Полный текст (1 114 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
القاعدة: [٢٠٦]
ما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة
الألفاظ الأخرى
- النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
- ما كان منهياً عنه للذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة.
- ما نهي عنه لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
التوضيح
الذريعة: الوسيلة، أو السبب إلى الشيء، وهي في الشرع: ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء، وصارت في عرف الفقهاء: عبارة عما أفضت إلى فعل محرم.
وسد الذريعة: حسم وسائل الفساد عن طريق المنع منها، فهي في ظاهرها مباح، ولكنها وسيلة إلى فعل المحرم، أما إذا أفضت إلى فساد ليس هو فعلاً، كإفضاء شرب الخمر إلى السكر، وإفضاء الزنا إلى اختلاط الأنساب، أو كان الشيء نفسه فساداً كالقتل والظلم فهذا ليس من باب سد الذريعة، وإنما تحرم لكونها في نفسها فساداً، وهي ضرر لا منفعة فيه، أو منفعة ظاهراً وتفضي إلى ضرر أكثر منها فتحرم لذاتها.
ودأب الشريعة تحريم الأفعال المفضية إلى مفاسد كثيرة، كالوقوع في المحرمات، أو إهمال بعض الواجبات، وإن كانت تلك الأفعال ليست ضارة بذاتها، أو فيها نفع مغمور في جانب ما تفضي إليه من الفساد، فإذا كان في شيء من هذه الأفعال مصلحة
стр. 772
ترجح على ما تففيى إليه من المفسدة فإن الشارع يبيح ذلك الفعل، ويأذن فيه، جلباً للمصلحة، وإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت.
التطبيقات
١ - يحرم النظر إلى الأجنبية، والخلوة بها، وسفرها بلا محرم، لما يفضي إليه ذلك من الفساد، فإذا كان في فعل شيء من ذلك تحقيق مصلحة، كأن ينظر الطبيب للمرأة لعلاجها، أو الخاطب ليكون أحرى لاستمرار العشرة بينهما، أو يخشى ضياع المرأة إذا لم تسافر إلا مع محرم، أو نحو ذلك، فإنه يباح ذلك كله، فيباح النظر والخلوة والسفر، لأن ما كان منهياً عنه سداً للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٦) .
٢ - تجوز صلاة ذوات الأسباب في أوقات النهي، لأن النهي إنما كان لسد
الذريعة، وما كان لسد الذريعة فإنه يفعل للمصلحة الراجحة، فالصلاة في نفسها من أفضل الأعمال وأعظم العبادات فليس فيها نفسها مفسدة تقتضي النهي، ولكن وقت الطلوع والغروب يقارن الشيطان الشمس، ويسجد لها الكفار حينئذ، فالمصلي يتشبه بهم في جنس الصلاة وإن لم يعبد الشمس، ولا يقصد مقصد الكفار، لكن يشبههم في الصورة، فنهي عن الصلاة في هذين الوقتين سداً للذريعة، حتى ينقطع التشبه بالكفار، وألا يتشبه بهم المسلم في شركهم، فإن توفرت المصلحة الراجحة كإعادة
الصلاة مع الإمام، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة وغيرها
فتصلى، وتكون مفسدة النهي ناشئة مما لا سبب له، فلا تفوت بالنهي عنها مصلحة راجحة من العبادة والطاعة وتحصيل الأجر والثواب، والمصلحة العظيمة في الدِّين..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٧) .
стр. 773
٣ - حرّم بيع الغرر لما يفضي إليه من النزاع والخصام، والعداوة والبغضاء، وأكل المال بالباطل، كبيع الثمار قبل بدو الصلاح، فإن كانت الحاجة ماسة إلى بيع ما فيه غرر كبيع الباقلاء، والجزر، والجوز، واللوز، والحب في سنبله والمقاثي ونحو ذلك.
فتباح؛ لأن الغرر يسير، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر، ويترتب على تحريم هذه المعاملات ضرر على الناس، فتباح؛ لأن الشريعة مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٢٨٩) .
٤ - إن بذل المال في المسابقة بالخيل والإبل والأقدام، والرمي بالسهام ونحوها، والمصارعة بالأيدي، محرم لا يجوز فعله، لأنه من اللهو، ومن تضييع المال في ما لا ينفع في الدين والدنيا، ولكن يجوز فعل ذلك لما فيه من تحقيق مصلحة شرعية من تدريب على الجهاد، والكر والفر، وإجادة الرماية، وتقوية البدن ونحو ذلك من الفوائد الشرعية..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٠) .
٥ - تباح العرايا، وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بتمر كيلاً، استثناء من المزابنة الممنوعة (وهي شراء الثمر والحب بخرص، تحرزاً من الربا)
لأن ما حرم سدًّا للذريعة يباح للمصلحة الراجحة.
ثم أجاز الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى العرايا في جميع الثمار والزرع، وهو قول القاضي الفراء، خلافاً للراجح في المذهب.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٥) .
٦ - يجوز بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، بالتحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك، لأن ما حرم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وتحريم ربا الفضل إنما حرّم سداً للذريعة إلى ربا النسيئة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٦) .
٧ - يجوز بيع حلية الفضة بالدراهم، وبيع حلية الذهب بالدنانير، إذا لم يكن المقصود من الحلية الثمنية، بل ما فيها من الصناعة؛ لأن تحريم ربا الفضل إنما كان لسدّ الذريعة عن ربا النسيئة، وما حرم لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، لأن بيع الصوغ مما يحتاج إليه، ولا يمكن بيعه بوزنه من الأثمان، وإن كان الثمن أكثر منه تكون الزيادة في مقابلة الصنعة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٢٩٧) .
стр. 774
القاعدة: [٢٠٧]
المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان
الألفاظ الأخرى
- الأصل في بدل المتلفات أن يكون من جنس المتلف.
- جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان.
- الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان.
التوضيح
المثل لغة: المشابه والمماثل، والمثل ما جُعل مقداراً لغيره يحذى عليه، والمماثلة:
التشابه بين الشيئين في الجنس والصفة، فهذا يساوي هذا.
وفي الاصطلاح: هو تحديد الشيء الذي يمكن ضبط صفاته بحيث يمكن إيجاد مثل له لا تختلف قيمته عنه، فالمثل: هو ما يساوي غيره في قيمته وصفاته، ويتوفر في الأسواق، فإن اختلفت القيمة، أو الصفات، أو فقد من السوق فهو القيمي الذي تثبت قيمته عند الإتلاف.
ويضبط المثلي بالكيل والوزن والمعدود المتقارب بشرط وجود مثله في السوق بدون تفاوت يعتد به، بأن تتماثل أفراده، وتتساوى قيمته، ويتوفر في السوق.
والمضمون هو المال الذي يضمنه متلفه، ويتحمل تبعة هلاكه، وبالتالي فالأموال المثلية إذا أتلفت فيجب ضمانها بالمثل بحسب الإمكان، فن أتلف شيئاً لغيره، أو استهلكه، وجب عليه ضمان مثله لصاحبه إذا أمكن بأن يكون له مثل في السوق،
стр. 775
فإن تعذر يصار إلى ضمان قيمته، فيضمن المكيل بمثله، والموزون بمثله، والعددي المتقارب بمثله، وهو مذهب الأئمة الأربعة مع اختلاف في بعض الفروع والمسائل؛ لأن المثل أقرب إلى العدالة والمساواة وإعادة المال المثلي المتلف إلى صاحبه، لقوله تعالى فيمن قتل صيداً وهو محرم:.
(فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) .
ولقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) ، وقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) .
وقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) .
وقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ) .
والقصاص: هو المساواة والمماثلة.
وفي السنة وقضاء النبي ﷺ أمثلة كثيرة بالحكم بالمثل والمساوي والمشابه.
التطبيقات
١ - من هدم دار غيره، فإنه يعيد بناءها كما كانت؛ لأن المثل يجب في كل
مضمون بحسب الإمكان، وإعادة البناء ممكنة، وهي أمثل وأقرب إلى حق المضمون له، فكانت أعدل..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٠٧) .
٢ - المقرض يستحق مثل قرضه، فإذا أقرض حيواناً، وكان الواجب على المقترض أن يرد حيواناً مثله في الوصف والقيمة؛ لأن المثل يجب في كل مضمون بحسب الإمكان..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣١٣) .
٣ - يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يوماً، ويحصد الآخر معه يوماً، أو يسكنه داراً، ليسكنه داراً بدلها، لأن المثل يمكن في هذه الحالة فيجب.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣١٣) .
ومثل ذلك اتفاق الزملاء أن يركبوا كل يوم في سيارة أحدهم
للذهاب إلى العمل والعودة منه، ومثله اتفاقهم في جمعية جمع النقود، وإقراضها لأحدهم كل شهر، حتى يعم الجميع.
стр. 776
٤ - إذا غصب ثوباً، أو آنية، أو حيواناً، فهلك في يده، فيجب عليه مثله من كل وجه، وإن تعذر نعليه مثله بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، وهو أعدل من إيجاب قيمة مخالفة لجنس المتلف.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ويضمن المغصوب بمثله مكيلاً، أو موزوناً، أو غيرهما، حيث أمكن، والا فالقيمة "..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣١٣) .
стр. 777
القاعدة: [٢٠٨]
الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة
الألفاظ الأخرى
- كل ما خالف قصد الشارع فهو باطل.
- من ابتغى في تكاليف الشريعة ما لم تشرع له فعمله باطل.
التوضيح
الإرادة هي طلب فعل الشيء والسعي في حصوله، والمراد بها هنا هو نفس المعنى للنية والقصد.
ومقاصد الشريعة هي تحقيق مصالح العباد، ودفع المفاسد عنهم، والمؤمن يتحرك في الحياة بحسب الأوامر الإلهية لتحقيق المقاصد الشرعية، ولذلك يجب أن يقصد بفعله مراعاة مقاصد الشارع، وأن يكون قصده في العمل موافقاً لقصد الشارع في التشريع، وأن يتجنب ما يناقض ويضاد المقاصد الشرعية، فإن قصد بفعله ذلك
كانت أعماله باطلة، فلا يتوصل بها إلى مقصوده المحرم.
وهذه القاعدة فرع من قاعدة "الأعمال بالنيات ".
ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) .
فالإرادة التي تناقض مقصود الشارع في شرعه لأحكام ولا تطابقه، تعتبر.
مشاقة ظاهرة للرسول من حيث قصد غير ما قصد، وطلب بشرعه غير ما شُرع له،
стр. 778
وقال رسول الله ﷺ :
"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"
فإن أراد المكلف غير ما شرعت الشريعة، وخالف مقاصدها وناقضها، فقد عمل ما ليس عليه أمر الشارع، فيكون مردوداً على صاحبه، لأنه في الحقيقة يكون فاعلاً لما لم يؤمر به، تاركاً لما أمر به.
التطبيقات
١ - من نكح بقصد تحليل المرأة لمطلقها ثلاثاً، فنكاحه باطل؛ لأنه لم يقصد النكاح الذي قصد الشارع من الألفة والسكن والمودة والرحمة والدوام والاستمرار، وإنما قصد أثر زوال النكاح وهو الحل للمطلق، فلا تتفق إرادة الشارع والمحلل على واحد من الأمرين، والإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٧٦) .
٢ - من خالع بقصد أن تنحل يمينه لا يكون خلعه صحيحاً، بل باطلاً، لأن
الشارع جعل الخلع موجباً للبينونة، ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، بأن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيك، فإذا خالع ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حل اليمين، وحلّ اليمين إنما جاء تبعاً لحصول البينونة لا مقصوداً به، فتصير البينونة لأجل حل اليمين، وحل اليمين لأجل البينونة، فلا يصير واحد منهما مقصوداً، فلا يشرع، لأنه تصرف ليس بمقصود في نفسه، ولا مقصوداً لما هو مقصود في نفسه من الشارع، فيكون عبثاً وباطلاً..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٦٧) .
٣ - بيع العينة باطل، لأن مقصود الشرع بالبيع أن يحصل ملك الثمن للبائع، ويحصل ملك البيع للمشتري لينتفع به، وبيع العينة يقصد منه المشتري ثمن السلعة،
стр. 779
ولم يكن مقصوده السلعة، لأنه احتاج إك دراهم، فاشترى سلعة بثمن مؤجل، ليبيعها ويستفيد من ثمنها، وكذلك البائع ل يكن قصده الانتفاع بالثمن، بل أن تعود إليه السلعة، وأن يدفع للمشتري ألفاً، لتعود له ألفاً وزيادة بعد سنة مثلاً، فلم يكن مقصودهما مطابقاً لمقصود الشارع من إباحة البيع والشراء، فيكون بيعهما باطلاً؛ لأن الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٨٥) .
٤ - يحرم الغش والخداع والتغرير والتلبيس في العقود، لأن مقصود الشارع فيها إقامة العدل بين الناس في التعامل، وقصد الغش وغيره لا يطابق مقصود الشارع، فلا تعتبر الإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع، ويثبت لمن وقع عليه الغش وغيره الخيرة بين الإمضاء والرد..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٨١) .
٥ - القرض إذا جر نفعاً فهو حرام، لأن الشارع شرع القرض لمن قصد أن
يسترجع مثل قرضه فقط، ولم يبحه لمن أراد الاستفضال، فإن أقرضه مالاً لأجل أن يحابيه في بيع، أو إجارة، أو ليعطيه هدية ونحو ذلك من أنواع الاستفادة بسبب القرض، فقد قصد بالعقد خلاف ما شرع الشارع له، فلا يوافق مقصوده، والإرادة التي لا تطابق مقصود الشارع غير معتبرة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٣٨١) .
стр. 780
القاعدة: [٢٠٩]
كل حيلة تضمنت إسقاط حق أو استحلال محرم فهي محرمة
التوضيح
أصل الحول تغير الشيء وانفصاله عن غيره، والحيلة ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية، وأكثر استعمالها فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما في تعاطيه حكمة.
ومعناها العام اصطلاحاً ما يكون مَخْلصاً شرعاً لمن ابتلي بحادثة دينية، ومعناها الخاص هنا أن يقصد بها الشخص سقوط الواجب، أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له، أو ما شرع له، فصاحب الحيلة يباشر سبباً لا يقصد به ما جعل ذلك السبب له، وإنَّما يقصد به استحلال أمر آخر، وبذلك يغير الأحكام الشرعية، ويفعل الأسباب لما ينافي قصده قصد حكم السبب، فيصير بمنزلة من طلب
ثمرة الفعل الشرعي ونتيجته، وهو لم يأت بقوامه وحقيقته، فهو خداع لله، واستهزاء بآيات الله، وتلاعب بحدود الله، فتصبح الحيلة محرمة، ويجب إبطال هذا القصود الفاسد على صاحبه، بألَّا تترتب على فعله ثمرته القررة شرعاً.
