القاعدة: [٢٨٤]
الإقالة: هل هي فسخ أو بيع ؟
التوضيح
الإقالة: إنهاء للعقد السابق الصحيح، وهل تعتبر فسخاً أو بيعاً؛ فيه روايتان
منصوصتان، واختار الأكثرون أنها فسخ كالشافعية، وفي قول: إنها بيع.
التطبيقات
١ - إذا تقايلا قبل القبض فيما لا يجوز بيعه قبل قبضه، فيجوز على القول: هي فسخ، ولا يجوز على الثانية إلا على رواية: إنه يصح بيعه من بائعه خاصة قبل القبض.
(ابن رجب ٣/ ٣١٠) .
٢ - هل تجوز الإقالة في المكيل والموزون بغير وزن؛ إن قلنا: هي فسخ، جازت كذلك، وإن قلنا؛ هي بيع فلا، وهذه طريقة الأكثرين، وحكي أنه لا بد فيها من كيل ثان على الروايتين، كما أن الفسخ في النكاح يقوم مقام الطلاق في إيجاب العدة.
(ابن رجب ٣/ ٣١٠) .
٣ - إذا نقايلا بزيادة على الثمن أو نقص منه أو بغير جنس الثمن.
فإن قلنا: هي فسخ، لم يصح؛ لأن الفسخ رفع للعقد، فيترادان العوضين على وجههما، كالرد بالعيب وغيره.
وإن قلنا: هي بيع، فوجهان، أحدهما يصح، والثاني: لا يصح،
стр. 982
وهو المذهب، لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه، ورجوع كل واحد إلى ماله، فلم يجز بأكثر من الثمن، كان كانت بيعاً كبيع التولية، وكره أحمد الإقالة في البيع الأول بزيادة في كل حال، ولم يجوِّز الزيادة، إلا في بيع مستأنف، أو إذا تغيرت السوق فتجوز الإقالة بنقص في مقابلة نقص السعر، أو إذا تغيرت صفة السلعة.
وفي رواية الكراهة مطلقاً معللاً بشبهة مسائل العينة.
وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في جواز الخلع بزيادة على المهر.
(ابن رجب ٣/ ٣١٥) .
٤ - تصح الإقالة بلفظ الإتالة والمصالحة إن قلنا: هي فسخ، وإن قلنا: هي بيع لم ينعقد البيع (وهو الإقالة هنا) بذلك، لأن ما يصلح للحل لا يصلح للعقد، وما يصلح للعقد لا يصلح للحل، فلا ينعقد البيع بلفظ الإقالة، ولا الإقالة بلفظ البيع.
وظاهر كلام كثير من الأصحاب انعقادها بذلك، وتكون معاطاة.
(ابن رجب ٣/٣١٤) .
٥ - توفر شروط البيع، إذا قلنا: الإقالة هي فسخ، لم يشترط لها شروط البيع من معرفة المُقال فيه، والقدرة على تسليمه، وتميزه عن غيره، ويشترط ذلك على القول بأنها بيع.
ولو تقايلا مع غيبة أحدهما، بأن طلبت منه الإقالة، فدخل الدار وقال على
الفور: أقلته، فإن قلنا: هي فسخ صح، وإن قلنا: هي بيع لم يصح، لأن البيع يشترط له حضور المتعاقدين في المجلس.
وقيل: لا تصح الإقالة في غيبة الآخر على الروايتين، لأنها في حكم العقود لتوقفها على رضا المتبايعين، بخلاف الرد بالعيب والفسخ للخيار.
(ابن رجب ٣/ ٣١٤) .
٦ - الإقالة مع تلف السلعة: فيها طريقان، أحدهما: لا يصح على الروايتين، والثاني: إن قلنا: هي فسخ صحت، وإلا لم تصح، والطريق الثاني قياس المذهب.
(ابن رجب ٣/ ٣١٥) .
٧ - هل تصح الإقالة بعد النداء للجمعة؟
فمن قلنا: هي بيع، لم تصح، وإلا صحت.
(ابن رجب ٣/ ٣١٦) .
стр. 983
٨ - إذا نما المبيع نماءً منفصلاً ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة بيع، لم يتبع النماء بغير خلاف.
وإن قلنا: فسخ، فالنماء للمشتري، وينبغي تخريجه على وجهين، كالرد
بالعيب، والرجوع للمفلس.
(ابن رجب ٣/ ٣١٦) .
٩ - باعه نخلاً حائلاً ثم تقايلا وقد أطلع، فإن قلنا: الإقالة بيع، فالثمرة إن كانت مؤبرة فهي للمشتري الأول، وإن لم تكن مؤبرة، فهي للبائع الأول، وإن قلنا: هي فسخ، تبعت الأصل بكل حال، سواء كانت مؤبرة أو لا؛ لأنها نماء متصل.
(ابن رجب ٣/ ٣١٦) .
١٠ - هل يثبت في الإقالة خيار المجلس؟
إن قلنا: إنها فسخ، لم يثبت الخيار.
وإن قلنا: هي بيع، فيثبت الخيار، ويحتمل ألا يثبت أيضاً، لأن الخيار وضع للنظر في الحظ، والمقيل قد دخل على أنه لا حظ له، وإنَّما هو متبرع، والمستقيل لم يطلب الإقالة بعد لزوم العقد إلا بعد تروٍّ ونظر، وعلم بأن الحظ له في ذلك، وندم على العقد الأول، فلا يحتاج بعد ذلك إلى مهلة لإعادة النظر.
(ابن رجب ٣/ ٣١٧) .
١١ - هل ترد الإقالة بالعيب؛ إن قلنا: هي بيع، ردت به.
وإن قلنا: هي فسخ، فيحتمل ألا ترد به، لأن الفسخ لا يفسخ.
ويحتمل أن يرد به، كفسخ الإقالة، والرد بالعيب يأخذ الشفيع، وأفتى الشيخ تقي الدين ابن تيمية بفسخ الخلع بالعيب في
عوضه، وبفوات صفة فيه، وبإفلاس الزوجة به.
(ابن رجب ٣/ ٣١٧) .
١٢ - الإقالة في المسلم فيه قبل قبضه: فيها طريقان.
أحدهما: بناؤها على الخلاف، فإن قلنا: هي فسخ، جازت.
وإن قلنا: بيع لم تجز.
والثانية: جواز الإقالة على الروايتين، وهي طريقة الأكثرين.
ونقل فيها الإجماع على ذلك.
(ابن رجب ٣/ ٣١٨) .
١٣ - باعه جزءاً مشاعاً من أرضه ثم تقايلا، فإن قلنا: الإقالة فسخ، لم يستحق المشتري ولا من حدث له شركة في الأرض قبل المقايلة شيئاً من الشقص بالشفعة،
стр. 984
وإن قلنا: هي بيع، ثبتت لهم الشفعة، وكذلك لو باع أحد الشريكين حصته، ثم عفا الآخر عن شفعته، ثم تقايلا، وأراد العاني أن يعود إلى الطلب، فإن قلنا: الإقالة فسخ، لم يكن له ذلك، وإلا فله الشفعة.
(ابن رجب ٣/ ٣١٨) .
١٤ - اشترى شقصاً مشفوعاً، ثم تقايلاه قبل الطلب، فإن قلنا: هي بيع، لم تسقط، كلما لو باعه لغير بائعه، وإن قلنا: فسخ، فقيل: لا تسقط أيضا؛ لأن الشفعة استحقت بنفس البيع، فلا تسقط بعده، وقيل: تسقط، وهو المنصوص عن أحمد.
(ابن رجب ٣/ ٣١٩) .
١٥ - هل يملك المضارب أو الشريك الإقالة فيما اشئراه؛ فيها طريقان، أحدهما: إن قلنا: الإقالة بيع، ملكه، وإلا فلا؛ لأن الفسخ ليس من التجارة المأذون فيها.
والثانية: أنه يملكها على القولين مع الصحة، وهو رأي الأكثرين، كما يملك الفسخ بالخيار.
(ابن رجب ٣/ ٣١٩) .
١٦ - هل يملك المفلس بعد الحجر المقايلة لظهور المصلحة؟
إن قلنا: هي بيع، لم يملكه، وإن قلنا: هي فسخ، فالأظهر أنه يملكه، كما يملك الفسخ بخيار قائم أو عيب، ولا يتقيد بالأحظ على الأصح؛ لأن ذلك لشى بتصرف مستأنف، بل من تمام
العقد الأول ولواحقه.
(ابن رجب ٣/ ٣١٩) .
١٧ - لو وهب الوالد لابنه شيئاً، فباعه، ثم رجع إليه لإقالة، فإن قلنا: هي بيع، امتنع رجوع الأب فيه، وإن قلنا: هي فسخ، فوجهان، وكذلك حكم المفلس إذا باع السلعة ثم عادت إليه بإقالة ووجدها بائعها عنده.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٠) .
١٨ - لو حلف ألا يبيع، أو ليبيعن، أو علق على البيع طلاقاً، ثم أقال، فإن قلنا: هي بيع، ترتبت عليه أحكامه من البر والحنث، وإلا فلا، وقد يقال: الأيمان تنبني على العرف، وليس في العرف أن الإقالة بيع.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٠) .
