Полный текст (1 114 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وديعة كانت معه فسرقت أو ضاعت منه "
وفسر ذلك بأنه ضمنها بتفريطه فيها.
وهكذا في كل ما يتلفه الإنسان عمداً وتفريطاً، وبتسبب منه.
التطبيقات
١ - المستعير إذا أهمل العارية، ولم يحفظها حتى ضاعت، أو أساء في استعمالها، فإنه يضمنها.
(الروقي ص ٣٣٩) .
٢ - الوديع الذي يعرض الوديعة للهلاك، ولا يحفظها في المكان المناسب الذي يحفظ فيه ماله حتى هلكت، فإنه يضمنها.
(الروقي ص ٣٣٩) .
стр. 597
القاعدة: [١٢٠]
ما يضمن بالعمد يضمن بالخطأ
التوضيح
إن من باشر إتلاف حق لغيره فإنه يضمنه، سواء أتلفه عمداً أو خطأ.
قال ابن رشد رحمه الله تعالى: " الأموال تضمن عمداً أو خطأ".
وعليه أكثر الفقهاء، وهو ما اعتمدته مجلة الأحكام العدلية في القاعدة ٩١، " المباشر ضامن وإن لم يتعمد" المادة/ ٩٢، كما سبق.
ووجه التسوية بين العمد والخطأ أن مجرد المباشرة للإتلاف يكفي أن يكون موجباً للضمان بغض النظر عن العمد والخطأ، فإذا صاحب ذلك تعمد ترتب على المباشرة حكمان:
حكم على مباشرة الإتلاف، وحكم على تعمده، فيكون ضامناً من جهة
القضاء، وآثماً ديانة أمام الله تعالى، أما في حالة الخطأ فليس عليه إلا الضمان؛ لأن الإثم يرتفع بالخطأ، لقوله ﷺ
"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
ولذلك كان جزاء القاتل عمداً وعدواناً:
القصاص في الدنيا، والعقاب في الآخرة.
بينما جزاء القاتل خطأ الكفارة والدية.
التطبيقات
١ - من زلقت به رجله فسقط على مال غيره، وأتلفه.
فإنه يضمنه.
(الروقي ص ٣٤٤) .
стр. 598
٢ - من رمى بشرارة فأحرقت ثوب غيره فإنه يضمنه.
(الروقي ص ٣٤٤) .
٣ - من كان يتدرب على الرمي بالرصاص فأصاب حيوان غيره
فقتله، فإنه يضمنه.
(الروقي ص ٣٤٤) .
٤ - من اجتهد في صرت زكاته، فاعطاها لمن يعتقد أنه فقير، ثم تبين أنه غني، فإنه يضمن تلك الزكاة، ولا تبرأ منها ذمته، لأنه باشر إتلاف حق الله تعالى بصرفه لمن لا يستحق.
(الروقي ص ٣٤٤) .
المستثنى
١ - ما يتلفه الإنسان دفاعاً عن نفسه فإنه لا يضمنه، وهو ما يعرف عند الفقهاء بدفع صولة الصائل، أو دفع الصائل.
(الروقي ص ٣٤٤) .
٢ - من لقي لصاً فناشده الله تعالى، فأبى الكف عنه، قاتله، فإن قتله فدمه هدر، ولا شيء عليه (الزوقا ص ٣٤٤)
لما روى أبو هريرة ﵁ قال: جاء رجل.
فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؛ قال:
" فلا تعطه مالك "
قال: أرأيت إن قاتلني؛ قال: "قاتله " قال: أرأيت إن قتلني؟
قال: "فأنت شهيد"
قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "هو في النار"
لأن نفس المسلم وماله وعرضه حرام على غيره.
стр. 599
القاعدة: [١٢١]
ما يوجب ضمان المنقول يوجب ضمان الأصول
التوضيح
هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة "ما يضمن بالعمد يضمن بالخطأ.
ومكملة لها.
ومعناها أن الضمان بالعمد أو بالخطأ في المنقولات كالحيوانات والعروض وسائر ما ينقل، يوجب الضمان في الأصول أي العقارات كالدار والأرض والشجر وأنواع العقار.
التطبيقات
١ - العقار يضمن بالغصب، كالدار المغصوبة مثلاً إذا انهدمت في يد الغاصب فإنه يضمنها عند الجمهور، ولا يضمنها عند أبي حنيفة، وسبب الاختلاف أن الجمهور اعتبروا يد الغاصب على العقار كيده على المنقول، وهي يد معتدية، بينما يرى أبو حنيفة أن ضياع العقار وهلاكه ليس باعتداء يد الغاصب، وإنما هو بشيء خارج عنها كانهدام الدار.
(الروقي ص ٣٥٤) .
٢ - يتصل بالمسألة السابقة اختلافهم أيضاً في منافع المعين المغصوبة.
فقال أبو حنيفة: لا تضمن، وقال الشافعي وأحمد تضمن.
ونقل عن مالك روايتان، وفي المذهب أقوال، وأخذ كبار المالكية بالضمان؛ لأن المنافع كالأعيان في المالية والضمان؛ لأنها أخذ مال بغير حق.
فيجب أن يرد.
(الروقي ص ٣٤٧) .
.
