← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أقول باختصار - وقد سبق الحديث عن هذين الموضعين -: إن في هذا التعبير تعريضاً بهم في الموضعين، وفيه كذلك مبالغة في وصفهم بالعمى. أما التعريض. . فلأنهم يدركون أن الأنباء لا تعمى، ويقياس سهل، يدركون أن الأعمى إنما هم لأنهم هم الذين لم يروها، والبينة أو الرحمة لا تعمى، وبنفس القياس السهل يدركون أن الذي أعماه جهله إنما هو هم، لأنهم لم يفقهوا البينة أو الرحمة وقد فقهها آخرون. وهذا هو جانب التعريض في التعبير. . أما المبالغة: فإن وصفهم بالعمى قد فاق حد التصور حتى عَم المكان الذى هم فيه، وحتى أصاب ما من شأنه ألا يعمى بالعمى، لزيادته على كل حد معهود وقدر معروف. * وضوح المناسبة: سادساً: ويمتاز المجاز القرآني بوضوح المناسبة بين المستعار منه وبين المستعار فى المجاز الإفرادى والمجاز التركيبى، وقوة الصلة بين الصور المكنى بها وما تدل عليه من معان كنائية. كما يمتاز بالإبداع والجزالة، وأنه قد منح الجمادات حياة، والمعاني حدوداً وأبعاداً ومساحات، وأمثلة ذلك كثيرة. * * الذوق في القرآن: سابعاً: أن المجاز القرآني يجمع بين الأضداد وما هو كالأضداد، ويؤلف بين المتباعدات والمتباينات، فلا تحس مع ذلك غرابة في الأسلوب ولا ضعفاً فى المعنى. ولنأخذ لذلك استعارة واحدة لنرى ما انتظمته من أجناس وأنواع، وهذه الاستعارة هي " ذاق " وما تصرف منها.

стр. 877

لهذه الاستعارة شأن عظيم في القرآن الكريم، ولم تأت هذه الكلمة في القرآن إلا استعارة، فلنذكر أمثلتها مكتفين من كل نوع بمثال ما لم تدع إلى الزيادة ضرورة. وقد استعيرت هذه الكلمة في جانب الموضوعات الآتية: ١ - مع الشجرة: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) . ٢ - مع الوبال: (فَذَاقَتْ وَبَالَ أمْرِهَا وكَانَ عَاقِبَةُ أمْرِهَا خُسْراً) . ٣ - مع البأس: (كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتى ذَاقُواْ بَأسَنَا) . ٤ - مع السوء: (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) . ٥ - مع العذاب: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) . ٦ - مع الكنز: (فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) . ٧ - مع العمل: (وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُم تَعْمَلونَ) . ٨ - مع الفتنة: (ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم به تَسْتَعْجلونَ) . ٩ - مع الس: (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) ١٠ - مع اللباس: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) . ١١ - مع الرحمة: (ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) .

стр. 878

١٢ - مع الخزى: (فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَ) . ١٣ - مع الضعف: (إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) . ١٤ - مع النعماء: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي) . ١٥ - مع الموت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧) . ١٦ - مع البرد: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) . وهذا هو الموضع السادس عشر وقد أوقع فيه الفعل منفياً على البرد، معطوفاً عليه الشراب. * الذوق لغة وبياناً: والذوق في اللغة وجود الطعوم بالفم، وأصله أن يكون بطرف اللسان فيما قَل من مأكول أو مشروب، فإذا كثر فهو أكل أو شرب وليس ذوقاً. فما السر البلاغي في القرآن الذي اقتضى إيقاع هذا الفعل على ما ليس بمذوق وقد علمنا أن هذا التعبير مجاز استعاري في جميع صوره حتى في: (ذَاقَا الشجَرَةَ) ، وفي هذا المثال مجازان استعاري ومرسل: أما الاستعاري فإنه عبَّر عن الأكل بالذوق، والمعروف أن آدم ﵇ وحواء أكلا من الشجرة، أكلا ولم يتذوقا، وهذا هو المجاز الاستعاري. . أما المرسل فلأن الذوق هو ثمار تلك الشجرة وليست الشجرة نفسها. *

стр. 879

* مقام المخالفات: ومن الملاحظات الهامة أن هذه الاستعارة لم ترد إلا في مقام المخالفات سواء أكان ذلك حال الحياة أو بعد الموت، فآدم وحواء خالفا ربهما بعصيان أمره، والكافرون المقول لهم: (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) مخالفون لشرائع ربهم. والذى أذاقه الله الرحمة مخالف لربه حيث لم يشكره في السراء ولم يصبر فى الضراء. والذي يقال لهم: (فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ) مخالفون لربهم في كنزهم المال وعدم التصدق منه وإخراج زكاته. ففى هذه الاستعارة معنى التهكم وهذا واضح في ما خوطب به الكافرون أو أسند إليهم مثل: (ذُقْ إنكَ أنتَ العَزيزُ اْلكَرِيمُ) ، ومثل: (هَذَا فَليَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) . . ويظهرَ هذا التهكم في كل ما يُقال للعصاة يوم القيامة. أما فيما أُسند إلى آدم وحواء فلبيان أن بدو السوءات حصل بأقل ما يكون من الأكل بمجرد الذوق، وهذا يبيِّن أن نصح الله لهما كان من أجل مصلحتهما وأنهما حين خالفا أسرع إليهما أثر تلك المخالفة فالحكمة كانت في امتثال أمره. والصورة الأدبية التي أراد القرآن إيضاحها في: (فَأذَاقَهَا اللهُ لبَاسَ الجُوع وَالخَوْف) أن الجوع والخوف محيطان بهما إحاطة اللباس بلَابسه وتكون فائدة الإذاقة حينئذ أنهم وجدوا طعمهما المر وأحسوه كما يحس المتذوق طعم ما ذاقه من مأكول أو مشروب، وفي هذا معنى التهكم حيث جعل طعامهم ولباسهم جوعاً وخوفاً، وأوقع عليهما الإذاقة.

стр. 880

كما يبدو التهكم مع التعجيب من شأن مَن يُعرِض بجانبه بمجرد أن يذيقه الله الرحمة فإذا سمل منها طغى وتكبر. فانظر إلى سحر المجاز في القرآن الكريم وروعة أثره ووظيفته الكبرى فى التربية والتهذيب، وهو - على كثرته وتنوعه فيه - خال من التكلف والمآخذ بل هو آية الآيات في الحُسن والجمال. * * *

стр. 881

الباب الخامس البديع. . في القرآن الكريم * المحسِّنات المعنوية. * المحسِّنات اللفظية. * قيمة البديع القرآني .

