موجبه. والوجه الثاني: إن نوى موجبه، وقع.
(٦) لو قيل له: أخليت امرأتك، ونحوه من الكنايات، فكناية.
(٧) إذا أتى بالكناية في حال لا تشترط معها النية، فإنه يقع، سواء أراد الطلاق أم لا، لكن إن ادعى عدم إرادة الطلاق، دين، ولم يقبل حكماً؛ هذا المذهب، وعنه: يقبل، وعنه: لا
يقع بالكناية إلا بنية مطلقاً.
(٨) إذا أتى بصريح الطلاق، وقال: أردت طاهراً ونحوه، لم يقبل حكماً، وعنه: يقبل إلا حال غضب أو سؤال طلاق، وعنه: من أتى بصريح الطلاق، ولم ينوه، لم يقع، إلا مع قرينة؛ كغضب ونحوه.
فائدة
أولاد العلات هم الإخوة، أبوهم واحد، وأمهاتهم شتي، وأولاد الأخياف بالعكس.
والإخوة الأعيان: هم الأشقاء، أبوهم وأمهم واحدة.
فائدة
في (ص٣٨٨) من الجزء الثالث من ((الفتاوى)) :
وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة، كما جوز تغييره
للمصلحة، واحتج بفعل عمر، ﵁.
وفي ((الاختيارات)) (ص١٨٢) ونقل صالح: ينقل المسجد لمنفعة الناس.
وفي (ص٥٧٦) من الجزء (٥) من ((المغني)) قال في رواية صالح: يحول المسجد
خوفاً من اللصوص، وإذا كان موضعه قذراً، ثم ذكر أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي في الكوفة: انقل المسجد الذي بالتّمّارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد؛ فإنه لن يزال في المسجد مصل.
стр. 142
فائدة
من الإشكالات علينا قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ) أي: الأطفال (جُنَاحٌ بَعْدَهُن) (النور: ٥٨) :
وجه الإشكال: أن مفهومها أن على الأطفال جناح فيهن، وقد علم أنه قد رفع القلم عنهم.
والجواب- والله أعلم-: أنه ليس المراد بالجناح هنا الإثم، وإنما المراد الحرج والمشقة في الاستئذان؛ وهذا لا يلزم منه الإثم، والله أعلم.
فائدة
في رواية للبخاري في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: ((ولكن دعي الصلاة قدر الأيام
التي كنت تحيضين فيها)) (١) ، وعند مسلم في قصة أم حبيبة بنت جحش: ((فقال لها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك)) (٢) ، وعند أحمد، والنسائي في حديثها: ((فلتنظر قدر قروئها التي كانت تحيض)) (٣) ، وللنسائي من حديث زينب بنت جحش: ((تجلس أيام أقرائها)) ٧٨) ، وللخمسة إلا الترمذي، من حديث أم سلمة، ((لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر)) (٤) ، ولمسلم من حديث فاطمة بنت أبي حبيش: ((اجتنبي الصلاة أيام محيضك)) (٥) .
стр. 143
فائدة
عن عائشة- ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : ((إن دم الحيض دم اسود يعرف؛ فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر، فتوضئي وصلى)) (١) .
قال في ((البلوغ)) وشرحه ((سبل السلام)) : رواه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والحاكم، واستنكره أبو حاتم، لأنه من حديث عدي ابن ثابت، عن أبيه، عن جده، وجده لا يعرف، وقد ضعف الحديث أبو داود. اهـ.
وفي ((نيل الأوطار)) أنه رواه الدارقطنى، والبيهقي أيضاً.
وفي ((شرح المهذب)) (ص٤٠٣ج٢) أن الحديث صحيح، رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم بأسانيد صحيحة من رواية فاطمة، واصله في البخاري، ومسلم بغير هذا اللفظ. اهـ.
قلت: تقدمت الروايات من هذا، وقد علل في ((المهذب)) تقديم التمييز بأنه علامة قائمة في شهر الاستحاضة، فكان اعتباره أولى من اعتبار عادة انقضت، وعلله في ((شرحه)) بالحديث، وبأنه علامة ظاهرة، وبأنه علامة في موضع النزاع (كذا! ولعله في غير موضع النزاع) . (انظر الفائدة السابقة) .
فائدة
من محمد بن علي بن سلوم، إلى جناب الشيخ المكرم عبد الله بن فائز، سلمه الله آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 144
وبعد:
فقد سألني ابن أخيك محمد بن إبراهيم عن وضع الشاخص لوقت الظهر والعصر، وهو أن تأخذ خشبة أو حجراً قدر ذراع، فتنصبه قبله المسجد على جداره من قبله تنصبه نصباً قوياً بجص حتى لا يسقط، وأن يكون ظله وقت العصر في أرض المسجد لا يكون على جدار، فهو أوضح، والخشبة المركوزة أو الحجر تورده قليلاً؛ بحيث إنك إذا أسقطت صخرة قدر تمرة أو قريباً منها تسقط على الأرض، ويسم مسقط حجره، ثم تأخذ وتداً فتضربه في مسقط الحجر، وترصد الجدي بالليل: فإن كان الحاجزان فوقه أو تحته، فهو حينئذ على سمت القطب، فتأتي بخيط وتجعله بيد رجل يمده إلي جهة الجدي، وتغمض بإحدي عينيك، وتنظر بالأخرى، وأنت جاعل رأسك عند الوتد تنظر إلي جهة الجدي، والرجل الآخر سامت الخيط، فإذا رأيت الجدي من قبل يد الرجل التي مسامته الخيط، فينزل الخيط في الأرض، فما وقع عليه الخيط فهو خط نصف النهار وقت الظهر.
وأما إذا أردت أن تعرف وقت العصر: فتأخذ خيطا من رأس الخشبة التي هي الشاخص إلي الأرض طول الخيط، وتضيف إليه أيضاً طول الظل الذي من الوتد إلي موضع الزوال، ثم تجعل طرف الخيط في الوتد وتمده إلى ظل الشاخص في الأرض، فإذا ساوى طرف الخيط ظل الشاخص فقد دخل وقت العصر.
وإذا أردت أن تعرف زوال الشمس وأنت في غير المسجد في برية أو غيرها: فاغرز درباشاً أو عصاً، أو رمحاً في أرض مستويه، ثم تخط على راس ظله خطاً كالهلال، وتنظر إلي ظله، فإن زاد فالشمس قد زالت، وإن نقص فخط خطاً، وكلما نقص فخط خطاً آخر حتى يزيد، فإذا زاد فقد
стр. 145
زالت الشمس ولو بقدر شعيرة.
وأنا أعرف الزوال بستة أوجه هذا أوضحها، وقد ذكر هذا الذي ذكرت في ((الإقناع)) و ((المنتهى)) و ((الغاية)) في شروط الصلاة، وأوضحها حاشية عثمان ﵀ والسلام.
فائدة
في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وألف، أمر رئيس الحسبة عندنا أن يتفقد الناس في صلاة الفجر، فاستشكل بعض الناس ذلك: بحجة أن هذا عمل بدعي لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ ، وأنه يلزم منه أن يصلي بعض الناس رياء وسمعة، خوفاً من الفضيحة، ويلزم منه محذور آخر، وهو أن بعض الناس قد يقوم من منامه متاخراً فيصلي بلا وضوء أو مع الجنابة.
والجواب على هذا الإشكال: أن الشبهة الأولى- وهي كونه عملاً بدعياً- ليست بشبهة فإن العلم المحدث بعد عصر النبي ﷺ نوعان:
نوع: يفعله محدثه على أنه عبادة وقربة؛ فهذا بدعة لا يجوز، لأن الأصل في العبادات الحظر، فلا يشرع منها إلا ما جاء عن الله ورسوله، فالعبادات مبناها على التوقيف يجب اعتقاد ما جاء به الشرع ديناً، وأن لا يشرع شيء على سبيل التعبد والتدين، وهو لم يرد به كتاب ولا سنة.
النوع الثاني: عمل يحدثه صاحبه على غير سبيل التعبد والقربة؛ فهذا ثلاثة أنواع:
الأول: ما كان داخلاً تحت عموم نص، سواء كان تحت عموم لفظي أم عموم معنوي، أي: بأن يكون داخلاً في عموم لفظ النص أو في عموم معناه، وهو المقيس على ما جاء به النص؛ فهذا واضح؛ له حكم ما دل عليه النص من تحريم أو إباحة أو إيجاب.
