القرآن الكريم يضرب " النور " مثلاً للمعاني الشريفة والصفات الحميدة. كما يضرب " الظلمات " مثلاً للمعاني الوضيعة والصفات الذميمة. ثانياً: أن القرآن لم يستعمل النور في تلك الأغراض إلا مفرداً اسماً أو صفة، أما " الظلمات " فلم يستعملها في أغراضها إلا مجموعة - لا مفردة ولا مثناة - فهل لهذا من سر؟ نقبتُ عن هذا السر في مظانه فلم أعثر على توجيه. لا في كتب التفسير ولا خارج كتب التفسير. ولذلك فإنى أسجل - هنا - ما خلصتُ إليه مما ظننتُ أنه يصلح أن يكون توجيهاً لهذا الصنع. * * لماذا أفرد القرآن " النور " وجمع " الظلمات ": إن النور سواء أكان المراد به كتاباً يهدى إلى الرُّشد، أو حُجة تكشف النقاب عن الشُبهات. أو رسولاً يدعو الناس إلى الحق. أو إيماناً يعمر به قلب المؤمن. أو عملاً يحقق لصاحبه رضوان الله. . . كل ذلك له مصدر واحد هو الله . والقرآن على ذلك خير شاهد: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ، (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ) ، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) .

стр. 872

ولهذه الاعتبارات وَحَّد النور في القرآن تبعاً دوحدة مصدره. وهو " الله " نور السموات والأرض. أما الكفر والجهل والضلال فقد تعددت أسبابها ومصادرها. فالشيطان ضال مضل. والأصنام والأوثان مضلة. والأهواء مضلة، وأصدقاء السوء ضالون مضلون. . ولهذا تعددت الظلمات تبعاً لتعدد مصادرها. . والله أعلم. * * * خصائص المجاز القرآني: أولاً: أن المجاز في القرآن بأنواعه المختلفة. سواء أكان لغوياً أو حكمياً، واللغوي سواء أكان استعارياً أو مرسلاً، يؤدى وظيفة جليلة الخطر في البيان القرآني من التوسع في ضروب التعبير. واستخدام المادة الواحدة سواء اختلفت مشتقاتها أو اتحدت في البنية في معان شتى وأغراض مختلفة. لم يكن لها هذا الاتساع لولا فن المجاز. ثانياً: أن المجاز في القرآن يختار الكلمات الوافية بحق المعنى والمصورة تصويراً حسياً للمعاني كاستعارة " الطيبات " للحلال ترغيباً فيه وحثاً عليه، واستعارة " الخبائث " للمحرم تنفيراً عنه وتزهيداً فيه. ثالثاً: قد رأينا التفرقة العجيبة بين مشتقات المادة الواحدة. كمادة " مرض " فقد اختص القرآن صورها الفعلية بالمجاز إلا في موضع واحد جاءت فيه المادة فعلا مراداً به المعنى اللغوي. وهو قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: (وَإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفين) . . وما عدا ذلك فمجاز مستعمل في مقام الذم. فإذا استعملت اسماً أو صفة. . فلا تجوز فيها حينئذ، مثل: (وَلا عَلى المريضِ حَرَجٌ) ، ومثل: (أوْ كُنتُم مَرْضَى) وتستعمل هنا فى مقامَ التشريع.

стр. 873

رابعاً: يحقق المجاز القرآني - وتدخل في ذلك كناياته - سمه هامة من سماته البلاغية هي التصوير والتجسيم والتخييل. وقوة المعنى وتقريره وإيضاحه . . وهو لذلك يغلب فيه المجاز الاستعاري لتصوير المعقول بالمحسوس كما يكثر فيه المجاز المركب، وكل مجاز فيه بالغ حد الإعجاز بحيث لو بدلت صورة بأخرى لنبا المعنى ورفضه إحكام الأسلوب كما يرفض الجسم الصحيح عضواً غريباً رُكِّب فيه. * * سكوت الغضب ووضع الحرب: خذ إليك مثلاً موضعين متشابهين من مجاز القرآن. وليكونا قوله تعالى - مصوراً هدوء ثورة موسى على قومه -: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) . وقوله تعالى مصوِّراً إنهاء الحرب الطاحنة: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . فسكوت الغضب أمكن - كما مَرَّ - حمله على المجاز المركب أو الاستعارة المكنية. . أو الاستعارة التصربحية التبعية. و" تضع الحرب أوزارها " استعارة مكنية كذلك أو تمثيل، والعبارتان تعبران عن الهدوء الذي يعقب الحركة الشديدة. فهما متشابهان وقد اختلفت الألفاظ من عبارة إلى أخرى - فالسكوت والغضب في الأولى، والوضع والأوزار في الثانية - كل منها موفٍ بمعناه واقع موقعه من البلاغة. فموسى إنما كان يتكلم ويتحرك فناسب ذلك السكوت بشرط أن يكون فاعله الغضب، والحرب يُحمل فيها السلاح الثقيل والخفيف، وهي نفسها شدة وخَطب، فناسب ذلك الموضع. لأنه يكون في المحمول والأوزار - كذلك - لأنها أحمال. *

