← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 21785

خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية

عبد العظيم المطعني

Полный текст (956 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وقوله تعالى: (وَلكنَّا كُنا مُرْسلينَ) ، و (مَنْ آمَنَ بالله) ، و (إنَّ رَبَّهُم بِهِمْ) ومنه المضارع. وضابطه أن يختلفا بحرف مقارب في المخرج كقوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأوْنَ عَنْهُ) . فإن اختلفا بحرف غير مقارب فهو اللاحق. كقوله تعالى: (وَيْلٌ لَكُلً هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) . ومنه المرفق: وهو ما تركب من كلمة وبعض كلمة كقوله تعالى: (جُرُف هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ) . ومنه اللفظي: بأن يختلفا بحرف مناسب للآخر مناسبة لفظية كالضاد والظاء فى قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . ومنه القلب: بأن يختلفا في ترتيب الحروف كقوله تعالى حكاية عن هارون ﵇: (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) . ومنه الاشتقاق: وهو أن يجتمعا في الأصل الاشتقاتي ويسمى المقتضب كقوله تعالى: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) . وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) . وقوله تعالى: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) . ومنه تجنيس الإطلاق: بأن يتفقا من حيث الظاهر مع اختلاف المادة المشتق منها. كقوله تعالى: (قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) .

стр. 912

وقوله تعالى: (لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) . فاأنت ترى أنهم عثروا في القرآن الكريم على أمثلة لكل فروع الجُناس وما شاكله. وبقى من الجُناس نوع سموه " مستوفى " وهو ما اختلف لفظا الجناس فيه بين الاسمية والفعلية. ويقابله المماثل وهو ما اتحد طرفاه: اسمية أو فعلية. وقد قسَّم ابن أبى الإصبع الجناس إلى قسمين كبيرين. سمى أحدهما: جناس مزاوجة، والثاني: جناس مناسبة. . وفرع منهما عشرة فروع. ما بين اللفظي والمعنوي. أما جناس المزاوجة فقد مثل له بأمثلة المشاكلة: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (فَمَنِ اعْتَدَى عَليْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَليْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَليْكُمْ) . وسبب هذه التسمية أن الله تعالى - كما قال هو - سمى جزاء السيئة سيئة. وجزاء الاعتداء اعتداء ليكون في الكلام مزاوجة. واشتراط المثلية في الاعتداء توخياً للعدالة. أما ما سماه جناس المناسبة، فقد مثل للفظي منه بأمثلة جناس الاشتقاق وهى قوله تعالى: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) . وقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) . * *

стр. 913

* الجُناس يجامع فنوناً أخرى: رأينا أن ابن أبى الإصبع قد مثل لما سماه جُناس المزاوجة بأمثلة هي بعينها أمثلة المشاكلة. ومنه نستطيع القول بأن الجُناس في القرآن قد يجامع المشاكلة. كذلك فإن جُناس الاشتقاق قد جامع فيه الطباق في قوله تعالى: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) . وقوله تعالى: (واللهُ يَعْلمُ وَأنتُمْ لا تَعْلمُونَ) . وجامع الجُناس الترديد في قوله تعالى: (لا يَسْتَوِى أصْحَابُ النًّارِ وَأصْحَابُ الجَنًّةِ، أصْحَابُ الجَنًّةِ هُمُ الفَائِزُونَ) . والترديد هو إيراد الكلمة بعينها مرتين، وبعضهم يخصها بالشعر، ولكن العلوي وابن أبى الإصبع أجازا مجيء ذلك في النثر. ومن أمثلته عند ابن أبى الإصبع قوله تعالى: (حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . وقوله تعالى: (حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) . وقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) . ومن العجيب أن الآية الثانية جمعت بين ثلاثة فنون من فنون البديع فى موضع واحد باعتبارات مختلفة: ١ - الطباق حيث وقع العلم منفياً مرة ومثبتاً أخرى، فهو من طباق السلب.

стр. 914

٢ - الجُناس لتماثل اللفظين " يعلمون "، " يعلمون ": فهو من جناس الاشتقاق. ٣ - الترديد حيث تكرراللفظان وكل منهما متعلق بمعنى مختلف. وقد - يجامع الجُناس التعطف. الذي هو إعادة اللفظة بعينها غير مشروط اجتماعهما ومثاله قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) . فقد أعيدت الكلمة هنا أرلع مرات: " تربصون بنا "، " ونحن نتربص بكم "، " فتربصوا "، " إنَّا معكم متربصون ". ولا شك أن بين هذه المواضع الأربعة جناس اشتقاق. ويجامع الجناس التصدير. ومن أمثلة ذلك في الكتاب الحكيم قوله تعالى: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) . * * * وظيفة الجناس: للجناس وظيفتان، إحداهما من حيث المعنى، والأخرى من حيث اللفظ. . أما التي من حيث المعنى فيقول عنها الإمام عبد القاهر في الأسرار: " وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيساً مقبولاً، ولا سجعاً حسناً حتى يكون المعنى هو الذى طلبه واستدعاه وساق نحوه. وحتى لا تبغي به بدلاً، ولا تجد عنه حولاً. ومن هنا كان أحلى تجنيس تسمعه، وأعلاه وأحقه بالحسن وأولاه، ما وقع من غير قصد من المتكلم إلى اجتلابه. . وذلك كما يُمثلون به أبداً من قول الشافعي

стр. 915

رحمه الله - وقد سئل عن النبيذ - فقال: " قد أجمع أهل الحرمين على تحريمه ". ويقول: " واعلم أن النكتة التي ذكرتها في التجنيس، وجعلتها العلة فى استيجابه الفضيلة، هي: حُسن الإفادة مع أن الصورة صورة الإعادة ". ومعنى هذا أن الكلمة المكررة في التجنيس مع أن الصورة توهم السامع فى أول أمرها أنها لم تأت بجديد. بل هي مكررة لمعنى سابقتها، فإذا حصل للسامع منها المعنى الجديد جاءه ذلك من غير مظانه ومن حيث لم يتوقعه. وفى ذلك متعة للنفس، وربح من غير انتظار. وقال العلوى: " هو عظيم الموقع في البلاغة، جليل القدر فى الفصاحة ". ويقول ابن السبكى: " وكفى التجنيس فخراً قوله ﵊: " غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله. وعصية عصت الله ". . ويرى بعضَهم أنه أشرف الأنواع اللفظية ". وأما وظيفته من حيث اللفظ فإنه يحمل السامع على الإصغاء، كما يقول صاحب كنز البلاغة (عماد الدين إسماعيل بن الأثير الحلبى من علماء القرن الثامن الهجري) : " لم أر مَن ذكر فائدة الجُناس وخطر لي أنها الميل إلى الإصغاء إليه. فإن مناسبة الألفاظ تُحدث ميلاً وإصغاءًإليه. ولأن اللفظ المشترك إذا حُمل على معنى ثم جاء والمراد به معنى آخر كان للنفس تشوق إليه ". وفي هذا النص بيان للوظيفة اللفظية. وإشارة إلى الوظيفة المعنوية. * *

стр. 916

* مقومات الجمال في الجناس: وإذا أمعنا النظر في جمال الجُناس حين يقع جميلاً أمكن أن نرجعه إلى ثلاث أسباب: ١ - تناسب الألفاظ في الصورة كلها أو بعضها، ومما لا شك فيه أن التوافق في الصورة واقتران الأشباه والنظائر بعضها ببعض تميل إليه النفوس بالفطرة. وتأنس به وتغتبط ويطمئن إليه الذوق لأنه نظام وانسجام وائتلاف. ويخلع على النفوس راحة وبشاشة. وهدوءاً وقراراً. ٢ - التجاوب الموسيقى المصادر من تماثل الكلمات تماثلاً تاماً أو ناقصاً فيطرب الأذن، ويهز أوتار القلوب. ٣ - ذلك هو العمل الأخَّاذ الذي يسلكه " المجنس " لاختلاف الأذهان واستمالة الأفهام. وفي هذا يقول عبد القاهر: ". . وقد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها. . ويوهمك كأنه لم يزدك شيئاً، وقد أحسن الزيادة ووفاها ". ولهذا فإن الجُناس من مقتضيات الأحوال. وموجبات البلاغة وشرط ذلك أن لا يكون الجُناس متكلفاً. * * * منزلة جُناس القرآن: وقد جاء الجناس في القرآن الكريم على أحسن صورة وأجمل موقع لا تكلف فيه، ولا تصنع، ولا جور على المعنى لحساب اللفظ. . ولا اقتسار للفظ بدون دلالة حسنة.