الثاني: ما لم يكن داخلاً في عموم نص؛ بل هو مسكوت عنه؛ فهذا
стр. 146
مباح على أصح الأقوال؛ لعموم قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا) (البقرة: ٢٩) ، وقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق) (الأعراف: ٣٢) ، وقول النبي ﷺ : ((وسكت عن أشياء؛ رحمة بكم غير نسيان)) ، فما سكت عنه الله ورسوله فهو عفو.
ووجه الدلالة من الآيتين: أن التناول لما في الأرض وللزينة والطيبات عمل.
النوع الثالث: ما لم يكن داخلاً تحت عموم نص، وهو مسكوت عنه، لكنه وسيلة، فهذا له حكم ما كان وسيلة له؛ كاستعمال الأشياء المعينة على تبليغ الكلم من الإذاعات ومكبرات الصوت، وعلى إدراك الأشياء، كنظارة العين، ونحوها.
فهذه: إن استعملت لأمور نافعة، كانت محمودة، وإن استعملت لأمور ضارة، كانت مذمومة، وإن استعملت في أمور مباحة، كانت مباحة، ومن هذا النوع: ما يستخدم الآن في الاستخبارات والتجسس؛ من مسجلات الصوت ونحوها.
ومن هذا أيضاً: تفقد الناس في المساجد؛ فإنه يستعمل ليعين الناس على الحضور إلى الجماعة، ولا أحد يشاهد الحال إلا ويعرف بأن له أثراً كبيراً في حضور الناس إلي الصلاة في الجماعة، ولا ريب أن حضور الناس إلى الجماعة أمر محمود شرعاً؛ فيكون التفقد المعين عليه محمودا كذلك.
هذا على فرض أن التفقد لم يرد به عن النبي ﷺ شيء؛ فكيف وقد ورد الحديث بذلك؛ فعن أبي بن كعب- ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح، فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين ... ))
стр. 147
الحديث؛ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (١) وقد جزم يحيى بن معين، والذهلي بصحة هذا الحديث؛ ذكره في ((الترغيب والترهيب)) (ص٢٦٤ج١) .
وبهذا تبين أن التفقد كان معروفاً في عهد النبي ﷺ .
هذا؛ وفي (ص٢٠٣) من ((الدرر السنية)) ، فتاوى علماء نجد في الجزء الرابع، من المجلد الثاني، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- ﵀: يلزم الأمير يلزمهم تفقد الناس في المساجد حتى يعرف من يتخلف عن الجماعة ويتهاون بها، ويجعل للناس نوابا للقيام على الناس بالاجتماع للصلاة في جميع البلدان والقرى.. إلي آخر ما قال.
وأما كونه يلزم من ذلك أن يصلي بعض الناس رياء وسمعة، فجوابه: أن هذه الحدود والعقوبات التي جعلها الشارع مرتبة على بعض المعاصي، هي- أيضاً - سبب من اسباب ترك المعصية؛ فإن كثيراً من العصاة قد يمنعهم من فعل المعصية خوف العقوبة: ولذلك تجد بعض الناس إذا حصلت له المعصية خفية، لم يتوقف في فعلها، أما إذا كانت لا تحصل له إلا في مواقع العثور عليه، فإنه يتركها خوفاً من العثور عليه وعقوبته، ولا أحد يرتاب في مصلحة هذه الحدود والعقوبات، وأنها من رحمة الله وحكمته التي بهرت العقول، وتقاصرت عنها حكم ذوي الألباب؛ وهل يمكن لعاقل أن يعترض على هذه الحدود والعقوبات بحجة أن بعض الناس قد يترك المعصية خوفاً من الحد والعقوبة، فيكون بذلك مرائياً ومسمعاً؟!
فإن قيل: ((هذه الحدود والعقوبات جاءت فيمن فعل المعصية،
стр. 148
والترك من أجلها ليس فعلاً يتصور فيه الرياء والسمعة)) :
فالجواب من وجهين:
الأول: أن تارك المعصية ظاهرة الصلاح، والأمر الظاهر تتصور فيه المراءاة والسمعة.
الثاني: أن الشرع جاء بالعقوبة على ترك الواجبات، كما في عقوبة مانع الزكاة ونحوه.
وأما ما يلزم من ذلك من كون بعض الناس يصلي بلا طهارة: فهذا إن وقع فهو نادر، والأمر النادر لا يترك له ما كان محقق المصلحة.
ثم إنه مفسدة في حق الفرد، والتفقد مصلحة عمومية، والمصلحة العامة تغتفر فيها المفسدة الخاصة.
ثم إن هذا المصلي بلا طهارة، هو الذي جنى على نفسه، فالذنب ذنبه، وليس ذنب المتفقد؛ فلم لا يقوم مبكراً حتى يتمكن من التطهر قبل المضى إلي الصلاة؟!
وبهذا تبين أنه لا إشكال في عمل التفقد، وأنه مصلحة ظاهرة، والله الموفق.
فائدة
قال في ((الإقناع)) (ص٥٠٧ج١) : وكذا أكل من أفطر والصوم يجب عليه، فإنه يلزمه الإمساك والقضاء؛ كالمفطر لغير عذر.
فقوله: ((والصوم يجب عليه)) يفيد أنه إذا كان الصوم لا يجب عليه كالمريض، فإن الإمساك لا يلزمه إذا أفطر؛ ومن هذا إذا احتاج المريض إلي حقنه تفطر، فإنه له استعمالها، ثم لا يلزمه الإمساك بعد ذلك.
ويؤيد ذلك قوله في (ص٥٠٩) من الجزء المذكور: وكذا مريض يباح له الفطر إذا نوى الصوم له الفطر بما شاء من جماع وغيره.
стр. 149
وقال في ((المغني)) (ص١٣٤ج٣) من الطبعة المفردة: وكل من أفطر والصوم لازم له كالمفطر بغير عذر، يلزمهم الإمساك، ثم قال: فأما من يباح لهم الفطر في أول النهار ظاهراً وباطناً، كالحائض، والنفساء، والمسافر، والصبي، والمجنون، والكافر، والمريض، إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار، ففيهم روايتان:
إحداهما: يلزمهم الإمساك؛ وفاقاً لأبي حنيفة.
والثانية: لا، وفاقاً لمالك والشافعي.
ثم قال: ولو علم الصبي أنه يبلغ أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه يقدم، لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما. اهـ. بتخليص وتغيير لفظي، والله أعلم.
فائدة
ما يصدر من العبد ينقسم أقساماً:
الأول: أن يلجأ إلى الفعل بحيث لا يكون له فيه إرادة ألبتة، كمن أمسكت يده، فضرب بها غيره، فلا حكم لفعله إطلاقاً.
الثاني: أن يكره على أن يفعل؛ فهذا لا أثر لفعله من حيث الشرع؛ كما ألغى الله كلام المكره على الفعل، وأما ما يترتب عليه من حقوق الغير التي أتلفها بالكراهة، فثابت، ولذلك يقتل قصاصاً إذا ثبت عند الجمهور.
الثالث: أفعال النائم، وقد اتفق العلماء على أنها غير داخلة في التكليف، لكن هل هي مقدروة للعبد، أو مكتسبة، أو ضرورية؟ على خلف.
قلت: لكن في الإتلاف يكون ضامناً.
الرابع: زائل العقل بجنون أو سكر، فليست أفعاله اضطرارية كالمكره، ولا اختيارية، بل هي اضطرارية بنوع آخر؛ جارية مجري أفعال الحيوان والصبي الذي لا تمييز له.
стр. 150
وأفعال هؤلاء لا تدخل تحت التكليف.
قلت: لكن هم ضامنون لما أتلفوه.
فائدة
المشهور من المذهب: أن من سب الله أو رسوله لا تقبل توبته؛ وعللوه بعظم الذنب.
والصواب: قبول توبته، وسقوط الإثم عنه، وقد كان أهل الجاهلية يسبون الله؛ كما قال الله: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية (الأنعام: ١٠٨) ، ومع ذلم يسلمون فيقبل منهم، ومن ذا الذي يخرج ساب الله ورسوله من عموم قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣) .
لكن إذا قلنا بصحة إسلامه، وقبول توبته، فإنه يسقط عنه القتل إذا كان كفره بسب الله؛ لأن الله تعالى أخبرنا أنه يتجاوز عن حقه بالتوبة، وأما إذا كان كفره بسب النبي ﷺ ، فإن القتل لا يسقط عنه، بل يقتل بكل حال؛ لأنا لا نعلم عفو النبي ﷺ عن حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب ((الصارم المسلول، على شاتم الرسول)) (صلى الله عليه وسلم٤٤٠) : إنه قد اجتمع في الساب سببان كل منهما يوجب نوعاً من القتل مخالفاً للنوع الآخر، وإن كان أحدهما يستلزم الآخر، فالكفر: يوجب القتل؛ للكفر الأصلي أو الكفر الارتدادي، وله أحكام معروفة، والسب يوجب القتل؛ للكفر الأصلي لخصوصه حتى يندرج فيه قتل الكفر وقتل الردة، وهذا القتل هو المغلب في حق مثل هذا..إلى أن قال: فإذا انفصل عنه في أثناء الحال، فسقط موجب الكفر والردة، لم يسقط موجب السب.
وفي (ص٣٦١) : فعوده إلى الإسلام يسقط موجب الردة المحضة،
стр. 151
ويبقى خصوص السب، ولابد من إقامة حده، كما أن توبة القاطع قبل القدرة عليه تسقط تحتم القتل، ويبقي حق أولياء المقتول.
وفي (ص٣٣٧) : أن الذي عصم دم ابن أبي سرح عفو النبي ﷺ ، لا مجرد إسلامه، وأن بالإسلام والتوبة انمحى عنه الإثم، وبعفو النبي ﷺ احتقن الدم، وليس للأمة أن يعفوا عن حقه.
وفي (ص٤١٥) : أن قتل الساب لا يسقط عن مسلم ولا معاهد بالتوبة، قلت: وذلك لأنه حد كما صرح به في (ص٣٩٥) من الكتاب المذكور، والله أعلم.
فائدة
الذي يحضرني الآن مما يصح تعليقه من العقود هو الضمان، والكفالة، والوكالة، والقضاء، والإمارة، وإباحة الأكل، والوصية، والوقف، لكن بالموت وينفذ من حينه.
فائدة
في (ص٤٧١ج٣) من ((إعلام الموقعين)) : أن للفقهاء قولين في جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل.
وفي (ص٤٧٦) منه: هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين، ويسأل الأعلم والأدين؟ فيه مذهبان، والصحيح: أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله المأمور بها كل أحد.
وفي (ص٤٧٨) منه: فيما إذا اختلف عليه المفتون، فيجب عليه أن يتحرى، ويبحث عن الراجح بحسبه.
فائدة
من المواضع التي احتج فيها الأصحاب بحديث عمرو بن شعيب، عن
стр. 152
أبيه، عن جده: حديث ((لا كفالة في حد)) (١) .
ومنها: في الخيار حديث: ((ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله)) (٢) .
ومنها: في الطلاق: ((لا طلاق ولا عتاق لابن آدم فيما لا يملك)) .
ومنها: في الصلاة: ((مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع)) (٣) .
ومنها: تحريم القصاص قبل البرء.
ومنها: في النهي عن بيع وإجارة بيوت مكة.
ومنها: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) .
ومنها: في السرفة عند قولهم: يشترط إخراجه من الحرز.
ومنها: في كراهة نتف الشيب.
فائدة
ذكر ابن القيم-﵀ في ((زاد المعاد)) (ص٢٤٨ج٣) : أن أصل العين من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرها إلى المعين، وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني.
وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجري له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعاً، اهـ.
وفي ((الإقناع)) و ((شرحه)) في ((باب قتل العمد)) قال: والمعيان الذي يقتل بعينه، قال ابن نصر الله في ((حواشي الفروع)) : ينبغي أن يلحق
стр. 153
بالساحر الذي يقتل بسحره، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها، ويفعله باختياره، وجب به القصاص؛ لأنه فعل به ما يقتل غالباً، وإن فعل ذلك بغير قصد الجناية، فيتوجه أنه خطأ يجب فيه ما يجب في القتل الخطأ، وكذلك ما أتلفه بعينه يتوجه فيه القول بضمانه، إلا أن يقع بغير قصد، فيتوجه عدم الضمان. اهـ.
وقال ابن القيم في ((شرح منازل السائرين)) : إن كان ذلك بغير اختياره؛ بل غلب على نفسه، لم يقتص منه، وعليه الدية، وإن عمد ذلك، وقدر على رده، وعلم أنه يقتل به، ساغ للوالي أن يقتله بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء كما أعان هو المقتول، وأما قتله قصاصاً بالسيف فلا؛ لأنه غير مماثل للجناية.
وسألت شيخنا عن القتل بالحال، هل يوجب القصاص؟ فقال: للوالي أن يقتله بالحال؛ كما قتل به اهـ. ((الإقناع)) وشرحه.
وفيهما في ((باب التعزير)) ومن عرف بأذى الناس ولو بعينه، ولم يكف، حبس حتى يموت أو يتوب. اهـ ملخصاً؛ وهكذا في ((المنتهى)) في ((باب التعزيز)) .
فائدة
إن قيل: ((ما الفائدة في قص إهلاك الأمم علينا، مع أن هذه الأمة لن تهلك كما هلك من قبلها على سبيل العموم؟)) :
فالجواب: أن لذلك فائدتين:
إحداهما: بيان نعمة الله علينا برفع العذاب العام عنا، وأننا مستحقون لذلك لولا منة الله.
الثانية: أن مثل عذابهم قد يكون لمن عمل عملهم في يوم القيامة إذا لم تحصل العقوبة في الدنيا، ولعله يفهم من قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ
стр. 154
رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (١٠٢) (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ (هود: ١٠٢، ١٠٣) ؛ فلعل ظاهره: أن مثل هذا العذاب يكون في الآخرة، والله أعلم.
فائدة
لسوء التصرف سببان:
أحدهما: نقص العلم، وهو الجهل.
والثاني: نقص الحكمة، وهو السفه المنافي للرشد.
ولذلك وصف الله نفسه بالحكمة والخبرة في قوله تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: ١) ، وفي هذا دليل على أن القرآن الكريم جامع بين العلم والحكمة.
فائدة
فائدتان من إحياء الموات:
الأولى: في التحجير وفيها:
المتحجر أحق من غيره.
فإن باعه لم يصح بيعه، ويحتمل الجواز والصحة؛ قاله أبو الخطاب، وهو الصحيح.
فإن سبق غيره، فأحياه، ملكه المحيي في وجه، والمذهب لا؛ وهو الصحيح.
الثانية: ما يحصل به الإحياء:
الحائط المنيع المبني بما جرت به العادة، ومعنى المنيع: أن لا يدخل إلي ما
وراءه إلا بباب.
إجراء الماء إليها إن كانت لا تزرع إلا به؛ أو حفر بئر يصل إليه.
أن يمنع أو يزيل عنها ما لا يمكن زرعها معه.
стр. 155
الغرس فيها لا الحرث والزرع، وللشافعي وجه: أن الحرث والزرع إحياء، وأنه
معتبر في الإحياء لا يتم بدونه. هذا ما يحصل به الإحياء عند المتأخرين من أصحاب أحمد.
وعنه رواية أخرى: أن الأحياء لا يتقيد بشيء معين، بل ما تعارفه الناس إحياء فهو
إحياء؛ لأن الشرع ورد بتقييد الملك بالأحياء ولم يبينه، ولا ذكر كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلي العرف؛ كالقبض، والحرز.
فائدة
قال الأصحاب ﵏ في ((باب الإجارة)) : إن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله من تخريق وخطأ في تفصيل، ويضمن جمال ما تلف بقوده وسوقه وانقطاع حبل شد به حمله، وما تلف بزلقه أو عثرته وسقوطه عنه كيف كان، قال في ((الإقناع)) وشرحه: وكذا طباخ، وخباز، وحائك، وملاح سفينة، ونحوهم من الأجراء المشتركين، فيضمنون ما تلف بفعلهم، لما تقدم. اهـ.
قال في ((الإنصاف)) (ص٧٢ج٦) : وقيل لا يضمن ما لم يتعد،
وهو تخريج لأبي الخطاب، قلت: والنفس تميل إليه.
ثم قال بعده بأسطر: وذكر القاضي- أيضاً- في تضمينه ثلاث روايات: الضمان،
وعدمه، والثالثة: لا يضمن إذا كان غير مستطاع؛ كزلق، ونحوه، قلت: وهذا قوي. اهـ.
أقول: هذا هو الذي صححه شيخنا عبد الرحمن السعدي في ((المختارات
الجلية)) وأنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وعلله بتعليل جيد، وهو مقتضى قياس كلام الأصحاب في غير موضع؛ فقد قالوا في باب الغصب على الكلام في ضمان جناية البهائم: ((ويضمن راكب وقائد وسائق قادر على التصرف فيها جناية يدها وفمها، ووطء برجلها)) ؛ فقيدوا
стр. 156
الضمان بالقادر على التصرف فيها، ومفهومه: أن من لا يقدر على التصرف فيها لا يضمن.
