Полный текст (1 114 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
داره، ثم باعها من المستأجر، صح، ولا تنفسخ الإجارة في الأصح، بخلاف ما لو تزوج بأمة ثم اشتراها، فإنه يصح وينفسخ النكاح، لأن ملك اليمين أقوى من ملك النكاح، فسقط الأضعف بالأقوى، وكذا عللوه، واستشكله الرافعي بأن هذا التعليل موجود في الإجارة، فالأولى أن يقال: إنما ينتقل إلى المشتري ما كان للبائع.
والبائع حين البيع لا يملك المنفعة بخلاف النكاح، فإن السيد يملك منفعة بضع أمته المزوجة، بدليل أنها لو وطئت بشبهة كان المهر للسيد، لا للزوج.
وقد يجاب بأن الإشكال لا يرد المنقول، ولو رهنه داراً ثم أجرها منه جاز ولا يبطل الرهن، جزم به الرافعي، قال: وهكذا لو أجرها ثم رهنها منه يجوز، لأن أحدهما ورد على محل غير الآخر، فإن الإجارة على المنفعة، والرهن على الرقبة.
وإن اتحد المورد كما لو استأجر زوجته لإرضاع ولده، فقال العراقيون: لا يجوز، لأنه يستحق الانتفاع بها في تلك الحالة، فلا يجوز أن يعقد عليها عقداً آخر يمنع استيفاء الحق، والأصح أنه يجوز، ويكون الاستئجار من حين يترك الاستمتاع، ولو استأجر إنساناً للخدمة شهراً، لم يجز أن يستأجره تلك المدة لخياطة ثوب أو عمل آخر، ذكره الرافعي في (النفقات) .
التطبيقات
١ - لو رهن رهناً بدين ثم رهنه بآخر لم يجز في الجديد.
(اللحجي ص ٨٣) .
٢ - لا يجوز الإحرام بالعمرة للعاكف بمنى، لاشتغاله بالرمي والمبيت.
(اللحجي ص ٨٣) .
٣ - لا يجوز إيراد عقدين على عين في محل واحد، كما لو رهن داره، ثم أجرها من غير المرتهن.
стр. 737
القاعدة: [١٩٢]
المُكبَّر لا يُكبَّرُ
التوضيح
إذا ورد حكم شرعي مشدداً لعلة معينة، فلا يزاد عليه شيء مما يمكن زيادته
وتضعيفه على الأحكام العدلية.
التطبيقات
١ - لا يشرع التثليث في غسلات نجاسة الكلب، وهذا ما اعتمده السيوطي تبعاً لجماعة، واعتمده المحقق جمال الدين محمد الرملي في "نهايته " وتبعهم الباجوري.
وخالف المحقق الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي، فاعتمد سنية التثليث.
وقال الزركشي: "إنه أقرب إلى القواعد"
والتثليث المذكور يكون بزيادة غسلتين بعد الطهر
بسبع، لأن السبع تحسب واحدة، وقيل: التثليث بزيادة سبعتين.
قال بعضهم: وكل من القولين ضعيف، والمعتمد ما عليه الرملي هنا.
(اللحجي ص ٨٤) .
٢ - لا يشرع التغليظ في أيمان القسامة، وهي خمسون يميناً، وتغليظ اليمين يكون باللفظ والزمان، والمكان.
(اللحجي ص ٧٤) .
٣ - لا يشرع التغليظ في دية العمد، وشبهه، ولا الخطأ إذا غلظت بسبب، وتغليظ الدية يكون بالفورية، وبنوع الإبل: أربعون خَلِفَة، وثلاثون جَذَعة، وثلاثون حُقَّة، ولا يزاد التغليظ بسبب آخر ككونه في الحرم، ومن المحرم، وأشهر الحرم.
(اللحجي ص ٨٤) .
стр. 738
٤ - إذا أخذت الجزية باسم زكاة، وضعفت، لا يضعف الجبران في الأصح، لأنا لو ضعفناه لكان ضعف الضعف، والزيادة على الضعف لا تجوز.
(اللحجي ٨٤) .
стр. 739
القاعدة: [١٩٣]
النفل أوسع من الفرض
التوضيح
النفل: هو المندوب الذي طلبه الشارع طلباً غير جازم، ويثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والفرض: هو ما طلب الشارع فعله طلباً جازماً، ويثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهو الأهم، ولذلك يشترط نيه ما لا يشترط في النفل، وتجب به بعض الأحكام التي لا تجب في مثيله من النفل.
التطبيقات
١ - لا يجب القيام في صلاة النفل، وتصح مع القعود ولو بدون عذر، والفرض لا يصح إلا بالقيام، ويجب فيه القيام إلا لعذر.
(اللحجي ص ٨٦) .
٢ - لا يجب الاستقبال في صلاة النفل في السفر، ويجب في الفرض في السفر.
(اللحجي ص ٨٦) .
٣ - لا يجب تجديد الاجتهاد في القبلة عند صلاة النفل أكثر من مرة، ويجب تجديد الاجتهاد عن كل فرض.
(اللحجي ص ٨٦) .
٤ - لا يجب تكرير التيمم عند أداء نفل آخر، ويجب تكريره لكل فرض.
(اللحجي ص ٨٦) .
٥ - لا يجب تبييت النية في صيام النفل من الليل، وتصح بعد الفجر، وبعد طلوع
стр. 740
الشمس حتى قبل الزوال، ويجب تبييت نية الصيام من الليل قبل الفجر في الفرض والنذر.
(اللحجي ص ٨٦) .
٦ - لا يلزم النفل بالشروع، ويجوز تركه بعد الشروع، ولا يجب إتمامه، أما الفرض فيلزم بالشروع فيه ولا يجوز تركه بدون عذر، لقوله تعالى:.
(وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) ..
(اللحجي ص ٨٦) .
المستثنى
قد يضيق النفل عن الفرض في صور، ترجع إلى قاعدة
"ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها " (م/ ٢٢) .
وله صور:
١ - وجوب الفرض على فاقد الطهورين، ولا يجوز له النفل.
(اللحجي ص ٨٦) .
٢ - العاري يجب عليه صلاة الفرض فقط، ولا يصلي النفل.
(اللحجي ص ٨٦) .
٣ - الجنب الذي لم يجد الطهورين لا يقرأ غير الفاتحة، فتجوز له قراءة الفاتحة لأنها فرض، ولا يقرأ سورة أو آية لأنها نفل.
(اللحجي ص ٨٦) .
стр. 741
القاعدة: [١٩٤]
النية في اليمين تخصص اللفظ العام
وتقصره على بعض أفراده، ولا تعمم الخاص من اللفظ
التوضيح
اللفظ العام يراد به جميع أفراده إلا إذا ورد ما يخصصه فيقصره على بعض الأفراد، والمخصصات كثيرة للألفاظ، منها التخصيص بالنية التي تقصر اللفظ العام، وتخصصه بحسب المنوي، ولكن النية لا تقلب اللفظ الخاص إلى عام، ويبقى اللفظ الخاص خاصا وإن نوى المتكلم التعميم، فلا يعمم.