ولكن ليس كل ما يسمى حيلة في اللغة، أو يسميه الناس حيلة حراماً، بل يعتريها بقية الأحكام، فالحيل منها ما هو محرم، ومنها ما هو جائز، بل واجب ومستحب أو مكروه ومباح، وتنحصر الحيلة المحرمة بما فيه إسقاط حق، أو استحلال محرم.
ودليل ذلك قوله تعالى في ذم النافقين (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) .
وقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) .
وندد القرآن الكريم بحيلة اليهود للصيد يوم السبت.
(الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦) .
стр. 781
وحديث "إنما الأعمال بالنيات"
أصل في إبطال الحيل، وقال رسول الله ﷺ :
"قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوا".
والأدلة كثيرة
التطبيقات
١ - يعدُّ الربا من أكثر المعاملات تحايلاً على استحلاله، والحيل التي يُتوسل بها إليه لها صورتان، الأولى: أن يضم المتعاقدان إلى أحد العوضين ما ليس بمقصود، مثل مسألة مد عجوة، وصورتها أن يبيع مالاً ربوياً بجنسه، ومعهما، أو مع أحدهما، ما ليس من جنسه، فالغرض بيع فضة بفضة مثلاً متفاضلاً، فيضم إلى الفضة القليلة عوضاً آخر، فيبيع مثلاً ألف دينار في منديل بألفي دينار، أو مد عجوة ودرهم بدرهم، وهو حرام عند مالك والشافعي وأحمد وكذلك قدماء الكوفيين، ويسوّغه من يجوّز الحيل من الكوفيين، كما يسوّغه مالك وأحمد إذا كان المقصود بيع غير ربوي مع غير ربوي، كبيع سيف فيه فضة يسيرة بسيف.
الثانية: بيع العينة، وهو أن يبيع سلعة بثمن كبير إلى أجل، ثم يبتاعها بثمن أقل من ذلك نقداً، وهذا عين الربا، لأن القصد المال، وأظهر المعاملة حيلة، ومثله مسألة التورق، بأن يشتري سلعة إلى أجل، ثم يبيعها في السوق بأقل من قيمتها نقداً، فهنا مقصود المشتري الدراهم، وليس له غرض في السلعة إلا للتحايل على الربا، لأن غرضه الورِق لا السلعة، فهذا مذموم منهي عنه في أظهر قولي العلماء.
ومثله أن يقرن بالقرض مثلاً محاباة في بيع أو إجارة أو مساقاة، كان يقرضه ألفاً، ويبيعه سلعة تساوي عشرة بمئتين، أو يكريه داراً تساوي ثلاثين بخمسة..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤٦) .
٢ - أن يدَّعي البائع أنه كان محجوراً عليه، لكي يفسخ البيع، فهذه حيلة محرمة بالوسيلة والمقصود، فالوسيلة كذب، والكذب حرام، والمقصود إبطال حق المشتري في نفوذ البيع ولزومه، وهذا حرام أيضاً..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤٨) .
стр. 782
٣ - الاحتيال على إسقاط حق الشريك في الشفعة، بأن يكون ثمن البيع ألفاً، فيتفق البائع مع المشتري على عقده بألفين، ثم يقبض منه تسع مئة، ويصارفه عن الألف ومئة بعشرة دنانير، فيتعذر على الشفيع الأخذ..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤٨) .
٤ - من سافر في الصيف ليتأخر عنه الصوم إلى الشتاء، لم يحصل له غرضه، بل يجب عليه الصوم في هذا السفر..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤١) .
المستثنى
إن الاحتيال قد يكون من واحد، وقد يكون من اثنين فأكثر، فيظهر الأثر
والبطلان في جهة، ويبقى صحيحاً في جهة ثانية استثناء من القاعدة.
١ - أن ينوي التحليل ولا يظهره للزوجة، أو يهب ماله ضراراً لورثته، فتكون هذه العقود باطلة بالنسبة له وإلى من علم غرضه، وصحيحة لغيرهم، فلا يحل له وطء المرأة، ولا يرثها إن ماتت، أما الزوجة فلا إثم عليها، وترثه إن مات.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤١) .
٢ - إذا طلق المربض مرض الموت زوجته، صُحح الطلاق بزوال ملك البضع، فإن ماتت فلا يرثها، ولم يُصحح بالنسبة لها فترثه إن مات..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤١) .
من وطن امرأة أبيه، او ابنه، ليفسخ نكاحه، فهذه الحيلة بمنزلة الإتلاف
للملك بقتل أو غصب، فلا يمكن إبطالها، وتحرم المرأة لأن هذا حق لله.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤١) .
٤ - من قتل رجلاً ليتزوج امرأته، أو ليزوجه صديقاً له، فهنا تحل المرأة لغير من قصد تزوجها به، ولا تحل للقاتل، ولا لمن قصد تزوجها به، كمن يخلل الخمر بنقلها من موضع إلى موضع من غير أن يلقي فيها شيئاً، فالصحيح أنها لا تطهر.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤١) .
стр. 783
٥ - الحلال إذا صاد صيداً، وذبحه لمحرم، فإنه يحرم على ذلك المحرم، ويحل للحلال..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤٢) .
٦ - ذبح شخص شاة مغصوبة للغاصب، فهي حرام على الغاصب، حلال لغيره.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٤٣) .
стр. 784
القاعدة: [٢١٠]
كل لفظ بغير قصد من المتكلم لا يترتب عليه حكم
التوضيح
القصد: هو النية القترنة بالتوجه العقلي نحو المراد، وهو إرادة المتكلم مع إدراك معنى الكلام وما يترتب عليه من التزامات، لأن الألفاظ تعبر وتدل على ما في النفس، لتترتب الأحكام عليها.
فإذا لم يرد المتكلم معنى الألفاظ، أو لم يحط بها علماً، فلا يثبت الأثر والحكم
المترتب على مجرد اللفظ، لأن الله تعالى تجاوز للأمة عما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم به، وتجاوز عما تكلمت مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به حتى تكون مريدة لمعنى ما تكلمت به، وقاصدة إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، وإلا كان اللفظ بغير قصد من المتكلم لا قيمة له، ولا يترتب عليه حكم، ولذلك كان كلام المجنون والطفل غير المميز لغواً في الشرع.
وكذلك النائم إذا تكلم في منامه، فأقواله كلها لغو.
وهذه القاعدة متفرعة على قاعدة
"الأمور بمقاصدها" أو قاعدة "الأعمال بالنيات"
وسبق بيانهما، ويتأكد الاستدلال على هذه القاعدة بقوله تعالى ".
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) .
وقوله ﷺ :
"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "
لأن ما يصدر عنهم كان بغير قصد فلا يترتب عليه حكم.
ويتأكد ذلك بقوله ﷺ :
стр. 785
"رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق".
لأن الإرادة والقصد من هؤلاء الثلاثة مفقود أو غير معتبر.
التطبيقات
١ - من سبق لسانه بالطلاق الثلاث من غير قصد، وإنما قصد واحدة، لم يقع بها إلا واحدة، ولو أراد أن يقول طاهر، فسبق لسانه بطالق لم يقع به الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى..
(ابن تيمية، الحصين ٤٥٥/١) .
٢ - من طلق في حالة الغضب الشديد، يحيث بلغ إلى الأمر ألا يعقل ما يقول، كالمجنون، لم يقع به شيء..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٤٥٥) .