стр. 985
١٩ - تقايلا في بيع فاسد، ثم حكم الحاكم بصحة العقد ونفوذه، فهل يؤثر
حكمه؟
إن قلنا: هي بيع، فحكمه بصحة العقد الأول صحيح؛ لأن العقد باقٍ.
وقد تأكد بترتب عقد عليه، وإن قلنا: هي فسخ، لم ينفذ حكم القاضي، لأن العقد ارتفع بالإقالة، فصار كأن لم يوجد، ويحتمل أن ينفذ وتلغى الإقالة؛ لأنها تصرف في بيع فاسد قبل الحكم بصحته، فلم ينفذ، ولم يؤثر فيه شيئاً.
(ابن رجب ٣/ ٣٢١) .
٢٠ - لو باع ذمِّي ذمِّيًّا آخر خمراً، وقبضت دون ثمنها، ثم أسلم البائع وقلنا: يجب له الثمن، فأقال المشتري فيها، فإن قلنا: الإقالة بيع، لم يصح، لأن شراء المسلم الخمر لا يصح، وإن قلنا؛ هي فسخ، احتمل أن يصح، فيرتفع بها العقد ولا يدخل في ملك المسلم، فهي في معنى إسقاط الثمن عن المشتري، واحتمل ألا يصح، لأنه استرداد لملك الخمر، كما في المحرم: إنه لا يسترد الصيد بخيار ولا غيره، فإن رد عليه
بذلك صح الرد ولم يدخل في ملكه، فيلزمه إرساله.
(ابن رجب ٢/ ٣٢١) .
٢١ - الإقالة هل تصح بعد موت المتعاقدين؛ ذكر القاضي أن خيار الإقالة يبطل بالموت، ولا يصح بعده، وذكر في موضع آخر: إن قلنا: هي بيع صحت من الورثة، وإن قلنا: فسخ، فوجهان.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٢) .
стр. 986
القاعدة: [٢٨٥]
النقود: هل تتعين بالتعيين في العقد أم لا ؟
التوضيح
في المسألة روايتان عن أحمد، أشهرهما أنها تتعين بالتعيين في عقود المعاوضات.
وفي رواية: لا تتعين.
التطبيقات
يترتب على هذا الخلاف فوائد كثيرة، أهمها:
١ - يحكم بملك النقود للمشتري بمجرد التعيين، فيه لك التصرف فيها، وإذا تلفت تلفت من ضمانه على المذهب.
وعلى الرواية الأخرى: لا يملكها بدون القبض.
فهي قبله ملك البائع، وتتلف من ضمانه.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٣) .
٢ - لو بأن الثمن مستحَقاً، فعلى المذهب الصحيح يبطل العقد؛ لأنه وقع على ملك الغير، فهو كما لو اشترى سلعة فبانت مستحَقة، وعلى الثانية: لا يبطل، وله البدل.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٣) .
٣ - إذا باع النقد المعين معيباً، فله حالتان: إحداهما: أن يكون عيبه من غير جنسه، فيبطل العقد من أصله؛ لأنه زال عنه اسم الدينار والدرهم بذلك، فلم يصح العقد عليه، كما لو عقد على شاة فبانت حماراً، ويحتمل أن يبطل العقد ها هنا لمعنى آخر، وهو أن البائع لا يمكن إجباره على قبول هذا، وإنما باع بدينار كامل،
стр. 987
والمشتري لا يجبر على دفع بقية الدينار، لأنه إنما اشترى بهذا الدينار المتعين، فبطل العقد، ويحتمل أن يصح البيع بما في الدينار من الذهب بقسطه من المبيع، ويبطل في الباقي، وللمشتري الخيار لتبعض المبيع عليه.
والحالة الثانية: أن يكون عيبها من جنسها، ولم ينقص وزنها، كالسواد في
الفضة، فالبائع بالخيار بين الإمساك والفسخ، وليس له البدل، لتعيين النقد في العقد، ومتى أمسك فله الأرش إلا في صرفها يحنسها.
وهذا كله على رواية تعيين النقود، فأما على الأخرى فلا يبطل العقد بحال إلا أن يتفرقا والعيب من غير الجنس، لفوات قبض المعقود عليه في المجلس، ولا فسخ بذلك، وإنما يثبت به البدل دون الأرش؛ لأن الواجب في الذمة دون المعين.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٤) .
٤ - إذا باعه سلعة بنقد معين، فعلى المشهور أن النقد يتعين بالتعيين، لا يجبر واحد منهما على البداءة بالتسليم، بل ينصب عدل يقبض منهما، ثم يقبضهما، لتعلق حق كل منهما بعين معينة، فهما سواء، وعلى الروإية الأخرى أن النقد لا يتعين بالتعيين.
فهو كما لو باعه بنقد في الذمة، فيجبر البائع على التسليم لتعلق حق المشتري بالعين دونه.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٧) .
٥ - لو باعه سلعة بنقد معين، وقبضه البائع من المشتري، ثم أتاه به، فقال: هذا الثمن، وقد خرج معيباً، وأنكر المشتري، ففيه طريقان:
إحداهما: إن قلنا: النقود تتعين بالتعيين، فالقول قول المشتري، لأن البائع يدعي على المشتري استحقاىَ الرد، والأصل عدمه.
وإن قلنا: لا تتعين، فوجهان: الأول؛ القول قول المشتري أيضاً.
لأنه أقبض لا الظاهر ما عليه.
والثاني: قول القابض؛ لأن الثمن في ذمته.
والأصل اشتغالها به، إلا أن يثبت براءتها منه.
والطريقة الثانية: إن قلنا: إن النقود لا تتعيين.
فالقول قول البائع وجهاً واحداً؛ لأنه قد ثبت اشتغال ذمة المشتري بالثمن، ولم يثبت براءتها منه، وإن قلنا: تتعين
فوجهان مخرجان من الروايتين، أحدهما: القول قول البائع؛ لأنه يدعي سلامة
стр. 988
العقد، والأصل عدمه، ويدعي عليه ثبوت الفسخ، والأصل عدمه.
والثاني: قول القابض؛ لأنه منكر التسليم المستحق، والأصل عدمه، وجزم ابن قدامة والمجد بأن القول قول البائع إذا أنكر أن يكون المردود بالعيب هو المبيع.
(ابن رجب ٣/ ٣٢٨) .
стр. 989
القاعدة: [٢٨٦]
المضارب، هل يملك الربح بالظهور أو لا ؟
التوضيح
المضارب هو الشريك العامل في المضاربة الذي يقدم العمل، فإن حصل ربح من التجارة والمضاربة، فهل يملك المضارب حصته من الربح بمجرد ظهور الربح، أم بعدالقسمة؟
قال بعضهم: يملكه بالظهور رواية واحدة.
وقال الأكثرون: في المسألة روايتان.
إحداهما: يملكه بالظهور، وهو المذهب المشهور.
والرواية الثانية:: لا يملكه بدون القسمة، ويستقر الملك بربح المضاربة بالمقاسمة، أو بالمحاسبة التامة.
التطبيقات
نتج عن هذا الاختلاف فوائد، منها:
١ - انعقاد الحول على حصة المضارب من الربح قبل القسمة.
فإن قيل: لا يملكها بدون القسمة، فلا ينعقد الحول قبلها.
وإن قيل: يملكها بمجرد الظهور، ففي انعقاد
الحول عليها قبل استقرار الملك فيها أو بدون استقراره طرق:
إحداها: لا ينعقد الحول عليها قبل الاستقرار بحال من غير خلاف، وتستقر بالقسمة أو بالمحاسبة التامة، فينعقد الحول عندهما وهو المنصوص عن أحمد، والطريقة الثانية: إن قلنا: يملكه بالظهور، انعقد عليه الحول من حينه، وإلا فلا.
والطريقة الثالثة: إن قلنا: لا يثبت الملك قبل الاستقرار
стр. 990
لم ينعقد الحول، وإن قلنا: يثبت بدونه ففي وجه ينعقد
قبله، والراجح عدم الانعقاد.
وأما ربّ المال فعليه زكاة رأس ماله مع حصته من الربح، وينعقد الحول عليها بالظهور، وأما بقية الربح (الخاص بالمضارب) فلا يلزم ربّ المال زكاته.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٣) .
٢ - لو اشترى العامل لنفسه من مال المضاربة، فإن لم يظهر ربح صح، نص عليه أحمد، لأنه ملك لغيره، وكذلك إن ظهر ربح وقلنا: لا يملكه بالظهور، وإن قلنا: يملكه فهو كشراء أحد الشريكين من مال الشركة، والمذهب أنه يبطل في قدر حقه، لأنه مِلكه، فلا يصح شراؤه له، وفي الباقي روايتا تفريق الصفقة، وفي رواية يصح في الحل تخريجاً على الرواية التي يخير فيها لرب المال أن يشتري من مال المضاربة؛ لأن علاقة حق المضارب به صيَّرته كالمنفرد عن ملكه، فكذا المضارب مع رب المال، وأولى.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٦) .
