Полный текст (1 114 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
والاجتهاد نوعان:
الأول: اجتهاد الفقهاء في فهم النص التشريعي في القرآن والسنة، وهو بذل
الوسع في معرفة الحكم من دليل.
الثاني: اجتهاد الفقهاء في قياس حكم لم يرد فيه نص على حكم منصوص عليه.
والاجتهاد بنوعيه لازم وضروري، ولا يجتهد في القياس إلا عند عدم النص.
فيأتي قياس النظير على النظير، ولا يجتهد في فهم النص إلا إذا كان غامضاً ومحتملاً لوجوه مختلفة في تفسيره، ويراد تطبيقه.
فإذا كان النص واضحاً فلا لزوم للاجتهاد فيه، ويكون معنى القاعدة
"لا مساغ للاجتهاد في مورد النص" أن الحكم الشرعي حاصل بالنص، فلا حاجة لبذل الوسع في تحصيله؛ لأنه حاصل؛ ولأن الاجتهاد ظني والحكم الحاصل به حاصل بظني.
بخلاف الحاصل بالتص فإنه يقيني، ولا يترك اليقيني للظني.
وهناك شروط للمجتهد، وشروط للقياس تعرف في كتب أصول الفقه.
ومثل لفظ الكتاب والسنة لفظ الواقف ولفظ الموصي، فإنهما كنص الشارع لا المفهوم والدلالة ووجوب العمل به، ما لم يكن فيه تغيير لحكم الشرع، فلو كان، كما لو شرط أن المتولي أو الوصي لا يحاسب، فإن شرطه لا يراعى.
التطبيقات
١ - قال رسول الله ﷺ
"البيِّنة على المدعي، واليمين على من أنكر"
رواه البيهقي.
فهو نص صريح واضح في توزيع البيِّنة واليمين
على الطرفين المتخاصمين لأجل الإثبات.
فلا يجوز الاجتهاد لصرف الحديث عن هذا التوزيع.
(الدعاس ص ٥٥) .
стр. 492
٢ - يبطل القول بحل المطلقة ثلاثاً للأول بمجرد عقد الثاني عليها بلا وطء.
لمخالفته للنص الشرعي في الحديث الشريف.
(الزرقا ص ١٤٨) .
٣ - يبطل القول بحل نكاح المتعة، لمخالفته لنص الحديث الشريف.
(الزرقا ص ١٤٨) .
٤ - يبطل القول بسقوط الدَّين بمضي سنين بلا مطالبة.
(الزرقا ص ١٤٨) .
٥ - يبطل القول بالقصاص بتعيين الولي واحداً من أهل المحلة، وحلفه أيماناً على أنه هو القاتل.
(الزرقا ص ١٤٨) .
٦ - يبطل القول بأن لا دخل للنساء في العفو عن دم العمد.
(الزرقا ص ١٤٨) .
٧ - يبطل القول ببطلان إقرار المرأة، وبطلان وصيتها بغير رضاء زوجها، وكل ذلك لعدم استنادها إلى دليل معتبر، ولمخالفتها للنصوص الشرعية التي لا تحتمل التأويل.
(الزرقا ص ١٤٨) .
стр. 493
القاعدة: [٨٤]
ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس (م/١٥)
الألفاظ الأخرى
- ما ثبت على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه.
التوضيح
القياس: هو جعل الحكم في المقيس مثل الحكم في المقيس عليه، بعلة واحدة
فيهما، وهو حجة عند الفقهاء والمتكلمين بقوله :.
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) .
لأن الاعتبار هو النظر الثابت لأي معنى ثبت.
وإلحاق نظيره به، وهو القياس بعينه.
وشرط الاستدلال بالقياس عدم وجود النص في المقيس عليه؛ لأن القياس إنما
يصار إليه ضرورة خلو الفرع عن حكم ثبت له بطريق التنصيص، فإذا وجد
التنصيص على الحكم فلا قياس.
والاستدلال في بعض المسائل بالنص والقياس معاً إنما هو لأجل أن الخصم إن
طعن في النص بأنه منسوخ أو غير متواتر، أو غير مشهور، أو مؤوَّل، يبقى القياس سالماً لا مطعن فيه، لا لأنه دليل على تقدير سلامة النص من الطعن.
وليس القياس عملاً بالظن، كما يقول البعض، بل هو عمل بغالب الظن وأكبر الرأي، والعمل بغالب الظن واجب، وإن بقي معه ضرب احتمال.
стр. 494
والمماثلة بين المقيس والمقيس عليه من جميع الوجوه غير واجبة لصحة القياس، بل الواجب المماثلة في علة الحكم فقط.
ومعنى القاعدة: أن الحكم الشرعي إذا كان ثابتاً بنص القرآن أو السنة أو
الإجماع، ووارداً معدولاً به عن سنن القياس، لا يجوز أن يقاس عليه غيره، بأن يثبت مثل ذلك الحكم للغير لعلة جامعة بينهما، وذلك لوجود اعتبارات تشريعية خاصة بها، فغير هذه الأحكام لا يقاس عليها، لأنها وردت على خلاف القواعد العامة الثابتة في الشريعة.
التطبيقات
قد ثبت على خلاف القياس أحكام شرعية كثيرة، تفوق الحصر، فيقتصر فيها على مورد النص، ولا يقاس عليها غيرها، منها:
١ - شهادة خزيمة: فقد قبلها الرسول ﵊ من خريمة وحده، مع أن نصاب الشهادة اثنان، وقد روى أبو داود أن رسول الله ﷺ اشترى ناقة منأعرابب، وقال: هَلُم شهيداً، فقال: من يشهد لي، ولم يحضرني أحد، فقال خريمة: أنا أشهد، يا رسول الله أنك أوفيت، فقال ﷺ : كيف تشهد لي، ولم تحضرتي؟ فقال: يا رسول الله، إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء، أفلا نصدقك فيما تخبر به من ثمن الناقة، فقال ﵊:
"من شهد له خزيمة فهو حسبه ".
فلا تقبل شهادة مسلم واحد بمفرده، ولو كان مثل خريمة أو أفضل منه.
(الدعاس ص ٥٦) .
٢ - كفارة الأعرابي: في الإفطار التي رواها الستة إلا النسائي، وخلاصتها أن أعرابياً واقع أهله في رمضان، فأتى النبي ﷺ ، فعرض عليه عتق رقبة، فأظهر العجز، ثم عرض عليه صيام ستين يوماً، فأظهر العجز، فأعطاه النبي ﷺ تمراً
يتصدق به، فقال الأعرابي:
"ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا".
فقال له: "أطعمه أهلك"
стр. 495
فلا يقاس على الأعرابي مسلم آخر بإطعام كفارته لأهله.
(الدعاس ص ٥٦) .
٣ - بيع السلم: فقد ورد مخالفاً للحديث
"لا تبع ما ليس عندك "
رواه أصحاب السنن.
لكن ورد فيما يثبته
" من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم "
فلا يقاس عليه غيره في بيع المعدوم.
(الدعاس ص ٥٧) .
٤ - الإجارة: وهي بيع المنافع، وهي معدومة عند العقد، وبيع المعدوم باطل، فهي على خلاف القياس، وجوزت للضرورة، وهي الحاجة إليها، فلا يقاس عليها.
فإن المعتمد في المذهب أن القياس يترك فيما فيه ضرورة، ولكن يقتصر فيها على موضع الحاجة، ولا يقاس عليها ما لا حاجة فيه، فلا يجوز إيجار متحدي المنفعة مقايضة، كسكنى دار أو حانوت بسكنى نظيره، لعدم الحاجة إليها.
(الزرقا ص ١٥٢، الدعاس ص ٥٧) .
٥ - الوصية: فإنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، وهي حالة تنقطع فيها حقوق الإنسان في أمواله، وتتعلق حقوق الورثة، وقد شرعت ليتدارك الإنسان ما فاته من أعمال البر في حياته، فلا يجوز أن يقاس عليها تجويز إضافة غيرها من التصرفات إلى ما بعد الموت، كالبيع والإجارة والإعارة بأن يعقدها الشخص في حال حياته مضافة
لما بعد الموت.
(الدعاس ص ٥٧، الزرقا ص ١٥٢) .
٦ - المزارعة والمساقاة: فإن القيالس عدم جوازهما، لأنهما استئجار للمزارع والمساقي ببعض الخارج من عملهما، وهو منهي عنه، ولكنهما جوزتا لورود الأثر
стр. 496
فيهما، فلا يقاس عليهما غيرهما مما فيه استئجار ببعض الخارج من العمل، كعصر الزيتون والسمسم وغزل القطن بجزء من زيته، أو شيرجه، أو غزله مثلاً.
