← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21786

القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة

محمد مصطفى الزحيلي

Полный текст (1 114 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

التطبيقات ١ - لو قال شخص لأحد من أهل ااصنالع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشاً، وقبل الصانع ذلك، انعقد البيع استصناعاً. (الدعاس ص ٣٦) . ٢ - لو تقاول مع نجار لصنع زورق، وبين الطول والعرض وباقي الأوصاف، وقبل النجار، انعقد ذلك استصناعاً. (الدعاس ص ٣٧) . ٣ - لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة، حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بلا خلاف. (ابن رجب ٢/ ٥٧٠) . ٤ - لو استعان شخص بآخر على شراء عقار أو سيارة، وبعد وقوع البيع طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر إلى تعامل الناس، فإن كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ الأجرة فللمستعان به أخذ أجرة المثل وإلا فلا. (السدلان ص ٣٥٩) . ٥ - إعطاء الأجرة لأصحاب المكاتب العقارية من السماسرة والدلالين والسعاة، فقد جرى العرف والعادة في بعض البلاد على إلزام البائع بالأجرة، وفي بعض البلاد يلتزم المشتري بدفع الأجرة، وفي بعض البلاد تؤخذ من الطرفين. وقد يختلف العرف والعادة بحسب المبيع في بلاد أخرى. فيعمل بما جرت عليه عادة الناس. (السدلان ص ٣٩٥) .

стр. 317

القاعدة: [٤٤] ٥ - إنما تُعتبر العادة إذا اطردت أو غَلَبت (م/٤١) الألفاظ الأخرى - تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت. - إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا. التوضيح هذه القاعدة قيد لقاعدة "العادة محكَّمة" (م/ ٣٦) وقيد لقاعدة "استعمال الناس حجّة يجب العمل بها" (م/٣٧) لأن ظاهر القاعدتين أن العادة مرعية على الإطلاق، فجاءت هذه القاعدة لتفيد التقييد بما إذا اطردت العادة أو غلبت، أما إذا ساوت أو ندرت فلا تراعى. فالعادة المعتبرة التي تبنى عليها الأحكام الشرعية إنما هي المطردة أو الغالبة، وإن الشيوع في الأكثر كافٍ؛ إذ لا عبرة للأقل، والعادة المعتبرة تنزل منزلة الشرط، وقد يعبر عن الاطراد بالعموم والشيوع بين الناس، ولو بالأغلبية، ولا يضر انخراقها أحياناً. ولا تراعى العادة النادرة؛ لذلك أفتى الأكابر من فقهاء الحنفية بفساد الإجارة المتعارفة عند خواص أهل بخارى فيما لو استقرض ألفاً مثلاً، واستأجر المقرض لحفظ ملعقة أو ما شاكلها مدة معلومة بأجرة تزيد على قيمة الملعقة، توصلاً لحل المرابحة في القرض، وذكر بعضهم أن فسادها هو الصواب، وعلله بأن هذا الشيء لم تعرفه عامتهم، بل تعارفه خواصهم، والعرف لا يثبت بهذا القدر.

стр. 318

ولهذا قال السيوطي رحمه الله تعالى: "إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإذا اضطربت فلا". التطبيقات أ - لو باع بدراهم، أو بدنانير، وكانت مختلفة في المالية والرواج، ينصرف البيع إلى أغلبها رواجاً، وإذا كانت متساوية في الرواج، والمسألة بحالها، فسد العقد؛ لأنه يؤدي إلى التنازع. (الزرقا ص ٢٢٣) . ٢ - لو باع التاجر في السوق شيئاً بثمن، ولم يصرح بحلول أو تأجيل، وكان المتعارف قيما بينهم أن البائع يأخذ الثمن كل جمعة قدراً معلوماً، انصرف إليه بلا بيان، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. (الدعاس ص ٣٧) . ٣ - لو جهز الأب ابنته جهازاً ودفعه لها، ثم ادعى أنه عارية، ولا بينة، فإن كان العرف أن الأب يدفع ذلك ملكاً لا عارية، لم يقبل قوله. (الدعاس ص ٣٧) . ٤ - من أوقف على درس الحديث، ولم يعرف مراد الواقف، هل هو من يدرس مصطلح الحديث، أو يقرأ الحديث، فيتبع اصطلاح البلد وعُرْفه. (الدعاس ص ٣٨) .

стр. 319

القاعدة: [٤٥] ٦ - العبرة للغالب الشائع لا للنادر (م/٤٣) الألفاظ الأخرى - للأكثر حكم الكل. - الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر. - الأقل يتبع الأكثر. - الحكم للأغلب. - إذا دار الشيء بين الغالب والنادر فإنه يلحق بالغالب. - الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر. - العبرة بالغالب الشائع، لا بالقليل النادر. التوضيح إذا بني حكم شرعي على أمر غالب وشائع فإنه يبنى عاماً للجميع، ولا يؤثر على عمومه واطراده تخلف ذلك الأمر في بعض الأفراد، أو في بعض الأوقات، وهذه القاعدة وثيقة الصلة بالقاعدة السابقة "إنما تعتبر العادة إذا اطردت أو غلبت" ولأن الأصل اعتبار الغالب في الفقه الإسلامي. ولا تبنى الأحكام على الشيء النادر القليل، بل تبنى على الغالب الشائع الكثير، إلا في بعض الحالات استثناء، وسيرد الخلاف عند الشافعية والمالكية في حكم النادر، فهل يلحق يحنسه أو بنفسه، وهل يلحق بالغالب؟

стр. 320

التطبيقات ١ - إن قصر الصلاة في السفر هو رخصة مشروعة، والحكمة في ذلك دفع مشقة السفر، ولكنها لم تنضبط لاختلافها بحسب الأشخاص والأحوال والأزمان، فأقيم السفر علة مقامها بحيث متى وجد السفر وجد القصر؛ لأن السفر يلازم المشقة غالباً، وتخلفها في بعض المترفين لا عبرة له؛ لأن الحكم يراعى في الجنس لا الأفراد، فيجوز قصر الصلاة في حقهم؛ لأن العبرة للغالب الشائع لا للنادر. (الدعاس ص ٣٨) . ٢ - جوّز المتأخرون للدائن في هذا الزمن استيفاء دينه من غير نجس حقه، لغلبة العقوق وأكل الحقوق. (الزرقا ص ٢٣٥) . ٣ - ليس للزوج أن يجبر زوجته على السفر من وطنها إذا كان نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها، لغلبة الإضرار في الأزواج، في العصور المتأخرة. (الزرقا ص ٢٣٥) . ٤ - قال المتأخرون: ليس للقاضي أن يقضي بعلمه، لفساد حال القضاة غالباٌ. (الزرقا ص ٢٣٥) . ٥ - صحح المتأخرون الاستئجار على الإمامة والأذان والتعليم، لتكاسل الناس عن القيام بها مجاناً غالباٌ. (الزرقا ص ٢٣٥) . ٦ - قدر الفقهاء في الحضانة استغناء الصبي بالسبع، وحد الشهوة للأنثى بالتسع، لأنه الغالب. (الزرقا ص ٢٣٥) . وأصبح الغالب في عصرنا التقدير بأكثر من ذلك. ٧ - منع العلماء من سماع دعوى الزوجة بكل المهر المعجل على زوجها بعد الدخول بها، بل يقال لها: إما أن تقري بما تعجلت، وإلا قضينا عليك بالمتعارف تعجيله، والقول للورثة في قدر ذلك، والقول للزوجة فيما زاد على المعجل إلى تمام مهر مثلها، وذلك لأنها لا تسلم نفسها عادة من غير أن تقبض. (الزرقا ص ٢٣٥) . وقد تغيرت هذه العادة في عصرنا فيجب مراعاة ما استقر وشاع في ذلك. ٨ - قدّر الفقهاء مدة الإياس من الحيض للمرأة بخمس وخمسين سنة لأجل أن