стр. 600
القاعدة: [١٢٢]
ما تصح إجارته فعلى متلفه الضمان
الألفاظ الأخرى
- ما أذن في اتخاذه فعلى متلفه الضمان.
التوضيح
هذان اللفظان مترادفان ومتحدان في الحكم، ومعناهما: أن الأعيان التي يجوز
اتخاذها والانتفاع بها، وإيجارها للغير، يجب الضمان على من أتلفها لصاحبها.
التطبيقات
من قتل لغيره كلب صيد أو ماشية أو زرع، فعليه قيمته، سواء قلنا: بجواز بيعه أم لا، وخالف الشافعي في ذلك فلم يوجب الضمان.
(الروقي ص ٣٤٨) .
стр. 601
القاعدة: [١٢٣]
كل ما لا يضمن من التلفات المأخوذة بغير إشهاد
لا يضمن إذا أخذ بغير إشهاد
التوضيح
إن أموال الغير التي لا يضمنها واضع اليد شرعاً لأنها أمانة، حتى ولو كانت
بإشهاد، كالوديعة والقراض والمساقاة وأشباه ذلك، فإنها لا تضمن كذلك إذا وضع يده عليها بغير إشهاد، كما إذا ضاعت قهراً من غير تفريط؛ لأن يده عليها يد أمان، وصاحب يد الأمان مؤتمن، فلا يضمن إلا بالتفريط أو التعدي أو التقصير.
التطبيقات
١ - إذا تلفت اللقطة فلا ضمان على الملتقط، لأن يده يد أمان.
(الروقي ٣٤٨)
لما روى زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة، فقال:
"اعرف عفاصها، ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن
وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه "
وخالف أبو حنيفة وزفر
стр. 602
في ذلك ففرقا بين الملتقط الذي يشهد على اللقطة حين أخذها ليردها، وبين الذي لا يشهد، فأوجبا الضمان على الذي لم يشهد، ولم يوجباه على من أشهد.
٢ - إن الوديعة، ومال القراض، ومال المساقاة أمانة في اليد، وتؤخذ بغير
إشهاد، ولا تضمن إذا تلفت بغير تعد ولا تقصير.
стр. 603
القاعدة: [١٢٤]
الزعيم غارم
التوضيح
الزعيم: هو الكفيل، قال تعالى على لسان يوسف: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) .
أي كفيل.
والكفيل يضمن كل ما تكفل به من حقوق الغير، فإذا كفل غيره في دين - مثلاً - ثم حصل للمدين ما يحول بين الدائن وبين استرداد دينه، بموت أو إفلاس، أو هرب، أو نحو ذلك، فإن الكفيل يضمن ذلك المال للدائن، لأنه متسبب بتفويته - بكفالته - إذ لولاه لما أعطى الدائن الدين للمكفول.
وأصل هذه القاعدة ما رواه أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدَّين مقضي، والزعيم غارم".
فيجب أن ترد العارية لصاحبها، فإن ضاعت بتفريط المستعير ضمنها، والمنحة: هي ما يمنحه الرجل لصاحبه من أرض أو حيوان أو شجر بقصد استغلاله مدة، وهي مضمونة لأنها بحكم العارية، ويجب قضاء الدين، وضمانه على المدين.
التطبيقات
١ - الكفيل في المال غارم.
٢ - الكفيل في النفس غارم.
стр. 604
القاعدة: [١٢٥]
إيجاب الأخذ يفيد إيجاب الدفع
التوضيح
إذا أوجب الله تعالى على إنسان أخذ شيء من إنسان آخر، فهذا الإيجاب يفيد إيجاب الدفع على المأخوذ منه، لأن الأخذ يكون بين شخصين، فإذا وجب على الآخذ الأخذ وجب على المأخوذ منه الدفع.
مثال ذلك أن الإمام يجب عليه أخذ الزكاة من الأغنياء ليردها على الفقراء، لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) .
ولقوله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:
"فإن هم أطاعوك لذلك للشهادتين ثم للصلاة، فأعلمهم
أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ".
وإذا كان أخذ الإمام أو سعاته واجباً؛ لأن الأمر يفيد الوجوب، فإن هذا يقتضي أن يكون دفعها إليهم ممن وجبت عليه واجباً أيضاً.
التطبيقات
المالك إذا فرق الزكاة بنفسه في الأموال الظاهرة، وهي الماشية والثمار والزروع، ثم جاء الساعي من الإمام العدل، فإنه يضمنها عند المالكية، وخالف الشافعية ذلك فلم يوجبوا عليه الضمان، لأنهم خيَّروا المزكي بين تفريقها بنفسه وإعطائها للإماء.
(الروقي ص ٣٥٠) .
стр. 605
القاعدة: [١٢٦]
العقد على الأعيان كالعقد على منافعها
التوضيح
العقد هو ارتباط إيجاب بقبول على وجه يظهر أثره الشرعي، ويرد العقد على المعقود عليه الذي يسمى محل العقد، وقد يكون عيناً وهو الرقبة أو الجرم المادي.
وقد يرد على المنفعة وهي الثمرة التي تقصد من العين.
ويرد العقد عادة على الأعيان أو على المنافع، وينتج على العقد الآثار والنتائج نفسها، سواء ورد على العين أو المنفعة.
