Полный текст (1 114 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
النيابة، والنية شرط في صحته، لأن صورته وحدها غير كافية في تحصيل مصلحته، بل حتى ينضم إليها الخضوع لله تعالى والذلّة والاستكانة.
(الغرياني، ص ٤٤٩) .
٣ - ما كان فيه شبه بكل من القسمين السابقين، كالزكاة والكفارات والطهارة، تجوز فيه النيابة، واختلف في اشتراط النية في صحته، والصحيح اشتراطها؛ لأن جانب التعبد فيه أظهر.
(الغرياني، ص ٤٤٩) .
٤ - ترك المنكرات كترك الغيبة والنميمة والكف عن أذى الناس، وترك المعاصى بأنواعها، لا تحتاج من المكلف إلى نية، فلو تركها دون أن يشعر لكان ممتثلاً خارجاً من عهدتها، ولكن إذا نوى بتركها التقرب إلى الله تعالى كان مأجوراً.
(الغرياني، ص ٤٥٠) .
المستثنى
١ - الحج عبادة تفتقر إلى النية، وجازت فيه النيابة للعاجز على خلاف القاعدة، رخصة ورفقاً بالعباد، لورود حديث الخثعمية بالحج عن أبيها.
(الغرياني، ص ٤٥٠) .
٢ - تشرع النية في غير المأمور به على خلاف العادة، كالمباحات، إذا قصد به التقوي على أمر مطلوب، كمن يقصد بالنوم التقوي على قيام الليل، وبالأكل التقوي للطاعة، وتشرع له النية، ويثاب عليه.
(الغرياني، ص ٤٥١) .
فرع:٢ ضوابط ما يحتاج إلى نية عند الحنابلة
تدخل النية في العبادات جميعها، ومنها: الوضوء والتيمم والغسل، والصلاة: فرضها ونفلها، عينها وكفايتها، والزكاة، والصيام، والاعتكاف، والحج؛ فرضه ونفله، والأضحية والهدي والنذور، والكفارات والجهاد والعتق والتدبير والكتابة.
بمعنى أن حصول الثواب في هذه المسائل الأربعة الأخيرة يتوقف على قصد التقرب
стр. 72
إلى الله تعالى، وشري هذا إلى سائر المباحات، إذا قصد بها التقوّي على طاعة الله ، أو التوصل إليها، كالأكل والنوم، واكتساب المال، والنكاح، والوطء فيه، وفي الأمة إذا قُصد به الإعفاف، أو تحصيل الولد الصالح، أو تكثير الأمة، أما التروك فلا تحتاج إلى نية
стр. 73
فوائد
الفائدة الأولى: التشريك في النية أقسام
القسم الأول: أن ينوي مع العبادة ما ليس بعبادة، فقد يبطلها، كما إذا ذبح الأضحية لله وللصنم، فانضمام الصنم يوجب حرمة الذبيحة، وقد لا يبطلها.
وفيها صور:
١ - لو نوى الوضوء أو الغسل مع التبرد، صح الوضوء والغسل.
٢ - لو نوى الصوم والحمية أو التداوي، صح صومه.
٣ - لو نوى الصلاة ودفع غريمه صحت صلاته.
٤ - لو نوى الطواف وملازمة غريمه، أو السعي خلفه، صح طوافه إذا أفرده بنية، ولا ينسحب حكم النية في أصل النسك عليه، لوجود الصارف، وهو قصد ملازمة الغريم.
٥ - إذا قرأ في الصلاة آية، وقصد بها القراءة والتفهيم، فإنها لا تبطل.
٦ - من قال له إنسان: صَل الظهر، ولك دينار، فصلى بهذه النية، فإنه تجزئه صلاته، ولا يستحق الدينار، ولم يَحْكِ النووي فيها خلافاً.
وما صححوه من الصحة في هذه الصور هو بالنسبة إلى الإجزاء، وأما الثواب
فصرح ابن الصباغ بعدم حصوله في مسألة التبرد، ومسألة الصلاة والطواف أولى بذلك.
القسم الثاني: أن ينوي مع العبادة المفروضة عبادة أخرى مندوبة، وفيه صور:
стр. 74
١ - ما لا يقتضي البطلان، ويحصلان معاً، كمن أحرم بصلاة ونوى بها الفرض والتحية، صحت، وحصلا معاً، قال النووي في (شرح المهذب) : "اتفق عليه أصحابنا، ولم أر فيه خلافاً بعد البحث الشديد سنين ".
قال الشمس الرملي: "السنن التي تندرج (تدخل) مع غيرها: تحية السجد.
وركعتا الوضوء والطواف، والإحرام، وسنة الغفلة، والاستخارة، وصلاة الحاجة، وركعتا القدوم من السفر، وركعتا الخروج له ".
ومنه: نوى بغسله الجنابة والجمعة حصلا جميعاً على الصحيح، ومن نوى بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الحاضرين، حصلا، ومن نوى حج الفرض وقرنه بعمرة تطوع أو عكسه حصلا، ومن نوى بصلاته الفرض وتعليم الناس جاز للحديث.
٢ - ما يحصل الفرض فقط، كمن نوى بحجه الفرض والتطوع، وقع فرضاً، لأنه لو نوى التطوع انصرف إلى الفرض، عند الشافعية.
٣ - ما يحصل النفل فقط، كمن أخرج خمسة دراهم، ونوى بها الزكاة وصدقة التطوع، لم تقع زكاة، ووقعت صدقة تطوع بلا خلاف، ومن عجز عن القراءة فأنتقل إلى الذكر، فأتى بالتعوذ ودعاء الاستفتاح قاصداً به السنة والبدلية، لم يحسب عنه الفرض، كما جزم به الرافعي، ومن خطب بقصد الجمعة والكسوف لم يصح للجمعة، لأنه تشريك بين فرض ونفل، - جم به الرافعي.
٤ - ما يقتضي البطلان في الكل، كمن كبر، وهو مسبوق والإمام راكع، تكبيرة واحدة، ونوى بها التحرم والهوي إلى الركوع، لم تنعقد الصلاة أصلاً للتشريك، ومن نوى بصلاته الفرض والراتبة، لم تنعقد أصلاً.
القسم الثالث: أن ينوي مع المفروضة فرضاً آخر، قال ابن السبكي:
"لا يجزئ ذلك إلا في الحج والعمرة" وقال السيوطي: "بل لهما نظير آخر، وهو أن ينوي الغسل والوضوء معاً، فإنهما يحصلان على الأصح ".
القسم الرابع: أن ينوي مع النفل نفلاً آخر، فيحصلان من ذلك، كما لو نوي
стр. 75
الغسل للجمعة والعيد، فإنهما يحصلان، ومنه ما لو نوى صوم يوم عرفة والاثنين مثلاً، فيصح، لأنهما سنتان.
القسم الخامس: أن ينوي مع غير العبادة شيئاً آخر غيرها، وهما مختلفان في
الحكم، ومن فروعه: أن يقول لزوجته: أنت عليَّ حرام، وينوي الطلاق والظهار، فالأصح أنه يخير بينهما، هما اختاره ثبت، وقيل: يثبت الطلاق لقوته، وقيل: الظهار، لأن الأصل بقاء النكاح.
الفائدة الثانية، محل النية
محل النية القلب في كل موضع، وفي ذلك أصلان:
الأول: لا يكفي التلفظ باللسان دون القلب، ويتفرع عليه أنه لو اختلف اللسان والقلب، فالعبرة بما في القلب، فلو نوى بقلبه الظهر، وبلسانه العصر، أو بقلبه الحج، وبلسانه العمرة، أو عكسه، صح له ما في القلب، ومنها أنه إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين بلا قصد، فلا تنعقد، ولا تتعلق به كفارة.
الثاني: لا يشترط مع القلب التلفظ، ومن فروعه: مسائل العبادات كلها، ومنها إذا أحيا أرضاً بنية جَعْلها مسجداً، فإنها تصير مسجداً بمجرد النية، ومنها: لو حلف لا يسلم على زيد، فسلم على قوم هو فيهم، واستثناه بالنية، فإنه لا يحنث.
وخرج على هذا الأصل صور، يشترط فيها التلفظ بالمنوي، منها: الطلاق، فلو نوى أصل الطلاق، أو عدداً منه، ولم يتلفظ بذلك فلا وقوع، ومنها: النذر، فلو نواه بقلبه ولم يتلفظ به لم ينعقد، ومنها: أن يشتري شاة بنية الأضحية أو الإهداء للحرم، فلا تصير أضحية ولا هدياً على الصحيح حتى يتلفظ بذلك، ومنها: إذا باع سلعة بألف، وفي البلد نقود لا غالب فيها، فقبل ونويا نوعاً لم يصح في الأصح حتى
стр. 76
يبيناه لفظاً، ومنها: لو قال: أنت طالق، ثم قال: "أردت إن شاء الله " لم يقبل حتى يتلفظ بذلك، قال الرافعي: والمشهور أنه لا يُديَّن، ومنها: من همَّ بقول معصية، ولم يتلفظ به، لم يأثم ما لم يقل، فإن قال بعد الهمِّ أثم بها أيضاً.
الفائدة الثالثة: زمن النية
أي وقتها، فهو أول العبادات ونحوها، ففي الوضوء عند غسل الوجه، وفي
الصلاة بالهمزة من التحرم، ويستمر إلى تمام التحرم، والمختار أنه تكفي المقارنة العرفية بأن يُوجد النية كلها، أو بعضها في أول التكبير، أو آخره، بحيث يعد مستحضراً للصلاة، قال السبكي: ومن لم يقل به وقع في الوسواس المذموم.
وخرج عن ذلك صور لا تجب فيها مقارنة النية لأول العبادة، أي فتصح النية قبل الشروع في العبادة.