٣ - لو اشترى العامل شقصاً للمضاربة، وله فيه شركة، فهل له الأخذ بالشفعة؟
فيه طريقان، إحداهما: فيه وجهان: ففي وجه لا يملك الأخذ؛ لأنه متصرف لرب المال، فامتنع أخذه كما يمتنع شراء الوصي والوكيل مما يتوليان بيعه، وفي وجه له الأخذ تخريجاً على وجوب الزكاة عليه في حصته، فإنه يصير حينئذ شريكاً يتصرف لنفسه ولشريكه، ومع تصرفه لنفسه تزول التهمة، ولأنه يأخذ بمثل المأخوذ به، فلا تهمة، بخلاف شراء الوصي والوكيل، وكل ذلك مقيد بحالة ظهور الربح.
والطريقة الثانية: إذا لم يملك العامل الربح بالظهور، سواء كان للمال ربح أم لا، فله الأخذ بالشفعة؛ لأن الملك لغيره، فله الأخذ منه.
وإذا قلنا: يملك العامل الربح بالظهور، وكان فيه ربح، ففيه وجهان بناء على ثراء العامل من مال المضاربة بعد ملكه من الربح على ما سبق.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٧) .
٤ - لو أسقط العامل حقه من الربح بعد ظهوره، فإن قلنا: لا يملكه بالظهور، لم يسقط، وإن قلنا: يملكه بدون قسمة فوجهان.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٨) .
стр. 991
٥ - لو قارض المريض مرض الموت غيره، وسمى للعامل فوق تسمية المثل.
فالراجح: يجوز، ولا يحسب من الثلث، لأن ذلك لا يؤخذ من ماله، وإنما يستحقه بعمله من الربح الحادث، ويحدث على ملك العامل دون المالك، وهذا يتجه على القول بأنه يملكه بالظهور، وإن كان لا يملكه بدون القسمة احتمل أن يحتسب من الثلث، لأته خارج من ملكه، واحتمل ألا يحتسب منه، وهو الظاهر؛ لأن المال الحاصل لم يفوت عليهم منه شيئاً، وإنما زادهم فيه ربحاً.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٨) .
стр. 992
القاعدة: [٢٨٧]
الموقوف عليه؛ هل يملك رقبة الوقف أم لا ؟
التوضيح
الوقف مشروع بقوله ﷺ لعمر ﵁:
"حبّس الأصل، وسبّل الثمرة".
والوقف تبرع من الواقف لوجه اللاً تعالى، واختلفت الروايات في مالك الوقف، وأشهرها: أنه ملك الموقوف عليه، والثانية: أنه ملك للوا قف، والثالثة: أنه ملك لله تعالى.
التطبيقات
يترتب على هذا الاختلاف مسائل كثيرة، أهمها:
أ - زكاة الوقف، إذا كان ماشية موقوفة على معين، فهل يجب عليه زكاتها؟
فيه طريقتان:
إحداهما: بناؤه على هذا الخلاف، فإن كان الملك للموقوف عليه، فعليه زكاتها، وإن كان لله تعالى، فلا زكاة، وإن كان الملك للواقف فعليه زكاته، ونص أحمد على أن من وقف على أقاربه، فإن الزكاة عليه، بخلاف من وقف على المساكين.
стр. 993
الطريقة الثانية: لا زكاة فيه على الروايات، لقصور الملك فيه.
أما الشجر الموقوف فتجب زكاته في ثمره على الموقوف عليه وجهاً واحداً، لأن ثمره ملك للموقوف عليه، وفي رواية لا زكاة فيه.
(ابن رجب ٣/ ٣٥٩) .
٢ - إذا جنى الوقف، كما لو جنى العبد على غيره، فضمان الجناية على الموقوف عليه إذا قيل: إنه مالكه؛ لأنه امتنع من تسليمه، فيلزمه فداؤه، وإن قيل: هو ملك لله تعالى، فالأرش من كسب الدابة، وقيل: من بيت المال، وفيه وجه: لا يلزم
الموقوف عليه الأرش على القولين؛ لأن امتناعه من التسليم بغير اختياره، إذ لا قدرة له عليه على التسليم بحال.
(ابن رجب ٣٦٠/٣) .
٣ - نظر الواقف، إذا لم يشرط له ناظر، فعلى القول بملك الموقوف عليه، له النظر فيه، وعلى القول بأن ملكه لله تعالى فنظره للحاكم، وظاهر كلام أحمد أن نظره للحاكم، وفي قول: ينظر فيه الحاكم، ولو كان الملك للموقوف عليه، لعلاقة حق من يأتي بعده.
(ابن رجب ٣/ ٣٦١) .
٤ - هل يستحق الشفعة بإثركة الوقف؟
الجواب فيه طريقان، أحدهما: البناء على أنه هل يملكه الموقوف عليه.
فإن قيل: يملكه، استحق به الشفعة، وإلا فلا.
والطريق الثاني: فيه وجهان بناء على قولنا: يملكه؛ لأن الملك قاصر.
(ابن رجب ٣/ ٣٦١) .
٥ - لو زرع الغاصب في أرض الوقف، فهل للموقوف عليه تملكه بالنفقة؛ إن قيل: هو المالك، فله ذلك، وإلا فهو كالمستأجر ومالك المنفعة، ففيه تردد.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٢) .
٦ - نفقة الوقف، وهي في كلته، ما لم يشرط غيرها، فإن لم يكن له غلة.
فوجهان، أحدهما: نفقته على الموقوف عليه.
والثاني: من بيت المال، وقيل: هما
стр. 994
مبنيان على انتقال الملك إليه وعدمه، وقد يقال: بالوجوب عليه، وإن كان الملك لغيره كما نقول بوجوبها على الموصى له بالمنفعة على وجه.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٢) .
٧ - لو فضَّل بعض ولده على بعض في الوقف، فالمنصوص الجواز، بخلاف الهبة، فقيل: هو بناء على أن الملك لا ينتقل إلى الموقوف عليهم.
فإن قلنا: بانتقاله، لم يجز كالهبة.
وقيل: يجوز على القولين، لأنه لم يخصه بالملك، بل جعله ملكاً لجهة متصلة
على وجه القربة، وجعل الولد في بعض تلك الجهة.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٣) .
فائدة: وشبيه بهذا وقف المريض على وارثه، هل يقف على الإجازة كهبته؛ أم ينفذ من الثلث، لأنه ليس تخصيصاً للوارث، بل تمليك لجهة متصلة، الوارث بعض أفرادها؛ وفيه روايتان.
٨ - الوقف على نفسه، وفي صحته روايتان مبنيتان على هذا الأصل.
فإن قلنا: الوقف ملك للموقوف عليه، لم يصح وقفه على نفسه، لأنه لا يصح أن يزيل الإنسان ملك نفسه إلى نفسه، وإن قلنا: دته تعالى، صح.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٣) .
٩ - الوقف المنقطع، هل يعود إلى ورثة الموقوف عليه، أو إلى ورثة الواقف؛ فيه روايتان، والمنصوص عن أحمد وغيره أنه يعود إلى ورثة الموقوف عليه، وظاهر كلامه أنه يعود إليهم إرثاً، لا وقفاً، وهذا متنزل على القول بأنه ملك للموقوف عليه.
ولذلك شبه الإمام أحمد الوقف المنقطع بالعمرى والرقبى، وجعلها لورثة الموقوف عليه، كما ترجع العمرى والرقيى إلى ورثة المعطى، وقال الشيخ مجد الدين: إنما يرجع وقفاً على الورثة، فلا يستلزم ملك الموقوف عليه.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٣) .
стр. 995
القاعدة: [٢٨٨]
إجازة الورثة، هل هي تنفيذ للوصية، أو ابتداء عطية ؟
التوضيح
الوصية مشروعة بالثلث، لكسب الثواب والأجر للموصي، ورعاية لحق الورثة في الثلثين، فإن زاد الموصي على الثلث كانت الوصية بالزائد موقوفة على إجازة الورثة، فإن منعوها بطلت، وإن أجازها نفذت.
واختلفت الرواية عن أحمد في حقيقة ذلك.
ففي رواية: الإجازة تنفيذ للوصية، وفي رواية: الإجازة ابتداء عطية
من الورثة للموصى له، والأشهر أنها تنفيذ.
التطبيقات
١ - لا يشترط في الإجازة شروط الهبة من الإيجاب والقبول والقبض، فتصح
بقوله: أجزت وأنفذت، ونحو ذلك، وإن لم يقبل الموصى له في المجلس.
وإن قلنا: هي هبة، افتقرت إلى إيجاب وقبول.
وقيل: على وجهين:
الأول تقبل الهبة بلفظ الإجازة هنا، وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا تقبل.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٦) .
стр. 996
٢ - هل يشترط أن يكون المجاز في الوصية معلوماً للمجيز؟
والجواب: لا يشترط ذلك، فلو قال: ظننت المال قليلاً فإنه يقبل قوله، ولا تنافي بين قوله والإجازة لوجهين:
الأول: أن صحة إجازة المجهول لا تنافي ثبوت الرجوع فيه إذا تبين فيه ضرر
على المجيز، لم يعلمه استدراكاً لظلامته، كمن أسقط شفعته لمعنى، ثم بأن بخلافه، فإن له العود إليها، وكذلك إذا أجاز الجزء الموصى به يظنه قليلاً، فبان كثيراً فله الرجوع بما زاد على ما في ظنه.