التطبيقات
١ - إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن بعد العقد وقبض المبيع، فإن القول قول المشتري مع يمينه لاحتمال تعذر الفسخ بفوات المبيع.
كما هو الشأن في العقد على المنافع (الإجارة)
فإن اختلف المستأجر والأجير في مقدار الأجرة بعد انتهاء مدة
الإجارة، يكون القول فيهما للأجير مع يمينه لتعذر الفسخ بفوات المنفعة (الروقي ص ٣٥٤) .
٢ - إن اختلاف الفقهاء في ضمان المغصوب هو كاختلافهم في ضمان المنافع عند اغتصاب عينها، وسبق بيان ذلك فالعقار يضمن بالغصب عند الجمهور، ولا يضمن عند الحنفية، ومنافع المغصوب مضمونة عند الجمهور خلافاً للحنفية (الروقي ص ٣٥٤، ٣٥٥) .
стр. 606
القاعدة: [١٢٧]
كل ما لم يمنع العقد على العين، لم يمنع العقد على منفعتها
التوضيح
يكون محل العقد إما على العين كما في البيع والهبة، وإما على المنافع كالإجارة.
وكل عين يمكن أن تكون محلاً للعقد، يصح أن تكون منفعتها محلاً له، لأن المنفعة هي المقصود أصلاً من الأعيان، وهذه القاعدة مكملة للقاعدة السابقة أن العقد على الأعيان كالعقد على المنافع، وأكد ذلك الإمام مالك فقال: (كل شيء جاز بيعه فلا بأس أن يستأجر به ".
التطبيقات
يجوز للشريك أن يبيع نصيبه المشاع (وهو المال المشترك) ، فيجوز له أن يؤجره لأي إنسان، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فلم يجز ذلك إلا من الشريك لشريكه.
(الروقي ص ٣٥٥) .
стр. 607
القاعدة: [١٢٨]
كل عقد جاز أن يكون على القسمة، جاز أن يكون على المشاع
التوضيح
إن محل العقد إما أن يكون مفروزاً، ومملكه شخص واحد، وإما أن يكون مملوكاً على الشيوع بسبب الشركة فيه.
وإن العقود التي ترد على المال المقسوم تجوز أن تكون على المآل المشاع المشترك.
ولذلك قال الشافعية: كل ما جاز بيعه جاز رهنه.
وقال الحنابلة: كل شيء جاز بيعها جاز رهنها.
التطبيقات
كما يجوز بيع المنقول أو العقار المقسوم، يجوز رهن كل منهما، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: يصح رهن المقسوم، ولا يصح رهن المشاع، ويشهد لمذهب المالكية في صحة رهن المشاع قوله تعالى: (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) .
فالآية مطلقة في كل مال، وتبقى على إطلاقها.
(الروقي ص ٣٥٥) .
стр. 608
القاعدة: [١٢٩]
العقود لا تثبت في الذمم
التوضيح
الذمة: هي الوعاء المعنوي الذي تستقر به التزامات الإنسان، أو هي محل الالتزام في الإنسان، وتبدأ من حين تحقق وجوده في بطن أمه، وتستمر حتى انقضاء الالتزامات التي انعقدت أسبابها قبل موته.
ولا يجوز للعاقدين أن يتعاقدا بذممهما، أي بما يثبت في ذمة كل منهما، مثل أن يقول الرجل لآخر: أسلفك ألف درهم على أن تزوجني ابنتك عليها، فالدراهم التزام في الذمة، ولا وجود لها، والتزويج التزام في الذمة.
التطبيقات
١ - إن شركة الذمم، وهي اشتراك شخصين في شراء السلعة بالذمة، على أن يقتسما الربح، ويتحملا الخسارة حسب الاتفاق، ممنوعة عند المالكية، لأنها عقد في الذمة.
(الروقي ص ٣٥٦) .
٢ - إذا قالت الأمة لسيدها: اعتقني على أن أتزوجك، ويكون عتقي صداقي، فأعتقها، فذهب مالك أن العتق واقع، وهي بالخيار إن شاءت تزوجته، وإن شاءت لم تتزوجه، ولا شيء عليها، وإن اختارت أن تتزوجه فلها صداقها من جديد، ولا يكفي أن يكون عتقها صداقها.
(الروقي ص ٣٥٦) .
стр. 609
القاعدة: [١٣٠]
كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه
التوضيح
إن العقد الصحيح هو الذي تتوفر فيه أركانه وشروطه، ثم تترتب عليه آثاره المقررة شرعاً واتفاقاً، فإذا اختل ركن من أركانه، أو شرط من شروطه كان فاسداً، ولا تترتب عليه آثاره، ويفسخ بين العاقدين، ويفصل بينهما كما لو كان ذلك العقد صحيحاً، فالبيع الفاسد - مثلاً - يفسخ، ويرد كل من المتبايعين ما بيده للآخر، فإن فات المبيع بيد المشتري رد قيمته للبائع، وفي الأنكحة أيضاً يفسخ النكاح الفاسد.
ويعطى للزوجة مهر المثل إن كان الفسخ بعد الدخول، ويقرب من هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي "فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه ".