١ - الصوم: يجوز تقديم نيته على الفجر لعسر مراقبته، ثم سرى ذلك إلى أن وجب، فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح.
قال الزركشي: "ليس لنا ما يمتنع مقارنته، ويجب تقديمه إلا الصوم، والصحيح أنه عَزْم قام مقام النية ".
٢ - الزكاة: تصح نيتها قبل الشروع في الدفع للفقراء في الأصح للعسر قياساً على الصوم، وكذلك الكفارة، والفرق بينهما وبين الصلاة حيث لا تجزئ إلا في أولها.
أنه يجوز تقديمها عن وقت وجوبها، فجاز تقديم نيتهما بخلاف الصلاة.
٣ - جمع الصلاتين في السفر؛ حيث تكون نية الجمع في أولاهما، ولو كانت في
стр. 77
أول العبادة لكانت في أول الصلاة الثانية، لأنها المجموعة، وإن جعلت الأولى أول العبادة فهو مما جاز فيه التأخير عن أولها، لأن الأظهر جواز نية الجمع في أثنائها، ومع التحلل منها.
٤ - الأضحية: يجوز نية التضحية بالشاة مثلاً قبل الشروع في ذبحها، ولا يجب اقترانها به في الأصح، وتجوز عند الدفع إلى الوكيل في الأصح.
وفي زمن "طية تنبيهان
التنبيه الأول: ما أوله من العبادات ذِكْرٌ وجب اقترانها بكل اللفظ، وقيل: يكفي بأوله:
١ - فمن ذلك الصلاة، ومعنى اقترانها بكل التكبير أن يوجد جميع النية المعتبرة عند كل حرف منه، ومعنى الاكتفاء باوله أنه لا يجب استصحابها إلى آخره.
ونظير ذلك نية كناية الطلاق فإنه يشترط مقارنة النية لجميع اللفظ على خلاف فيه.
٢ - من ذلك الإحرام: فينبغي أن يقال بمقارنة النية للتلبية، وهو ظاهر.
٣ - ومن ذلك الخُطْبة إن أوجبنا نيتها، والظاهر وجوب اقترانها بقوله: "الحمد لله " لأنه أول الأركان "
التنبيه الثاني: قد يكون للعبادة أول حقيقي وأول نسبي، فيجب اقتران النية بهما.
١ - من ذلك التيمم، فيجب اقتران نيته بالنقل، لأنه أول المفعول من أركانه، وبمسح الوجه، لأنه أول الأركان المقصودة، والنقل وسيلة إليه.
٢ - ومن ذلك: الوضوء والغسل، فيجب للصحة اقتران نيتهما بأول مغسول من
стр. 78
الوجه والبدن، ويجب للثواب اقترانها بأول السنن السابقة ليثاب عليها، فلو لم يفعل لم يثب عليها في الأصح، لأنه لم ينوها.
٣ - وفي نظيره من نفل الصوم، لو نوى في أثناء النهار حصل له ثواب الصوم من أوله.
وقرر المقري المالكي قاعدتين عند المالكية في ذلك، وهما:
الأولى: شرط النية اقتران ذكرها بأول المنوي، فلا يضر ما لا يقطع ذلك من
تقدمها عليه، وهو المعبر عنه بالتقدم اليسير؛ لأن فائدتها تخصيصه بالجهة المرادة.
الثانية: الأصل مقارنة النية للفعل إلا أن يتعذر أو يتعسر، كما في الصوم فتتقدم، ولا تتأخر.
وأضاف المقري قاعدتين أيضاً تتعلقان بالنية:
الأولى: الأصل استصحاب ذكر النية، نتكون مصاحبة للفعل كالصلاة من أولها إلى آخرها، والوضوء من أوله إلى آخره.
الثانية: تعين الوقت لا يفني عن تعين وصف النية، فلا بدَّ في رمضان من نية
الفرض عند مالك والشافعي.
стр. 79
الفائدة الرابعة، كيفية النية
تختلف النية باختلاف الأبواب:
١ - نية الوضوء: فإنها "قصد رفع الحرمة الناشئة من الحدث، وفي اشتراط مقصد الفعل (وهو الفعل الخصوص ويعني: قصد غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين) خلاف بين الأصحاب، رجح الشيخ ابن حجر في (حاشيته على فتح الجواد) الاشتراط، وهو مشكل، وفي بعض كتب الأئمة من أصحابنا عدم اشتراط قصد الفعل في الطهارة، فالمنقول خلاف ما بحثه.
٢ - نية الصلاة، فإنها: "قصد أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة ".
٣ - نية الحج، فإنها: "قصد الدخول في شيء معنوي يقتضي قصد الدخول فيه تحريم أشياء كانت حلالاً قبل "، وهناك تعريفات أخرى مدخولة.
٤ - نية الصيام، فإنها "قصد إمساك مخصوص ".
٥ - نية الزكاة، فمانها "قصد إخراج شيء مخصوص عن مال مخصوص على وجه مخصوص ".
٦ - الظاهر من مذهب مالك أن الموَسْوس في الوضوء أو الصلاة يلغي الشك، ويرجع إلى الأصل.
الفائدة الخامسة، شروط النية، أربعة:
الشرط الأول - الإسلام، ومن ثم لا تصح العبادات من الكافر، أصلياً كان أو مرتداً على الراجح، حتى في غسله على الراجح أيضاً، وخرج عن ذلك صور:
стр. 80
١ - الذمية تحت المسلم: يصح غسلها من الحيض ليحل لحليلها وطؤها بلا
خلاف للضرورة، ويشترط نيتها، فإن امتنعت أجبرها عليه واستباحها، وإن لم تنو للضرورة، كما تجبر المسلمة المجنونة.
٢ - الكفارة: تصح من الكافر، ويشترط منه نيتها، لأن المغلب فيها جانب
الغرامات، والنية فيها للتمييز، لا للقربة.
٣ - الزكاة: إذا أخرجها المرتد حال ردته، فتصح وتجزئه.
٤ - إذا نوى سفر القصر، وهو كافر، اعتبرت نيته، فإذا أسلم في أثناء المسافة قصر على الأرجح.
٥ - إذا أسلم الكافر مع طلوع الفجر، ووافق آخر إسلامه الطلوع، فهو مسلم حقيقة، ويصح منه صوم النفل، وأما الفرض فلا يصح منه والحالة هذه، لأن التبييت شرط.
الشرط الثاني - التمييز: فلا تصح عبادة صبي لا يميز، ولا عبادة مجنون.
الشرط الثالث - العلم بالمنوي مطابقاً للواقع، فلو اعتقد أن الوضوء أو الصلاة سنة لم يصح، ولو اعتقد أن فيهما فروضأ وسنناً، ولم يميز، صح حتى من العالم.
ولو أتى بالأفعال، ولم يعتقد شيئاً، وكان يخفى عليه مثل ذلك، فالقياس الصحة.
وإن كان قولهم: لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعلم حكم الله فيه، يقتضي خلافه.
الشرط الرابع - عدم المنافي: بألا يأتي بما ينافيها دواماً وابتداء، أي في أثناء
العبادة وفي أولها، فلو ارتد في أثناء الصلاة، أو عند تحرمها لم تصح، وكذا لو ارتد في أثناء الصوم أم الحج أو التيمم بطل أيضاً، أو في أثناء الوضوء أو الغسل لم يبطلا، لأن أفعالهما غير مرتبطة ببعضها، ولكن لا يحسب المغسول في زمن الردة.
ويحتاج إلى استئناف النية، ولو ارتد بعد الفراغ فالأصح أنه لا يبطل الوضوء
والغسل، ويبطل التيمم لضعفه، ولو وقعت الردة بعد فراغ الصلاة أو الصوم أو الحج أو أداء الزكاة لم تجب عليه الإعادة، وأما الأجر فإن لم يعد إلى الإسلام فلا يحصل له؛ لأن الردة تحبط العمل، وإن عاد إلى الإسلام فظاهر النص أنها تحبط
стр. 81
أيضاً، والذي في كلام الرافعي وغيره أنها إنما تحبط العمل إذا اتصلت بالموت، لقوله تعالى: (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) .
وهذا هو المعتمد.
ومن المنافي نية القطع، وفي ذلك فروع، وهي قسمان:
القسم الأول: يؤثر فيه نية القطع، وهي:
١ - نوى قطع الإيمان، والعياذ بالله تعالى من ذلك، صار مرتداً في الحال.
٢ - نوى قطع الصلاة في أثنائها، بطلت بلا خلاف، لأنها شبيهة بالإيمان.
٣ - نوى قطع الجماعة، بطلت، وفي الصلاة قولان، أصحهما لا تبطل.
٤ - نوى قطع الفاتحة، فإن كان مع سكوت يسير بطلت القراءة في الأصح، وإلا فلا.
٥ - نوى الإقامة وقطع السفر، فإن كان سائراً لم يؤثر، لأن السير يكذبها، وإن كان نازلاً انقطع.
٦ - نوى الإتمام في أثناء الصلاة امتنع عليه القصر.
٧ - نوى بمال التجارة القنية انقطع حول التجارة، ولو نوى بمال القنية التجارة لم يؤثر في الأصح حتى يبدأ بالتجارة فعلاً.
٨ - نوى بالحلي المحرم استعمالاً مباحاً بطل الحول، ونوى بالحلي المباح محرماً أو كنراً ابتدأ حول الزكاة.
القسم الثاني: المنافي الذي لا يؤثر فيه نية القطع، وفيه صور:
١ - نوى قطع الطهارة في أثنائها لم يبطل ما مضى، لكن يجب تجديد النية لما بقي.