التطبيقات
١ - حلف وقال: والله لا أكلم أحداً، ونوى زيداً قصر اليمين عليه، فلا يحنث إلا بتكليم زيد لا بتكليم غيره، وهذا مثال للشطر الأول.
(اللحجي ص ٢٦) .
٢ - مثال الشطر الثاني أن يمنَّ عليه رجل بما نال منه، فيقول: والله لا أشرب منه ماء من عَطَشي، فإن اليمين تنعقد على الماء من عطشي خاصة، ولا يحنث بطعامه ولا ثيابه.
وإن نوى أنه لا ينتفع منه بشيء، وإن كانت المنازعة تقتضي ذلك، لأن النية إنما تؤثر إذا احتمل اللفظ ما نواه بجهة يتجوز بها، وخالف الإسنوي، وقال: "وفي ذلك نظر، لأن
فيه جهة صحيحة، وهي إطلاق اسم البعض على الكل ".
(اللحجي ص ٢٦)
стр. 742
القاعدة: [١٩٥]
مقاصد اللفظ على نية اللافظ
التوضيح
إن مقاصد الألفاظ كاليمين، والاعتكاف، والنذر، والحج، والصلاة.
والطلاق، والعتق وغيرها تحمل على نية اللافظ، أي أنه لا يعتبر في النية إلا نية صاحبها المتلفظ بمضمونها، ومستند ذلك الحديث المشهور:
"إنما الأعمال بالنيات "
أخرجه الأئمة الستة وغيرهم، ولذلك يجوز التورية في الكلام والأيمان، بأن يقصد المتكلم من كلامه غير المعنى المتبادر من الألفاظ، أو ينوي فيه خلاف الظاهر، أو يقصد تخصيص اللفظ العام، وقصره على بعض أفراده، ولما رواه سويد بن حنظلة أنه
كان مع وائل بن حُجْر فأخذه عدو له، فحلف سويد: إنه أخي، فخلي عنه، فقال رسول الله: " أنت كنت أبرَّهم وأصدقهم، صدقت، المسلمُ أخو المسلم "
أخرجه الحاكم وصححه، وأبو داود بسند صالح، وابن ماجة، ولقوله ﷺ :.
(إن في المعاريض لمندوحة من الكذب".
أخرجه ابن عدي، والبيهقي، وعنون به البخاري في صحيحه.
ولقوله ﷺ :
"اليمين على نية المستحلف"
أي في القضاء واليمين الواجبة فقط، وعلى نية الحالف في غيرها.
стр. 743
التطبيقات
١ - حلف ألا يدخل دار زيد، فإنه يحنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب، إلا أن يريد مسكنه فيحنث بالمعار وغيره، ويحنث بما يملكه ولا يسكنه، إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه.
(اللحجي ص ٢٦) .
٢ - نوى الاعتكاف وأطلق، ثم خرج من المسجد، فإن كان خروجه بعد العزم على العود فلا يجب التجديد، وإن كان بدون العزم على العود فيجب التجديد.
(اللحجي ص ٢٦) .
٣ - نذر لله أن يفعل كذا، فإن نوى اليمين يلزمه إن حنث كفارة يمين.
(اللحجي ص ٢٦) .
٤ - أحرم بالحج مطلقاً في أشهر الحج، فإنه يصرفه قبل العمل بالنية إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قِران.
(اللحجي ص ٢٦) .
٥ - قال لزوجته: يا طالق، واسمها طالق، فإن قصد الطلاق حصل، وإن قصد النداء فلا.
(اللحجي ص ٢٦) .
٦ - قال لأمته: يا حرة، واسمها حرة، فإن قصد العتق وقع، وإن قصد النداء فلا.
(اللحجي ص ٢٦) .
المستثنى
اليمين عند من له ولاية التحليف كالقاضي والمحكم، فإن النية على نية القاضي دون الحالف، فلا تعتبر نيته، وإلا ضاعت الحقوق، سواء أكان موافقاً للقاضي في مذهبه أم لا في شفعة الجوار والبراءة من الدين.
(اللحجي ص ٢٦) . لحديث " اليمين
على نية المستحلف " وفي رواية
"يمينك على ما يصدقك به صاحبك ".
стр. 744
القاعدة: [١٩٦]
الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود
التوضيح
إن الأعمال والأحكام المطلوبة شرعاً لها مقاصد محددة، وأوقات خاصة أحياناً، فإن اشتغل الشخص بشيء غير مقصود شرعاً من الفعل، فهذا يدل على إعراضه عن المقصود المطلوب، ويتحمل نتائج تصرفه.
التطبيقات
١ - لو حلف لا يسكن هذه الدار، ولا يقيم فيها، فتردد ساعة حنث، وإن اشتغل بجمع متاعه والتهيؤ لأسباب النقلة فلا.
(اللحجي ص ٨٩) .
٢ - لو قال طالب الشفعة للمشتري عند لقائه:
اشتريت رخيصاً، سقط حقه.
(اللحجي ص ٨٩) .
стр. 745
القاعدة: [١٩٧]
لا ينكر المُخْتلف فيه، وإنما ينكر المُجمَع عليه
الألفاظ الأخرى
- لا ينكر إلا ما أجمع على منعه.
التوضيح
المختلف فيه هو ما يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، فلا يجب إنكار المختلف فيه؛ لأنه يقوم على دليل، وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه، لأنه لا دليل عليه.
وإن الإنكار المنفي في القاعدة مراد به: الإنكار الواجب فقط، وهو لا يكون إلا لما أجمع على تحريمه، وأما ما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره على الفاعل لاحتمال أنه حينئذ قلد من يرى حله، أو جهل تحريمه، كذا في (التحفة) .
وهذه قاعدة عظيمة متفرعة عن أصل عظيم، لأن نسبة المختلف فيه إلى المحرم
ليست بأولى من نسبته إلى المحلل، وهذا باعتبار استصحاب العدم الأصلي، وباعتبار الإنكار الواجب.
ويشترط في وجوب الإنكار أيضاً ألا يؤدي إلى فتنة، فإنه علم أنه يؤدي إلى فتنة لم يجب، بل ربما كان حراماً، بل يلزمه ألا يحضر المنكر، ويعتزل في بيته لئلا يراه، ولا يخرج إلا للضرورة، ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة إلا إذا كان عرضة للفساد.
قال في (التحفة) : "والكلام في غير المحتسب، أما هو فينكر وجوباً على من أخل
стр. 746
بشيء من الشعائر الظاهرة، ولو سنة، كصلاة العيد والأذان، فيلزمه الأمر بهما، ولكن لا يقاتلهم".
التطبيقات
كل ما يدخل تحت الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله.
المستثنى
١ - أن يرفع الأمر لحاكم يرى التحريم، كما إذا رفع له حنفي شارب نبيذ، فإنه يحده، إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.
(اللحجي ص ٨٩) .