٣ - إذا طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً، وعندما حضر الشهود للشهادة قال له بعضهم، قل: طلقتها على درهم، فقال ذلك معتقداً أنه يقر بذلك الطلاق الأول، وأنه لا يريد إنشاء طلاق آخر، لم يقع به غير الطلاق الأول، ويكون رجعياً، لا بائناً.
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٤٥٥) .
٤ - السكران لا يترتب على تصرفاته القولية حكم، فلو باع أو اشترى أو وهب أو أعار، ونحو ذلك، فكل هذه التصرفات باطلة لا يترتب عليها حكم، ولا يقع طلاقه، لقوله تعالى: (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) .
فإن لم يعلم ما يقول لم يكن صادراً عن القلب، ويجري مجرى اللغو..
(ابن تيمية، الحصين ١ / ٤٥٩) .
٥ - من سبق لسانه بلفظ البيع أو غيره، أو أخطأ في التعبير بأن أراد شيئاً، ونطق بغيره، فلا يلزمه شيء، ولا يترتب على ذلك صحة البيع ولا غيره، بل تكون ألفاظه لغواً..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٦١) .
стр. 786
القاعدة: [٢١١]
دلالة الحال تغني عن السؤال
الألفاظ الأخرى
- دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة، وتقوم مقام إظهار النية.
- الكناية مع دلالة الحال كالصريح لا تفتقر إلى إظهار نية.
- الكناية إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر.
التوضيح
إن دلالة الحال هي الأمارة والعلامة القائمة التي تصاحب الإنسان وتدل على أمر من الأمور، فتكون الأحوال والقرائن المصاحبة لتصرفات الإنسان من الأقوال والأفعال لها دلالة تمكن من معرفة قصد المتصرف أو المتحدث، ولو لم يصرح بنيته ومراده، وتجعل دلالة الحال اللفظ المجمل أو المشترك أو المبهم بيناً ظاهراً، فلا يُحتاج - مع هذه القرائن - لسؤال المتكلم عن مراده ومقصوده، حتى إن الأحوال والقرائن
تدلان على المراد ولو لم يكن هناك لفظ، لا صريح ولا كنائي.
لكن دلالة الحال تختلف قوة وضعفاً بحسب الأحوال المصاحبة، فتصل تارة إلى
درجة اليقين وتارة إلى غلبة الظن، أو مجرد الظن أو دون ذلك، ويعمل بها كلها ما لم يوجد ما هو أقوى منها.
ويؤيد ذلك ما ورد في قصة يوسف ﵇، قال تعالى:.
(إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) .
стр. 787
فأيقن السيد صدق يوسف من دلالة شق القميص.
وكذلك ما ورد عن سليمان ﵇ عندما اختصم إليه امرأتان في ادعاء الولد فطلب أن يشقه بينهما بالسكين، فقالت الصغرى:
"لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى".
فاستدل من شفقة الصغرى، وقسوة الكبرى التي وافقت على
شقه، صدق الصغرى وحكم لها به.
التطبيقات
١ - إذا ادعى خصم حقاً أمام القاضي، ولم يسألِ الحاكمَ سؤالَ المدعى عليه
الجواب، فالصحيح أن الحاكم يسأل المدعى عليه، ولا يحتاج إلى السؤال من
المدعي؛ لأن دلالة الحال تغني عن السؤال، فالمدعي إنما رفع دعواه لذلك (ابن تيمية، الحصين ١/٤٦٧) .
٢ - ينعقد النكاح بغير لفظ الإنكاح أو التزويج الصريحين في الدلالة على المراد؛ لأن دلالات الأحوال في النكاح معروفة من اجتماع الناس لذلك، والتحدث بما اجتمعوا له، فإن قال بعد ذلك: ملكتها لك بألف درهم، علم الحاضرون بالاضطرار أن المراد به الإنكاح..
(ابن تيمية، الحصين ١/٤٦٧) .
٣ - الرضا أو التراضي من الطرفين ركن العقود، والرضا أمر باطن، ولا بدَّ من شيء في الظاهر يدل عليه، ولا يقتصر على اللفظ وحده، بل الحالة التي يتم فيها العقد تدل على ذلك دلالة بينة قاطعة للتراع كالتعاطي..
(ابن تيمية، الحصين ١/٤٧٥) .
٤ - إن الأحوال المصاحبة لمن يريد الاحتيال بعقد من العقود على ما حرَّم الله، تدل دلالة واضحة على مراده من العقد، ولو لم يصرح بذلك، فيجب العمل بهذه الأحوال، دون حاجة إلى سؤاله عن مقصوده من العقد، كالقرض، مع البيع بثمن
стр. 788
بخس، فالمقترض إنما رضي بالبيع لأجل القرض، والمقرض إنما أراد بهذا البيع تحصيل ربح قرضه، ومثله إبطال نكاح التحليل، لأنه يظهر منه أن باطنه مخالف لظاهره، وخاصة من تيس من التيوس المعروف بكثرة التحليل، وهو من سقاط الناس ديناً وخلقاً ودنيا، مع صداق قليل لا يناسب المرأة، والتعجيل بالطلاق أو بالخلع، مما يعلم قطعاً وجود التحليل، فيكون باطلاً..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٧٠) .
стр. 789
القاعدة: [٢١٢]
كل ما أمر الله به أو نهى عنه فإن طاعته فيه بحسب الإمكان
الألفاظ الأخرى
التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل.
الحجة على العباد يقوم بالتمكن من العلم والقدرة على العمل به.
الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل.
التكليف مشروط بالتمكن من العلم والقدرة على الفعل.
لا نكلَّف إلا بما نعلمه ونقدر عليه.
الوجوب مشروط بالقدرة.
مناط الوجوب هو القدرة.
التكليف يتبع العلم.
المجهول كالمعدوم.
المعجوز عنه ساقط الوجوب، والمضطر إليه غير محظور.
التوضيح
التكليف هو الإلزام بمقتضى خطاب الشرع، أو هو الخطاب بأمر أو نهي.
انظر ما سبق في قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات ".
стр. 790
والتكليف الشرعي مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، أو العاجز والمريض في الطهارة والصلاة والصوم والحج وغيره، وتسقط عنه، أو تخفف، ولا يجب عليه إلا ما يقدر على فعله، وما يتمكن من معرفته، بدون مضرة راجحة، بشرط ألا يكون عدم التمكن من العلم، أو عدم القدرة عليه بسبب تفريط من العبد أوقعه في ذلك، لقوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) .
فيشترط عدم البغي وعدم العدوان.
والأدلة على القاعدة كثيرة، منها قوله تعالى:.
(وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) .
وقوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) .
وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) .
والأحاديث التعليمية كثيرة، منها حديث المسيء صلاته، وقال:
"والذي بعثك بالحق لا أحسن غيرها، فعلمني، فعلمه ".
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) .
وغيرها كثير.