стр. 321

تعتد؛ لأن المرأة إذا بلغت هذه السن ففي الغالب ينقطع حيضها. (الزرقا ص ٢٣٦) . وعند الشافعية الأشهر أن سن الياس اثنتان وستون سنة، والراجح الأظهر أنه يعتبر أقصى يأس نساء العالم، وإليه ميل الأكثرين، وقيل: يعتبر إياس أقاربها. وجعل الفقهاء كلل ذلك أحكاماً عامة، مع أنه لا شك لا التخلف في بعض الأفراد وفي بعض الأوقات، ولكن لم ينظروا له، وجعلوا العبرة للكثير الغالب. (الزرقا: ص ٢٣٦) . ٩ - إن الغالب على الأطفال عدم جودة الصرف، فلا يصح منهم التصرف، وإن وجد من بعضهم جودة التصرف فهو نادر. (السدلان ص ٤٠١) . ١٠ - إن سباع البهائم الغالب فيها الناب، وما وجد منها لا ناب له فهو نادر. (السدلان ص ٤٠١) . ١١ - إن الغالب على الناس أن من منع الطعام والشراب عشرة أيام يموت، وما وجد بخلاف ذلك فهو نادر. (السدلان ص ٤٠١) . ١٢ - إن سن البلوغ كما قدره الفقهاء خمس عشرة سنة للذكر، وتسع سين للأنثى؛ لأنها السن الذي يبلغ الأولاد فيها غالباً، فمن شذ منهم عن هذه السن كان نادراً لا عبرة له. (السدلان ص ٤٠١) . ١٣ - قدر الفقهاء سنّ الإياس من الحيض للمرأة خمسين سنة، أو ستة وخمسين سنة، لأجل أن تعتد، لأن المرأة إذا بلغت هذه السنّ ففي الغالب ينقطع عنها الحيض عند الحنابلة. (السدلان ص ٤٠٢) . ١٤ - يحكم بموت المفقود لمرور تسعين سنة من عمره، لأنه الشائع الغالب بين الناس، مع أن البعض يعيش أكثر من ذلك إلا أنه نادر، والنادر لا حكم له. (السدلان ص ٤٠٢) .

стр. 322

١٥ - لو باع بدراهم وأطلق حمل على النقد الغالب، ولو اضطربت العادة في البلدة وتعددت النقود وجب البيان، وإلا بطل البيع. (السدلان ص ٤٠٢) . ١٦ - يصح الاستئجار على الأذان والإمامة وتعليم القرآن لقعود همم الناس عن القيام بها مجاناً في الغالب الشائع، مع وجود من يقوم بها محتسباً، لكنه نادر، والنادر لا حكم له عند الحنابلة. (السدلان ص ٤٠٣) . ١٧ - يعمل بغلبة الظن في الحكم بطهارة الماء الساقط من بيوت المسلمين. (الغرياني ص ٣٨٢) . ١٨ - تحمل عقود المسلمين على الصحة؛ لأن الغالب فيها كذلك. (الغرياني ص ٣٨٢) . ١٩ - الغالب في السفر المشقة، فتقصر فيه الصلاة، ويفطر الصائم في السفر، عملاً بالغالب، دون الالتفات إلى النادر كسفر الملك المرفه. (الغرياني ص ٣٨٢) . ٢٠ - ترد شهادة العدو على عدوه، والصديق الملاطف لصديقه؛ لأن الغالب في الأول الحَيْف وعدم الإنصاف، وفي الثاني الميل والمحاباة، وقد لا يكون في شهادة العدو حيف، ولا في شهادة الصديق ميل، لكن ألغي لندرته وعمل بالغالب. (الغرياني ص ٣٨٣) . ٢١ - إذا نُظم الحلي بالجواهر، وكان في نزعه فساد، فالمشهور من مذهب مالك أن الأقل يتبع الأكثر، والزكاة بحسب الأكثر بزكاة النقد أو عروض التجارة، وقيل لكل حكم نفسه. (المقري ٢/ ٥١١) . ٢٢ - المرأة إذا وُجدت حبلى، ولم يكن لها زوج، ولم تدّع شبهة، فاحتمال أن تكون حملت مكرهة، أو بوطء شبهة، احتمالات نادرة، واحتمال أن تكون حبلت بزقً هو الأغلب والأكثر، والأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، دون النادر، فيحكم عليها بالحد.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٢) . ٢٣ - المستحاضة إذا لم يكن لها عادة، ولا تمييز، فإنها تجلس كالب عادة النساء ستة أيام، أو سبعة، لأن الست أو السبع أغلب الحيض، فيلحق المشتبه به بالغالب،

стр. 323

إذ الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب، دون النادر.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٢) . ٢٤ - إذا اختلف الزوجان في قبض المهر، فالمتوجه إن كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان، كما كان في سابق الأيام، فالقول قول من يوافق العادة.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٢) . ٢٥ - يغتفر ما قد يوجد في المعاملة من كرر يسير، إذا كان الغالب فيها السلامة من ذلك، لأن علة تحريم الغرر هو ما قد ينشأ عنه من نزاع وخصام، وأكل للمال بالباطل، فإذا كان الغرر يسيراً فاحتمال وقوع النزاع نادر، فيجري الحكم على الأغلب؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب دون النادر، كما سنفصله في المثالين التاليين.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٥) . ٢٦ - جواز بيع ثمر النخل إذا بدا صلاح بعضه، فإنه بعد بدو الصلاح يأمن من العاهة في الغالب، وإن كان احتمال إصابته بالعاهة وارداً، لكنه نادر، فيبنى الحكم على الأعم الأغلب دون النادر.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٥) . - ٢٧ - يجوز بيع المغيبات في الأرض، كالجزر واللفت وغيره، وإن كان باطنها لا يرى؛ لأن أهل الخبرة يستدلون بظاهرها على باطنها، وصدق هذا الاستدلال غالب، واحتمال عدم التوافق بين الظاهر والباطن نادر، فيلحق الفرد بالأعم الأغلب.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٥) . ٢٨ - جواز اقتراض ما سوى المكيل والموزون من الحيوان ونحوه، ويثبت في الذمة مثله تقريباً، فوجود مثل الحيوان من كل وجه متعذر، لكن الاتفاق في أكثر الصفات يمكن، وهو الغالب، واحتمال وجود حيوان لا مثيل له نادر، فيلحق الحكم بالأعم الغالب دون النادر.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٦) . ٢٩ - يجوز بيع الأعيان الغائبة بالصفة، إذا وصفت وصفاً كافياً مشتملاً على ما تختلف القيمة باختلافه، وذلك أن المعتبر في معرفة المعقود عليه هو التقريب، واحتمال عدم القدرة على إعطاء الوصف المطلوب نادر، فبلحق الحكم بالأغلب.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٦) .

стр. 324

٣٠ - الأصل فيما بيد المسلم أنه ملكه، وأنه حلال، وهذا بناء على أن الغالب كذلك، والا فقد يوجد بيد المسلم ما ليس ملكاً له، وما ليس بحلال، لكن ذلك نادر، رالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٩٦) . ٣١ - الغالب في أموال المسلمين أنها حلال، والحرام الموجود فيها من مغصوب أو رباً، أو نحو ذلك فهو قليل، لذلك يجوز البيع والشراء دون حاجة إلى بحث وسؤال، هل هذا المال مأخوذ بطريق حلال، أو أنه مأخوذ بطريق محرمة لأن الغالب في الأموال الحل، والحرام قليل، فيبنى الحكم على الأعم الأغلب. وتجوز معاملة من في ماله حلال وحرام، إذا كان الغالب على أمواله الحل، وإن كان الورع ترك معاملته.. (ابن تيمية، الحصين ٩٧/٢) . المستثنى قد يقدم النادر على الغالب في الفقه لأمر يقتضي ذلك، كطلب التيسير على العباد، أو الرحمة بهم، أو التخفيف عليهم، ودفعاً للمشقة ورفع العنت، أو إبقاءً لمصالحهم وحفظاً على حقوقهم، أو صوناً لكرامتهم وحفظاً لأنسابهم، أو لدفع الرعب عن نفوسهم، أو أخذاً باليقين وعدم اعتبار الأمر الطارئ لقلته، أو عدم إمكان التحرز وهذا يعني أن العمل بالنادر أحياناً لا يتم جزافاً، ولا يكون مصادفة، وليس هو مما يوكل إلى رغبة الإنسان ويساير هواه، بل وفق قواعد شرعية معتبرة وضوابط معروفة، فمن ذلك:

стр. 325

١ - تصح صلاة من يمشي حافياً أو لابساً خفاً أو منتعلاً، مع أنه يغلب على الطرقات مصادفة النجاسات، فيقدم النادر، وهو الطهارة، على الغالب، وهو النجاسة. (السدلان ٤٠٦) . ٢ - رجح أكثر العلماء جواز صلاة من حمل صبياً، مع أن الصبيان الصغار لا يتحرزون عن النجاسات، والغالب على ملابسهم ملامسة النجاسات، ويندر أن تسلم منها. (السدلان ص ٤٠٦) . ٣ - اتفق العلماء على صحة صلاة من أصاب ثوبه أو بدنه شيء من وحل الشوارع إذا كان يسيراً يعفى عنه، مع أن الغالب على هذا الوحل النجاسة، إذ الشوارع تدوسها الدواب، ويلعب فيها الأطفال، وذلك توسعة ورحمة بالعباد فتجوز الصلاة عن غير غسل الثوب أو البدن. ٤ - يباح استعمال أواني الكفار التي يستعملونها، مع أن الغالب عدم تحرزهم عن النجاسات وكثرة مخالطتهم لها. ورجح أكثر العلماء استعمال أوانيهم، والصلاة في ثيابهم التي يستعملونهما. وتصل للمسلمين عن طريق التبرعات بواسطة هيئة الإغاثة الدولية، أو عن طريق الغنائم، أو عن طريق الشراء من الأسواق، والنادر طهارتها، إلا إذا علمت نجاستها فلا تصح الصلاة فيها. ويلحق بذلك حكم الصلاة في ثياب الفساق من المسلمين كشاربي الخمر، ما لم يعلم إصابة الخمر لثيابهم. (السدلان ص ٤٥٧) . ٥ - أجاز الشارع كل طعام أهل الكتاب توسعة على العباد ورحمة، إذ يندر طهارة ما يصنعونه بأيديهم وفي أوانيهم، ويغلب عليهم ملابسة النجاسات من الخمر والخنزير والميتة. ويلحق بهذا جواز أكل طعام وذبائح بعض المسلمين الذين لا يحتاطون عن ملامسة النجاسات والقاذورات، ويغلب عليهم عدم التحفظ منها كالصبي والمجنون والسكران على الراجح من قولي العلماء. (السدلان ص ٤٥٩) .

стр. 326

٦ - إذا أقام رجل صالح دعوى على رجل فاجر، فإن القاضي يطالب المعروف بالصلاح بالبينة، ويكتفي من الفاجر باليمين، مع أن الغالب صدق الصالح، وكذب الفاجر. (السدلان ص. ٤١) . ٧ - طلب الشرع الزواج بقصد الإنجاب والذرية مع أن الغالب على الأولاد الجهل بالله تعالى والإقدام على المعاصي، والنادر صلاحهم. (السدلان ص ٤١٦) . ٨ - منع جمهور الفقهاء إقامة الحد على السارق بناء على القرائن وشواهد الأحوال دون الإقرار الصحيح أو البيِّنة المعتبرة، مع أن الغالب مصادفة القرائن للصواب والنادر مخالفتها له، صوناً للأعراض والأطراف عن القطع (القرافي ٤/ ١١٠) . والأمثلة على ذلك كثيرة. ٩ - الغالب على المرأة أن تلد بعد تسعة أشهر، فإذا ولدت المرأة بعد الطلاق بخمس سنين على أقصى تقدير، أو ولدت بعد زواجها بستة أشهر، جاز أن يكون الولد من زنا، وهو الغالب، أو من وطء الزوج، وهو نادر، فألغي الغالب، وألحق الولد بالزوج، رحمة بالعباد، تحصيلاً للستر، وصوناً للأعراض من الهتك.. (الغرياني ص ٣٨٣، القرافي ٣/ ٣ ٥ ٢، ٤/ ٤ ٠ ١) . ١٠ - الطين ومياه الطرقات المختلطة التي تصيب الثياب والنعال، الغالب نجاستها، لما يصيبها من أرواث الدواب ومياه المراحيض، والنادر سلامتها، فألغي الغالب، وحكم بطهارتها، رفعاً للحرج. (الغرياني ص ٣٨٣، القرافي ٤/ ١٠٥) . ١١ - لباس الصبيان، وما يصنعه الكفار من الثياب والأطعمة، وكذلك ما يصنعه المسلمون الذي لا يصلون، والحصر والبسط التي قد اسودت من طول ما لُبِست وابتذلت، الغالب فيها النجاسة؛ لأن الصبيان والكفار والذين لا يصلون لا يتوقون النجاسة، ولا يحسنون التطهر، والنادر سلامتها من النجاسة، فحكم بطهارتها تغليباً للنادر، توسعة ورحمة بالعباد، أما ما يلبسه الكافر وغير المصلي

стр. 327

فلا تجوز الصلاة فيه، لما جاء في قاعدة "هل الغالب كالمحقق ". (الغرياني ص ٣٨٤، القرافي ٤ / ١٠٥، ١٠٦) ١٢ - المتهمون ممن اشتهروا بالسرقة والإجرام، لا يجوز أخذهم بالتهمة دون بينة أو إقرار، مع أن الغالب صواب اتهامهم، والنادر عدمه، فألغي الغالب صوناً للأعراض والدماء. (الغرياني ص ٣٨٤) . ١٣ - ليس للحاكم أن يحكم لمن أتاه متظلماً باكياً شاكياً من خصم مشهور بالفساد والظلم دون بينة، مع أن الغالب في حاله الصدق، فألغي الغالب سداً لباب التهاون في الأحكام دون بينات، ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه. (الغرياني ص ٣٨٤) . ١٤ - الغالب على من وجد مع امرأة متجرداً في لحاف واحد أنه قد أولج، والنادر عدمه، وألغي الغالب، فلا يثبت الزنا. بمجرد ذلك، بل لا بدَّ من رؤية الإيلاج، حفاظاً على الأعراض. (الغرياني ص ٣٥٨) . ١٥ - الاشتغال بالعلم مأمور به، مع أن الغالب في الناس الرياء، والنادر الإخلاص، ومقتضى الغالب النهي، لأن وسيلة المعصية معصية، فلم يعتبر الشارع الغالب، وأثبت حكم النادر. (الغرياني ص ٣٥٨، القرافي ٤/ ١٠٦) . ١٦ - المتداعيان أحدهما كاذب قطعاً، والغالب أن أحدهما يعلم كذب نفسه، والنادر أن يكون قد وقعت له شبهة فلا يعلم، وعلى التقدير الأول يكون تحليف أحدهما لصاحبه سعياً في يمين فاجرة، فيكون حراماً، وقد ألغي هذا الغالب، فجاز تحليفه عملاً بالنادر، لطفاً بالعباد في تخليص حقوقهم، وهذا مثال استثنائي لقاعدة " ما حرم فعله حرم طلبه ". (الغرياني ص ٣٥٨، القرافي ٤/ ١٠٧) . ١٧ - شهادة العدل لنفسه، أو لولده، أو والده، أو على خصمه، أو حكم الحاكم العدل بعلمه، أو شهادته على فعل نفسه بعد عزله، الغالب في ذلك كله الصدق. وقد ألغاه الشارع احتياطاً للحقوق، وسداً لباب التساهل في الأحكام. (الغرياني ص ٣٨٦) .

стр. 328

١٨ - أهمل الغالب والنادر معاً، فلم يؤخذ بهما في كثير من مسائل الشهادة والرواية، ومنها شهادة الصبيان في الأموال، وشهادة الجمع الكثير من النساء في الحدود، وشهادة الجمع الكثير من الفسقة في الأموال وغيرها، وشهادة ثلاثة عدول في الزنا، ومنها عدم قبول رواية الحديث من الجمع الكثير الذي لم يبلغ حد التواتر ممن يغلب على الظن صدقهم، وعدم استحلالهم الكذب إما تديُّناً كالرهبان المعتقدين لتحريم الكذب، وإما طبعاً كالفسقة والعصاة الذين رأسهم أقوامهم وعرفوا بتوقيهم الكذب عادة، فلم تقبل شهادةُ ولا رواية مَنْ ذكر، مع أن الغالب عليهم الصدق، والنادر الكذب، سدّاً لباب قبول المجروحين في الشهادة والرواية، حفظاً للشريعة، ورحمة بالعباد أن تنالهم دعاوى الكذَّابين، وقد ألغي النادر هنا أيضاً، ولو عمل به لحكم على من ذكر بأنه شاهد زور، ويؤدب، لكن ألغيت شهادتهم وروايتهم دون الحكم عليهم بذلك، فهو من إلغاء الغالب والنادر معاً، وجلد الثلاثة في شهادة الزنا ليس لأنهم شهود زور، وإنما للقذف.. (الغرياني ص ٣٨٥، القرافي ٤/ ١٠٩) .