стр. 882

الفصل الأول المحسِّنات المعنوية الظاهر أن نظرة الكُتَّاب لم تتفق على آراء محددة في فنون البديع، ولذلك يجد الباحث خلطاً في كتاباتهم، وهذا الخلط له عدة مظاهر: أولاً: لم يحددوا تحديداً دقيقاً الفرق بين المعنوي واللفظي منه، فالخطيب يذكر " الاطراد " ضمن المحسِّنات المعنوية، وهو من اللفظية على الأصح. كما ذكر ذكر المشاكلة ضمن المعنوية والظاهر أنها من اللفظي. ثانياً: درجهم فنوناً تحت اسم " البديع " وهي ليست منه. مثل الالتفات والكناية والإيغال والتذييل والاعتراض. . إلخ. ثالثاً: اختلافهم في الفنون البديعية نفسها. . فقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) . يعده بعضهم إيهاماً، وبعضهم تورية وآخرون يذكرونه تحت اسم " تجاهل العارف ". والمطابقة درج الأكثر على أنها: الجمع بين الأضداد أو ما في حكمها مثل: الليل والنهار. والصدق والكذب. وقدامة بن جعفر يخرق هذا الإجماع ويرى أن المطابقة هي، اشتراك المعنيين فى لفظة واحدة بعينها، ومثل لها بقول الأفوه الأودي: وَأقْطعُ الهَوْجَلَ مُسْتَأنِساً. . . بِهَوْجَل عَيْرانَةٍ عَنْتَرِيسْ فلفظ " الهوجل " في البيت اشترك في معنيين: المفازة البعيدة، والناقة التي بها هوج من سرعتها.

стр. 883

أما المطابقة. . فهى عنده التكافؤ، وهذا التكافؤ يطلقه ابن أبى الإصبع على المطابقة إذا كان طرفاها مجازين وكانت الأوصاف لموصوف واحد. . وأمثلة هذا كثيرة جداً. رابعاً: إيرادهم فنوناً مختلفة تحت اسم واحد. فالتطريز - مثلاً - يُعرِّفه أبو هلال بقوله: " أن يقع في أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن فيكون فيها كالطراز في الثوب. . ". ثم يقول: " وهذا النوع قليل في الشعر. وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر: إذَا أبُو قَاسِم جَادَتْ لنَا يَدَهُ. . . لمْ يُحْمد الأجْوَدان البَحْرُ والمطرُ وَإنْ أضَاءَتْ لنَا أنْوَارُ غُرتِهِ. . . تَضَاءَلَ الأنْوَرانِ الشمْسُ وَالقَمَرُ وَإنْ مَضَى رَأيُهُ أوْ جَدَّ عَزْمَتُهُ. . . تَأخرَ الماضيَانِ ت السيْفُ وَالقَدَرُ مَنَْ لمْ يَكُنْ حَذراً مِنْ حَدِّ صَوْلتِهِ. . . لمْ يَدْرِ مَا المزعِجَانِ الخَوْفُ وَالحَذَرُ؟ ويعرفه ابن أبى الإصبع فيقول: " أن يذكر المتكلم - شاعراً أو نأثراً - جملاً من الذوات غير منفصلة ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قدره في تلك الجُمَل الأولى ". ومثل له بقول ابن الرومى: أُمُوركُمو بَنِى خَاقَانِ عِنْدِى. . . عِجَاب فِى عِجَابٍ فِى عِجَابِ قُرُونٌ فِى رُءُوسٍ فِى وُجُوهٍ. . . صِلاَبٌ فِى صِلاَبٍ فِى صِلاَبِ فأيهما التطريز إذن؟

стр. 884

لعل الصواب في ذلك مع ابن أبى الإصبع. لأن ما ذكره أبو هلال قد عدَّه العلماء من فن التوشيح. وعرفوه بـ: " أن يأتي المتكلم، باسم مثنى في حشو العجز ثم يأتي تلوه باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى يكون الأخيرة منهما قافية بيته، أو سجعة كلامه. . ". والتوشيع معروف أنه أحد فروع الإطناب الذي هو من مباحث المعاني. وهذا يقوى وجهة نظر ابن أبى الإصبع. * * سبب الخلط: ولعل السر في هذا الخلط راجع للأسباب الآتية: ١ - كثرة الكاتبين في الفن البديعي. ٢ - مرونة الفن البديعى نفسه. ٣ - دقة علله وتداخل جهاته. ولنعرض - الآن - نماذج من صور البديع في القرآن الكريم ثم نعقب ذلك بفصل نتبين فيه منزلة البديع عامة، وبلاغة البديع في القرآن خاصة. على أننا في ذكرنا لتلك النماذج سنجعل الأساس في ضبطها ما ذكره ابن أبى الإصبع في كتابه " بديع القرآن " لأنه حرص على التمثيل لكل فن من فنونه بنصوص قرآنية. أما غيره فإن التمثيل بالقرآن ليس بلازم عندهم وهذا لا يمنع من ذكر آراء الآخرين إذا تطلب ذلك غرض هام. ١ - الطباق: لم يعرفه ابن أبى الإصبع بل اكتفى بتقسيمه فقال: " الطباق على ضربين: حقيقي ومجازي. . وكل من الضربين على قسمين: لفظي ومعنوي، فما كان

стр. 885

بألفاظ الحقيقة أبقوا عليه اسم الطباق. وما كان كله بألفاظ المجاز أو بعضه سموه تكافؤاً بشرط أن تكون الأضداد لموصوف واحد. فإن كان الضدان أو الأضداد لموصوفين والألفاظ حقيقية فهو الطباق إن كان الكلام جامعاً بين ضدين فذين، وإن كانت الأضداد أربعة فصاعداً كان ذلك مقابلة. . فالفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين: أحدهما: أن الطباق لا يكون إلا بالجمع بين ضدين فذين فقط، والمقابلة لا تكون إلا بما زاد على الضدين من الأربعة إلى العشرة. " والوجه الثاني: المقابلة تكون بالأضداد وبغير الأضداد ". والعلماء - ما عدا قدامة بن جعفر - على أن الطباق هو الجمع بين الشيء وضده، وابن الأثير يُصوب رأى قدامة هذا، ويرى أن المعنى اللغوي للكلمة ينصره. ومثل ابن أبى الإصبع للتكافؤ بقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) . ومن شواهد التكافؤ قوله تعالى: (أوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاهُ) . أى ضالاً فهديناه. . وعلى هذا فلا بدَّ أن يكون في الكلام المتضمن التكافؤ استعارة، فإن لم تكن فيه استعارة فلا تكافؤ. أما الطباق الحقيقي فهو على ثلاثة أقسام: طباق سلب. وطباق إيجاب. وطباق ترديد.

стр. 886

ومثل للأول بقوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) . وقوله : (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) . ومثل للثانى بقوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) . ثم علق على هذه الآيات فقال: " فانظر إلى فضل هذا الطباق، كيف جمع إلى الطباق البليغ التسجيع الفصيح لمجىء المناسبة التامة بين فواصل الآي ". قال: ومما جاءت المطابقة فيه على انفرادها من هذا القسم قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) . . أى ما تنقص وما تزيد. ومن هذا القسم قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) . فجمع سبحانه للمؤمنين في هذا الوصف بين الفعل والترك. . وهذا كله من طباق الإيجاب المعنوي. والقسم الثالث - طباق الترديد - قسَّمه أيضاً إلى قسمين: طباق سلب، وطباق إيجاب. وعرفه فقال: " أن يرد آخر الكلام الطابق على أوله، فإن لم يكن مطابقاً فهو رد الأعجاز على الصدر ".