٢ - نوى قطع الصوم والاعتكاف لم يبطلا في الأصح، والفرق بينهما وبين
الصلاة أن الصلاة أشد احتياطاً من غيرها، وهي مخصوصة من بين سائر العبادات بجوه من الربط ومناجاة العبد ربه.
стр. 82
قال الشارح: " وكان القياس أن التيمم يبطل بنية القطع، ولم أر فيه نقلاً".
٣ - نوى الأكل والجماع في الصوم لم يضر.
٤ - نوى فِعل منافٍ في الصلاة كالأكل والعمل الكثير، لم تبطل قبل الشروع فيه.
٥ - نوى قطع الحج والعمرة، لم يبطلا بلا خوف، لأنه لا يخرج منها بالفساد.
٦ - نوى الخيانة في الوديعة لم يضمن على الصحيح، إلا أن يتصل به نقل من
الحرز، كما في قطع القراءة مع السكوت.
ومن المنافي عدم القدرة على المنوي إما عقلاً وإما شرعاً، فمن الأول: نوى
بوضوئه أن يصلي صلاة، وألا يصليها، لم يصح لتناقضه.
ومن الثاني: نوى به الصلاة في مكان نجس لم يصح الوضوء لعدم قدرته شرعاً، وإن قال بعضهم: الظاهر الصحة.
ومن المنافي التردد وعدم الجزم، وفيه فروع:
١ - تردد هل يقطع الصلاة أم لا؟
أو علق إبطالها على شيء، بطلت، وكذا في الإيمان.
٢ - تردد في أنه نوى القصر أو لا، وهل يتُم أو لا؟
لم يقصر.
٣ - تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فاحتاط وتطهر، ثم بأن أنه محدث، لم يصح، وعليه الإعادة في الأصح.
٤ - نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدٍ عن رمضان إن كان منه، فكان منه، لم يقع عنه، بخلاف ما لو وقع ذلك ليلة الثلاثين من رمضان لاستصحاب الأصل.
٥ - عليه فائتة فشك: هل قضاها أو لا؟
فقضاها ثم تيقنها، لم تجزئه.
٦ - هَجَم، فتوضأ بأحد الإناءين، لم يصح وضوءُه، وإن بأن أنه توضأ بالطاهر.
٧ - شك في جواز المسح على الخف، فمسح، ثم بأن جوازه، وجب إعادة المسح، وقضى ما صلى به.
стр. 83
٨ - تيمم أو صلى أو صام شاكاً في دخول الوقت، فبان في الوقت، لم تصح.
٩ - تيمم بلا طلب للماء، ثم بانَ أن لا ماء، لم يصح.
١٠ - صلى إلى جهة شاكاً أنها القبلة، فإذا هي هي، لم تصح.
١١ - قصر شاكاً في جواز القصر، لم يصح، وإن بأن جوازه.
١٢ - صلى على ميت شاكاً أنه من أهل الصلاة عليه، فبان أنه من أهلها، لم تصح.
١٣ - صلى خلف خنثى، فبان رجلاً، لم يسقط القضاء في الأظهر.
١٤ - قال: هذه زكاة أو صدقة، لم تقع زكاة للتردد.
١٥ - قال: أصوم غداً إن شاء زيد، لم يصح وإن شاء زيد، أو قال: أصوم غداً إن نشطت، لم يصح.
وخرج عن ذلك صور يصح فيها النية مع التردد أو التعليق.
فمن صور التردد:
١ - اشتبه عليه ماء وماء ورد لا يجتهد، بل يتوضأ بكل مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة.
٢ - من عليه صلاة من الخمس، فنسيها، فصلى الخمس، ثم تذكرها، لا تجب الإعادة.
٣ - من عليه صوم واجب، لا يدري هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة، فنوى صوماً واجباً، أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس، ويعذر في عدم جزم النية للضرورة.
ومن صور التعليق:
١ - إذا علق إحرامه على إحرام صاحبه، كان يقول: إن كان زيد محرماً فقد أحرمت، فإن تبين إحرام صاحبه انعقد إحرامه، وإلا فلا.
٢ - لو أحرم ليلة الثلاثين من رمضان، وهو شاك، فقال: إن كان من رمضان
стр. 84
فإحرامي بعمرة، أو من شوال فإحرامي بحج، فكان من شوال، صح، كما نقله، في (شرح المهذب) .
٣ - شك في قصر إمامه، فقال: إن قصر قصرت، وإلا أتممت، فبان قاصراً قصر.
٤ - اختلط موتى مسلمون بكفار، أو شهداء، وصلى على كل واحد منهم بنية الصلاة عليه إن كان مسلماً أو غير شهيد، صح.
٥ - عليه فائتة، وشك في أدائها، فقال: أصلى عنها إن كانت، وإلا فنافلة، فتبين أنها عليه، أجزأه، نقله في (شرح المهذب) عن الدارمي.
٦ - نوى زكاة ماله الغائب إن كان باقياً لم يتلف، وإلا فعن الحاضر، فبان باقياً أجزأه عنه، أو تالفاً أجزأه عن الحاضر.
٧ - أحرم بصلاة الجمعة في آخر وقتها، فقال: إن كان باقياً فجمعة، وإلا فظهر، فبان بقاؤه، صحت الجمعة على ما اعتمده الشهاب الرملي وتبعه ولده الجمال الرملي رحمهما الله تعالى.
الفائدة السادسة: النية ركن أم شرط
اختلف أصحابنا الشافعية، هل النية ركن في العبادة أو شرط؟
فاختار الأكثر أنها ركن، لأنها داخل العبادة، وذلك شأن الأركان، واختار القاضي أبو الطيب وابن الصباغ أنها شرط وإلا لافتقرت إلى نية أخرى.
والشيخان الرافعي والنووي عداها في الصلاة ركناً، وقالا في الصوم: النية شرط الصوم، والمعتمد الأول، أي أنها ركن لا شرط.
نعم أجرى العلماء النية مجرى الشروط في المسألة، وهي ما لو شك بعد الصلاة في
стр. 85
تركها أو ترك الطهارة، فإنه تجب الإعادة، بخلاف ما لو شك في ترك ركن، قال في (شرح المهذب) والفرق أن الشك في الأركان يكثر لكثرتها بخلاف الشروط.
الفائدة السابعة: مقاصد اللفظ
قال العلماء: مقاصد اللفظ على نية اللافظ، والمعنى أن مقاصد اللفظ كاليمين.
(كمن حلف لا يدخل دار زيد، فإنه يحنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب، إلا أن يريد مسكنه، فيحنث بالمعار وغيره، ويحنث بما يملكه ولا يسكنه إلا أن يريد مسكنه فلا يحنث بما لا يسكنه)
والاعتكاف (كان يقول أَعتكفُ، ويطلق، ثم يخرج من المسجد، فهل يجدد النية إذا عاد أم لا؟
فإن كان خروجه بعد العزم على العود فلا يجب التجديد، وإن كان بدون العزم على العود فيجب التجديد) والنذر (كأن يقول: نذرت لله لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين يلزمه إن حنث كفارة يمين)
والحج (كأن يحرم مطلقاً في أشهر الحج، فإنه يصرفه قبل العمل
بالنية إلى ما شاء من حج وعمرة، وقِران) ونحوها من الصلاة وغيرها (كالطلاق والعتق بأن يقول لزوجته، واسها طالق، أو أمته، واسمها حرة؛ يا طالق أو يا حرة.
فإن قصد الطلاق أوالعتق حصلا، أو النداء باسمها فلا) .
فكل تلك محمولة على نية اللافظ أي أنه لا يعتبر في النية إلا نية صاحبها المتلفظ بمضمونها إلا في صورة واحدة، وهي: اليمين عند من له ولاية التحليف كالقاضي والمحكَم فإنها على نية
القاضي ونحوه، دون الحالف فلا تعتبر نيته، وإلا ضاعت الحقوق، سواء كان موافقاً للقاضي في مذهبه أم لا، فإذا ادعى حنفي على شافعي شفعة الجوار، والقاضي حنفي يعتقد إثباتها، فليس للمدعى عليه أن يحلف على عدم استحقاقها عليه عملاً باعتقاده، فلو حلف أثم، اعتباراً بنية القاضي، ومحله ما إذا صدق المدعي في دعواه.
دون ما إذا كذب بأن ادعى بدين قد أبرأ منه، أو أداه، ولا بيِّنة مثلاً، فإنه في هذه الحالة تنفع التورية من المدعى عليه.
стр. 86
وهذه الفائدة نص قاعدة مستقلة، وإنَّما عرضناها ثانية للتوضيح والأمثلة
والشرح.
الفائدة الثامنة، النفل والفرض
إن النفل لا يقوم مقام الفرض، ولا يجزئ عنه، وخرج عن هذا الأصل صور
يتأدى فيها الفرض بنية النفل، وهي:
١ - أغفل المتطهر لمعة، وانغمست بنية التكرار في الثانية أو الثالثة أجزأه في
الأصح، بخلاف ما لو انغمست في التجديد.
٢ - لو تذكر في قيامه ترك سجدة، وكان جلس بنية الاستراحة، كفاه عن جلوس الركن في الأصح.
٣ - لو جلس للتشهد الأخير، وهو يظنه الأول، ثم تذكر أجزأه.
٤ - لو نوى الحج أو العمرة أو الطواف تطوعاً، وعليه الفرض، انصرف إليه بلا خلاف.
تنبيه: المنقطع عن الجماعة لعذر من أعذارها إذا كانت نيته حضورها لولا العذر، يحصل له ثوابها، قال السيوطي: "والأحاديث تدل لذلك ".