٢ - أن يكون للمنكِر فيه حق، كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ إذا كانت تستحله هي، وكذلك الذمية على الصحيح.
(اللحجي ص ٨٩) .
٣ - إذا كان مأخذ المجوِّز لهذا المنكر بعيداً، بجث ينقض فيه قضاء القاضي، فينكر حينئذ على الذاهب إليه وعلى مقلده، كوطء المرهونة، إذ يقول عطاء بحله، فيجب الحد على المرتهن إذا وطئها، ولا ينظر لذلك.
(اللحجي ص ٩٠) .
٤ - أن يكون الفاعل معتقداً للحظر، أي المنع والتحريم لذلك الفعل كواطئ
رجعيته، فيعزر.
(اللحجي ص ٩٠) .
стр. 747
القاعدة: [١٩٨]
يدخل القوي على الضعيف، ولا عكس
التوضح
القوي: هو الفرض والواجب، والحكم الأصلي، والضعيف: هو المندوب
والمباح والرخصة، فالقوي يدخل على الضعيف أحياناً، ولكن الضعيف لا يدخل على القوي إلا استثناء.
التطبيقات
١ - يجوز إدخال الحج على العمرة قطعاً، لا عكسه على الأظهر، أي فلا تدخل العمرة على الحج، إذ لا يستفيد به شيئاً.
(اللحجي ص ٩٠) .
٢ - لو وطئ أمة، ثم تزوج أختها ثبت نكاحها، وحرمت الأمة، لأن الوطء
بفراش النكاح أقوى من ملك اليمين، إذ يتعلق بفراش النكاح الطلاقُ والظهار والإيلاء وغيرها، قال في (المغني) : "فلا يندفع الأقوى بالأضعف، بل يرفعه ".
(اللحجي ص ٩٠) .
٣ - لو تقدم النكاح حرم عليه الوطء بالملك، لأنه أضعف الفراشين، قال علي
الشبراملسي: "أي ما دام النكاح باقياً، فإن طلق المنكوحة حلت الأخرى" أي في الصورتين.
(اللحجي ص ٩٠) .
المستثنى
إذا نوى صوم نفل ثم أراد في أثنائه الفرض لم يصح، وهل يصح عكسه: وهو ما
стр. 748
لو نوى في أثناء شوال صوم غد عن القضاء، ثم في أثنائه شرك معه بنية صوم الست مثلاً؟
القياس: نعم، أي تصح، ويحصل كل من الفرض والنفل، بناء على ما اعتمده الشهاب الرملي، كغيره من أن الصوم في شوال لقضاء وغيره يحصل به ما نواه مع ست شوال أيضاً، قاله بعضهم.
(اللحجي ص ٩٠) .
стр. 749
القاعدة: [١٩٩]
الميسور لا يسقط بالمعسور
الألفاظ الأخرى
- لا يسقط الميسور بالمعسور.
- المتعذر يسقط اعتباره، واليمكن يستصحب فيه التكليف.
التوضيح
أي إن المأمور به إذا لم يتيسر فعله على الوجه المطلوب، بل تيسر فعل بعضه، لا يسقط بالمعسور، أي بعدم القدرة على فعل الكل، فيجب البعض المقدور عليه.
قال التاج السبكي: "وهذه القاعدة من أشهر القواعد المستنبطة من قوله ﷺ :
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم "
الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وذكر الإمام: "أن هذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة".
ويؤيد ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ".
стр. 750
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
وهذه القاعدة لها تطبيقات وفروع عند المالكية والحنابلة
التطبيقات
١ - من قدر على الإيماء بالركوع والسجود وجب.
(اللحجي ص ٩٢) .
٢ - من قدر على غسل بعض أعضاء الوضوء، كان قطع بعض الفرض من اليدين والرجلين، فإنه يجب غسل ما بقي منه.
(اللحجي ص ٩٢، (ابن رجب ٤٩/١) .
٣ - من قدر على نصف صاع في الفطرة وجب عليه إخراجه في الأصح.
(اللحجي ص ٩٢) ، وهو الأصح عند الحنابلة.
(ابن رجب ٤٩/١) .
٤ - القادر على بعض الفاتحة ياتب به بلا خلاف.
(اللحجي ص ٩٢، (ابن رجب ١/ ٤٨) .
٥ - لو انتهى في الكفارة إلى الإطعام، فلم يجد إلا طعام ثلاثين مسكيناً، فالأصح وجوب إطعامهم.
(اللحجي ص ٩٢) .
٦ - من ملك نصاباً بعضه عنده، وبعضه غائب، فالأصح أنه يخرج عما في يده في الحال.
(اللحجي ص ٩٢) .
٧ - العاجز عن المراءة في الصلاة يلزمه القيام، لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضاً مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة.
(ابن رجب ٤٨/١) .
٨ - من عجز عن بعض غسل الجنابة لزمه الإتيان بما قدر منه؛ لأن تخفيف الجنابة مشروع ولو بغسل بعض أعضاء الوضوء.
(ابن رجب ٤٨/١) .
٩ - من تعذرت عليه الطهار - بالماء للعدم أو للضرر في جميع الطهارة أو بعضها عدل إلى التيمم، ومن عجز عن سترة الصلاة الواجبة، أو عن الاستقبال، أو عن
стр. 751
توقي النجاسة، سقط عنه ما عجز عنه، وكذلك بقية شروط الصحلاة وأركانها وشروط
الطهارة (السيوطي ص ١٥٩) .
١٠ - من عليه نفقة واجبة، وجب عليه ما يقدر عليه منها، وسقط عنه ما عجز عنه.
(السدلان ص ا٣٢) .
١١ - إذا قدر المصلي على بعض السترة، فعليه ستر القدر اليمكن.
المستثنى
١ - واجد بعض الرقبة في الكفارة لا يعتقها، بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف.
(اللحجي ص ٩٢) ، لأن جزء الرقبة ليس في نفسه عبادة.
(السدلان ص ٣٢١، ابن رجب ٤٦/١) .
٢ - القادر على صوم بعض يوم دون كله لا يلزمه إمساكه، لأنه ليس بصوم شرعي (اللحجي ص ٩٢، السدلان ص ٣٢٠، (ابن رجب ١/ ٥ ٤) .
٣ - إذا وجد الشفيع بعفثمن الشِقْص، لا يأخذ قسطه من الشِقْص.
(اللحجي ص ٩٢) .
٤ - إذا أوصى بثلثه، يشترى به رقبة، فلم يف بها، لا يشترى شقص، بل تلغو الوصية، ويرجع المال للورثة.
(اللحجي ص ٩٢، السدلان ص ٣٢١) .
٥ - إذا اطلع على عيب، ولم يتيسر له الرد، ولا الإشهاد، لا يلزمه التلفظ بالفسخ في الأصح.
(اللحجي ص ٩٢) .
٦ - عند الحنابلة: إذا عجز المصلي عن وضع جبهته على الأرض، وقدر على وضع بقية أعضاء السجود، فإنه لا يلزمه ذلك على الصحيح؛ لأن السجود على بقية الأعضاء إنما وجب تبعاً للسجود على الوجه وتكميلاً له (السدلان ص ٣٢١) .