стр. 887

ومثل للموجب بقوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) . وقد جمعت هذه الآية بين المقابلة وبين طباق السلب المعنوي. فالمقابلة بين الكراهية والحب، والخير والشر، والطباق بين ثبوت العلم لله، ونفيه عن البَشر. ولم يمثل لطباق الترديد السلبى، وقد صرح بأن للطباق نوعاً غير ما تقدم يجتمع فيه الطباق والتكافؤ. ومثل له بقوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) . فهمود الأرض واهتزازها ضدان، لأن الهمود سكون خاص، والاهتزاز ههنا حركة خاصة، وهما مجازان، والربو والإنبات ضدان، وهما حقيقتان، فالأول تكافؤ والثاني طباق. أما أبو هلال فقد ساق للطباق الآيات الآتية: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) . . وهو من طباق الترديد الموجب (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) . . أي من الكفر إلى الإيمان وهو منَ التكافؤ - حسب ما ذكَره ابن أبى الإصبع. وقوله تعالى: (بَاطِنُهُ فِيهِ الرحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ) . . وهذه مقابلة بين الباطن والظاهر، والرحمة والعذاب. وقوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) . . وقد جمعت هذه الآية العكس والتبديل إلى الطباق،

стр. 888

وقوله تعالى: (لا يَخْلقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلقُونَ) . وقوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣) . وهو من طباق السلب الحقيقي المعنوي. وقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) . ثم ذكر قوله تعالى: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) . فقال: " وقد تنازع الناس هذا المعنى. قال ابن مطير: " تَضْحَكُ الأرْضُ مِنْ بُكَاءِ السَّمَاءِ ". وقال آخر: " ضَحِكَ المزْن بِهَا ثُمَّ بَكَى ". وقال آخر: فَلهُ ابْتِسَامٌ فِى لوَامِع بَرْقِهِ. . . وَلهُ بُكاً مِنْ وَدْقِهِ المتَسِّربِ وقال آخر: لاَتَعْجَبِى يَا سَلمُ مِنْ رَجُلٍ. . . ضَحِكَ المشِيبُ بِرَأسِهِ فَبَكَى ثم علق عليها فقال: " فلم يقرب أحد لفظ القرآن في اختصاره وصفائه ورونقه وبهائه وطلاوته ومائه وكذلك جميع ما في القرآن من الطباق ". وهذه لمحة نقدية بارعة لم نعثر على مثلها عند ابن أبى الإصبع. وإن كان هو مولعاً بتحليل الأسلوب القرآني.

стр. 889

وقد زاد ابن الأثير والخطيب القزويني موضعاً فيه دقة، وهو قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) . قال ابن الأثير: " فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من المسببات عن اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة ". أما الخطيب. . فقد جعل هذا الموضع من الملحق بالطباق. وعلله بما علل به ابن الأثير، ثم قاس عليه موضعاً آخر هو قوله تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ) . فإن ابتغاء الفضل يستلزم الحركة المضادة للسكون، والعدول عن لفظ الحركة إلى لفظ " ابتغاء الفضل "، لأن الحركة ضربان: حركة لمصلحة وحركة لمفسدة، والمراد الأولى لا الثانية، واستبدال هذا اللفظ بذاك نوع بديعى يسمى الإرداف. * * * الطباق والتشبيه المسلوب: ذلك ما ذكره العلماء من تقعيد وتصنيف لهذا الفن البديعى " الطباق "، والواقع أنه كثير الورود في القرآن الكريم. وربما كان أكثر ألوان البديع وروداً فيه، وكل ما ذكرناه من أمثلة التشبيه السلبى في القرآن داخلة في أسلوب الطباق، وهو غير مقصور عليه بل تعداه إلى كثير من صور التعبير وذلك أن القرآن كثيراً ما يتحدث عن الإيمان والكفر في سياق واحد أو ما يشبه السياق الواحد، والطاعات والمعاصي، والظلمات والنور، والنفع والضر، والرفد

стр. 890

والغى، والجنة والنار، والسماء والأرض، والحسناتِ والسيئاتِ، والحياة والموت. . . إلى غير هذه المعاني المتقابلة، ولذلك كان أسلوب الطباق أصيلاً فيه لم يجتلب تكلفاً أو ترفاً في الأسلوب. بل هو من مقتضيات الأحوال إذا ما أحسنا التفكير والفهم، يقول سبحانه: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) . ويقول: (الَّذِي خَلقَ الموْتَ والحَيَاةَ) . ويقول: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) . وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) . وقال: َ (وَإذَا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذَاعُواْ بِهِ) . وقال: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ) . وقال: (ألمْ تَعْلمْ أن اللهَ لهُ مُلكُ السماوات والأرْض يُعَذًبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلى كُلً شَيءٍ قَدِيرٌ) . * وقال: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا) . ًوقال: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) .

стр. 891

وقال: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) . وقال: (لهُ مُعَقِّبَاتٌ من بَيْنِ يَديْهِ وَمِنْ خَلفِهِ) . وقال: (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) . * * نتائج مهمة: من تلك اْلنصوص التي ذكرناها - وهي قليل من كثير - نتبين الأمور الآتية: أولاً. أن القرآن يستخدم أسلوب الطباق كثيراً، وهي كثرة قد تفوق كل ألوان ما سموه " البديع " وذلك في المجالات الآتية: (أ) العظة والاعتبار عند ما يقص أنباء الأمم الماضية مثلاً. . كقوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَليْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) . (ب) بيان قُدرة الله، وذلك كقوله تعالى: (فَجَعَلنَا عَالِيَهَا سَافِلهَا) . (ب) للتمييز بين نوعين مختلفين، كقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) . (د) في تمثيل الحقائق تمثيلاً يتضمن المدح في جهة، والذم في أخرى. . وذلك كقوله تعالى: (يُخْرِجُهُم مًنَ الظُلُمَاتِ إلى النُّورِ) . (هـ) فى الكشف عن سلوك قوم ضلُوا عن الحق. . كقوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) . . وغير ذلك كثير، قد تتعدد أغراضه بتعدد أمثلته.