والوجه الثاني: إنه إذا اعتقد أن النصف الموصى به مئة وخمسون
درهماً، فبان ألفاً، فهو إنما أجاز مئة وخمسين درهماً، لم يجز أكثر منها، فلا تنفذ إجازته في غيرها، وهذا بخلاف إذا أجاز النصف كائناً ما كان، فإنه يصح، ويكون إسقاطاً لحقه من المجهول، فينفذ كالإبراء، لكن ابن قدامة قال: إن الإجازة لا تصح بالمجهول.
وهل يصدق في دعوى الجهالة؛ على وجهين.
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ صحت بالمجهول، ولا رجوع.
وإن قلنا: هبة، فوجهان.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٦) .
٣ - لو وقف على وارئه، فأجازه.
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ، صح الوقف ولزم.
وإن قلنا: هبة، فهو كوقف الإنسان على نفسه.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٨) .
٤ - لو كان المجيز أباً للمجاز له، كمن وصى لولد ولده الصغير، فأجازه والده، فليس للمجيز الرجوع فيه إن قلنا: هو تنفيذ.
وإن قلنا: عطية: فله ذلك، لأنه وهب لولده مالاً.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٨) .
٥ - لو حلف: لا يهب فأجاز، فإن قلنا: هي عطية، حنث، وإلا فلا.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٩) .
٦ - لو قبل الموصى له الوصية المفتقرة إلى الإجازة قبل الأجازة، ثم أجيزت، فإن قلنا: الإجازة تنفيذ فالملك ثابت له من حين قبوله أولاً (١) .
وإن قلنا: عطية، لم يثبت الملك إلا بعد الإجازة.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٩) .
стр. 997
٧ - إن ما جاوز الثلث من الوصايا إذا أجيز، هل يزاحم بالزائد ما لم يجاوزه.
ومثاله: إذا كانت معنا وصيتان، إحداهما مجاوزة للثلث، والأخرى لا تجاوزه، كنصف وثلث، وأجاز الورثة الوصية المجاوزة للثلث خاصة.
(وهي الوصية بالنصف) .
فإن قلنا: الإجازة تنفيذ، زاحم صاحب النصف صاحب الثلث بنصف
كامل، فيقسم الثلث بينهما على خمسة، لصاحب النصف ثلاثة أخماسه، وللآخر خمساه، ثم يكمل لصاحب النصف نصفه بالإجازة.
وإن قلنا: عطية، فإنما يزاحمه بثلث خاصة، إذ الزيادة عليه عطية محضة من الورثة لم تتلق من الميت، فلا يزاحم بها الوصايا، فيقسم الثلث بينهما نصفين، ثم يكمل لصاحب النصف ثلث بالإجازة.
(ابن رجب ٣/ ٣٦٩) .
٨ - لو أجاز المريض في مرض موته وصية مورثه، فإن قلنا: عطية، فهي معتبرة من ثلثه.
وإن قلنا: تنفيذ، فطريقان، أحدهما: القطع بأنها من الثلث أيضاً تشبيهاً بالصحيح إذا حابى في بيع له فيه خيار، ثم مرض في مدة الخيار، فإن محاباته تصير من الثلث؛ لأنه تمكن من استرداد ماله إليه، فلم يفعل، فقام ذلك مقام ابتداء إخراجه من المرض.
ونظيره لو وهب الأب لولده شيئاً ثم مرض وهو بحاله ولم يرجع فيه.
والطريق الثاني: إن المسألة على وجهين منزلين على أصل الخلاف في حكم الإجازة، وقد يتنزلان على أن الملك هل ينتقل إلى الورثة في الموصى به، أم تمنع الوصية الانتقال؛ وفيه وجهان.
فإن قلنا: ينتقل إليهم، فالإجازة من الثلث؛ لأنه إخراج
مال مملوك، وإلا فهي من رأس المال، لأنه امتناع من تحصيل مال لم يدخل بعد في ملكه، وإنما تعلق به حق ملكه، بخلاف محاباة الصحيح إذا مرض، فإن المال كان على ملكه، وهو قادر على استرجاعه.
(ابن رجب ٣/ ٣٧١) .
٩ - إجازة المفلس للوصية الزائدة، وهي نافذة، وهو منزل على القول بالتنفيذ.
وقاله صاحب (المغني) في السفيه، معللاً بأنه ليس من أهل التبرع.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٢) .
стр. 998
القاعدة: [٢٨٩]
الموصى له، هل يملك الوصية حين الموت، أو من حين قبولها ؟
التوضيح
الوصية تبرع بإيجاب من الموصي، وقبول من الموصى له المعين، ويشترط في القبول أن يكون بعد الموت، فإن كان عقب الموت مباشرة فلا إشكال، وينتقل الموصى به للموصى له عند الموت، فإن تأخر القبول شهراً مثلاً، فيحصل خلاف في وقت ملك الوصية حين الموت أو حين القبول، على وجهين، وعلى القول الراجح: بأن الموصى له يملكها حين قبوله.
فهل هي قبله على ملك الميت أو على ملك الورثة؟
فيه وجهان، والاكثر على أنها ملك للموصى له وهو منصوص أحمد.
التطبيقات
١ - حكم نماء الموصى به بين الموت والقبول.
فإن قلنا: هو على ملك الموصى له، فلا يحتسب عليه من الثلث.
وإن قلنا: هو على ملك الميت، فتوفر به التركة، فيزداد الثلث.
وإن قلنا: على ملك الورثة فنماؤه لهم خاصة.
وأكد القاضي أبو يعلى أن ملك الموصى له لا يتقدم القبول.
وأن النماء قبله للورثة، مع أن العين باقية على حكم ملك الميت، فلا يتوفر به الثلث، لأنه لم يكن ملكاً له حين الوفاة.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٣) .
стр. 999
٢ - لو نقص الموصى به في سعر أو صفة، فإن قلنا يملكه بالموت، اعتبرت قيمته من التركة بسعره يوم الموت على أدق صفاته من يوم الموت إلى القبول؛ لأن الزيادة حصلت في ملكه، فلا يحتسب عليه، والنقص لم يدخل في ضمانه، بل هو من ضمان التركة، وأما نقص الأسعار فلا يضمن عندنا، وإن قلنا: يملكه من حين القبول، اعتبرت قيمته يوم القبول سعراً وصفهَ، لأنه لم يملكه قبل ذلك.
والمنصوص عن أحمد أنه يعتبر قيمته يوم الوصية، فظاهره أنه يعتبر بيوم الموت على الوجوه كلها؛ لأن حقه تعلق بالموصى به تعلقاً قطع تصرف الورثة فيه، فيكون ضمانه عليه.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٤) .
٣ - لو وصى لرجل بأرض، فبنى الوارث فيها، وغرس قبل القبول.
ثم قبل، فإن كان الوارث عالماً بالوصية قلع بناؤه وكرسه مجاناً، وإن كان جاهلاً فعلى وجهين.
وهو متوجه على القول بالملك بالموت أو بعد القبول.
فإن قيل: هي قبل القبول على ملك الوارث فهو كبناء مشتري الشقص المشفوع وكرسه فيكون محزماً يتملك بقيمته.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٦) .
٤ - لو بيع شقص في شركة الورثة والموصى له قبل قبوله.
فإن قلنا: الملك له من حين الموت فهو شريك للورثة في الشفعة، وإلا فلا حق له فيها.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٦) .
٥ - جريان الملك من حيث الموت في حول الزكاة، فإن قلنا: ملكه للموصى له، جرى في حوله.
وإن قلنا: للورثة، فهل يجري في حولهم، حتى لو تأخر القبول سنة
كانت زكاته عليهم، أم لا، لضعف ملكهم فيه
وتزلزله وتعلق حق الموصى له؛ فيه قولان.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٧) .
стр. 1000
القاعدة: [٢٩٠]
الدَّين، هل يمنع انتقال التركة إلى الورثة أم لا ؟
التوضيح
إذا مات الإنسان انتقلت أمواله إلى الورثة، ولكن يتعلق بها أولاً أداء الدَّين، فإن كان على الميت دين، وتعلق بالتركة، فهل تنتقل التركة إلى الورثة، أم لا؟
في المسألة روايتان: أشهرهما: الانتقال، وهي المذهب.
ونص أحمد أن المفلس إذا مات، سقط حق البائع من عين ماله، لأن اللك انتقل إلى ورثته.
والرواية الثانية: لا ينتقل، ولا فرق بين ديون الله وديون الآدميين، ولا بين الديون الثابتة في الحياة والمتجددة بعد الموت بسبب منه يقتضي الضمان، كحفر بئر ونحوه.
وهل يعتبر كون الدَّين محيطاً بالتركة أم لا؟
وهو الدين المستغرق، فيه قولان، وعلى القول
بالانتقال فيتعلق حق الغرماء بها جميعاً، وإن لم يستغرقها الدين، وهل تعلق حقهم بها تعلق رهن أو جناية؛ فيه قولان.
التطبيقات
١ - هل يتعلق جميع الذين بالتركة، وبكل جزء من أجزائها، أم يتقسط؛ إن كان الوارث واحداً تعلق الدين بالتركة وبكل جزء من أجزائها، وإن كان الوارث متعدداً انقسم الدَّين على قدر حقوقهم، وتعلق بحصة كل وارث منهم قسطها من الدين، وبكل جزء منها.
(ابن رجب ٣٧٨/٣) .
стр. 1001
٢ - هل يتعلق الدَّين بعين التركة مع الذمة؟
فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: ينتقل إلى ذمم الورثة.