стр. 917

سواء في ذلك التام منه أو الناقص. وسواء ما كان جُناساً خالصاً. أو اختلط بغيره من ألوان البديع، فليس فيه موضع نازل في معناه. أو مستكره في لفظه بل هو - كله - جار مع طبيعة الأسلوب القرآني في قوته وجزالته ويلاغته وفصاحته. وإن شئتَ فتأمل هذه المواضع مع ما سبق من نصوص ورد فيها الجُناس فى القرآن الكريم: (ثُمَّ انَصرفُواْ صَرَفَ اللهُ قُلوبَهُم) . (يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلبُ فِيهِ القُلوبُ والأبْصَارُ) . (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) . فإنك تجد فوق روعة المعنى وسحر الجرس. مناسبة بين ركني الجُناس جد رائعة، وهذه المناسبة لو لم يكن للجُناس وظيفة سواها لكانت كفيلة بأصالته وحسنه: " انصرفوا - صرف " - " تتقلب - القلوب " - " الربا - يربى " وهكذا في كل جناس أنت واجد خلابة وسحراً. وأسراً للسمع والفكر معاً. وهل أنت واجد في هذه إلا جمالاً وحسناً. والآن فانظر إلى سجع الناس المتكلف لترى الأصالة هنا - أي في القرآن - والزيف فيما عداه، إلا مَن عصم الله. * * * ٢ - ائتلاف اللفظ مع المعنى: عرفه ابن أبى الإصبع فقال: أن تكون ألفاظ المعنى المراد يلائم بعضها بعضاً ليس فيها لفظة نافرة عن أخواتها. غير لائقة بمكانها. كلها موصوف بحسن الجوار، بحيث إذا كان المعنى غريباً فجاً كانت ألفاظه غريبة محضة، وإذا كان

стр. 918

المعنى مولداً كانت الألفاظ مولدة. وإذا كان المعنى متوسطاً كانت الألفاظ كذلك، وإذا كان متداولاً كانت الألفاظ معروفة مستعملة. * * ائتلاف اللفظ مع المعنى سمة للقرآن كله: هذا ملخص ما ذكره المؤلف. ونحن إذا نظرنا إلى عنوان الباب كان القرآن كله مثالاً له. لأن الألفاظ في القرآن مؤتلفه مع معانيها لم يند منها موضع واحد. وعلى هذا فإن إيراد الأمثلة فيه شىء من التسامح. هذا بالنظر إلى عنوان الباب كما قلنا. أما بالنسبة للأحوال التي ذكرها كشرح وتعريف للباب. فإن التمثيل واجب لبيان الأقسام الواردة في التعريف. ولم يختص ابن أبى الإصبع بالكلام عن هذا الأصل بل تحدث عنه كثيرون من العلماء كابن سنان وابن الأثير والعلوي. وقد مثَّل ابن أبى الإصبع له بقوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) . وقد وجَّه النص بما ملخصه: فإنه سبحانه لما أتى بأغرب ألفاظ القَسَم وهي التاء - إذ الواو والباء أعرف منها عند العامة وهما أكثر دوراناً على الألسنة - لما أتى بها أتى بأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار، لأن " كان " وبقية أخواتها أعرف عند الكافة من " تفتأ " وأكثر منها استعمالاً. . وكذلك " حرضاً " فإنها أغرب الألفاظ الدالة على الهلاك، فاقتضى حسن النظم أن تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة أو الاستعمال. توخياً لحسن الجوار ورغبة فى ائتلاف المعاني بالألفاظ. ولتتلاءم الألفاظ في الموضع وتتناسب في النظم

стр. 919

ويتضح هذا إذا ما قورن بمثله. وهو قوله تعالى: (وَأقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيْمَانهمْ) . . فلما كان هذا الموضع كل ما فيه من ألفاظ معروفاً مسَتعملاً قال: " أقسموا "، و " بالله " فلم تأت لفظة غريبة تفتقر إلى ما يشاكلها فى الغرابة ويلائمها. ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) . لأن الركون إلى الظالم دون فعل الظالم نفسه. ولذلك وجب أن يكون العقاب عليه دون عقاب الظالم، ولهذا قال سبحانه: " فتمسكم النار "، فالركون إلى الظالم يناسبه مس النار للراكن. فلم يقل: "لا فقد دخلوا النار " - مثلاً - لأن المتبادر إلى الفهم أن مس النار أول ملاقاة الجسم لها. * * * المس والذوق: هذا وقد جاء " المس " في غير هذا الموضع مراداً به العذاب المؤلم ولا يكون إلا بالدخول في النار والمكث فيها، كقوله تعالى: (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) . فالمعوَّل - إذن - على القرائن كما يقول ابن أبى الإصبع نفسه: " وإذا احتملت اللفظة احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن ". وحتى في هذه الآية - (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) - قد يبلغ ائتلاف اللفظ مع المعنى ومع اللفظ منتهاه. فإذا كان المس أول ملاقاة الجسم للنار، فإن الإذاقة هى أول ملاقاة الطعوم للسان - إذن - فههنا مقابلة آسرة. . ولعل السر البلاغى فى هذا التعبير أن إذاقة مس سقر كاف في الإيلام فما بالك بدخولها؟ وبهذا تنتهى أمثلة ابن أبى الإصبع لهذا الباب من القرآن الكريم. والقرآن - بعد - مشحون بهذه الصور الآسرة. فلنورد بعضها فيما يأتي:

стр. 920

* ذل اليهود ومسكنتهم: (. . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) . هذا إخبار من الله تعالى عن اليهود لما عصوا الله وكفروا به. وقتلوا الأنبياء ظلماً وعدواناً، وخلاصة هذا الإخبار أن اليهود أذلاء وضعفاء أينما كانوا وحيثما حلوا. جزاء لهم على جرائمهم النكرة، فلازمتهم الذلة والمهانة، وجاء التعبير وافياً بالغرض أيما وفاء. يقول الزمخشري: " جُعِلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كما يكون في القبة مَنْ ضُرِبت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب كما يُضرب الطين على الحائط فيلزمه ". ويُفهم من هذا معنيان: الإحاطة، واللزوم. وفي التعبير معنيان آخران ذلك أن الضرب في نفسه مشعر بذل المضروب فاختير هنا ليناسب لفظة " الذل " المجعولة عليهم. والضرب من شأنه إيلام المضروب وإيجاعه. وهذا يُشعر بالأثر السيئ الذى يجده اليهود من ملازمة الذلة والمسكنة لهم. وإحاطتهما بهم. وهذا الضرب مجاز طريقه الاستعارة التمثيلية أو المكنية. ويجوز حمله على الاستعارة التصريحية التبعية. وهذا من باب مناسبة اللفظ للمعنى. وفي قوله تعالى بعد هذا مباشرة: (. . . . وَبَاءُوا بِغَضَب مِنَ الله) مناسبة كذلك، فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم يناسبه: (وبَاءُوا بِغَضَب مِنَ اللهِ) . * *

стр. 921

* غرابة اللفظ لغرابة المعنى: ويدخل في هذا الباب من غرابة الألفاظ لغرابة المعاني قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) . وقوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) . وقوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) . فـ " القسورة " الصياد أو الأسد. وهما أكثر من لفظ: " قسورة " دوراناً على الألسن ووروداً في الاستعمال. وهذا مناسب لغرابة نفور العصاة عن الدعوة إلى الطاعة والهدى. و" رءوس الشياطين " لم يستعمله أحد لأنه لم يقف على حقيقته فجاء مثالاً لثمار أغرب شجرة تنبت في أصل الجحيم. وقسمة الإناث للهِ سبحانه والمذكور للكافرين قسمة غريبة فدل عليها بأغرب لفظة عرفتها لغة العرب. وهذا ميدان واسع في القرآن الكريم يظهر في حقيقته ومجازه، وما أردنا بما ذكرنا إلا التدليل والتمثيل. * * * ٣ - المساواة: عرَّفها ابن أبى الإصبع بقوله: " أن يكون اللفظ مساوياً للمعاني لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ". ثم يعلق عليها فيقول: " وهو من أعظم أبواب البلاغة، بل هو بعينه نفس البلاغة ".