стр. 892

ثانياً: أن القرآن يستخدم هذا الأسلوب في معان أساسية داخلة - لا محال - ضمن مقتضيات الأحوال. وهو بهذا يسمو بالطباق - كما يسمو بغيره من ألوان البديع - فوق ما يعتبره البلاغيون من الحسن الإضافى إلى الدلالة الذاتية. خاصة عندما يُجرى القرآن مقارنة بين حقيقتين مختلفتين فيكون التقابل بينهما - حينئذ - واجباً في حكم البلاغة. . وإلا فكيف يمكن إجراء تلك المقارنة فى غياب طرفيها؟ ثالثاً: أن الطباق في القرآن الكريم - ومثله كل فنون البديع - يؤدى دوراً هاماً في مظاهر إعجازه، وهو سمة عظيمة من سمات أسلوبه قد سلم - مع كثرته - من التكلف بل هو آية الحسن ومصدر العجب، بينما نرى كل مسرف فيه يسير ثم يكبوا ويصيب ثم يخطئ. . وإن شئت فوازن بين قوله تعالي، وقد طابق فيه بين أرِبعة وأربعة: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) . وبين قول الشاعر وقد طابق فيه بين خمسة وخمسة: أزُورُهْم وَسَوادُ الليْلِ يَشْفَعُ لِى. . . وَأنْثَنِي وَبَيَاضُ الصُبْحِ يُغْرِي بِي وازن بينهما لترى الفَرق من حيث نزاهة الألفاظ وجزالتها في القرآن ثم دقة التعبير وشرف المعنى، وهل أنت واجد في قولة هذا الشاعر نظيراً لتلك؟ ولم يسلم بيت أبى الطيب المذكور من المآخذات، قال ابن سنان ينقده: " فهذا البيت مع ما به من التكلف كل لفظة من ألفاظه مقابلة بلفظة هي لها عن طريق المعنى بمنزلة الضد: فأزورهم وأنثنى، وسواد وبياض، والليل والصبح، ويشفع ويغري، ولي وبي. وأصحاب صناعة الشعر لا يجعلون الليل والصبح ضدين، بل يجعلون ضد الليل النهار، لأنهم يراعون في المضادة استعمال الألفاظ، وأكثر ما يقال: الليل والنهار، ولا يقال: الليل والصبح ". * *

стр. 893

* شروط الطباق: ويضع ابن سنان شرطاً لاستعمال الطباق، لم يخالفه فيه أحد قال: " وهذا الباب يجرى مجرى المجانس، ولا يستحسن منه إلا ما قَل ووقع غير مقصود ولا متكلف. . فأما إذا كان مَعْنيا الكلمتين غير متناسبيين لا على جهة التضاد ولا التقارب فإن ذلك يقبح ". فحُسن الطباق إذن يتوقف على ثلاثة أمور: ١ - عدم الإسراف فيه. ٢ - تناسب المعاني بالتضاد. ٣ - تناسب المعاني بالتقارب. وكذلك يرى عبد القاهر الجرجاني: " وأما التطبيق والاستعارة وسائر أقسام البديع فلا شُبهة أن الحُسن والقبح لا يعترض الكلام بهما إلا من جهة المعاني خاصة، من غير أن يكون في ذلك للألفاظ نصيب، أو يكون لها في التحسين أو خلاف التحسين تصعيد أو تصويب ". وعملاً بهذه القواعد حكموا بحسن كثير من النصوص، كما عابوا كثيراً منها. * ٢ - التورية: التورية نمط من التعبير فيه خلابة وله أسر، ومادة " ورى " تدور في اللغة حول الاختفاء والستر. يقال: واريت كذا - إذا سترته. قال تعالى: (قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) . وتوارى: استقر، قال: (حَتى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ) .

стр. 894

وروى أن النبي ﵇ كان إذا أراد غزواً أورى بغيره، والورى - قال الخليل -: " الورى الأنام الذين على وجه الأرض في الوقت، ليس مَن مضى ولا مَن يتناسل بعدهم فكأنهم الذين يسترون الأرض بأشخاصهم ". والتورية في اصطلاح البلاغيين عرَّفها ابن أبى الإصبع فقال: " أن تكون الكلمة تحتمل معنيين، ويستعمل المتكلم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله " وقد صرَّح قبل بأنها تسمى التوجيه، وهذا التعريف فيه طول. وأجود منه ما ذكره الخطيب: " أن يطلق لفظ له معنيان. قريب وبعيد، ويراد به البعيد منهما ". وأجود منهما ما نراه في بحوث المحدَثين: " التورية: أن يذكر لفظ له معنيان: بعيد مراد، وقريب غير مراد ". والفرق بينها ويين التوجيه أن المعنيين في التوجيه في نحو قول الشاعر فى أعور: " ليْتَ عَيْنَيهِ سَواء ". إن تصور المعنيين في التوجيه يأتي بدرجة واحدة لا قُرب ولا بعد في أحدهما. أما التورية. . فأحد المعنيين قريب، والآخر بعيد. فليسا سواء في التصور، والمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ظاهرة لأن المعنى القريب غير المراد، يستر البعيد ويخفيه. وقد قسَّم الخطيب - وتابعه آخرون - التورية إلى: مجردة ومرشحة. والمجردة هي التي لا تجامع شيئاً مما يلائم المورى به - يعني المعنى القريب - الذي يشبه المعنى الحقيقي لتبادره إلى الفهم. ومثله من القرآن الكريم: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) .

стр. 895

فـ " استوى " له معنيان، قريب هو الاستقرار، وهو غير مراد، ولم يقرن بما يلائمه. ومعناه البعيد المراد هو الاستيلاء، والقرينة استحالة الاستقرار الحسي فى جانب الله. والمرشحة هي التي قرنت بما يلائم المورى به ومثاله من القرآن الكريم: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) . فقد أراد ب " الأيدي " المعنى البعيد الذي هو القدرة، وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة المخصوصة، وهو " بنيناها " لأن البناء يكون باليد، والذي يبدو أن الآية من قبيل الاستعارة التمثيلية وإذ معناها يرجع إليها عند التحقيق. وعلى القول المشهور بأنها تورية فإن القرينة هي استحالة الجارحة في حق الله سبحانه. وللتورية - كما يرى السكاكي - دور كبير في توجيه متشابهات القرآن كقوله تعالى: (أنِ اصْنَع الفُلكَ بِأعْيُنِنَا) . وقوله تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) . وقوله تعالى: (وَلقَدْ خَلقْنَا الإنسَانَ وَنَعْلمُ مَا تُوَسْوسُ به نَفْسُهُ وَنَحْنُ أقْرَبُ إليْه مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ) وقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧) .

стр. 896

فما في هذه الآيات، وما أشبهها، من إثبات العين أو الوجه، أو القُرب والمكان، كلها محمولة على التورية، بأن يراد من الأعين: الرعاية والحفظ، ومن الوجه: الذات التي لا يعلمها إلا هو، والقُرب: قُرب العلم لا قُرب المكان والملاصقة. ومن العندية: العندية المعنوية لا عندية المكان. وقد ذكر ابن أبى الإصبع ثلاثة مواضع أخرى كانت التورية فيها في معانٍ ليست وصفاً لله، وهى قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف ﵇: (إنكَ لفِى ضلاَلكَ القدَيِمِ) لأن الضلال يُحمل على ضد الهدى ويحتمل الحب، فاستعملوه مريدين به ضد الهدى مورين به عن الحب ليعلم أن المراد ما أهملوا، لا استعملوا. وقوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) . . فالبدن يُطلق على الجسد، وعلى الدرع، وقد استَعمله بمعنى الجسم وأهمل معنى الدرع ومراده ما أهمل، لأن نجاة فرعون - أي خروجه من البحر بعد الغرق - بدرعه، أعجب من خروجه مجرداً، ثم قال: " ومن التورية اللطيفة قوله تعالى بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) . ولما كان الخطاب لموسى ﵇ من جانب الطور الغربي توجهت اليهود إليه وتوجهت النصارى إلى الشرق، وكانت قبلة الإسلام وسطاً بين القبلتين قال : (وكَذَلكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي خياراً، وظاهر اللفظ يوهم التوسط مع ما يَعضده من توسط قبْلة المسلمين، صدق على لفظ " وسط " هنا أن يسمى تعالى به، لاحتماله المعنيين. ولما كان المراد - والله أعلم - أحد المعنيين الذي هو الخيار دون الآخر، صلحت أن تكون من أمثلة هذا الباب.