стр. 329

القاعدة: [٤٦] ٧ - الحقيقة تترك بدلالة العادة (م/٤٠) الألفاظ الأخرى - يحمل كلام الناس على ما جرت به عادتهم في خطابهم. - تخصيص العموم بالعرف. - يخص العموم بالعادة. التوضيح إن الأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز خلف عنه، وعند عدم القرينة ينصرف اللفظ إلى معناه الحقيقي، إلا إذا تعذر إرادة المعنى الحقيقي، أو كان مهجوراً عادة وعرفاً فيأخذ حكم المتعذر، فتترك الحقيقة ويصار إلى العرف والعادة. والحقيقة اللغوية تترك بدلالة العادة والعرف؛ لأن الاستعمال والتعارف يجعل إطلاق اللفظ على ما تعورف استعماله فيه حقيقة بالنسبة إلى المستعملين، ويجعل إطلاقه على معناه الوضعي الأصلي في نظرهم مجازاً. ومن المعلوم أن الأمر إذا دار بين الحقيقة والمجاز تترجح الحقيقة، وهي هنا العرف والعادة، ويترك المجاز، وهو المعنى الوضعي الأصلي، لقولهم: "مطلق الكلام محمول على المعتاد". وفائدة هذه القاعدة، بعد قاعدة " العادة محكمة" (م/ ٣٦) وقاعدة "استعمال

стр. 330

الناس حجّة يجب العمل بها" (م/٣٧) دفع ما عساه يتوهم من أن تحكيم العادة. والعمل باستعمال الناس إنما يكونان حيث لم تعارضهما الحقيقة، وذلك بأن لم يكن بإزائهما حقيقة أصلاً، كمسألة التقاط الثمار الساقطة، المتقدمة تحت قاعدة "استعمال الناس حجة "، أو كان بإزائهما حقيقة، ولكنها كانت موافقة لهما، وأما إذا كانت مصادمة لهما فلا يكونان معتبرين، فنبه العلماء بهذه القاعدة على أن تحكيم العادة والعمل باستعمال الناس لا تقوى الحقيقة اللغوية على معارضتها، بل يعمل بهما دونها، وذلك كمسألة وضع القدم، ومسألة ما لو حلف لا يأكل رأساً، ولا يركب دابة، الواردتين في قاعدة "استعمال الناس حجة". فظهر بهذا أن المراد بالحقيقة المذكورة في لفظ هذه القاعدة الحقيقة المهجورة، وإلا فإن الحقيقة المستعملة هي المعتبرة عند الإمام أبي حنيفة دون المجاز، وإن كان استعماله أكثر من استعمالها، ورأيه هو الراجح، ولذلك تعتبر هذه القاعدة مكملة لقاعدة "استعمال الناس حجّة " (م/ ٣٧) . التطبيقات ١ - حلف لا يأكل من هذه الشجرة، فينصرف إلى ثمرها إن كان لها ثمر، وإلا فلثمنها، صوناً لكلام العاقل عن الإلغاء؛ لأنه يتعذر إرادة المعنى الحقيقي (الدعاس ص ٣٨) . ٢ - لو حلف ألاَّ يضع قدمه في دار فلان، فينصرف إلى الدخول بأي وجه كان، راكباً، أو ماشياً، أو حافياً أو منتعلاً؛ لأنه هو المتعارف لا المعنى الحقيقي، وهو مباشرة القدم، دخل أم لم يدخل؛ لأنه مهجور عرفاً، والعرف قاضٍ على الوضع حتى لو تكلف ووضع قدمه ولم يدخل لا يُعدّ شيئاً، ولا يحنث؛ لأنه لم يتعذر المعنى الحقيقي هنا، لكنه مهجور عرفاً وعادة، فيأخذ حكم المتعذر، وتترك الحقيقة، ويصار إلى العرف والعادة. (الدعاس ص ٣٨) .

стр. 331

٣ - كتبت شخص على قرطاس بخطه أن الدين الذي لي على فلان أبرأته منه، فيقبل ويسقط الدين؛ لأن الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان (م/ ١٦٠٦) . ٤ - أمر شخص آخر بكتابة سند بدين عليه لفلان بكذا، وأمضاه وختمه، كان ذلك حجة عليه عند الحاكم، لأنه من قبيل الإقرار بالكتابة، والأمر بكتابة الإقرار إقرار حكماً. (م/ ١٦٠٧) . ٥ - القيود التي هي في دفاتر التجار المعتد بها هي من قبيل الإقرار بالكتابة، فلو كتب التاجر في دفتره أنه مدين لفلان بكذا، فتعتبر كتابته كإقراره الشفاهي (م/ ١٦٠٨) . ٦ - إن سند الدين الذي يكتبه الرجل، أو يستكتبه، ويعطيه لآخر ممضىً بإمضائه أو مختوماً بختمه يعتبر إقراراً بالكتابة، ويكون معتبراً ومرعياً كتقريره الشفاهي (م/ ١٦٠٩) . ٧ - من كتب سنداً، أو استكتبه، وأعطاه ممضى، أو مختوماً، إذا أقر بأنه له، ولكنه أنكر الدين الذي حواه فلا يعتبر إنكاره، ويلزمه أداء ذلك الدين (م/ ١٦١٠) . ٨ - إذا أعطى إنسان سند دين، ثم توفي، يلزم ورثته قضاء الدين من التركة إذا أقروا بأن السند للمتوفى، لأنه حجة عليه (م/ ١٦١١) . ٩ - إذا ظهر في تركة المتوفى كيس مملوء بالنقود، وقد كتب علبه بخط الميت: إن هذا الكيس مال فلان، وهو عندي أمانة، يأخذه ذلك الرجل من التركة، ولا يحتاج إلى الإثبات بوجه آخر (م/ ١٦١٢) . (الزرقا: ص ٣٤٩) . ١٠ - الأيمان تنصرف إلى ما يعرفه الخاطب بلغته، وإن كان اللفظ يستعمل في غيره حقيقة أيضاً، كما إذا حلف؛ لا يأكل الرؤوس، فإما أن يراد رؤوس الأنعام، أو رؤوس الغنم، أو الرأس الذي يؤكل في العادة، وكذلك لفظ البيض الذي يعرفونه. فأما رأس النمل والبراغيث ونحو ذلك فلا يدخل في اللفظ، ولا يدخل بيض السمك، في اليمين.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٣١، (ابن رجب ٢/ ٥٥٥، ٥٥٨) . ١١ - إذا تزوج امرأة على ألف دينار، وكانت العادة جارية بتنصيف الصداق،

стр. 332

وجعل بعضه معجلاً، وباقيه مؤخراً، فإنه يحمل كلامهم على ما جرت به عادتهم، فيجوز للزوج أن يؤخر نصف الصداق (١) .. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٣٢) . ١٢ - البيع بعشرة دراهم أو دنانير، ينصرف عند الإطلاق إلى ما يعرفه الناس من مسمى الدرهم، أو الدينار.. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٣٧) . ١٣ - إذا شرط الواقف للناظر أو غيره ستة، والريع مئة، فإن العادة إذا زاد ريع وإيراد الوقف أن تزيد أجرة الناظر، ويحمل كلامه على ما جرت به عادة الناس. (ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٣٧) . ١٤ - إذا وكله بشراء دابة، وكان معروفاً بينهم أنه الفرس، أو ذات الحوافر، لم ينصرف هذا المطلق إلا إلى المتعارف بينهم.. (ابن تيمية، الحصين ١٣٧/٢) . ١٥ - حلف ألا يأكل شواء، اختصت يمينه باللحم المشوي دون البيض وغيره مما يشوى، وكذا لفظ الدابة والسراج والوتد. (ابن رجب ٢/ ٥٥٥) . ١٦ - حلف لا يأكل اللحم، فأكل لحم سمك، فلا يحنث. (ابن رجب ٢/ ٥٥٩) . ١٧ - حلف لا يتكلم، فقرأ، أو سبح، فالمشهور أنه لا يحنث. (ابن رجب ٢/ ٥٦٢) ١٨ - لو استأجر أجيراً يعمل له مدة معينة حمل على ما جرت العادة بالعمل فيه من الزمان دون غيره بلا خلاف. (ابن رجب ٢/ ٥٧٠) .

стр. 333

القاعدة: [٤٧] ٨ - الكتابُ كالخطاب (م/٦٩) الألفاظ الأخرى - البيان بالكتاب بمنزلة البيان باللسان. - البيان بالكتاب كالبيان باللسان. التوضيح إن الكتابة بين الغائبين كالنطق بين الحاضرين؛ لأن القلم أحد اللسانين، وقد كان ﷺ مأموراً بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، وبلغهم مرة بالكتاب، ومرة بالخطاب، والقرآن أصل الذين، وقد وصل إلينا بالكتاب. ويشترط في الكتابة حتى تثبت بها الأحكام شرطان: أ - أن تكون الكتابة مستبينة، أي مكتوبة على شيء تظهر وتثبت عليه، فلا عبرة بالكتابة على سطح الماء أو في الهواء، ونحو ذلك. ب - أن تكون الكتابة مرسومة، أي مكتوبة بالطريقة المعتادة بين الناس في الخط والخطوط عليه، ليخرج غيرها. أما الطريقة المعتادة في الخط فبان يكون مُعَنْوناً ومُصَدَّراً باسم المرسل والمرسَل إليه، كقوله: من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، وأن يكون مختوماً أو موقعاً عليه من المرسِل المتكلم، والظاهر في زماننا أنه يكفي أن يكون مذيلاً بإمضائه أو ختمه، كما تفيده المجلة (م/١٦٠٩) وأن ذلك يغني عن تصديره بقوله: من فلان.