والثاني: هو باقٍ في ذمة الميت، وهو ظاهر كلام الأصحاب في ضمان
دين الميت.
والثالث: يتعلق باعيان الزكة فقط، وردّ بلزوم براءة ذمة الميت منها
بالتلف، وينزتب على هذا الاختلاف الفوائد التالية.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٩) .
٣ - هل يمنع تعلق الدين بالتركة من نفوذ التصرف ببيع أو غيره من العقود؛ إن قلنا بعدم انتقال الذين إلى ذمة الورثة فلا إشكال في عدم النفوذ، وإن قلنا بانتقال الدَّين إلى ذمة الورثة فوجهان:
أحدهما: لا ينفذ.
والثاني: ينفذ، وهو المذهب.
وإنما يجوز التصرف بشرط الضمان.
(ابن رجب ٣/ ٣٧٨) .
٤ - نماء الزكة: فإن قلنا: لا ينتقل الدين إلى الورثة، تعلق حق الغرماء بالنماء كالأصل.
وإن قلنا: ينتقل إليهم، فهل يتعلق حق الغرماء بالنماء؛ على وجهين.
حسب قاعدة النماء.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٣) .
٥ - لو مات رجل وعليه دين وله مال زكوي، فهل يبتدئ الوارث حول زكاته من حين موت مورثه أم لا؟
إن قلنا: لا تنتقل التركة إلى الوارث مع الدَّين، فلا إشكال
في أنه لا يجري حوله حتى تنتقل إليه.
وإن قلنا: ينتقل، انبنى على أن الدَّين هل هو مضمون في ذمة الوارث أو هو في ذمة الميت خاصهَ؟
فإن قلنا: الدَّين في ذمة الوارث، وكان مما يمنع الزكاة، انبنى على أن الدَّين المانع هل يمنع انعقاد الحول من ابتدائه، أو يمنع الوجوب في انتهائه خاصة؛ فيه روايتان، والمذهب أنه يمنع الانعقاد، فيمتنع انعقاد الحول على مقدار الذين من المال.
وإن قلنا: إنما يمنع وجوب الزكاة في آخر الحول، منع الوجوب ها هنا إلى آخر الحول في قدره أيضاً، وإن قلنا: ليس في ذمة
الوارث شيء، فالظاهر أن تعلق الدَّين بالمال مانع أيضاً.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٢) .
٦ - لو كان له شجر، رعليه دين، همات، فها هنا صورتان.
إحداهما: أن يموت قبل أن يثمر، ثم أثمر قبل الوفاء، فينبني على أن الدين هل يتعلق بالنماء أم لا؟
فإن قلنا: يتعلق به، خرج على الخلاف في منع الدَّين الزكاة في
الأموال الظاهرة، وإن قلنا: لا يتعلق به، فالزكاة على الوارث بناء على انتقال الملك
стр. 1002
إليه، أما إن قلنا: لا ينتقل، فلا زكاة عليه فيه إلا أن ينفك التعلق قبل بدو الصلاح.
الصورة الثانية: أن يموت بعدما أثمرت، فيتعلق الدين بالثمرة، ثم إن كان موته بعد وقت الوجوب، فقد وجبت عليه الزكاة، إلا أن نقول: إن الدين يمنع الزكاة في المال الظاهر، وإن كان موته قبل وقت الوجوب.
فإن قلنا: تنتقل التركة إلى الورثة مع الدين، فالحكم كذلك، لأنه مال لهم تعلق به دين، ولا سيما إن قلنا: إنه في ذممهم.
وإن قلنا: لا تنتقل التركة إليهم فلا زكاة عليهم.
وهذا يدل على أن النماء المنفصل يتعلق به حق الغرماء بلا خلاف.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٣) .
٧ - لو كانت التركة حيواناً، فإن قلنا بالانتقال إلى الورثة، فالنفقة عليهم، وإلا فمن التركة، وكذلك مؤنة المال كأجرة المخزن ونحوه.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٤) .
٨ - لو مات المدين وله شقص، فباع شريكه نصيبه قبل الوفاء، فهل للورثة الأخذ بالشفعة؛ إن قلنا بالانتقال إليهم فلهم ذلك، وإلا فلا.
ولو كان الوارث شريك الموزث، وبيع نصيب المورث في دينه.
فإن قلنا بالانتقال، فلا شفعة للوارث، لأن البيع وقع في ملكه؛ فلا يملك استرجاعه، وإن قيل بعدمه، فله الشفعة، لأن المبيع لم يكن في ملكه، بل في شركته.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٤) .
٩ - لو أقرَّ لشخص، فقال: له في ميراثي ألف، فالمشهور أنه متناقض في إقراره.
وفي قول: يحتمل أن يلزمه، إذ المشهور أن الدَّين لا يمنع الميراث، فهو كما لو قال: له في هذه التركة ألف، فإنه إقرار صحيح، لكن إذا قلنا: يمنع الدَّين الميراث، كان تناقضاً بغير خلاف.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٥) .
١٠ - لو مات وترك ابنين وألف درهم، وعليه ألف درهم دين، ثم مات أحد الابنين وترك ابناً، ثم أبرأ الغريم الورثة، فعلى القول بانتقال الدَّين إلى ذمم الورثة، فإن ابن الابن يستحق نصف التركة بميراثه عن أبيه، وهو الراجح؛ لأن التركة تنتقل مع الدَّين للورثة، فأنتقل ميراث الابن إلى ابنه، وعلى القول بمنع الانتقال يختص به ولد الصلب، لأنه هو الباقي من الورثة، وابن الابن ليس بوارث معه،
стр. 1003
والتركة لم تنتقل إلى أبيه، وإنما انتقلت بحد موته، كالوصية إذا مات الموصى له، وقبل وارثه، فإنه يملكه هو دون مورثه على القول الراجح بملك الوصية من حين القبول.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٦) .
١١ - رجوع بائع المفلس في عين ماله بعد موت المفلس، ينبني على هذا الخلاف.
فإن قلنا: ينتقل إلى الورثة، امتنع رجوعه، وبه علله الإمام أحمد.
وإن قلنا: لا ينتقل: رجع به، لا سيما والحق هنا متعلق في الحياة تعلقاً أكيداٌ.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٦) .
١٢ - ولاية المطالبة بالتركة إذا كانت ديناً ونحوه.
هل هو للورثة خاصة، أم للغرماء والورثة؟
يفهم من كلام أحمد أن للغرماء ولاية المطالبة والرجوع على المودعَ إذا سلَّم الوديعة إلى الورثة، لكن القاضي حمله على الاحتياط؛ لأن التركة ملك للورثة، ولهم الوفاء من غيرها، والظاهر إن قلنا: التركة ملك لهم، فلهم ولاية الطلب والقبض.
وإن قلنا: ليست ملكاً لهم، فليس لهم الاستقلال بذلك.
(ابن رجب ٣/ ٣٨٩) .
стр. 1004
القاعدة: [٢٩١]
نفقة الحامل، هل هي واجبة لها أو لحملها ؟
التوضيح
تجب النفقة شرعاً بسببين؛ النكاح والقرابة.
والمرأة الحامل قد تكون زوجة، وتجب نفقتها على زوجها بالشرع بسبب النكاح، ونفقة القرابة لا تثبت إلا بحكم القاضي.
فإن كانت المرأة حاملاً تجب لها النفقة إما بسبب النكاح وهذه لا خلاف فيها، وإما بسبب الحمل.
ولكن هل تستحق المرأة الحامل النفقة لنفسها، أو لحملها؟
في المسألة روايتان مشهورتان، وأصحهما أنها للحمل، وينبني على هذا الاختلاف فوائد.
التطبيقات
١ - إذا كان الزوج معسراً، فإن قلنا: النفقة للزوجة وجبت عليه، وثبتت في ذمته، وإن قلنا: للحمل، لم تجب؛ لأن نفقة الأقارب مشروطة باليسار دون نفقة الزوجة.
(ابن رجب ٣/ ٣٩٨) .
٢ - لو مات الزوج، فهل يلزم أقاربه النفقة؛ إن قلنا: هي للحمل، لزمت
الورثة، وإن قلنا: هي للزوجة، لم يلزمهم بحال.
(ابن رجب ٣/ ٣٩٩) .
٣ - لو غاب الزوج، فهل تثبت النفقة في ذمته؟
فيه طريقان، أحدهما: إن قلنا:
стр. 1005
هي للزوجة، ثبتت في ذمته ولم تسقط بمضي الزمان على المشهور من المذهب، وإن قلنا: هي للحمل، سقطت، لأن نفقة الأقارب لا تثبت في الذمة، والثاني: لا تسقط بمضي الزمان على الروايتين؛ لأنها مصروفة إلى الزوجة، ويتعلق حقها بها، فهي كنفقتها، ويشهد لذلك قول الأصحاب: لو لم ينفق عليها يظنها حائلاً، فبانت حاملاً لزمه نفقة الماضي.
(ابن رجب ٣/ ٣٩٩) .
٤ - إذا اختلعت الحامل بنفقتها، فهل يصح جعل النفقة عوضاً للخلع؟
ففي قول: إن قلنا: النفقة لها، صح، وإن قلنا: للحمل، لم يصح، لأنها لا تملكها.