стр. 897

وأياً كان. . فإن التورية في القرآن الكريم لها وظيفة هامة. وهي قريبة من المجاز، بل كثيراً ما يُراد المعنى المجازي فيها كإرادة القُدرة من اليد، وهذا ظاهرٌ فيها. وقد سبق عن السكاكي أن متشابهات القرآن من قبيل التورية. فهى فيه إذن ذات دور هام لم تُجتلب لتأدية معنى إضافى، أو تحسين عرضى، فعدها من البديع فيه تسامح، وأجدر بها أن تلحق بأقسام البيان إنصافاً ووصفاً لكل فن فى موضعه، وإلى هذا ذهب العصام في " الأطول " حيث قال في تعريفها: " فالمختصر الواضح أن يقال: هوأن يطلق اللفظ على غير ما وضع له بقرينة خفية مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوع الدلالة ". ثم قال: " فهو داخل في أصل البلاغة فكيف عُدَّ من البديع "؟. * ٣ - المشاكلة: عرفها الخطيب. وغيره، فقال: " ذكر الشىء بلفظ غيره لوقوعه فى صحبته، تحقيقاً أو تقديراً ". ومثَّل لها من القرآن بقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) . . فأطلق النفس على ذات الله. وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيئَةٍ سَيئَة مِثْلهَا) . فسمى الجزاء سيئة. أما وقوعه تقديراً فقد مثل له بقوله تعالى: (صبْغَة اللهِ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) . . أي تطهير الله. وفي الواقع فإن أسلوب المشاكلة كثير في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: (فَمَن اعْتَدَى عَليْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَليْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَليْكُمْ) .

стр. 898

وقوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ) . وقوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أُيْدِيهِمْ) . وقوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) . وقوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) . وقوله تعالى: (إن تَسْخَرُواْ مِنا فَإنا نَسْخَرُ مِنكُمْ) . هذه بعض النصوص التي وردت على أسلوب المشاكلة من القرآن الكريم وهى ذات ملامح بلاغية آسرة. ولنأخذ لذلك أمثلة: فى قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيًئَةٍ سَيًئَةٌ مَثْلهَا) . على طريق المجاز المرسل الذي علاقته السببية، لأنه مسبب عن السيئة وهذا تعبير اقتضاه الحال لأن فاعل السوء قمين بأن يُساء إليه، فإطلاق السيئة على الجزاء أوقع لإقلاعه عن عمل السيئات وألم على نفسه، لأن النفس ترهب أن تُعامَل بالسوء. وكذلك قوله تعالى: (فَاعْتَدُواْ عَليْه) . وقوله تعالى: (فَإنا نَسْخَرُ منكُمْ) . . سمى الجزاء كذلك اعتداءً وسخرية ليكون أوقع في نفس المعتدي فيكَف عن الاعتداء، وفي نفس الساخر ليُقلع عما هو فيه. أما في نحو قوله تعالى: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ) . . أي جازاهم على مكرهم - فإن العدول إلى لفظ " المكر " في جانب الله لتربية الرهبة في نفوس الماكرين لأن الويل كله لمن مكر الله عليه.

стр. 899

وقوله تعالى: (وكَذَلكَ اليَوْمَ تُنْسَى) . . فيه تهكم بالمخاطب وتوبيخ على ما قدم، لأن الواقع ألا نسيان ولا إهمال بل جزاءً وفاقاً، أي نعاملك اليوم بمثل ما كنتَ تعاملنا به في الحياة الدنيا. * * أصالة المشاكلة في القرآن: فأسلوب المشاكلة أسلوب أصيل في القرآن الكريم، وهو جدير بأن يُلحَق - كذلك - بأقسام البيان الأصيل، لأنه من مقتضيات الأحوال، كما نَصَّ على ذلك العصام فيما نقلناه عنه، فهى إما مجاز مرسل كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيئَة سَيئَةٌ مَثْلهَا) وما جرى مجرى هذه الآية، وإما استعارة كقول أبى الرقعمق: قَالُواْ اقْتَرِحْ شَيْئاً نُجِدْ لكَ طبْخَهُ. . . قُلتُ اطبِخُوا لِى جُبَّةً وَقَمِيصاً قال الإنبابي: " وقد تلخص من كلام ابن يعقوب والحفيد أن المشاكلة واسطة بين الحقيقة والمجاز والكناية، وقيل: إنها دائماً مجاز مرسل علاقته المجاورة التي هي هنا الوقوع في الصحبة، وقيل: إنها تجامع المجاز المرسل والاستعارة إن لوحظ علاقتهما، وإلا فهى واسطة - قاله بعض المشايخ ". وقد خالف عبد الحكيم القول بأن المشاكلة من المجاز فقال معلقاً عليه: " القول بكونه مجازاً ينافى كونه من المحسِّنات البديعية، وأنه لا بدَّ في المجاز من اللزوم بين المعنيين في الجملة، فتعيَّن الوجه الأول ".

стр. 900

ومهما كان الخلاف فإن المشاكلة من أساليب البلاغة الأصيلة وليست محسناً ثانوياً كما يقال عنها، ولها فوق ما تؤديه من خدمة للمعاني وظيفة من حيث اللفظ لا يُستهان بها، هي: أن المشاكلة بالجُناس من حيث تماثل اللفظين، بل من الجُناس التام لاتفاق اللفظين في جنس الحروف وعددها وهيئتها وترتيبها. ولا فرق بينها إلا من حيث المعنى، وللجُناس وظيفة سنذكرها في موضعها، وما دامت المشاكلة شبيهة بالجُناس - بل التام منه - فإن ما يثبت له من مزايا يثبت لها كذلك. ٤ - صحة الأقسام: عرفه ابن أبى الإصبع تحت هذا العنوان بقوله: " صحة الأقسام عبارة عن استيفاء المتكلم جميع أقسام العتى الذي هو آخذ فيه، بحيث لا يغادر شيئاً". وعرفه أبو هلال تحت عنوان: " صحة التقسيم " فقال: " التقسيم الصحيح أن تقسم الكلام قسمة مستوية تحتوي على جميع أنواعه ولا يخرج منها جنس من أجناسه ". وعرفه ابن سنان فقال: " أما الصحة في التقسيم فأن تكون الأقسام المذكورة، لم يخل بشىء منها، ولا تكررت ولا دخل بعضها تحت بعض ". وقد تحدث عنه آخرون كعبد القاهر في " الدلائل "، وابن الأثير وغيرهما وكلهم يرفعون من شأنه، ويظهرون الاهتمام به، وقد أفاض ابن أبى الإصبع فى التمثيل له من القرآن الكريم وبدأ بقوله تعالى: (هُوَ الذىِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطمَعاً) . . إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق، والطمع في الأمطار. ولا ثالث لهذين القسمين. . ثم أخذ يبين سر تقديم الخوف