стр. 922

ومعروف أن المساواة من مباحث علم المعاني - وهذا هو شأن البديع - إنما هو فى معظم أبوابه مسائل منتزعة من علمي المعاني والبيان، وللعلماء مذهبان فى أسلوب القرآن. فالجمهور يرى أن القرآن فيه الإطناب والمساواة والإيجاز. . وعرفوا الأول بأن الألفاظ فيه تزيد على المعنى زيادة تؤدى فائدة. والمساواة قد سبق تعريفها. أما الإيجاز. . فأن تكون الألفاظ أقل من المعنى المفهوم منها، وقسَّموا الإيجاز إلى إيجاز حذف، وإيجاز قصر. وقد مثلوا للمساواة بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) . قال ابن أبى الإصبع في بيان المقصود من هذه الآية: " إن الله سبحانه أراد أن يأمر بجميع المحاسن الممدوحات المنجيات، وينهى عن جميع القبائح الموبقات المذمومات. فأخرج المعنى في لفظ هو طبقه. وقالب هو قدره وصوره مساوية لمعناه لا تزيد ولا تنقص عن فحواه،. ومصداق ذلك أن أي لفظة لو حذفتها من ألفاظ الآية اختل شيء من المعنى بحذفها اختلالاً ظاهراً. . . وكذا إذا زيد في ألفاظها لفظة حصل من الاختلال بالزيادة ما حصل منها عند النقص. ولا معنى للمساواة غير هذا. * * * نقد وتحليل: ولكن الحق أن الآية ليست من قبيل المساواة، بل هي شاهد ناطق على الإيجاز وهذا نلمحه من ناحيتين:

стр. 923

من حيث الصناعة النحوية فإن فيها حذفاً في مواضع لا أظن أن المؤلف يخالفنا فيها، وتلك المواضع هي: حذف معمول " يأمر " - حذف معمول المصدر "إيتاء " - حذف معمول " ينهى " - حذف معمول " تذكرون ". هذه المحذوفات وإن كانت كثيرة في الأسلوب القرآني، فإنها تنقل الآية من شاهد المساواة إلى شاهد الإيجاز بالحذف. ومن ناحية دلالة الكلمات أنفسها. . فإن " العدل " تحته أفراد. وكذلك " الإحسان " و " الفحشاء " تحتهما أفراد. وكذلك " المنكر " و" البغى "، فهذه أسماء جوامع دالة على كثير وهذا ينقل الآية من شاهد المساواة إلى شاهد الإيجاز بالقصر. * * * ابن أبى الإصبع يناقض نفسه: وكلام ابن أبى الإصبع نفسه دليل على أن الآية فيها إيجاز قصر حيث يقول: " إن الله سبحانه أراد أن يأمر بجميع المحاسن المنجيات الممدوحات. وينهى عن جميع الموبقات المذمومات "، فكيف يستقيم بعد أن يقال إن الآية من قبيل المساواة؟ ومن شواهد المساواة أيضاً - حسبما ذكروه - قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) . وهذه الآية كأختها شاهد إيجاز وليست شاهد مساواة. وإنى لأعجب لابن أبى الإصبع إذ أورد هذه الآية في باب المساواة وهو نفسه يعلِّق عليها تعليقاً واضحاً بأنها من باب الإيجاز، فهو يقول: " فإنه سبحانه

стр. 924

وتعالى أراد اقتصاص هذه القصة بأوجز لفظ وأبلغه فجاء بها كما ترى مرتبة الألفاظ والجمل حسبما وقع ". فمن هذا النص تعلم أن ابن أبى الإصبع قد سلك الآية في موضعها اللائق بها من البلاغة والإيجاز وحسن النسق. ويعدها مباشرة يقول: " فإن قيل لفظة: " القوم " زائدة تمنع الآية من أن توصف بالمساواة لأنها إذا طرحت استقل الكلام بدونها بحيث يقال: " وقيل بعداً للظالمين ". قلت: لا يستغني الكلام عنها ". ثم أخذ في بيان أصالة لفظة " القوم " في موضعها هنا فوُفقَ أيما توفيق. والذي نأخذه عليه اضطرابه في نسبة الآية إلى المساواة مرة، والإيجاز مرة أخرى، وكونها من الإيجاز أمر لا يحتاج إلى دليل. ثم أخذ يبرر هذا الخلط والاضطراب فقال: " واعلم أن البلاغة قسمان - كما قيل - البلاغة إيجاز من غير اختلال وإطناب من غير إملال. والمساواة معتبرة فى القسمين معاً ". * والسؤال الآن: كيف تكون المساواة معتبرة من قسمى الإيجاز والإطناب. . وعلى أي أساس يمكن فهم هذا التقسيم وبين الأقسام الثلاثة حواجز وضوابط لا تسمح بالتداخل بينها؟ إن في ما يقول ابن أبى الإصبع خروجاً عن إجماع العلماء. ثم تورط أكثر وأكثر عندما راح يطبق فكرته الغريبة هذه على نصوص القرآن. وهذا يظهر مما يأتي: قال. " فما جاء من قسم الإيجاز وهو موصوف بالمساواة! قوله تعالى: (وَلكُمْ فِى القِصَاصِ حَيَاةٌ) . فإن معنى هذه الجملة جاء في قوله

стр. 925

تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) . ثم قال: " لكن الأول إيجاز والثاني إطناب. . وكلاهما موصوف بالمساواة ". وفضلاً عن هذا الخلط والاضطراب فإننا نرى في كلامه ضعفاً حيث يرى أن معنى الآية الثانية متفق مع معنى الآية الأولى - وظاهر أن معنى الآية الأولى بيان أن " القصاص من القاتل " يُضعف رغبة الناس في الاعتداء بالقتل، فتحفظ الحياة بصون الدماء. ومعنى الآية الثانية هو تشريع يبيح لولي القتول المطالبة بالاقتصاص من القاتل مع الاقتصار في الدعوى على الجرم الحقيقي لا يتعداه إلى سواه. فهل بعد هذا يقال: إن معنى الآية الأولى جاء في الآية الثانية؟ وعلى أى أساس أيضاً يدعى الاتحاد بين معنى الآيتين؟! * * * ٤ - الإرداف: وهو مفرع كذلك عن ائتلاف اللفظ مع المعنى. وعرفوه فقالوا: أن يريد المتكلم معنى فلا يُعبِّر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بلفظ الإشارة الدال على المعاني الكثيرة. بل بلفظ هو ردف المعنى الخاص وتابعه قريب من لفظ المعنى الخاص قرب الردف من الرديف. ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى: (وَقُضِيَ الأمْرُ) ، وحقيقة ذلك: وهلك مَن قضى الله بهلاكه. ونجا مَن قضى بنجاته.

стр. 926

وإنما عدل عن هذه الحقيقة إلى لفظ الإرادف لما فيه من الإيجاز والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجى كان بأمر آمر مطاع، وقضاء مَن لا يُرد قضاؤه، والأمر يستلزم آمراً وقضاؤه يدل على قُدرة الآمر به، وطاعة الأمور تدل على قدرة الآمر وقهره وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضان على طاعة الآمر ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص ". ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) . قال: " فإن هذا الكلام عُدلَ فيه عن المعنى الخاص في موضعين توخياً للمناسبة والتسجيع لأن المعنى الخاص في الموضعين أن يقال: لأخذناه أخذاً شديداً وأهلكناه. لكن هذه العبارة خالية من المناسبة لما تقدَّم هذين الموضعين وما تأخر عنهما. ولما كانت المناسبة والتسجيع أمراً مطلوباً عدل عن اللفظ الخاص الذي لا يعطى ذلك إلى لفظ يعطيه مع جزالة فيه ". وأقول: إن المواضع التي ذكرها شواهد للإرداف لا تخرج عن الاعتبارات الآتية: ١ - إيجاز القصر. . وذلك في قوله تعالى: (وَقُضِىَ الأمْرُ) وقد جرى هذا التعبير مجرى الحكمة لإجازة لفظه ووفرة معناه. ٢ - الكناية عن الصفة. . وذلك في قوله تعالى: (قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) ، وقوله تعالى: (ثُمَّ لقَطعْنَا منْهُ الوَتينَ) لأن الأولى كناية عنَ العفة. والثانية كناية عن الهلاك. والوتين: نياط القلب إذا قُطِعَ مات صاحبه.