التطبيقات
يندرج تحت هذه القاعدة قواعد كثيرة وفروع عديدة في العقيدة والفقه في مختلف الأبواب، في الطهارة والعبادات والمعاملات، مما لا يحصى كثرة، وقد يقع الناس في المعاملات المالية في المحرم جهلاً، وقد يشق عليهم بعض الواجبات، أو يحتاجون إلى استباحة بعض المحرمات، ولذلك شرع الله أحكاماً خاصة بهذه الحالات، ولذلك يدخل تحت هذه القاعدة قواعد أخرى متفرعة عنها، منها التكليف يتبع العلم،
стр. 791
والمجهول كالمعدوم، لأنه لا يمكن تطبيق المجهول، والمعجوز عنه ساقط الوجوب لعدم الإمكان، والمضطر إليه غير محظور، لخروجه عن الإمكان، والأمثلة كثيرة، منها:
١ - من ترك واجباً من واجبات الصلاة لم يعلم وجوبه، أو فعل محظوراً لم يعلم أنه محظور، كمن ترك الطمأنينة في الصلاة، أو تكلم فيها، أو ترك الوضوء من لحم الإبل، أو كان يصلي في أعطان الإبل (مبارك الإبل) أو نحو ذلك، فلا إعادة عليه بعد تعلمه هذه الأحكام؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهذا لم يكن عالماً حتى يثبت في حقه خطاب الشارع..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٤٩٩) .
٢ - إذا لم يثبت دخول شهر رمضان إلا في أثناء النهار وجب الإمساك، ولا يجب القضاء سواء كان قد أكل قبل علمه بثبوت الشهر أو لا؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهم لم يعلموا وجوب ذلك عليهم، فلا يؤمرون بالقضاء..
(ابن تيمية، الحصين ١/٥٠٠)
٣ - إذا عامل المسلم معاملة يعتقد جوازها بتأويل - اجتهاد أو تقليد - وكانت من المعاملات التي تنازع فيها المسلمون كالحيل الربوية، ثم تبين له الحق بعد ذلك، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه في تلك المعاملة، ولا يجب عليه إخراج المال الذي كسبه بتأويل سائغ؛ لأن الحكم إنما يثبت مع التمكن من العلم، وهذا لا يعلم بالتحريم..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠١) .
٤ - ما فعله المسلم من العقود المحرمة من رباً أو ميسر، والتي لم يبلغه تحريمها، ثم علم تحريمها، وتاب منها، فإنه يقر على ما قبضه منها، وتجوز معاملته فيها، لأنه لم
يكن عالماً بالتحريم، والحكم إنما يثبت في حق العالم دون الجاهل..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠١) .
٥ - الشريك، والوصى، والناظر على الوقف أو بيت المال، ونحو ذلك إذا احتاط في البيع والشراء، ثم ظهر غبن، أو عيب، لم يقصر فيه، فهو معذور.
وكذا الناظر، أو الوصى، أو الإمام، أو القاضى، إذا باع أو أجر، أو زارع، أو ضارب، ثم تبين أنه بدون القيمة، بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفاً ثم تبين الخطأ
стр. 792
فيه، مثل أن يأمر بعمارة أو غرس ونحو ذلك، ثم تبين أن المصلحة كانت بخلافه، فكل واحد من هؤلاء مأمور بفعل الأصلح مما يعلمه، وما لا يعلمه فإنه لا يكلف فعله لتعذره عليه..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠١) .
٦ - إذا تصرف الوكيل، بعد أن عزله الموكل، وقبل علمه بذلك، فلا ضمان عليه في تصرفه؛ لأن التكليف يتبع العلم، وهو لم يعلم بالعزل..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٢) .
٧ - إذا اعتقد المشتري أن الذي مع البائع ملكه، فاشتراه منه على الظاهر، لم يكن عليه إثم في ذلك، وإن كان في الباطن قد سرقه البائع لم يكن على المشتري إثم ولا عقوبة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، والضمان والدرك (التبعة) على الذي غرَّه وباعه، وإذا ظهر صاحب السلعة فيما بعد ردّت إليه سلعته، ورد على المشتري ثمنه،وعوقب البائع الظالم..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٢) .
٨ - من غاب غيبة انقطع فيها خبره، فإنه يجعل كالمعدوم، فيجوز للحاكم أن يفرق بينه وبين زوجته، وأن تتزوج، ويعدُّ هذا تصرفاً نافذاً؛ لأن المجهول كالمعدوم، وهذا مجهول لا يعلم وجوده، فيصير في حكم المعدوم، فإذا حضر هذا الزوج الغائب
فهو مخير بين إمساك زوجته، أو أن يأخذ تعويضاً عن المهر الذي دفعه لها.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٦) .
٩ - إذا حصل قتال بين طائفتين، وجهل مقدار المال المتلف، أو عدد القتلى، فيجعل المجهول كالمعدوم..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٦) .
١٠ - ما قبضه الملوك ظلماً محضاً، إذا اختلط ببيت المال، وتعذر رده إلى صاحبه،فإنه يصرف في مصالح المسلمين؛ لأن المجهول كالمعدوم..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٦) .
١١ - ما حصل بيد الإنسان من الأموال التي اكتسبها عن طريق ظلم الآخرين، بأن كان يغش في المعاملة، أو يجحد الودائع أو العواري، ثم تاب من ذلك، وجَهِل أصحاب هذه الأموال، فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين
стр. 793
الشرعية، أو يسلمها إلى قاسم عادل يضعها في مصالح المسلمين، وذلك لأن المجهول كالمعدوم، وأصحاب هذه الأموال مجهولون، أو اختلطت أموالهم ولا يمكن التمييز بينها، فيجعل المجهول كالمعدوم، ثم إذا تبين أصحابها كان لهم الحق في مطالبة المتصرف فيها.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٩) .
١٢ - ما يوجد في السوق من الطعام والشراب والثياب ونحوها قد يكون في نفس الأمر مسروقاً، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان المجهول كالمعدوم، يجوز له أن يبيع ويشتري بلا حرج..
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٩) .
١٣ - تجوز معاملة الظالم الذي ئعلم بأن الأموال التي بيده تحضل عليها عن طريق الظلم، من غصب أو غيره، خصوصاً عند وجود الحاجة إلى ذلك، إذا كان أصحاب هذه الأموال لا يمكن معرفتهم، أو أن أموالهم اختلط بعضها ببعض، بحيث لا يمكن تمييزها؛ لأن المجهول كالمعدوم، ويبقى ضمان هذه الأموال على الظالم.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥٠٩) .
١٤ - قد يجوز التصرف في حقوق الآخرين بالعقد والقبض، بما فيه مصلحة إذا جهل وجود المستحق، أو تعذر استئذانه، وذلك أن المجهول كالمعدوم.
(ابن تيمية، الحصين ١/ ٥١٠) .
стр. 794
القاعدة: [٢١٣]
الأصل إذا ما يحصل به المقصود قام بدله مقامه
الألفاظ الأخرى
- بدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده.
- البدل يقوم مقام المبدل.
- البدل قائم مقام المبدل.
- الحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل.
- يقوم البدل مقام المبدل، ويس مسدَّه، ويبنى حكمه على حكمه.
التوضيح
إن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح، والموازنة بينها، وتقديم المصلحة العظمى على ما دونها، وتقوم على رفع الحرج، ودفع المشقة، وعدم تكليف ما لا يسع العبد فعله.
فإذا تعذر فعل الأمر الأصلي، أو وجدت مشقة وجهد للقيام به، أو لا تتحقق المصلحة المرجوة من الأمر به، بحيث تقل أو تنعدم، فإن الشرع سوغ الانتقال منه إلى البدل الذي يقوم مقامه، ويسد مسده، ويحقق المصلحة المقصودة، ويبنى حكمه على حكم الأصل، فيقوم حكم البدل مقام المبدل منه، كالتيمم والوضوء، ومسح الخفين بدل غسل القدمين.