(الزرقا ص ١٥٢) .
٧ - التحالف: وهو اليمين من المدعي والمدعى عليه، فإنه ثبت على خلاف
القياس إذا كان المبيع مقبوضاً، فلا يقاس عليه النكاح مثلاً، أما قبل قبض المبيع فهو على القياس، لأن كلاً من البائع والمشتري مدعٍ ومدعى عليه.
(الزرقا ص ١٥٢) .
٨ - السلم والاستصناع، فهما على خلاف القياس في بيع المعدوم عند العقد، فلا يقاس عليهما.
(الزرقا ص ١٥٢) .
стр. 497
القاعدة: [٨٥]
إذا زال المانع عاد الممنوع (م/٢٤)
ألفاظ أخرى
- إذا زال المانع زال الممتنع لأجله.
التوضيح
المانع: كل ما يستلزم وجوده انتفاء غيره.
ومعنى القاعدة: أن كل حكم إذا كان جوازه لمانع فإذا زال المانع عاد الممنوع، وهو عدم الجواز، وكذلك إذا كان الحكم حراماً لمانع، فإذا زال المانع عاد الحكم مباحاً أو مندوباً أو واجباً.
والمراد بلفظ "عاد" من قولهم: "عاد الممنوع ": ظهر أو حصل، ليشمل ما وجد في أصله ممتنعاً بمانع ثم زال.
وهذه القاعدة تفيد عكس ما تفيد القاعدة الأخرى
"ما جاز لعذر بطل بزواله " (م/١٢٣.
التي تفيد حكم ما جاز بسبب ثم زال، وهذه القاعدة تفيد حكم ما امتنع
لسبب ثم زال السبب المانع.
التطبيقات
١ - لو أوصى لوارث، ثم امتنع إرثه بمانع، صحت، كما لو أوصى لأخيه ثم ولد له ابن ثم مات الموصي.
(الزرقا ص ١٩١) .
стр. 498
٢ - لو وهب حصة شائعة قابلة للقسمة، ثم قسم وسلمها صحت الهبة.
(الزرقا ص ١٩١) .
٣ - لو وهب عيناً لآخر، فزاد الموهوب له فيها زيادة متصلة غير متولدة حتى امتنع حق الرجوع، فإذا زالت تلك الزيادة عاد حق الرجوع.
(الزرقا ص ١٩١) .
٤ - لو عوَّض الموهوب له الواهب عن هبته امتنع حق الرجوع، فإذا استحق العوض عاد حق الرجوع.
(الزرقا ص ١٩٢) .
٥ - لو انهدمت الدار المأجورة سقطت الأجرة، فإذا بناها المؤجر في المدة قبل أن يفسخ المستأجر الإجارة عادت في المستقبل.
(الزرقا ص ١٩٢) .
٦ - لو اطلع المشتري على عيب قديم في المبيع فله ردُّه، ولكن إذا حدث عنده عيب آخر امتنع الرد، فإذا زال العيب الحادث، ولو بمداواة المشتري، عاد حق الرد.
فالعيب الجديد مانع من حق الرد بخيار العيب، فإذا زال الانع عاد حق الرد وهو الممنوع.
(الزرقا ص ١٩٢، الدعاس ص ٥٨) .
٧ - الصغر مانع لأداء الشهادة، فإذا تحمل الصبي المميز شهادة، ثم بلغ قبلت منه.
(الدعاس ص ٥٨) .
٨ - الأم التي من أهل الحضانة إذا سقط حقها من حضانة الولد لمانع، كان
تزوجت من أجنبي مثلاً، ثم طلقها الزوج، أو مات عنها.
عاد حقها لزوال المانع.
(الزرقا ص ١٩٤، الدعاس ص ٥٨) .
٩ - لو رهن المشتري المبيع فاسداً امتنع حق الفسخ، فإذا افتكه عاد الفسخ لو لم يكن قضي على المشتري بقيمته، فالأصل أن المانع إذا زال بما هو فسخ من كل وجه كفك الرهن، والرجوع في الهبة، ورد المبيع على المشتري (الذي هو البائع الثاني)
بعيب بعد قبضه بقضاء، فللبائع فاسداً حق الفسخ لو لم يقض بقيمته، ولو زال المانع بسبب هو بمنزلة عقد جديد في حق الغير، كان رد على المشتري بعد القبض بعيب بتراض بطل حق البائع في الردّ، كأنه اشتراه ثانياً، ولو فضي بقيمته بطل حق الاسترداد في الوجوه كلها.
(الزرقا ص ١٩٢) .
стр. 499
١٠ - لو اشتراه فرهنه، ثم اطلع على عيب قديم عند البائع، يمتنع الرد، فإذا افتكّه فله رده.
(الزرقا ص ١٩٢) .
١١ - لو شهد وهو صبي، أو أعمى، وقد تحملها بصيراً، فردت، ثم بلغ الصبي أو أبصر الأعمى، فشهد بها تقبل، والأصل: أنه إذا ردت شهادته لتهمة فزالت ثم شهد لا تقبل، وإن ردت لشبهة فزالت، ثم شهد بها تقبل.
(الزرقا ص ١٩٢) .
١٢ - لو تناقض المدعي في دعواه، ثم ارتفع التناقض بتصديق الخصم، أو بتكذيب الحاكم، فإن دعواه تسمع (م/ ٦٥٣ ١، ٦٥٤ ١) .
(الزرقا ص ١٩٢) .
١٣ - لو أقر لآخر بعين في يد غيره، فإن إقراره لا يعمل عمله، ولكن إذا ملكها المقر يوماً ما فإن المقر له يطالبه بموجب إقراره.
(الزرقا ص ١٩٢) .
١٤ - لو أذن الراهن للمرتهن باستعمال الرهن أو إعارته، فاستعمله أو أعاره، فإنه يخرج من ضمانه، فلو هلك في أئناء ذلك يهلك أمانة، فإذا انتهى العمل عاد رهناً.
(الزرقا ص ١٩٣) .
١٥ - لو زال سبب الفساد في المجلس فإنه ينقلب البيع صحيحاً في بعض المفسدات.
(الزرقا ص ١٩٣) .
١٦ - لو شرى شيئاً بعقد فاسد، فتعيب عنده، لا بفعل البائع، ثم فسخ البيع بسبب الفساد، وأخذ البائع المبيع ونقصان العيب، ثم زال العيب يسترد المشتري من البائع ما دفعه له من نقصان العيب.
(الزرقا ص ١٩٣) .
١٧ - لو أذن المستأجر للمؤجر ببيع المأجور فباعه حتى انفسخت الإجارة، ثم ردّ المشتري العين المبيعة بطريق هو فسخ (كما إذا ردها بعيب قبل القبض، أو بعده بقضاء) تعود الإجارة، وبه يفتى.
(الزرقا ص ١٩٣) .
١٨ - لو آجر إجارة مضافة ثم باع المأجور أو وهبه قبل مجيء الوقت فإن الإجارة تبطل، (وهذا مبني على المعتمد في المذهب من عدم لزوم الإجارة المضافة، ولكن المجلة على خلافه) فلو رد عليه بعيب بقضاء أو رجع في الهبة قبل الوقت عادت الإجارة.
(الزرقا ص ١٩٣) .
стр. 500
١٩ - لو وكله ببيع شيء، ثم باعه الموكل، ثم ارتفع البيع بما هو فسخ من كل وجه (كأن رد عليه بعيب قضاءً) فإن الوكيل لو باع والحالة هذه يصح.
(الزرقا ص ١٩٣) .
٢٠ - لو نشزت الزوجة، ثم عادت إلى بيت زوجها، فإنه يعود إليها استحقاق النفقة، لزوال المانع وهو النشوز.
(الزرقا ص ١٩٤) .
وقد يتوهم أن حق حضانة الأم إذا تزوجت، والزوجة إذا نشزت، أنهما قد سقط فيهما الحق ثم عاد على سبيل الاستثناء من قاعدة
"الساقط لا يعود" (م/ ٥١) .
لكن نص العلماء على أن هذا من قييل زوال المانع، وعودة الممنوع، لأن الحق فيهما لا يسقط.
(الزرقا ص ١٩٤) .
٢١ - الحائض والنفساء ممنوعتان من الصلاة بسبب وجود الحيض والنفاس.
وقيام ذلك مانعاً، فإن طهرتا زال المانع، ووجبت عليهما الصلاة.
(الروقي ص ٤٠٩) .