стр. 874

* عض الأنامل وعض الأيدي: وكذلك إذا أجرينا ذلك بين كنايتين متشابهتين. . وليكونا قوله تعالى: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) . وقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) . كلتا العبارتين تدل على الألم والحسرة فهما - إذن - كنايتان عن صفة وقد تفاوتتا في تصوير المعنى. لأن عض الأنامل دون عض الأيدي، وذلك التفاوت راجع إلى تفاوت المقامين. فالمنافقون يتحسرون عندما يرون قوة المسلمين وظفرهم وتتابُع انتصارهم، وهم على ما هم عليه من النفاق لاحول لهم ولا قوة، وهذا خطأ يمكن إصلاحه بأن يؤمنوا ويتبعوا الهدى. أما الظالم فحسرته أشد وألمه أوقع، لأنه يكون في وقت لم تبق فيه فرصة لمستتيب ولا نفع لنادم. ولهذا يمكن فهم المبالغة في الكناية الثانية بالعض على الأيدي دون الأنامل فكل من العبارتين وقع موقعه من غير ما قصور أو فضول، وهذه سمة أيضاً من سمات الإعجاز البياني في القرآن. * * منهج فريد: خامساً: للمجاز في القرآن الكريم منهج لم يُعرف لسواه، فهو فضلاً عما تقدم - نراه في بعض الصور يعمد إلى وصف له صلة بأمرين، وهذا الوصف من حيث صلته بالأمرين قائم بأحدهما وواقع على الآخر. وقيامه بأحدهما يكون عن

стр. 875

طريق الحقيقة، ويكون عن طريق المجاز. . أما وقوعه على الآخر فعلي طريق الحقيقة. وهذا الوصف - هنا - هو العمى، فالكافر - وهو أحد الأمرين - يوصف به، على طريق المعنى اللغوي بأن يكون أعمى حقيقة، وليس هذا بمراد لنا هنا، ويوصف به على طريق المجاز بأن يشبه جهله بالعمى، وهذا هو المراد لنا، وكثيراً ما شبه القرآن الكافرين بالعمى، واستعار ذلك لهم. أما الأمر الثاني - الذي له صلة بهذا الوصف من حيث وقوعه عليه - فهو البينات التي جاء بها الرسل، فهى يُعمى عنها، ولا تعمى هي. إذا تقرر ذلك. . فإن في القرآن موضعين وصف فيهما الأمر الثاني بالعمى مجازاً، أحدهما قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) . وثانيهما: قوله تعالى: َ (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨) . فقد أسند العمى إلى الأنباء في الأولى على أنها فاعل له، وأوقع عليها فى الثانية. . وكل هذا إنما هو من قبيل المجاز. فالأنباء لا تعمى وإنما العمى يحجب رؤيتها عمن قام به، والبينات أو الرحمة لا تعمى وإنما يعمى عنها ما من شأنه أن يراها، إذن فلماذا سلك القرآن هذا المسلك؟ إن حقيقة الموضعين أن يقال: خفيت عليكم الأنباء، وخفيت عليكم البينة أو الرحمة، فلماذا إذن شُبِّه خفاؤهما بالعمى؟ وإنما العمى صفتهم لا صفة الأنباء ولا البيِّنة ولا الرحمة؟

стр. 876

أقول باختصار - وقد سبق الحديث عن هذين الموضعين -: إن في هذا التعبير تعريضاً بهم في الموضعين، وفيه كذلك مبالغة في وصفهم بالعمى. أما التعريض. . فلأنهم يدركون أن الأنباء لا تعمى، ويقياس سهل، يدركون أن الأعمى إنما هم لأنهم هم الذين لم يروها، والبينة أو الرحمة لا تعمى، وبنفس القياس السهل يدركون أن الذي أعماه جهله إنما هو هم، لأنهم لم يفقهوا البينة أو الرحمة وقد فقهها آخرون. وهذا هو جانب التعريض في التعبير. . أما المبالغة: فإن وصفهم بالعمى قد فاق حد التصور حتى عَم المكان الذى هم فيه، وحتى أصاب ما من شأنه ألا يعمى بالعمى، لزيادته على كل حد معهود وقدر معروف. * وضوح المناسبة: سادساً: ويمتاز المجاز القرآني بوضوح المناسبة بين المستعار منه وبين المستعار فى المجاز الإفرادى والمجاز التركيبى، وقوة الصلة بين الصور المكنى بها وما تدل عليه من معان كنائية. كما يمتاز بالإبداع والجزالة، وأنه قد منح الجمادات حياة، والمعاني حدوداً وأبعاداً ومساحات، وأمثلة ذلك كثيرة. * * الذوق في القرآن: سابعاً: أن المجاز القرآني يجمع بين الأضداد وما هو كالأضداد، ويؤلف بين المتباعدات والمتباينات، فلا تحس مع ذلك غرابة في الأسلوب ولا ضعفاً فى المعنى. ولنأخذ لذلك استعارة واحدة لنرى ما انتظمته من أجناس وأنواع، وهذه الاستعارة هي " ذاق " وما تصرف منها.