٧ - إذا وجد الإنسان من الماء ما لا يكفيه، فهو عذر في الجميع، فلا يستعمله، ويتيمم في قول للشافعي، وعند مالك، وأبي حنيفة النعمان (المقري ص ٣٢٩)
стр. 752
وحقق أبو حنيفة ومالك كون الماء وسيلة فأسقطا استعماله لتعذر المقصود، ورآه الشافعي في الراجح عنده مقصوداً، ولو لاستباحة التيمم.
стр. 753
القاعدة: [٢٠٠]
ما لا يقبل التبعيض فاختيار بعضه كاختيار كله.
وإسقاط بعضله كإسقاط كله
التوضيح
إن بعض الأحكام الشرعية لا تتبعض، فإما أن تقبل كلاً، وإما أن تسقط كلاً، لعدم إمكان التجزؤ.
ولكن وقع خلاف في جعل اختيار البعض اختياراً للكل، هل هو بطريق السراية إلى الباقي عن ذلك البعض؛ بمعنى أنه يقع على الجزء، ثم يسري إلى باقي الأجزاء، أو لا يكون بطريق السراية، بل اختياره للبعض نفس اختياره للكل، بمعنى أنه عبر بالبعض عن الكل.
ووقع خلاف مشهور في تبعيض الطلاق والعتق، فقال إمام الحرمين:
"إنه من باب التعبير بالبعض عن الكل "
وقضية كلام الرافعي "أنه من باب السراية"
قال في (التحفة) : وهو الأصح.
وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلق واحدة ونصفاً، تقع ثنتان على القولين، ويستحق ثلثي الألف على قول الإمام، ويستحق نصفه على قول الرافعي، وهو الأصح، اعتباراً بما أوقعه، لا بما سرى عليه.
قال السيد عمر البصري:
"وقد يقال: ينبغي أن يكون محل الخلاف صورة الإطلاق.
أما إذا أراد به حقيقته فن السراية قطعاً، أو الكل فمن التعبير بالبعض
قطعاً، بخلاف ما إذا أطلق، فإن المتبادر الحقيقة".
стр. 754
وهذه القاعدة عند الشافعية تشبه القاعدة الكلية السابقة
"ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كلِّه ".
التطبيقات
١ - إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، أو بعضُك طالق، طلقت طلقة.
(اللحجي ص ٩٢) .
٢ - إذا عفا مستحق القصاص عن بعضه، أو عفا بعض المستحقين، سقط كله.
(اللحجي ص ٩٢) .
٣ - إذا عفا الشفيع عن بعض حقه، فالأصح سقوط كله.
(اللحجي ص ٩٢) .
٤ - عتق بعض الرقبة، أو عتق بعض المالكين نصيبه، وهو موص، عتق كله.
(اللحجي ص ٩٢) .
٥ - إذا قال: أحرمت بنصف نسكٍ، انعقد بنسك، كالطلاق، كما في "زوائد الروضة" ولا نظير لها في العبادات.
(اللحجي ص ٩٢) .
٦ - إذا اشترى عبدين، فوجد بأحدهما عيباً لم يجُز إفراده بالرد، فلو قال: رددت المعيب منهما، فالأصح أنه لا يكون رداً لهما.
(اللحجي ص ٩٢) .
المستثنى
لا يزيد البعض عن الكل إلا في مسألة واحدة، وهي إذا قال: أنت علي كظهر أمي، فإنه صريح في الظهار، ولو قال: أنت علي كأمي، لم يكن صريحاً، بل كناية.
فإن نوى أنها كظهر أمه في التحرير، كان ظهاراً، وإن قصد كرامة، فلا يكون ظهاراً، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل في الكرامة والإعزاز.
(اللحجي ص ٩٢) .
стр. 755
الباب السادس
القواعد الكلية في المذهب الحنبلي
تكاد أن تكون القواعد الكلية الخاصة بالمذهب الخبلي قليلة، لأن المذهب الحنبلي يأخذ، ويطبق، ويعتمد القواعد الكلية الأساسية الخمسة التي قال بها سائر المذاهب، وذكرنا الفروع والتطبيقات من المذهب الحنبلي في هذه القواعد الأساسية، والقواعد المتفرعة عنها.
كما يؤيد ويوافق ويعتمد - غالباً - القواعد الكلية المشتركة في المذاهب الأربعة.
وأثبتنا الفروع الفقهية والتطبيقات العملية من المذهب الحنبلي في هذه القواعد.
ويظهر فيها اهتمام الحنابلة بالعقود والتصرفات المالية، والتوسع فيها بالمقارنة مع بقية المذاهب.
ونعرض في هذا الباب القواعد الكلية التي انفرد بها علماء المذهب الحنبلي.
ونتبعها بالفروع والتطبيقات، والاستثناءات لها.
ويظهر في قواعد الحنابلة ما يلفت النظر من الواقعية وفتح المجال أمام المستجدات والمسائل المستحدثة والأحوال الجديدة، وتطور الحياة، وخاصة في فكر ابن تيمية رحمه الله تعالى، وفي القواعد المبثوثة في كتبه.
ومما يلفت النظر أن ابن النجار الفتوحي الحنبلي عقد فصلاً للقواعد الفقهية في كتابه الأصولي القيم (شرح الكوكب المنير) .
وهذا مما انفرد به عن غيره من مصنفي كتب أصول الفقه.
وكأنه اعتبرها شبه أدلة أو من الأدلة الكلية للفقه والمسائل الفقهية.
فقال: "فوائد: تشتمل على جملة من قواعد الفقه، تشبه الأدلة، وليست
стр. 756
بأدلة، لكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي، فلما كانت كذلك ناسب ذكرها في باب الاستدلال " ثم يقول مباشرة:
"من أدلة الفقه ألا يرفع يقين بشك "، ثم يقول:
"من أدلة الفقه أيضاً زوال الضرر بلا ضرر".
ثم يقول: "من أدلة الفقه أيضاً قول الفقهاء:
درء المفاسد أولى من جلب المصالح " وهكذاً.
ويأتي بالأدلة على صحة القاعدة ومشروعيتها.
ثم يذكر بعض الأمثلة والتطبيقات لكل منها.
стр. 757
القاعدة: [٢٠١]
الأصل في العبادات الحظر، وفي العادات الإباحة
الألفاضل الأخرى
- الأصل في العبادات التوقيف.
- الأصل في العبادات البطلان.
- الأصل في العادات الإباحة.
التوضيح
لا يكلف الإنسان بعبادة إلا بعد تشريعها من الله تعالى، وبيان كيفيتها، ولذلك يحظر القيام بعبادة إلا بعد بيانها من الشرع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ورسوله، ولذلك كانت العبادات توقيفية، أي يتوقف الإنسان فيها حتى يأتي البيان والكيفية من الشارع مباشرة، ولا يقاس عليها. والأصل في ذلك قوله ﷺ :
"صلوا كما رأيتموني أصلي "
وقوله ﵊:
"خذوا عني مناسككم ".
ولذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم يتوقفون في أداء العبادات حتى يسألوا عنها رسول الله ﷺ ، لأنه لا يشرع من العبادة إلا ما شرعه الله ورسوله.
والإباحة هي الإطلاق والإذن، وشرعاً: تخيير المكلف: بين الفعل والترك.
والعادة: هي الاستمرار على شيء مقبول للطبع السليم، والمعاودة إليه مرة بعد أخرى، وتصبح بتكرارها ومعاودتها معروفة مستقرة في النفوس والعقول، ومتلقاة
стр. 758
بالقبول، ويعتبر الأصل في العادات الإباحة إلا إذا خالفت نصاً، أو ورد عليها الحظر والمنع والإبطال، فتلغى.
التطبيقات
١ - الصلوات المحدودة باوقاتها وأعدادها وهيئاتها، والزكاة المحدودة بأنواعها ونصابها ومقاديرها ومواقيتها، والصيام المحدود بزمانه وكيفينه، والحج كذلك، والأضاحي، والكفارات.
ويلحق بذلك أحكام التوارث، والعقوبات المحددة المسمّاة بالحدود، وكل ما ورد فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة مما لا حظ للاجتهاد فيه، ولا في تبديله وتغييره مهما تغيرت الأحوال والعصور.
وهذه الأمور التعبدية هي شعار العقيدة وعنوانها، وهي جديرة بأن تسمى
تكاليف شرعية وشعائر إسلامية، ولا مجال لغرائز النفس واختيار العقل، لذا كان الأصل فيها الحظر، وهو المراد من قوله ﷺ :
"كل ما ليس عليه أمرنا فهو رد".
ويعتبر ذلك ابتداعاً في الدِّين، وبدعة منهياً عنها.
(السدلان ص ١٥٤، ١٥٦) .
٢ - الأمور التي يعتادها الناس لتأمين مصالحهم وحاجاتهم وعلاقاتهم
الاجتماعية، مما لا يتعارض مع الشرع، ويعتادون عليها، فالأصل فيها
الإباحة، كعادات الطعام، والاحتفالات، والاجتماعات، والأفراح، والحفلات، والزيارات، وغيرها، وتصبح عادة خاصة، أو عرفاً عاماً، أو تعارفاً خاصاً في بلدة، أو فئة، أو تخصص.
ولهذا قال ابن عابدين رحمه الله تعالى:
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
وهو المبسوط في قاعدة " العادة محكمة، وما يتفرع بها، ويرد في أحكام العرف والعادة.
(السدلان ص ١٥٦) .
стр. 759
القاعدة: [٢٠٢]
جعل المعدوم كالموجود احتياطًا
التوضيح
إن الأشياء الموجودة يسبقها فترة تكون فيها معدومة، ويتوقع وجودها بعد ذلك، أو تكون على خطر الوجود، ولذلك وضع الشرع بعض الأحكام للأمور المعدومة، واعتبرها كالموجود احتياطاً، ورتب لها آثاراً.
التطبيقات
١ - دية القتيل تورث عنه، وهي في الواقع تجب بموته، والتركة لا تورث عن الإنسان إلا إذا دخلت في ملكه قبل موته، فيقدر دخولها قبل موته، وتعتبر موجوداً في تركته احتياطاً، ليتم نقلها إلى ورثته.
(الفتوحي ٤٥٣/٤) .
٢ - إن الجنين تنفخ فيه الروح بعد ستة أسابيع، أو بعد ستة عشر أسبوعاً، وقبل ذلك لا توجد فيه روح، ومع ذلك يعتبر الجنين موجوداً، وإنساناً، لانتهاء العدة، والإرث والوصية له، والوقف عليه.
стр. 760
القاعدة: [٢٠٣]
يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شرُّ الشَّرين
التوضيح
هذه القاعدة ترشد إلى حل التعارض إذا وقع، فإن تعارض خير وخير وتزاحما، ولم يمكن الجمع بينهما، فيقدم خير الخيرين، أي أكثر الخير نفعاً ومصلحة للناس.
وإذا تزاحم شران في مسألة فيدفع شر الشرين، أي أكثرهما ضرراً، وهذا الشطر الثاني يدخل في قاعدة
"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف " (م/ ٢٧)
وقاعدة "يختار أهون الشرين " (م/ ١٩)
وقاعدة "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً
بارتكاب أخفهما" (م/ ٢٨)
وسبق بيان هذه القواعد، ولذلك نقتصر هنا على الشطر
الأول من القاعدة التي تدخل في فقه الموازنات أولاً، ثم في فقه الأولويات لاختيار خير الخيرين، ودفع شر الشرين.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"الواجب تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كاذ تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناها، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع".
والأدلة الشرعية على هذه القاعدة كثيرة في القرآن والسنة، قال تعالى:.
(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .
وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) .
стр. 761
التطبيقات
١ - يغزى مع كل أمير، براً كان أو فاجراً، إذا كان الغزو الذي يفعله جائزاً، فإذا قاتل الكفار أو المرتدين أو ناقضي العهد، أو الخوراج، قتالاً مشروعاً، قوتل معه..
والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور، فإن لم يغز معهم لزم أن أهل الخير الأبرار لا يجاهدون، فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد، فإما أن يتعطل، وإما أن ينفرد به الفجار، فيلزم من ذلك استيلاء الكفار، أو ظهور الفجار، وهو ضرر أشد ومعلوم أن شر الكفار والمرتدين والخوارج أعظم من شر الظالم..
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٠٧) .
٢ - من العلم والعدل، المأمور به: الصبر على ظلم الأئمة وجورهم؛ لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات وترك سيئات كثيرة.
وأما ما يقع من ظلمهم وجورهم بتأويل سائغ، أو غير سائغ، فلا يجوز لما فيه من ظلم وجور، كما هو عادة أكثر النفوس، تزيل الشر بما هو شر منه، وتزيل العدوان بما هو أعدى منه، فالخروج عليهم يوجب من الظلم والفساد أكثر من ظلمهم.
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٠٨)
٣ - إذا كانت الولاية غير واجبة، وهي مشتملة على ظلم، وتولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعله لما يفعله من السيئة
بنية دفع ما هو أشد منها جيداً.
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٠٩)
٤ - الواجب في كل ولاية: الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أميناً، فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود،
стр. 762
والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين، ويدفع شر الشرين.
(ابن تيمية (الحصين ١/ ٢٥٩) .
٥ - يجب تقديم الذين المطالب به على صدقة التطوع، وتقديم نفقة الأهل على نفقة الجهاد الذي لم يتعين، وتقديم نفقة الوالدين عليه، وتقديم الجهاد على الحج، كما في الكتاب والسنة، متعين على متعين، ومستحب على مستحب، وتقديم قراءة القرآن على الذكر إذا استويا في عمل القلب واللسان، وذلك لتقديم خير الخيرين.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢١٥) .