стр. 501
القاعدة: [٨٦]
ليس للمظلوم أن يظلم غيره (م/٩٣١)
التوضيح
الظلم حرام وممنوع في الشريعة، ولا تقره في حال من الأحوال، والشروع في الظلم والابتداء به حرام، ولصاحبه إثم كبير في الدنيا والآخرة، فإن وقع منه ظلم، فليس للمظلوم أن يظلم الظالم ولا غيره، أصلاً، بل له أن يتخلص من ظلمه، ويأخذ الحق منه، ويسعى وراء ردعه عن الظلم بما يكفي رداعاً لأمثاله عن المعاودة، كما يعلم ذلك من أحكام التعزير، أما ما زاد عن ذلك فلا يجوز، قال الله تعالى:.
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) .
ولقوله ﷺ :
" اتقوا الظلم فإن الظلم ظُلُمات يوم القيامة"
رواه مسلم
وقوله ﷺ :
"انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. . . بمنعه (الظالم) عن ظلمه ".
فالقاعدة بإطلاقها شاملة للظالم والمظلوم، وهي بمعنى قاعدة
"لا ضرر ولا ضرار" (م/ ١٩) .
التطبيقات
١ - لا يُجوِّز الشرع لأحد الاعتداء على حق أحد، ولو كان غاصباً، فلو غصب أرضاً مثلاً، وزرعها فجاء ربُّها، فإما أن يكون الزرع قد نبت أو لا، فإن كان نبت واستحصد فهو للغاصب، وللمالك أن يرجع بنقصان أرضه، وإن كان نبت
стр. 502
ولم يستحصد فللمالك أن يأمر الغاصب بقلعه وتفريغ ملكله، فإن أبى يقلعه بنفسه، أو يرفع الأمر للحاكم ليقلعه، وإن كان لم ينبت فالمالك مخير إن شاء تركها حتى ينبت فيأمره بقلعه، وإن شاء أعطاه ما زاد البذر في الأرض، فتقوّم مبذورة ببذر يجب قلعه إذا نبت، وتقوم غير مبذورة، فيعطى فضل ما بينهما، وهو الأصح.
وعن أبي يوسف: أنه يعطيه مثل بذره، وهو المختار.
فحفظ الشارع حق الغاصب، ولم يتساهل فيه، بل أوجب له ما زاد بذره في قيمة الأرض، على ما هو الأصح، أو أوجب له مثل بذره على ما هو المختار، مع كونه ألقاه باختياره في أرض الغير بلا حق يسوِّغ له ذلك، لأن فعله لا يخرج البذر عن كونه ملكاً له محترماً، فلا يجوز ظلمه بتفويته عليه بلا عوض، وذلك غير ناف لوجوب ردعه عن ظلمه
بما يكفي زاجراً له عن العود إلى مثله.
(الزرقا ص ١٧٦) .
٢ - من غصب ثوباً فصبغه، فالمالك مخير بين ترك الثوب له وأخذ قيمته منه غير مصبوغ، وبين أخذه مصبوغاً ويعطي للغاصب ما زاد الصبغ فيه.
(الزرقا ص ١٧٧) .
٣ - لا يجوِّز الشرع مجاوزة الحد في تضمين الغاصب غير ما تناوله فعله وورد عليه مباشرة، ولذا كانت زوائد المغصوب أمانة عنده لا تضمن بغير تعدٍ أو منع لها عن المالك، فلو غصب بقرة مثلاً فولدت عنده، فهلك الولد في يده بغير تعدٍ، ولا منع له عن المالك، أو غصب كرماً مثلاً فاثمر في يده، ثم هلك الثمر كذلك بلا تعدٍ، ولا منع له عن المالك، يهلك أمانة، لأنه لم يرد عليه الغصب مباشرة.
(الزرقا ص ١٧٧) .
٤ - من أتلف لغيره مثلياً، ثم التقيا في بلد آخر، وكانت قيمة المتلف من المثلي فيه أكثر من قيمته في بلد الغصب، فالغاصب مخير بين إعطاء مثله وإعطاء قيمته المعتبرة في بلد الغصب، ما لم يرض المالك بتأخير المطالبة بالمثل إلى بلد الغصب، فلم يوجب الشرع المثل في الصورة المذكورة على الغاصب حتماً، بل خيره وسوَّغ له دفع القيمة.
مع أن المثلي مضمون بمثله، ولم يجوِّز إضراره وإن كان ظالماً، ولذا يشترط في دعوى الغصب للمثلي غير النقدين ذكر مكان الغصب، ليعلم هل للمدعي حق المطالبة.
(الزرقا ص ١٧٧) .
стр. 503
القاعدة: [٨٧]
من سعى في نقض ما تمَّ من جهته فسعيه مردود عليه (م/١٠٥)
التوضيح
إن من أبرم أمراً بإرادته واختياره، ثم أراد نقض ما تمَّ، فلا يقبل، ويكون سعيه مردوداً عليه، لأنه والحالة هذه يكون متناقضاً في سعيه بذلك مع ما كان أتمه وأبرمه.
والدعوى المتناقضة لا تسمع، لما فيها من التعارض والمنافاة هنا بين الشيء الذي تم من قبله وبين سعيه الأخير في نقضه.
ولا فرق بين ما تمَّ من جهة المرء بين أن يكون تم من جهته حقيقة، كما إذا فعل ذلك بنفسه، أو يكون تمَّ من جهته حكماً، كما إذا كان ذلك بواسطة وكيله، أو صدر من مورثه فيما يدعيه بحكم الوراثة، فإن السعي في نقضه لا يسمع منه، لأن الوكيل مع الموكِل، والمورِّث مع الوارث، بمنزلة شخص واحد.
التطبيقات
١ - لو أقر، ثم ادعى الخطأ في الإقرار، وأراد أن يرجع عن إقراره السابق، فإنه لا يسمع منه ولا يصح.
(الزرقا ص ٤٧٥، الدعاس ص ٦١) .
٢ - إذا ضمن شخص الدَرَك لمشتري الدار، ثم ادَّعى شفعة فيها أو ملكاً لها، فإنه لا يسمع منه، لأن ضمان الدرك للمشتري يتضمن بلا شك تقرير سلامة المبيع له، ودعواه الشفعة أو الملك فيها تنقضه، فلا تسمع.
(الزرقا ص ٤٧٥) .
стр. 504
٣ - لو بادر شخص إلى اقتسام التركة مع الورثة، ثم ادعى بعد القسمة أن المقسوم ماله، فإنه لا تسمع دعواه (م/ ١٦٥٦) .
لأن إقدامه على القسمة فيه اعتراف منه بأن المقسوم مشترك للورثة.
(الزرقا ص ٤٧٥) .
٤ - وكذلك لو تقاسم الورثة التركة، ثم ادعى أحدهم أنها ملكه، وأراد نقض القسمة، لا تسمع دعواه؛ لأن إقدامه على المقاحمة هو إقرار ضمني بحقوق من قاسمهم فيها.
(الدعاس ص ٦١) .
٥ - إذا باع شخص أو اشترى، ثم ادعى أنه كان فضولياً عن شخص آخر، وأن المالك أو المشتري لم يُجز العقد، لم يسمع منه ذلك الادعاء.
(الزرقا ص ٤٧٥، الدعاس ص ٦١) .
٦ - لو تراكمت نفقة الزوجة المقضيُّ بها، أو المتراضى عليها، ولم تكن مستدانة بامر القاضي، فطلقها بائناً لتسقط النفقة المتراكمة في ذمته، لا لذنب منها، فإنه يرد قصده، ويرد سعيه عليه.
والأمر ظاهر في هذا الفرع في صورة ما إذا كانت النفقة متراضىً عليها، وأما إذا كانت مقضياً بها فيمكن أن يقال: إنها تمت من جهته بعقد النكاح، فإن النفقة تجب بالعقد إذا لم تمنع نفسها عنه.
(الزرقا ص ٤٧٦) .
٧ - لو باع أحد الشريكين في كرم حصته من شريكه بيعاً جائزاً أي بيعاً بالوفاء)
ثم باعه من آخر باتاً حتى توقف على إجازة شريكه المشتري وفاءً، فأجاز شريكه، فهل لشريكه حق الشفعة؛ فعلى قول: ليس له ذلك، وذلك أن عدم ثبوت الشفعة له لكونه بدعوى الشفعة يكون ساعياً في نقض ملك المشتري الذي تم من جهته بالإجازة، فلا تسمع منه.
(الزرقا ص ٤٧٦) .
المستثنى
١ - إذا كان العقد الذي تم من جهته له مساس بحق قاصر، أو وقف، فيجوز له نقضه، كما إذا باع الأب أو الوصي أو المتولي مال الصغير القاصر أو الوقف، ثم
стр. 505
ادعى وقوع غبن فاحش فيه، فإن دعواه تسمع.
(الزرقا ص ٤٧٧، الدعاس ص ٦١) .