وقال الأكثرون: يصح على الروايتين، لأنها مصروفة إليها، وهي المنتفعة بها (ابن رجب ٣/ ٤٠٠) .
٥ - لو نشزت الزوجة حاملاً، فإن قلنا: نفقة الحامل لها، سقطت بالنشوز، وإن قلنا؛ للحمل، لم تسقط به.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٠) .
٦ - الحامل من وطء الشبهة أو نكاح فاسد، هل تجب نفقتها على الواطئ؛ إن قلنا: النفقة لها، لم تجب؛ لأن النفقة لا تجب للموطوءة بشبهة ولا نكاح فاسد؛ لأنه لا يتمكن من الاستمتاع بها، إلا أن يسكنها في منزل يليق بها تحصيناً لمائه، فيلزمها ذلك، وتجب لها النفقة حينئذ.
وإن قلنا: النفقة للحمل، وجبت؛ لأن النسب لاحق
بهذا الواطئ، ونص عليه أحمد في وجوب النفقة لها.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٠) .
стр. 1006
٧ - لو كان الحمل مومراً، بأن يوصى له بشيء، فيقبله الأب.
فإن قلنا: النفقة له، سقطت نفقته عن أبيه، وإن قلنا: لأمه، لم تسقط.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٢) .
٨ - لو دفع إليها النفقة، فتلفت بغير تفريط، فإن قلنا: النفقة لها، لم يلزم بدلها، وإن قلنا: للحمل، وجب إبدالها؛ لأن ذلك حكم نفقة الأقارب.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٢) .
٩ - فطرة المطلفة الحامل، إن قلنا: النفقة لها، وجبت لها الفطرة.
وإن قلنا: للحمل، ففطرة الحمل على أبيه غير واجبة على الصحيح إلا بعد الولادة إن كانت قبل غروب الشمس من ليلة العيد.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٢) .
١٠ - هل تجب السكنى للمطلقة الحامل؛ إن قلنا: النفقة لها، فلها السكنى أيضاً، وإن قلنا: للحمل، فلا سكنى لها.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٢) .
١١ - نفقة المتوفى عنها إذا كانت حاملاً، في وجوبها روايتان بناهما بعضهم على هذا الأصل، فإن قلنا: النفقة للحمل، وجبت من التركة، كما لو كان الأب حياً.
وان قلنا: للمرأة، لم تجب، وهذا البناء لا يصح؛ لأن نفقة الأقارب لا تجب بعد الموت، والأظهر أن الأمر بالعكس، وهو إن قلنا: للحمل، لم يجب للمتوفى عنها لهذا المعنى.
وإن قلنا: للمرأة، وجبت لها النفقة؛ لأنها محبوسة على الميت لحقه.
فتجب نفقتها من ماله.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٢) .
١٢ - البائن في الحياة بفسخ أو طلاق إذا كانت حاملاً، فلها النفقة، وحكي في رواية: أنه لا نفقة لها، كالمتوفى عنها، وخصها بعضهم بالمبتوتة بالثلاث، بناء على أن النفقة للمرأة، والمبتوتة لا نفقة لها، وإنما تستحق النفقة إذا قلنا: هي للحمل، وهذا متوجه في القياس، إلا أنه ضعيف مخالف للنص في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وللإجماع، ووجوب النفقة للمبتوتة الحامل يرجح القول بأن النفقة للحمل.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٣) .
стр. 1007
١٣ - لو وطئت الرجعية بشبهة أو نكاح فاسد، ثم بأن بها حمل، يمكن أن يكون من الزوج والواطئ، فيلزمها أن تعتد بعد وضعه عدة الواطئ.
فأما نفقتها في مدة العدة، فإن قلنا: النفقة للحمل، فعليهما النفقة عليها حتى تضع؛ لأن الحمل لأحدهما يقيناً، ولا نعلم عينه، ولا ترجع المرأة على الزوج بشيء من الماضي.
وإن قلنا: النفقة للحامل، فلا نفقة لها على واحد منهما مدة الحمل؛ لأنه يحتمل أنه من الزوج، فيلزمه النفقة، ويحتمل أنه من الآخر، فلا نفقة لها، فلا تجب بالشك، فإذا وضعته، فقد علمنا أن النفقة على أحدهما، وهو غير معين، فيلزمهما جميعاً النفقة للولد، حتى ينكشف الأب منهما، وترجع المرأة على الزوج بعد الوضع بنفقة أقصر المدتين من مدة الحمل، أو قدر ما بقي من العدة بعد الوطء الفاسد، لأنها تعتد عنه
بأحدهما قطعاً، ثم إذا زال الإشكال وألحقته القافة بأحدهما بعينه عمل بمقتضى
ذلك، فإن كان معها وفق حقها من النفقة، وإلا رجعت على الزوج بالفضل.
ولو كان الطلاق بائناً، فالحكم كما تقدم في جميع ما ذكرنا، إلا في مسألة واحدة، وهي أنه لا ترجع المرأة بعد الوضع بشيء على الزوج.
سواء قلنا: النفقة للحمل، أو للحامل؛ لأن النفقة لا تستحق مع البينونة إلا بالحمل، وهو غير متحقق هنا أنه منه، بخلاف الرجعية فلها النفقة.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٤) .
стр. 1008
القاعدة: [٢٩٢]
القتل العمد، هل موجبه القود عينًا، أو أحد الأمرين ؟
التوضيح
إن القتل العمد يوجب القصاص عن القاتل، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ثم قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) ، ثم قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) .
وقال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) .
فإذا قتل شخص عمداً، استحق وليه المطالبة بالقصاص، أو بطلب الدية، ولكن هل الواجب الأصلي القود عيناً، أو التخيير بين القود أو الدية؟
فيه روايتان معروفتان عن الإمام أحمد، ويتفرع عليهما ثلاث قواعد في استيفاء القود، والعفو عنه، والصلح عنه، مع الأحكام الفرعية لكل قاعدة.
القاعدة الأولى: في استيفاء القود: يتعين حق المستوفى فيه بغير إشكال، ثم إن
قلنا: الواجب القود عيناً، فلا يكون الاستيفاء تفويتاً للمال، وإن قلنا: أحد
стр. 1009
الأمرين، فهل هو تفويت للمال أم لا؟
على وجهين، ويتفرع عليهما مسائل تتعلق
بالقاتل العبد، مما لا حاجة لسردها بعد إلغاء الزنى وزواله من التطبيق.
القاعدة الثانية: في العفو عن القصاص، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقع العفو عنه إلى الدية، وفيه طريقتان:
إحداهما ثبوت الدية على الروايتين.
والثانية: بناؤه على الروايتين.
فإن قلنا: موجبه أحد الشيئين، ثبتت الدية.
وإلا لم يثبت شيء بدون تراضِ منهما.
ويكون القود باقياً بحاله؛ لأنه لم يرضَ بإسقاطه إلا بعوض، ولم يحصل له.
الحالة الثانية: أن يعفو عن القصاص، ولا يذكر مالاً، فإن قلنا: موجبه
القصاص عيناً، فلا شيء له، وإن قلنا: أحد الشيئين، ثبت المال.
الحالة الثالثة: أن يعفو عن القود إلى غير مال مصرحاً بذلك.
فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً، فلا مال له في نفس الأمر.
وقوله هذا لغو، وإن قلنا: الواجب أحد
شيئين، سقط القصاص والمال جميعاً.
فإن كان ممن لا تبرع له، كالمفلس والمحجور عليه والمريض فيما زاد عن الثلث والورثة، مع استغراق الديون للتركة، فوجهان، أحدهما: لا يسقط المال بإسقاطهم، وهو المشهور، لأن المال وجب بالعفو عن القصاص، فلا يمكنهم إسقاطه بعد ذلك، كالعفو عن دية الخطأ.
والثاني: يسقط، وهو المنصوص عليه؛ لأن المال لا يتعين بدون اختياره له أو إسقاط القصاص وحده، أما إن أسقطهما في كلام واحد متصل، سقطا جميعاً من غير دخول المال في ملكه، ويكون ذلك اختياراً
منه لترك التملك، فلا يدخل المال في ملكه.
إذا تقرر هذا، فهل يكون العفو تفويتاً للمال؟
إن قلنا: الواجب القود عيناً، لم يكن العفو تفويتاً للمال، فلا يوجب ضماناً، وفي قول: يجب الضمان، وفي قول: على وجهين.
стр. 1010
التطبيقات
يتخرج على هذا الأصل مسائل، منها:
١ - عفو المفلس عن الجناية الموجبة للقود مجاناً، فالمشهور أنا إن قلنا: الواجب القود عيناً، صح، دران قلنا: الواجب أحد الأمرين، لم يصح العفو عن المال، وعلى الوجه الآخر الذي قيل: إنه المنصوص، يصح.
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
٢ - عفو الورثة عن القصاص مع استغراق الديون، وحكمه حكم المفلس السابق.
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
٣ - عفو المريض عن القصاص، وحكمه فيما زاد عن الثلث كذلك.
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
٤ - العفو عن الوارث الجاني في مرض الموت عن دم العمد، إن قلنا: الواجب القود عياً، فهو صحيح، دران قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فكذلك، ويتوجه فيه وجه آخر بوقوفه على إجازة الورثة.
