Полный текст (403 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
فقوله: "إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا" الضعف هنا ضِدُّ الأمانة، وضِدُّ القُوة، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ أمينًا لكنه ضَعِيفٌ فِي تولي الأعمال.
فعليه نقول: إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ تَخْتَلُّ فيه القُوة، أو الأمانة، والكمالُ وُجود القُوة، ووجودُ الأمانة.
* * *
стр. 107
الآية (٢٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وَهِيَ الْكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تَكُونَ أَجِيرًا لِي فِي رَعْي غَنَمِي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أَيْ سِنِينَ ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أَيْ رَعْي عَشْرِ سِنِينَ ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التَّمَامُ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِاشْتِرَاطِ الْعَشْرِ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبرُّكِ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الْوَافِينَ بِالْعَهْدِ].
قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ هَذَا وَعْدٌ بنكاحٍ، وليس عقدًا، وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَى المُبْهَمَة؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ ومعناه: أُزوِّجُك؛ لأن النكاح أصلُه: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يضم زوجته إليه، ويَسْكُن إليها.
وقوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ مُبْهَم؛ فَلَا نَدْرِي: أَهِيَ الكُبرى أَمِ الصُّغرى، ولهذا يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَهِيَ الكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى].
وقوله: ﴿ابْنَتَيَّ﴾ أصلُها: ابْنَتَيْنِ لي، فحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة؛ وهي
стр. 108
مجرورة بالياء نيابةً عن الكسرة؛ لأنَّه مُثَنّى، وحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة.
وقوله: ﴿هَاتَيْنِ﴾ اسم إشارة لتعيين البنتين، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيَات؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تُثْبِتُ مَنْ عَدَاهُمَا، أَوْ أَنَّ المَعْنَى أَنَّ مُوسَى ﵊ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَاتَيْنِ البنتين له، وَهَذَا هُوَ الأقرب.
وأمَّا تعيينُهما بالإشارة، فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ المخاطَب أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيات، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ يُعيِّن هاتين ليُخْرِج بقية البنات.
والغريب أَنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا لإخراج بقيَّة البنات؛ لأن البناتِ سَبعٌ، وهذا أخرجهما بالتعيين.
فيُقال: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولكني عندما أقول لشخص: أنا أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ، وعندي امرأتان. فهل يفهم أنها منهن؟ لا، لَا يَفْهَمُ حتى أقول: هاتان. فـ ﴿هَاتَيْنِ﴾ فِي الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾، يعني: تأجُرني نفسَك، أي تكون أجيرًا لِي فِي رَعْيِ غنمي.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: ثَمَانِي سِنِينَ، وهو جُمع حِجَّة.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾، أي: رَعْيَ عَشْرِ سِنِينَ.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التمام، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَخْبَرَهُ أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِحْدَى ابْنَتَيْه، وَيَكُونَ المَهْرُ أن يرعى الغَنَمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ.
وَلَكِنْ مِنْ أين يُعْرَفُ أَنَّ المُرَادَ رعيُ الغَنم؛ إِذْ قَدْ يقول: تأجرني نفسك لِأَجْلِ أَنْ تكون بَنَّاء عندي، أو حَرَّاثًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
стр. 109
والجوابُ: أنه يُفْهَمُ مِن سؤال البنات، وسياق القصة، عندما قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، والعَمَل الذي أمامه الآنَ هُوَ رَعْيُ الغَنَم، فعُرف بِذَلِكَ أَنَّ صاحِبَ مَدْيَنَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مُوسَى ﵊ في رعي الغَنَم ثمانيَ سنوات؛ فإنْ أَتَمَّ عَشْرًا، فَمِنْ عِندِه، يعني: السَّنَتان تكونان تَبَرُّعًا، وَالْعَقْدُ عَلَى ثَمَانِي سنوات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِاشْتِرَاطِ العَشْرِ]، وَقَوله هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ العَشر لو قَبِلَه موسى، فلا مَشَقَّةَ فِيهِ، وإلَّا لَقُلنا: إن اشتراط الثماني بدل الست فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي: فِي حَالِ معاملتك فِي تَنْفِيذِ العَقد، أي: يَا مُوسَى، سأتساهل لَوْ مَرَّ يَوْمٌ، أَوْ أيام ما رعيت فيها. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو حصل عليك أثرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فإنني لا أَشُقَّ عَلَيْكَ بهذا.
وتكون عدم المَشَقَّةُ فِي تَنْفِيذِ الإجارة، أَمَّا فِي زِيادَةِ المدة، فليست بمشقَّة، وإلا لَوْ قُلْنَا: إِنَّ الثمانيَ بالنِّسبة للسِّت تكون مَشقة. فالصَّواب بلا ريب: لَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ حالَ تنفيذ العَمَل؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُوُل: عندك مَشَقَّةٌ فِي المُعَامَلَةِ فِي حَالِ تَنْفِيذِ العَقد، تجده -مثلًا- لَا يَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ، وإذا مرض يُلزمه، أَوْ يَقُوُل: عَوِّضْنِي عَنْ هَذَا الْيَوْمِ، أو أَسْقِطْ لِي مِنَ الأجرة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَقُوُل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾.
وَلِهَذَا قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فوعده فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فِي المُسْتَقْبَلِ؛ لأن السين هَذِهِ تُحَوِّل المضارع إلى المستقبل، وهي -كما مَرَّ علينا- تُفِيد التحقيق والتقريب، فَفِيهَا ثَلَاثُ فَوَائِدَ إِذَا دَخَلَتْ على المضارع:
стр. 110
تحويله للمستقبل، وتحقيقه، وتقريبه.
قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مِن: وَجَدَ يَجِدُ، إِذَا أَدْرَكَ الشَّيْء، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صاحب مَدْيَنَ مُؤمن؛ لأن كلامه هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى مِلَّةٍ.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعليق، فَهَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ يُرَادُ بِهِ حقيقتُه؟
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [إِنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ]، والذي حَمَل المُفَسِّر عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ وعدٌ منه، والوعدُ إِذَا عُلِّقَ لَمْ يَكُنْ مجزومًا به؛ وَلِهَذَا قَالَ: [﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبَرُّكِ]؛ لئلا يُنافيَ الوعدَ، وَلَكِنَّهُ فِي الحقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهُ على التَّبَرُّك، بل يَحْمِلُهُ عَلَى التعليق الحقيقي بالمشيئة؛ لأن عزم الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ مجزومٌ به، لكن تنفيذ الشَّيْءِ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يجزم به أبدًا مَهْمَا كَانَ الْعَمَلُ، يَقُولُ ﵎: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
ولذلك فنحن نرى أَنَّ قَوْلَهُ: [لِلتَّبَرُّكِ] غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأن تنفيذ هذا الشَّيْء ليس بيدي صاحب مَدْيَنَ، فان الأُمُور قد تُخلَف.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ جملة مُعترضة بين الفِعل ومفعوله؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ ﴿سَتَجِدُنِي﴾ يَنْصِبُ مفعولين، المفعول الأول الياء، والمفعول الثَّانِي قَوْلُه: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: الوافِين بالعَهد؛ لأن صلاح كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِه، فهنا المسألة عَقْدُ إِجَارَةٍ، والصلاح فيها يكون بالوفاء، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحَسَبِه، وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ هُوَ الْقِيَامُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وصلاحُ الطعام أَلَّا يَكُونَ متغيرًا برائحةٍ كريهة، أَوْ فَسَادٍ، فالصلاح فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحسبه.
стр. 111
الآية (٢٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي قُلْتُهُ ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثَّمَانِ أَوِ الْعَشْرَ، وَ (مَا) زَائِدَةٌ أَيْ رَعِيَّةً ﴿قَضَيْتُ﴾ بِهِ أَيْ فَرَغْتُ مِنْهُ ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ أَنَا وَأَنْتَ ﴿وَكِيلٌ﴾ حَفِيظٌ، أَوْ شَهِيدٌ، فَتَمَّ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ شُعَيْبٌ ابْنَتَهُ أَنْ تُعْطِيَ مُوسَى عَصًا يَدْفَعُ بِهَا السِّبَاعَ عَنْ غَنَمِهِ، وَكَانَتْ عِصِيُّ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُ، فَوَقَعَ فِي يَدِهَا عَصَا آدَمَ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، فَأَخَذَهَا مُوسَى بِعِلْمِ شُعَيْبٍ].
قوله تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أي: قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ الَّذِي قلته ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، وَهَذَا الْكَلَامُ فِي الْحَقِيقَةِ يعني القَبول؛ لِأَنَّ كُلَّ عقد عندنا يَحْتَاجَ إِلَى إِيجَابٍ وقَبُول: إيجابٌ مِن الباذِل، سَوَاءٌ كَانَ بائعًا، أو مُؤَجِّرًا، أو مُزَوِّجًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وقَبُول مِن الآخِذ.