٢ - إذا اشترى شخص أرضاً، ثم ادعى أن بائعها كان جعلها مقبرة أو مسجداً، فإنه يقبل، لأن ذلك يمسُّ حقوق الجماعة.
(الزرقا ص ٤٧٧) .
٣ - إذا اشترى الأب داراً لابنه الصغير، والأب شفيعها، كان للأب أن يأخذها بالشفعة عند الحنفية، مع أن إجازة مشتري الوفاء للبيع البات ليست بأقوى من مباشرة الأب الشراء لابنه الصغير لنفسه، مع أن الشريك المجيز ليس له الشفعة.
والفرق أن المشتري بتاتاً في مسألة الشريك يتملك العقار بعد إجازة مشتري الوفاء بالاستناد إلى العقد السابق الحاصل قبل الإجازة، وبالإجازة يكون قد رضي بتملك ذلك المشترى، وبهذه الإجازة أسقط حقه بالشفعة.
أما في مسألة الأب فإن حق الشفعة إنما يثبت له مع فراغه من إجراء عقد الشراء لابنه، فإذا طلب الشفعة مع تمام العقد بلا فاصل فلا يكون قد حصل منه رضاً بتسليم الشفعة بعد ثبوتها، وأما رضاه المستفاد من إقدامه على الشراء فلا عبرة به، لأنه إنما كان قبل ثبوت حق الشفعة، والحق قبل ثبوته لا يقبل الإسقاط.
أو يقال: إن كلاً من إجازة الشريك وإقدام الأب على الشراء لابنه يفيد الرضا المسقط للشفعة، ولكن إجازة الشريك تفيد رضاه بعد ثبوت حق الشفعة له، لأن المشتري يملك المبيع بعد الإجازة بالعقد السابق.
أما رضا الأب المستفاد من إقدامه على الشراء لابنه فإنما كان قبل ثبوت حق الشفعة له، لأن الشفعة تثبت بعد العقد.
والحق لا يقبل الإسقاط قبل ثبوته، ولذا اشترطوا أن يكون طلب الأب للشفعة إثر الشراء بلا فاصل، فيقول: اشتريت وأخذت بالشفعة.
(الزرقا ص ٤٧٦) .
٣ - لو اشترى العين المأجورة، أو العين المرهونة بدون إذن المستأجر أو المرتهن عالماً بأنها مأجورة، أو بأنها مرهونة، فإنه يبقى على خياره، كما هو الصحيح الذي عليه الفتوى، إن شاء فسخ البيع، وإن شاء انتظر انتهاء مدة الإجارة، أو فكاك الرهن، فهو في صورة اختياره فسخ البيع ساعٍ في نقض ما تمَّ من جهته، ولم يردّ عليه سعيه.
стр. 506
والظاهر أن وجهه: أن الخيار - والحالة هذه - لم يجب بتملك البائع إياه لخيار الشرط، حيث يسقط بمفيد الرضا، بل وجب بإيجاب الشرع له كخيار الرؤية، ولذا لا يسقط بالإسقاط الصريح.
(الزرقا ص ٤٧٧) .
стр. 507
القاعدة: [٨٨]
البقاء أسْهَل من الابتداء (م/٥٦)
التوضيح
البقاء: هو بقاء الحكم في خلال تنفيذه أو في أثنائه، والابتداء عند إنشاء الحكم وإيجاده، وإن بقاء الحكم هو استصحاب لوجوده وإنشائه، فيكون الأمر فيه أسهل من إيجاده لأول مرة.
وهذه القاعدة هي أصل لقاعدة
"يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء" (م/ ٥٥) .
وتجري الفروع والأحكام معاً فيهما، وقد تعتبر هذه القاعدة بمثابة تعليل
للقاعدة المذكورة.
التطبيقات
١ - إن هبة الحصة المشاعة فيما يحتمل القسمة كأرض وبستان لا تصح، لكن إذا وهب رجل أرضاً أو بستاناً من آخر، فاستحق من تلك الهبة حصهّ شائعة، لا تبطل الهبة في حق الباقي، مع أنه صار بعد الاستحقاق حصة شائعة، لأن البقاء أسهل من الابتداء، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في الابتداء.
(الدعاس ص ٦٢، الزرقا ص ٢٩٣) .
٢ - إن القضاء يتخصص بالزمان والمكان، فالحاكم المأذون بالحكم في مدة معينة لو حكم قبلها لا ينفذ حكمه، لكن لو أجاز ذلك الحكم في المدة المأذون فيها صح.
(الدعاس ص ٦٢) .
стр. 508
٣ - إن الوكيل بالبيع ليس له أن يوكل، لكنه لو باع فضولي، فأجازه صح ذلك.
(الدعاس ص ٦٢) .
стр. 509
القاعدة: [٨٩]
إذا بطل الأصل يصار إلى البدل (م/٥٣)
الألفاظ الأخرى
- بدل الشيء يقوم مقامه.
- إذا تعذر الأصل يصار إلى البدل.
- البدل يسد مسد الأصل ويحل محله.
- لا يجتمع البدل والمبدل منه.
- الأصل لا يجتمع مع البدل.
التوضيح
إذا بطل الأصل بأن صار متعذراً فإنه يصار إلى البدل، لأنه يجب أداء الأصل ما دام ممكناً، ولا يصار إلى البدل، فيجب رد عين المغصوب إذا كان قائماً في يد الغاصب، لأنه تسليم عين الواجب، وهو الأصل على الراجح، لأنه ردّ صورةً ومعنى، وتسليم البدل رد معنى فقط، وهو مخلِّص وخلف عن الواجب، والخلف لا يصار إليه إلا عند العجز عن الأصل.
فإذا تعذر إيفاء الأصل بالفوات، أو التفويت فإنه يصار إلى البدل، وستأتي
القاعدة مرة ثانية عند المالكية بلفظ
"الأصل لا يجتمع مع البدل " أو "الأصل والبدل لايجتمعان ".
стр. 510
التطبيقات
١ - من غصب شيئاً فيجب رد عين المغصوب على الوجه الذي ورد عليه دون نقص أو تغيير، ما دامت العين قائمة، فإذا هلك المغصوب، أو تعذر رد الأصل بان كان هالكاً أو مستهلكاً فيجب حينئذ رد بدله من مثل أو قيمة (م/ ٨٩١) .
(الزرقا ص ٢٨٧، الدعاس ص ٦٧، الندوي ٧/٥٥١) .
٢ - وكذا كل ما هلك من الوديعة والعارية، وما شأكل ذلك، بالتعدي أو
التقصير، فإنه يرد بدله من مثل أو قيمة، لأنه لما تعذر الأصل صير إلى البدل.
(الدعاس ص ٦٧) .
٣ - لو عقد الإجارة على شهر، فإن وقع العقد في ابتداء الشهر اعتبر الهلال، إذ هو الأصل، وإن عقد في أثناء الشهر تعذر اعتبار الأصل، وهو الهلال، فيصار إلى البدل وهو الأيام.
٤ - لو باع بالوكالة عن المالك، وكان للمشتري دين على الموكل ودين على الوكيل، تقع المقاصة بدين الموكل دون دين الوكيل، فإذا لم يكن له دين على الموكل، بل كان دينه على الوكيل فقط، وقعت المقاصة به، ويضمن الوكيل للموكل، لأنه قضى دينه بماله.
(الزرقا ص ٢٨٧) .
٥ - إن الغاصب إذا أعطى للمغصوب منه رهناً بعين المغصوب، ثم تلفت العين المغصوبة في يد الغاصب، فإن الرهن يكون حينئذ رهناً ببدلها من مثل أو قيمة.
(الزرقا ص ٢٨٨) .
٦ - لو أعطى المسلم إليه لرب السلم رهناً بعين المسلم فيه، ثم انفسخ عقد السلم بوجه ما، فإن الرهن يصير رهناً برأس مال السلم الذي قبضه المسلم إليه.
(الزرقا ص ٢٨٨، الندوي ١/ ٥٥٧) .
٧ - يجب تسليم عين بدل الإجارة إذا كان عَرَضاً، فإذا هلك العَرَضُ قبل تسليمه يجب أجر المثل بالغاً ما بلغ.
(الزرقا ص ٢٨٨) .
стр. 511
٨ - لو ادعى داراً، فقال ذو اليد: إنه وقف على الفقراء، وأنا متولٍّ عليه، صح إقراره، ويكون وقفاً، فلو أراد المدعي تحليفه ليأخذ الدار لو نكل لا يحلَّف اتفاقاً.
ولو أراد تحليفه ليأخذ القيمة فعلى قياس قول محمد يحلفه، وإن نكل يأخذ منه القيمة، ويفتى بقول محمد.