الفائدة التاسعة، الأعمال بالنيات
إن الأعمال لا يترتب عليها ثواب أو عقاب إلا على حسب نية الفاعل وقصده.
وهذا يشمل أمرين:
стр. 87
الأمر الأول - العمل تابع للنية والقصد: وبناء عليها يوزن العمل، وعلى أساسها تكون الديانة والقضاء في الفتوى والحكم، ويكون العمل عبادة أو غير عبادة.
ويكون طاعة أو معصية، ويكون حلالاً أو حراماً، ويكون صحيحاً أو فاسداً، ويكون إيماناً أو كفراً، سواء كان العمل فعلاً أو قولاً.
والأدلة على كون الفعل تابعاً للنية قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) ، فإذا قصد الرجل بالرجعة الصلاح جازت، وإن قصد بها الضرار لم تجز، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) .
فالفعل واحد وهو ارتجاع الرجل زوجته التي طلقها، ولكن يختلف الحكم فيه
بحسب النية والقصد، وقوله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) ، فصورة الصلاة والإنفاق واحدة، ولكن
الحكم يختلف بحسب النية والقصد، ومثله قوله ﷺ وقد سئل عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟
فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ".
فالقتال في كل الحالات واحد، ولكن الجزاء
يختلف باختلاف نية المقاتل وقصده.
والأدلة على كون القول تابعاً للنية والقصد كثيرة، منها حديث ركانة الذي طلق امرأته ألبتة، فأتى النبى ﷺ
فقال له: "ما أردت؟!
قال: واحدة، قال: "آلله!
قال: آلله.
قال: "هو ما أردت ".
فالحكم يختلف باختلاف نية المتلفظ بها أو قصده.
وحلف ركانة الذي تلفظ بكلمة "ألبتة" أنه قصد منها طلقة واحدة، وليس ثلاثة، فردَّ له ﷺ زوجته بناء على هذا القصد والاعتقاد، لا على العبارة التي تلفظ بها.
الأمر الثاني: الأعمال العارية عن القصد لا يتعلق بها تكليف، ولا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، ولذلك يسقط التكليف عن النائم والغافل والناسي والمجنون والمغمى عليه والجاهل والمخطئ والمكره، وأدلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى:
стр. 88
(إِلَّا مَنْ أُكْرِه وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ، ومنها قوله ﷺ : " إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
وقوله ﷺ : "رفع القلم عن ثلاثة:
عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يكبر".
فالمدار في الأقوال والأفعال على المقاصد والنيات، لا على ذات الألفاظ، لذلك فإن الأقوال والأفعال إذا عريت عن القصد لم يترتب على صاحبها العقاب، وإن الأقوال والأفعال الموجبة للثواب إذا عريت عن القصد لم يكتب لصاحبها الثواب.
الفائدة العاشرة، فائدة النية
إن النية شرعت لأجل التمييز بين ما هو عبادة وما هو عادة من الأقوال
والأفعال، والتفريق في العبادات بين ما هو واجب وما هو غير واجب، وفي
العادات بين الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والفاسد.
والحلال والحرام.
الفائدة الحادية عشرة، تعاقب النيتين
إن العمل الواحد إذا تعاقب عليه نيتان، فإن الحكم للأولى، وهو المراد من
قاعدة: "كل ما كان له أصل فلا ينتقل عن أصله بمجرد النية" فمن اشترى عَرَضاً بنية القنية، ثم نوى بهها التجارة من بعد، فلا زكاة عليه عند المالكية والشافعية، لأن إيجاب الزكاة بنية مستأنفة يعني إيجاب الزكاة بخية مجردة، وذلك غير جائز، كالذهب والفضة إذا نوى الرجل أن يجعلهما حلياً لزوجته للبس فلا يكفي مجرد النية، ومن
стр. 89
أمثلته: أن من سلَّم في الظهر من اثنتين ظاناً أنه أتم، فتنفل بعدهما بركعتين، ثم تذكر أنه لم يتم، فإنهما تجزياه عن ركعتي الفريضة على مذهب مالك.
الفائدة الثانية عشر: التخصيص والتقييد بالنية
إن النية تخصص العام وتقيّد المطلق، وأكثر ما يكون ذلك في الطلاق والعتق
واليمين، كان ينشئ طلاقاً أو يميناً بلفظ عام، ويقصد بقلبه قصره على بعض أفراده.
مثل أن يقول: نسائى طوالق، وينوي استثناء واحدة منهن، أو ينشئ شيئاً من ذلك بلفظ مطلق، ويقصد بقلبه تقييده بصفة أو شرط، مثل أن يقول لزوجته: أنت طالق، وهو ينوي أنها طالق إن خرجت من داره، فهذا مقبول ديانة عملاً بقاعدة "الأعمال بالنيات " أما من جهة القضاء والحكم فمنعه المالكية والشافعية وبعض الأحناف، والحنابلة في إحدى الروايات، وأجازه البعض الآخر من الأحناف والحنابلة في الرواية الثانية.
стр. 90
القاعدة الأساسية الثانية:
اليقين لا يزول بالشك (م/٤)
الألفاظ الأخرى
- اليقين لا يزال بالشك.
- من شك هل فعل شيئاً أو لا، فالأصل أنه لم يفعله.
- من تيقن الفعل وشك في القليل أو الكثير عمل على القليل، لأنه المتيقن.
- الثابت باليقين لا ينتقض إلا بيقين مثله.
- اليقين لا يرفع بالشك.
- ما ثبت بيقين لا يرفع إلا بيقين.
- ما ثبت بيقين فلا يزول إلا بيقين مثله.
- لا يرفع يقين بشك.
التوضيح
اليقين لغة: العلم الذي لا تردد معه، أي الاستقرار، وهذا هو المراد من
القاعدة، وليس ما يقوله علماء المعقول بأنه الاعتقاد الجازم، المطابق للواقع.
الثابت، لأن الأحكام الفقهية إنما تبنى على الظاهر، وقد يكون الأمر في نظر الشارع يقيناً لا يزول بالشك في حين أن العقل يجيز أن يكون الواقع خلافه، وذلك كالأمر الثابت بالبينة الشرعية، فإنه في نظر الشرع يقين كالثابت بالعيان، ويحكم به القاضي.
مع أن شهادة الشهود هي مجرد خبر آحاد يجيز العقل فيها السهو والكذب، ومع ذلك
стр. 91
فإن هذا الاحتمال الضعيف لا يخرج ذلك عن كونه يقيناً، لأنه لقوة ضعفه قد طرح أمام قوة مقابله، ولم يبق له اعتبار في نظر الناظر، فاليقين هو الجزم بوقوع الشيء أو عدم وقوعه.
والشك: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر، أو هو التردد في وقوع الشيء وعدم وقوعه على السواء، وبينه وبين اليقين الظن، أو الظن الغالب.
وهو ترجيح أحد الطرفين على الآخر بدليل ظاهر يبني عليه العاقل أموره، لكن لم يطرح الاحتمال الآخر، ويقابل الظنَّ الوهمُ، وهو الجانب المرجوح لدليل أقوى منه، والفقهاء يريدون بالشك مطلق التردد سواء كان الطرفان سواء أو أحدهما راجحاً، وعلماء الأصول يفرقون بين الشك والظن.
ومعنى القاعدة: أن الأمر المتيقن بثبوته لا يرتفع بمجرد طروء الشك، ولا يحكم بزواله بمجرد الشك؛ لأن الأمر اليقيني لا يعقل أن يزيله ما هو أضعف منه، ولا يعارضه إلا إذا كان مثله أو أقوى، فاليقين لا يُرفع حكمه بالشك أي بالتردد باستواء أو رجحان (أي بالظن) ، وهذا ما يؤيده العقل؛ لأن الأصل بقاء المتحقق.
ومستند هذه القاعدة قوله ﷺ :
"إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه.
أخرج منه شيء أم لا؟
فلا يخْرُجَنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، فالمتوضئ إذا شك في انتقاض وضوئه فهو على وضوئه السابق المتيقن، وتصح به صلاته حتى يتحقق ما ينقضه، ولا عبرة بذلك الشك.
وأخرج الحديث أيضاً ابن ماجة والترمذي.
وقوله على عن عبد الله بن زيد قال: شُكي إلى رسول الله ﷺ الرجل يُخيل إليه أنه
стр. 92
يجدُ الشيء في الصلاة؛ قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والنسائي وابن ماجة وأحمد.
وقوله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى أثلاثاً أو أربعاً؛ فليطرح الشك، وليَبْن على ما استيقن "
أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁.
التطبيقات
إن هذه القاعدة من أمهات القواعد التي عليها مدار الأحكام الفقهية، وتدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المخرجة عليها من عبادات ومعاملات وغيرها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر، ويتفرع عنها أو يندرج تحتها عدة قواعد فقهية، ستأتي.
وجميع الفروع الفقهية والأمثلة التطبيقية للقواعد الفرعية تدخل غالباً في هذه القاعدة الأساسية الرئيسة، ونذكر التطبيقات المباشرة لها:
١ - المفقود: وهو الذي غاب عن بلده، ولا يحرف خبره أنه حي أو ميت، تجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له، فلا يُورث، ولا تبين زوجته؛ لأن حياته حين تغيبه متيقنة، وموته قبل المدة المضروبة شرعاً، بموت جميع أقرانه، مشكوك، فيدخل تحت قاعدة "اليقين لا يزول بالشك ".
(الدعاس ص ١١، السدلان ص ١٠٦،..
(ابن تيمية، الحصين ٥٣/٢) .
٢ - من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فهو متطهر، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث.
(الدعاس ص ١١، اللحجي ص ٢٨، السدلان ص ١٠٤،
стр. 93
الفتوحي ٤/ ٤٤١،..