الْإِيجَابُ مِن صاحِب مَدْيَنَ لقوله: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾، وَالْقَبُولُ مِنْ مُوسَى بقوله: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، ومعناه: إني موافق وقابِل، وذلك بالرغم مِنْ أَنَّ صاحب مَدْيَنَ قَالَ فِي البداية: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى
стр. 112
ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى﴾ وَلَمْ يَقُلْ: أنكحتُك عَلَى أَنْ تَأْجُرَني. مِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ العُقود تنعقد بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ عَنِ الشَّيْءِ لَيْسَتْ هِيَ الشَّيْء، وَلذَلِكَ لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لامرأته: أُرِيدُ أَنْ أُطَلِّقَك، فَلا يَكُونُ طَلَاقًا؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ غير الفعل، لَكِنْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ الراجحِ، الذي نتعرَّض له سَلَفًا فِي ذِكْرِ الفوائد، وَهِيَ أَنَّ الْعُقُودَ تنعقد بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا، مَا لَهَا صيغة معيَّنة، حَتَّى إِنَّهُ ربما تنعقد بِالْفِعْلِ كَمَا فِي انعقاد البيع بالمُعاطاة.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ الثَّمَانِيَ أَوِ الْعَشْرَ، وَ (مَا) زَائِدَةٌ، أَيْ رِعْيَةً].
يقول المُفَسِّرُ ﵀: إنَّ (ما) زائدة للتوكيد، وعليه فـ (أَيَّ) مفعولٌ مُقَدَّم بـ ﴿قَضَيْتُ﴾، وَلَا تَصِحُّ مِنْ بَابِ الاشتِغَال؛ لأن باب الاشتِغَال لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي العامل ضمير، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ، فالسابق مفعول، تقول -مثلًا-: زيدٌ أكرمتُه. هَذَا مِن باب الاشتغال؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا، لكن قولك: زيدًا أكرمتُ. بِدُونِ ضمير، هَذَا مِنَ باب المفعول المقدَّم، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الاشتغال، ولذلك هي هنا مَفْعُولٌ بِهِ مقدم؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾، وَلَمْ يَقُلْ: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قضيتُه.
وقوله تعالى: ﴿الْأَجَلَيْنِ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ رِعْيَةً]، ولكن السياق لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ؛ لأنَّه معروف مِن السياق، فمُوسى سيقضي الرَّعْيَ في الأجلين؛ وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ رِعْيَةً]، لَكِنْ هَذَا سَائِرٌ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلَقُ الْأَجَلُ عَلَى الْعَمَلِ، فمعنى ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾: أي المدتين قَضَيْتها فِي الرَّعي، فالصَّواب: أَنْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، فهو قال ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ بالرَّعْي، وهو محذوف؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ، أَمَّا أَنْ يُقَدَّر أَنَّ المفعول رَعْي، وَأَنَّ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التوسع والمَجاز، ففيه نظر.
стр. 113
وقوله: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ هُمَا عِنْدَنَا الآن ثَمَانِي سِنِينَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وعشرٌ، وهي نفلٌ مِنْ مُوسَى، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: قضيتُ به، أو فرغتُ منه، والقضاء بمعنى: الْفَرَاغِ مِنَ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قَولهُ تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: أَتَمَّهُنَّ، وانتهى منهن، وَهَذَا هُوَ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الاصطلاح، فَإِنَّ الْقَضَاءَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: مَا فُعِلَ بَعْدَ فَوَاتِهِ، ولهذا يقولون: الرَّجُلُ إِذَا صَلَّى الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ تُسمى قضاءَ، وَكَذَلِكَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ، أَوْ بَعْضُهَا، فقام يصلي، فهذا يسمى قضاء، ولهذا يقولون: إنه يقرأ فِيهِ سُورَةً مَعَ الْفَاتِحَةِ، ويستفتح، ويتعوَّذ، كأنه الآن قَدْ دَخَلَ فِي الصَلَاةِ.
والصَّواب أَنَّ قَضَى هُنَا بِمَعْنَى الإتمام، أي: انتهى مِنَ الشَّيْءِ، وَفِي مَسْأَلةِ الصلاة يُفسره قول الرَّسُول ﷺ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: "وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا" (١).
قوله تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾: (لا) نافية، والعُدوان معناه: الظُّلم والاعتداء، يعني: فإذا قضيتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؛ فَإِنَّهُ لَا عُدْوَانَ عَلَيَّ بذلك؛ لأنني أتممت العَقْدَ، ومَن أَتمَّ العَقد فَإِنَّهُ لَا اعْتِدَاءَ عَلَيْهِ، وَالْعُدْوَانُ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَقْدِ يكون -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀[بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ]، وَهَذَا صَحِيحٌ، فقول المستأجِر لموسى: زِدْ. هُوَ مِنْ بَابِ العُدوان.
كذلك ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ في إلزامي بِمَا لَا يَسْتَطِيعُهُ العقل، كَمَا لَوْ طَلَبَ مِنْهُ مثلًا أن يرعى الْغَنَمَ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَذَلِكَ لَا عُدْوَانَ عليه بمُماطَلَتِه في الأجرة، فإذا стр. 114
قضيتُ الأجَل يتم العَقد.
والمهم: أنَّ العُدوان لَا يَخْتَصُّ بطلب الزِّيادة فقط، بل بكُلِّ مَا يُتَصَوَّرُ أنه ينافي مُطْلَقَ العَقد.
يقول المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: [﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ أَنَا وَأَنْتَ، ﴿وَكِيلٌ﴾ حَفِيظٌ، أَوْ شَهِيدٌ، فَتَمَّ العَقْدُ بِذَلِكَ].
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾، لفظ الجلالَة مبتدأ، و ﴿وَكِيلٌ﴾ خبره، والمراد بالوَكالة هنا الحفظ والشَّهادَة جميعًا، فقول المُفَسِّر ﵀: [أَوْ شَهِيدٌ] هَذِهِ للتنويع، وليست للشرط، ولكن الأصح أَنَّهَا عَامَّةٌ؛ لأن وَكالة اللَّهِ عَلَى الشَّىْءِ معناه الحفظ والشَّهادَة.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ تقدَّمت على عاملها، وهو ﴿وَكِيلٌ﴾، والتَّقديم يُفيد الحَصر، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكيل، وَلَيْسَ عَلَى مَا نَقُولُ فقط، ولكنه حَصَر فِي هَذَا؛ لزيادة الاهتمام به، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ وكيلٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، ولكن كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّه شَاهِدًا عَلَى شَيْءٍ لَكان شَاهِدًا عَلَى مَا نَقُولُ مِنَ الْعَقْدِ الَّذِي جَرَى بيننا، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُوسَى ﵊ كان عَارِفًا بِاللَّهِ، وعنده الفِطرة، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نُبِّئَ؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ اعتِرَافٌ مِنْهُ بِاللَّهِ ، وبما لَهُ مِنَ الصفات، لكونه وكيلًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وظاهر الحالة أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ شهود عَلَى هَذَا الْعَقْدِ، وَلَكِنْ فِي شَرْعِنَا لَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الشهود حين كتابة العُقود، فلا يَكْفِي أَنْ يَكْتُبَ شخص مَا فِي الْعَقْدِ: وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، أو شهيد، نَعَمْ نَحْنُ نُقِرُّ بِأَنَّ اللَّهَ شاهدٌ ونِعْمَ الشاهدُ، لَكِنَّهُ
стр. 115
لَا يُدلي بشهادته، فليس هناك آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَا قِيلَ، أو تكذيبه، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ -لَا شَكَّ- نِعْمَ الشاهدُ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ فوق كُلِّ شَيْءٍ، يَقُولُ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩].
ولكننا نقول: أين الآيَةُ مِنَ اللَّهِ الَّتِي تَشْهَدُ بأنه حصل كَذَا وَكَذَا؟ فنحن -مثلًا- تأتينا بعض الزَّكَوات، ويأتينا فقير يقول: أَنَا وَاللَّهِ لَا أَمْلِكُ شيئًا، واللَّهُ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ. وَيَقُولُ لَك: أَمَا تَقبل اللَّه؟ نقول له: نعم، نَقبل قَسَمَك باللَّه، لكن اذكُر آيةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ شاهد بذلك، أما مُجرد كلامِك فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
والنَّبيّ ﵊ يقول: "لَوْ يُعطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالهَمْ، وَلَكِنِ الْبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي" (١)، فاذكُر -مثلًا- وَحْيًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ أَوْ آيَةً فِي كِتَابِهِ تَدُلُّ عَلَى صِدقك، فنحن نَقبل شَهَادَةَ اللَّهِ، وهي فوق كُلِّ شَهَادَةٍ، أَمَّا أَنْ تَقُولَ: إِنَّ هَذَا فِي الذِّمَّةِ، فَهَذَا لَا يُثْبِتُ شيئًا.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَتَمَّ العَقْدُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ شُعَيْبٌ ابْنتَهُ أَنْ تُعْطِيَ مُوسَى عَصًا يَدْفَعُ بِهَا السِّبَاعَ عَنْ غَنَمِهِ، وَكَانَتْ عَصَا الأَنْبِيَاءِ عِنْدَهُ، فَوَقَعَ فِي يَدِهَا عَصَا آدَمَ مِنْ آسِ الجَنَّةِ، فَأَخَذَهُ مُوسَى بِعِلْمِ شُعَيْبٍ].