(ابن رجب ٣/ ٤٢) .
تنبيه أول
لو أطلق العفو عن الجاني عمداً، فهل يتنزل على القود والدية، أو على القود وحده؛ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو المنصوص، أنه ينصرف إليهما جميعاً.
والثاني: ينصرف إلى القود وحده، إلا أن يقر العافي بإرادة الدية مع القود.
والثالث: يكون عفواً عنهما، إلا أن يقول: لم أرد الدية، فيحلف ويقبل منه، وفي قول: إن قلنا: الواجب القود وحده، سقط، ولا دية، وإن قلنا: أحد شيئين، انصرف العفو إلى القصاص في أصح الروايتين.
والأخرى: يسقطان جميعاً.
стр. 1011
تنبيه ثانٍ.
لو اختار القصاص، فله ذلك، وهل له العفو عنه إلى الدية؟
إن قلنا: القصاص هو الواجب عيناً، فله تركه إلى الدية.
وإن قلنا: الواجب أحد شثين، فعلى وجهين:
أحدهما: نعم، لأن أكثر ما فيه أنه تعين له القصاص.
فيجوز له تركه إلى مال، كما إذا قلنا: هو الواجب عيناً.
والثاني: لا، لأنه أسقط حقه من الدية باختياره.
فلم يكن له الرجوع إليها، كما لو عفا عنها وعن القصاص.
وفارق ما إذا قلنا: هو الواجب عيناً؛ لأن المال لم يسقط بإسقاطه، ويجاب عن هذا بأن الذي أسقطه هو الدية الواجبة بالجناية، والمأخوذ هنا غيره، وهو مأخوذ بطريق المصالحة عن القصاص.
القاعدة الثالثة: الصلح عن موجب الجناية، فإن قلنا: هو القود وحده، فله
الصلح عنه بمقدار الدية، وبأقل، وأكثر منها، إذ الدية غير وإجبة بالجناية، وكذلك إذا اختار القود أولاً، ثم رجع إلى المال، وقلنا له ذلك، فان الدية سقط وجوبها.
وإن قلنا أحد شئين، فهل يكون الصلح عنها صلحاً عن القول أو المال؛ على وجهين.
التطبيقات
١ - هل يصح الصلح على كثر من الدية من جنسها، أم لا؟
في قول: لا يصح؛ لأن الدية تجب بالعفو والمصالحة، فلا يجوز أخذ أكثر من الواجب من الجنس، ويصح على غير جنس الدية، ولا يصح على جنسها إلا بعد تعيين الجنس، من إبل، أو بقر، أو غنم، حذاراً من ربا النسيئة وربا الفضل، وقال الأكثرون: بجواز الصلح
стр. 1012
بأكثر من الدية من غير تفصيل، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، لأن القود ثابت، فالمأخوذ عوض عنه، وليس من جنسه، فجاز من غير تقدير كسائر المعاوضات الجائزة، وأما القود، فقد يقال: إنما يسقط بعد صحة الصلح وثبوته، وأما مجرد المعاوضة في عقد الصلح، فلا توجب سقوطه، فإنه إنما يسقطه بعوض، فلا يسقط بدون ثبوت العوض.
(ابن رجب ٣/ ٤٥) .
٢ - لو صالح عن دم العمد بشقص، هل يوخذ بالشفعة أم لا؟
إن قلنا: الواجب القود عيناً، فالشقص مأخوذ بعوض غير مالي، فلا شفعة فيه على أشهر الوجهين.
وإن قلنا: الواجب أحد شيئين، فهو مأخوذ بعوض مالي، إذ هو عوض عن الدية لتعينها باختيار الصلح.
(ابن رجب ٣/ ٤٦) .
стр. 1013
القاعدة: [٢٩٣]
المرتد: هل يزول ملكه بالرِّدة أم لا ؟
التوضيح
المرتد: هو الخارج عن الإسلام باعتقاد أو قول أو عمل، ويترتب على الردة
إحباط العمل، واستتابة المرتد، فإن أصرَّ أقيم عليه حدُّ الردة، وتبطل تصرفاته في قول.
وفي زوال ملكه روايتان، إحداهما: لا يزول ملكه، بل هو باقٍ عليه، كالمستمر على عصمته، والثانية؛ يزول ملكه، وفي وقت زواله ثلاث روايات، إحداها: من حين موته مرتداً.
والثانية: من حين ردته، فإن أسلم أعيد إليه ماله ملكاً جديداً.
والثالثة: أنا نتبين بموته مرتداً زوال ملكه من حين الردة، أي لا يزول بمجرد الردة إلا إذا مات عليها، ويترتب على هذا الاختلاف فوائد كثيرة، وتطبيقات.
التطبيقات
١ - لو ارتد في أثناء حول الزكاة، فإن قلنا: زال ملكه بالرِّدة، انقطع الحول بغير تردد، ونص عليه أحمد، وإن قلنا: لا يزول، فالمشهور أن الزكاة لا تجب عليه، وإن عاد إلى الإسلام، فينقطع الحول أيضاً؛ لأن الإسلام من شرائط وجوب الزكاة، فيعتبر وجوده في جميع الحول.
وفي رواية: تجب الزكاة إذا عاد إلى الإسلام لما مضى من الأحوال.
стр. 1014
وإن ارتد بعد الحول لم تسقط عنه إلا إذا عاد إلى الإسلام، وقلنا: إن المرتد لا يلزمه قضاء ما تركه قبل الرِّدة من الواجبات، والصحيح من المذهب خلافه، ويلزم القضاء.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٨) .
٢ - لو ارتد المعسر، ثم أيسر في زمن الرِّدة، ثم عاد إلى الإسلام وقد أعسر، فإن قلنا: إن ملكه يزول بالرِّدة، لم يلزمه الحج باليسار السابق.
وإن قلنا: لا يزول ملكه، فهل يلزمه الحج بذلك اليسار؛ ينبني الجواب على حكم وجوب العبادات عليه في حال الرِّدة وإلزامه قضاءها بعد عوده إلى الإسلام، والصحيح: عدم الوجوب، فلا يكون بذلك مستطيعاً.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٨) .
٣ - حكم تصرفات المرتد بالمعاوضات والتبرعات وغيرها.
فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهي صحيحة نافذة.
وإن قلنا: يزول بموته، أقز المال بيده في حياته.
ونفذت معاوضاته، ووقفت تبرعاته المنجزة والمعلقة بالموت.
فإذا مات ردَّت كلها، وإن لم تبلغ الثلث؛ لأن حكم الرِّدة حكم المرض الخوت، وإنما لم تنفذ من ثلثه؛ لأن ماله يصير فيئاً بموته لبيت المال.
وإن قلنا: يزول ملكه في الحال، جعل في بيت
المال، ولم يصح تصرفه فيه بحال، لكن إن أسلم ردَّ إليه ملكاً جديداً.
وإن قلنا: موقوف مراعى، حفظ الحاكم ماله، ووقفت تصرفاته كلها، فإن أسلم، أمضيت، وإلا تبينا فسادها.
ولو تصرف لنفسه بنكاح، لم يصح، لأن الرِّدة تمنع الإقرار على النكاح، وإن زوج موليته لم يصح لزوال ولايته بالرِّدة.
(ابن رجب ٣/ ٤٠٩) .
٤ - لو باع شقصاً مشفوعاً في الرِّدة، فإن حكمنا بصحة بيعه، أخذ منه الشفعة، وإلا فلا، ولو بيع في زمن رذته شقص في شركته.
فإن قلنا: ملكه باقي، أخذ بالشفعة وإلا فلا.
(ابن رجب ٣/ ٤١٠) .
стр. 1015
٥ - لو حاز مباحاً أو عمل عملاً بأجرة، فإن قلنا: ملكه باق، ملك ذلك، وإن قلنا: زال ملكه، لم يملكه، فإن عاد إلى الإسلام بعد ذلك فهل يعود ملكه إليها، فيه احتمالان.
(ابن رجب ٣/ ٤١٠) .
٦ - الوصية له، في صحتها وجهان، بناء على زوال ملكه وبقائه، فإن قلنا: زال ملكه، لم تصح الوصية له، وإلا صحت.
(ابن رجب ٣/ ٤١٠) .
٧ - ميراثه، فإن قلنا: لا يزول ملكه بحال، فهو لورثته من المسلمين، أو من أهل دينه الذي اختاره على روايتين، وإن قلنا: يزول ملكه من حين الرِّدة أو بالموت، فماله فيء ليس لورثته منه شيء.
(ابن رجب ٣/ ٤١٠) .
٨ - نفقة من تلزمه نفقته، فإن قلنا: ملكه باقٍ ولو في حياته أو مراعى، أنفق عليهم من ماله مدة الرِّدة، وإن قلنا: زال بالرِّدة، فلا نفقة لهم منه في مدة الرِّدة، لأنه لا يملكه.
(ابن رجب ٣/ ٤١١) .
٩ - قضاء ديونه، وهو كالنفقة، فيقضي ديونه على الروايات كلها، إلا على رواية زوال ملكه من حين الرِّدة، فلا تقضى منه الديون المتجددة في الرِّدة، وتقضى منه الديون الماضية، فإنه إنما يكون فيئاً ما فضل عن أداء ديونه ونفقات من يلزمه نفقته؛ لأن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، فتؤخذ من ماله، ويصير الباقي فيئاً.