التطبيقات
١ - شركة الذمم، وهي اشتراك شخصين في شراء السلعة بالذمة على أن يقتسما الربح ويتحملا الخسارة حسب الاتفاق، وهي ممنوعة وفاسدة عند المالكية، وإذا انعقدت بين شخصين يجهلان حكمها فإنها تفسخ، ويقتسمان الربح الناتج كما لو كان العقد صحيحاً.
(الروقي ص ٣٥٦) .
٢ - القراض نوع من الشركة، وهي أن يشترك طرفان، أحدهما بالمال، والآخر بالعمل، على أساس أن يقتسما الربح حسب الاتفاق، وتكون الخسارة على المال،
стр. 610
ويسمى مضاربة أيضاً، فإذا اختل فيه ركن أو شرط صار فاسداً، ويفسخ، ويعطى العامل قراض المثل حسب الظاهر من مذهب مالك.
وقيل: يفسخ القراض ويعطى العامل أجرة المثل.
(الروقي ص ٣٥٧)
واستدل القاضي عبد الوهاب للقول الأول بقوله:
"إن الأصول موضوعة على أن شبه كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه، كالبيع والإجارة والنكاح وغير ذلك، وكذلك القراض، وليس في الأصول عقد يرد فاسده إلى صحيح غيره أو فاسده".
стр. 611
القاعدة: [١٣١]
الشرط الباطل لا يؤثر في العقد
التوضيح
إن العقد إذا استجمع أركانه وشروطه الشرعية كان صحيحاً، ولا عبرة بما خرج عنه من الشروط الباطلة التي يشترطها المتعاقدان أو أحدهما؛ لأنها لاغية بالنسبة للشرع، لقوله ﷺ :
"المسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً، أو أحلَّ حراماً".
فيلغى الشرط، ويبقى العقد صحيحاً.
التطبيقات
١ - إذا كاتب الرجل أمته على شرط أن يطأها، فذهب الإمام مالك أن الكتابة صحيحة، والشرط باطل.
وخالف أبو حنيفة والشافعي فقالا:
إن الكتابة فاسدة.
واحتج القاضي عبد الوهاب عليهما بقوله:
"فدليلنا أن ذلك اشتراط منفعة من منافعها لا تؤدي
إلى منع المقصود بالعقد.
فإذا بطل لم يؤد إلى إبطال أصل الكتابة.
أصله: لو كاتبها على أن يستخدمها أو يزوجها من غلامه ".
والحديث السابق يشهد لمذهب الإمام مالك.
ويشهد له أيضاً حديث عائشة أن
стр. 612
بريرة أتتها تسألها في كتابتها، ويكون الولاء لمن يملكها، فقالت لها عائشة: إن شئت أعطيت أهلك، ويكون الولاء لي، فلما جاء رسول الله ﷺ ذكرت له ذلك، فقال النبى ﷺ :
"ابتاعيها، فاعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام رسول الله ﷺ على المنبر فقال:
"ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؛ من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مئة شرط ".
وهذا في الشرط المباح، ففي الشرط الحرام أولى وأحرى.
стр. 613
القاعدة: [١٣٢]
ما ليس بشرط في صحة العقد فليس بواجب أن يقترن به
التوضيح
يتوقف وجود العقد على وجود أركانه، وتوفر شروطه التي اشترطها الشرع، ويمكن للعاقدين أن يضيفا شروطاً أخرى بإرادتهما واتفاقهما، فإن كان الشرط إرادياً ولم يتفقا عليه، فلا يتوقف صحة العقد عليه، ولا يجب أن يقترن بالعقد، لأنه أمر زائد عنه ولا بدَّ من الاتفاق عليه عند العقد حتى يصبح ملزماً.
التطبيقات
١ - إن رؤية المخطوبة ليست شرطاً في عقد النكاح، ويمكن الاكتفاء بوصفها، فإذا انعقد النكاح بدون الرؤية كان صحيحاً.
(الروقي ص ٣٥٩) .
٢ - إذا كانت رؤية المبيع شاقة أو تحدث ضرراً بالمبيع كالسلع المستوردة في العلب والأكياس ونحوها بوصفها في الدفتر، فيجوز البيع بدون رؤيتها والاكتفاء برؤية البرنامج أو النموذج أو العينة أو المسطرة لها.
(الروقي ص ١٣٥٩.
وهذا يتفق مع قاعدة عند الحنفية، ونصها
"الأشياء التي تباع على مقتضى أنموذجها تكفي رؤية الأنموذج منها فقط ".
٣ - يجوز بيع العين الغائبة إذا وصفت وصفاً يحصل به العلم بها، وخالف
стр. 614
الشافعي في ذلك في أظهر قوليه فذهب إلى أن الأعيان لا تباع إلا على الرؤية، وهو المذهب الجديد.
ويشهد لمذهب الإمام مالك حديث:
"من اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه" لكن البيهقي ضعف هذا الحديث ثم نقل عن ابن سيرين أنه كان يقول بخيار الرؤية، ونقل أيضاً عن جبير بن مطعم أنه حكم به لطلحة ابن عبيد الله على عثمان بن عفان ﵃ أجمعين.