стр. 334

وأما الطريقة المعتادة في الخطوط عليه فبأن يكون كاغداً، فلو كتب على الجدار أو ورق الشجر، أو على الكاغد لا على وجه الرسم، فإنه لا يكون حجة إلا بالإشهاد عليه أو الإملاء على الغير ليكتبه، وفي زماننا أن تكون الكتابة على قرطاس وورق كتابة، لا على نحو ألواح عظام، أو ورق شجر ونحوها. والتقييد بالغائب لإخراج الحاضر، فإن كتابته لا حكم لها، إلا لحاجة كالأخرس، ويختلف أثر الكتابة وتحديد وقتها بحسب العقود والتصرفات. التطبيقات ١ - إذا كانت الكتابة في العقود التي تتوقف على علم الآخر ورضاه، كالبيع والإجارة والشركة والزواج، فلا تأخذ الكتابة مفعولها من بدء الكتابة، بل من بدء وصول الكتاب، وعقد قراءته، وعندها يعتبر الموجب والقابل، فيعتبر مجلس بلوغ الكتاب، ولا يظهر أثر الخط إلا على القبول. (الزرقا ص ٣٤٩، الدعاس ص ٣٩) . ٢ - وكذا الحكم في الكتابة في التفويض بالطلاق، فإنه يقتصر على المجلس، وبعتبر فيه مجلس بلوغ الكتاب (الزرقا ص ٣٤٩) . ٣ - إذا كان التصرف يتوقف على العلم فقط كالوكالة فلا يظهر تقييده بالمجلس، ويكفي فيه الاطلاع على ما في الكتاب. (الزرقا ص ٣٤٩) . ٤ - إن التصرفات التي لا تفتقر إلى إطْلاع الطرف الثاني، مما يستقل به الإنسان كالاقرار، والطلاق، والعتاق، والإبراء، كما إذا كتب: امرأته طالق، أو عبده حر (بالإضافة إلى ياء المتكلم فيهما) فإنه لا حاجة في ذلك إلى الإطلاع، بل ولا إلى الإرسال، ولا يتقيد بالغيبة، ويقع الطلاق، والعتاق، والإبراء، والإقرار، بمجرد الكتابة نوى أو لم ينو، إذا كان الخط مرسوماً، وكذلك لو كتب: إنَّ الدَّين الذي لي على فلان ابن فلان أبرأته عنه صح، وسقط الدين، وظاهره أنه يسقط بمجرد الكتابة أيضاً. (الزرقا ص " ٣٥، الدعاس ص ٤٠) . ٥ - من أراد أن يخطب امرأة وبتزوجها فكتب إليها بالخطبة والزواج، فإذا بلغ

стр. 335

المرأة الكتاب، وأحضرت الشهود، وقرأته عليهم، وقالت: زوجت نفسي منه، انعقد النكاح وصح (الدعاس ص ٤٠) . ٦ - إن القاضي يعمل بما وجده في أيدي القضاة الماضين، وله رسوم في دواوينهم أي سجلات. (الدعاس ص ٤٠) .

стр. 336

القاعدة: [٤٨] ٩ - الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان (م/٧٠) الألفاظ الأخرى - الإشارات المعهودة للأخرس كالبيان باللسان. - إشارة الأخرس كعبارة الناطق. - إشارة الأخرس المفهمة كالنطق. - إشارة الأخرس أقيمت مقام العبارة. التوضيح إن الإشارة المعهودة أي المعلومة المعتادة للأخرس الأصلي، بعضو من أعضائه، كيده، أو رأسه، أو عينه، أو حاجبه، معتبرة كالبيان باللسان، وهي بمنزلة نطقه فتعتبر. وهذا استحسان ضرورة، كما أن الشرع اعتبر ذلك منه في العبادات، فإذا حرك لسانه بالتكبير والقراءة ونحوها كان صحيحا، ولو لم يعتبر ذلك منه مات جوعاً وعطشاً، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه أخبر بالإشارة بقوله: " الشهر هكذا وهكذا .

стр. 337

وهكذا، وخنس إصبعه في الثالثة، يعني تسعاً وعشرين، وثلاثين " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد. ويشترط لصحة اعتبار إشارة الأخرس أن تكون مفهومة ومعهودة يفهمها كل من وقف عليها كالتحريك برأسه طولاً للموافقة وعرضاً للرفض. ولا يشترط لاعتبار إشارة الأخرس عدم علمه بالكتابة على المعتمد، فإذا كان عالماً بالكتابة ولم يشهد، أو أشار ولم يكتب، فإنه يكون معتبراً، ولكن شرطوا لإيقاعه الطلاق أن يكون مقروناً منه بتصويت. والاحتراز بالأخرس عن القادر عن التكلم، فإن إشارته لا تعتبر إذا كانت مستقلة، إلا في مسائل: منها: الإسلام، والكفر، والنسب، والإفتاء، وأما إذا لم تكن مستقلة بأن استعان بها على تفسير لفظ مبهم في كلامه فتعتبر، كما لو قال لزوجته: أنت طالق هكذا (وأشار بثلاث مثلاً) . فيقعن بخلاف ما لو قال: أنت طالق (وأشار بثلاث) فإنه يقع واحدة. والاحتراز بالأخرس الأصلي عن العارض، وهو معتقل اللسان، فإنه لا تعتبر إشارته إلا إذا اتصل بعقلته الموت، أو دامت سنة، فحينئذ تعتبر إشارته المعهودة، وإلا فلا. التطبيقات ١ - إشارة الأخرس في النكاح، والطلاق، والعتاق، والبيع، والإجارة، والهبة، والرهن، والإبراء، والإقرار، والنكول، والقصاص في إحدى الروايتين معتبرة. (الزرقا ص ٣٥١، الدعاس ص ٤٠) . ٢ - تصح إشارة الأخرس في الحلف، وكيفية تحليفه أن يقول له القاضي: عليك

стр. 338

عهد الله وميثاقه إن كان كذا، فإذا أومأ برأسه: نعم، يصير حالفاً، ولا يقول له: بالله إن كان كذا؛ لأنه لو أشار برأسه بنعم يكون مقرًّا بالله، لا حالفاً به، والظاهر أنه لا بدَّ في تحليفه من إشارة مع اللفظ من القاضي، أو جلوازه، تُفْهِمه أن ذلك تحليف. (الزرقا ص ٣٥١) . المستثنى ١ - لا تقبل إشارة الأخرس في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات. (الزرقا ص ٣٥١) . ٢ - لا تقبل إشارة الأخرس في الشهادة؛ لأنها تعتمد على لفظ أشهد. (الزرقا ص ٣٥١) . ٣ - لا تقبل إشارة الأخرس في القصاص في إحدى الروايتين. (الزرقا ص ٣٥١) . ٤ - يشترط لقبول إشارة الأخرس في الطلاق أن تكون مقرونة منه بتصويت. (الزرقا ص ٣٥١) . ٥ - لا بدَّ في تحليف الأخرس من إشارة مع اللفظ من القاضي أو جلوازه، تفهمه أن ذلك تحليف. (الزرقا ص ٣٥١) .