(ابن رجب ٣/ ٤١١) .
стр. 1016
القاعدة: [٢٩٤]
الكفار هل يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها ؟
التوضيح
إذا استولى الكفار على أموال للمسلمين، سواء كان ذلك بالحرب والقتال، أم بالاغتصاب والاستيلاء، والقهر، فهل تعتبر يدهم يد ملك عليها؛ وتزول ملكية صاحبها المسلم عنها؟
اختلفت الآراء في المذهب الحنبلي.
فقال القاضي: إنهم يملكونها من غير خلاف.
وقال أبو الخطاب: إنهم لا يملكونها، وإنها ترد إلى من أخذت منه من المسلمين على كل حال، ولو قسمت في المغنم وتعرف عليها صاحبها، أو أسلم الكافر وهي في يده، فترد إلى صاحبها، وأيد ذلك ابن القيم بقوة، وقال بعضهم: فيها روايتان، وصححوا عدم الملك.
وقال ابن تيمية: يملكونها ملكاً مقيداً لا يساوي أملاك
المسلمين من كل وجه، وترتب على هذا الحلاف فوائد وأحكام.
التطبيقات
١ - إن من وجد من المسلمين عين ماله قَبْل القسمة، أخذه مجاناً بغير عوض، وإن وجده بعد القسمة، فالمنصوص عن أحمد أنه لا يأخذه بغير عوض، وهل يسقط حقه منه بالكلية، أو يكون أحق به بالثمن؛ على روايتين، واختار أبو الخطاب أنه أحق به مجاناً بكل حال، وأن أحمد قال: هذا هو القياس، لأن اللك لا يزول إلا بهبة أو صدقة، وقال غيره: لا حق له.
(ابن رجب ٣/ ٤١٢) .
стр. 1017
٢ - إذا غُنِمت أموال المسلمين، ولم يعلم أربابها، وقلنا: يملكها الكفار، فإنه بِحوز قسمتها والتصرف فيها.
وإن قلنا: لا يملكونها، فالقياس: أنه لا يجوز قسمتها.
ولا التصرف فيها، بل توقف كاللقطة، وأما ما عرف مالكه من المسلمين، فإنه لا تجوز قسمته، بل يرد إليه على القولين، ونص عليه أحمد في رواية الكثيرين.
(ابن رجب ٣/ ٤١٣) .
٣ - إذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين، فهي لهم نص عليه أحمد.
وفي رواية: ليس بين الناس اختلاف في ذلك، وهذا متنزل على القول بالملك، فإن قيل: لا يملكونها، فهي لربها متى وجدها، وأكد ابن قدامة القول الأول، لأن الشارع ملّك الكافر بإسلامه ما في يده من أموال المسلمين بقوله: من أسلم على شيء فهو له، فهذا تمليك جديد يملكونها به، لا بالاستيلاء الأول، وهذا يرجع أيضاً إلى أن كل ما قبضه
الكفار من الأموال وغير ها قبضاً فاسداً، يعتقدون جوازه، فإنه يستقر لهم بالإسلام، كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها، ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين من النفوس والأموال بالإجماع.
(ابن رجب ٣/ ٤١٤) .
٤ - لو استولى العدو على مال مسلم، ثم عاد إليه بعد حول أو أحوال، فإن قلنا: ملكوه، فلا زكاة عليه لما مضى من المدة بغير خلاف.
وإن قلنا: لم يملكوه، ففي زكاته روايتان بناء على زكاة المال المغصوب والضائع من ربه.
(ابن رجب ٣/ ٤١٥) .
٥ - لو استولى الكفار على أرض مؤجرة، فالقياس أنه تنفسخ الإجارة، لأنهم أخذوا الرقبة والمنفعة.
أما لو استولوا على زوجة حرة فلا ينفسخ النكاح بسَبْيها، لأنهم لا يملكون الحرة بالسبي، وفي رواية: ينفسخ بالسبي، لأن منافع الحر في حكم الأموال، ولهذا تضمن بالغصب على رأي، فجاز أن تملك بالاستيلاء، بخلاف عينه، لا سيما والاستيلاء سبب قوي يملك به ما لا يملك بالعقود الاختيارية، ولهذا يملكون به المصاحف، فجاز أن يملكوا به منفعة بضع الحرة، ولا يلزم من ذلك إباحة وطئها لهم؛ لأن تصرفهم في أموال المسلمين لا يباح لهم وإن قيل: إنهم يملكونها.
(ابن رجب ٣/ ٤١٦) .
стр. 1018
القاعدة: [٢٩٥]
الغنيمة: هل تملك بالاستيلاء المجرد.
أم لا بد معه من نية التملك ؟
التوضيح
الغنيمة هي ما يأخذه المسلمون من أموال الكفار أثناء الحرب والقتال، والغنيمة من حق المقاتلين المسلمين الغانمين، ولكن هل تدخل في ملك المسلمين بمجرد الاستيلاء ووضع اليد عليها؛ أم لا بدَّ من نية التملك لها؟
المنصوص عن أحمد وعليه كثر الأصحاب أنها تمللث بمجرد الاستيلاء بإزالة
أيدي الكفار عنها، وهل يشترط مع ذلك فعل الحيازة كالمباحات أم لا؟
على وجهين، وفي قول؛ لا تملك بدون احتياز التملك، مع التردد في الملك قبل القسمة، هل هو باقٍ للكفار، أو أن ملكهم انقطع عنها؛ وينبني على هذا الاختلاف فوائد وأحكام.
التطبيقات
١ - جريان حول الزكاة، فإن كانت الغنيمة أجناساً، لم ينعقد عليها حول بدون القسمة وجهاً واحداً؛ لأن حقَّ الواحد منهم لم يستقر في جنسٍ معين، وإن كانت جنساً واحداً فوجهان، أحدهما: ينعقد الحول عليها بالاستيلاء، بناء على حصول
стр. 1019
الملك به، والثاني: لا ينعقد، بناء على أن الملك لا يثبت فيها بدون اختيار التملك لفظاً، وهذا بعيد، أو لأن استحقاق الغانمين ليس على وجه الشركة المحضة، ولذلك لا يتعين حق أحدهم في لشيء مثها بدون حصوله له بالقسمة، فلا ينعقد الحول قبلها، كما لو كانت أصنافاً.
(ابن رجب ٣/ ٤٢١) .
٢ - لو أتلف أحد الغانمين شيئاً من الغنيمة قبل القسمة، فإن قلنا؛ الملك ثابت فيها، فعليه ضمان نصيب شركائه خاصة، ونص عليه أحمد، وإن قلنا: لم يثبت الملك فيها، فعليه ضمان جميعها.
(ابن رجب ٣/ ٤٢٣) .
٣ - لو أسقط الغانم حقه قبل القسمة، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه مبني على الخلاف.
فإن قلنا: ملكوها، لم يسقط الحق بذلك، وإلا سقط.
والثاني: يسقط على القولين، لضعف الملك وعدم استقراره.
(ابن رجب ٣/ ٤٢٤) .
٤ - لو مات أحد الغانمين قبل القسمة والاحتياز، فالمنصوص أن حقه ينتقل إلى ورثته.
وفي قول: إن قلنا: لا يملك بدون الاحتياز، فمن مات قبله، فلا شيء له ولا يورث عنه، كحق الشفعة، ويحتمل أن يقال على هذا: يكتفي بالمطالبة في ميراث الحق، كالشفعة.
(ابن رجب ٣/ ٤٢٤) .
٥ - لو شهد أحد الغائمين بشيء من المغنم قبل القسمة.
فإن قلنا: قد ملكوا، لم يقبل، كشهادة أحد الشريكين للآخر.
وإن قلنا: لم يملكوا، قبلت، ولكن في قبولها نظر، لأنها شهادة تجر نفعاً، والأظهر: لا تقبل شهادة أحد الغانمين بمال الغنيمة مطلقاً.
(ابن رجب ٣/ ٤٢٤) .
стр. 1020
القاعدة: [٢٩٦]
القسمة: هل هي إفراز أم بيع ؟
التوضيح
إذا اقتسم الشريكان الال المشترك بينهما، وأخذ كل منهما حصته من الشركة، فهل يعدُّ ذلك عزلاً وفرزاً وتمييزاً لحصة كل منهما، أم يعدُّ ذلك مبادلة وبيعاً، لأن كل جزء من المال المشترك يملكه الشريكان، فيبيع أحدهما حصته في الجزء، ليأخذ مقابله حصة شريكه في جزء آخر، ويترتب على تكييف العملية بأنها إفراز أو بيع نتائج.
والمذهب عند الحنابلة: أن قسمة الإجبار، وهي ما لا يحصل فيها رد عوض من أحد الشريكين، ولا ضرر عليه، إفراز لا بيع.
وفي قول: إنها كالبيع في أحكامه.
وقيل: فيها روايتان، أما ما كان فيه رد عوض، فهي بيع.
وقيل: إنها بيع فيما يقابل الرد، وإفراز في الباقي، قياساً على قسممة الطلق عن الوقف: إذا كان فيها رد من جهة صاحب الوقف، جاز، لأنه يشتري به الطلق، وإن كان من جهة صاحب الطلق، لم يجز.