ويكون الانتقال إلى البدل لوجود ضرورة أو حاجة، أو لوجود مصلحة راجحة
стр. 795
يتوفر فيها النفع الأكثر، أو الصلاح الأولى، ولذلك شرع الإسلام التيمم في الطهارة بدل الوضوء والاغتسال، وشرع الصيام في كفارة الحج بالعمرة بدل الهدي، وغير ذلك كثير.
التطبيقات
١ - إذا تعذر استعمال الماء في الطهارة فيقوم التيمم بدله..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٦) .
٢ - إذا تعذر وجود المأكول المذكى لسد الجوع في الخمصة فيسوغ الانتقال إلى الميتة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧) .
٣ - الظن يقوم مقام العلم عند تعذره، فيقوم الخرص في الزكاة مقام الكيل.
وتقوم القرعة لتعيين الحق عندما يلتبس نصيب كل واحد بالآخر.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧) .
٤ - يجوز إخراج القيمة في الزكاة عند الحاجة، مثل أن يبيع ثمرة بستانه، أو زرعه، فيجزئه إخراج عُشر الدراهم، ولا يكلف أن يشتري تمراً أو حنطة، وإذا وجبت عليه شاة في زكاة خمس من الإبل، وليس عنده شاة، فيكفي إخراج القيمة، ولا يكلف السفر لشراء شاة، كما يجوز إخراج القيمة في الزكاة للمصلحة إذا طلب المستحقون القيمة لكونها أنفع لهم..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧، ١٨) .
٥ - إبدال الهدي والأضاحي بخير منه لأنه أنفع وأصلح.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧، ابن رجب ٣/ ٧٥) .
٦ - إذا بني مسجد في مكان، ثم انتقل الناس إلى مكان آخر هو أصلح لأهل
البلد، فينقل المسجد..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧) .
стр. 796
٧ - إذا وقف داراً أو حانوتاً أو بستاناً، وانتاجه قليل، فله إبداله بما هو أنفع للوقف..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٨) .
٨ - الخرص يقوم مقام الكيل في العرايا، وفي المقاسمة، لتعذر الكيل مع الحاجة للبيع والقسمة، فيقوم البدل مقام الأصل..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٢٣) .
٩ - إذا تصرف الفاصب في العين المغصوبة بما أزال اسمها، أو أنزل قيمتها.
فالمالك مخير بين أخذ العين وتضمين النقص، وبين المطالبة بالبدل لتعذر المبدل (ابن تيمية، الحصين ٢/ ٢٣) .
١٠ - إذا أتلف مالاً مثلياً كالعارية، وتعذر المثل وجبت القيمة وهي الدراهم
والدنانير بدلاً من المثل..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٢٣) .
١١ - تثبت الولاية على المعاوضة شرعاً عند الحاجة، كما لو مات شخص في موضع ليس فيه وارث ولا وصي ولا حاكم، فتثبت الولاية للرفقة في السفر، ويبيعون المال ويحفظونه دون التوقف على إجازة الورثة لثبوت الولاية الشرعية لهم عند الحاجة بدلاً من الورثة أو من ينيبه الإمام..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٢٣) .
١٢ - إذا مسح على الخف، ثم خلعه، فإنه يجزئه غسل قدميه على إحدى
الروايتين، ولو فاتت الموالاة؛ لأن المسح كمّل الوضوء وأتمه وقام مقام غسل
الرجلين إلى حين الخلع، فإذا وجد الخلع وتعقبه غسل القدمين فالوضوء كالمتواصل.
(ابن رجب ٣/ ٧٣) .
١٣ - لو وجد ما يكفي لغسل بعض أعضاء الحدث الأصغر، فاستعمله، ثم تيمم للباقي، ثم وجد الماء بعد فوات الموالاة، لم يلزمه إلا غسل باقي الأعضاء.
(ابن رجب ٣/ ٧٣) .
١٤ - إذا حضر الجمعة أربعون من أهل وجوبها، ثم تبدلوا في أثناء الخطبة أو
الصلاة بمثلهم، انعقدت الجمعة وتمت بهم.
(ابن رجب ٣/ ٧٤) .
стр. 797
١٥ - لو أبدل نصاباً من أموال الزكاة بنصاب من جنسه، بنى على حول الأول على المذهب، ولو أبدله من غير جنسه استأنف إلا في إبدال أحد النقدين بالآخر فإن فيه روايتين.
(ابن رجب ٣/ ٧٤) .
١٦ - لو أبدل جلود الأضاحي بما ينتفع به في البيت من آلاته، جاز، نعق عليه، لأن ذلك يقوم مقام الانتفاع بالجلد نفسه في متاع البيت.
(ابن رجب ٣/ ٧٥) .
стр. 798
القاعدة: [٢١٤]
المعصية لا تكون سببًا للنعمة
الألفاظ الأخرى
- الفعل المحرم لا يكون سبباً للحل والإباحة.
- لا تثبت النعمة بالفعل المحرم.
- المعصية لا تكون سبباً للاستحقاق والحل.
- المحرمات لا تكون سبباً محضاً للإكرام والإحسان.
- الأصل في المعاصي أنها لا تكون سبباً لنعمة الله ورحمته.
التوضيح
سبق توضيح هذه القاعدة "الرخص لا تناط بالمعاصي "، لأن المعصية تكون
سبباً للعقوبة، ولا تكون طريقاً إلى رحمة الله ونعمته وطيباته وفضله في الترخيص والتساهل وسائر نعمه.
وهذه القاعدة شاملة لكل فعل يكون معصية، فلا تكون سبباً
للنعمة سواء كانت هذه النعمة رخصة أو غيرها.
التطبيقات
١ - الخمر إذا تخللت بفعل الله طهرت، أما إذا تخللت بفعل الآدمي لم تطهر، كما
стр. 799
لو اقتنى الخمر بقصد التخليل؛ لأن اقتناء الخمر محرم، والفعل المحرم لا يكون سبباً للحل والإباحة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٢) .
٢ - إذا ذكى الحيوان تذكية محرمة بالذبح في غير الحلق، مع قدرته على التذكية في الحلق، أو بأمر وثني بالتذكية، فإنه لا يباح؛ لأن حل الأكل نعمة، وهذه التذكية محرمة، والفعل المحرم لا يكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٢٨) .
٣ - العقود المشتملة على ما حرم الله، كالغرر، والربا، لا تكون سبباً لإباحة الآثار المترتبة عليها؛ لأن المنهي عنه معصية، والمعاصي لا تكون سبباً لنعمة الله ورحمته، والإباحة نعمة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٥) .
٤ - إذا تواطأ المتعاقدان على الربا في بيعتين، كالعينة، فإنه يحكم بفساد هذين العقدين، ولا يترتب عليهما الأثر في حل المال للبائع، لأن الحلال نعمة، والاحتيال على المحرم معصية، فلا تكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٥) .
٥ - إذا دلس البائع في بيعه على المشتري، فباعه شيئاً معيباً، فالبيع غير نافذ ولا حلال، بل موقوف على إجازة المشتري ورضاه؛ لأن التدليس محرم، ونفاذ البيع نعمة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٥) .
٦ - لا يجوز بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع شيء يستعان به على معصية الله، ويكون البيع باطلاً؛ لأن إباحة البيع نعمة، وترتب آثار البيع نعم، فلا تثبت بالمعصية.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٥) .
٧ - إذا باع شيئاً محرماً، واستوفى ثمنه، أو استؤجر على فعل محرم، كصناعة خمر أو غناء، ونحو ذلك، فالواجب عليه التصدق بهذا المال، ولا يعاد لصاحبه الذي أخذ منه؛ لأنه أخرجه في معصية الله، وقد استوفى العوض، فلا يعان على المعصية بإعادة الثمن إليه، فالمعصية لا تكون سبباً للنعمة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٣٦) .