стр. 927

٣ - الاستعارة التمثيلية. . وذلك في قوله تعالى: (لأخَذنا منْهُ بِاليَمين) شبه حاله - سبحانه - في سيطرته عليه بحال مَن يمسك يمينه فلاَ يستطيعَ دفَعاً ولا فوتاً. * * * ٦ - التمثيل: وهذا مفرع كذلك عن ائتلاف اللفظ مع المعنى. وقد عرفه ابن أبى الإصبع فقال: " هو أن يريد المتكلم معنى فلا يُعبر عنه بلفظه الخاص ولا بلفظى الإشارة ولا الإرداف بل بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف قليلاً. . . ". ومنه: (وَاسْتَوَتْ عَلى الجُوِديِّ) فإن حقيقة ذلك: وجلست على هذا المكان، فعدل عما فيه زيغ إلى ما لا زيغ فيه ولا ميل ولا حركة ولا اضطراب، فإن بهذا الجلوس تسكن قلوب أهل السفينة فحصل تمام الأمن وتمام السكينة، ولا يحصل هذا من قولنا: " جلست "، فلذلك عدل عن لفظ الحقيقة إلى لفظ التمثيل. . هذا معنى من معاني التمثيل وخلاصته: إيثار لفظ مكان آخر، ليس أحدهما مجازاً. * * * معان آخرى للتمثيل: ومعنى آخر مثلوا له بقوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧) . فإن ألفاظ هذه الآية ومعناها تمثيل مجازي أتى به لتتبين به حقيقة أمر مراد. لأنه لما كان هؤلاء المحدث عنهم بذلك لا ينتفعون بما يسمعون من الزواجر. ولا يرتدعون بما يشاهدون من الآيات. . كان امتناعهم عن ذلك بختم وغشاوة

стр. 928

حالا بينهم وبين ما يسمعون وما يبصرون وما يعتقدون، إذ لولا هذه الحيلولة لسمعوا وأبصروا وعقلوا. وفي هذا فإن التمثيل يكون بإيثار لفظ مجازي على آخر حقيقى كـ " الختم " ومعنى ثالث للتمثيل عندهم. وهو حمله على الاستعارة التمثيلية التي تشبه بها الهيئات. . وقد نَص على ذلك كثير منهم كابن أبى الإصبع إذ يقول في توجيه الآية المذكورة: " ويجوز أن تُضرب الجملة مثلاً لصفة أحوالهم كقولهم: سال بهم الوادى - إذا هلكوا، وطارت بفلان العنقاء - إذا طالت غيبته ". ومعنى رابع للتمثيل عندهم هو أن يراد به المثل. وهذا كثير في القرآن الكريم. . منه قوله تعالى: (ليْسَ لهَا مِن دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ) . * * *

стр. 929

الفصل الثالث قيمة البديع القرآني نعرض في هذا الفصل نصوصاً من القرآن الكريم، محاولين توضيح ما فيها مما أطلقوا عليه " بديعاً " سواء دخل عندهم في المعنوي، أو اللفظي، والفرق بين ما قلناه فيهما، وما نقوله في هذا الفصل واضح. ١ - من سورة البقرة (آيات: ٢٦ - ٢٧) : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) . جاءت في هاتين الآيتين ضروب عدة من البديع نذكرها فيما يلي: (أ) المشاكلة: وذلك في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا. .) وهي مشاكلة من النوع الثاني الذي ذكروه في قولهم: " المشاكلة هى ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً ". فهى مشاكلة تقديرية. وذلك بناء على ما ذكره المفسرون. فالزمخشري يقول: " ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة. فقالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب - إشارة إلى قوله تعالى: (لن يَخْلقُواْ ذُبَاباً)

стр. 930

فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال - وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام: مَنْ مُبْلِغُ أفْنَاءَ يَعُرُبَ كُلِّهَا. . . أني بَنِيتُ الجَارَ قَبْلَ المنزِلَ ويلاحَظ أن اللفظ " المشاكل " هنا مجازي المعنى حقيقته الترك. فمعنى: " إن الله لا يستحيي " أي لا يترك الضرب بالبعوضة ترك مَن يستحيي أن يمثِّل بها لحقارتها. . . لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يُعَاب به أو يُذَم وهو بهذا المعنى مستحيل في جانب الله. إذن فقد اجتمع هنا لونان بديعيان: المشاكلة. . وقد تقدم شرحها. (ب) المماثلة أو التمثيل. . وقد سبق أنهم يعتبرونه لوناً بديعياً. وسبق كذلك أنه عندهم يُطلق على عِدَّة أمور: الاستعارة المفردة، الاستعارة التمثيلية، المثل السائر. (ب) الإبهام: وذلك بناء على ما ذكره المفسرون - كذلك - من أن " ما " فى قوله تعالى: (مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أن " ما " الأولى إبهامية، وهى التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شياعاً وعموماً. وكون " ما " إبهامية مشروط بنصب " بعوضة " - كما هي القراءة المشهورة - وإن رفعت " بعوضة " فإن " ما " تصبح موصولة. (د) التوجيه: وذلك في قوله تعالى: (فَمَا فَوْقَهَا) فإن الفوقية هنا لها معنيان، أحدهما: فما تجاوزها في المعنى الذي ضُرِبت فيه وهو القِلة والحقارة. وثانيهما: فما زاد عليها في الحجم. ولما كان أحد هذين المعنيين لم تنصب قرينة على إرادته بعينه، وبقى الفهم والاعتقاد شركة بينهما حصل النوع البديعي الذي يسمونه " التوجيه "؟ وهو

стр. 931

أن يكون للفظ معنيان لم تقم قرينة على إرادة أحدهما. والمتأمل يرى أن كلا المعنيين هنا صالح للفهم والاعتقاد. (هـ) حسن التقسيم: حيث قسَّم الناس بالنسبة لضرب الأمثال بالبعوضة وما زاد عليها في الحقارة أو ما زاد في الحجم إلى فريقين: فريق مؤمن مُصدِّق، وآخر كافر مُكذِّب. (و) المقابلة: حيث طابق بين " آمنوا " و " كفروا " و " يضل " و" يهدى "، وقد جامعت المقابلة هنا التكافؤ حسبما يرى ابن أبى الإصبع لأن " يهدى " و " يضل " مجازيان. (ز) التعطف: وذلك في ثلاثة مواضع " مثلاً " و " مثلاً "، " يضل " و" يضل "، " كثيراً" و " كثيراً". (ح) البيان بعد الإبهام: وذلك أنه سبحانه قال: (يُضل به كَثيراً وَيَهْدى به كثيراً) فبئن أن فريقاً يضل به وآخر يهدى، ولم يبين مَن المهدى ومَنَ المضل، َ ثم عاد فقال: (وَمَا يُضِل بِهِ إلا الفَاسِقِينَ) ليعلم مَن هو الفريق المضل وفي هذا البيان معنى الاحتراس. (ط) صحة التفسير: حيث فسَّر " الفاسقين " في قوله تعالى: (وَمَا يُضِل به إلا الفَاسقينَ) بقوله تعالى: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) . أى النزاهة: وذلك لأنه سبحانه حين أراد ذمهم لم يستعمل فيه هجين اللفظ، ولا قبيح المعنى، بل سجَّل عليهم نقضهم ميثاق الله، وترك ما أمر الله بفعله وفسادهم في الأرض، وأخبر عنهم بأنهم هم الخاسرون لا غيرهم. (ك) التكافؤ: وهو - كما عرفه ابن أبى الإصبع - أن يكون ركنا الطباق مجازيين لا حقيقين، وأن تكون أركان المقابلة مجازية كذلك. والتكافؤ بهذا