وقالوا أيضاً: ((وإن اصطدمت سفينتان، فغرقتا، ضمن كل سفينة الآخر وما فيها إن فرط، وإن تعمدا ذلك، اشتركا)) .
ثم قالوا: ((وإن كانت إحداهما واقفه، ضمنها قيم السيارة إن فرط، وإن كانت إحداهما مصعدة، والثانية منحدرة، ضمن قيمها، إلا أن يغلب عن ضبطها بغلبة ريح ونحوه، فلا ضمان عليه، لأنه لا يدخل في وسعه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) .
قال الحارثي: وسواء فرط المصعد في هذه الحال أو لا، على ما صرح به في ((الكافي)) وأطلق أحمد والأصحاب.
وفي ((المغني)) : ((إن فرط المصعد بأنه أمكنة العدول بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فالضمان على المصعد، لأنه المفرط)) اهـ.
قال الأصحاب: ((ويقبل قول الملاح في نفي التفريط، وفي العجز عن ضبطها)) اهـ.
فائدة
قال في ((المنتهى)) وشرحه في آخر مسألة في ((باب الوكالة)) : ولا يلزم رب الحق دفع الوثيقة المكتوب فيها الدين ونحوه إلى من كان عليه، لأنها ملكه، بل يلزم رب الحق الإشهاد بأخذه، كما لا يلزم البائع دفع حجة ما باعه لمشتر كما تقدم. قلت: العرف الآن تسليمها له، ولو قيل بالعمل به، لم يبعد كما في مواضع. اهـ.
فائدة
تفصيل القول في طواف وسعي الحامل والمحمول، وذلك له أربع صور:
الأولي: أن ينوي كل منهما عن نفسه؛ فيقع عن المحمول دون
стр. 157
الحامل، والصواب: أنه يقع عن كل منهما؛ لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) (١) .
الثانية: أن ينوي كل منهما عن الآخر، فينوي الحامل أنه للمحمول، وينوي المحمول أنه للحامل، فلا يقع عن واحد منهما، لأن كل واحد لم ينوه عن نفسه، والأعمال بالنيات.
الثالثة: أن ينويا عن أحدهما، فيقع له، مثل أن ينوي كل منهما أنه للمحمول، فيقع للمحمول، أو ينوي كل منهما أنه للحامل؛ فيقع للحامل.
الرابعة: ينوي احدهما ولا ينوي الآخر، فيقع للناوي.
فائدة
في ((صحيح مسلم)) (ص١٩٧ج٥) : أن نجده كتب لابن عباس يسأله عن خمس خلال: هل كان النبي ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتي ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟
فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علماً ما كتبت إليه، فكتب إليه: كتبت تسألني هل كان النبي ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحي، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن رسول الله ﷺ ، وإن رسول الله ﷺ لم يكن يقتل الصبيان؛ فلا تقتل الصبيان، وكتبت تسألني متي ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم، وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟
стр. 158
وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك (١) . اهـ. فيه دليل على جواز قول: ((لعمري)) .
فائدة
في ((صحيح البخاري)) (ص١٥٣ج٣) : باب من قال: ((لا نكاح إلا بولي)) :
وعن عائشة ﵂ قالت: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء:
فنكاح منها: نكاح الناس اليوم؛ يخطب الرجل إلي الرجل وليته أو بنته فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته: إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلي فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا احب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليالي بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطيع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت؛ فهو ابنك يا فلان-تسمي من أحبت باسمه- فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل.
ونكاح رابع: يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً؛ فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا
стр. 159
لها ودعوا لهم بالقافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودعي ابنه؛ لا يمتنع من ذلك.
فلما بعث محمد ﷺ بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح اليوم (١)
فائدة
أكثر الصحابة رواية للحديث:
أبو هريرة ﵄ روى ٥٣٧٤حديثاً.
عائشة ﵂ -روت ٢٢١٠ أحاديث.
أنس بن مالك-﵁ روى ٢٢٨٦حديثاً.
عبد الله بن عباس-﵁ روى ١٦٦٠حديثاً.
عبد الله بن عمر- ﵄ روى ٢٦٣٠ (٢) حديثاً.
جابر بن عبد الله ﵄ روى ١٥٤٠حديثا.
أبو سعيد الخدري- ﵃ روى ١١٧٠ حديثا.
عبد الله بن مسعود-﵁-روى ٨٤٨ حديثاً.
عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ روى٧٠٠ حديث.
وبهذا يتبين الفرق العظيم بين ما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، رضي الله
عنهم.
والجواب عما قال أبو هريرة: ((ما كان أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب)) :
стр. 160
الجواب عن ذلك: هو أن المعنى على الانقطاع، أي: ان الاستثناء يعود لما بعده، وهو
أن عبد الله بن عمرو يكتب وأبو هريرة لا يكتب.
أو يقال: كان أبو هريرة في المدينة والناس يرحلون إليها لطلب الحديث؛ فكان الأخذ
عنه أكثر من الأخذ عن عبد الله بن عمرو؛ لأن عبد الله كان أكثر مقامه بمصر والطائف، والرحلة إليهما لطلب الحديث أقل من الرحلة إلى المدينة؛ فقل الأخذ عنه، والله أعلم.
فائدة
قال في ((المغني)) في ((كتاب الطلاق)) (ص١١٤ج٧) من الطبعة المفردة:
أما التوقف عن الجواب، فليس بقول في المسألة؛ وإنما هو ترك للقول فيها، وتوقف عنها، لتعارض الأدلة فيها وإشكال دليلها. اهـ.
فائدة
لقبض المبيع بكيل ونحوه صور:
الأولى: أن يكيله ونحوه بعد العقد؛ فالقبض صحيح، وتصرفه فيه بعد ذلك صحيح أيضاً.
الثانية: أن يكون معلوم الكيل قبل العقد للبائع بأن يشاهدا كيله قبل العقد، ثم يشتريه؛ فهذا كالصورة الأولي في صحة القبض والتصرف، سواء كاله بعد العقد أم لا.
هذا مقتضى كلام ((الإقناع)) في ((فصل قبض المبيع)) .
وذكر في آخر ((باب السلم)) : أنه لا يصح تصرفه فيه قال ص في شرحه: ((فإما أن يكون جرى في كل موضع على رواية، لأن المسألة ذلت روايتين، وإما أن يكون هذا خاصا في السلم، لأنه أضيق، والأول مقتضى كلامه في ((تصحيح الفروع)) قال: وظاهر كلام كثير من الأصحاب: لابد
стр. 161
من كيل ثان. اهـ.
الصورة الثالثة: ان يخبره البائع بكيله ونحوه، من غير أن يشاهده؛ فيصح القبض، ولا يصح التصرف إلا بعد اعتباره بالكيل ونحوه بعد العقد.
ثم إن كان قد صدق البائع في قدره، لم تقبل منه دعوى النقص بعد ذلك، وإن لم يصدقه بل قبضه وسكت، قبلت دعوى النقص:
فإن كان موجوداً بصفته، كيل: فإن وجد ناقصاً أو زائداً ما يتغابن به عادة، فلا اثر لذلك، وإن كان كثيراً بحيث يعد غبناً، فالزيادة للبائع، والنقص عليه.
وإن لم يكن موجوداً، قبل قول القابض في قدره مع يمينه؛ لأنه منكر للزائد.
وهذا حكم دعوى النقص فيما قبض بلا كيل ونحوه، بل بتصديق أو سكوت.
فأما لو قبض ما يستحقه من دين سلم أو غيره، بكيل ونحوه، ثم ادعى غلطاً، لم يقبل؛ قاله الأصحاب.
قال في ((الإنصاف)) : والوجه الثاني: يقبل إذا ادعى غلطا ممكناً عرفاً، ثم ذكر من صححه، وقال: والنفس تميل إلى ذلك مع صدقه وأمانته.
فائدة
بيع الدين الذي في الذمة جائز بشروط:
أحدها: أن يكون معلوماً: فإن كان مجهولاً، لم يصح إلا على سبيل المصالحة.