(الزرقا ص ٢٨٨) .
٩ - لو أقر بالدار لابنه الصغير، فإنه يستحلف لأخذ قيمتها منه.
(الزرقا ص ٢٨٨) .
١٠ - لو ادعى على الورثة عيناً كان وقفها مورثهم في صحته، فأقروا له، ضمنوا قيمة العين من التركة، ولا يبطل الوقف بإقرارهم، ولو أنكروا فله تحليفهم لأخذ القيمة، أما لو أراد تحليفهم لأخذ الوقف، فلا يمين له عليهم.
والوجه في هذا أن الورثة إذا كان إقرارهم للمدعي بالملكية لا يكفي لأن يلغو
الوقف، ويأخذ المدعي العين الموقوفة، فإن نكولهم عن اليمين لا يكفي لأخذ الوقف بطريق الأولية، إذ النكول عن اليمين ليس أقوى من الإقرار، فلا بدَّ للحكم ببطلان الوقف من أن يثبت المدعي دعواه الملكيهَ بالبيِّنة، وفقاً للقاعدة في دعاوى الاستحقاق.
(الزرقا ص ٢٨٨) .
١١ - لو كان رأس مال السلم قيمياً كالحيوان، فقبضه المسلم إليه فهلك في يده ثم تقايلا، أو تقايلا ثم هلك، صحت الإقالة، وعليه قيمته لرب السلم.
ففي هذه المسائل صير فيها إلى البدل عند عدم إمكان الأصل.
(الزرقا ص ٢٨٩) .
стр. 512
القاعدة: [٩٠]
الساقط لا يعود كما أنَّ المعدوم لا يعود (م/٥١)
التوضيح
إن كل الحقوق والواجبات التي تقبل السقوط بسبب مسقط للحق، فإنه لا يعود بعد سقوطه، ويصبح معدوماً، فلا يعود كما لا يعود المعدوم.
لكن هناك حقوقاً غير قابلة للسقوط أصلاً، فتبقى كما هي، كحق الفسخ للعقد الفاسد، وحق الرجوع في الهبة، وحق الاستحقاق في الوقف، وحق الوكيل في القيام بما وكل به، وحق المستعير في الانتفاع بالعارية، وحق الإدخال والإخراج في الوقف لمن شرط له من واقف أو غيره، وحق خيار الرؤية، وحق تحليف اليمين المتوجهة على أحد المتداعيين.
التطبيقات
١ - لو كان الثمن غير مؤجل، وسلم البائع المبيع قبل قبض الثمن، فإنه يسقط حقه في حبس المبيع، لأجل استيفاء الثمن، وليس له استرداده بعد ذلك وحبسه ليستوفي الثمن، وإنما له ملاحقة المشتري بالثمن.
وكذلك لو قبضه المشتري، والحالة هذه، بمرأى من البائع، ولم ينهه، والبيع
بات، فإنه يسقط حقه في الحبس للمبيع، أما لو كان البيع وفاءً فلا يسقط حق الحبس قياساً واستحساناً وله أن يسترده ليحبسه بالثمن.
(الزرقا ص ٢٦٥، الدعاس ص ٦٨) .
٢ - لو أبرأ الدائن مدينه من الدين، فقبل أو سكت، ولم يرد، سقط الدين، فلا يمكن استعادته إذا ندم الدائن، ولا تسمع دعواه، وإن أقر به المدين بعد ذلك.
стр. 513
لكن لو ادعى المدين الإبراء، وأنكره الدائن، وقال: إنك أقررت بالدين بعد التاريخ الذي ادّعيت الإبراء فيه، تسمع دعواه بإقرار المدين.
(الزرقا ص ٢٦٦، الدعاس ص ٦٨) .
٣ - إذا تنجست الأرض، ثم جفت فطهرت، ثم نام عليها إنسان وعرق بدنه اللاصق جها لا يتنجس، وكذا إذا بلت بالماء لا تعود النجاسة، لأنها سقطت بالجفاف، والساقط لا يعود.
(الدعاس ص ٦٨) .
٤ - إن الورثة إذا أجازوا الزائد على الثلث سقط حقهم المتعلق بالزائد.
(الدعاس ص ٦٨) .
٥ - إذا كان الأجير له حق حبس العين، بأن كان لعمله أثر فيها.
(والأثر ما كان عيناً قائمة) كالخياط والصباغ، إذا سلمها حقيقة.
أو سلمها حكماً بأن عمل في بيت استأجره، سقط حقه في الحبس.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
٦ - حق المرتهن في حبسه الرهن إذا أسقطه يسقط.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
٧ - من كان له خيار الرؤية إذا تصرف بالمبيع تصرفاً يوجب حقاً للغير، كالإجارة والبيع بدون رضاء له، وكالهبة والرهن مع التسليم، فإن خياره يسقط، وإن كان ذلك قبل الرؤية عند أبي يوسف، وهو الأصح.
وكذلك لو كان أرضاً بيعت بخيار فاذن للأكار بزرعها، ولو بطريق العارية.
فزرعها سقط خياره.
وأما ما لا يوجب حقاً للغير، كهبة ورهن بلا تسليم، وبيع وإجارة بخيار له.
وعرض المبيع للبيع، وإعارته، وطلب الشفعة به، فإنه يسقط الخيار بعد الرؤية لا قبلها، كقبضه ونقد الثمن.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
٨ - من كان له حق المرور أو التسييل في ملك الغير فأسقطه صريحاً، أو أذن لمالك الرقبة أن يبني في الممر أو المسيل فإنه يسقط حقه، بخلاف ما إذا كان مالكاً لرقبة الممر أو المسيل، وأسقط حقه عنه، فإنه لا يسقط.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
стр. 514
٩ - لو ردت شهادته لعلة غير العمى والصغر والكفر والرق، ثم زالت العلة
فأعادها لا تسمع.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
١٠ - الموصى له بالمنفعة إذا أسقط حقه منها سقط ولا يعود.
(الزرقا ص ٢٦٦) .
١١ - من كان له حق الشفعة، أو خيار الشرط، أو خيار العيب، أو حق
القصاص، إذ أسقط حقه سقط.
(الزرقا ص ٢٦٧) .
١٢ - لو كان لشخص على آخر دين مؤجل، فاشترى منه به شيئاً، فإن الأجل يسقط، ومتى سقط شيء من جميع ما سبق لا يعود.
(الزرقا ص ٢٦٧) .
стр. 515
القاعدة: [٩١]
لا يتم التبرع إلا بالقبض (م/٥٧)
التوضيح
إن التبرع كالهبة، والهدية، والصدقة، وما أشبه ذلك لا بدَّ فيه من القبض، حتى يتم التبرع، فلو رجع الواهب مثلاً قبل القبض لم تلزم الهبة، وله ذلك، ولو توفي الواهب أو الموهوب له قبل القبض بطلت الهبة.
والأصل في ذلك قوله ﷺ :
"لا تجوز الهبة إلا مقبوضة ".
ولما روي عن السادات أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاذ بن جبل ﵃ أنهم قالوا: لا تتم الصدقة إلا بالقبض، ولأن عقد التبرع لو تمَّ بدون قبض لثبت للمتبرع عليه مطالبة التبرع بالتسليم فيصير عقد ضمان، وهو تغيير للمشروع، ولأن التبرع بدون مقابل، ولا عوض.
ولا فرق في اشتراط القبض لتمام التبرع بين ما كان تبرعاً ابتداء وانتهاء كالهدية والصدقة.
(والفرق بين الصدقة والهبة أن الهبة يشترط لها ألا تكون شائعة قابلة
للقسمهَ، وفي الصدقة لا يشترط ذلك إذا كانت بين اثنين، كما لو تصدق على اثنين مشاعاً)
والهبة بلا شرط عوض، وبين ما كان تبرعاً ابتداء معاوضة انتهاءً، كالهبة
بشرط العوض، والقرض، والرهن، فإن القبض شرط لتمام جميعها.
стр. 516
فإذا وجد القبض مستوفياً شروط صحته تمت تلك العقود التبرعية، وإلا فلا.
وشروط القبض ما يلي:
١ - أن يكون القبض بإذن المالك صريحاً، نحو: اقبضه، أو أذنت لك بالقبض، أو رضيت، وما شاكل ذلك، فيجوز قبضه ولو بعد الافتراق، أو يكون القبض بإذن المالك دلالة، وذلك أن يقبض العين في المجلس ولا ينهاه، إذا كانت العين لا تحتاج إلى الفصل عن غيرها، فلو كانت تحتاج إلى الفصل عن غيرها كالثمر على الشجر، والصوف على الغنم، والحلية على السيف، والقفيز من الصبرة، ففصلها وقبضها بدون إذنه الصريح، لم يجز القبض، سواء كان الفصل والقبض بحضرة المالك أو لا.