٦ - يستحب ترك المستحبات إذا كان في تركها تأليف للقلوب، لأن مصلحة تأليف القلوب أعظم من مصلحة هذه المستحبات..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢١١) .
٧ - الشارع لا يحرم ما يحتاج إليه الناس من البيع لأجل نوع من الغرر، بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك، كبيع القاثي والفجل والجزر في الأرض، وهذه قاعدة الشريعة، وهو تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما..
(ابن تيمية (الحصين ١/ ٥٢٩) .
стр. 763
القاعدة: [٢٠٤]
إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحهما
الألفاظ الأخرى
- الشارع يعتر المفاسد والمصالح، فإذا اجتمعا قدم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة.
التوضيح
على العالم والمجتهد والمفتي أن ينظر إلى المصلحة والمفسدة معاً في الأعمال
والتصرفات، فينظر إلى ما في المحرم من مفسدة تقتضي تركه، وإلى ما في الواجب من مصلحة تقتضي فعله، ثم ينظر إلى الراجح منهما، ويجب ترجيح الراجح منها؛ لأن الأمر والنهي وإن كان متضمناً مصلحة ودفع مفسدة فيجب النظر إلى المعارض له.
فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، كالصيام للمريض، والطهارة بالماء لمن يخاف عليه الموت؛ لأنه إذا كان في السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة، بل تكون حسنة، وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة، بل تكون سيئة.
فالعبد إذا تعين عليه فعل واجب، وكان هذا الواجب لا يمكن فعله إلا بارتكاب محرم، فينظر: إن كانت المفسدة الحاصلة بارتكاب المحرم أعظم من المصلحة الحاصلة بفعل الواجب فعليه الامتناع عن هذا المحرم، وإن تضمن ترك واجب، وإن كانت المصلحة الحاصلة بفعل الواجب أعظم من المفسدة الحاصلة بارتكاب المحرم وجب عليه فعل الواجب، وإن تضمن ارتكاب محرم، وهذا يؤكد أن الشريعة جاءت
стр. 764
لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها ما أمكن، وأنه يختلف ترجيح المصلحة على المفسدة، أو العكس بحسب الأحوال والوقائع.
وهذه القاعدة تقابل القاعدة الكلية العامة السابقة:
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح "
وقد يكون تقديم الأرجح أكثر قبولاً واتفاقاً مع مقاصد الشريعة، ويكون
ميزان التقدير للمصالح والمفاسد هو الكتاب والسنة والآثار العملية للفحل، فإن تساوت المصالح والمفاسدكان درء المفاسد أولى.
والأدلة على صحة هذه القاعدة كثيرة في القرآن والسنة.
فمن القرآن قوله تعالى:.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ، فالخمر والميسر فيهما منافع تحقق بعض المصالح
للناس، وفيهما إثم كبير، وفساد عريض، ولذلك حرمهما الله تعالى لتقديم المفسدة الراجحة على المصلحة المرجوحة.
وقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) .
فالقتال فيه قتل الأنفس وإزهاقها، وإتلاف المال، وهذا مفسدة، ولكن فيه خير كثير في نشر الدعوة، والدفاع عن الدِّين والنفس والأرض والعرض، فشرع لأن المصلحة الراجحة مقدمة على المفسدة المرجوحة، ومثل ذلك القتال في المسجد الحرام، والقتال في الشهر الحرام، ففيه
مصلحة راجحة.
ومن السنة أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ :
"إياكم والجلوس بالطرقات " قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: "إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"
قالوا: وما حقه؟
قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ".
فالجلوس بالطريق فيه أذى ومفسدة، ولكن
стр. 765
فيه مصلحة وحاجة للناس، فأباحه رسول الله ﷺ لأن المصلحة راجحة على المفسدة، مع الالتزام بآدابه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، لندبه أولاً إلى ترك الجلوس، مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق ".
التطبيقات
١ - الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها، من جهاد العدو وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل، كان فعلها واجباً، فإذا كان ذلك مستلزماً لتولية بعض من لا يستحق، وأخذ بعض ما لا يحل، وإعطاء بعض ما لا ينبغي، ولا يمكنه ترك ذلك، صار هذا (مع المفسدة فيه) من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فيكون واجباً أو مستحباً، إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٤٨)
٢ - الأمر أو النهي، وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد، أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته كثر من مصلحته، وعلى هذا:
إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لم يجز أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه.
وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما، ولم ينه عنهما..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٤٨، ٢٥٧) .
стр. 766
٣ - مقارنة الفجار ومجالستهم، إنما يفعلها المؤمن في موضعين.
أحدهما: أن يكون مكرهاً عليها.
والثاني: أن يكون في ذلك مصلحة دينية راجحة
على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه.
فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٤٩)
٤ - إذا كان لا يتأتى فعل الحسنة الراجحة إلا بسيئة دونها في العقاب، فإذا لم يمكن إلا ذلك فهنا لا يبقى سيئة؛ لأن ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به، فهو واجب أو مستحب، ثم إن كانت مفسدته دون تلك المصلحة لم يكن محظوراً، كأكل الميتة للمضطر، ونحو ذلك من الأمور المحظورة التي تبيحها الحاجات كلبس الحرير في البرد..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٥٠) .
٥ - أجاز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صفوف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٥٥) .
٦ - إكراه الباعة البيع بقيمة المثل لما يحتاج الناس إليه من تلك المبيعات، فالإكراه مفسدة، ولكن مصلحة الناس بالبيع، وبقيمة المثل مصلحتان جليلتان.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٥٧) .
٧ - التكسب من مال فيه شبهة أو دناءة كالحجامة مثلاً، خير من التورع عنه والبقاء عالة على الناس يستجديهم ويسألهم، ويضيِّع حقوقاً عليه واجبة لأمر مشتبه فيه، وجميع الخلق عليهم واجبات من نفقات أنفسهم وأقارجهم وقضاء ديونهم وغير ذلك، فإذا تركوها كانوا ظالمين ظلماً محققاً، وإذا فعلوها بشبهة لم يتحقق ظلمهم.
فكيف يتورع المسلم عن ظلم محتمل بارتكاب ظلم محقق، ويجب أداء الواجبات، وان لم تحصل إلا بالشبهات..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٥٩) .
стр. 767
القاعدة: [٢٠٥]
جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه
الألفاظ الأخرى
- جنس ترك الواجبات أعظم من جنس فعل المحرمات.
- أداء الواجب أعظم من ترك المحرم.
- الطاعات الوجودية أعظم من الطاعات العدمية.
- مصلحة أداء الواجب تغمر مفسدة المحرم.
التوضيح
الجنس هو ما له اسم خاص يشمل أنواعاً، فكل لفظ عم شيئين فصاعداً فهو
جنس لما تحته، سواء اختلف نوعه أو اً يختلف، فالأمر جنس وتحته أنواع من
الفرائض، والنهي جنس ويشمل أنواعاً من المحرمات، والإنسان جنس ويشمل الذكور والإناث.