стр. 615
القاعدة: [١٣٣]
الإكراه يبطل العقد
التوضيح
العبرة في العقود بالنية والباعث والقصد من المكلف، فإذا انتفى ذلك بالإكراه فلا لزوم للعقد، ويكون فاسداً وباطلاً.
غير أن الأحناف يخالفون ذلك في بعض الفروع، وهي العتق واليمين والنكاح
والطلاق والرجعة، وقالوا: إن الإكراه لا يبطل هذه العقود، بل هي لازمة رغم كون عاقدها مكرهاً.
ويرد عليهم بقوله ﷺ :
"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وفي رواية: "رفع القلم عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ولأن العقد الذي ينشأ بضغط الإكراه باطل لفقدانه أهم شيء يتكون منه وهو القصد والإرادة، فهما روحه وجوهره.
التطبيقات
تشمل هذه القاعدة جميع العقود، فإنها تبطل مع الإكراه، لفقدان الإرادة، وهي ركن من أركان العقد، ولذلك وردت قاعدة أخرى
"العقود كلها تفسد بالإكراه".
стр. 616
القاعدة: [١٣٤]
كل ما يصح تأبيده من عقود المعاوضات فلا يصح توقيته
التوضيح
إن عقود المعاوضات يتم فيها المبادلة من الطرفين، وبعضها يكون مؤبداً أي على الدوام بحسب طبيعته، ولذلك لا يصح
توقيته بوقت محدد، فإن وقّت بطل.
التطبيقات
١ - عقد البيع يصح تأبيده، فلا يصح توقيته، لذلك قال الفقهاء:
البيع لا يتوقت، وأما قول الرجل للآخر: بعتك داري شهراً - مثلاً -
فهذه إجارة وليست بيعاً.
(الروقي ص ٣٦٢) .
٢ - عقد النكاح من المعاوضات، والأصل فيه التأبيد، فلا يصح توقيته، لذلك لا يجوز نكاح المتعة.
(الروقي ص ٣٦٢)
وقد ثبت في الحديث عن علي ﵁:
"أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة آخراً وهذا ناسخ لما ورد في تجويزه.
стр. 617
القاعدة: [١٣٥]
كل ما كان لأحد المتعاقدين فسخه بوجه
كان للآخر فسخه بمثل ذلك الوجه
التوضيح
إن الأصل في معظم العقود أن تكون لازمة، فلا يحق لأحد المتعاقدين فسخها
بإرادته المنفردة، لأن العقد حين انعقد انعقد برضاهما وإرادتهما معاً، فلا يفسخ إلا برضاهما، فإن وجد سبب لفسخ العقد بعد انعقاده، فإنه يشترك فيه العاقدان معاً.
ويقرب من هذه القاعدة قاعدة أخرى في المذهب الحنفي، وهي:
"أحد المتعاوضين لا ينفرد بفسخ المعاوضة من غير رضا الآخر".
وقاعدة أخرى: "أحد المتعاقدين لا ينفرد بتفريق الصفقة المجتمعة ".
التطبيقات
١ - البيع لا يفسخ إلا بوجود سبب يهم البائعين معا كالعيب مثلاً.
أو كان يجد المشتري المبيع على غير ما وصف له، وذلك في بيع العين الغائبة، فيحق فسخه ممن يرفض العيب.
(الروقي ص ٣٦٣) .
٢ - عقد الإجارة لا يجوز فسخه بإرادة أحد العاقدين في مذهب الإمام مالك، وأجاز ذلك أبو حنيفة.
(الروقي ص ٣٦٤)
ويشهد لمذهب المنع عموم قوله تعالى:
стр. 618
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
وإن الإجارة عقد معاوضة كالبيع، فلا ينفسخ بإرادة
أحد العاقدين وحدها.
стр. 619
القاعدة: [١٣٦]
ما هو موجَب العقد لا يحتاج إلى اشتراطه
التوضيح
إن موجَب العقد هو ما يترتب عليه أصالة، فهو تابع له، والشيء الذي هو تابع للمعقود عليه بالضرورة، أو هو جزء منه، لا يحتاج إلى النص على اشتراطه في العقد.
وهذه القاعدة ترادف قاعدة أخرى، وهي "التابع تابع "
أي التابع للشيء في وجوده تابع له في الحكم.
وهذه القاعدة تشبه قاعدة ثانية عند الحنفية، وهي
"التصريح بمقتضى العقد لا يزيده إلا وكادة".
وقاعدة ثالثة عندهم: "تفسير موجب العقد لا يغير حكمه ".
وقاعدة رابعة:
"من ملك شيئاً ملك ما هو من ضروراته ".
التطبيقات
١ - بيع السيارهَ - مثلاً - لا يحتاج فيه إلى النص على اشتراط مقاعدها (الروقي ص ٣٦٤) .
٢ - كراء الدار لا يحتاج إلى النص على وجوب إفراغها للمكتري من متاع المكري أو غيره.
(الروقي ص ٣٦٤) .
٣ - المستعير للأرض إذا غرس فيها وبنى، ثم انتهت مدة الإعارة، فالمالك مختار
стр. 620
بين أن يلزم المستعير بقلع البناء والغرس، وبين أن يعطيه قيمته مقلوعاً، وخالف الشافعي في ذلك، فذهب إلى أن المالك ليس له أن يطالب المستعير بذلك إلا إذا اشترط عليه ذلك في العقد.