٢ - أن يكون المقبوض غير مشغول وقت القبض بغيره، وإن كان شاغلاً يصح، كما لو وهب الحِمْل على الدابة، أو الحنطة في الجوالق، ونحو ذلك، فلو وهب دابة عليها حمل، أو داراً فيها متاع الواهب، وسلمها مع الشاغل لم يجز القبض، بخلاف متاع غير الواهب، فإنه لا يمنع صحة القبض.
٣ - ألاَّ يكون المقبوض متصلاً بغيره اتصال الأجزاء، لأنه حيئذ في معنى المشاع.
فلو وهب الزرع دون الأرض، أو الأرض دون الزرع، أو الثمر دون الشجر، أو الشجر دون الثمر، وسلمها جميعها لم يجز القبض.
٤ - أن يكون المقبوض محلاً للقبض، فلو وهب ما في بطن غنمه، أو ضرعها، أو سمناً في اللبن، أو حلاً (شيرجاً) في سمسم، أو زيتاً في زيتون، أو دقيقاً في حنطة، لم يجز القبض، وإن سلطه على قبضه عند الولادة أو عند استخراج ذلك.
٥ - أن يكون القابض أهلاً، فلا يجوز قبض المجنون والصغير الذي لا يعقل.
٦ - أن يكون هناك ولاية لمن يقبض بطريق النيابة، فيقبض للصغير أبوه، أو
وصيه، أو جده أبو أبيه، أو وصي جده، سواء كان الصغير في عيالهم أو لا، ويجوز قبض غير هؤلاء مع وجود واحد منهم إن كان الصغير في عيال من يريد القبض، ولو زوجاً لصغيرة، ولا يجوز قبض من ليس الصغير في عياله، ولو ذا رحم محرم منه.
على ما عليه الفتوى من قولين مصححين.
стр. 517
التطبيقات
مرت التطبيقات في التوضيح والشروط.
(الزرقا ص ٢٩٩ - ٣٣٠، الدعاس ص ٦٨) .
المستثنى
الوصية: فإنها تبرع، وتتم بدون قبض.
(الزرقا ص ٣٠٧)
стр. 518
القاعدة: [٩٢]
تبدل سبب الملك كتبدل الذات
الألفاظ الأخرى
- تبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات (م/٩٨) .
- تبدل الملك كتبدل العين.
- اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان.
التوضيح
إن "تبدل سبب الملك " أي علته "قائم مقام تبدل الذات "
ويعمل عمله، فإن تبدل السبب يعني تبدل الشيء المملوك.
والأصل في ذلك ما ورد صحيحاً في لحم أهدته بريرة للنبي ﷺ ، فقيل له: إنه تُصدق به عليها، فقال:
"هو عليها صدقة، ولنا هدية "
فأقام ﷺ تبدل سبب الملك من التصدق إلى الإهداء، فيما هو محظور عليه، وهو الصدقة، مقام تبدل العين.
وفي رواية أن النبي ﷺ دخل يوماً على بريرة مُعتَقة عائشة ﵂، فقدمت إليه تمراً، وكان القِدر يغلي من اللحم، فقال ﵊: "ألا تجعلين لي نصيباً من اللحم؟ "
فقالت: يا رسول الله، إنه لحم تصدق به عليَّ، فقال ﷺ : "لك صدقة، ولنا هدية".
стр. 519
يعني إذا أخذتِهِ من المالك كان صدقة عليكِ، وإذا أعطيتِهِ إيانا يصير هدية لنا، فعلم أن تبدل الملك يوجب تبدلاً في العين.
التطبيقات
١ - لو اشترى من آخر عيناً، ثم باعها من غيره، ثم اشتراها من ذلك الغير، ثم اطلع على عيب قديم فيها كان عند البائع الأول، فليس له أن يردها عليه، لأن هذا الملك الآن غير مستفاد من جانبه، فإن تبدل سبب الملك الجديد بالشراء الثاني جعله كأنه غير المبيع الأول.
(الزرقا ص ٤٦٧، الدعاس ص ٦٩) .
٢ - لو وهب لغيره العين الموهوبة له، ثم عادت إليه بسبب جديد بأن باعها منه، أو تصدق بها عليه، فأراد الواهب أن يرجع بهبته، لا يملك ذلك.
(الزرقا ص ٦٩) .
٣ - لو باع عقاراً لغيره، وكان له شفيع، فسلم الشفيع الشفعة للمشتري، ثم تقايل البائع مع المشتري البيع، فللشفيع أن يأخذ العقار من البائع بالشفعة، حيث كان عوده إليه بسبب جديد، وهو الإقالة، لأنها بيع جديد في حق ثالث، والشفيع هنا ثالثهما.
(الزرقا ص ٤٦٩) .
وكذلك لو اشتراه البائع من المشتري كان للشفيع أخذه بالأولى.
(الزرقا ص ٤٦٩) .
٤ - لو تصدق رجل على قريبه، فمات المتصدق عليه، وعادت الصدقة إليه بالوراثة، ملكها، وما ضاع ثوابه.
(الدعاس ص ٦٩) .
٥ - لو قبل الفقير الزكاة، وأخذها، ثم وهبها لغني، حل له ذلك المال.
(الدعاس ص ٦٩) .
المستثنى
لو اشترى رجل من رجل داراً وقبضها، ثم باعها من غيره، ثم اشتراها منه ئانياً، ثم استحقت الدار من يد المشتري، فإن له أن يرجع على البائع الأول بالثمن.
(الزرقا ص ٤٦٧) .
لكن ورد استشكال على هذا الاستثناء من وجهين، حاصل الأول:
أن ظاهر الرواية أنه إذا استحق المبيع لا يرجع أحد من الباعة على بائعه بالثمن ما لم يرجع
стр. 520
عليه، فكيف يرجع هنا على بائعه، ولم يرجع عليه المشتري منه.
وحاصل الثاني:
أنه نقل في فرع الرد بالعيب تعليل، وهو:
بأنه لو رده عليه كان للمردود عليه أن يرده
عليه ثانية، لأنه اشتراه منه فلا يفيد الرد، وليس له أن يرده على البائع الأول أيضاً، لأن هذا الملك غير مستفاد من جهته، وأنه ينبغي على قياس هذا أن يكون الحكم في فصل الاستحقاق كالحكم في فصل الرد بالعيب، ويجوز أن يكون بين الاستحقاق وبين الرد بالعيب فرق.
ولعل الفرق هو أنه بالاستحقاق ظهر أن البائع باع وسلم ما ليس ملكاً له، وهذا البيع والتسليم له شبهان، فهو يشبه من جهته بيع الفضولي بدليل ما نصوا عليه في باب الاستحقاق من أنه بالقضاء للمستحق لا تنفسخ البياعات على الأصح ما لم يفسخ المستحق، أو يُقضى على البائع بالثمن للمشتري، أو يرض البائع برد الثمن له.
وعللوه بأنه بيع فضولي يحتمل الإجازة، وهو يشبه من جهة أخرى الغصب، بدليل ما نصوا عليه في باب الغصب من أن البيع والتسليم يوجب الضمان ولو كان المبيع عقاراً على الأصح، ومن جهة كونه غصباً يكون المشتري بمنزلةْ غاصب الغاصب.
ويكون المبيع واجب الرد، وإذا كان واجب الرد شرعاً فبأي جهة وقع الرد يكون أداءً لذلك الواجب، كالمبيع فاسداً والمغصوب، إذا باعه المشتري من بائعه، أو باعه الغاصب من مالكه، أو وهبه إياه، يكون رداً بحكم الفساد الواجب عليه رفعه.
وغاصب الغاصب يبرأ برد العين المغصوبة على الغاصب، أو برد بدلها عليه إذا هلكت، كما يبرأ بالرد على المغصوب منه، وعليه فيكون بيع المشتري الأخير المبيع للمشتري الأول يعتبر بعد ظهور كونه مستحقاً رداً على الغاصب، لا بيعاً، لما له من شبهة الغصب، وإذا كان رداً لم يكن مستفيداً للملك من جهة غير البائِع، فيرجع عليه بالثمن، بخلاف الرد بالعيب فإن شراء المشتري فيه للمبيع المعيب ثانيا من مشتريه هو
شراء محض، والمبيع ليس له شبه الغصب حتى يمكن اعتباره رداً، فافترقا.
(الزرقا ص ٤٦٧ - ٤٦٨) .