стр. 877

لهذه الاستعارة شأن عظيم في القرآن الكريم، ولم تأت هذه الكلمة في القرآن إلا استعارة، فلنذكر أمثلتها مكتفين من كل نوع بمثال ما لم تدع إلى الزيادة ضرورة. وقد استعيرت هذه الكلمة في جانب الموضوعات الآتية: ١ - مع الشجرة: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) . ٢ - مع الوبال: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أمْرِهَا وكَانَ عَاقِبَةُ أمْرِهَا خُسْراً) . ٣ - مع البأس: (كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتى ذَاقُواْ بَأسَنَا) . ٤ - مع السوء: (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) . ٥ - مع العذاب: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) . ٦ - مع الكنز: (فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) . ٧ - مع العمل: (وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُم تَعْمَلونَ) . ٨ - مع الفتنة: (ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم به تَسْتَعْجلونَ) . ٩ - مع الس: (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) ١٠ - مع اللباس: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) . ١١ - مع الرحمة: (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) .

стр. 878

١٢ - مع الخزى: (فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَ) . ١٣ - مع الضعف: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) . ١٤ - مع النعماء: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) . ١٥ - مع الموت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) . ١٦ - مع البرد: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) . وهذا هو الموضع السادس عشر وقد أوقع فيه الفعل منفياً على البرد، معطوفاً عليه الشراب. * الذوق لغة وبياناً: والذوق في اللغة وجود الطعوم بالفم، وأصله أن يكون بطرف اللسان فيما قَل من مأكول أو مشروب، فإذا كثر فهو أكل أو شرب وليس ذوقاً. فما السر البلاغي في القرآن الذي اقتضى إيقاع هذا الفعل على ما ليس بمذوق وقد علمنا أن هذا التعبير مجاز استعاري في جميع صوره حتى في: (ذَاقَا الشجَرَةَ) ، وفي هذا المثال مجازان استعاري ومرسل: أما الاستعاري فإنه عبَّر عن الأكل بالذوق، والمعروف أن آدم ﵇ وحواء أكلا من الشجرة، أكلا ولم يتذوقا، وهذا هو المجاز الاستعاري. . أما المرسل فلأن الذوق هو ثمار تلك الشجرة وليست الشجرة نفسها. *

стр. 879

* مقام المخالفات: ومن الملاحظات الهامة أن هذه الاستعارة لم ترد إلا في مقام المخالفات سواء أكان ذلك حال الحياة أو بعد الموت، فآدم وحواء خالفا ربهما بعصيان أمره، والكافرون المقول لهم: (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) مخالفون لشرائع ربهم. والذى أذاقه الله الرحمة مخالف لربه حيث لم يشكره في السراء ولم يصبر فى الضراء. والذي يقال لهم: (فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) مخالفون لربهم في كنزهم المال وعدم التصدق منه وإخراج زكاته. ففى هذه الاستعارة معنى التهكم وهذا واضح في ما خوطب به الكافرون أو أسند إليهم مثل: (ذُقْ إنكَ أنتَ العَزيزُ اْلكَرِيمُ) ، ومثل: (هَذَا فَليَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) . . ويظهرَ هذا التهكم في كل ما يُقال للعصاة يوم القيامة. أما فيما أُسند إلى آدم وحواء فلبيان أن بدو السوءات حصل بأقل ما يكون من الأكل بمجرد الذوق، وهذا يبيِّن أن نصح الله لهما كان من أجل مصلحتهما وأنهما حين خالفا أسرع إليهما أثر تلك المخالفة فالحكمة كانت في امتثال أمره. والصورة الأدبية التي أراد القرآن إيضاحها في: (فَأذَاقَهَا اللهُ لبَاسَ الجُوع وَالخَوْف) أن الجوع والخوف محيطان بهما إحاطة اللباس بلَابسه وتكون فائدة الإذاقة حينئذ أنهم وجدوا طعمهما المر وأحسوه كما يحس المتذوق طعم ما ذاقه من مأكول أو مشروب، وفي هذا معنى التهكم حيث جعل طعامهم ولباسهم جوعاً وخوفاً، وأوقع عليهما الإذاقة.

стр. 880

كما يبدو التهكم مع التعجيب من شأن مَن يُعرِض بجانبه بمجرد أن يذيقه الله الرحمة فإذا سمل منها طغى وتكبر. فانظر إلى سحر المجاز في القرآن الكريم وروعة أثره ووظيفته الكبرى فى التربية والتهذيب، وهو - على كثرته وتنوعه فيه - خال من التكلف والمآخذ بل هو آية الآيات في الحُسن والجمال. * * *
следующие страницы →