وإن الشارع اعتنى بفعل الأوامر وأداء الطاعات أشد من اعتنائه بترك المنهيات واجتناب المحرمات، فجنس الظلم مثلاً بترك الحقوق الواجبة أعظم من جنس الظلم بتعدي الحدود.
وهذه القاعدة تعبر عن مرتبة من مراتب المصالح والمفاسد، إذ عند التعارض يقدم جنس فعل الواجب على جنس ترك المحرم.
وهذا التفضيل في الجنس فقط، وهذا لا يمنع من وجود أفراد من المنهي عنه يكون
стр. 768
تركها أفضل من فعل بعض المأمور به، كما إذا فضل الذكر على الأنثى، والإنسي على الملَك، فالمراد الجنس، لا عموم الأعيان.
وهذه القاعدة محل اختلاف، فيرى آخرون أن درء المفاسد أولى من جلب
المصالح؛ لأن عناية الشارع بالمنهي عنه أعظم من عنايته بالمأمور به، كما سبق في شرح هذه القاعدة.
ويستدل ابن تيمية على صحة القاعدة بأدلة كثيرة بلغت ثلاثين وجهاً، منها:
١ - إن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله ورسوله، وأعظم السيئات الكفر.
والإيمان أمر وجودي، ولا يكون الرجل مؤمناً حتى يقر بقلبه بذلك، فينتفي عنه الشك ظاهراً وباطناً، مع وجوب العمل الصالح.
والكفر عدم الإيمان، سواء اعتقد الرجل نقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئاً ولم يتكلم، والإيمان مأمور به ولو اقترن به فعل منهي عنه من التكذيب، أو لم يقترن به شيء، فكان جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه.
٢ - إن ذنب إبليس ترك المأمور به، وهو السجود، وذنب آدم فعل المنهي عنه، وهو الأكل من الشجرة، فكان ذنب إبليس أكبر وأسبق.
٣ - إن الحسنات التي هي فحل المأمور به، تذهب بعقوبة الذنوب والسيئات التي هي فعل المنهي عنه، وإن فاعل المنهي عنه يذهب إثمه بالتوبة، وهي حسنة مأمور بها، وبالأعمال الصالحة المقاومة، وهي حسنات مأمور بها، وبدعاء النبي ﷺ وبشفاعته.
وبدعاء المؤمنين وشفاعتهم، وبالأعمال الصالحة التي تُهدى إليه، وكل ذلك من الحسنات المأمور بها، وما من سيئة هي فعل منهي عنها إلا ولها حسنة تذهبها، هي فعل مأمور به، حتى الكفر، سواء كان وجودياً أو عدمياً، فإن حسنة الإيمان تذهبه،
стр. 769
وأما الحسنات فلا تذهب السيئاتُ ثوابَها مطلقاً، ولذلك يثبت رجحان الحسنات المأمور بها على ترك السيئات المنهي عنها.
٤ - إن مباني الإسلام الخمس المأمور بها، لكان كان ضرر تركها لا يتعدى
صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضاً عند كثير منهم أو أكثر السلف، وأما فعل المنهي عنه، الذي لا يتعدى ضرره صاحبه، فإنه لا يقتل به عند أحد من الأئمة، ولا يكفر به إلا إذا ناقض الإيمان لفوات الإيمان وكونه مرتداً أو زنديقاً، فثبت أن الكفر والقتل لزك المأمور به، أعظم منه لفعل المنهي عنه.
٥ - إن فعل الحسنات يوجب ترك السيئات، وليس مجرد ترك السيئات يوجب فعل الحسنات، فصار فعل الحسنات يتضمن الأمرين فهو أشرف وأفضل.
التطبيقات
١ - طهارة الحدث من باب الأفعال المأمور بها، فيشترط لصحتها النية، وطهارة الخبث من باب التروك، فلا يشترط لزوالها النية..
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٦٧) .
٢ - إذا صلى بالنجاسة جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه؛ لأن النجاسة ترك من باب المنهي عنه، وما كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله العبد ناسياً أو مخطئاً فلا إثم عليه..
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٦٧) .
أما إذا ترك مأموراً به، ولو ناسياً أو جاهلاً كالركوع أو السجود، فتجب الإعادة.
٣ - ما فعله العبد ناسياً أو مخطئاً من محظورات الصلاة والصيام والحج لا يبطل العبادة، كالكلام ناسياً، والأكل ناسياً، والطيب ناسياً..
(ابن تيمية، الحصين ١/٢٦٧)
أما لو ترك مأموراً به، ناسياً أو مخطئاً، بطلت العبادة، أو فسدت، أو نقصت واحتاجت إلى جبر.
стр. 770
٤ - إذا تعارض واجب ومحرم، فإن مصلحة الواجب تغمر مفسدة المحرم، فيفعل الواجب، وإن أفضى إلى فعل محرم، هذا إذا لم تكن مفسدة المحرم أكثر من مصلحة الواجب فتطبق القاعدة السابقة في تعارض المصلحة والمفسدة وتقديم الأرجح.
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٧٩) .
٥ - قد يعرض الوجوب في المعاملات المالية، مثل إذا ترتب على ترك البيع
والشراء والمتاجرة التقصير في نفقة واجبة، كنفقة الأولاد وتضييعهم وتركهم عالة يتكففون الناس، أو كان عليه دين لم يمكن أداؤه إلا بأن يسعى في الأرض بيعاً وشراء، أو ترتب على الترك سيطرة الكفار أو الفجار على أسواق المسلمين، وأن تكون التجارة بأيديهم، فيتسلطون بذلك على المسلمين، ويستضعفونهم، ويخضعونهم لما يريدون، فهنا يجب البيع والشراء، إما فرض عين أو فرض كفاية.
فإذا كان في المعاملات شبهة، أو اختلطت بمحرم، ولم يمكن فعل الواجب إلا عن طريقها، ولم يكن ثمة طريق آخر سالم من الشبه، فإن مصلحة الواجب تغمر مفسدة المحرم، وفعل الواجب أعظم من ترك المحرم..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٧٩) .
стр. 771
القاعدة: [٢٠٦]
ما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة
الألفاظ الأخرى
- النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
- ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة.
- ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
التوضيح
الذريعة: الوسيلة، أو السبب إلى الشيء، وهي في الشرع: ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، وصارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم.
وسد الذريعة: حسم وسائل الفساد عن طريق المنع منها، فهي في ظاهرها مباح، ولكنها وسيلة إلى فعل المحرم، أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلاً، كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط الأنساب، أو كان الشيء نفسه فساداً كالقتل والظلم فهذا ليس من باب سد الذريعة، وإنما تحرم لكونها في نفسها فساداً، وهي ضرر لا منفعة فيه، أو منفعة ظاهراً وتفضي إلى ضرر أكثر منها فتحرم لذاتها.