стр. 521
القاعدة: [٩٣]
المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط (م/٨٣)
التوضيح
التعليق: هو التزام أمر لم يوجد في أمر يمكن وجوده في المستقبل، أو هو: ربط حصول مضمون جملة بحصول جملة أخرى، سواء كان الربط بإحدى أدوات الشرط، نحو: إن، " إذا، وإذ ما، وكلّ، ومتى، وكلما، ومتى ما، ولو، أو بما يقوم مقامها في إفادة الربط المذكور من نحو ظرف، أو حرف جر، غير لام التعليل، أو استثناء "بإلإ، أنَّ "
إذا تقدمه ما لا يحتمل التوقيت، كالطلاق.
كما لو قال: امرأته طالق إلا أن يقدم زيد مثلاً، فإنه يحمل على الشرط، فيصير كأنه قال: إن لم يقدم زيد فامرأته طالق.
أما ما يحتمل التأقيت، كالأمر باليد، فإنه يكون للغاية، لا للشرط.
ويشترط لصحة التعليق: كون الشرط المعلق عليه معدوماً في الحال، ممكن
الوجود عادة في المستقبل، فالتعليق بالمحقق الوجود في الحال كإن كانت السماء فوقنا: تنجيز.
وكذا التعليق باليمكن عقلاً، لا عادة، كإن لم أصعد السماء، وإن لم أقلب هذا الحجر ذهباً، فإنه تنجيز يحنث به للحال.
والتعليق بالمستحيل الوجود، كإن دخل الجمل في سَمِّ الخياط، لغو وباطل
والأمور التي يرد عليها التعليق بالشرط ثلاثة أنواع:
الأول: ما يصح تعليقه بمطلق الشرط، ملائماً أو غير ملائم، وهي الإسقاطات
стр. 522
المحضة التي يحلف بها، كالطلاق والعتاق، فإن كلاً منهما يصح تعليقه بالشرط مطلقاً ملائماً كان، كقوله لزوجته: إن أسات إليَّ فأنت طالق، أو غير ملائم، كما إذا علق طلاقها بدخول الدار مثلاً، فإن المعلق في كل ذلك ينزل، ويثبت عند ثبوت الشرط.
وتقييد الإسقاطات "بالمحضة " لإخراج غير المحضة، وهي ما فيها تمليك من وجه كالإبراء، فإن التعليق بالشرط يبطله.
وتقييد الإسقاطات "بالتي يحلف بها" لإخراج ما لا يحلف به منها، وذلك كإسقاط الشفعة ولو بعد ثبوتها، فلو علقه بغير كائن لا يصح تعليقه، ويبقى على شفعته.
الثاني: ما يصح تعليقه بالشرط الملائم فقط، وهو ما يؤكد موجب العقد، وذلك كالإطلاقات والولايات.
فالإطلاقاث: كالإذن بالتجارة، والإذن بالخروج فيما لو حلف على زوجته ألا تخرج إلا بإذنه، والإذن من قبل البائع للمشتري إذا باعه الموجود من الثمر، وأذن له بأكل ما لم يظهر..
والولايات: كالقضاء، والإمارة، فإن كلاً منهما يصح تعليقه بالملائم من
الشروط، كقول الرجل لابنه: إن بلغت رشيداً فقد أذنت لك بالتجارة، وكقول الحالف لزوجته: كلما خرجت أذنت، وكقول بائع الثمر للمشتري بعد أن أذن له بأكل ما سيظهر من الثمر إذا خاف المشتري أن يرجع عن الإذن: كلما رجعت عن
الإذن فأنت مأذون بالأكل، لكن مشت المجلة (م/ ٢٠٧) ع
لى قول الحلواني في هذه المسألة، من أن البيع صحيح في المعدوم تبعاً للموجود، وكقول الإمام: إن شغرت الولاية الفلانية فقد وليتك إياها.
ومما يصح تعليقه بالملائم: الكفالة والإبراء، كقوله: إن استحق المبيع فأنا كفيل بالثمن، وقوله: إن غاب المدين أو مات ولم يدع شيئاً فأنا كفيله، وقوله: إن قدم فأنا كفيله، وكقوله: إن وفيت به غداً فأنت بريء.
والثالث: ما لا يصح تعليقه بالشرط مطلقاً، وهو المعاوضات المالية، كالبيع
والشراء والإجارة والقسمة والصلح عن مال بمال.
стр. 523
وكذا التمليكات، كالهبة.
فالمعلق بالشرط من الأمور السابقة التي يصح تعليقها بالشرط يجب ثبوته ووجود المعلق عند ثبوت الشرط ووجوده، لقوله ﷺ : "المسلمون عند شروطهم " أو "على شروطهم "
وفي رواية "المؤمنون عند شروطهم ".
التطبيقات
١ - لو قال شخص لشخص دائن: إن سافر مدينك اليوم، أو إن لم يعد من سفره اليوم، فأنا كفيل بدينك الذي لك عليه، فإنَّ سفر المدين، أو عدم عودته من سفره.
يصبح شرطاً لثبوت الكفالة على القائل، فلا يعتبز كفيلاً ملتزماً بأداء الدين ما لم يتحقق ذلك الشرط الذي شرطه للكفالة.
(الدعاس ص ٧٠) .
٢ - لو قال شخص: إن استحق المبيع فأنا كفيل بالثمن، أو قال: إن غاب المدين أو مات، ولم يدع شيئاً فأنا كفيله، أو قال: إن قدم فأنا كفيله، أو قال: إن وفيت به كداً فأنت بريء، فإذا تحقق الشرط يثبت المشروط.
(الزرقا ص ٤١٧) .
المستثنى
الوصية إذا علقت بالموت فإنها تصح، على خلاف القياس في عدم صحة تعليق المعاوضات المالية بالشرط مطلقاً.
(الزرقا ص ٤١٧) .
стр. 524
القاعدة: [٩٤]
المواعيد بصورة التعاليق تكون لازمة (م/٨٤)
التوضيح
الأصل في الوعد أنه لا يُلزم صاحبه قضاء، وإنما كان الوفاء به مطلوباً ديانة، فلو وعد شخص آخر بقرض أو ببيع أو بهبة. . إلخ، فليس للموعود أن يجبر الواعد على تنفيذ وعده بقوة القضاء.
غير أن الفقهاء لحظوا أن الوعد إذا صدر معلقاً على شرط فإنه يخرج عن معنى
الوعد المجرد، ويكتسي ثوب الالتزام والتعهد، فيصبح عندئذ ملزماً لصاحبه، وذلك فيما يظهر اجتناباً لتغرير الموعود بعدما خرج الوعد مخرج التعهد، ولذلك قال ابن نجيم:
"لا يلزم الوعد إلا إذا كان معلقاً".
فالمواعيد تصدر من الإنسان فيما يمكن ويصح الالتزام له شرعاً، فإذا صدرت منه بصورة التعليق أي بأن كانت مصحوبة بادوات التعليق الدالة على الحمل أو المنع، تكون لازمة، لحاجة الناس إليها.
وهذه القاعدة فرع عن قاعدة
"المعلق بالشرط يجب ثبوته عند ثبوت الشرط " (م/ ٨٢) .
وإذا صدرت بغير صورة التعليق لا تكون لازمة لعدم وجود ما يدل على الحمل والمنع، بل تكون مجرد وعد، وهو لا يجب الوفاء به قضاء.
ولا فرق في لزوم الوعد المعلق المذكور بين أن يصدر في مجلس العقد المذكور أو بعده.
стр. 525
التطبيقات
١ - لو قال شخص لآخر: بع هذا الشيء لفلان، وإن لم يعطك ثمنه، فأنا أعطيه لك، فباعه منه، ثم طالبه بالثمن فلم يعط المشتري للبائع بعد المطالبة له، بأن امتنع من الدفع، أو لم يمتنع، ولكن أخذ في المماطلة، لزم على القاثل أداء الثمن المذكور للبائع، بناء على وعده المعلق، أما قبل المطالبة فلا يلزم القائلَ شيء، والظاهر أن تقدم قوله: بيع هذا الشيء لفلان، وما أشبهه، ليس بشرط لصحة الالتزام، فلو قال:
إن لم يعطك فلان مطلوبك فأنا أعطيك كان كفيلاً (م/٦٢٣) .
ولم يشترط فيه أن يقول؛ أقرضه مثلاً.
(الزرقا ص ٤٢٥، الدعاس ص ٧٠) .
٢ - لو قال كفيل النفس: إن لم أوافك بمدينك فلان غداً فأنا أدفع لك دينه، فلم يوافه به لزمه الدين، إلا إذا عجز عن الموافاة بغير موت المدين أو جنونه، أما لو عجز بأحدهما عن الموافاة به فالكفالة لازمة له.
(الزرقا ص ٤٢٦) .