стр. 339

القاعدة: [٤٩] ١٠ - المعروف عرفًا كالمشروط شرعًا (م/٤٣) الألفاظ الأخرى - المشروط عرفاً كالمشروط شرعاً. - العرف كالشرط. - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص. - الإذن العرفي كالإذن اللفظي. - كل ما دل على الإذن فهو إذن. - الثابت بدلالة العرف كالثابت بدلالة النص. - الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو بالشرط. - الثابت بالعادة كالثابت بالنص. - الثابت عرفاً كالثابت شرطاً. - المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص. التوضيح إن المعروف المعتاد بين الناس، وإن لم يذكر صريحاً، فهو بمنزلة الصريح لدلالة العرف عليه، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً، وفي كل محل يعتبر ويراعى فيه، شرعاً صريح الشرط المتعارف، وذلك بألَّا يكون مصادماً للنص بخصوصه، إذا

стр. 340

تعارفه الناس، واعتادوا التعامل عليه بدون اشتراط صريح، فهو مرعي، ويعتبر بمنزلة الاشتراط الصريح؛ لأن العادة محكمة (م/ ٣٦) . وهذا رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة. أما إذا كان الشرط المتعارف الصريح غير معتبر شرعاً، وذلك بأن كان مصادماً للنص بخصوصه، فلا يكون معتبراً إذا تعارف الناس العمل عليه بدون اشتراط، فلو تعارف الناس مثلاً تضمين المستعير والمستأجر ما تلف من العين المعارة أو المأجورة بدون تعدٍ ولا تقصير منه، لا يعتبر ذلك التعارف ولا يراعى، لأنه مضادّ للشارع. وإنَّما قيد الشرط بالمتعارف، لأن غير المتعارف لا يعتبر إلا إذا كان شرطاً يقتضيه العقد، كاشتراط حبس المبيع لاستيفاء الثمن، أو يلائمه، كاشتراط كفيل حاضر ورهن معلوم، فهو غير ما نحن فيه. التطبيقات ١ - إن توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود تحمل على عادة كل بلد، كالإجارة ونحوها. (الدعاس ص ٤١) . ٢ - لا تسمع الدعوى بخلاف ما تعورف واعتيد العمل به بدون شرط، كما لا تسمع الدعوى بخلاف ما شرط صريحاً مما تعورف، ولذا قالوا: لو ادَّعى نازل الخان، وداخل الحمام، وساكنُ المعَدِّ للاستغلال، الغصب، ولم يكن معروفاً به، لم يصدق في ذلك، ويلزمه الأجر، كما لو استخدم صانعاً في صنعة معروف بها، وبها قوام حاله ومعيشته، ولم يعين له أجرة، ثم طالبه بالأجر، فادعى أنه استعان به مثلاً، فإنه لا يسمع منه، ويلزمه أجر مثله. (الزرقا ص ٢٣٧) . ٣ - لو جهز الأب ابنته بجهاز، ودفعه لها، ثم ادعى أنه عارية، ولا بيِّنة، فإنه ينظر إن كان العرف مستمراً أن مثل ذلك الأب يدفع ذلك الجهاز عارية أو ملكاً، فإنه

стр. 341

يتبع، ويكون القولُ قولَ من يشهد له العرف، والبينة بينة الآخر، وإن كان العرف مشتركاً فالقول قول الأب، والبينة بينة البنت. (الزرقا ص ٢٣٨) . ٤ - لو اختلف البائع والمشتري في دخول البرذعة، أو الإكاف في البيع، فإنه يُحكم العرف. (الزرقا ص ٢٣٨) ويقال مثل ذلك فيما يدخل مع السيارة عند بيعها اليوم. ٥ - لو دفع الأب ابنه إلى الأستاذ مدة معلومة ليعلمه الحرفة، ثم اختلفا، فطلب كل منهما من الآخر الأجر، فإنه يحكم بالأجر لمن شهد له عرف البلدة. (الزرقا ص ٢٣٨) . ٦ - يعتبر العرف في أن الحمال يُدخِل المحمول إلى داخل الباب أو لا. (الزرقا ص ٢٣٨) . ٧ - لو أجر رجل عاملاً عنده من غير تحديد الأجرة فيجبر صاحب العمل على دفع الأجرة المتعارف عليها. (السدلان ص ٤٥٦) . ٨ - لو سكن رجل داراً معدَّة للإيجار من غير أن يتفق مع صاحبها على أجرة، فيجب عليه دفع الأجرة المماثلة المتعارف عليها. (السدلان ص ٤٥٦) . وكذا لو ركب سيارة أجرة، أو باصاً، أو قطاراً، فيجب عليه دفع الأجرة المتعارف عليها. ٩ - لو استأجر رجل دابة للحمل فإن له تحميلها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر عليها منه، ولا يجوز أن يحملها أكثر من طاقتها المعتادة، وكذا لو استأجر سيارة شحن فليس له أن يزيد في الحمولة عما هو مقرر معتاد، وكذا سيارة الركوب تستعمل بحسب العرف، وإلا كان معتدياً وضامناً. (السدلان ص ٤٥٦) . ١٠ - عقود التعاطي، والشراء من الجمعيات، والدكاكين التي تضع السلع مسعرة، وعليها الثمن، ثم يدفع المشتري ذلك عن طريق الصندوق والمحاسب بحسب ما تعارف الناس عليه. (السدلان ص ٤٥٧) .

стр. 342

ولا يأخذ الشافعية بهذه القاعدة، وذكر السيوطي رحمه الله تعالى أن الأصح في رأيه تنزيل العادة منزلة الشرط، وهو الموافق لرأي الجمهور.

стр. 343

القاعدة: [٥٠] ١١ - التعيين بالعرف كالتعيين بالنص (م/٤٥) الألفاظ الأخرى - المعلوم بالعادة كالمشروط بالنص. - الثابت عرفاً كالثابت نصاً أو نطقاً أو ذكراً. - الثابت بالعادة كالثابت بالنص. التوضيح المراد من النص نص القرآن أو الحديث، ويعرف النص في أصول الفقه: بأنه هو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره، ويطلق في الفقه الشافعي على ما نصَّ عليه الشافعىِ في كتبه، وفي الفقه الحنبلي ما نص عليه الإمام أحمد. ومعنى هذه القاعدة أن أي حكم يترتب على التعيين بمريح النص، يترتب على التعيين بالعرف والعادة، وهذه القاعدة بمعنى قاعدة "الممتنع عادة كالممتنع حقيقة" (م/٣٨) وقاعدة "استعمال الناس حجة يجب العمل بها " (م/٣٧) وقاعدة " المعروف عرفاً كالمشروط شرطأ" (م/ ٤٣) وقاعدة "المعروف بين التجار كالمشروط بينهم " (م/ ٤٤) . وتنطبق الأمثلة نفسها في هذه القواعد. التطبيقات ١ - من قال: عليَّ الطلاق، قد أصبح هذا اللفظ في حقه: كأنتِ طالق؛ لأن العرف سوى بينهما في الاستعمال. (الدعاس ص ٤١) .

стр. 344

٢ - من حلف: لا يأكل لحماً، لا يحنث بأكل السمك، إذا كان اللحم المتعارف عليه في بلده هو لحم الضأن. (الدعاس ص ٤١) . ٣ - لو استأجر داراً أو حانوتاً بلا بيان من يسكن، أو بلا بيان ما يعمل فيه، فله أن ينتفع بجميع أنواع الانتفاع، غير أنه لا يسكن، ولا يُسكن حداداً ولا قصاراً، ولا طحاناً، من غير إذن المؤجر. (الزرقا ص ٢٤١) . ٤ - لو استأجر حانوتاً في سوق البزازين مثلاً، فليس له أن يتخذه للحدادة أو الطبخ أو نحو ذلك مما يؤذي جيرانه. (الزرقا ص ٢٤١) .

стр. 345

القاعدة: [٥١] ١٢ - المعروف بين التجار كالمشروط بينهم (م/٤٤) التوضيح هذه القاعدة في معنى القاعدة "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً (م/٤٣) ولا تفترق عنها إلا أن تلك القاعدة في مطلق العرف، وهذه خاصة في عرف التجار، كما أن هذه القاعدة دَاخلة في قاعدة "التعيين بالعرف كالتعيين بالنص " (م/ ٤٥) ولكن العلماء ذكروا هذه القاعدة للاهتمام بشأن المعاملات التجارية، هما يقع بين التجار من المعاملات والعقود ينصرف عند الإطلاق إلى العرف والعادة عندهم، ما دام هذا العرف لا يصادم نصًّا شرعياً، فإن صادمه كان العرف لاغياً. فإذا وقع التعارف والاستعمال بين التجار على شيء غير مصادم للنص فإنه يتبع وينصرف إليه عند الإطلاق، ولا تسمع دعوى إرادة خلافه. التطبيقات ١ - لو تبايع تاجران شيئاً، ولم يصرحا في صلب العقد أن الثمن نقد أو نسيئة، فلو تعارفوا تأدية الثمن بعد أسبوع، أو غيره، لا يلزم المشتري أداء الثمن حالاً، وينصرف إلى عرفهم وعادتهم. (الدعاس ص ٤٢) . ٢ - لو باع التاجر شيئاً، وقد جرى العرف على أن يكون بعض معلوم القدر من الثمن حالاً، أو على أن دفع كل الثمن يكون منجماً على نجوم معلومة، يكون ذلك العرف مرعياً بمنزلة الشرط الصريح، ولا تسمع دعوى إرادة خلافه. (الزرقا ص ٢٣٩) .