стр. 901

على الطمع. فقال: " ومن لطيف ما وقع في هذه الآية: تقديم الخوف على الطمع، إذ كانت الصواعق يجوز وقوعها من أول برقة. ولا يحصل المطر إلا بعد تواتره لا يكاد يختلف. لهذا كانت العرب تعد سبعين برقة، وتنتجع فلا تخطئ الغيث ". والذي أراه: أن تقديم الخوف على الطمع من تقديم الأهم على المهم. لأن متعلق الخوف الحرص على أصل الحياة، ومتعلق الطمع الحرص على الزيادة من متع الحياة. ومن صحة الأقسام قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قيَاماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبهمْ) . . فلم يترك سبحانه قَسماً من أقسام الهيَئات حتى أتى به، وقد جَاءَ ترتيب الهيئات على حسب الأفضلية، فقدم الذكر قياماً عليه قعوداً، وقدم الذِكر قعوداً عليه رقوداً، وفي هذا من حسن النسق وجودة الترتيب ما فيه. ويجوز حمل التقديم فيها على مراعاة الأكثر فالأكثر، لأن ذكر الله قياماً أكثر من ذكره قعوداً، وذكره قعوداً أكثر من ذكره رقوداً. ومن صحة الأقسام قولَه تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا) . ًفهيئَات الدعاء هنا ثلاث كهيئات الذكر هناك، ولم يفت ابن أبى الإصبع أن يلحظ اختلاف النظم في الترتيب في الآيتين، فتراه يقول: " لكن وقع بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها البلاغة. فتضمن الكلام بها الائتلاف. وذلك أن الذكر يجب فيه تقديم القيام لأن المراد به الصلاة - والله أعلم - والقعود لمن يسَتطيع القيام. والاضطجاع للعاجز عن القعود. والضر يجب فيه تقديم الاضطجاع لغلبة الضعف ومبادئ الإعلال وتزيدها وإذا أزال بعض العلة. . قعد المضطجع. وإذا زالت العلة كلها وتراجعت القوة قام القاعد. والمراد بالدعاء هنا الصلاة أيضاً ". *

стр. 902

* تعقيب: وأقول: لقد وفق المؤلف إلى توجيه الترتيب في الآيتين توفيقاً ليس وراءه مزيد فيما نرى. ولكنى أرى ضرورة مناقشته في المراد بالذكر والدعاء فيهما. فقد حمل الذكر في الأولى على الصلاة، وهذا صواب، ولكن ما المانع أن يراد به مطلق ذكر. . فتدخل الصلاة فيه دخولاً أولياً؟ أما الدعاء. . فقد حمله على الصلاة أيضاً، والأولى - هنا - حمله على الدعاء الحقيقي، لأن مس الضر يلجأ منه الإنسان إلى ربه فيدعوه ليكشف عنه ضره فلو أبقاه على أصله لكان أصوب. كما أشار إلى العدول عن " الواو " إلى " أو " وبيَّن أن السر فيها الإشارة إلى تعداد الضرورين لتوخى الصدق في الخبر. كما عَدَّ من صحة التقسيم قوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) . ومن صحة التقسيم كذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) . فالآية الأولى استوعبت جميع الأوصاف المحمودة إذ وُصِفَ المؤمنون فيها بجميع العبادات. لأن العبادات كلها نوعان: بدنية ومالية، والبدنية قسمان: عبادة الباطن وعبادة الظاهر، والمالية أيضاً قسمان: ما يشترك فيه المال والبدن

стр. 903

كالحج والجهاد، وما ينفرد به المال كالزكاة وصدقة التطوع. . فقوله: (يُؤْمنُونَ بالِغَيْبِ) إشارة إلى عبادة الباطن، وقوله سبحانه: (وَيُقيمُونَ الصلاةَ) تصريح بعبادة الظاهر. وقوله : (وَمما رَزَقْنَاهُمْ يُنفَقُونَ) إشارة إلى العباده المالية. فاستوعبت جميع الأقسام على الترتيب فقدم عبادة الباطن على عبادة الظاهر، وعبادة البدن على عبادة المال. وأما الآية الثانية فاستوفت أقسام الزمان في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إليْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) . فإيمانهم بما أنزل على الرسول إيمان في الحال، وبما أُنزل على الرسل من قبله إيمان في الماضي، وإيمانهم بالآخرة إيمان بالمستقبل، وعبَّر عن إيمانهم بالآخرة باليقين ليدل على قوة تصديقهم بالرسول وما أخبر به. قال ابن أبى الإصبع: " فحصل في هذه الآية مع نهاية المدح صحة الأقسام فى اللفظ، والمبالغة في معنى المدح والإيغال في الفاصلة ". ثم تعرض لنقض بيت زهير، وهو أجمل ما جاءت فيه صحة التقسيم وأبلغه، وهو قوله: وَأعْلمُ مَا فِى اليَوْم وَالأمْسِ قَبْلهُ. . . وَلكِنى عَنْ عِلم مَا فِى غَد عَمِى داعياً للموازنة بينه وبين الآية الثانية من آيتى البقرة، منتصراً للآية عليه مبيِّناً ما فيه من زيادة لم يؤت بها إلا من أجل الوزن، وهي قوله: " قبله " ملاحظاً ما بين فاصلة الآية وقافية البيت من فروق جوهرية، لافتاً النظر إلى ما تضمنته الآية الكريمة من معان شريفة، لو عددت بألفاظها الموضوعة لها ملأت الأكوان.

стр. 904

وذكر ابن الأثير لصحة التقسيم نصوصاً غير ما ذكره ابن أبى الإصبع، فمن ذلك قوله تعالى: (. . فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) قال معلقاً على هذه الآية: " وهذه قسمة صحيحة. فإنه لا يخلو العباد من هذه الثلاثة: فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر بالخيرات، وإما مقتصد بينهما. ومثَّل أيضاً بقوله تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) . وقال معلقاً عليها: " وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها: فأصحاب المشأمة هم الظالون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات ". * * رأي لابن الأثير: ويعالج ابن الأثير في هذا الموضع موضوعاً مهماً لم يتنبه إليه سواه قال: " فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطاً، وترك بعض الأقسام لا يقدح فى الكلام. وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) . فَذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار، فالجواب على ذلك أنى أقول: هذا لا ينقض على ما ذكرته. فإن استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى

стр. 905

قوله تعالى: (ثُمَّ أوْرَثْنَا الكتَابَ الَّذِينَ اصْطفَيْنَا مِنْ عبَادنَا) فإنه حيث قال: " فمنهم " لزم استَيفاء الأقسَام الثلاثة، ولو اقَتصَر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه الآية التي هي: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) فإنه إنما خص أصحاب الجنة بالذكر للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، وَلو خص أصحاب النار بالذكر لعلمَ أيضاً ما لأصحاب الجنة وكذلك كل ما يجرى هذا المجرى فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم فاعرفه ". * ٥ - المذهب الكلامي: سبق أن أبا هلال حين تعرض لهذا الفن نفى أن يكون منه شىء في القرآن الكريم، متابعاً في ذلك ابن المعتز، بحجة أنه مظنة التكلف فالقرآن منزه عنه. ولم يسلم هذا الزعم من التعليقات، فابن أبى الإصبع يقول: " الذي ذكره ابن المعتز أن الجاحظ سماه هذه التسمية وزعم أنه لا يوجد منه شيء فى القرآن، والكتاب الكريم مشحون به، منه قوله تعالى - حكاية عن الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام -: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) . . . إلى قوله تعالى: (وَتلكَ حُجتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلى قَوْمِه) . . ثم ذكر تعريفه فقال: " إنهَ احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجَة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام ". وفي هامش الصناعتين: " هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، وهو أن تكون المقدمات بعد تسليمها مستلزمة المطلوب ". . ومؤدى التعريفين واحد كما ترى.