стр. 932

المعنى وارد في الآية الثانية: (يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْد ميثَاقه وَيَقْطعُونَ مَا أمَرَ اللهُ بِه أن يُوصَلَ) ، حيث قابل بين النقض وَالتوثقَةَ، والقطع والوصل، وهذه كلها أركان مجازية، فالنقض لا يكون إلا في المركبات الحسية، وكذلك التوثقة، والقطع لا يكون إلا في المتماسك الحسي وقد استعمل هنا مراداً به الترك، والوصل صنو القطع، واستعمل هنا في أمر معنوي هو: الإتيان والفعل. (ل) الترشيح: وذلك أنه قال: (يَنقُضُونَ عَهْدَ الله) وهو الذي رشح لإيقاع النقض على العهد، وهو لا يكون إلا في المركب الحسى و " العهد " معنى من المعاني، فالذي رشح له أنهم يسمون العهد " حبلاً " على سبيل الاستعارة. قال الزمخشري: " فإن قلتَ من أين ساغ استعمال النقض فى إبطال العهد؟ قلتُ: من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لا فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين " (م) التسجيع: وهذا ظاهر من فاصلتى الآيتين: (وَمَا يُضِل به إلا الفَاسقينَ) ، (أولئكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) فاتحدت الفاصلتان في حرفَ النون مسبوقاًََ بحرف مد في الموضعين. (ن) التذييل: وذلك في قوله تعالى: (أولئكَ هُمُ الخَاسِرُونَ) فإنه تذييل جاء مؤكداً لما فُهِم من أوصاف الفاسقين. (س) حسن النسق: حيث جاءت الجمل مترتبة ترتيباً حسناً خالية من عيوب النظم. فقد بدأ - سبحانه - بأنه مطلق الإرادة يمثل بما شاء لما شاء. والناس إزاء هذا التمثيل ضربان: مؤمن مصدِّق، وكافر مستريب، وفي هذا يضل اللهُ مَن يشاء وهم كثيرون، ويهدي مَن يشاء وهم كثيرون، ثم بيَّن أنه لا يضل إلا الفاسقين، ثم شرع في بيان صفات الفاسقين فبدأ بنقضهم عهد الله،

стр. 933

وتركهم ما أمر الله به أن يؤتى، ثم عطف عليه كونهم مفسدين في الأرض. ثم أخبر عنهم بأنهم الخاسرون. والمتأمل يرى أن كل جزء تقدم على آخر فإنه كالسبب فيه أو أخص منه وما أتى بعده عام. أو حكم تقدمت مسبباته. فجاء التعبير محكم البناء، موصول العرى، متلاحم الفقرات. (ع) الانسجام: وقد عرَّفه ابن أبى الإصبع بأن يكون الكلام منحدراً كانحدار الماء النسجم بسهولة سبك وعذوبة ألفاظ وسلامة تأليف. حتى يكون للكلام موقع في النفوس وتأثير في القلوب ما ليس لغيره وإن خلا من البديع. وهذا الانسجام ينطبق على آيتينا هاتين بل ينطبق على كل موضع في القرآن الكريم فهو وصف عام له. لم يختص به موضع دون آخر. (ت) المجاز: هكذا عدُّوا المجاز من فنون البديع، وهو في آيتنا ظاهر فى بعض مواضعها كالنقض في الإبطال، والتوثق في الحفاظ على عهد الله، والقطع في الترك والوصل في الفعل، ومن قبل هذا كان الاستحياء في الترك أيضاً. (ص) الإدماج: وهو كما عرَّفه ابن أبى الإصبع أن يدمج غرض فى غرض أو بديع في بديع بحيث لا يظهر إلا أحد الغرضين. وهذا قد مَرَّ بنا فى موضعين من النص الكريم: أحدهما: دمج التكافؤ في المقابلة في قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) . فإن " يضل " و " يهدى " مَجازيان - كماَ سبق - وهذا تكافؤ مدمج في المقابلة.

стр. 934

وثانيهما: دمج التكافؤ في المقابلة - كذلك - في قوله تعالى: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) على ما سبق بيانه. (ق) التفصيل: وهو الواقع بعد " أما " و " أما " في قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ. .) . ولا يقف بنا الأمر عند هذا الحد، فإن لنا أن نصفَ النص بما يأتي: (ر) ائتلاف اللفظ مع المعنى: لأن كل لفظ فيه قد ائتلف مع معناه. فهما مقدران بقدر، وموضوعان بحكمة وهذا اللون - وإن مثلوا له ببعض آيات القرآن - فإنه وصف عام ليس له فيه موطن دون موطن بل القرآن كله موصوف بائتلاف ألفاظه مع معانيه. (ش) حسن الجوار: وهذا مثل سابقه: وصف عام للقرآن حيث لم تقع فيه لفظة واحدة متنافرة مع سابق عليها أو لاحق لها، وهو ينطبق على آيتينا باعتبارهما جزءاً من التنزيل الحكيم. فهذه أكثر من عشرين لوناً بحثوها في ألوان البديع، وقد جاءت في القرآن على أحسن موقع وأجمل مطلع. وهل ترى في هذا النص - وقد علمنا ما فيه من ألوان البديع - قصوراً فى معناه الذي سيق من أجله؟ أم انتصاراً للفظ على المعنى؟ ليس في النص شىء من هذا. بل هو وافٍ بالمراد في وضوح وقوة، وهذا هو الفارق بين كلام معجز، وكلام هو عرضة للخطأ والمغالاة. * *

стр. 935

٢ - من سورة هود (٤٤) : (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) . هذه الآية الكريمة تصور لنا في إيجاز نهاية قصة الطوفان في عهد نوح عليه السلام، وقد اشتملت على الألوان البديعية الآتية: (أ) المناسبة اللفظية التامة، بين " أقلعى " و " ابلعى ". فقد جمع بين اللفظين وهما هنا موزونان مقفيان بزنة وقافية واحدة وهذا هو معنى المناسبة التامة. (ب) المطابقة: بين " السماء " و " الأرض " في قوله تعالى: (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) وقد مَرُ تعريف المطابقة فلا حاجة إلى ذكره. (ب) الاستعارة: في قوله تعالى: " أقلعي " و " ابلعي ". (د) المجاز المرسل: في قوله تعالى: " يا سماء " والحقيقة: يا مطر السماء والعلاقة: المجاورة. (هـ) الإشارة: وهي أن يدل اللفظ القليل على المعنى الكثير بحيث يكون اللفظ لمحة دالة. وذلك في قوله تعالى: " وغيض الماء " لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء، فدل هذا التركيب القليل: " وغيض الماء " على أن كل ذلك قد حدث. (و) الإرداف: في قوله تعالى: " واستوت على الجوديِّ " وقد مَرَّ بحث هذه العبارة. (ز) التمثيل: وقد مَرَّ تعريفه والتمثيل له بهذه العبارة: " وقُضِى الأمر ". (ح) التعليل: لأن " غِيضَ الماء " عِلَّة الاستواء

стр. 936

(ط) صحة التقسيم: حيث استوعب - سبحانه - حالة الماء حين نقصه. (ى) الاحتراس: من توهم متوهم أن الماء قد عم مَن لا يستحق الهلاك وقد تحقق " الاحتراس " بالدعاء على الهالكين. (ك) الانفصال: لأن لقائل أن يقول: إن لفظة " القوم " يستغنى عنها للمعنى إذ لو قيل: " وقيل بُعداً للظالمين " لتم الكلام. (ل) المساواة: لأن لفظ الآية لا يزيد على معناه ولا ينقص عنه، وستأتي مخالفة هذا الوجه. (م) حسن النسق: في عطف القضايا بعضها على بعض حسبما وقعت الأول فالأول. (ن) ائتلاف اللفظ صع المعنى: لكون كل لفظة لا يصلح غيرها مكانها، وقد مَرَّ تعريفه. (س) الإيجاز: لأن الله اقتص قصة السفينة بلفظها مستوعبة في أخصر عبارة بألفاط غير مطولة. (ع) التسهيم: لأن من أول الآية إلى قوله تعالى: " أقلعي " يقتضي آخرها، والتسهيم أن يكون في أول الكلام ما يدل على آخره لأنها تقتضيه. (ف) التهذيب: لأن مفردات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة. (ص) حسن البيان لأن السامع لا يتوقف في فهم معنى هذا الكلام لوضوحه، وصفائه. (ق) التمكين: لأن الفاصلة مستقرة في قرارها. مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا مستكرهة. (ر) الانسجام:: هو تحدر الكلام بسهولة وعذوبة سبك.