الثاني: ان يكون بسعر يومه؛ لحديث ابن عمر- ﵄-
стр. 162
((كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم، فنأخذ عنها الدنانير، وبالدنانير فنأخذ عنها الدراهم؛ فسألنا رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا بأس أن تاخذ بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)) (١) ، ولأنه لو باعه بأكثر، لكان من الربح فيما لم يضمن، وقد نهي عنه النبي ﷺ ، وعلى هذا: فلو باعه بأقل من سعر يومه، فالظاهر الجواز، وصرح به شيخ الإسلام.
الثالث: أن يكون لمن هو عليه، فإن كان لغير من هو عليه، لم يصح. هذا المذهب، وعللوه: بأنه غير قادر على تسلميه، أشبه بيع الآبق.
وعن أحمد رواية ثانية: بجواز بيعه لغير من هو عليه، اختارها الشيخ تقي الدين: قلت: وهو الصواب بشرط أن يكون من عليه الدين غنياً باذلاً، وأن لا يبيعه بما يباع به نسيئة.
ثم إذا قلنا بصحة ذلك، وتعذر أخذه من المدين، فإن للمشتري الفسخ قياساً على قولهم فيمن باع مغصوباً لمن يظن قدرته على أخذه، ثم تعذر.
الرابع: قبض العوض بمجلس العقد إن بيع بما لا يباع به نسيئة، لما تقدم في حديث عبد الله بن عمر- ﵄ فإن بيع بما يباع به نسيئة: فإن كان بمعين؛ كـ: بعتك ما في ذمتك بهذا الثوب، جاز التفرق قبل القبض، وإن كان بغير معين كـ: بعتك ما في ذمتك من البر بعشرة دراهم، حرم التفرق قبل القبض؛ على المشهور من المذهب، والصواب جوازه.
الخامس: أن لا يبيعه بمؤجل فإن باعه بمؤجل، فحرام باطل، لأنه بيع دين بدين، ولأنه يتخذ حيلة على قلب الدين المحرم.
стр. 163
السادس: أن لا يكون دين سلم، فإن كان دين سلم، حرم بيعه على من هو عليه وعلى غيره.
وأجاز الشيخ تقي الدين بيعه لمن هو عليه ولغيره، وهو الصواب؛ إذ لا دليل على الفرق بين دين السلم وغيره، والله أعلم.
السابع: أن لا يكون الدين ثمناً لمبيع، ثم يعتاض عنه بما لا يباع به نسيئة؛ مثل أن يكون الدين ثمن بر، فيعتاض عنه شعيراً أو غيره من المكيلات؛ فلا يجوز؛ لئلا يتخذ حيلة على بيع الربوى نسيئة بما لا يباع به نسيئة، هذا هو المذهب.
واختار الموفق: الجواز إذا لم يكن حيله.
واختار الشيخ تقي الدين: الجواز إذا كان ثم حاجة وإلا فلا.
الثامن: أن يكون الدين مستقراً، كقرض، وثمن مبيع، ونحوه، فإن كان غير مستقر، كدين الكتابة، والأجرة التي لم يستوف نفعها، لم يصح بيعه، لعدم تمام الملك، وقد يستقر وقد لا يستقر.
التاسع: أن لا يكون رأس مال سلم، مثل أن يفسح عقد السلم، فيبيع رأس ماله على المسلم إليه؛ فلا يصح؛ على المشهور من المذهب، والصواب: الجواز؛ كما تقدم في دين السلم وأولى.
فائدة
ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه) (البقرة: ١٩٦) ، عن سعيد بن جبير؛ أن قوله ﷺ لأم هاني: ((عمرة في رمضان تعدل حجة معي)) (١) ، إنما هو من خصائص أم هانئ. اهـ. والصواب: أنه عام؛ لكن في رواية هذا الحديث الشك هل قال: تعدل حجة، أو تعدل
стр. 164
حجة معي؟
فائدة
لم أجد للأصحاب كلاماً في تضمين الجاني منفعة المجنى عليه مدة احتباسه بالجناية، والذي تقتضيه القواعد أن يقال: لا يخلو إما أن تكون الجناية خطأ، أو عمداً:
فإن كانت خطأ: لم يلزم الجاني سوى مقتضى جنايته، وهو ما يجب فيها من دية مقدرة أو حكومة؛ وذلك لأن المخطئ معفو عنه، وليس منه قصد محرم حتى نقول: إنه ظالم معتد يجب تضمينه، فما وقع منه أمر كوني غالب ليس باختياره؛ فلا ينسب إليه؛ ولذلك جعل النبي ﷺ أكل الصائم الناسي وشربه غير منسوب إليه في قوله: ((من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه)) (١) . والمخطئ بمعناه؛ فالمصيبة في الخطأ كما أنها على المجني عليه، فهي أيضا على الجاني؛ فهو يكرهها ويبغضها ولا يريدها.
وأما إن كانت الجناية عمداً: فهذه إن أوجبت قصاصاً أو دية مقدرة أو حكومة، فليس فيها سوي ما توجبه الجناية، ولا يضمن الجانى سوى ذلك؛ لأن الشارع أوجب ذلك في مقابلة ما فات من عضو أو منفعة؛ ولذلك لا فرق بين أن تكون الجناية في زمن متقدم من أول عمر المجنى عليه، أو متأخرة في آخر عمره، ولو كان الشارع ينظر إلى المنفعة التي فاتت وتعطلت، لكان هناك فرق بين تقدم الجناية وتأخرها.
وأما إذا لم توجب الجناية شيئاً لا قصاصاً ولا دية مقدرة ولا حكومة، فلا يخلو:
стр. 165
إما أن يكون قصد تعطيل المجنى عليه وحبسه عن العمل؛ مثل أن يكون تكلم بكلام يفهم منه ذلك، بأن يقول: لأعطلن هذا الرجل عن عمله حتى لا يزاحمنا في العمل ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تضمينه المنفعة.
وقد نص الأصحاب على أن من حبس حراً عن العمل، ضمن منفعته.
وأما إن لم يظهر منه قصد تعطيل المجنى عليه عن العمل؛ فهذا في تضمينه تردد، والأقوى أنه يضمن إياها؛ لأن فعله ظلم وعدوان غير مأذون فيه، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون.
فائدة
قولهم: فيه نظر، أقوى من قولهم: فيه شيء.
ومعنى الأول: أنه يحتاج لإعادة النظر فيه؛ ليخرج منه الفاسد؛ ولذلك لا يقال فيما قطع بصحته أو فساده، فإن قيل فيما قطع بصحته، كان مكابرة ومعاندة، وإن قيل فيما يقطع بفساده، كان محاباة للخصم.
ومعنى الثاني (أي: قول ((فيه شيء)) ) : أنه يحتاج لإعادة النظر فيما ظهر للمتكلم، لكنه لم يقطع به اهـ. من هامش نسخة خطية من ((شرح الزاد)) .
فائدة
الفرق بين السارق، والمنتهب، والمختلس، والغاصب:
أن الأول: لا يظهر نفسه لا في أول الأمر ولا في آخره.
الثاني: يظهر نفسه أولاً وآخراً، لكنه لا يأخذ الشيء قهراً بل خطفاً.
والثالث: كالثاني:؛ إلا أنه يخفي نفسه في أول الأمر.
والرابع: كالثاني: إلا أنه يأخذ الشيء قهراً.
فائدة
من ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (ص١٥٥ج٣٠) : أن الناس يطلبون الحكر قسطاً لا يطلبون جميعه من البائع.
стр. 166
وفي (ص١٥٦-١٥٧) كما يفرقون في الأرض المحتكرة إذا بيعت أو ورثت؛ فإن الحكر يكون على المشتري والوارث، وليس لهم أخذه من البائع في أظهر قوليهم.
فائدة
تعليل الأحكام بالخلاف علة باطلة في الأمر نفسه؛ فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلّق الشارع بها الأحكام في الأمر نفسه، فإن ذلك وصف حادث بعد النبي ﷺ ، لكن يسلكه من لم يكن عالماً بالأدلة الشرعية في الأمر نفسه لطلب الاحتياط. اهـ. من ((مجموع فتاوى شيخ الإسلام)) (ص٢٨١ج٢٣) .
فائدة
إذا قال: وقف على أولادي ثم أولادهم، دخل أولاده الموجودون حين الوقف ولو حملاً، دون من يحدث بعد. هذا هو الذي في ((المنتهى)) ويدخل أولاد بنيه ملطقاً، وظاهر كلامهم: حتى أولاد من تجدد من أبنائه.
فعلى هذا: يكون أولاد الأبناء الحادثين مستحقين دون آبائهم، وصرح في ((الغاية)) : بأنه لا يستحق إلا أولاد الأبناء الموجودين حين الوقف.