(ابن تيمية، الحصين ٢/ ٥٢،..
(ابن عبد الهادي ص ١٠٩)
وخالف المالكية فقالوا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث فالمشهور أنه يعيد الوضوء مع تفصيل فيه.
(الروقي ص ٢٧٤ - ٢٧٥) .
٣ - الخنثى: عدم نقض الوضوء بمس الخنثى، أو لمسه.
(اللحجي ص ٢٨) .
٤ - العقد: إذا ثبت عقد بين اثنين ووقع الشك في فسخه فالعقد قائم.
(الدعاس ص ١٢) .
٥ - الدَّيْن: إذا تحقق الدين على شخص ثم مات، وشككنا في وفائه، فالدين باق.
(الدعاس ص ١٢) .
٦ - الوديعة: إذا هلكت الوديعة عند الوديع، وشككنا في أنها هلكت بتعديه عليها أو تقصيره، أو قضاء وقدراً، فهو غير ضامن، لأن صفة الأمانة هي المتيقنة عند العقد، فلا تزول بالشك في حصول التعدي أو التقصير.
(الدعاس ص ١٢) .
٧ - النفقة: تعاشر الزوجان مدة مديدة ثم ادعت الزوجة عدم الكسوة والنفقة.
فالقول قولها؛ لأن الأصل بقاؤها في ذمته وهو يقين، وعدم أدائها.
(اللحجي
ص ٢٨) .
٨ - الماء: اشترى ماءً، ثم ادعى نجاسته ليرده، فالقول قول البائع، لأن الأصل المتيقن طهارة الماء.
(اللحجي ص ٢٨) .
٩ - الطهر: ادعت المطلقة الرجعية امتداد الطهر، وعدم انقضاء العدة، صدقت، ولها النفقة؛ لأن الأصل المتيقن بقاؤها.
(اللحجي ص ٢٨) .
١٠ - الدَّيْن: إذا كان إنسان يعلم أن زيداً مدين لعمرو بألف مثلاً، فإنه يجوز له أن يشهد على زيد بالألف، وإن خامره الشك في وفائها أو في إبراء الدائن له منها، إذ لا عبرة للشك في جانب اليقين السابق.
(الزرقا ص ٨٢) .
١١ - الملك: إذا كان الشخص يعلم أن العين الفلانية كانت ملك زيد، ثم نازعه فيها أحد، فإنه يجوز أن يشهد لزيد بأن العين ملكه، وإن كان يحتمل أنه باعها لمن ينازعه.
(الزرقا ص ٨٢) .
стр. 94
١٢ - الإبراء: لو ادعى زيد على عمرو ألفاً مثلاً، فأقام عمرو بينة على الأداء أو الإبراء، فأقام زيد أيضاً بينة على أن له عليه ألفاً، فإن بينة زيد هذه لا تقبل من غير أن يبرهن أن الألف المشهود عليها هي غير تلك الألف التي ادعى عمرو أداءها أو الإبراء عنها، لأن فراغ ذمة عمرو بعد البينة التي أقامها أصبح يقيناً، والألف التي أقام زيد عليها البينة مطلقة، فيحتمل أن تكون هي المرادة أو المبروء عنها، فلا تشغل ذمة عمرو بمجرد الشك، بعد التيقن بفراغها، ولأن الموجب والمسقط إذا اجتمعا
يعتبر المسقط متأخراً، إذ السقوط بعد الوجوب.
(الزرقا ص ٨٣) .
١٣ - الإقرار: لو أقر شخص أنه لا حق له فيما بيد فلان، ثم برهن على شيء في يد فلان أنه غصبه منه، لم يقبل حتى يشهد بغصبه بعد إقراره؛ لأن الإبراء يعمل فيما قبله لا فيما بعده، ولا يعمل فيما بعده إلا في مسألة، وهي: إذا شرط البائع في البيع البراءة من كل عيب في المبيع دخل العيب القديم والحادث بعد البيع قبل القبض عند الحنفية.
(الزرقا ص ٨٣) .
١٤ - العيب: لو اشترى أحد شيئاً، ثم ادعى أن به عيباً، وأراد رده، واختلف التجار أهل الخبرة، فقال بعضهم: هو عيب، وقال بعضهم: ليس بعيب، فليس للمشتري الردُّ؛ لأن السلامة هي الأصل المتيقن، فلا يثبت العيب بالشك، وكذا لو وجد العيب عند البائع ثم عند المشتري، لكن اشتبه فلم يُدر أنه عين الأول أو غيره، فإنه لا يُردُّ.
(الزرقا ص ٨٣) .
١٥ - الغصب: لو ردَّ الغاصب العين المغصوبة على من في عيال المالك، فإنه لا يبرأ، لأن الردّ على من في عياله ردّ من وجه دون وجه، والضمان كان واجباً بيقين، فلا يبرأ بشك.
(الزرقا ص ٨٣) .
١٦ - الرضاع: لو طلق الرجل زوجته، وكانت ذات لبن، وتزوجت بآخر بعد عدتها، فحملت منه، وأرضعت طفلاً في مدة الحمل، فإن لبنها لم يزل معتبراً من الزوج الأول، فتثبت به حرمة الرضاع بالنسبة له؛ لأنه كان متيقناً أن اللبن منه، فلا نحكم بأنه من الثاني بمجرد الشك الحاصل بسبب حبلها من الزوج الثاني، فإذا ولدت يحكم حينئذ بأن اللبن بعد الولادة من الثاني.
(الزرقا ص ٨٤) .
стр. 95
١٧ - من شك هل طلق امرأته، أو لا، فلا يقع الطلاق؛ لأن الأصل أنه لم يفعله.
(اللحجي ص ٢٩، الروقي ص ٢٧٧، القرافي ٢/ ٢٢٣، الفتوحي ٤/ ١ ٤٤) .
١٨ - - الماء: إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته، أو تيقن نجاسته، وشك في طهارته، فالتيقن لا يزول بالشك..
(ابن عبد الهادي ص ١٠٩، السدلان ص ١٠٤) .
١٩ - الوقت: إذا شك في دخول الوقت في الصلاة والصوم، أو إذا شك في خروجه، فاليقين لا يزول بالشك..
(ابن عبد الهادي ص ١٠٩) .
٢٠ - العدد: إذا شك في عدد الطواف بنى على اليقين.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك.
وإذا شك في عدد الطلاق أخذ باليقين وهو
الأقل..
(ابن عبد الهادي ص ١٠٩) .
٢١ - الطلاق: إذا تيقن الزوجية وشك في الطلاق، أو تيقن الطلاق وشك في الحِل، بنى على اليقين..
(ابن عبد الهادي ص ١١٠) .
وقال المالكية: من شك هل طلق زوجته أم لا؟
يحكم ببقاء زوجته في عصمته، ومن شك هل طلق إحدى زوجاته أم لا؟
فإنهم يحكمون ببقاء جميع زوجاته في عصمته، لكن إن تيقن أنه طلق زوجته، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة؟
فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه وشك في عينها، فنساؤه كلهن طوالق، للاحتياط الشرعي.
(الروقي ص ٢٧٧ - ٢٧٨، القرافي ٢/ ٢٣ ٢) .
٢٢ - النجاسة: إذا استيقن في ثوب نجاسة، بحيث لا يدري مكان النجاسة.
يغسل الثوب كله، لأن الشك لا يرفع المتيقن قبله ابن نجيم ص هـ ٦، السدلان ص ١٠٣) ، وكذلك إذا تيقن نجاسة الماء.
ثم شك هل زالت أم لا؟
بنى على يقين النجاسة.
(السدلان ص ١٠٤) .
٢٣ - لو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً، وهو منفرد، بنى على اليقين، إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته.
(السدلان ص ١٠٤) .
وكذلك إذا شك هل طاف ستاً أو سبعاً، أو رمى ست حصيات أو سبعاً، بنى على اليقين.
(السدلان ص ١٠٤) .
стр. 96
وكذلك إذا شك في عدد الرضعات بنى على اليقين.
(السدلان ص ١٠٥) .
وكذلك زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام، قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: " أجمعوا على أن زوجة الأسير لا تنكح حتى تعلم يقين وفاته ما دام على الإسلام ".
(السدلان ص ١٠٥ عن الإجماع ص ٦١) .
٢٤ - لو شك الصائم في غروب الشمس، لم يجز له الفطر، اعتباراً بالأصل
المتيقن، وهو بقاء النهار، ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل؛ لأن الأصل بقاء الليل.
(السدلان ص ١٠٤، ابن نجيم ص ٦٣، السيوطي ص ٥٢) .
٢٥ - لو شك في امرأة هل تزوجها، أم لا؟
لم يكن له وطؤها، استصحاباً لحكم التحريم إلى أن يتحقق تزوجه بها اتفاقاً (الفتوحي ٤/ ٤٤١) .
٢٦ - لو شك: هل طلق واحدة أو ثلاثاً؟
الأصل الحل (الفتوحي ٤/ ٤٤١) .
٢٧ - لو شك في طهارة الماء أو نجاسته، أو أنه متطهر أو محدث، أو شك في عدد الركعات أو الطواف، أو غير ذلك مما لا يحصر، فلا يلتفت إلى الشك (الفتوحي ٤/ ١ ٤٤،.
(ابن رجب ٩٧/١) .
٢٨ - إذا شك في خلق الجنين وقت موت مورّثه، بنى على اليقين، وهو العدم ابن تيمية، (الحصين ٥٣/٢) .
٢٩ - لو حلف على شيء أنه كذا، فلم يتبين له كيف هو؟
لم يحنث بمجرد الشك..
(ابن تيمية، الحصين: ٢/ ٥٣) .