стр. 937

(ش) الإبداع: وهو في مجموع الآية. هذا خلاصة ما ذكره ابن أبى الإصبع في بديع هذه الآية. ولنا عليها ملاحظة هامة. . ذلك أنه وصف الآية بالمساواة وجعل المساواة فناً من فنون البديع كما جعل الاستعارة كذلك. ثم عاد ووصف الآية بالإيجاز، والإيجاز والمساواة ضدان لا يجتمعان، فإما أن يكون الكلام مساوياً أو غير مساو بأن يكون موجزاً أو مطنباً، أما أن يوصف كلام واحد بعينه بأنه مساو مرة وموجز مرة أخرى فهذا شىء غير مفهوم على الإطلاق، ونحن - إذا جاريناه على أن الإيجاز من فنون البديع - فإن الآية موصوفة به لا بالمساواة إذ هي قد اشتملت على نوعى الإيجاز: ففيها إيجاز الحذف. ويكفي في تصور ذلك أن في الآية قد بنى الفعل للمفعول في عدة مواضع: " قيل يا أرض " و " غيض " و " قضى الأمر " و" وقيل بعداً ". كما طوى ذكر السفينة وأضمر فاعل الفعل " استوت "، وحذف معمول " أقلعي ". . . وهذا موسوم بإيجاز الحذف. وفيها إيجاز قصر. . لأن بعض ألفاظها قد حوى كثيراً من المعاني مثل: " غيض الماء " و " قضى الأمر ". وبهذا يظهر خلط ابن أبى الإصبع في عَدِّ الآية من باب المساواة مرة والإيجاز مرة أخرى. وكيف ساغ له ذلك وهو البلاغي الضليع والناقد الأديب؟ لا أرى سبباً وراء ذلك إلا ولوعه بألوان البديع وكثرة محصوله منها. * *

стр. 938

٣ - من سورة يوسف ﵇ (٢٦ - ٢٧) : (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) . * المعنى الإجمالى لهاتين الآيتين: تكذيب يوسف ﵇ لدعوى امراً: العزيز، ثم تأييده فيما قال بشهادة شاهد من أهلها لفت نظر العزيز إلى قرائن الأحوال التي منها علم العزيز صدق يوسف ﵇ وكذب امرأته هو على يوسف. والناظر فيهما لا يجد تكلفاً في العبارات. ولا نقصاً في المعنى، ومع هذا فقد جاءت فيها فنون شتى من البديع لم تخرج عن سمات البلاغة الأصيلة، والبيان الآسر. وتلك الفنون هي: ١ - المناقضة: وهي - هنا - مناقضة المتكلم غيره في معنى. فقد ادعت امرأة العزيز أن يوسف ﵇ راودها عن نفسها. فنقض هذا المعنى فى قوله: (هِىَ رَاوَدَتْنِي عَن نفْسِي) . ٢ - الكناية: في قوله أيضاً: (رَاوَدَتْني عَن نفْسي) وحقيقته: طلبت مني الفحشاء. والمراودة: أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد، فقد كان يوسف ﵇ عزوفاً عنها فأرادت أن تثنيه عن رأيه لتحقق مقصودها. ٣ - النزاهة: لأن في قوله: (راوَدَتْنِي عَن نفْسِي) بُعداً عن الألفاظ المعيبة. وفيها كذلك الاعتدال في الاتهام ويبدو هذا جلياً إذا ما قورنت هذه

стр. 939

العبارة: بعبارة امرأة العزيز: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) . فهي تدل على نفس حاقدة كَائدة مغيظة إذ لم تكتف بمجرد الاتهام. بل بالغت فيه مقترحة الجزاء: إما السجن، وإما العذاب الأليم. ٤ - جُناس الاشتقاق: وذلك في قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ) لأنهما يرجعان في اللفظ إلى أصل واحد. ٥ - الاستقصاء: وهو في قوله تعالى: (مًنْ أهْلهَا) وصفاً للشاهد، وفي هذا مدخل عظيم الأثر في براءة يوسف ﵇، وإدانة امرأة العزيز. ٦ - حسن البيان: لأن المعنى في هاتين الآيتين واضح لا يعوق عنه فهم ولا يغرب عن طالب. ٧ - حسن التفسير: لأن قوله تعالى: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ، والآية التي بعدها - كل هَذا تفسير للشهادة التي أشارت إليهَا العبارة السابقة. ٨ - حسن التقسيم: حيث قسَّم قرائن الواقعة إلى قسمين باعتبار ما حدث من قَد القميص. ٩ - المزاوجة: حيث زاوج بين الشرط والجزاء، فقَد القميص من القُبُل يترتب عليه صدقها وكذبه. وقَده من الدبر يترتب عليه كذبها وصدقه. ١٠ - الإيهام: حيث ساوى بين امرأة العزيز ويوسف ﵇ في احتمال دعوى كل منهما في الصدق والكذب، والقرائن التي أشار إليها الشاهد تخص دعواها بالكذب. وتثبت الصدق ليوسف ﵇. ١١ - المقابلة: حيث طابق بين القُبُل والدُبُر، والصدق والكذب.

стр. 940

١٢ - العكس والتبديل: حيث قدم الصدق مرة وأخره مرة أخرى، وقدم الكذب تارة وأخره تارة أخرى. ١٣ - التمكين: لأن الفاصلة في الموضعين قارة في مكانها لا نافرة ولا قلقة. ١٤ - التسهيم: لأن قوله في الآية الأولى: (إن كانَ قَمِيصُهُ) إلى: (فَكَذَبَتْ) يدل على الفاصلة وكذلك القول في الآية الثانية. ١٥ - التسجيع: لأن الفاصلتين في الموضعين متماثلتان: " الكاذبين " " الصادقين ". ١٦ - لزوم ما لا يلزم: حيث التزم في الفاصلة الياء المكسور ما قبلها وذلك نلحظه في الموضعين. ١٧ - الإيجاز: ففى الآيتين لوحظ حذف بعض الكلمات منها: " قال " قبل: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن أَهْلِهَا) وحذف الفاعل في " قد " في الموضعين. وكان في هذا الحذف من الفخامة والروعة ما فيه. ١٨ - حسن النسق: حيث رتبت الأجزاء ترتيباً حسناً فبدأ بتكذيب يوسف لدعوى امرأة العزيز ثم ذكر شهادة الشاهد الذي أيَّده. ثم تفصيل تلك الشهادة وما يترتب عليها في عرض حسن ونسق جميل. ١٩ - الانسجام: وذلك ظاهر من جزالة الألفاظ، وجودة السبك والترتيب المنطقي لأجزاء القضية. ٢٠ - الافتنان: وقد عرفه ابن أبى الإصبع بأن يأتي المتكلم في كلامه بفنين إما متضادين أو مختلفين، وقد جاء ذلك ظاهراً في الجمع بين البراءة والإدانة، ثم الإدانة والبراءة في قوله تعالى حكاية عن شاهد واقعة امراً: العزيز: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) .