стр. 346

٣ - لو اشترى رجل بضاعة مثلاً من بلد أجنبى على أن تشحن له إلى ميناء معين، ولم يوضح في العقد على من تكون أجرة الشحن، فيُتَبع العرف المشهور بين التجار، ويُحكّم كأنه شرط متفق عليه سلفاً. (السدلان ص ٤٦٠) . ٤ - العمل بالسفتجة، والحوالات المصرفية، والسند المعروف بين التجار. والشيكات وغير ذلك، فيجرى بينهم على عرفهم. (السدلان ص ٤٦١) .

стр. 347

القاعدة: [٥٢] ١٣ - لا يُنكر تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان (م/٣٩) التوضيح قد يكون بعض الأحكام الشرعية يبنى على عرف الناس وعاداتهم، فإذا اختلفت العادة عن زمان قبله، تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم، وأما ما أصله على غير ذلك فلا تتغير.. فالأحكام الشرعية الاجتهادية تنظم ما أوجبه الشرع الذي يهدف إلى إقامة العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع والوسائل الزمنية، فكم من حكم كان تدبيراً نافعاً لبيئة في زمن معين، فأصبح بعد جيل أو أجيال لا يوصل إلى المقصود منه، أو يفضي إلى عكسه، وعلى هذا أفتى كثير من الفقهاء في شتى المذاهب الفقهية في كثير من المسائل بعكس ما أفتى به أئمة مذاهبهم الأولون. قال ابن عابدين: كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله لحدوث ضرورة أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان أولاً، للزم المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد، ولهذا نرى مشايخ المذهب (الحنفي) خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمانهم لقال بما قالوا به، أخذاً من قواعد مذهبه. أهـ.

стр. 348

فلا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، أي بتغير عرف أهلها وعادتهم، فإذا كان عرفهم وعادتهم يستدعيان حكماً ثم تغيرا إلى عرف وعادة أخرى فإن الحكم يتغير إلى ما يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعادتهم. وإن ذلك مقرر ومسلم وثابت في الشرع، وهو سنة الله سبحانه في تشريعه لعباده، فإنه تعالى حين بدأ خلق الإنسان، وكان الحال ضيقاً لقلة عدد الذرية أباح نكاح الأخت لأخيها، ووسع في أشياء كثيرة، وبقي ذلك إلى أن حصل الاتساع، وكثرت الذرية، فحرم ذلك في زمن بني إسرائيل، وحَرّم عليهم السبت والشحوم ولحوم الإبل وأموراً كثيرة، وكانت توبة الإنسان بقتله، وإزالة النجاسة بقطعها، إلى غير ذلك من التشديدات، ثم لما جاء آخر الزمن، وضعف التحمل، وقلّ الجلد، لطف الله سبحانه بعباده، وخفف عنهم بإحلال تلك المحرمات، ورفع تلك التكليفات وقبول التوبات، كل ذلك بحسب اختلاف الأحوال والأزمان، سنة الله الجارية في خلقه. وقيل: تغير الأحكام إحداثها وابتداء سنّها بعد أن لم تكن، كما فعل عمر بن عبد العزيز، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. وإذا ادُّعي اختلاف الأحوال إلى تغير بعض الأحكام، أو إثبات أحكام، فلا بدَّ أن تكون تلك الأحكام المسنونة بحال تشهد لها قواعد الشرع بالاعتبار، أو تكون بحال إذا لم تشهد لها بالاعتبار لا تشهد عليها بالإبطال، كان تكون من المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بإلغائها، ولوحظ فيها جهة منفعة، فإنها يجوز العمل بها، وإن لم يتقدمها نظير في الشرع يشهد باعتبارها، كما وقع لسيدنا الصديق في توليته عهد الخلافة لعمر ﵄، وكترك الخلافة شورى بين ستة، وكتدوين الدواوين، وضرب السكة، واتخاذ السجون، وغير ذلك كثير مما دعا إلى سنّه تغير الأحوال والأزمان، ولم يتقدم فيه أمر من الشرع، وليس له

стр. 349

نظير يلحق به، ولوحظ فيه جهة مصلحة، كما تقتضي القاعدة الأخرى "الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة" (م/ ٣٢) . ولكن ما الأحكام التي يجب تغييرها بتغير الزمان؟ وما الأحكام التي لا يجوز تغييرها بتغير الزمان؟ والجواب: أنه اتفقت كلمة المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية التي بُنيت على القياس ودواعي المصلحة. فإذا أصبحت لا تتلاءم وأوضاع الزمان ومصلحة الناس وجب تغييرها، وإلا كانت عبثاً وضرراً، والشريعة منزهة عن ذلك، ولا عبث فيها. أما الأخكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى، والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال. ولكن وسائل تحقيقها، وأساليب تطبيقها، قد تتبدل باختلاف الأزمنة والمحدثات، فوسيلة حماية الحقوق مثلاً، وهو القضاء كانت محاكمه تقوم على أسلوب القاضي الفرد، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية، فيمكن أن تتبدل إلى أسلوب محكمة الجماعة، وتعدد الدرجات للاحتياط، فالتبدل في الحقيقة في مثل هذه الأحكام، ما هو إلا تبدل الوسائل للوصول إلى الحق، والحق ثابت لا يتغير. والحقيقة أن الأحكام الشرعية التي تتبدل بتبدل الزمان، المبدأ الشرعي فيها واحد، وهو إحقاق الحق، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، وليس تبدل الأحكام إلا تبدل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع، فإن تلك الوسائل والأساليب في

стр. 350

الغالب لم تحددها الشريعة الإسلامية، بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كل زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجاً، وأنجح في التقويم علاجاً. والضابط في هذه القاعدة أن الأحكام المبنية على المصلحة والعرف تتغير بتغير مصالح الناس وأعرافهم وعوائدهم مع تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال. التطبيقات أ - لما كان لون السواد في زمن الإمام أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، يعدّ عيباً قال بان الغاسب إذا صبغ الثوب بالسواد يكون قد عيبه، ثم بعد ذلك لما تغير عرف الناس، وصاروا يعدونه زيادة، قال الصاحبان: إنه زيادة. (الزرقا ص ٢٢٧) . ٢ - لما كانت الدور تبنى بيوتها على نمط واحد، قال المتقدمون غير زفر: يكفي لسقوط خيار الرؤية رؤية بيت منها، ولما تبدلت الأزمان، وصارت بيوت الدور تبنى على كيفيات مختلفة، واختلف طراز الإنشآءات وصارت الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم رجح المتأخرون قول زفر من أنه لا بدَّ من رؤية كل البيوت ليسقط الخيار، فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر وزمان. (الزرقا ص ٢٢٧، الدعاس ص ٤٣) . ٣ - قال المتقدمون: إن الدائن ليس له استيفاء دينه من مال المدين حال غيبته إلا إذا كان من جنس حقه، لما كان في زمانهم من انقياد الناس إلى الحقوق، ثم لما انتقلت

стр. 351

عادة الناس إلى الجحود، قال الفقهاء: للدائن استيفاء دينه ولو من غير جنس حقه. (الزرقا ص ٢٢٧) . ٣ - قال المتقدمون: على الزوجة أن تتابع زوجها بعد الفائه لها معجل مهرها حيث أحبّ، لما كان في زمانهم من المودة والوفاء، ثم لما انتقلت عادة الناس إلى العقوق والإضرار، قال المتأخرون: لا تجبر الزوجة على متابعة الزوج إلى غير وطنها الذي نكحها فيه، وإن أوفاها معجل مهرها لتغير حال الناس إلى العقوق. (الزرقا ص ٢٢٧) . ٤ - لما ندرت العدالة، وعزت في هذه الأزمان المتأخرة قالوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل، والأقل فجوراً فالأقل. (الزرقا ص ٢٢٩) . فالشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولاً، أي ثقات، وهي المحافظة على الواجبات الدينية والمعرفة بالصدق والأمانة، إلا أن الكثير من الفقهاء المتأخرين لاحظوا ندرة العدالة الكاملة لكزة الفساد وضعف الذمم والوازع الديني، فإذا تطلب القضاة دائماً العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم، حيث تقل العدالة، ومعنى الأمثل فالأمثل أي الأحسن فالأحسن حالاً من الموجودين، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي. أي أنهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسجية. (الدعاس ص ٤٤) . ٥ - وقالوا مثل ذلك في القضاة وغيرهم، إذا لم يوجد العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً، لئلا تضيع المصالح، وتتعطل الحقوق والأحكام، فقد حسن ما كان قبيحاً، واتسع ما كان ضيقاً، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان، فإن خيار زماننا هم أراذل أهل العصر الأول، وولاية الأراذل فسوق. (الزرقا ص ٢٢٩) . ٦ - جوز الفقهاء تحليف الشهود عند إلحاح الخصم، وكذا إذا رأى الحاكم ذلك لفساد الزمان. (الزرقا ص ٢٢٩) .