٣٠ - الأصل في العقود الحل والإباحة، ما لم يرد عن الشارع نص في حرمة شيء منها، أو لم تشتمل على شيء مما حرمه الشارع، ولا يحل لأحد أن يحرم منها شيئاً بالظن، وبلا دليل من كتاب الله وسنة نبيه لمج..
(ابن تيمية، الحصين ٥٧/٢) .
٣١ - الشروط الأصل فيها الصحة والإباحة، فيجوز لكل من المتعاقدين أن
يشترطا في العقد ما يرانه محققاً لمصلحته، ما لم يكن محلاً لحرام، أو محرماً لمباح.
ويستصحب المسلم هذين الأصلين ما لم يرد عن الشارع نص بخصوصه، ولا
ينتقل عن ذلك إلا بيقين آخر..
(ابن تيمية، الحصين ٥٧/٢) .
стр. 97
٣٢ - الأصل فيما بيد المسلم أن يكون ملكاً له، فهذا أصل متيقن، فلا يزال عنه إلا بيقين مثله، ولا يجب على المشتري أن يسأل البائع عما في يده، هل هو ملك له، أو هل هو مغصوب أو مسروق، سواء كان هذا البائع برّاً أم فاجراً..
(ابن تيمية، الحصين ٥٧/٢) .
٣٣ - كل احتمال لا يستند إلى أمارة شرعية لم يلتفت إليه، كالشبهة التي تعرض للمسلم في بيعه وشرائه، والاحتمالات النادرة لا يلتفت إليها، فالأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب..
(ابن تيمية، الحصين ٥٨/٢) .
٣٤ - الأصل صحة تصرف المكلف، وأنه غير محجور عليه، ولا سفيه، فمتى صدرت منه معاملة في بيع أو شراء، ونحو ذلك من التصرفات المالية، تم ادَّعى عدم صحة تصرفه لحجر عليه أو سفه أو نحوهما مما لا دليل عليه، فالأصل صحة تصرفه ونفوذه، ولزومه، ما لم يقم دليل يفيد خلاف ذلك..
(ابن تيمية، الحصين ٥٨/٢) .
فائدة، عموم هده القاعدة
قال ابن النجار الفتوحي الحنبلي رحمه الله تعالى:
"ولا تختص هذه القاعدة بالفقه.
بل الأصل في كل حادث عدمُه حتى يتحقق، كما نقول: الأصل: انتفاء الأحكام عن المكلفين حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك، والأصل في الألفاظ أنها للحقيقة، وفي الأوامر أنها للوجوب، وفي النواهي أنها للتحريم، والأصل بقاء العموم حتى يُتحقق ورود المخصص، والأصل بقاء حكم النص حتى يرد الناسخ ".
ثم قال: " ولأجل هذه القاعدة كان الاستصحاب حجة" ثم قال: "ومما ينبني على هذه القاعدة ألا يطالبَ بالدليل، لأنه مستند إلى الاستصحاب، كما أن المدّعى عليها في باب الدعاوى لا يطالب بحجة على براءة ذمته، بل القول في الإنكار قولُه بيمينه) .
стр. 98
المستثنى
يستثنى من قاعدة "اليقين لا يزول بالشك " أمور، يزول حكم اليقين فيها بالشك.
وهي:
١ - دفع الثمن: إذا ادعى المشتري عيباً في المبيع موجباً لردّه على البائع، بعد قبضه المبيع، فإنه لا يجبر على دفع الثمن للبائع حتى تنتهي الخصومة في العيب، فدفع الثمن يقين، وزال ها هنا للحال، بمجرد الشك في أصل العيب، وقدم العيب، المحتملين الثبوت وعدمه، فقد يكون الشيء الذي يزعمه المشتري عيباً ليس بعيب بالنسبة لهذا
المبيع، فالواجب عند ادعاء العيب إثبات كونه عيباً أولاً، ثم الانتقال إلى البحث في قِدمه كما هو معلوم، فإن ثبت أصل العيب، وثبت قدمه عند البائع يفسخ القاضي البيع، فإن عجز المشتري عن الإثبات يجبر على دفع الثمن حينثذ.
(الزرقا ص ١٨٥) .
٢ - شك ماسح الخف هل انقضت المدة أم لا؟
فيحكم بانقضاء المدة بهذا الشك.
(اللحجي ص ٣٥) .
٣ - شك هل مسح في الحضر أم في السفر؛ يحكم بانقضاء المدة للحفر.
(اللحجي ص ٣٥،.
(ابن رجب ٢/ ١٢) .
٤ - شك مسافر: أوصل بلده أم لا؟
فلا يجوز له الترخيص بالقصر والجمع وغيرهما.
(اللحجي ص ٣٥) .
٥ - شك هل نوى الإقامة أم لا؟
يحكم عليه بالإقامة، ولا يجوز له الترخص.
(اللحجي ص ٣٥)
٦ - أحرم المسافر بنية القصر خلف من لا يدري أمسافر هو أم مقيم؟
لم يجز له القصر لهذا الشك.
(اللحجي ص ٣٥) .
٧ - بال حيوان في ماء كثير، ثم وجده متغيراً.
ولم يدر أتغير بالبول أم بغيره؟
فهو نجس لهذا الشك.
(اللحجي ص ٣٥) .
٨ - المستحاضة المتميزة يلزمها الغسل عند
كل صلاة شكت في انقطاع الدم قبلها.
(اللحجي ص ٣٥) .
стр. 99
٩ - تيمم ثم رأى شيئاً لا يدري أسراب هو أم ماء؟
بطل تيممه، وإن بانَ سراباً.
(اللحجي ص ٣٥) .
١٠ - رمى صيداً فجرحه، ثم غاب، فوجده ميتاً، وشك هل أصابته رمية أخرى من حجر أم غيره؟
لم مجل أكله، وكذا لو أرسل عليه كلباً.
(اللحجي ص ٣٥) .
١١ - من أصابته نحاسة في ثوبه أو بدنه، وجهل موضعها، يجب غسل كله.
(اللحجي ص ٣٥) .
١٢ - المستحاضة أو سلس البول إذا توضأ.
ثم شك هل انقطع حدثه أم لا؟
فصلى بطهارته لم تصح صلاته.
(اللحجي ص ٣٥) .
١٣ - إذا شك الناس في انقضاء وقت الجمعة فإنهم لا يصلون الجمعة، وإن كان الأصل بقاء الوقت.
(اللحجي ص ٣٥) .
١٤ - إذا توضأ وشك: هل مسح رأسه أم لا؟
فيه وجهان، الأصح صحة وضوئه، ولا يقال: الأصل عدم المسح.
(اللحجي ص ٣٥) ، وفي الوجه الثاني يعتبر الشك ولا يصح وضوءُه.
١٥ - لو سلم من صلاته، وشك: هل صلى ثلاثاً أو أربعاً؛ الأظهر أن صلاته مضت على الصحة.
(اللحجي ص ٣٥) ، وفي القول الآخر يعمل بالشك وأنه صلى ثلاثاً، ويعيد.
١٦ - الأصل أن الهرة فمها نجس، فترك لاحتمال ولوغها في ماء كثير، وهو شك.
(اللحجي ص ٣٥) .
١٧ - من رأى منياً في ثوبه، أو فراشه الذي لا ينام فيه غيره، ولم يذكر احتلاماً لزمه الغسل في الأصح، مع أن الأصل عدمه.
(اللحجي ص ٣٦) .
١٨ - من شك بعد صوم يوم من الكفارة، هل نوى؟
لم يؤثر على الصحيح، مع أن الأصل عدم النية، والشك فيها، فيقدم الشك على الأصل.
(اللحجي ص ٣٦) .
١٩ - من عليه فائتة، شك في قضائها، لم يلزمه مع أن الأصل بقاؤها.
(اللحجي ص ٣٦) .
стр. 100
٢٠ - عند المالكية: من تيقن أنه طلق زوجته، وشك هل طلقها واحدة أو اثنتين أو ثلاثة؛ فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً، وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه، وشك في عينها، فنساؤه كلهن طوالق، والحجة في ذلك هو الاحتياط الشرعي.
(الروقي ص ٢٧٨، القرافي ٢/ ٢٢٣) .
٢١ - إذا كان متطهراً وشك في الحدث بعد الطهارة فيجب الوضوء عند مالك فاعتبر الشك (القرافي ٢/ ٢٢٣) .
٢٢ - لو توضأ شاكاً في الحدث، أو صلى مع غلبة الظن بدخول الوقت ونوى الفرض، إن كان محدثاً، أو الوقت قد دخل، وإلا فالتجديد، أو النفل، يجزئه ذلك؛ لأن هذا حكمه، ولو لم ينوه، فإذا نواه لم يضره.
(ابن رجب ١٣/٢) .
٢٣ - لو كان له مال حاضر وغائب، فأدى زكاته، ونوى أنها عن الغائب إن كان سالماً، وإلا فتطوع، فبان سالماً، أجزأه.
(ابن رجب ٢/ ١٣) .
стр. 101
فوائد
١ - اليقين والظن من الأحكام
سبق بيان المراد من اليقين والظن، وأن الظن معتبر شرعاً بمنزلة اليقين في بناء
الأحكام عليه في أكثر المسائل إذا كان مستنداً إلى دليل معتبر، وذلك كما لو رأى إنسان عيناً في يد آخر يتصرف بها تصرفاً يغلب على ظن من يشاهده أنها ملكه، وكان مثله يملك مثلها، ولم يخبر الرائي عدلان بأنها ملك غيره، فإنه يجوز له أن يشهد لذي اليد بملكها.