هَذَا مِنَ الإسرائيليات التي ما تُصدَّق، فلا نَجِدُ فِي الآيَاتِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ عصًا، أَوْ شَيْئًا، فَقَدْ تَمَّ هَذَا الْعَقْدُ، وَصَارَ يُعْمَلُ له. стр. 116
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: يَجُوزُ أَنْ يُشتقَّ المَهْرُ مِنَ الأب، وَهَذَا فِي حقيقته عَائِدٌ عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ لها فائدة، وهي أنها تَسْلَم مِن رَعْي الغَنم، والتعب فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ هو وعد، وليس عقدًا، وَالدَّليلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُه: ﴿أُرِيدُ﴾ والمُريدُ للشيء قد يَفْعَلُهُ، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ، لَكِنْ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبِل أَنْ يُزَوِّجَهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿هَاتَيْنِ﴾ يفيد أنهما حاضرتان، لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّ هناك مَنِ البنات غَيْرَ هَاتَيْنِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ تقدِيم المعمول يَدُلُّ عَلَى الحَصر، مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكيل، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الْعَقْدِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّه وكيلًا لَكان وكيلًا عَلَى مَا نَقُولُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ يُستفاد بَيَانُ أَنَّ مَشُورة الْإِنْسَانِ عَلَى أَبِيهِ لَا تَعُدَّ مِن التَنَقُّصِ له.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تلطُّف هَذِهِ المَرْأَةِ فِي مُخَاطَبَةِ أبيها، لقولها: ﴿يَاأَبَتِ﴾، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُنَادِيَ والده باسمه، كَأَنْ يَقُولَ مثلًا: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إذا نادَى أباه باسمه يُعَزَّر؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الِاحْتِقَارِ لَهُ، وأمَّا الْخَبَرُ عَنْهُ باسمه، فَلَا بَأْسَ مِثْل أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، فَلَا حَرَجَ، ولهذا كثِيرًا مَا نسمع فِي الْأَحَادِيثِ أنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، بخلاف النداء، فالنداء لَهُ حَالٌ، والخبر لَهُ حَالٌ أخرى.
стр. 117
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: يَنْبغي في الْقَائِمِ عَلَى الشَّيْءِ، سَوَاءٌ كَانَ متبرعًا، أو بأَجْرٍ، أَنْ يُرَاعَى فيه هذان الوَصْفَان؛ وهما: القُوَّة والأمانة؛ لأن في القُوَّة الْقُدْرَةَ عَلَى التنفيذ، وفي الأمانة الإتمام والإكمال.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ مُوسَى ﵊ كان متصفًا بهَذَيْن الوصفين: القُوَّة والأمانة؛ لِأَنَّا قُلْنَا: إِنَّ الجملة هَذِهِ تعليلٌ لقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: نُصْح هذا الوالد لبناته؛ لِأَنَّهَا لمَّا وصفته بالأمانة والقُوَّة اختاره، وهكذا يَنْبغي للإنسان أن يختار لبناته مَن يتصف بالقُوة والأمانة.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: جَواز خِطبة الزوج، بِمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ يَخْطُبُ الرَّجُلَ لابنته عَلَى عَكْسِ المُتَعَارَفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا جَائِزٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجعْ إِلَيْكَ؛ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ، إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ ترَكَهَا لَقَبِلْتُهَا (١). стр. 118
وَهَكَذَا يَتبَيَّنُ أَنَّ خِطبة الإِنْسَان الرَّجُلَ لابنته أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، ومعروف فِيمَا سَبَقَ، وَفِي هَذِهِ الأُمَةِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كَرَمُ هَذَا الرَّجُلِ، ووجهُه أَنَّهُ خَيَّرَ موسى بين البنتين، فقال: اخْتَرْ إحداهما، وَهَذَا مِنَ الْكَرَمِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْحَقِيقَةِ أوسعُ للإنسان، وأطيبُ لنفسه؛ حيث يَخْتَارُ مَا يَرَاهُ أنسبَ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ هَذِهِ البنت، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا رغبةَ لَهُ فِيهَا، أَمَّا قَوْلُه: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ فالتخيير يَدُلُّ عَلَى الكرم، وأنه جَعَلَهُ فِي سَعَةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ الْعَقْدِ عَلَى المبهمة؛ إيجابًا لا قَبُولًا؛ لأنَّه مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ: زَوَّجْتُك إِحْدَى ابْنَتَيَّ. فيقول الزوجُ: قَبِلْتُ نِكاح فلانة. وَهَذِهِ المَسْأَلةُ لها أربع صُوَر:
الْأُولَى: إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ التعيين بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فيقول: زَوَّجْتُك ابنتي عائشة. فيقول: قَبِلْتُ. هذا تَعْيِينٌ فِي الْإِيجَابِ، وفي القَبول، فالإيجاب: الْوَلِيُّ قَالَ: زوَّجتُك ابنتي عائشة. فَعَيَّنها، والزوج قال: قَبِلْتُ زواجَ هَذِهِ المَرْأَةِ.
الثَّانية: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الإبهام فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَا يَصِحُّ -مثلًا- أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ. فيقول: قَبِلْتُ نكاح إحداهما. فهنا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لأَنَّنا لَا نَدْرِي أَيَّتَهُما التي انعقد نكاحها.
الثالثة: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ فِي الْإِيجَابِ دُون القَبُول، فيقول -مثلًا-: زَوَّجْتُك ابنتي عائشة. فيقول الزوج: قَبِلْتُ نكاحَ إحدى بناتك. وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
الرابعة: أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي. فيقول: قَبِلْتُ نكاح فلانة. يُسَمِّيها،
стр. 119
فهنا الإبهامُ فِي الْإِيجَابِ والتعيين فِي الْقَبُولِ لَا يَصِحُّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، ولكن الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لمَّا قَالَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي. قال: قَبِلْتُ عائشةَ. وهنا حَصَل التعيين، لكن المُوجِب الَّذِي هُوَ الْوَلِيُّ أَرَادَ أَنْ يُفْسِحَ له المجال في الاختيار، فهذا ظاهره صِحَّةُ الْعَقْدِ، لَا سِيَّمَا إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي هؤُلاءِ. وعَيَّنَهم، فقال: قبلتُ عائشة. وَهِيَ مِنَ المُعَيَّنات، فَهَذَا أَيْضًا أَقْرَبُ إِلَى الصِّحة؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ تعيين بالإشارة، ثم عَيَّن واحدةً منهن بالقَبول.
ولكن قِصَّة مُوسَى هنا لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حينئذ، ولأنَّه لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا بَعْدُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قد يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ الْأَبَ يملك الْعَقْدَ عَلَى ابْنَتِهِ دُونَ رضاها، وَلَكِنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ؛ إِذْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قد استأذن منهما قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ فَهِمَ منهما الرضا؛ لكونها عَرضَتْ عليه، ووصفتْه بالقُوة والأمانة.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا احتمالَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ؛ فإنَّ شريعتنا وَرَدَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُزَوِّجَ ابنته بِدُونِ رضاها، وأمَّا الْعَقْدُ إِذَا زَوَّجَ ابنته بِدُونِ رضاها فيُعْتَبَر باطلًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَواز اشتراط الأب شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ لَهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ زوَّجه عَلَى أَنْ يأجُره ثَمَانِيَ حِجَج في رَعْي الغَنَم، فَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الأبُ مهرَ ابنته له، وَهَذَا فِيهِ إشكالٌ بالنِّسبة لشريعتنا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤]، وقال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
стр. 120
وهاتان الآيتان تَدُلَّان عَلَى أَنَّ المهر للزوجة، وَهِيَ الَّتِي تملك التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْعَفْوِ والإعطاء، وليس للأب حَقٌّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَيْضًا؛ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ، أو حِبَاءٍ قَبْلَ الْعَقْدِ فهو للزوجة، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ فأحَقُّ ما يُكرَم عَلَيْهِ المَرْءُ ابْنَتُه وَأُخْتُه، فالمهر الَّذِي قَبْلَ الْعَقْدِ كُلُّه يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ المَهْرَ للزوجة، لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ بُضْعِها فَيَكُونُ لَهَا، وليس لِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.
والأب لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا لَا يحتاجه، ولا يَضُرُّه؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ" (١).
فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَلَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُجِيزُهُ، وَهُوَ أَيْضًا سببٌ للفساد، وملاحظة الأب للمَهر فيُزَوِّج مَن يَشْتَرِطُ لَهُ أَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفئًا، وَيَمْنَعُ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ له، وَإِنْ كَانَ كُفئًا.
فالمصلحة والشَّرع كلاهما يقتضيان أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ لنفسه شَيْئًا مِنَ المَهْرِ، وَالْأُمُّ وَالْأَخُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وقد يوجد خِلَافِ هَذَا من بعض الناس، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فالواجب أَنْ يَكُونَ المَهْرُ كُلُّهُ للزوجة.