стр. 352

٧ - جوزوا أيضاً إحداث أحكام سياسية لقمع الدعار وأرباب الجرائم عند كثرة فساد الزمان، وأول من فعله عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فإنه قال: ستحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. (الزرقا ص ٢٢٩) . ٨ - ومما يتفرع على القاعدة: منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل إلا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مطلقاً لهم، لما رأى من تغير حالهم. (الزرقا ص ٢٢٩) . ٩ - القيام بالواجبات الدينية، لا يجوز أخذ الأجر عليها، كالإمامة وخطبة الجمعة، وتعليم القرآن. . إلخ. بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجاناً، لأنه واجب شرعي، غير أن المتأخرين من الفقهاء لاحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات. فأفتوا بجواز أخذ الأجرة عليها حرصاً على تعليم القرآن ونشر العلم، وإقامة الشعائر الدينية بين الناس. (الدعاس ص ٤٣) . ١٥ - إن المدين - في أصل المذهب الحنفي - تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، باعتبار أن الديون تتعلق بذمته، فتبقى أعيان أمواله حرة، فينفذ فيها تصرفه، وهذا مقتضى القواعد القياسية. ثم لما فسدت ذمم الناس، وكثر الطمع وقلَّ الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنفي والحنبلي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله. (الدعاس ص ٤٤) . ١١ - ورد في "صحيح البخاري " وغيره أن النبي ﷺ سئل عن ضالة الإبل: هل يلتقطها من يراها لتعريفها وردّها على صاحبها متى ظهر؛ (كضالة الغنم ونحوها من الأشياء الصغيرة التي يخشى عليها) فنهى النبي ﷺ عن التقاطها؛ لأنها لا يخشى عليها

стр. 353

ما يخشى على غيرها من الضياع، وأمر بتركها ترد الماء، وترعى الكلأ حتى يلقاها ربها، فاستثنى الإبل من حكم التقاط الضالة. فلما كان عهد عثمان بن عفان أمر بالتقاط ضوال الإبل وبيعها، كبقية الضوال، على خلاف ما أمر به النبي ﷺ واستثناه، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. وروى ذلك مالك عن ابن شهاب الزهري؛ لأن عثمان رأى أن الناس قد دبَّ إليهم فساد الأخلاق والذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، فهذا التدبير أصون لضالة الإبل، وأحفظ لحق صاحبها، خوفاً من أن تنالها يد سارق أو طامع. فهو بذلك - وإن خالف أمر رسول الله ﷺ في الظاهر - إنما هو موافق لمقصوده. إذ لو بقي العمل على موجب ذلك الأمر بعد فساد الزمان لآل إلى عكس مراد النبي ﷺ في صيانة الأموال، وكانت نتيجته ضرراً. (الدعاس ص ٤٦) . ١٢ - ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن كتابة أحاديثه، وقال لأصحابه: "من كتب عني غير القرآن فليمحه ". إلا ما ثبت استثناء من كتابة بعض الصحابة. واستمر الصحابة والتابعون غالباً يتناقلون السنة النبوية حفظاً وشفاهاً لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري عملاً بهذا النهي. ثم انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني إلى تدوين السنة النبوية بأمر الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى؛ لأنهم خافوا ضياعهم بموت حفظتها، ورأوا أن سبب نهي النبي ﷺ عن كتابتها إنما هو خشية أن تختلط بالقرآن، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع، فلما عَمَّ القرآن، وشاع حفظاً وكتابة ولم يبق هناك خشية في اختلاطه بالحديث النبوي، لم يبق موجب لعدم كتابة السنة، بل أصبحت كتابتها واجبة، لأنها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع، والحكم يدور مع علته ثبوتاً وانتفاءً. (الدعاس ص ٤٦) .

стр. 354

ويمكن أن يقال مثل ذلك في حفظ السنة الآن وتدوينها وجمعها بالحاسوب. والطباعة الحديثة، وأجهزة التسجيل، ونشرها بأجهزة الإعلام حتى التلفاز والإنترنت. ١٣ - جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا وذلك صيانة للمسجد عن العبث والسرقة؛ لأن وظيفة معظم المساجد اليوم اقتصرت على الصلاة، وغابت عنها وظائف المسجد ورسالته المقررة شرعاً. (السدلان ص ٤٣٦) . ١٤ - الأصل أن تنفذ تصرفات المدين بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرع، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلها، ما دام لم يحجر عليه؛ لأن الديون تتعلق بذمته، وتبقى أعيان أمواله حرة فينفذ فيها تصرفه. ولكن لما فسد الزمان، وخربت الذمم، وكثر الطمع، وقل الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها، أو هبتها لمن يثقون به ليعيدها فيما بعد، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية، والحنابلة في وجه عندهم، وهو ظاهر مذهب المالكية بعدم جواز وعدم نفاد هذه التصرفات من المدين إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله. (السدلان ص ٤٣٧) . ١٥ - ومن الأمثلة على تطور الزمان اختلاف بناء الدور والبيوت والفلل والعمارات، واختلاف الأعراف في الحجرات والمرافق والكسوة، فتبع ذلك اختلاف كيفية رؤية المبيع، والحاجة لرؤية جميع المبيع اليوم، لأن رؤية البعض لا يكون دليلاً على المقصود. (السدلان ص ١٤٣٨. ١٦ - وجوب تسجيل النكاح لدى المأذون وتوثيقه من القاضي أو نائبه في المحكمة وضبطه في السجلات لتغير أعراف الناس، وأحوالهم، وتطور أساليب حياتهم، وحفظاً على الأعراض ونسب الأولاد، وحقوق الزوجين. (السدلان ص ٤٣٩) . ١٧ - وجوب تسجيل السيارات، وعمل ترخيص لها، والتأمين الشرعي عليها، لتحقيق مقاصد عديدة، والحفاظ على المصالح المتجددة. (السدلان ص ٤٣٩) . ١٨ - إنشاء المدارس، ومراحل التعليم، وفتح الجامعات، ومنح الشهادات المتنوعة لما

стр. 355

يترتب على كل منها من حقوق، وكذلك فتح المحاكم على درجات، وتجدد أحكام القضاة وأصول المحاكمات بما يحقق مصالح الناس، وينظم أمورهم. (السدلان ص ٤٤٠) . تنبيه: الأصل في الشريعة ثبات الأحكام: إن لفظ الأحكام الوارد في القاعدة ليس عاماً، ولذلك تعتبر القاعدة خاصة واستثناء، مع التذكير بما يلي: ١ - إن الأحكام الأساسية الثابتة في القرآن والسنة والتي جاءت الشريعة لتأسيسها بنصوصها الأصلية: الآمرة والناهية، كحرمة الظلم، وحرمة الزنى والربا، وشرب الخمر والسرقة، وكوجوب التراضي في العقد، ووجوب قمع الجرائم، وحماية الحقوق، فهذه لا تتبدل بتبدل الزمان، بل هي أصول جاءت بها الشريعة لإصلاح الزمان والأجيال، وتتغير وسائلها فقط. ٢ - إن أركان الإسلام، وما علم من الدين بالضرورة، لا يتغير ولا يتبدل. ويبقى ثابتاً كما ورد، وكما كان في العصر الأول، لأنها لا تقبل التبديل والتغيير. ٣ - إن جميع الأحكام التعبدية التي لا مجال للرأي فيها، ولا للاجتهاد، لا تقبل التغيير ولا التبدل بتبدل الأزمان والأماكن والبلدان والأشخاص. ٤ - إن أمور العقيدة أيضاً ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولا تقبل الاجتهاد، وهي ثابتة منذ نزولها ومن عهد الأنبياء والرسل السابقين، حتى تقوم الساعة، ولا تتغير بتغير الأزمان. وإلى هنا تتثهي القواعد الفقهية الأساسية الخمس، وهي متفق عليها بين المذاهب، وألحقنا بها القواعد الفقهية المتفرعة عنها ليكتمل الموضوع، ولتكون واضحة في مكان واحد.
следующие страницы →