ولكن هناك بعض المسائل لا يعتبر فيها الظن أو غلبة الظن، ولابد فيها من اليقين
فمن ذلك:
أ - عقد النكاح على أختين؛ فلو عُقد لشخص عقد نكاح على أختين بعقدين متعاقبين فالأول صحيح، والمتأخر باطل، فلو نسي الأول منهما فإنه يفرق بينه وبين الأختين ويبطل العقدان، لأنه لا يجوز ترجيح الأولية لأحدهما دون الآخر بغلبة الظن، ولا بدَّ من العلم واليقين، لأن التحري لا يجري في مسائل الفروج، ولأن الأصل في الأبضاع التحريم.
ب - طلاق إحدى نسائه: لو طلق رجل زوجة معينة من نسائه، ثم نسيها، فلا يجوز له أن يطأ واحدة منهن إلا بعد العلم بالمطلقة، ولا يكفي التحري وتغليب الظن، ولا يستطيع الحاكم أن يخلي بينه وبين نسائه حتى يتبين، لأن التحري إنما يجوز فيما يباح عند الضرورة والفروج لا تباح عند الضرورة.
стр. 102
جـ - الحبل: لم يعتبر الفقهاء ظهور علامات الحبل دليلاً جازماً على وجود
الحمل، ولم يرتبوا عليه الأحكام الجازمة، مع أنه يغلب على الظن أن المرأة حامل.
ولذلك لا تصح الوصية للحمل أو الوقف عليه إلا إذا ولد لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف، حتى يتيقن وجوده وقتها فالولادة لأقل من ستة أشهر يقين على وجوده، ويأخذ حكم هذه الولادة لو كان الأب ميتاً قبل الوصية له والوقف.
فيصحان ولو ولدت بعد مدة أطول، كما تشترط الولادة لأقل من ستة أشهر أو موت الأب لثبوت الشفعة له في البيع الذي يجري، وتشرع فيه الشفعة.
لكن الفقهاء اعتبروا ظهور علامات الحبل أمارة ترجح قول المرأة أنها ولدت إذا أنكر الزوج الولادة، ووقفوا بعلامات الحبل الميراث للحمل.
وإذا علم اليوم وجود الحمل قبل الوصية أو الوقف بأحد الوسائل العلمية الحديثة بالمشاهدة بواسطة التنظير، أو بواسطة الأشعة المخترعة حديثاً، المسماة "أشعة رونتجن " وكانت المشاهدة بطريق مشروع كالتداوي، ثم ولدته لأكثر من ستة أشهر من وقت الوصية أو الوقف أو الشفعة أو موت المورث، فالظاهر عدم اعتباره، ولا بد من الولادة لأقل من ستة أشهر، لا شكاً فيما أظهرته الأشعة، بل لأنها إذا ولدت لأكثر من ستة أشهر ولا يتيقن حينئذ بأن المولود هو الحمل الذي شوهد بالأشعة.
لجواز أن المشاهَد أسْقط، ثم حصل بعده حمل جديد،.
(الزرقا ص ٨) .
وهذا إذا كان الحمل الثاني ممكناً، فإن لم يكن الحمل الثاني ممكناً، بأن ولدت
بعد ثلاثة أشهر، أو أربعة، أو خمسة، فتعتبر أمارات الحمل السابق وعلاماته على وجود الحمل في عصرنا الحاضر.
٢ - الظن الغالب يجري مجرى اليقين
إن الأحكام الشرعية تبنى على الظاهر، وإن الوصول إلى اليقين يتعذر في كثير من الأحيان، لذلك جوَّز الشرع الاعتماد على الظن، واعتباره في الاجتهاد والعمل والتطبيق وقبول الأحكام.
ولكن الظن على درجات، وقد ترتقي درجة الظن بكثرة الأدلة والأمارات،
стр. 103
فيسمى الظن الغالب الذي يقرب من اليقين، وعرّفه المقّري فقال: "الظن الغالب:
هو الذي تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب "
وقرر الفقهاء أن الظن الغالب ينزل منزلة اليقين، وأن اليقين لا يزول بالشك بل لا بدَّ من يقين مثله أو ظن غالب، كمن سافر في سفينة مثلاً، وثبت غرقها، فيحكم بموت هذا الإنسان؛ لأن موته ظنّ غالب، والظن الغالب بمنزلة اليقين.
أما إذا كانت غلبة الظن غير مستندة إلى دليل فلا كلام في عدم اعتبارها مطلقاً، وتكون مجرد وهْم، ولا عبرة للتوهم، كما لو غلب على ظن الغاصب حل العين المغصوبة له بناء على احتمال جعل المالك إياه في حل منها، وكما لو ظفر إنسان بمال الغير فأخذه بناء على احتمال أن مالكه أباحه لمن يأخذه، فإنه يكون ضامناً، ولا تعتبر غلبة الظن هذه مهما قويت، ولذلك وجدت أحكام اللقطة، ووجب التعريف سنة، لأن ظنه السابق غير مستند إلى دليل، لأنه من مجرد الوهم، ولا عبرة بالتوهم..
(م/ ٧٤) .
٣ - اليقين السابق والشك الطارئ
الشك لا يؤثر على اليقين، ولا يزيله، سواء كان اليقين مقتضياً للحظر فلا يزول الحظر بالشك، أم كان اليقين السابق مقتضياً للإباحة، فلا يمنع بالشك، والعمدة على اليقين في كلتا الحالتين، ولا يلتفت إلى الشك فيهما.
مثال القسم الأول: لو غاب إنسان غيبة منقطعة بحيث لا يعلم موته ولا حياته، فإن المعتبر اليقين السابق، وهو حياته، إلى أن يعلم موته بالبينة، أو بموت أقرانه، كان كان احتمال موته قائماً في كل لحظة، فلا يجوز قبل ذلك قسمة ماله بين الورثة،
стр. 104
ولو كان له وديعة عند آخر فيجب على المستودع حفظها، فلو أعطاها للورثة يكون ضامناً..
(م/ ٧٨٥) .
(الزرقا ص ٨٢) .
ومثال القسم الثاني: الفروع المذكورة تطبيقات لقاعدة
"اليقين لا يزول بالشك ".
والشك الطارئ لا يؤئر على اليقين السابق، سواء طرأ على أصل محرم فيبقى
محرماً، أم شك طرأ على أصل مباح فيبقى مباحاً، أو شك لا يعرف أصله فتبقى الإباحة الأصلية.
مثال الأول: أن يجد المسلم شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل حتى يعلم أنها ذكاة مسلم، لأن أصلها حرام (بأن تؤكل حية)
وشككنا في الذكاة المبيحة، فلو كان الغالب فيها المسلمون جاز الأكل عملاً بالغالب المفيد للظهور.
ومثال الثاني: أن يجد الشخص ماءً متغيراً، واحتمل تغيره بنجاسة أو بطول
المكث، فيجوز التطهر به عملاً بأصل الطهارة، ولا يغير الشك حكمه.
ومثال الثالث: معاملة من أكثر مالِهِ حرامٌ، فتجوز معاملته، ولا تحرم، لإمكان الحلال، وعدم تحقق التحريم، لكن يكره خوفاً من الوقوع في الحرام.
(اللحجي ص ٣٦) .
والثابت هو اليقين شرعاً وغير هـ شكٌ، ويعتبر اليقين سواء في براءة الذمة أو شغل الذمة، فالأصل براءة الذمة لأنه اليقين الثابت، حتى يثبت ما يشغلها، فإن ثبت ما يشغل الذمة صار يقيناً فلا تبرأ حتى يثبت الأداء والوفاء.
وذكر فقهاء الشافعية بضع عشرة مسألة يزول فيها اليقين بالشك، كالشك في مدة المسح على الخفين، والشك في نية المسافر، والمستحاضة المتميزة، وسلس البول، والتيمم إذا رأى سراباً فظنه ماء، وفي الصيد، وغيرها.
стр. 105
٤ - الظن والشك
إن الظن والشك عند الفقهاء بمعنى واحد، وهذا باعتبار الغالب، ولذلك قال النووي: "اعلم أن مراد أصحابنا (الفقهاء) بالشك في الماء والحدث والنجاسة والصلاة والعتق وغيرها هو التردد بين وجود الشيء وعدمه، سواء كان الطرفان في التردد سواء، أو أحدهما راجحاً، فهذا معناه في استعمال الفقهاء وفي كتب الفقه.
أما أصحاب الأصول فإنهم فرقوا بين ذلك، وقالوا: التردد إن كان على السواء فهو الشك، وإن كان أحدهما راجحاً فالراجح ظن.
والمرجوح وهم ".
٥ - الاستصحاب والأصل
إن القواعد المتفرعة عن القاعدة الرئيسية "اليقين لا يزول بالشك " (م/ ٤) يعبر عنها بالأصل، فيقال: الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل في الأمور العارضة العدم، الأصل براءة الذمة، الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، الأصل في الكلام الحقيقة، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل العدم.
ويعبر عن الأصل في جميع ذلك بالاستصحاب، وهو استصحاب الماضي إلى
الحاضر، أي نقل الحكم الثابت في الماضي إلى الوقت الحاضر حتى يثبت غيره.
نماذج عامة معتبرة للأصل
١ - الأصل بقاءما كان على ما كان.
٢ - الأصل براءة الذمة.
٣ - الأصل في الأشياء والأعيان الإباحة، إلا إن دل دليل للحظر فيعمل به.
٤ - الأصل في الأبضاع التحريم.
стр. 106
٥ - الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العدم.
٦ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.
٧ - الأصل في العبادات الحظر، وفي العادات الإباحة.
٨ - الأصل في الكلام الحقيقة.
نماذج معتبرة للأصل عند المالكية
١ - الأصل في الأعيان الطهارة.