стр. 800
القاعدة: [٢١٥]
الأصل في العادات عدم التحريم
الألفاظ الأخرى
- الأصل في العادات ألا يحظر منها إلا ما حظره الله.
- ما اعتاده الناس في دنياهم، الأصل فيه عدم الحظر.
- العادات، الأصل فيها عدم الحظر.
- الأفعال العادية، الأصل فيها عدم التحريم.
التوضيح
العادة هي ما اعتاده الناس مما يحتاجون إليه في حياتهم وتصرفاتهم في القول
والفعل، والمأكل والمشرب، والملبس، والذهاب، والمجيء، والكلام، وغيره.
فهذه العادات معفو عنها، ورفع الشارع الحرج عن المكلف في فعلها وتركها، ما لم يرد فيها دليل خاص بها، وإلا يستصحب الحل فيها، وللناس أن يتكلموا، ويأكلوا، ويشربوا، ويتبايعوا وشتاجروا كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة، وعدم التحريم ليس تحليلاً؛ لأن التحليل يحتاج لدليل، وإنما هو عفو، واستصحاب للأصل.
ولا يعمل بهذه القاعدة إلا بعد البحث التام في الأدلة ونصوص الشريعة للتأكد من عدم رفع هذا الأصل في الاستصحاب.
وهذه القاعدة خاصة بالعادات من الأقوال والأفعال، أما القاعدة السابقة
стр. 801
"الأصل في الأشياء الإباحة"
فهي عامة وتشمل الأقوال والأفعال والأعيان والمنافع
والمضار وغيرها.
ودليل ذلك ما رواه سلمان الفارسي ﵁ قال: سئل رسول الله عن
السمن والجبن والفراء، فقال:
" الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه.
وما سكت عنه فهو عفو".
التطبيقات
١ - قصد الشارع في لباس النساء فرقه عن الرجال، وستر المرأة.
وما وراء ذلك من عادات لباس النساء فالأصل فيه عدم التحريم.
وإن اختلف عما كان في عهد النبى ﷺ أو اختلف من بلد إلى آخر..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٧٨) .
٢ - عادات بعض البلدان في طريقة الأكل والشرب والليس - إذا خلت من
المحرمات، وتوفرت الشروط الشرعية المعتبرة في مثلها - فهى على أصل الإباحة، فكل إنسان يطعم ما يجده في أرضه، ويلبس ما يجده في بلده، ويركب ما يجده مما أباحه الله..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٧٩) .
٣ - الأصل في العقود هو الحل؛ لأن العقود من العادات التي يفعلها المسلم
والكافر، فلا يحرم العقد ما لم يرد عن الشارع نص بتحريمه، أو يقاس قياساً صحيحاً على ما حرم..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٨٥) .
٤ - الأصل في الشروط هو الحل ما لم ينافِ مقصود العقد بحل الحرام أو تحريم الحلال الثابتين بنص أو إجماع، لأن العقود والشروط من باب الأفعال العادية،
стр. 802
والأصل في الشروط الصحة واللزوم، إلا ما دل الدليل على خلافه.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٨٥) .
٥ - ألفاظ العقود، وهي كل ما اعتاده الناس من المصطلحات في البيع والشراء والاستئجار وغيرها من أنواع المعاملات يصح العقد بها، ولا يشترط فيها لفظ معين، لأن هذا من العادات، والأصل في العادات عدم التحريم، وكل لفظ دل على قصد المتكلم في المعاملات وغيرها فهو معتبر، وتصح العقود بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عدّه الناس بيعاً وإجارة فهو بيع وإجارة، وكذا الهبة، وتجهيز الزوجة، والركوب في السفن، وعلى الدواب، والدفع إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة، أو الدفع لطباخ أو شواء ليطبخ أو يشوي، فيصح؛ لأنها من العادات.
والأصل فيها عدم التحريم.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٨٦) .
стр. 803
القاعدة: [٢١٦]
الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة
الألفاظ الأخرى
- الأصل في العقود الإباحة.
- الأصل في الشروط الصحة واللزوم.
- الأصل جواز الشروط في العقود.
التوضح
إن الأصل في العقود والشروط التي يقوم بها الناس هو الإباحة والجواز
والصحة، وأن المستصحب فيها الحل وعدم التحريم، وتكون صحيحة يترتب عليها أثرها، ولا يحرم منها، أو يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله بالنص أو بالقياس، وهذا يوجب البحث والتقصي عن الأدلة الشرعية، فإن ثبت دليل يحرم تغيَّر هذا الاستصحاب.
وهذه القاعدة مختلف فيها على قولين.
الأول: الأصل في العقود الحظر، وهو قول الجمهور.
وهو ما صرح به ابن حزم، وتدل أصول أبي حنيفة وكثير من أصول
الشافعي، وطائفة من أصحاب مالك وأحمد على ذلك، ويتوسع بعضهم أكثر من الآخر.
والقول الثاني: الصحة، والجواز، وهو ما صرح به ابن تيمية وابن القيم.
ويجري عليه أكثر أصول أحمد المنصوصة، وللإمام مالك ما يقرب منه، وظاهر كلام الشافعي، والجصاص الحنفي، والفخر الرازي الشافعي، والشاطبي المالكي، حتى نسبه ابن القيم للجمهور، ونسبه بعضهم للحنابلة خاصة.
стр. 804
والدليل على القاعدة النصوص العامة، مثل قوله تعالى:.
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وقوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) .
وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) .
وقوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) ، وغيرها كثير، مع الأحاديث الواردة في صفات المنافق بنقض العهد.
وقوله ﷺ :
"إن أحق الشروط أن يُوفى به: ما استحللتم به الفروج ".
مع النهي عن نقض العهد، وعن الغدر والخيانة.
ويتفرع قاعدة أخرى، وهي: "الأصل حمل العقود على الصحة ".
وذلك عند اختلاف الطرفين في توفر الأركان والشروط أم لا.
التطبيقات
إن تطبيقات هذه القاعدة تنحصر في غير العقود والشروط التي ورد فيها نص في الكتاب والسنة، كالعقود الجديدة والشروط الجديدة، والمستجدات مع تطور الأحداث، وحاجة الناس إليها، فن ذلك:
١ - - يجوز بيع الثمار ذي الأجناس المختلفة إذا بدا صلاح بعضها لحاجة الناس إلى ذلك، ولعدم الدليل المحرم، والنهي عن بيع الثمر قبل بدوّ صلاحه ليس عاماً عموماً لفظياً في كل ثمرة في الأرض، ولكنه عام لكل ما عهده المخاطبون وما في معناه، وما عداه فيبقى على الحل..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٦٦) .
٢ - تجوز المزارعة، وهي استئجار الأرض بمقدار شائع مما يخرج منها كالشطر
стр. 805
والثلث ونحو ذلك؛ لأن الأصل في العقود الحل، ولير هناك ما يدل على التحريم.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٦٦) .
٣ - إذا تصرف رجل في حق غيره بغير إذنه، أو عقد عقداً تتوقف صحته على وجود شرط، وهذا الشرط لا يوجد إلا في المستقبل، كأنه يشتري شيئاً لم يره، على أنه بالخيار إذا رآه، فيقع العقد صحيحاً وموقوفاً على إجازة من له الحق، وعلى تحقيق هذا الشرط، فإن أجازه، أو توفر الشرط، صح العقد، وإلا لم يصح، وهو وقف العقود على الإجازة، وهو متفق على جوازه مع الاختلات في حالاته.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٦٦) .