ولكن الأول ظاهر كلامهم؛ ويؤيده: قولهم - فيمن له ثلاثة بنين، فقال: هذا وقف على ولدي فلان وفلان، وعلى ولد ولدي: كان الوقف على المسميين وأولادهما وأولاد الثالث.
هذا؛ ومشي في ((الإقناع)) على أن أولاده الحادثين يدخلون كالموجودين حين الوقف، وكأولاد البنين، وهو الصواب بلا ريب؛ وعلى هذا: فلا إشكال.
стр. 167
فائدة
عن سليمان بن صرد- ﵁ قال: كنت جالساً مع النبي ﷺ ، ورجلان يستبان وأحدهما قد أحمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله ﷺ : ((إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد، فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) ؛ متفق عليه (١) .
يستفاد من هذا الحديث: جواز نقل الحديث بالمعنى.
فائدة
ذكر في ((فتح الباري)) الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة (ص١٤٢ج٢) من الطبعة الجديدة في ((باب من جلس ينتظر الصلاة، وفضل المساجد)) ؛ فذكر حديث أبي هريرة: ((سبعة يظلهم الله في ظله)) (٢) ، وزاد: ((من نظر معسراً أو وضع عنه ... )) ؛ رواه مسلم (٣) .
وإظلال الغازي: رواه ابن حبان وغيره.
وعون المجاهد والمكاتب، وإرفاد الغارم: رواه أحمد، والحاكم.
والتاجر الصدوق: رواه البغوي في ((شرح السنة)) ، وأبو القاسم التيمي.
وتحسين الخلق: أخرجه الطبراني بإسناد ضعيف.
ثم ذكر أنه تتبع الأحاديث، فجمع ثمانية وعشرين؛ لكن في أسانيدها ضعف، والله أعلم.
وأنظر (ص١٢٩) في السابقين إلى ظل الله يوم القيامة.
стр. 168
وفي (ص٢٥٣ج٢) من ((دليل الفالحين، شرح الرياض)) أن السخاوى أوصلهم إلى (٨٠) وذكر في ذلك نظماً.
فائدة
إذا تمت القسمة، لزمت بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: أن تكون بقاسم من الحاكم، فتلزم بالقرعة.
الثاني: إذا تقاسموا بأنفسهم، أو بقاسم نصبوه ثم اقترعوا، لزمت بالقرعة.
الثالث: إذا خير أحدهما الآخر، فتلزم برضاهما وتفرقهما، هذا في قسمة الإجبار.
أما في قسمة التراضي: فلا تلزم إلا بالتفرق من المجلس، أو بأن يتقاسما على أن لا خيار، أو يسقطاه بعد القسمة؛ لأنها بيع.
هذا مقتضى كلامهم في ((البيع)) لكن ذكر في ((شرح المنتهى)) أن هذا لعله ما لم يكن ثم قاسم، فإن كان ثم قاسم، لزمت بمجرد القرعة، والله أعلم.
فائدة
القسمة نوعان:
قسمة أعيان، وقسمة منافع، وتسمي مهايأة، وهذه جائزة لا لازمة، فلو رجع أحدهما قبل استيفاء نوبته، فله ذلك، بعده يعطي شريكه نصيبه من أجرة المثل زمن انتفاعه بها؛ هذا المذهب.
واختار في ((المحرر)) : لزومها إن تعاقدا مدة معلومةقال الشيخ تقي الدين: إذا رجع أحدهما بعد استيفاء نوبته، لم تنفسخ
стр. 169
حتى يستوفي كل
واحد حقه.
فائدة
المقسوم ثلاثة أنواع:
تارة: يمكن قسمه بالأجزاء إذا تساوت؛ كالمكيلات ونحوها من جنس واحد.
وتارة: بالتعديل إن لم تتساو، فيجعل الرديء أكثر من الجيد بقدر القيمة.
وتارة: بالرد بأن يجعل على صاحب الجيد دراهم.
والأولان قسمة إجبار، والثالث قسمة تراض.
فائدة
قال في ((الإنصاف)) (ص١٣٧ج٦) : لو غرس المشتري من الغاصب، ولم يعلم
بالحال، فللمالك قلعه مجاناً، والمنصوص: أنه يتملكه بالقيمة، ولا يقلع مجاناً.
قال ابن رجب في (القاعدة٩٣) : فجعل المغرور كالمأذون له، فيدفع صاحب الأرض
القيمة للمشتري، وفرق أحمد بينه وبين من غرس في أرض غيره.
وفي (ص١٤٦) منه: إذا فعل بالمغصوب ما يغيره؛ كجعل الطين لبناً، فالمذهب: أن الزيادة للمالك: وعنه: يكون الغاصب شريكا في الزيادة، اختاره الشيخ تقي الدين؛ قاله في ((الفائق)) .
وفي (ص١٥٠) منه: وإن غصب حباً فزرعه، أو بيضاً، فصار فراخاً، أو نوىً، فصار غراساً، رده ولا شيء له، ويتخرج فيها مثل التي قبلها؛ فيكون شريكاً في الزيادة كالتي قبلها.
стр. 170
وفي القاعدة (٨١) (ص١٥٨) ذكر كلام احمد في رواية أبي طالب، إذا اشترى غنماً فنمت ثم استحقت، فالنماء له، قال شيخ الإسلام: وهذا يعم المنفصل والمتصل.
قلت: وقد نص أحمد على الرجوع بقيمة النماء المتصل. اهـ.
فائدة
قال في ((شرح المفردات)) (ص١٦٨-١٦٩) : وكذلك لو أقرضه نقداً أو فلوساً فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض، لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقياً بعينه، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل، فإن كان دراهم، أعطي عنها دنانير، وبالعكس. اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)) (ص١٣٨ج٢) ، عن الشيخ تقي الدين: أن الضابط في ذلك هو أن الدين الذي في الذمة كان ثمناً، فصار غير ثمن. اهـ.
وفي هذا دليل على أن العملة التي كانت معروفة بين الناس سابقاً وهي الريال الفرنسي: أن الواجب قيمتها وقت القرض على المذهب، أو وقت التحريم على القول الثاني الذي هو الصواب.
فائدة
إجراء العملية لإخراج الجنين:
هذه المسألة لا تخلو من أربعة أحوال:
الأولى: أن تكون الأم حية، والجنين حياً، فلا يجوز إجراء العملية إلا عند الحاجة، كتعسر الولادة ونحوها، وذلك لأن إجراء العملية بلا حاجة غير جائز؛ فإن البدن أمانة عند العبد يجب عليه مراعاته، وأن لا يتصرف فيه بما يخشى عليه منه، إلا إذا كان ذلك لمصلحة أكبر، وأيضاً: ربما يكون في إجراء العلمية ضرر على الجنين.
стр. 171
الحال الثانية: أن تكون الأم ميتة، والجنين ميتاً، فلا يجوز إجراء العملية أيضاً لعدم الحاجة إلى ذلك.
الحال الثالثة: أن تكون الأم حية، والجنين ميتاً، فيجوز إجراء العملية لإخراجه، لأن الظاهر- والله أعلم- أن مثل هذا لا يكاد يخرج إلا بالعملية، لكن متى خيف على الأم من ذلك، فإنه لا يجوز إجراء العملية لها، لأن خوف المفسدة يمنع من فعل مالا مصلحة فيه، نعم لو قدر أن احتمال الضرر عليها ضعيف، وأن بقاء الجنين في بطنها قد يستمر، فلا بأس بالعملية؛ لأن بقاء الجنين في بطنها يمنع الحمل.
الحال الرابعة: أن تكون الأم ميتة، والجنين حياً، فقد ذكر أصحابنا في هذه المسألة: أنه يحرم شق بطنها لإخراجه، وعللوا ذلك: بأنه مثله وهتك لحرمة متيقنة لإبقاء حياة موهومة، إلا إذا كان خرج بعضه فيشق لإخراج باقيه، قالوا: وإذا كان لم يخرج منه شي، فإن القوابل تسطو عليه فتخرجه.
وقد ذكر ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (ص٤١٣ج٣) أن أحمد ذكر له قول سفيان في امرأة ماتت وفي بطنها ولد يتحرك: ما أرى بأساً أن يشق بطنها. قال أحمد: ((بئس والله ما قال!)) يردد ذلك- سبحان الله بئس ما قال)) اهـ.