٢ - الأصل البراءة قبل ثبوت التكليف وعمارة الذمة.
٣ - الأصل عدم البراءة بعد ثبوت التكليف وعمارة الذمة.
٤ - الأصل الإيسار حتى يثبت العدم.
٥ - الأصل الصحة دون المرض.
٦ - الأصل الطوع دون الإكراه.
٧ - الأصل في العقود الصحة.
٨ - الأصل في الناس الرشد.
٩ - الأصل في الإقرارات ألاَّ يقبل الرجوع عنها؛ لأنها على خلاف الطبع.
١٠ - الأصل في الناس التجريح حتى تثبت العدالة.
١١ - الأصل الحرية حتى يثبت الرق.
١٢ - الأصل الكفاءة.
١٣ - الأصل البلوغ.
١٤ - الأصل التساوي حتى يثبت الرجح.
١٥ - الأصل الظهور دون التأويل.
١٦ - الأصل الطهورية حتى يتحقق الناقل عنها.
стр. 107
١٧ - الأصل في العقود اللزوم.
١٨ - الأصل ألا يجمع للشخص بين العوضين.
١٩ - الأصل في المتبايعين المعرفة بالشيء حتى يثبت الجهل.
٢٠ - الأصل عدم الإذن.
٦ - الاستصحاب المعكوس أو المقلوب
وأما استصحاب الحاضر إلى الماضي فهو الاستصحاب المقلوب أو المعكوس ولم
يقل به الأصحاب في المذهب الشافعي إلا في مسألة واحدة، وهي: ما إذا اشترى شيئاً، فادعاه مُدَّعٍ، وانتزعه منه بحجة مطلقة، فإنهم أطبقوا على ثبوت الرجوع له على البائع بالثمن، بل لو باع المشتري أو وهب كان للمشتري الأول الرجوع أيضاً، فهذا استصحاب في الماضي، لأن البينة لا تنشئ الملك، ولكن تظهره، والملك سابق على
إقامتها، ويحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي، ولكنهم استصحبوه مقلوباً، وهو عدم الانتقال فيما مضى.
لكن قال بالاستصحاب المعكوس الحنفية في عدة مسائل، وله أمثلة كثيرة، منها:
أ - لو كان للابن الغالب مال عند أبيه، فأنفق منه الأب على نفسه، ثم اختلفا، فقال الابن للأب: إنك أنفقت على نفسك منه وأنت موص، وقال الأب: أنفقت وأنا معسر، ولا بينة لأحدهما، فإنه يُحكَّم الحال، فلو كان حال الخصومة معسراً
فالقول له، وإن كان موسراً، فالقول لابنه، ولو برهن كل من الأب والابن على دعواهما تقدم بينة الابن لأنه المدعي فجعل الإعسار أو اليسار القائم في الحاضر منسحباً مع الماضي، وإنما لم مجعل القول قول مدعي الإعسار مطلقاً مع أنه الصفة الأصلية في الإنسان، والأصل اعتبار بقائه، لأن بقاء ما كان على ما كان إنما هو عند عدم قيام دليل على خلافه، ولما كان قيام صفة اليسار حين الخصومة أمارة ظاهرة في
стр. 108
تأييد كلام مدعيه طرح ذلك الأصل لقيام الدليل على خلافه، واعتبر القول لمدعي اليسار.
(الزرقا ص ٨٩) .
ب - لو ادعى المستأجر سقوط الأجرة بزعم أن المأجور غصب منه ففات الانتفاع به، وأنكر المؤجر ذلك، فإنه يُحكَّم الحال وينظر، إن كان المأجور في يد الغاصب حين الخصومة فالقول للمستأجر، وإن لم يكن في يد غاصب فالقول للمؤجر، سواء كان في يد المستأجر الآن، أو ليس في يد أحد.
(الزرقا ص ٩٥) .
جـ - لو باع الأب مال طفله ثم بلغ، فادعى - بعد بلوغه - على المشتري أن البيع كان بغبن فاحش، والمشتري ينكر ذلك، فإنه يُحكَّم الحال، بشرط أن تكون المدة بقدر ما لا يتبدل به السعر.
(الزرقا ص ٩٠) .
د - إذا اختلف موجر الطاحون ومستأجرها في أصل انقطاع مائها، فإن يُحكَّم الحال (م/ ١٧٧٦) وكذ! إذا اختلف شخصان في حدوث طريق الماء الذي يجري إلى دار إنسان وقدمه (م/ ١٧٧٧)
فيُحكَّم الحال.
(الزرقا ص ٩٠) .
٧ - تعارض أصلين
إذا تعارض أصلان رُجح الأقوى منهما، قال إمام الحرمين:
"وليس المراد بتعارض الأصلين تقابلهما على وِزان واحد في الترجيح، فإن هذا كلام يتناقض، بل المراد التعارض بحيث يتخيل الناظر في ابتداء نظره تساويهما، فإذا حقق فكره رجح.
ثم تارة يجزم بأحد الأصلين، وتارة يجري الخلاف، ويرجح بما عضده من ظاهر أو غيره "
وقال ابن الرفعة: "لو كان في جهة أصل، وفي جهة أصلان جزم بذي
الأصلين، ولم يجر الخلاف ".
ومثال تعارض الأصلين مع الجزم بأحدهما: من نوى، وشك هل كانت نيته قبل
стр. 109
الفجر أو بعده؛ لم يصح صومه، لأن الأصل عدم النية قبل الفجر.
قال النووي:
"ويحتمل مجيء وجه أنه يصح؛ لأن الأصل بقاء الليل ".
(اللحجي ص ٣٤) .
ومثال تعارض أصلين مع تعضيد أحدهما بظاهر: ما إذا ادعى العنين الوطء في
المدة المضروبة من القاضي، وهو سليم الذكر والأنثيين، فالقول قوله؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فيرجح هذا الأصل على أصل عدم الوطء، لاعتضاد الأصل الأول بسلامة ذكره؛ لأن سليمه لا يكون عنيناً في الغالب.
(اللحجي ص ٣٤) .
ومثال تعارض أصلين مع اعتضاد أحدهما بشيء غير ظاهر؛ ما لو وقعت في الماء نجاسة، وشك، هل هو قلتان أو أقل؛ فوجهان، أحدهما: يتنجس، وبه جزم الماوردي وآخرون، لتحقق النجاسة، والأصل عدم الكثرة، والوجه الثاني: أنه لا يتنجس، وصوبه النووي، لأن الأصل الطهارة، وشككنا في تنجسه، والأصل عدمه، ولا يلزم من النجاسة التنجس، ورجح السبكي مفالة النووي، وهو الأظهر عند الحنابلة.
ومثال تعارض الأصلين مع الرجوع إلى باب الترجيح: إذا هلكت السلعة قبل القبض، ووقع النزاع بين المتبايعين، هل هلكت قبل القبض أو بعده؟ فمن جهة أن السلعة كانت موجودة قبل العقد، وسالمة من العيوب، فيكون الأصل المستصحب هو سلامتها إلى زمن تيقن الهلاك، وهو بعد العقد، ومن جهة أخرى فإن ذمة المشتري الأصل فيها أنها بريئة من الضمان إلى أن يرد دليل على انشغالها.
(الروقي ص ٢٩٠)
قاعدة تعارض الأصلين عند المالكية
وضع المالكية قاعدة فقهية في تعارض الأصلين، فقالوا: "إذا اختص الفرع بأصل أجري عليه إجماعاً، فإن دار بين أصلين حمل على الأولى منهما، وقد يختلف فيه"
стр. 110
وفي لفظ آخر "إذا دار الفرع بين أصلين غلب أرجحهما إن تعذر الجمع، وقد يُختلف في ذلك "، لأن الفرع إذا لم يكن له إلا أصل واحد يرجع إليه، فالواجب إجراؤه على ذلك الأصل من غير خلاف؛ لأنه المتعين.
فإن تجاذبته أصول متعددة، وقواعد مختلفة، فالواجب الجمع بينهما، وذلك
بترجح الفرع إلى أحد الأصلين على وجه من الوجوه، وترجيعه إلى الأصل الآخر على وجه آخر، خروجاً من التعارض، والواجب إلحاق الفرع بأرجح الأصلين وأقواهما به شبهاً؛ لأن العمل بالراجح واجب، وقد تغلب الشائبتان في الفرع، فيبقى للأصلين أثر في الفرع، ويكون الترجيح محل اجتهاد.
التطبيقات
أ - حكم من تيقن الوضوء وشك في الحدث تجاذبه أصلان، الأول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنه لا ينتقل عن الأصل - الذي هو الطهارة هنا - إلا بيقين أو ظن غالب، وعليه فلا يجب الوضوء على من شك في الحدث، وبهذا أخذ الجمهور وبعض المالكية.
والأصل الثاني: هو أن عمارة الذمة بعد التكليف، وهي الصلاة هنا، ولا يُبرأ منها إلا بيقين، وأن الشك في الشرط، وهو الطهارة، شك في المشروط، وهو الصلاة، والذمة لا يُبرأ منها بالشك، فيجب الوضوء في الحدث، وهو المشهور عند المالكية.
(الغرياني ص ٤٤٣) .
ب - عامل القراض له شبه بالشريك، وشبه بالأجير، فمن رجح شبهه بالشريك، قال بملك العامل لحصته بالظهور وتحقق الربح، وبوجوب الزكاة عليه حينئذ، بشرط أن تتحقق شروط الزكاة فيه وفي رب العمل، وترجح شبه العامل بالشريك عند القائلين بهذا القول بتساويه مع رب المال في زيادة الربح ونقصه، وبأن حقه يتعلق بعين المال، ولا يتعلق بذمة رب المال.
следующие страницы →