стр. 906

ومن أمثلته في القرآن الكريم: (قُلْ إنْ كَانَ للرخْمن وَلدٌ فَأنَا أو@لُ العَا بِدينَ) . قالَ الزمخشري: (قُلْ إنْ كَانَ للرحْمن وَلدٌ) وصَح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحُجة واضحة تدلونَ بها فأنا أول من يُعَظم ذلك الولد، وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له. . وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفى الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شُبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات المقدَّم في باب التوحيد. وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد، وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالاً مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها. وليس في هذا الكلام اعتراض لنا - بل هو في غاية الجودة - بَيْدَ أنى أضيف ملاحظتين: أولاهما: أن نفى الولد مستفاد من نفى عبادته، فالرسول إنما كان يعبد الله وحده. ثانيهما: أن في هذا التعبير رمياً لهم بالجهل، فإن الرسول ﵇ يقول لهم: يا معشر الجاهلين: أنا أعلم منكم بالله وما يجب له، ولو فُرِضَ أن له ولداً وصح ذلك عندى لكنت أولاكم بالطاعة والامتثال له. ومن شواهد هذا الفن في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) . وقوله تعالى: (لوْ كانَ فِيهِمًا آلهَةٌ إلا اللهُ لفَسَدَتَا) . وقوله تعالى: (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) .

стр. 907

وقوله تعالى: (أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلقُ) . وغير ذلك كثير. والواقع أن ما سموه بالمذهب الكلامى دعامة أساسية فى الأسلوب القرآني، مثل الطباق، لأن القرآن خاصمَ وجادصل كثيراً في سبيل إحقاق الحق، ودحر الباطل. وكثيراً ما كان يُشرك العقل والإحساس والعواطف والوجدان في الخطاب، ولذلك فإن المذهب الكلامى فيه لم يأت على الطريقة النطقية الجافة. بل ساق لهم الحقيقة نابضة حية لا يحير في تمثيلها عقل ولا تجمد في الإحساس بها عاطفة، ولا يتبلد شعور. * * * * قياس المذهب الكلامى: وطريقة القياس فيه سهلة واضحة. ومقدماته صادقة معتَرف بها حتى عند ألد الخصوم. ونتائجه واضحة مسلمة إلا مَن كابر وعاند وناقض نفسه والواقع. انظر إلى هذا الوضوح: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) . وهذه حقيقة مسلمة ثم انظر كيف استخدم القرآن هذه الحقيقة في إثبات البعث: (أوَ ليْسَ الَّذِي خلقَ السماواتِ والأرْضَ بِقَادرٍ عَلى أن يَخْلقَ مِثْلهُم) . ثم تأمل كيف وصل القرآن إلى نفى تعدد الآلهة في كلمات قصار لفتت الأنظار إلى حقيقة كبرى لا يختلف فيها اثنان، ثم اتخذ من هذه الحقيقة الكبرى مبدأ للقياس: (لوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إلا اللهُ لفَسَدَتَا) . لا فساد في السموات والأرض. هذا حق ثابت، إذن فهو دليل التوحيد فلا إله إلا الله. ذلك هو دور المذهب الكلامى في القرآن. . جدلٌ حيٌّ، ومنطق وجدان. * * *

стр. 908

الفصل الثاني المحسِّنات اللفظية * الجناس: لم يعرفه ابن أبى الإصبع بمعناه العام. بل اهتم بتقسيمه، ثم أخذ في تعريف كل فرع من فروعه عند التمثيل لها. وقد عرفه كثير من العلماء، نذكر منهم ابن المعتز وقد عرفه بقوله: " هو أن تجىء الكلمة تجانس أخرى في بيت شِعر وكلام ". وقدامه بن جعفر: وقد عرفه بقوله: " أن تكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة وألفاظ متجانسة مشتقة ". وأبو هلال العسكرى، وقد عرفه بقوله: " أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كل واحدة منهما صاحبتها في تأليف حروفها حسبما ألف الأصمعي في كتاب الأجناس ". وضياء الدين ابن الأثير، وقد عرفه بقوله: " إن حقيقته أن يكون اللفظ واحداً والمعنى مختلفاً ". وابن سنان الخفاجى. وقد عرفه بقوله: " وهو أن يكون بعض الألفاظ مشتقاً من بعض وإن كان معناهما واحداً. أو بمنزلة المشتق إن كان معناهما مختلقاً. أو تتوافق صيغتا اللفظتين مع اختلاف المعنى ".

стр. 909

والخطيب القزويني، وقد عرفه بقوله: " هو تشابههما في اللفظ ". وغير هؤلاء كثير كالرماني. ولم يخل تعريف منها من النقد، والأقرب إلى الصواب ما ذكره الخطيب مع اختصاره. والأستاذ على الجندى يفضل تعريف العلوي وهو: " اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع اختلاف معانيهما ". ولست أدرى ما الذي يحملنا على تفضيل هذا التعريف بعد ذكر تعريف الخطيب وهو أقرب من تعريف العلوي إذ يقال: " ما المراد بوجه من الوجوه؟ وما أكثر الوجوه التي يشترك فيها اللفظان ولا يقال إنهما متجانسان كاشتراك لفظين في الاسمية أو الفعلية. . . وهكذا. وكل ما يؤخذ على الخطيب أنه أغفل اختلافهما في المعنى. ولهم مع ذلك تقسيمات كثيرة للجناس، لا أراها أنها تهمنا هنا بقدر ما يهمنا وروده فى القرآن. ووظيفته في جمال التعبير. * * * من صور الجُناس في القرآن: ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ) . الساعة الأولى: القيامة، والثانية: المراد بها اللحظة من الزمن، وهذا يسمى عندهم الجُناس التام الماثل. وقد أثار ابن أبى الحديد جدلاً حول عد هذه الآية من الجناس وذلك فى تعقيبه على رأى ابن الأثير بجعلها من الجُناس، ولكن الهق أن في الآية جُناساً لاختلاف معنى اللفظين.