قلت: وتعليل الأصحاب بأنه مثله يقتضي إباحته في مثل يومنا هذا؛ فإن العملية ليست مُثلة؛ وعلى هذا: فالصواب قول سفيان أنه يشق بطنها وجوباً إن ظنت سلامته، واستحباباً إن احتمل، وإباحة مع ضعف ظن السلامة، وذلك من وجوه:
стр. 172
الأول: أن التعليل بالمثلة الذي هو علة المنع عند الأصحاب قد زال في وقتنا الحاضر، فإذا شق البطن، ثم خيط بعد إخراج الجنين، فقد زالت المثلة.
الثاني: أن حرمة الحى أعظم من حرمة الميت، فلو فرضنا أن في شق بطنها انتهاكاً لحرمتها، لكان انتهاك حرمتها أهون من انتهاك حرمة الحى.
الثالث: أن الجنين آدمي حى محترم معرض للموت، وفي شق بطن أمه لإخراجه إنقاذ له من الهلكة، وذلك واجب، لحصول المصلحة بلا مفسدة.
الرابع: أن تجويز الأصحاب شق بطنها إذا خرج بعضه، فتعليلهم ذلك بأن حياته معلومة، وقبل أن يخرج بعضه حياته موهومة: يقتضي أن لا فرق بين الحالتين - حالة ما إذا خرج بعضه، أو لم يخرج منه شيء- إذا تيقنا حياته.
الخامس: أن من المعلوم أن الشرع جاء بالأمر وجوباً أو استحباباً فيما ترجحت مصلحته، ولا ريب أن شق بطن الحامل الميتة لإنقاذ جنينها مصلحة راجحة، فتعين أن يكون إما مأموراً به وجوباً أو استحباباً وإما مباحاً، بحسب رجاء حياته وعدمه.
فائدة
قال الأصحاب: ﵏: لو قلع كفا بأصابعه، دخلت دية الكف في دية الأصابع، ولو قطع أنملة بظهر، دخلت دية الظفر في دية الأنملة، ولو قطع جفناً بأهدابه، دخلت دية الأهداب في دية الجفن، لأن ذلك تابع.
ثم قالوا: لو قطع لحيين بأسنانهما، لم تدخل دية الأسنان في دية اللحيين، فيجب عليه للأسنان ديتها كاملة، وللحيين دية كاملة.
стр. 173
هكذا فرقوا بين هذه المسألة والمسائل التي قبلها، ولم يذكروا تعليلاً للفرق تطمئن إليه النفس؛ اللهم إلا فرقاً في المغني، وهو أن الأصابع في الكف منذ الخلقة، وأما الأسنان في اللحيين فيوجدان بعدها، فهو دليل على عدم التبعية، لكن هذا الفرق يقتضي أنه إذا أتلف لحييه وكان ذا لحية وأسنان، فعليه ثلاث ديات، وظاهر كلامهم: أن شعر اللحية يدخل في اللحيين.
فالذي يظهر لي: أنه إذا قطع اللحيين، دخلت دية الأسنان في ديتهما، فإن قلنا: إن دية الأسنان إذا قلعت جميعاً مائة بعير، لزمه مائة بعير، وإن قلنا: مائة وستون، لزمه مائة وستون فقط، ما لم يمنع من ذلك إجماع.
فائدة
بيان الأعضاء والجروح التي فيها القصاص، والتى لا قصاص فيها:
كل عضو قطع من مفصل؛ كالأنملة، والكف، والمرفق، ونحوه.
كل ما له حد ينتهي إليه، كمارن الأنف، وهو ما لان منه.
كل جرح ينتهي إلى عظم، كالموضحة، وجرح العضد والساق والفخذ ونحوه.
الاسنان، سواء قلعها أو كسرها، ويقتص منها بمبرد ونحوه مما يتحدد به موضع الكسر.
فأما ما سوى ذلك: فلا قصاص فيه؛ فدخل في ذلك:
كل عضو قطع من غير مفصل؛ كقطع اليد من الذراع، والرجل من الساق.
هذا هو المذهب.
والوجه الثاني: يقتص من المفصل الذي دونه، ثم هل له أرش
стр. 174
الزائد؟ على وجهين:
والأظهر: وجوب الأرش؛ قياساً على ما قالوه فيمن اقتص موضحة على هاشمة: أن له أرش الزائد.
ويحتمل: أن يقتص من محل القطع بقدره من الجاني، فإذا كان من نصف الذراع،
قطع الجاني من نصفه،،، وهكذا.
نقل ابن منصور عن أحمد: كل شيء من الجراح والكسر يقدر على الاقتصاص يقتص منه للأخبار، واختاره الشيخ تقي الدين؛ ذكره في ((الإنصاف)) .
كل جرح لا ينتهي إلى عظم؛ كالجائفة وما دون الموضحة من الشجاج، فأما ما
فوقها كالهاشمة: فإنه لا قصاص فيها؛ لكن له أن يقتص موضحة، وله أرش الزائد.
جميع المنافع؛ كمنفعة الأكل والنكاح، والسمع والبصر، ونحوها؛ لعدم تحقق
المماثلة.
جميع الشعور، لأننا لا نأمن عود شعر المجني عليه، ونحن قد أتلفناه من الجاني،
ولا نأمن - أيضاً- أن يعود شعر الجاني بعد القصاص؛ فنكرر عليه القصاص، أو ندعه؛ فتفوت المماثلة في القصاص.
ومثل ذلك الأظفار للعلة التي ذكرناها في الشعر.
فائدة
بيان الأعضاء والجروح التي فيها مقدر والتي لا مقدر فيها:
الأعضاء التي فيها مقدر هي:
كل عضو ظاهر؛ كالأنف، واللسان، واليدين، والذكر، والخصية، ونحوها، ففي
عضو ليس في الجسم من جنسه: دية كاملة، وفيما فيه شيئان نصف دية، وفيما منه ثلاثة، كمارن الأنف: ثلث الدية،
стр. 175
وفيما منه أربعة، كالأجفان: ربع الدية، وفيما منه عشرة، كالأصابع: عشر الدية.
الأنامل؛ في كل أنملة ثلث عشر الدية، إلا في الإبهام فنصف عشر الدية، لأنه
مفصلان فقط.
الشعور الأربعة: شعر الرأس، وشعر اللحية، وشعر الحاجبين، وشعر أهداب
العينين؛ في كل واحدة منها دية كاملة، وفي بعضها بقسطه، ففي الحاجب الواحد نصف الدية، وفي الجفن الواحد ربعها، وفي بعض اللحية بقسطه، إلا أن يبقى ما لا جمال فيه فدية كاملة، وقيل: حكومة. قال في ((الإنصاف)) : وهو قوي، ويحتمل: أن يلزمه بقسطه، فأما الشارب، والعنفقة، والعانة: فحكومة.
وعن أحمد رواية أخري: أن جميع الشعور فيها حكومة لا مقدر؛ وهو مذهب مالك والشافعي.
الأظفار؛ في كل ظفر خمس دية الإصبع، وهو من المفردات؛ قاله في ((الإنصاف)) فيكون مذهب الأئمة الثلاثة: أن فيها حكومة.
الأسنان، في كل سن خمس من الإبل، فيكون في الجميع مائة وستون بعيراً، وقيل: إن قلعها دفعة واحدة، فعليه دية واحدة مائة بعير، والأول أصح للحديث.
الموضحة والهاشمة والمنقلة والمأمومة، في الأولى خمس من الإبل، وفي الثانية
عشر، وفي الثالثة خمسة عشر، وفي الرابعة ثلث الدية، والدامغة كالمأمومة، وقيل: فيها دية المأمومة وحكومة للزائد، وهو الصواب.
وعن أحمد: في البازلة بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة، والمشهور من المذهب: أن فيهن حكومة.
стр. 176
٧- الجائفة، وهي التي تصل إلي باطن الجوف؛ فيها ثلث الدية.
٨-كسر الضلع أو الترقوة؛ في كل منهما بعير إذا جبر مستقيماً، وإلا فحكومة، ومذهب الثلاثة: أن في ذلك حكومة.
٩-كسر الزند والذراع والعضد والساق والفخذ؛ في كل واحد منها إذا جبر مستقيماً بعيران، وعنه: بعير واحد، وقيل: في ذلك حكومة؛ وهو مذهب الأئمة الثلاثة.
وصحح في ((المغني)) : أنه لا تقدير في غير الضلع والترقوتين والزندين. وعلل ذلك بعدم وجود دليل على التقدير في غيرها، فبقي على الأصل، وهو الحكومة، وأما فيها فقد وردت آثار عن عمر، ﵁.