واستدل بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَهْرُ منفعةً تَسْتَحِلُّها الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا، يعني: أَنْ يُعْمَلَ لها بناء؛ بأن يَبْنِيَ لها بيتًا، ويأتيَ لها بشيء فائض، والاستدلال واضح؛ لأن رعي الغنم منفعة، إِذْ لَوْ لَمْ يَرْعَها موسى لَقَام بذلك هاتان البنتان، فَهُوَ فِي الحْقِيقَةِ منفعة لها، ثُمَّ إِنَّ شرعنا وَرَدَ بوفاقه، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ стр. 121
لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا: "اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (١)، وهذا منفعة.
لكن لو اشترطَت عَلَيْهِ أَنْ يخدمها، يعني أَنْ يَكُونَ مَهْرُها خدمتها، فمثلًا: هَذِهِ امرأةٌ عجوزٌ كبيرةٌ خَطَبَها إنسانٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ، أو عِنْدَهُ مَالٌ، وقالت: المهر أنك تخدمني، أن تحملني -مثلًا- لأتوضأ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا تُقَوِّم حذائي، تغسل ثوبي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فهذا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لأن مَقَام الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ مَقَامِ الزوجة، فَإِنَّ الزَّوْجَ سَيِّدٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، والزوج رَجُلٌ، فَهُوَ قَوَّامٌ عَلَى المَرْأَةِ، قَالَ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، والمرأةُ أَسِيرٌ عِنْدَ الزَّوْجِ، قَالَ ﷺ : "أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ" (٢).
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَهْرُ خدمتَها، انعكست القضية، وصار الأعلى هو الأسفل، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، ولكن المَذْهَبُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لأنَّها مَنفعة، وكما يَجُوزُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ بيتها، ويرعى غَنَمَها، فكذلك أَنْ يَقُومَ بخدمتها، وهذا التَّعلِيل لَا يَمْنَعُ، فيخدمها الزَّوْجُ فِيَما اشترطت عليه، وتخدمه فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فتكون خادمةً مَخدومة؛ كحَرْفِ الجَرِّ يعمل فيه الْفِعْل، وَهُوَ يَجُرُّ الاسم، هو عامِلٌ مَعْمُول.
وَقَدْ تَكُونُ مصلحة الزَّوْجِ فِي خدمة زوجته، كأن تكون غَنِيَّة، وينتظر موتها حتى يرث منها، وَقَدْ يَحْدُثُ العكس، لكن الأمر حسب الحال، فَهَذَا رَجُلٌ شَابٌّ стр. 122
فقير، وهذه امرأةٌ عجوز كبيرة عندها أموال عظيمة، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَا يَضُرُّ أن أخدمها، فربما تموت، وأَرِثُ منها مالها كُلَّه.
وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا لغير هَذَا السَّبَبِ، قَدْ يَكُونُ لرفع حَسَبِه؛ لِأَنَّ هَذِهِ امرأة -مثلًا- مِنْ قَبِيلَةٍ مشهورة، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يرفع حَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ قَبيلي؛ فإذا تزوج هَذِهِ المَرْأَةَ المعروفة بِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلَةٍ مُعَيَّنة، عُلِم بذلك.
المهم: أن الآيَةَ فِيهَا اعتبارات.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَان العَمَل عملين: عملًا واجبًا، وعملًا تَبَرُّعًا، فيجوز لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَطْلُبَ استئجار شَيْءٍ مَا مثلًا عَشْرَ سنوات بالأجر، وسَنَتَيْن تبرعًا مِن صاحبها، برغبته ومشيئته.
وَنَظِيرُهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ: أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ لشخص: خُذْ هَذَا الشَّيْءَ بِعْه بمائة، وَمَا زَادَ فَلَك. فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ كُلٍّ مِن الطرفين معرفة بالسعر؛ لئلَّا ينخدع أحدهما باعتبار أَنَّ واحدًا -مثلًا- عنده حاجة يريد بيعها، وَجَاءَ إِلَى الدلَّال، وقال: خذ هَذِهِ الْحَاجَةَ بِعْهَا بمائة، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَكُ. فَهَذَا جَائِزٌ، يبيعها بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، ويأخذ عشرين، أو بمائة وخَمسة ويأخذ خمسة، أو بمائة وعَشَرة ويأخذ عَشَرة، ولكنه يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ لدى كُلٍّ مِن المُوَكِّل والمُوَكَّل عِلْمٌ بالسعر؛ لئلا ينخدع أَحَدُهُمَا فِي سِعر هَذِهِ السِّلْعَةِ، فهو يعرِف -مثلًا- أنها تُساوي مائة، وقد تزيد قليلًا، وقد تنقُص قليلًا.
وَلَكِنْ إِنْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا ثَمَنُها، ثُمَّ يَقُولُ: بِعْهُ بمائة. وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ سِعرها أربعمائة، فيذهب ذاك فيَبِيعها بأربعمائة، أَوْ أَنَّهُ -مثلًا- يَعْرِفُ أَنَّ سعرها لَا يُسَاوِي خمسين، وَالْوَكِيلُ لَا يَدْرِي، فالذي يَغْتَرُّ هُنَا هُوَ الوكيل، وفي المَسْأَلَةِ الْأُولَى المُوكِّل.
стр. 123
وَممِنْ قَدْ يَكُونُ الموكِّل يَعْرِفُ أَنَّ سلعتَه لَا تَزِيدُ عن المائة، فيقول للوكيل: اذهب وبِعْهَا بمائةٍ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَكُ. فيذهب وَهُوَ لَا يَدْرِي، يَظُنُّ أَنَّه سيبيعها بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فيَظَلُّ يُحاول ويُحاول، فما بِيعت إلا بثمانين، أو تسعين مثلًا، فيَكُونُ فِي هَذَا غَرَرٌ على الوكيل، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، والعكس أَيْضًا لَا يَجُوزُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: حُسن معاملة صاحب مَدْينَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أولًا: أنه فَسَحَ لَهُ فِي الْأَجَلِ، فقال: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
ثانيًا: أنه وَعَدَهُ بالتيسير فِي المُعَامَلَةِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾، فهذان دليلان عَلَى أَنَّهُ كَانَ سمحًا فِي مُعَامَلَتِهِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ إِلَّا مَقْرُونًا بالمشيئة، بَلْ إِنَّ اللَّهَ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يعزِمَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْء بِدُونِ قَرْنِه بالمشيئة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣].
والقَرْنُ بالمشيئة فِيهِ فَائِدَتَانِ:
الْأُولَى: تفويضُ المرءِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ تحقيقُ التوكّل.
الثَّانية: تيسير الْأَمْرِ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِصَّةِ سليمان: "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكانَ دَرَكًا لحَاجَتِهِ" (١). стр. 124
ترَى هَذَا إِذَا كَانَ الإِنْسَان يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الفعل، أمَّا إِذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ عزيمته عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قول: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ العزيمة يقول: سأفعل غدًا، أي: هَذِهِ نيتي وعزيمتي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ القَرن بالمشيئة؛ لأن العزيمة حاصلة، فقد شاءها اللَّه، وَإِذَا كَانَتْ حاصلة، وقد شاءها اللَّه، فليست هناك حاجة أَنْ نَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شاءها، ففرْق بَيْنَ أَنْ يَقُولَ إنسان: سأزورك غدَا. وَهُوَ يُرِيدُ وُقُوعَ الْفِعْلِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: سأزورك غدًا. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ مِنَ النِّيَّةِ والعزيمة، بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، ففي الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وفي الثَّانِيَةِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فالعزيمة أمرٌ واقع، وأمَّا الفعل فأمرٌ مُسْتَقبل، فهذا أَمْرٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِي العزيمة، إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التعليم، فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ : "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (١). يعني: حقًّا، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أَنَّ صَاحِبَ مَدْيَن مؤمن؛ لأن مِثْلَ هَذِهِ الصيغة لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ ملتزم بالشريعة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أن الصَّلَاحَ فِي كُلِّ مَوْضِع بحَسَبه، ففي العبادةِ يكون الصَّلَاحُ فِي الْإِخْلَاصِ والمتابعة. أي: الْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ مِنَ الْإِخْلَاصِ، والمتابعة للَّه، وترك المَنْهِيَّاتِ، وفعل المأمورات، وَالصَّلَاحُ فِي المُعَامَلَةِ بالْوَفَاءِ بِما يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، هذا هو الصَّلَاحُ فِي المُعَامَلَةِ الْوَفَاءُ بِما يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
وهنا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ نجد أَنَّ الأَلْيَق стр. 125
بالسياق هو صلاح المعاملة؛ لِأَنَّ المَسْأَلةَ جاءت تعقيبًا عَلَى عَقْدٍ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى بعده: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ: أَنَّ الْعُقُودَ لَيْسَتْ في صِيَغ مُعَيَّنَة، فتنعقد بما دَلَّتْ عَلَيْهَا، وكذلك الفُسوخ، وكذلك الولايات، كل التصرفات مِنْ عُقُودٍ وفُسوخ وولايات؛ فإنها تَصِحُّ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لها لفظ مُعَيَّن، بل تُجْرَى عَلَى مَا يتعارفه النَّاسُ بَيْنَهُم، حتى عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى الْقَوْلِ الراجح لَا تُشْتَرَطُ له صيغةٌ مُعَيَّنَة، فيجوز عَقْدُ النِّكَاحِ بأيِّ لفظ يتعارف عَلَيْهِ النَّاسُ، فمثلًا يجوز قولنا: زَوَّجْتُك، أنكحتُك، مَلَّكتُك، عقدتُ لَك عَلَى ابنتي. وكذلك الْأَمْرُ فِي الوقف والسبيل، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْعَقْدِ أَوْ لا، حينئذ نرجع إِلَى اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرف رَجَعْنَا إِلَى الحقيقة اللُّغوية، كما ذَكَرُوا فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا، فَنرجِعُ إِلَى مُقْتَضَى الْأَلْفَاظِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ المُتَعَاقِدَيْنِ نِيَّة مُسْبَقَة؛ لأنَّهما يريدان هَذَا الْعَقْدَ، فَإِذَا كَانَت بينهما نِيَّة معروفة، واتفقَا عليها، عُمِل بها.