стр. 621
القاعدة: [١٣٧]
ما حرم للاستعمال حرم للاتخاذ
التوضيح
إن الشيء الذي يحرم على المسلم أن يستعمله ويستخدمه، يحرم عليه ملكه واتخاذه، لأن اتخاذه يفضي إلى استعماله، وما يفضي إلى الحرام فهو حرام.
وهذه القاعدة تشبه القاعدة الكلية عند الشافعية:
" ما حرم استعماله حرم اتخاذه".
التطبيقات
١ - يحرم شرب الخمر وأكل الخنزير واستعمال آلات اللهو، والحلي بالنسبة
للرجال، فيحرم اتخاذها واقتناؤها.
(الروقي ص ٣٦٨) .
٢ - يحرم استعمال أواني المذهب والفضة، فيحرم اتخاذها واقتناؤها.
(الروقي ص ٣٦٨)
وكذلك سائر المحرمات التي نهى الشرع عن استعمالها.
стр. 622
القاعدة: [١٣٨]
ما حرم لذاته حرم ثمنه
التوضيح
إن الله تعالى حرَّم على المسلم أن يملك بعض الأشياء لذاتها، فيحرم عليه أن يملك ثمنها، وتشبه قاعدة المالكية الثانية
"ما حرم في نفسه حرم عوضه"
وقاعدة المالكية الثالثة
"ما حرم نفعاً، فأولى أن يحرم عوضاً".
وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة
"ما حرم للاستعمال حرم للاتخاذ".
وأصل هذه القاعدة قوله ﷺ :
"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام "
فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن
بها الجلود، ويستصبح (يستضيء) بها الناس؟
فقال: "لا، هو حرام " ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه
اي أذابوه حتى يصير ودكاً) ثم باعوه فأكلوا ثمنه ".
والضمير في قوله ﷺ :
"هو حرام " يحتمل أن يكون عائداً على الانتفاع.
ويحتمل أن يكون عائداً على البيع، فعلى الاحتمال الأول يكون الانتفاع بشحوم الميتة وما هو في حكمها حراماً.
وعلى هذا جمهور الفقهاء، وإذا كان الانتفاع بذلك حراماً.
стр. 623
فحرمة بيعه أولى وأحرى، وعلى الاحتمال الثاني يكون الانتفاع مباحاً والبيع محرماً، وهو ما ذهب إليه بعض الفقهاء.
ويؤيد القاعدة ما رواه أبو مسعود البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ
"نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن ".
التطبيقات
١ - جلد الميتة قبل دبغه يحرم لذاته، فيمنع بيعه عند الإمام مالك.
(الروقي ص ٣٧٠) .
قال الزهري يجوز بيعه.
٢ - الخمر حرام لذاتها، فيحرم بيعها وثمنها.
(الروقي ص ٣٦٩) .
٣ - الخنزير يحرم لذاته، فيحرم بيعه وثمنه.
(الروقي ص ٣٦٩) .
٤ - الأصنام تحرم لذاتها، فيحرم بيعها وأكل ثمنها.
(الروقي ص ٣٦٩) .
المستثنى
١ - الميتة تحرم لذاتها، ولكن يجوز بيع جلدها قبل أن تدبغ عند الجمهور، لحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرّ بشاة ميتة، فقال:
"هلاّ استمتعتم بها؟
قالوا: إنها ميتة، قال: " إنما حرم أكلها"
فيجوز بيعها لجواز الاستمتاع بها؛ لأن كل ما يتفع به يصح بيعه.
وما لا فلا.
ونقل القاضي عبد الوهاب من مذهب الإمام مالك:
المنع، طرداً مع القاعدة.
стр. 624
القاعدة: [١٣٩]
ما صح إجارته صحَّ ملكه
التوضيح
الإجارة هي الانتفاع من العين بعوض، وتكون العين مملوكة للمؤجر، فإذا
أجاز الشرع إجارة شيء، فهذا يدل على جواز تملكه.
التطبيقات
جواز اتخاذ الكلب للصيد، وحراسة الماشية، وحراسة الزرع، فيصح تملكه، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى، وذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز اتخاذه لذلك.
(الروقي ص ٣٧٠) .
ويشهد لمذهب مالك ما رواه ابن مغفل ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: "ما لهم ولها؛ "
فرخّص في كلب الصيد، وفي كلب الغنم.
المستثنى
المرضعة (الظئر) يجوز استئجارها للرضاعة، ولا يجوز تملكها.
стр. 625
القاعدة: [١٤٠]
ما صح أن يملك بالأخذ صح أن يملك بالبيع
التوضيح
إن ما يجوز اتخاذه واقتناؤه للملك، يجوز بيعه، وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة
"ما صحت إجارته صح ملكه"
وتلتقي مع قاعدة "ما حرم للاستعمال حرم للاتخاذ".
التطبيقات
الكلب المأذون في اتخاذه للصيد والحراسة يجوز تملكه على الصحيح عند المالكية، لكونه مأذوناً في الانتفاع به.
قال ابن العربي: "كل ما جاز اقتناؤه وانتفع به صار يجوز اقتناؤه.
(الروقي ص ٣٧١) .