٣ - لو قال للمعير أو المودِع (بالكسر) : إن أضاع أو استهلك المستعير أو الوديع العارية أو الوديعة، فأنا أؤدي ضمانها، فأضاعها أو استهلكها لزمه الضمان، بناء على وعده المعلق.
(الزرقا ص ٤٢٦) .
٤ - لو باع العقار بغبن فاحش، ثم وعد المشتري البائع بأنه إن أوفى له مثل الثمن يفسخ معه البيع، صح ولزم الوفاء بالوعد.
(الزرقا ص ٤٢٦) .
المستثنى
١ - إذا كان الوعد "فيما يمكن ويصح التزامه له شرعاً بصورة التعليق " يكون لازماً، وخرج ما لا يصح التزامه شرعاً، كضمان الخُسران، كما إذا قال: اشتر هذا المال، وإن خسرت فيه، فأنا أؤدي لك ما تخسره، فاشتراه وخسر، فإنه لا يرجع عليه بشيء.
(الزرقا ص ٤٢٦) .
٢ - لو تبايعا بثمن المثل بيعاً باتاً، ثم بعد ذلك أشهد المشتري أنه، أي البائع، إن دفع له نظير الثمن بعد مدة كذا يكن بيعه مردوداً عليه ومُقالاً منه، فإن الإشهاد
стр. 526
المذكور وعد من المشتري فلا يجبر عليه حيث كان البيع بثمن المثل، مع أنه كما ترى
معلق بالشرط.
وذلك لأن ظاهر هذه القاعدة أنها مطلقة عامة في كل وعد أتى بصورة التعليق.
والظاهر خلافه، فإنهم لم يفرعوا عليها غير مسألتي البيع والكفالة المتقدمتين، ولم يظهر بعد التتبع ثالث لهما.
(الزرقا ص ٤٢٦) .
стр. 527
القاعدة: [٩٥]
يلزم مراعاة الشرط بقدر الإمكان (م/٨٣)
التوضيح
يلزم مراعاة الشرط الجائز بالوفاء به، بقدر الإمكان أي بقدر الاستطاعة، ولا يلزم ما فوق الاستطاعة، فلو قال المودِع للمودع عنده: أمسكها بيدك ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً، فوضعها في بيته، فهلكت لم يضمنها، لأن ما شرط عليه ليس في وسعه عادة.
وإنما تكون الشروط معتبرة بقدر الإمكان إن لم تخالف قواعد الشريعة في نظام
العقود، بأن يكون من مقتضى العقد، أو مؤيداً لمقتضاه، أو كان متعارفاً عليه، فإن خالفت الشروط قواعد الشريعة كانت فاسدة أو ملغاة.
والأصل في مراعاة الشروط قول الرسول ﷺ :
"المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً أحلَّ حراماً، أو حرَّم حلالاً"
وورد في الحديث عن أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهما، عنه - ﷺ أنه قال:
"المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق من ذلك ".
والمراد بالشرط هنا المقيد به، المعرف بأنه: التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة، لا المعلق عليه الذي هو: التزام أمر لم يوجد في أمر يمكن وجوده في المستقبل، والفرق بينهما أن المعلق بالشرط عُدِم قبل وجود الشرط، لأن ما توقف حصوله على حصول لشيء يتأخر بالطبع عنه، بخلاف المقيد بالشرط فإن تقييده لا يوجب تأخره في الوجود عن القيد، بل سبقه عليه، كما هو ظاهر.
стр. 528
التطبيقات
١ - لو قال المودِح للمودع عند الوديعة: بشرط ألا تخرج بها من بلدك، فهو شرط مقيد، ويمكن، فإن خرج بها إلى بلد آخر كان ضامناً.
(الدعاس ص ٧١) .
٢ - باع شخص بشرط أن يحبس المبيع إلى أن يقبض الثمن، فهذا شرط يوافق مقتضى العقد، فيصح ويلزم مراعاته.
(الدعاس ص ٧١، الزرقا ص ٤١٩) .
٣ - باع شخص بشرط أن يرهن المشتري عند البائع شيئاً معلوماً، أو أن يكقل له بالثمن هذا الرجل، صح البيع والشرط، لأن الشرط يلائم مقتضى العقد.
(الدعاس ص ٧١، الزرقا ص ٤١٩) .
٤ - اشترى ثريا كهرباء بشرط أن يعلقها البائع في مكانها، أو بشرط أن تكون معها صحونها أو بلوراتها، صح الشراء والشرط، لأنه شرط متعارف عليه.
(الدعاس ص ٧١) .
٥ - اشترى منه فرساً بشرط: أصله كذا مما يرجع إلى صفة المبكل، أو باع بشرط أن تكون الدراهم بيضاً أو معجلة أو مؤجلة، مما يرجع إلى صفة البدل، أو بشرط أن يحيل المشتري البائع على غيره، مما يرجع إلى التوثيق كالرهن والكفالة، فالعقد صحيح والشرط لازم، لأنه يلائم العقد.
(الزرقا ص ٤١٩ - ٤٢٠) .
٦ - اشترى نعلاً بشرط أن يشركها البائع، صح الشراء والشرط، لأن الشرط جرى به العرف.
(الزرقا ص ٤٢٠) .
٧ - اشترى بشرط خيار الشرط ونحوه من الخيارات، فالشرط صحيح، لأنه ورد الشرع بجوازه، ويجب مراعاة الشروط السابقة.
(الزرقا ص ٤٢٠) .
المستثنى
١ - لو قال المودِع للمودع عنده: أمسك الوديعة بيدك، ولا تضعها ليلاً ولا نهاراً، فوضعها في بيته، فهلكت لم يضمنها، لأن ما شرطه عليه ليس في وسعه عادة.
(الدعاس ص ٧١) .
стр. 529
٢ - باع دابة وشرط أن يركبها شهراً مثلاً، أو آجر العقار بكذا بشرط أن يقرضه المستأجر كذا، كان الشرط فاسداً ومفسداً للعقد، لأنه ليس من مقتضياته، وفيه نفع لأحد المتعاقدين، وضابط الشرط المفسد: هو ما تضمن منفعة زائدة على مقتضى العقد في المعاوضات المالية.
(الدعاس ص ٧٢، الزرقا ص ٤٢٠) .
٣ - لو قال: بعتك هذا المتاع على ألا تبيعه لأحد، صح البيع، ولغا الشرط لأنه مخالف لمقتضى البيع.
(الدعاس ص ٧٢) .
٤ - لو قال: تزوجتك على ألا يكون لك مهر، صح النكاح وبطل الشرط
ووجب مهر المثل، وإنما صح العقد لأنه ليس فيه نفع لأحد المتعاقدين على حساب الآخر، ولغا الشرط لأنه مخالف للشرع.
(الدعاس ص ٧٢) .
٥ - لو شرط في عقد النكاح تأجيل كل المهر، ولم يشترط الدخول بالزوجة قبل القبض، فللزوجة أن تمنع نفسها عن الزوج حتى تقبض المهر في رواية عن أبي يوسف استحساناً، وبه يفتى، وهو استثناء من صفة البدل المؤجلة (الزرقا ص ٤٢٣) .
стр. 530
القاعدة: [٩٦]
الجواز الشرعي ينافي الضمان (م/٩١)
التوضيح
إن كل ما جاز للإنسان أن يفعله شرعاً، فإذا ترتب على فعله ضرر أو خسائر، لا يضمن للمنافاة بين الجواز الشرعي والضمان.
وإن الجواز الشرعي يفيد كون الأمر مباحاً، سواء أكان فعلاً أو تركاً، فلا ضمان بسبب التلف الحاصل بذلك الأمر.
ولكن يشترط ألا يكون ذلك الأمر الجائز مقيداً بشرط السلامة.
وألا يكون عبارة عن إتلاف مال الغير لأجل نفسه، لأن الضمان يستدعي سبق التعدي، والجواز الشرعي ياب وجوده فتنافيا، فالجواز الشرعي إذا كان مطلقاً فإنه ينافي الضمان، وإلا فلا مانع من الضمان.
وهذه القاعدة تشبه قاعدة الشافعية الآتية
"الرضا بالشيء رضاً بما يتولد عنه ".
التطبيقات
١ - لو حفر إنسان بئراً في ملكه الخاص به، أو في طريق العامة ولكن بإذن ولي الأمر، فوقع فيها حيوانُ رجل، أو وقع فيها إنسان فهلك، لا يضمن حافر البئر شيئاً، فحفر البئر فعل مباح.
(الزرقا ص ٤٤٩، الدعاس ص ٧٢) .
٢ - لو خالف في حفظ الوديعة، أو استعمال المأجور إلى ما هو مساوِ، كما إذا
следующие страницы →