الفقهاء ﵏ استَثْنَوْا بعض العُقود، وجعلوا لها صِيَغًا مُعَيَّنَةً، ففي النكاح مثلًا قالوا: لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ (زَوَّجْتُك) أو (أَنْكَحْتُك)، فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا" (١). قالوا: هَذِهِ المَسْأَلةُ تُستثنَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الدَّليلُ عَلَى استثنائها، بل هَذِهِ المَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُقُودَ تنعقد بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، стр. 126
لَمْ يَقُلْ: قبلتُ النكاح، ولا: قبلتُ الإجارة، وَلَا شَيْءَ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أَنَّ الْعُقُودَ عهود فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لأن كُلَّ إِنْسَانٍ يعقد مع شخص فَقَدِ التزم ألَّا يَخُونَه، والتزم أَنْ يَفِيَ له بمُقتضى هَذَا الْعَقْدِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ عهدًا، فِي سُورَةِ الإسراء يَقُولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وَقَدْ قَالَ قَبْلَهَا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، فالوَلاية عَلَى الْيَتِيمِ نَوْعٌ مِنَ الْعَقْدِ، وجَعَلها اللَّهُ تعالى عهدًا، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مُوسَى ﷺ قَبِل مَا جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُ مَدْيَنَ مِنِ اختيار أَحَدِ الْأَجَلَيْنِ، حينما قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، وبَقِي العقدُ مفتوحًا، يعني: إِنْ أتممتُ العَشْرَ، فلا تعتدي عليَّ بإخراجي مِن بيتي، وطردي عن عملي إِنْ أردتُ العَشر، وإن أوفيتُ بالثمانيَ، فلا تَلُمْنِي، وتَقُلْ: هَذَا الرَّجُلُ مَا وفَّى.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا اعتداءَ عليَّ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ يَتَوَجَّهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّما يَسأل سائل ويقول: كيف يقول: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، ثم يَسري عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، والرَّجُل وَفَّى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ؟
نقول: ربما يكون عُدوانًا، بمعنى: إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ إتمام الْعَشْرِ لَا يتركه يذهب، وإذا اقْتَصَرَ عَلَى التَّمَامِ يَتكلَّمُ بِهِ فِي المَجَالِسِ، والمُفَسِّرُ ﵀ يقول: [﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَيَّ]، وهذا تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ صحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ طلب الزيادة غير وارد.
стр. 127
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ اللَّهَ ﵎ حفيظٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لغرض، أي جَوَازُ تَعْلِيقِ الشَّيْء العامِّ بأمرٍ خاصٍّ بغرض، ويُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي تخصيصَ وَكالة اللَّهِ بما قالاه فقط، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، إنما خُصِّص هذا لِغَرَضِ العِناية به.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: جَواز إشهاد اللَّهِ عَلَى الْعَقْدِ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، ولكن شَرْعًا لَا يُقْتَصَرُ عَلَى ذَلِكَ، فأنت تَشهد للَّه، لَا لغرضٍ آخَرَ، لكن باطنًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ اللَّهِ يُكتفى به، ويستفيد الرَّجُلُ إِذَا أَشهَدَ اللَّهَ، أَوْ جعله الوكيلَ الحفيظَ المُراقِبَ، أَنْ يُذَكِّرَ بانتقام اللَّهِ مِنْهُ إِذَا خَالَفَ، أو خانَ.
فمَن أَشْهَدَ اللَّهَ، ثُمَّ خانَ، فَقَدِ استخفَّ به، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ المخلوقين، ففي بالُك أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ اللَّهِ ؟ !
واللَّه فِي كُلِّ حَالٍ شَاهَدٌ، سواء قُلنا، أَمْ لَمْ نَقُلْ، لكن استشهاده أَمْرٌ عَظِيمٌ، والتزام الإِنْسَان بمقتضى هَذِهِ الشَّهَادَةِ يكون أعظمَ، فَيَكُونُ فِيهِ توكيد للعَقد، إِذَا قُلْنَا: اللَّه شاهدٌ علينا أرأيتَ مَا عِنْدَنَا أحدٌ، لَكِنِ الآنَ نُريد نحن وأنت أن نُشهِد اللَّهَ أنه هو الشاهد، إذا وافَقَ هَذَا يَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّأْكِيدِ؛ لأن مخالفته عُرضة للعقوبة، ولهذا قَلَّ مَنْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا إلا أُصِيبَ فِي الدُّنْيَا قَبل الآخرة، وَفِي الْآخِرَةِ إصابتُه واضحة، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، لكن الغالب أنه تُعجَّل له الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا، والقِصَصُ فِي هَذَا كَثِيرٌ.
فقد حدثني إنسان أَنَّه كان بَيْنهُ وَبَيْن شخصٍ خُصومة فِي الْخَارِجِ، فتخاصموا
стр. 128
عِنْدَ الْقَاضِي، فأنكَرَ حَقَّهُ، وحَلَف المُدَّعَى عَلَيْهِ، لكنه فِي الْيَوْمِ التالي خرج هو وعائلته إلى الرياض فحصل لهم حادث، وماتت العائلة كلها، مَا بَقِيَ إِلَّا هُوَ، وهذه عُقوبة مُعَجَّلَة.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ الْيَمِينَ الغَمُوس تَدَعُ الدِّيارَ بلاقِعَ، أي: خاليةً مِنْ أَهْلِهَا، تُدَّمِر وتُهلِك، وَإِنَّمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ رِعْيَةٌ]؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ، أو الزَّمان نَفْسَهُ لَيْسَ بِيَدِ موسى، بل الَّذِي بِيَدِهِ هو الرَّعْيُ.
* * *
стр. 129
الآية (٢٩)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أَيْ رَعْيَهُ، وَهُوَ ثَمَانِ، أَوْ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ المَظْنُونُ ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ زَوْجَتِهِ بِإِذْنِ أَبِيهَا نَحْوَ مِصْرَ ﴿آنَسَ﴾ أَبْصَرَ مِنْ بَعِيدٍ ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾ اسْمُ جَبَلٍ ﴿نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ هُنَا ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عَنِ الطَّرِيق، وَكَانَ قَدْ أَخَطَأَهَا ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ بِتَثْلِيثِ الجيمِ قِطْعَةٌ وَشُعْلَةٌ ﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تَسْتَدْفِئُونَ، وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ، مِنْ: صَلِيَ النَّارَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا].
قوله ﵎: ﴿قَضَى﴾ بمعنى: فرغ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فَرَغ منهن.
قوله تعالى: ﴿الْأَجَلَ﴾: (ال) هَذِهِ للعهد، يعني: الْأَجَلَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ صاحب مَدْيَنَ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ بينهما أَجَلَيْن: أَجَلًا واجبًا، وهو ثماني سنوات، وأَجَلًا تَبَرُّعًا مِنْ مُوسَى، وهو عَشْرُ سنوات، ولا ندري أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَدْ قَضَى، يقول المُفَسِّرُ ﵀: [فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ، وَهُوَ ثَمَانِي أَوْ عَشْرَ سِنِينَ، وَهُوَ المَظْنُونُ بِهِ]، الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:
стр. 130
[وَهُوَ المَظْنُونُ بِهِ] يَعُودُ عَلَى الْعَشْرِ، يعني: الَّذِي يُظَنُّ بموسى أَنَّهُ أتَمَّ عَشْرًا.
وَلَكِنَّ الآيَةَ مُحُتَمِلَةٌ، فترجيح العَشر بِنَاءً عَلَى المَعْلُومِ مِنْ حَالِ مُوسَى ﷺ مِنَ الْكَرَمِ والوفاء، وترجيح أنه ثمانٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وموسى كَانَ فِي اشتياقٍ إلى بلاده بمصر، وَقَدْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ معتذرًا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، وهذه جملة قد تشير إِلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَجَلِ الواجب، وَإِلَّا فَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى الأجَل الأول؛ فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ يَلُومُه، أو يعتدي عليه، فلكُلٍّ منهما وجهٌ، وموقفنا نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ نُبهِمَ ما أَبْهَمَهُ اللَّهُ ، فنقول: قضى الأجَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّهما قضاه.
ولكن هناك أثَرٌ مَرْوِيٌّ عن عطاء بن السائب قَالَ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَاهِبًا فَقَالَ سَعِيدٌ: أَيَّما الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَلَمْ يَدْرِ، فَلَقِيتُ ابن عَبَّاسٍ فَسَألتُهُ فَقَالَ: "قَضَى أَوْفَاهُمَا" (١). وَهُوَ الْعَشْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ المُفَسِّرين.
وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ لَا يُوجَدُ مَا يُرَجِّحُه، فتفسيرُ الصحابي ليس صحيحًا مطلقًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الصحابي ممن عُرف بِالْأَخْذِ مِنَ الإسرائيليات، مِثْل ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁.
قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ السير معناه: المشي، سار بأهله مِنْ عِنْدِ صاحب مَدْيَن وأهله. стр. 131
وقوله: ﴿بِأَهْلِهِ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [زَوْجَتُهُ بِإِذْنِ أَبِيهَا نَحْوَ مِصْرَ]، أَمَّا قَوْله: [زَوْجَتُهُ] فهذا صحيح؛ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تُسمى أهلًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: [بِإِذْنِ أَبِيهَا] فَهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ الزَّوْجُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ بزوجته إِلَى إِذْنِ أبيها؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ المرأة صارت مِلكًا له، يسير بها حَيْثُ شَاءَ، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا سار بِهَا إِلَى أَمْرٍ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، فلها أَنْ تَمْتَنِعَ، ولأبيها أَيْضًا أَنْ يَمنعها، وإلا فالحقُّ له؛ إِذْ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَلا يُسَافِرَ بِهَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ، وَلَكِنْ لَوْ أَذِنتْ وأبَى أبوها، وقد شَرَطَ عليه، فلها الْحَقُّ أَنْ تسافر، لأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا شخصيًّا، وقد تَرَى أَنَّ مِنَ الأفضل لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا.
قوله تعالى: ﴿آنَسَ﴾ أي: أبصَرَ مِن بَعيد، وأَصْلُ ﴿آنَسَ﴾ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأُنْسِ، وهو زوال الوَحْشَة، ولكنها تَأْتِي بِمَعْنَى الإبصار بالشَّيْء؛ لِأَنَّك إِذَا أبصرتَ الشَّيْء وعرفتَه زال عَنْك مَا تخشاه.
قوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾ بالضَّم: اسمُ جَبَل، وجانِبُ الشَّيْء: جِهَتُه، أي: مِنْ جِهَةِ الطُّور.
قوله تعالى: ﴿نَارًا﴾ هَذِهِ النار ليست نارًا حقيقيةً، ولكنها نُور، وتُشبه النار، لمَّا أَبْصَرَ هَذِهِ النارَ، وكان الزَّمَنُ زمَنَ شتاء، والظاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ اللَّيْلَةَ كانت مُغَيَّمةً، وأن مُوسَى ﵊ عنده نَوْعٌ مِنَ الاشتباه فِي الطَّرِيقِ، كما تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، آنسَ نارًا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أي: هنا، قَالَ ذَلِكَ لأهله، وقد قَرَّرَ المُفَسِّرُ ﵀ قَبْلَ قليل أَنَّ المُرَادَ بأهله الزَّوجة، وهنا قال ﴿امْكُثُوا﴾ وَهُوَ خِطَابٌ لجماعة، لأن خطاب الواحدة يكون: امكُثِي، وللخروج مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ:
стр. 132
إنه اصطحب معه خادمًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أيضًا: إنه وُلدَ لَهُ مِنْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ سُلِّمت لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْعَقْدِ، وبقيت معه ثماني، أو عَشْرَ سِنِينَ، فولَدتْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الخطاب ﴿امْكُثُوا﴾ مطابقًا للواقع؛ لأن معه زوجةً وخادمًا وولدًا، وهؤُلاءِ جماعة، وَهَذَا لَيْسَ ببعيد؛ إذ إنه جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَافَرَ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ، أن يصطحب مَعَهُ مَنْ يخدمه.
قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾: (لَعَلَّ) هنا للترجِّي؛ لأنَّه يَتَمَنَّى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذَا الْأَمْرُ، ﴿آتِيكُمْ﴾ بمعنى: أجيئكم، وَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ اسم فاعل؛ لأنَّه هنا يُرِيدُ الْفِعْلَ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ متصفٌ بالإتيان، والدَّليل أَنَّك لَوْ حوَّلتها إلى معناها تقول: لعلي أجيئكم، فـ (أجيئكم) واضح أنها فِعل مضارع، فليست هُنَا اسْمَ فاعل.
قوله: ﴿مِنْهَا﴾ أي: مِنْ هَذِهِ النار، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّارَ نَفْسَهَا لَا تُعْطِي خبرًا، وَلَكِنَّ المُرَادَ مِنْ عِنْدِهَا؛ لِأَنَّ النَّارَ عَادَةَ لَا تشتعل إلا وعِندها أُناس.
وقوله: ﴿بِخَبَرٍ﴾ يَقُولُ فِيهِ المُفَسِّرُ ﵀: [عَنِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ قَدْ أَخْطَأَهُ]، وهذا ممكن، وَقَدْ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا، فيكون عَنِ الطَّرِيقِ، وعما بَقِىَ مِنَ المسافة، وعن كُلِّ شَيْءٍ، وكلمة (خَبَر) نَكِرَة تُفيد العُموم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [بِتَثْلِيثِ الجِيمِ]، أي بِفَتْحِ، أَوْ ضَمِّ، أَوْ كَسْرِ الجِيم، فَإِذَا قِيلَ: بالتثليث، أي بالحركات الثلاث، وَإِذَا قِيلَ بالمُثَلَّثَة أي بالثاء.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي مَعْنَى الجَذْوة: [قِطْعَةٌ وَشُعْلَةٌ مِنَ النَّارِ]، أَيْ إِنَّ الجَذْوَةَ عُودٌ فِي طَرَفِهِ نارٌ مشتعلة.
стр. 133
وقوله تعالى: ﴿تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون؛ لأن الصَّلْيَ معناه: الاحتماء بالنار، فالاصْطِلَاء إذن الاحتماء بها، وهو الاسْتِدْفَاء، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي بَرْدٍ.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ] هَذِهِ عِلَّةٌ تصريفية، فتاء الافتعال هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْء، فالفعل (اصطلى) أصله (اصتلى)، و ﴿تَصْطَلُونَ﴾ أصلها: (تصتلون)، مِثل تبتغون، ولكن القاعدة التصريفية فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ تاء الافتعال بعد الصاد، فإنها تُقلب طاءً، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِن: صَليَ النارَ -بِكَسْرِ اللَّامِ وفتحها- كرَضِيَ، وكرَمَى، ففيها لُغَتان فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، مِنْ بَابِ رَضِيَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢].
يَقُولُ اللَّهُ تعالى فِي سُورة أخرى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وَالْخَبَرُ أَعَمُّ مِنَ الْهُدَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْفِي هَذَا الشَّيْء، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وقُلنا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ السماء مُغِيمة، وَإِلَّا لَكَانَ يَعرف النجوم؛ لأنَّه راعٍ، وَقَدْ بَقِيَ ثمانيَ سنواتٍ، ويعرف غالب النجوم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّهُ مَنْ تعهد بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يشتغل بِغَيْرِهِ حَتَّى انتهائِه منه؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾، وهذه قاعدةٌ مهمة، إِذَا اشْتَغَلَ الإِنْسَان بِشَيْءٍ لَا يَنتقِلُ إِلَى غَيْرِهَ حتى يُتِمَّهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ، كانوا يبدءون بحفظ القُرْآن، فلا ينتقلون إِلَى غَيْرِهَ حتى يختموه، وهكذا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ قد يُقدِّر لِلْمَرْءِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا توصله إلى الكمال، ذَلِكَ أَنَّ رَعْي الغَنم فيه مصلحة لرعاية الْخَلْقِ فِيمَا بَعْدُ، ولهذا
стр. 134
أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﵊ أَنَّهُ "مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" (١).
فَإِذَا كَانَ الإِنْسَان يتعود الرعاية، ومسئولية الرعية، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ توطئة لما يُوكَل إِلَيْهِ فِيمَا بَعْدُ.
المهم: أَنَّ اللَّهَ يُقَدِّر لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى درجة الكمال.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ -عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حتى قَبْل النُّبُوَّةِ هُم كغيرهم مِنَ الْبَشَرِ؛ يُحِسُّون بآلام البَرَد، وكذلك بآلام الجُوع وغيره، ويهتدون إِلَى الطَّرِيقِ، وقد يَضِلُّون عنه، وهنا فائدتان شرعيتان:
الْأُولَى: أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الغيب؛ إِذْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغيبَ ما ضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ.