فائدة
في ((شرح رياض الصالحين)) (ص٣١٧ج٢) : أن العبادلة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
قيل لأحمد: وابن مسعود قال: ليس منهم؛ قال البيهقي: لأنه تقدمت وفاته، وهؤلاء عاشوا طويلاً حتى احتيج إلى علمهم.
فإذا اتفقوا على شيء، قيل: هذا قول العبادلة، وجملة المسمين بعبد الله من الصحابة نحو مائتين وعشرين، ﵃ أجمعين.
فائدة
الحقوق التي لا تورث
خيار المجلس، وقيل: بلى؛ كخيار الشرط.
خيار الشرط: وخرج أبو الخطاب: بلى.
الشفعة، وخرج أبو الخطاب، بلى، وهو ظاهر نقل أبي طالب.
стр. 177
حد القذف، وخرج أبو الخطاب: بلى.
فائدة
ذكر في ((الكامل)) في (حوادث سنة ١٨) (ص٣٩٤ج٢) : أن عمر ﵁ حول المقام إلى موضعه اليوم، وكان قبل ملصقاً بالبيت.
فائدة
كان شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ لا يرى انتشار أحكام الرضاع من طريق المصاهرة، فلا يحرم على الزوج أم زوجته من الرضاع، ولا ابنتها منه، ولا عليها أبو زوجها من الرضاع، ولا ابنه منه، وجمهور العلماء على خلافة، وكنت أرجح كلام شيخ الإسلام من وجوه.
الأول: قوله ﷺ : ((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)) (١) ، أو:
((الرضاعة تحرم ما تحرمه الولادة)) (٢) ، ومن المعلوم: أن أقارب الزوجين لا يحرمهم على الآخر نسب ولا ولادة، وإنما يحرمهم مصاهرة؛ فإن أبا الزوج ليس بينه وبين زوجته نسب ولا ولاده، والحديث قال: ((ما يحرم من النسب)) ، وأقارب الزوجين يحرمون بالمصاهرة لا بالنسب.
فإن قيل: ((أم الزوجة من الرضاع تدخل في عموم قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) (النساء: ٢٣) :
فالجواب: أن الأم إذا أطلقت، فالمراد بها أم النسب، بدليل أن الله تعالى قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) (النساء: ٢٣) ، ثم قال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) (النساء: ٢٣) ، فدل هذا على أن أم الرضاع لا تدخل في مطلق الأم، ولو كانت داخلة، لاكتفى بذكر الأم في صدر الآية.
стр. 178
فإن قيل: ((إن أم الزوجة من النسب تحرم عليك، بسبب نسبها من الزوجة أو ولادتها إياها، وقد قال النبي ﷺ : ((الرضاعة تحرم ما تحرمه الولادة) ؛ فإذا كانت ولادة الزوجة تحرم على الزوج أمها الوالدة، فكذلك إرضاعها يحرم أمها المرضعة؛ لأن الرضاعة تحرم ما تحرمه الولادة)) :
فالجواب: أن من المعلوم تقسيم المحرمات إلي: محرمات بالنسب، ومحرمات بالرضاع، ومحرمات بالصهر، والمحرمات بالصهر لسن محرمات بالنسب، بإجماع العلماء. والحديث إنما علق الحكم بالمحرمات بالنسب، فلا يدخل في ذلك المحرمات بالصهر.
وأيضاً: الحكم إنما يتوجه إلى المخاطب الذي أضيف إليه؛ فالزوجة يحرم عليها أبوها من الرضاع، كما يحرم عليها أبوها من النسب، ولا تحرم أمها من الرضاع على زوجها؛ لأن أمها من النسب لم تحرم على زوجها بالنسب بل بالمصاهرة.
الثاني: قوله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلبِكُم) (النساء: ٢٣) فقوله: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلبِكُمْ) (النساء: ٢٣) يخرج الذين من الرضاع.
فإن قيل: ((إنه يخرج ابن التبني فقط؛ كما قاله الجمهور)) :
فالجواب: من وجهين:
أحدهما: إن ابن التبني ليس داخلاً في مطلق الابن شرعاً حتى يحتاج إلي قيد يخرجه، والدليل على أنه ليس بداخل: قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُم) (الأحزاب: ٤) فأبطل الله تعالى أن يكون ابن التبني ابناً، وكما أنه لا يدخل في ذلك ابن الزاني الذي يعلم بأنه مخلوق من مائه لأنه ليس ابناً شرعاً، فكذلك ابن التبني الذي بطلت بنوته بنص القرآن الكريم لا يدخل شرعاً في مطلق الابن.
ثانيهما: أنه لو قدر دخول ابن التبني في لفظ الابن، فتخصيص القيد
стр. 179
بإخراج ابن التبني دون ابن الرضاع تحكم بلا دليل.
الثالث: أن الرضاع خالف النسب في أكثر الأحكام، وذلك لضعفه، فلم يثبت له من أحكام النسب سوى أربعة أحكام، هي: إباحة النظر، والخلوة، وثبوت المحرمية، وتحريم النكاح، فلم يكن ليقوى على ثبوت جميع الأحكام حتى المصاهرة، فأبو الزوج من الرضاع ليس صهراً للزوجة، لأن الرضاع لا تثبت به المصاهرة، فلا يثبت به من احكام النسب سوى الأربعة المذكورة.
الرابع: أن الله تعالى لما ذكر المحرمات في النكاح، قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) (النساء: ٢٤) ، فالأصل في المنكوحات الحل؛ يتزوج الرجل من شاء حتى يقوم الدليل على المنع، وحكم الحل عام؛ فلا يخصص منه شيء إلا بدليل ظاهر، وليس في المسألة دليل ظاهر على التخصيص، فلزم الأخذ بعموم الحل.
هذا ما ظهر لنا من تقرير الحل، ومع ذلك فليس من الظهور بحيث أقدم على الفتوى به، ولذلك فقد رأيت الفتوى بالاحتياط من الجانبين، فأقول بتحريم النكاح في هؤلاء دون ثبوت المحرمية، وجواز الخلوة والنظر، نظراً لاشتباه الدلالة من النصوص، واشتباه الدلالة كاشتباه الحال والسبب، وقد ثبت في ((الصحيحين)) : ((أن سعد بن ابي وقاص وعبد بن زمعة اختصما في غلام، فقال سعد: إنه ابن أخي عتبة، عهد إليّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال: فنظر رسول الله ﷺ ، فرأي شبهاً بيناً بعتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة)) (١) ، فأمر النبي ﷺ سودة أن تحتجب منه مع أنه كان أخاها؛ وذلك
стр. 180
لما رأى من الشبه بعتبة، فجعل الحكم متبعضا، لذلك الغلام أخو سودة، لوجود سبب الحكم بالنسب، وهو الفراش، ولكن تحتجب منه، لوجود الشبه الدال على أنه لعتبة، فلما تجاذب الحكم سببان، أعملهما النبي ﷺ ، جميعاً، مراعاة للاحتياط.
ونظير ذلك، من حيث العمل بالاحتياط: ما ذكره الفقهاء ﵏ فيما إذا وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأتت بولد، فأرضعت بلبنه طفلاً:
فإن ألحق المولود بهما: فالطفل الراضع ولد لهما معاً.
وإن ألحق المولود بأحدهما: فالرضيع ولده فقط.
وإن لم يلحق المولود بهما؛ لكونه مات قبل الإلحاق، أو عدمت القافة، أو نفته عنهما، أو أشكل عليها الأمر، ففي هذه الصور: يكون الولد الرضيع ولداً لهما من جهة تحريم النكاح فقط، لا في ثبوت المحرمية، وجواز الخلوة والنظر.
فترى الفقهاء- ﵏ في هذه المسألة جعلوا الحكم مبعضاً مراعاة لجانب الاحتياط.
وبهذا عرف أن الأحكام تتبعض عند الاشتباه وتعارض الأسباب إذا أمكن العمل من الجانبين، والله تعالى أعلم.
واعلم: أني إنما عزوت القول بالحل إلى شيخ الإسلام ابن تيميه، لأنه صرح به عنه ابن رجب في ((قواعده)) (ص١٥٢) ، وصرح به في ((الاختيارات)) (ص٢١٣) .
والعجيب: أن ابن القيم- ﵀ نقل عنه التوقف، ذكره (ص٣٢٨ج٤) من ((زاد المعاد)) وأنه قال: إن كان قد قال أحد بعدم التحريم، فهو أقوى. اهـ.