стр. 626
القاعدة: [١٤١]
كل ما صح أَن يملك إرثًا صح أن يملك هبة وابتياعًا
التوضيح
الإرث هو تملك ما تركه الميت المورِّث من مال، ولا ينتقل من المورث إلى الوارث إلا المال المملوك، فكل ما ينتقل بالإرث بعد الوفاة، يمكن أن ينقل المالك ملكه بالهبة، وهي تبرع بدون عوض، أو ينقله بالبيع، وهو نقل الملكية بعوض.
التطبيقات
جواز شراء الرجل صدقته - فرضاً كانت أو تطوعاً - لكن مع الكراهة في مذهب الإمام مالك.
(الروقي ص ٣٧٢) .
وحكي عن أصحاب الشافعي أنه لا يصح شراء الصدقة من المتصدق، وذهب جمهور الفقهاء إلى كراهة شراء الصدقة، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال:
حملت على فرس عتيق في سبيل الله، فأضاعه صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص؛ فسالت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال:
" لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".
ولقاعدة: "ما حرم فعله حرم بيعه".
قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى:
" يكره للرجل أن يبتاع صدقته لئلا
стр. 627
يكون ذريعة إلى إخراج القيمة في الزكاة أو إلى الرجوع في الهبة، وإن فعل صح. ..
ودليلنا على جوازه أن كل ما صح أن تملكه إرثاً صح أن تملكله هبة وابتياعاً كسائر الأموال.
стр. 628
القاعدة: [١٤٢]
كل تمليك في الحياة صح بعد الوفاة
التوضيح
يجوز للشخص أن يتبرع بماله في حياته على سبيل الصدقة.
ويجوز أن يتبرع بحدود ثلث ماله بعد الوفاة على سبيل الوصية.
وكل مال يجوز أن يتبرع به في حياته يجوز أن
يوصي به بعد وفاته؛ لأن المالك إذا جاز له أن يعطي من ماله لجهة في حياته، جاز له أن يعطي لها لما بعد الموت.
التطبيقات
يجوز للمسلم أن يتبرع من ماله لمشرك سواء كان ذمياً أو حربياً، فيجوز له الوصية للمشركين، سواء كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب.
(الروقي ص ٣٧٢)
لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ، ولأن كل من جازت
عطيته في الحياة جازت بعد الوفاة كالذمي.
ولأن كل من صح تمليكه بغير وصية صح أن يملك بالوصية كالمعاهد والمستأمن، ولأن اختلاف الأديان والدار لا يؤثر في
التمليك بالوصية كوصية الذمي للمسلم.
стр. 629
القاعدة: [١٤٣]
الحقان المختلفان لا يتداخلان
التوضيح
إذا ترتب في ذمة المكلف حقان، يتعلق كل منهما بجهة معينة، سواء كانا من
حقوق الله، أو من حقوق العباد، أو من النوعين معاً، فإن ذمته لا تبرأ إلا بأداء الحقين معاً، ولا يجزئه الاقتصار على واحد منهما.
وهذا يشبه قاعدة أخرى عند الشافعية والحنابلة، وهي
"حقوق الآدميين لا تتداخل ".
وعبر السرخسي الحنفي عن هذه القاعدة بقوله:
"الحقان إذا وجبا بسببين، فاستيفاء أحدهما لا يسقط الآخر".
التطبيقات
١ - وجوب الدية والكفارة على القاتل خطأ، لأن الدية حق الآدمي يستحقه أولياء المقتول، والكفارة حق لله تعالى، فوجب الحقان معاً، ولم يصح دخول أحدهما في الآخر.
(الروقي ص ٣٧٦) .
٢ - وجوب القضاء والكفارة على من أفطر في رمضان عمداً بجماع، وهو رأي جمهور الفقهاء، وفي قول لأصحاب الشافعي أن القضاء هنا داخل في الكفارة فهي
стр. 630
تجزئ عنه، والأليق بالصواب ما عليه الجمهور، لأن القضاء حق تعلق بذمة
المكلف من جهة إفساده للصوم، والكفارة حق آخر تعلق بذمته من جهة انتهاكه حرمة رمضان المعظم، فلو كفَّر بالعتق أو بالإطعام لكان لزاماً عليه أن يقضي يومه الذي أفسده، فكان بذلك القضاء والكفارة حقين مختلفين، فوجب أداؤهما معاً.
(الروقي ص ٣٧٦) .
٣ - إذا قتل المحرم صيداً مملوكاً فعليه القيمة والجزاء معاً، لأن القيمة حق
للآدمي، والجزاء حق لله تعالى، فهما حقان وجب أداؤهما معاً.
ولا يصح أن يدخل أحدهما في الآخر.
(الروقي ص ٣٧٦) .
стр. 631
القاعدة: [١٤٤]
كل حق لم يسقط بتأخير الإقرار لم يسقط بتأخير الشهادة
التوضيح
تثبت الحقوق بالإقرار أو بالشهادة، وإن التأخير بالإقرار لا يؤثر عليه.