الثَّانية: أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ لأنفسهم نَفْعًا، وَلَا ضَرًّا، فإذا كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ ضَرًّا لأنفسهم، فلغيرهم مِنْ بَابِ أَوْلى، وهذا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وَقَالَ اللَّهُ تعالى لِنَبِيِّه: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ اللَّهَ تعالى إِذَا أَرَادَ أمرًا هَيَّأَ أَسْبَابَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ لمَّا أَرَادَ أَنْ يُوحِيَ إِلَى نَبِيِّهِ مُوسَى فِي ذَلِكَ المكان، هَيَّأ له أسبابًا تُوَصِّلُه إِلَى النَّارِ التي رآها وقَصَدَها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْقَى فِي المَكَانِ الَّذِي فارَقَهُ فيه صاحبُه، لأن مُوسَى قَالَ لِأَهْلِهِ: ﴿امْكُثُوا﴾، حتى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِم، وَكَذَلِكَ هُمُ لا يَضِلُّون عَنِ الطَّرِيقِ، وهذه عَادَةٌ مِنَ الحزم. стр. 135
وَانْظُرْ إِلَى قِصَّة عَائِشَةَ فِي الْإِفْكِ (١) لمَّا جَاءَتْ، ووجَدَتِ الْقَوْمَ قَدْ رَحَلُوا، بَقِيَتْ فِي مَكَانِهَا؛ لأنَّها عَلِمْت أَنَّهُمْ إِذَا فَقَدُوها فسوف يرجعون إليها مَرَّة أخرى، لَكِنْ لَوْ ذَهَبَتْ فَسَتَضِلُّ عنهم، وهُم إِذَا جَاءُوا فلن يجدوها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ معاملة موسى لأهله؛ إِذْ جَعَلَ يتطلب لهمْ مَا يُدفئهم، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" (٢).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لمِنْ أَرَادَ أَمْرًا أَنْ يُخْبِرَ أَهْلَهُ عَنْ وِجهته؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، خِلَافًا لمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، وَلَا يُخْبِرُ أَهْلَهُ، وقد يُقْبَلُ هَذَا فِي الْأُمُورِ العادية، وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ والسَّفَر -مثلًا- فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَ أهله بوجهته.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: اتخاذ الأَسْباب لَا يُنَافِي التَّوكُّل، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ التَّوكُّل، ومِن تمام معرفة الإِنْسَان بِاللَّهِ أن نأخذ بالأَسْباب؛ حيث إِنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تعالى جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سببًا، فيأخذ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ حتى يَصِلَ إِلَى الْغَايَةِ، لكن المحظور أَنْ يَعْتَمِدَ الإِنْسَان عَلَى السَّبَبِ ويظن أنه هو الغاية، فالتوكُّل على اللَّه مع الأخذ بالأَسْباب هَذَا مِنْ تَمَامِ معرفة الْإِنْسَانِ لِرَبِّهِ.
* * * стр. 136
الآية (٣٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ﴾ جَانِبِ ﴿الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ لمُوسَى ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ لمُوسَى لِسَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ فِيهَا ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِنْ شَاطِئِ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ لِنبَاتِهَا فِيهِ، وَهِيَ شَجَرَةُ عُنَّابٍ، أَوْ عُلَّيْقٍ، أَوْ عَوْسَجٍ ﴿أَنْ﴾ مُفَسِّرَةٌ لَا مُخَفَّفَةٌ ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾].
قَوْلُهُ تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أي: جَاءَ إِلَى النَّارِ، ووصل إليها.
قَوْلُهُ ﵎: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾: ﴿نُودِيَ﴾ النِّدَاءُ هُوَ دُعَاءُ الشخص بصوتٍ مُرتَفِع، والمناجاةُ: المُسَارَّة، وتكون بصوتٍ منخفض، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، فمُوسى نُودِيَ مِنْ بُعْد، ثم قُرِّبَ فنُوجِيَ.
وكلمة ﴿نُودِيَ﴾ مَبْنِيَّة للمفعول، فالذي ناداه هُوَ اللَّهُ، كَمَا فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦]، فهنا حُذِفَ الفاعِلُ للعِلم به؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي نَادَاهُ هُوَ اللَّهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِه بعدُ ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ﴾ أي: مِنْ جَانِبِ، فشاطئُ الشَّيْءِ جانِبُه،
стр. 137
ومنه: شاطئ النهر، أي: جانبه.
وقوله تعالى: ﴿بِالْوَادِ﴾ الْوَادِي: مَجرى الماء، فمَجرى الشَّيْء يُسَمى واديًا؛ لأَنَّه فيه جُمِع، والوَدْي: الجَمْعُ، فعليه يكون مَجْرَى الشَّيْء واديًا.
وقوله: ﴿الطُّورِ﴾ صِفةٌ للشاطئ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠].
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [﴿الْأَيْمَنَ﴾ لِمُوسَى]، وَهَذَا مَعْلُومٌ؛ لأنَّه منادى، فَقَدْ يَكُونُ الوادي أمامَ مُوسى، أَوْ هُوَ فِي وَسَطِ الوادي، فيكونُ الأيمن مِنْهُ هُوَ الَّذِي عَلَى يَمِينِ موسى.
قوله ﵎: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ البُقعة: الأرض، أو الشَّيْء المتميز عَنْ غَيْرِهِ، ومنه: بُقَعُ المَاءِ فِي الثَّوْبِ مثلًا، فالبُقعة هي: الجانبُ مِنَ الْأَرْضِ المميَّز -مَثَلًا- بأشجار، أو شِبْهِها.
وقوله: ﴿الْمُبَارَكَةِ﴾ معناه: التي أَحَلَّ اللَّهُ فِيهَا البَرَكةَ، والبَرَكةُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الثابتُ؛ لأنَّه مُشْتَقٌّ مِنَ: بِركة الماء، وبِركةُ الماء تكون مَجْمَعًا لَهُ مَعَ ثُبوته فيه، والبَرَكة تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مُبارَكٌ لشخصه، بَلْ لمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ البَرَكة.
وقد مَرَّ علينا بحثٌ فِي كَوْنِ الإِنْسَان يُتَبَرَّكُ به، وهل يَصِحُّ هَذَا أَمْ لَا؟ وقلنا فِيمَا سَبَقَ: إِنْ كَانَ المُرَادُ البَركة الشخصية، فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إلا للنبي ﷺ ، وَإِنْ كَانَ المُرَادُ بالبَركة مَا يَحْصُلُ مِنْهُ مِن مَنافِعَ عِلمِيَّةٍ، أَوْ مَالِيَّةٍ؛ فَإِنَّ هَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَكُونُ مجلسُه مُبَاركًا ينفع الحاضرين؛ إما بالذِّكر، وإما بالعِلم، وإما بالمال، وإما بالآداب، والأخلاقِ، هَذِهِ بركة لَا شَكَّ، وبعضُ النَّاس يكون بالعَكس
стр. 138
مَشْئُومٌ على جَلِيسه، كَمَا أَنَّ مِنَ النَّاسِ أَيْضًا مَنْ يَكُونُ مِفتاحًا للخَير، ومِغلاقًا للشَّرِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بالعكس.
لكن المُفَسِّرُ ﵀ قَيَّدها قَيْدًا حَسَنًا، فقال: [مُبَارَكَةٌ لِمُوسَى]، فهي مُبارَكة فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بالنِّسبة لموسى، أمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ لها صِبْغةٌ دينية، وليست مُقَدَّسةً بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ فِي وَقْتِ تكليمِ موسى.
ومنه أيضًا: غَارُ حِرَاءٍ، فهو بالنِّسبة للرسول ﷺ مُبَارَك، لكن حين نُزول الوحي عَلَيْهِ فِيهِ، أمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ له صِبغة دينية، ولهذا مِن البِدع أَنَّ الْإِنْسَانَ يَذْهَبُ إِلَى غَارِ حِرَاءٍ ليزورَه تعبُّدًا، وكذلك غارُ ثَوْرٍ، أَمَّا إِذَا كَانَ يزوره اطلاعًا فقط، فَإِنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ التعبد.
فمِن هَذِهِ الأماكن التي ما تثبت لها قُدسية عامَّة، تكون قدسيتُها خاصَّة في حِينِها فقط، ولمِن هِيَ لَهُ أَيْضًا، وأمَّا لِغَيرِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهَا هَذَا الْحُكْمُ.
ولهذا كان مِنْ أَحْسَنِ مَا صَارَ عَلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ تقييدُه هنا بموسى؛ لسماعه كَلَامَ اللَّهِ فِيهَا فِي هَذِهِ البُقعة، وَلَا شَكَّ انَّ الاستماع إلى كَلَامِ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ أيُّ استماع؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِدُ فِيهِ مِنْ لَذَّةِ المناجاة مَا لَا يَجِدُهُ في مناجاة أَيِّ أحد؛ لأنَّه أحب شَيْءٍ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا خاطَبَ محبوبَهُ صار أَشَدَّ تَلَذُّذًا بكلامه معه، مَعَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ كلام.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [لِسَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ فِيهَا]، وكلام اللَّه سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الأشاعرة، فقالوا: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ المَعْنَى القائمُ بالنفس، وَإِنَّ مَا يُسمع مخلوقٌ خَلَقه اللَّهُ ليُعبرَ بِهِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ.
стр. 139
وَعَلَى هَذَا يكون مُوسَى لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ، وإنما سَمِعَ مَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلَامِ اللَّهِ تعالى.
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا المعتزلة والجَهميَّة، وقالوا: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مخلوقٌ، يَخْلُق أصواتًا فِيمَا أَرَادَ؛ إِمَّا فِي جبريل، وَإِمَّا فِي الشَّجَرَةِ، وَإِمَّا فِي الْأَرْضِ، فتُسمَع هَذِهِ الأصواتُ، فيُنسب الْكَلَامُ إِلَى اللَّهِ مِنْ بَابِ التَّشبِيه، والخَلق، والتكوين.