стр. 941

ففى الآية الأولى جمع بين براءة امرأة العزيز - فرضاً - وإدانة يوسف عليه السلام، وفي الآية الثانيهَ جمع بين إدانتها - حقيقة - ويراءة يوسف عليه السلام. وإلى هنا فإننا تناولنا ثلاثة نصوص من القرآن الكريم. وقد أبنا على طريقتهم ما يحتمله النص من وجوه البديع، هذه النصوص في جملتها تتكون من خمس آيات: آيتان من سورة البقرة (٢٦ - ٢٧) ، وآية من سورة هود (٤٤) ، وآيتان من سورة يوسف (٢٦ - ٢٧) . * * * صور البديع فيما تقدم: وكان جملة ما ظهر لنا من فنون البديع فيها - بعد حذف المكرر - واحداً وأربعين فناً. وهي: ١ - التمثيل ٢ - المشاكلة ٣ - الإبهام ٤ - التوجيه ٥ - حسن التقسيم ٦ - المقابلة ٧ - التعطف ٨ - البيان بعد الإبهام ٩ - صحة التفسير ١٠ - النزاهة ١١ - التكافؤ ١٢ - الترشيح ١٣ - التسجيع ١٤ - التذييل ١٥ - حسن النسق ١٦ - الانسجام ١٧ - المجاز ١٨ - الإدماج ١٩ - التفصيل ٢٠ - ائتلاف اللفظ مع المعنى ٢١ - حسن الجوار ٢٢ - الإشارة ٢٣ - الإرداف ٢٤ - التعليل ٢٥ - الاحتراس ٢٦ - الانفصال ٢٧ - المساواة ٢٨ - التسهيم ٢٩ - التهذيب ٣٠- التمكن ٣١ - الإبداع ٣٢ - المناقضة ٣٣ - الكناية. ٣٤ - الجُناس اللفظي ٣٥ - الاستقصاء ٣٦ - المزاوجة ٣٧ - الإيهام ٣٨ - العكس والتبديل ٣٩ - لزوم ما لا يلزم ٤٠ - الإيجاز ٤١ - الافتنان. * * * نتائج مهمة: والباحث في بديع القرآن مع إطلاق القول به حتى يشمل ما هو من المعاني والبيان يخرج بعدة نتائج:

стр. 942

أولاً: أن العلماء قد اشترطوا لقبول البديع وحسنه وبلاغته شروطا منها: ألا يكون متكلفا ولا مسرفاً فيه صاحبه، وأن يُرسَل مع الطبع والسجية ولا يكون على حساب المعنى. وبديع القرآن قد تحقق فيه عدم التكلف وكونه لا على حساب المعنى. أما الشرط الثاني - وهو عدم الإكثار - فلم يتحقق ذلك إذ أن نصوص القرآن قد اشتملت على كثير من ألوان البديع، وقد رأينا أن آية هود المذكورة آنفاً قد استخرج منها العلماء أكثر من عشرين فناً من فنون البديع، ولم تزد كلماتها على سبع عشرة كلمة، بل إن ابن أبى الإصبع قد استخرج من حرف واحد وهو " ثُمَّ " - في قوله تعالى: (ثُمَّ لا يُنصَرُونَ) - قد استخرج من هذا الحرف وحده ثمانية فنون بديعية. * * * كثرة وجوده: ومع هذه الكثرة في بديع القرآن لم تجد له إلا بلاغة وحُسناً، ولم يجرؤ أحد من العلماء والنقاد بتقليل قيمة بديع القرآن، وما رأيناهم قد استحسنوا فيما سواه ما كثر في القصيدة أو البيت لأن التاريخ والنقد الأدبيين لم يجدا مكثرا منه أو مسرفاً فيه إلا كان خطؤه أكثر من صوابه وإجادته أقل من رداءته. ولم يكن الإقلال منه عاصماً من التكلف فيه حتى يكون مع الإكثار عذر لذلك التكلف. فقد أخطأ المقلُّون كما أخطأ المكثرون. فمثلاً. . قد ورد في القرآن الكريم أسلوب مراعاة النظير فسلم وحسن، كقوله تعالى: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) . وتناول الشعراء هذا الأسلوب فأصابوا وأخطأوا.

стр. 943

فقد خطأ نصيب الشاعر الكميت في قوله: أمْ هَلْ ظعَائِنُ بِالعُليَا رَافِعَة. . . وَإن تَكَامَلَ فِيهَا الدَلُ والشَنَبُ قال نصيب للكميت: أين الدل من الشنب، ألا قلت كما قال ذو الرمة: لمْيَاءُ فِى شَفِتيِهَا حَوة لعَسٌ. . . وَفِى اللثَاتِ وَفِى أنْيَابِهَا الشَنَبُ فإن الشنب يُذكر مع اللمس، والدل ئذكر مع الغنج. وبمثل هذا عاب ابن الأثير قول أبى نواس يصف الديك: لهُ اعْتِدَالٌ وَانْتِصَابٌ قَدٍّ. . . وَجِلدُهُ يُشْبِهُ وَشْىَ البرَد كَأَنَّهَا الهِدَابُ فِى الفِرند. . . مَحْدُوبُ الظهْرِكَرِيمُ الجد لأنه ذكر الظهر وقرنه بالجد. وهذا لا يناسب هذا، لأن الظهر من جهة الخلق والجد من جهة النسب. وكذلك خطأه في قوله: وَقَدْحَلِفتُ يَمِيناً. . . مَبْرُورَة لا تَكْذِب بِرَبِّ زَمْزَم والحَوضُ. . . وَالصَفَا وَالمِحْصَب لأن ذكر الحوض مع الصفا والمحصب غير مناسب. وإنما يُذكر الحوض مع الصراط والميزان. وجاء التكرار في القرآن فعزب وراق. كقوله تعالى: (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) . وقوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) .

стр. 944

وقوله: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) . وهو على تقاربه تجد له قوة وجزالة وأغراضه: إما المدح، وإما التهويل وإما للاستبعاد كما في قوله تعالى: (هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ) . . . إلى غير ذلك من الأغراض التي مرت في مبحثه الخاص. وهذا التكرار لا يخرج عندهم عما سموه الترديد أو التعطف. أو الجُناس والمشاكلة. . وقد جاء في الشعر وغيره من كلام الناس فلم يسلم من العيب إلا فيما قَلَّ. فمما عيب قول أبى الطيب: فَقْلقْلتُ بِالسَهْم الذِى قَلقَلَ الحَشَا. . . قَلاَقِل عَيْشٍ كُلهُن قَلاَقِلُ غَثَاثَةُ عَيْش أن تُغَثُ كرامَتِي. . . وَليْس بِغَثٍ أن تُغَثٌ المآكِلُ قال ابن سنان معلَقاً عليهما: " فقد اتفق له أن كرر في البيت الأول لفظة مكررة الحروف فجمع القبح بأسره في صيغة اللفظة نفسها، ثم في إعادتها وتكرارها، واتبع ذلك بغثاثة في البيت الثاني وتكرار " تغث " فلست تجد ما يزيد على هذين البيتين في القبح ". وقال أبو تمام: قَسَمَ الزَمَانُ رُبُوعَها بين الصَبَا. . . وَقَبُولُهَا وَدَبُورُها أثَلاْثَا وقد أخطأ أبو تمام في ذكر " القبول " مع " الصبا "، لأن الصبا هي القبول لذلك عدَّه النقاد غير مفيد. * *

стр. 945

* المبالغة: وجاءت المبالغة في القرآن قولة جزلة لا تنبو عن ذوق ولا ينكرها عقل. مثل قوله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) . ففى هذه الآية مبالغة مقبولة غير منكرة ولا نافرة تصف أثر الخوف وهذا يصوره زوغان الأبصار لشدة الاضطراب وهذا أمر واقع، عطف عليه أمر قريب من الواقع هو بلوغ القلوب الحناجر فإن القلب حين يضطرب تظهر آثار اضطرابه فى تهدج الصوت واضطرابه، والصوت يكون مسموعاً بعد مروره بالحنجرة، فلذلك ساغ هذا التعبير وقوى به المعنى وحَسُن. ومثل قوله تعالى: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) . . مبالغة في صفاء الزيت. وقوله تعالى: (إذا أخْرَجَ يَدَهُ لمْ يَكَدْ يَرَاهَا) . . مبالغة في تصوير الظلمة المحيطة به. وجاءت هذه المبالغة على ألنسة الشعراء فأصابوا وأبعدوا في الخطأ. قال الأعشى: فَتىً لو يُنَادىِ الشَمْسَ ألقَتْ قِنَاعَهَا. . . أوِ القَمَرَ السارِي لألقَى المقَالِدَ فقد غالى في تصوير المعنى فعلق تبذل الشمس على مجالسته لها، وكذلك (تخلى القمر الساري عن المقالد مرهون بتلك المجالسة، وهذه مبالغة موصوفة بالغلو. ولم يخل كلامه من التكلف. فقد أثبت للشمس قناعاً وللقمر مقالد وجوز في جانبهما المنادمة.