٤ - يجوز لكل من أخرج عيناً من ملكه بمعاوضة كالبيع، والخلع، أو تبرع
كالوقف، أن يستئني بعض منافعها، فإن كان مما لا يصلح فيه الغرر كالبيع فلا بدَّ من أن يكون المستثنى معلوماً، وإن لم يكن كذلك كالوقف فله أن يستثني غلة الوقف ما عاش الواقف..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٠) .
٥ - الاستفادة من القاعدة عند استحداث معاملة لم تكن معروفة من قبل، وفي المعاملات الحديثة التي أوجدها غير المسلمين، فيقبل منها ما ليس فيه مصادمة للشرع نصاً أو قياساً، وقد يعدل بعضها، ويرفض بعضها عند المخالفة..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٢) .
стр. 806
القاعدة: [٢١٧]
الأصل في العقود رضا المتعاقدَين.
وموجبها ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد
الألفاظ الأخرى
- العقود تتبع رضا المتعاقدين.
- لا بد في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشارع.
- الأصل في العقود المالية بناؤها على التراضي.
التوضيح
إن المعتبر في حل العقد وجوازه، وفي نفوذه ولزومه، وفي انعقاده وشروطه، هو الرضا من الطرفين، لأن الشارع ربط حل المعاملة برضا المتعاقدين، ورغبتهما في إنشاء العقد، والالتزام بموجبه ومقتضاه، أي بآثاره والتزاماته ووصفه، وكل ذلك يتحدد بحسب ما تراضى عليه الطرفان، لأن لهما الحرية في تحديد ما يجب لكل منهما بحسب الشروط، وصدور الرضا منهما بذلك.
وتتحدد آثار العقود أحياناً بالشرع فيما رتبه على العقد من آثار، وألزم بها
المتعاقدين، ولا يجوز لهما الإخلال بها، كالإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان في عقد النكاح، ومثل سلامة المبيع والقدرة على تسليمه في عقد البيع، وأحياناً بألفاظ المتعاقدين بما يشترطانه في العقد، ويلتزمان به، فيلزمهما بناء على تراضيهما عليه.
وأحياناً بالعرف وقرائن الأحوال المصاحبة للعقد، وكل ذلك بشرط ألا يكون
стр. 807
التراضي والعرف على حل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو إسقاط ما أوجبه الله، وألا يكون مناقضاً ومخالفاً لمقصود العقد، وألا يوجد سبب قوي يقتضي إهدار رضا المتعاقدين.
والدليل على هذه القاعدة قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤) .
وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) .
وقوله ﷺ :
"لا مجل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه ".
وأجمع العلماء على اشتراط الرضا.
التطبيقات
١ - يجوز ضرط الخيار في كل العقود، ويعقد على وجه الجواز دون اللزوم؛ لأن موجَب العقد ومقتضاه ما تراضى به المتعاقدان، وهما قد رضيا بذلك.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٨) .
٢ - تجوز المعاوضة بلا تقدير عوض، وتكون صحيحة، ثم إن تراضيا بعوض
معلوم معين نفذت، وإلا تُردُّ السلعة، فإن فاتت العين وجبت قيمتها، كشراء سيارة دون تحديد ثمنها حال الشراء..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٨) .
٣ - إذا لم يتحقق للعاقد شرطه الذي شرطه في العقد، أو لم يحصل له كما رضي به، فله فسخه، لأن الأصل في العقود الرضا، وهو لم يرض إلا بتحقق شرطه الذي وقع عليه التعاقد، فإذا فقد فقد الرضا..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٨) .
٤ - لا يلزم في العقد أن يكون القبض عقبه مباشرة (إلا في الأموال الربوية) بل يجوز أن يكون متأخراً عنه، ويجوز أن يكون عقبه، كالبيع وقبض المبيع، فيجوز استثناء بعض منفعة المبيع مدة معينة، وإن تأخر بها القبض على الصحيح، ويجوز بيع
стр. 808
العين المؤجرة، ويجوز بيع الشجر واستثناء ثمره للبائع، وإن تأخر معه كمال القبض، ويجوز عقد الإجارة لمدة لا تلي العقد، لأن القبض هو موجَب العقد، فيجب في ذلك ما أوجبه المتعاقدان بحسب قصدهما الذي يظهر بلفظهما وعرفهما.
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٩) .
٥ - إذا كره البيعان على العقد فهو باطل، ولا يكون العقد لازماً؛ لأن الأصل في العقود رضا المتعاقدين، والمكره ليس براض..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٧٩) .
стр. 809
القاعدة: [٢١٨]
الأصل في العقود جميعها العدل
الألفاظ الأخرى
- المعاملة مبناها على العدل.
- المعاوضة مبناها على المعادلة والمساواة بين الجانبين.
- الأصل في المعاوضات والمقابلات هو التعادل بين الجانبين.
- المبايعة والمشاركة مبناها على العدل بين الجانبين.
- المشاركة والمعاملة تقتضي العدل من الجانبين.
التوضيح
إن الله بعث الرسل وأنزل الكتب لإقامة العدل، فهو جماع الذين والحق والخير كله، وحرم الظلم قليله وكثيره، وحذر منه، لذلك قصد الشارع تحقيق العدل بين المتعاقدين في التعاقد، وفي التعامل بين أطراف المجتمع كله، فلا يبغي أحد على أحد ولا يظلمه، ولا يجعله على خطر في معاملته من حيث تحقق مقصوده وعدمه، ولذلك يجب مراعاة العدل في كل عقد، ويحكم على ما كان متضمناً للظلم بالتحريم، وما خلا عنه فهو حلال، فإن حصل في بعض العقود، هل هي من العدل أم لا؟
فيجب الرجوع إلى هذا الأصل.
والدليل على هذه القاعدة ما ورد من آيات كثيرة تأمر بالعدل، وتحث عليه، وتنهى عن الظلم، وتحرمه، وترهب منه، وكذلك الأحاديث الشريفة، مع قول جرير
стр. 810
رضي الله عنه: "بايعت النبى ﷺ على النصح لكل مسلم ".
والنصح يقتضي العدل.
وقوله ﷺ :
"من غشَّ فليس منا ".
لأن الغش ظلم وينافي العدل.
وقوله ﷺ :
"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ".
فالصدق والبيان عدل، والكتمان للعيب والكذب ظلم.
وكتب رسول الله ﷺ :
"اهذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله.
اشترى منه عبداً أو أمة، بيع المسلم للمسلم، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة" فبيان العيب عدل، وكتمانه ظلم، ولأن الشريعة مبناها على جلب المصالح وتكميلها.
ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا يحقق العدل.
التطبيقات
١ - إذا ساقاه أو زارعه على أن نتاج جزء معين من الأرض له لم يجز؛ لأن المشاركة تقتضي العدل من الجانبين، فيشتركان في المغنم والمغرم، فإذا اشترط أحدهما زرعاً معيناً احتمل أن ينتج هذا، ولا ينتج هذا، أو العكس، فيحصل لأحدهما ربح دون الآخر، فيكون ظلماً..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٨٦) .
٢ - لو اشترط في المضاربة مالاً معيناً لأحدهما، لم يجز، لأن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، كالسابق، بخلاف ما إذا كان لكل منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم وفي المغرم، فإن حصل ربح اشتركا في المغنم، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ١٨٦) .
следующие страницы →