стр. 910

قال السيوطي: " قيل: ولم يقع منه - أي الجناس التام المتماثل - فى القرآن سواه - أي هذه الآية المذكورة - واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر موضعاً آخر هو قوله تعالى: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) . ومنه قوله تعالى: (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) . فالجناس بين: يسقين ويشَفين. وهذَا مَن الجناس المصحف، وضابطه أن تختلف الحروف في النقط. ومنه قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) . والجناس بين مُنذِرين ومُنذَرين. وهذا من الجناس المحرف. وضابطه أن يقع الاختلاف في الحركات. وقد اجتمع المحرف والمصحف في قوله تعالى: (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) . ومن الجناس قوله تعالى: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) . وقوله تعالى: (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) . والجُناس بين الساق والساق. وكلي وكل. وهذا من الجُناس الناقص وضابطه أن يكون الاختلاف في عدد الحروف. ومنه المذيل، وضابطه أن تكون الزيادة بأكثر من حرف كقوله تعالى: (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ) .

стр. 911

وقوله تعالى: (وَلكنَّا كُنا مُرْسلينَ) ، و (مَنْ آمَنَ بالله) ، و (إنَّ رَبَّهُم بِهِمْ) ومنه المضارع. وضابطه أن يختلفا بحرف مقارب في المخرج كقوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأوْنَ عَنْهُ) . فإن اختلفا بحرف غير مقارب فهو اللاحق. كقوله تعالى: (وَيْلٌ لَكُلً هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) . ومنه المرفق: وهو ما تركب من كلمة وبعض كلمة كقوله تعالى: (جُرُف هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ) . ومنه اللفظي: بأن يختلفا بحرف مناسب للآخر مناسبة لفظية كالضاد والظاء فى قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . ومنه القلب: بأن يختلفا في ترتيب الحروف كقوله تعالى حكاية عن هارون ﵇: (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) . ومنه الاشتقاق: وهو أن يجتمعا في الأصل الاشتقاتي ويسمى المقتضب كقوله تعالى: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) . وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) . وقوله تعالى: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) . ومنه تجنيس الإطلاق: بأن يتفقا من حيث الظاهر مع اختلاف المادة المشتق منها. كقوله تعالى: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) .

стр. 912

وقوله تعالى: (لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) . فاأنت ترى أنهم عثروا في القرآن الكريم على أمثلة لكل فروع الجُناس وما شاكله. وبقى من الجُناس نوع سموه " مستوفى " وهو ما اختلف لفظا الجناس فيه بين الاسمية والفعلية. ويقابله المماثل وهو ما اتحد طرفاه: اسمية أو فعلية. وقد قسَّم ابن أبى الإصبع الجناس إلى قسمين كبيرين. سمى أحدهما: جناس مزاوجة، والثاني: جناس مناسبة. . وفرع منهما عشرة فروع. ما بين اللفظي والمعنوي. أما جناس المزاوجة فقد مثل له بأمثلة المشاكلة: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (فَمَنِ اعْتَدَى عَليْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَليْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَليْكُمْ) . وسبب هذه التسمية أن الله تعالى - كما قال هو - سمى جزاء السيئة سيئة. وجزاء الاعتداء اعتداء ليكون في الكلام مزاوجة. واشتراط المثلية في الاعتداء توخياً للعدالة. أما ما سماه جناس المناسبة، فقد مثل للفظي منه بأمثلة جناس الاشتقاق وهى قوله تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) . وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) . * *

стр. 913

* الجُناس يجامع فنوناً أخرى: رأينا أن ابن أبى الإصبع قد مثل لما سماه جُناس المزاوجة بأمثلة هي بعينها أمثلة المشاكلة. ومنه نستطيع القول بأن الجُناس في القرآن قد يجامع المشاكلة. كذلك فإن جُناس الاشتقاق قد جامع فيه الطباق في قوله تعالى: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) . وقوله تعالى: (واللهُ يَعْلمُ وَأنتُمْ لا تَعْلمُونَ) . وجامع الجُناس الترديد في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِى أصْحَابُ النًّارِ وَأصْحَابُ الجَنًّةِ، أصْحَابُ الجَنًّةِ هُمُ الفَائِزُونَ) . والترديد هو إيراد الكلمة بعينها مرتين، وبعضهم يخصها بالشعر، ولكن العلوي وابن أبى الإصبع أجازا مجيء ذلك في النثر. ومن أمثلته عند ابن أبى الإصبع قوله تعالى: (حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . وقوله تعالى: (حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . وقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) . ومن العجيب أن الآية الثانية جمعت بين ثلاثة فنون من فنون البديع فى موضع واحد باعتبارات مختلفة: ١ - الطباق حيث وقع العلم منفياً مرة ومثبتاً أخرى، فهو من طباق السلب.

стр. 914

٢ - الجُناس لتماثل اللفظين " يعلمون "، " يعلمون ": فهو من جناس الاشتقاق. ٣ - الترديد حيث تكرراللفظان وكل منهما متعلق بمعنى مختلف. وقد - يجامع الجُناس التعطف. الذي هو إعادة اللفظة بعينها غير مشروط اجتماعهما ومثاله قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) . فقد أعيدت الكلمة هنا أرلع مرات: " تربصون بنا "، " ونحن نتربص بكم "، " فتربصوا "، " إنَّا معكم متربصون ". ولا شك أن بين هذه المواضع الأربعة جناس اشتقاق. ويجامع الجناس التصدير. ومن أمثلة ذلك في الكتاب الحكيم قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) . * * * وظيفة الجناس: للجناس وظيفتان، إحداهما من حيث المعنى، والأخرى من حيث اللفظ. . أما التي من حيث المعنى فيقول عنها الإمام عبد القاهر في الأسرار: " وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً حتى يكون المعنى هو الذى طلبه واستدعاه وساق نحوه. وحتى لا تبغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً. ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه، وأعلاه وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه. . وذلك كما يُمثلون به أبداً من قول الشافعي

стр. 915

رحمه الله - وقد سئل عن النبيذ - فقال: " قد أجمع أهل الحرمين على تحريمه ". ويقول: " واعلم أن النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلة فى استيجابه الفضيلة، هي: حُسن الإفادة مع أن الصورة صورة الإعادة ". ومعنى هذا أن الكلمة المكررة في التجنيس مع أن الصورة توهم السامع فى أول أمرها أنها لم تأت بجديد. بل هي مكررة لمعنى سابقتها، فإذا حصل للسامع منها المعنى الجديد جاءه ذلك من غير مظانه ومن حيث لم يتوقعه. وفى ذلك متعة للنفس، وربح من غير انتظار. وقال العلوى: " هو عظيم الموقع في البلاغة، جليل القدر فى الفصاحة ". ويقول ابن السبكى: " وكفى التجنيس فخراً قوله ﵊: " غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله. وعصية عصت الله ". . ويرى بعضَهم أنه أشرف الأنواع اللفظية ". وأما وظيفته من حيث اللفظ فإنه يحمل السامع على الإصغاء، كما يقول صاحب كنز البلاغة (عماد الدين إسماعيل بن الأثير الحلبى من علماء القرن الثامن الهجري) : " لم أر مَن ذكر فائدة الجُناس وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه. فإن مناسبة الألفاظ تُحدث ميلاً وإصغاءًإليه. ولأن اللفظ المشترك إذا حُمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه ". وفي هذا النص بيان للوظيفة اللفظية. وإشارة إلى الوظيفة المعنوية. * *
следующие страницы →