стр. 946

وقال أبو نواس: وَأخفْتَ أهلُ الشِرْكَ حَتى أنهُ. . . لتَخَافَكَ النُطفُ التِي لم تُخلقْ وهذا البيت معيب " لما في ذلك من الغلو والإفراط الخارج عن الحقيقة ". * * * صحة التقسيم: وصحة التقسيم جاء في الكتاب الحكيم على أبلغ وجه، وأصح منهج كقوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وَطمَعاً) . وقوله تعالى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) . الآية الأولى: تبين قسمى أثر البرق عند الناس. والآية الثانية: تبين أقسام الناس يوم العرض، فهم ثلاثة لا رابع لهم. فهذه قسمة صحيحة. وقد أخطأ بعض الشعراء عندما تناولوا هذا الفن. مثل قول البحترى: قِفْ مَشُوقاً أوْ مُسْعِداً أوْ حَزِيناً. . . أو مُعِيناً أوْ عَاذرِاً أو عَذُولا قال ابن الأثير: " فإن المشوق يكون حزيناً والمسعد يكون معيناً، وكذلك يكون عاذراً. . وكثيراً ما يقع البحترى في مثل ذلك ". وعابوا قول أبى الطيب: فَافْخَر فَإن الناسَ فَيكَ ثَلاَثَة. . . مُسْتَعْظِمٌ أوْ حَاسِدٌ أو جَاهِلُ

стр. 947

لأن المستعظم يكون حاسداً، والحاسد يكون مستعظماً، ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض " " وأما صحة التقسيم. . فأن تكون الأقسام المذكورة لم يخل بشىء منها، ولا تكررت ولا دخل بعضها في بعض ". ومثَّل للمعيب منه بقول جرير: صَارَتْ حَنِيفَةُ أثْلاَثاً فَثُلثُهُم. . . مِنَ العَبِيدِ وَثُلثٌ مِن مَوَاليهَا ثم علق عليه قائلاً: فهذه قسمة فاسدة من طريق الإخلال لأنه قد أَخل بقسم من الثلاثة. وقيل: إن بعض بنى حنيفة سُئل من أي الأثلاث هو؟ قال: من الثلث الملغى ". وهذه لمحة نقد بالغة الدِّقة. * * * الإيجاز: وجاء الإيجاز في القرآن الكريم بقسميه: إيجاز الحذف وإيجاز القصر، فلم يبهم معه معنى ولا اختفى معه مراد. كقوله تعالى: (وَاسْأل القَريةَ) ، وقوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ) ، وقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) ، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) ، وقوله تعالى: (أُولئكَ لهُمُ الأمْنُ) ، وقوله تعالى: (إنمَا بَغْيُكُمْ عَلى أنفُسِكُم) ، وقوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) .

стр. 948

والقرآن ملىء بمثل هذه الدرر الغوالى مع قوة المعنى ووضوحه وشدة أسره للأفهام. وقد تناوله قوم فأصابوا وأخطأوا، فأما ما جاء في القرآن فهو أبلغ منه وأوجز، ولعل مضرب الأمثال في ذلك قوله تعالى: (وَلكُمْ فِى القصَاصِ حَيَاةٌ) . فإذا قورن به قول العرب: " القتل أنفى للقتل ". فإن عبارة القرآن قد فاقته من عدة وجوه قد عنِىَ العلماء بإفاضة القول فيها. مع أن هذا القول المصادر عن العرب كانوا يعدونه أبلغ ما قيل في معناه. * * * نصوص معيبة: على أن كثيراً من الشعراء قد أوجزوا فأخلُوا، وشرط بلاغة الإيجاز وضوح المعنى. . من ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أعَاذلُ عَاجِلُ مَا أشْتَهِى. . . أحَبُ مِنَ الأكْثَرِ الرَائِثُ لأنه أراد: عاجل ما أشتهى مع القِلة أحب إلى من الأكثر البطيء، فترك "مع القلة " وبه تمام المعنى. ومنه قول عروة بن الورد: عَجِبْتُ لهُمْ إذْ يَقْتُلُونَ نُفَوسَهُم. . . وَمَقْتَلهُم عِنْدَ الوَغَى كَانَ أعْذَرُ لأنه أراد أن يقول: عجبتُ لهم إذ يقتلون نفوسهم في السلم وقتلهم فى الحرب أعذر، فترك " في السلم " وبه تمام المعنى كذلك.

стр. 949

وكذلك قول الحارث بن حلزة: والعَيْشُ خَيْر فِى ظِلالِ النَوْكِ. . . مِمنْ عَاشَ كدَّا أراد: العيش الناعم في ظلال الجهل خير من العيش الشاق في ظلال العقل. . والوجه الذي يُقرب هذه الأمثلة الثلاثة إلى الصواب أنه يمكن أن يقال: إن دليل الحذف فيها ما قابل المحذوف. فقوله: " ومقتلهم عند الوغى " دليل " في السلم " المحذوف، وإلا لخرج الكلام مخرج الآحاجى والألغاز، ولما استحق أن يدخل في باب الأدب. * * * بين القرآن والناس: ولو أننا تتبعنا سائر فنون البديع بمعناها العام لوجدنا أمثلتها في القرآن لا تخرج عن البلاغة الأصلية مع الوفاء بحق المعنى، وحق اللفظ. فليس فيه إحسان في موضع وإساءة في آخر، بل هو على وتيرة واحدة فى جميع فنونه وطرق تعبيره، وهذا هو الفرق الذي رمناه بين بديع القرآن وبديع الناس فالناس - شعراؤهم وناثروهم - إذا أكثروا من استعمال البديع لم يسلم لهم منه إلا القليل، وإذا لم يكثروا منه - وهذا شرط قبوله - فإنهم ليسوا فى مأمن من السقوط والكلفة، كما وقع لبشار بن برد ومسلم بن الوليد وأبى تمام، وكما وقع للمتأخرين منهم حينما أسرفوا وغالوا في السعى وراء البديع فضعف معه المعنى أو زال من أساسه كبديع الزمان الهمذانى وصفى الدين الحلي، وغيرهما من عشاق البديع ومصروعيه.

стр. 950

والبديع في القرآن فِطري جرى مع طبيعة الأسلوب ولم يُصرْ إليه إلى حلية لفظ أو تزويق عبارة، وهو فيه سمة من سمات إعجازه وحسنه سواء أكان راجعاً إلى المعنى أو راجعاً إلى اللفظ وحسنه ذاتي لا عرضي، ولو ذهبنا ننحى ما جاء من بديع القرآن عن أصالة أسلوبه وروعة معانيه، لذهبنا بشطر الحُسن فيه لقوة صوره وأصالة وروده فيه، وقد تقدم لنا أن كثيراً من فنون البديع من صميم طرق التعبير في القرآن الكريم - كالمطابقة - لأنه كثيراً ما يقارن بين أنواع متضادة أو كالمتضادة، والمشاكلة والسجع. . . وما إلى هذه الألوان الآسرة. * * * ملاحظتان مهمتان: على أن هنا ملاحظتين إحداهما ترجع إلى البديع بعامة، والثانية ترجع إلى بديع القرآن بخاصة. أما ما ترجع إلى البديع بعامة. . فإنه فن في حاجة إلى الإنصاف وإعادة النظر، ونحن هنا أمام طريقين: إما أن نطلق كلمة " البديع " على فنون البلاغة جميعاً، وإما أن نرد كل حق إلى نصابه، فنرد ما للمعاني للمعاني، وما للبيان للبيان - مما يدرس ضمن فنون البديع - ولو فعلنا ذلك لما بقى شىء يمكن أن يُطلق عليه بديعاً، لاختلاس هذه الفنون من علمي المعاني والبيان، إلا فيما ندر. وأما ما يتعلق ببديع القرآن. . فإن بعض الباحثين مسرف في إثبات الألوان كما فعل ابن أبى الإصبع في كتابه الموسوم " بديع القرآن " مثل التفويف والتنكيت والانفصال، والتردد والاطراد، فإن إدراك جمال التعبير في القرآن لا يحتاج إلى أكثر من الذوق وصفاء النفس فلا داعي لكثرة التلقيب والتنويع. والحمد لله في الأولى والآخرة. . * * *
следующие страницы →