ولا يمنع ثبوت المقر به، وكذلك الشهادة، فإن تأخير أداء الشهادة لا يمنع قبولها، كالإقرار؛ لأن الإقرار والشهادة من وسائل إثبات الحق، فإذا أقر شخص واعترف بأن عليه حقاً لله أو للعباد فإنه يؤخذ منه ولو كان إقراره متأخراً عن زمن ترتب ذلك الحق في ذمته، ومثل ذلك الشهِادة، فإنها تثبت الحق، ولو جاءت متأخرة عن وقت ترتبه، لعموم قوله تعإلى:.
(ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) .
وقوله: (فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) .
التطبيقات
١ - من شهدت عليه البينة بالزنا بعد مدة طويلة من واقعة الزنا فعليه الحد.
كالإقرار به (الروقي ص ٣٧٧) .
٢ - من شهدت عليه البينة بالقذف بعد مدة طويلة من واقعة القذف فعليه الحد، كالإقرار به.
(الروقي ص ٣٧٧) .
٣ - من شهدت عليه البينة بالشرب بعد مدة طويلة من واقعة الشرب، فعليه الحد، كالإقرار به.
(الروقي ص ٣٧٧) .
стр. 632
القاعدة: [١٤٥]
أخد الحق لا يتوقف إلا بدليل
التوضيح
إن من استحق شيئاً فله أخذه واستيفاؤه متى شاء؛ لأنه يملك حرية التصرف فيه بشكل كامل، إلا إذا دل نص على توقيته بوقت ما.
فعليه حينئذ أن يطالب بحقه داخل الوقت المحدد بالنص ويلتزم بذلك.
فإن خرج الوقت دون المطالبة فات ذلك الحق.
التطبيقات
١ - حق الشفعة يثبت عند الإمام مالك على التراخي، ولصاحبه أخذه متى شاء؛ لأن كل من ثبت له حق فله أخذه وله تركه أي وقت شاء، إلا أن يقوم دليل على تعلقه بوقت يفوت بخروجه، ولأنه حق من جهة الاستيفاء، ما لم يكن فيه تفريط ولا تدليس، فلم تجب المطالبة فيه على الفور، كالمطالبة بالديون، وتطبيقاً لقوله ﷺ :
" لا ضرر ولا ضرار"
لذلك حدد هذا التراخي بسنة على الأكثر تبتدئ من يوم علم
الشفيع بالبيع.
(الروقي ص ٣٧٨) .
٢ - حق الرجعة في الطلاق الرجعي يثبت للمطلق على التراخي، وحددت نهايته بانتهاء العدة، وهي ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر.
стр. 633
القاعدة: [١٤٦]
إذا اجتمع في المال حقان، أحدهما قد أخذ عوضه، والآخر لم
يؤخد عوضه، قُدِّم ما أخذ عوضه عدما لم يؤخذ عوضه
التوضيح
إن الأموال التي بيد صاحبها إما أن تكون مقابل حق معين، وإما أن تكون
مطلقة، ولا تقابل عوضاً معيناً، فإن اجتمع في مال واحد حقان، وكان أحدهما متعلقاً بهذا المال، فإنه يقدم في الاستيفاء والقضاء على الآخر لتعلق العوض به.
التطبيقات
١ - التركة التي فيها دين اجتمع فيها حقان، حق الورثة، وحق الدائن، فيقدم حق الدائن؛ لأن هذا المال الموروث قد أخذ عوضه على سبيل الدين (الروقي ص ٣٧٩) .
٢ - المال الذي بلغ نصاب الزكاة، مع وجود دين على صاحبه، تعلق به حق الفقراء، وحق الدائن، فالدين يسقط زكاة النقود إلا إذا كان للمزكي عروض أو مقتنيات، فإنه يجعلها في مقابلة الدَّين.
ويزكي على الباقي إن كان نصاباً.
(الروقي ص ٣٧٩) .
стр. 634
المستثنى
زكاة الماشية والحرث مع وجود الدين، لا يسقط الدَّين الزكاة؛ لأنه الثابت عن رسول الله ﷺ وعن خلفائه الراشدين أنهم لم يكونوا يسألون أرباب الماشية والحرث عن الديون التي عليهم، ولم يكونوا يسقطونها بها، فدلت هذه السنة الفعلية على أن الدَّين لا يسقطها.
(الروقي ص ٣٧٩) .
стр. 635
القاعدة: [١٤٧]
كل ما يفسد العبادة عمدًا يفسدها سهوًا
التوضيح
إن الدخول في العبادة يوجب الامتناع عما يخالفها أو يبطلها أو يفسدها إذا صدر الأمر من الإنسان عمداً بإرادته، أو سهواً بدون إرادته.
التطبيقات
١ - ينتقض الوضوء بمس الذكر عمداً لقوله ﷺ :
"من مسَّ ذكره فلا يصل حتى يتوضا"، فينتقض بمسه سهواً؛ لأنه لما كان ينتقض بمسه عمداً، وجب أن ينتقض بمسه سهواً بجامع المس في كل من الحالتين.
وفي رواية أخرى في المذهب المالكي لا توجب الوضوء بمسه سهواً، عملاً بقاعدة "ما لا يمكن الاحتراز منه معفو عنه" السابقة.
(الروقي ص ٣٨٧) .
٢ - عدم صحة صوم من أفطر في رمضان نسياناً؛ لأن الأصل في الأكل والشرب
следующие страницы →