ودأب الشريعة تحريم الأفعال المفضية إلى مفاسد كثيرة، كالوقوع في المحرمات، أو إهمال بعض الواجبات، وإن كانت تلك الأفعال ليست ضارة بذاتها، أو فيها نفع مغمور في جانب ما تفضي إليه من الفساد، فإذا كان في شيء من هذه الأفعال مصلحة
стр. 772
ترجح على ما تففيى إليه من المفسدة فإن الشارع يبيح ذلك الفعل، ويأذن فيه، جلباً للمصلحة، وإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت.
التطبيقات
١ - يحرم النظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، وسفرها بلا محرم، لما يفضي إليه ذلك من الفساد، فإذا كان في فعل شيء من ذلك تحقيق مصلحة، كأن ينظر الطبيب للمرأة لعلاجها، أو الخاطب ليكون أحرى لاستمرار العشرة بينهما، أو يخشى ضياع المرأة إذا لم تسافر إلا مع محرم، أو نحو ذلك، فإنه يباح ذلك كله، فيباح النظر والخلوة والسفر، لأن ما كان منهياً عنه سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٦) .
٢ - تجوز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، لأن النهي إنما كان لسد
الذريعة، وما كان لسد الذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، فالصلاة في نفسها من أفضل الأعمال وأعظم العبادات فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب يقارن الشيطان الشمس، ويسجد لها الكفار حينئذ، فالمصلي يتشبه بهم في جنس الصلاة وإن لم يعبد الشمس، ولا يقصد مقصد الكفار، لكن يشبههم في الصورة، فنهي عن الصلاة في هذين الوقتين سداً للذريعة، حتى ينقطع التشبه بالكفار، وألا يتشبه بهم المسلم في شركهم، فإن توفرت المصلحة الراجحة كإعادة
الصلاة مع الإمام، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة وغيرها
فتصلى، وتكون مفسدة النهي ناشئة مما لا سبب له، فلا تفوت بالنهي عنها مصلحة راجحة من العبادة والطاعة وتحصيل الأجر والثواب، والمصلحة العظيمة في الدِّين..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٧) .
стр. 773
٣ - حرّم بيع الغرر لما يفضي إليه من النزاع والخصام، والعداوة والبغضاء، وأكل المال بالباطل، كبيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإن كانت الحاجة ماسة إلى بيع ما فيه غرر كبيع الباقلاء، والجزر، والجوز، واللوز، والحب في سنبله والمقاثي ونحو ذلك.
فتباح؛ لأن الغرر يسير، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، ويترتب على تحريم هذه المعاملات ضرر على الناس، فتباح؛ لأن الشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٩) .
٤ - إن بذل المال في المسابقة بالخيل والإبل والأقدام، والرمي بالسهام ونحوها، والمصارعة بالأيدي، محرم لا يجوز فعله، لأنه من اللهو، ومن تضييع المال في ما لا ينفع في الدين والدنيا، ولكن يجوز فعل ذلك لما فيه من تحقيق مصلحة شرعية من تدريب على الجهاد، والكر والفر، وإجادة الرماية، وتقوية البدن ونحو ذلك من الفوائد الشرعية..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٠) .
٥ - تباح العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر كيلاً، استثناء من المزابنة الممنوعة (وهي شراء الثمر والحب بخرص، تحرزاً من الربا)
لأن ما حرم سدًّا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
ثم أجاز الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى العرايا في جميع الثمار والزرع، وهو قول القاضي الفراء، خلافاً للراجح في المذهب.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٥) .
٦ - يجوز بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، بالتحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك، لأن ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وتحريم ربا الفضل إنما حرّم سداً للذريعة إلى ربا النسيئة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٦) .
٧ - يجوز بيع حلية الفضة بالدراهم، وبيع حلية الذهب بالدنانير، إذا لم يكن المقصود من الحلية الثمنية، بل ما فيها من الصناعة؛ لأن تحريم ربا الفضل إنما كان لسدّ الذريعة عن ربا النسيئة، وما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، لأن بيع الصوغ مما يحتاج إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابلة الصنعة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٧) .
стр. 774
القاعدة: [٢٠٧]
المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان
الألفاظ الأخرى
- الأصل في بدل المتلفات أن يكون من جنس المتلف.
- جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان.
- الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان.
التوضيح
المثل لغة: المشابه والمماثل، والمثل ما جُعل مقداراً لغيره يحذى عليه، والمماثلة:
التشابه بين الشيئين في الجنس والصفة، فهذا يساوي هذا.
وفي الاصطلاح: هو تحديد الشيء الذي يمكن ضبط صفاته بحيث يمكن إيجاد مثل له لا تختلف قيمته عنه، فالمثل: هو ما يساوي غيره في قيمته وصفاته، ويتوفر في الأسواق، فإن اختلفت القيمة، أو الصفات، أو فقد من السوق فهو القيمي الذي تثبت قيمته عند الإتلاف.
ويضبط المثلي بالكيل والوزن والمعدود المتقارب بشرط وجود مثله في السوق بدون تفاوت يعتد به، بأن تتماثل أفراده، وتتساوى قيمته، ويتوفر في السوق.
والمضمون هو المال الذي يضمنه متلفه، ويتحمل تبعة هلاكه، وبالتالي فالأموال المثلية إذا أتلفت فيجب ضمانها بالمثل بحسب الإمكان، فن أتلف شيئاً لغيره، أو استهلكه، وجب عليه ضمان مثله لصاحبه إذا أمكن بأن يكون له مثل في السوق،
стр. 775
فإن تعذر يصار إلى ضمان قيمته، فيضمن المكيل بمثله، والموزون بمثله، والعددي المتقارب بمثله، وهو مذهب الأئمة الأربعة مع اختلاف في بعض الفروع والمسائل؛ لأن المثل أقرب إلى العدالة والمساواة وإعادة المال المثلي المتلف إلى صاحبه، لقوله تعالى فيمن قتل صيداً وهو محرم:.
(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) .
ولقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، وقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) .
وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) .
والقصاص: هو المساواة والمماثلة.
وفي السنة وقضاء النبي ﷺ أمثلة كثيرة بالحكم بالمثل والمساوي والمشابه.
التطبيقات
١ - من هدم دار غيره، فإنه يعيد بناءها كما كانت؛ لأن المثل يجب في كل
مضمون بحسب الإمكان، وإعادة البناء ممكنة، وهي أمثل وأقرب إلى حق المضمون له، فكانت أعدل..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٠٧) .
٢ - المقرض يستحق مثل قرضه، فإذا أقرض حيواناً، وكان الواجب على المقترض أن يرد حيواناً مثله في الوصف والقيمة؛ لأن المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣١٣) .
٣ - يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يوماً، ويحصد الآخر معه يوماً، أو يسكنه داراً، ليسكنه داراً بدلها، لأن المثل يمكن في هذه الحالة فيجب.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣١٣) .
ومثل ذلك اتفاق الزملاء أن يركبوا كل يوم في سيارة أحدهم
للذهاب إلى العمل والعودة منه، ومثله اتفاقهم في جمعية جمع النقود، وإقراضها لأحدهم كل شهر، حتى يعم الجميع.
следующие страницы →