وعندما نُمَحِّص الأمر نجد أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الأشاعرة والمعتزلة فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُتَّفِقُونَ أَنَّ مَا يُسْمَع فهو مخلوق، وَلَيْسَ هُوَ كَلَامَ اللَّهِ، وفي الْحَقِيقَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَ، لكن الأشاعرة تلطَّفوا فِي الْأَمْرِ، وقالوا: إِنَّ الْكَلَامَ معنًى قائمٌ بالنفس يُعَبَّرُ عَنْهُ بالأصواتِ، لا يُعبِّر المتكلم، يَخْلُقُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
ولا ريب أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة هو المذهب الصحيح الموافقُ للنقل والعقل، يقولون: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُسْمَعُ مِنَ اللَّهِ، وإنَّ كَلَامَ اللَّهِ بحرفٍ وصوت، أما الحرف فَهُوَ مَا يَتكلَّمُ بِهِ ﵎، مما يستعمله النَّاسُ فِي نُطقهم.
وأما الصوت فَإِنَّهُ لَا يُشْبِهُ أصواتَ المخلوقين، وكيف يُشبه أصواتَ المخلوقين وهو "إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْي سَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ شيْئًا، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وَسَكَنَ الصَّوْتُ، عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ وَنَادَوْا ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣] " (١).
يقول المُفَسِّرُ: [﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِنْ شَاطِئ؛ لِإِعَادَةِ الْجَارِّ لِنَبَاتِهَا فِيهِ]. стр. 140
قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ هنا تخصيص بعد تخصيص، تخصيص بالنِّسبة لجانب الشاطئ أنه الأيمن، وَفِيهِ أَيْضًا تخصيصٌ ثانٍ بالنِّسبة للشاطئ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنَ الشجرة: نُودِيَ مِنَ الشجرة، أي: مِن ناحيتها، وليس مَعْنَاهُ أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ الشَّجَرَةِ.
والمعتزلة يقولون: إِنَّ النداء مِنَ الشَّجَرَةِ، وإنَّ الشجرة خُلِق فيها صوتٌ سمعه مُوسَى عَلَى أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ.
وَلَكِنَّ المُرَادَ مِنَ الشَّجَرَةِ، أي: مِن ناحيتها، وجِهَتِهَا، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَه الشجرة، ولو قالته الشجرة لَقَالَ لَهَا موسى: كذبتِ. ولكن الَّذِي يَقُولُ ذَلِكَ هُوَ اللَّهُ .
وقول المُفَسِّر ﵀: [لِنبَاتِهَا فِيهِ، وَهِيَ شَجَرَةٌ عُنَّابٍ، أَوْ عُلَّيْقٍ، أَوْ عَوْسَجٍ، (أَنْ) مُفَسِّرَةٌ لَا مُخَفَّفَةٌ ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾]: [أَوْ] هَذِهِ لتنويع الخلاف، وهذا أَمْر لَا يَهُمُّنا.
المهم: أنها شجرة نُودِي منها ﵊.
و(أَنْ) مُفَسِّرة، والمُفَسِّرة هِيَ الَّتِي بمعنى (أَيْ)، وَهِيَ الَّتِي تأتي مُفَسِّرةً لمِا فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُروفه، فالنداء -مثلًا- فِيهِ مَعْنَى القول، أما حروفُ القول فهي كلمة (قال) ومُشْتَقَّاتُها، قَالَ تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، (أَنْ) هَذِهِ مُفَسِّرة؛ لأنَّها أتت لمِا فِيهِ مَعْنَى القول، وهو الإيحاء دُون حروف القول، ولهذا سمَّيناها هنا مُفَسِّرة؛ لأنَّها فَسَّرَت النداء بالقول، إِذْ إِنَّ مفعولها قوله: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وَهُوَ مَفْعُولٌ قول، ولهذا يقول: إنها مُفَسِّرة؛ لأنَّها فَسَّرَت مَعْنَى الْفِعْلِ المتضمِّن القولَ دون حروفِ القولِ.
стр. 141
وقوله: [لَا مُخَفَّفَةٌ] الصَّواب أنها ليست مُخَفَّفَةً مِن الثَّقِيلة، فَلَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفةً؛ لأنَّه ينطبق عليها معنى التَفْسِيِريَّة، هَذِهِ واحدة.
وأيضًا المُخفَّفة تَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [لَا مُخَفَّفَةٌ] إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ المغرضين يقولون: إنها مُخَفَّفَة.
قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الذي أُخاطِبُك.
قَوْلُهُ ﵎: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ بدأ بالأُلوهيَّة؛ لِأَنَّهَا هِيَ المَقْصُودُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فَثَنَّى بالرُّبوبية؛ لأن الرُّبوبية فِي الْحَقِيقَةِ وَسِيلَةٌ إِلَى الأُلوهية، ولهذا مَنْ أَقَرَّ بالرُّبوبية لَزِمَهُ أَنْ يُقِرَّ بالأُلوهية، وَإلَّا كَانَ متناقضًا، وَاللَّهُ تعالى يحتحُّ عَلَى المُشْرِكِينَ بالأُلوهية دائمًا بإقرارهم بالرُّبوبية؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ ربُّه، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إذن، يَجِبُ أَنْ تَعْبُدَ هَذَا الرَّبَّ، إذا عبدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَإِنَّك لَمْ تَصدُق في إقرارك بِرُبُوبِيَّتِه، فهُما مُتلازمان؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، فجَعَل الخَلْقَ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الرُّبوبية دليلًا مُلزِمًا لعبادته.
في قَوْلِهِ ﵎: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ الياءُ اسْمُ (إِنَّ)، و ﴿أَنَا﴾ مبتدأٌ ثانٍ، ولفظ الجلالة خبرٌ للمبتدأ الثَّاني، والجُملة الاسميةُ مِن المبتدأ وَالْخَبَرِ فِي مَحِلِّ رفعٍ خبرُ (إِنَّ)، وقولُه: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لـ ﴿أَنَا﴾.
قوله ﵎: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الربُّ هُوَ المَالِكُ والمُدَبِّر لجميع الأَشْياء، وقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ المُرَادُ بِهِمْ مَن سِوَى اللَّهِ، وجَمعَهم باعتبار أصنافهم، وإلا فالعالَم هو كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ، والجمع لوجود عالَم الإنس، وعالَم الجن، وعالَم البهائم، وعالَم
стр. 142
الملائكة، فجُمعوا باعتبار أجناسهم، وهذه الرُّبوبية عامَّة، وقد مَرَّ عَلَيْنَا أَنَّ الرُّبوبية تَنْقَسِمُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، كَمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ، أو العُبودية تَنْقَسِمُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هَذِهِ عامَّة، و ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصَّة.
فائدة: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة أَنَّ اللَّهَ يتكلم بِحَرْفٍ وصوتٍ، والحرفُ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِى التَّشبِيه؛ لأن الحروف هَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةً للَّهِ، بل صفةُ اللَّه الصوتُ؛ أمَّا الحروف، فإنها منطوقٌ بِهَا وَلَيْسَتْ نُطقًا، فلا يُوجد تشبيه.
فقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ يَعْنى بِهِ: تحديد المكان؛ لأن شاطئ الوادي واسع وعامٌّ، فتخصيص المكان يكون أَبْيَنَ؛ إِذْ إِنَّ مُوسَى لو نُودِيَ مِنْ جَمِيعِ الشاطئ لَالْتَبس عَلَيْهِ الْأَمْرُ، لَكِنْ إِذَا حُدِّدَ النِّداء مِنْ جِهَةٍ مُعَيَّنَة خاصَّة، صَارَ هَذَا أَبْيَنَ له وأَوْضَحَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ كلامِ اللَّهِ ؛ لأن المنادِيَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾، هُوَ اللَّهُ؛ لِقَوْلِهِ تعالى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تعالى بالقول؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء يكون بِصَوتٍ للبَعيد، والمناجاةُ بصوتٍ للقريب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ عَلَى الأشاعِرَة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ المَعْنَى القائم بِنَفْسِه، وَلَا شَكَّ أَنَّ المَعْنَى القائِمَ بالنفس لَا يُسَمَّى كلامًا، وَلَا يُسْمَعُ، وكلام اللَّهِ تعالى يُسْمَع.
стр. 143
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ عَلَى الجَهمية والمعتَزِلة الَّذِينَ يَقُوُلونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مخلوقٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ اللَّهِ ، والنداءُ قولٌ، والقوُل لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بقائل، فَيَكُونُ الْقَول قَوْلَ اللَّهِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مخلوقة؛ لأنَّها وصفٌ لمن اتَّصَفَ بها، فَإِذَا كَانَت وَصْفًا للخالِق، فَهِيَ غَيْرُ مخلوقة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ الْأَرْضَ تكون مُبارَكَة بَرَكَةً ظاهِرِيَّة، لَا بَرَكَةً مُطْلَقَةً؛ لقوله: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ فالبَرَكَة هنا لمِوسى، لا لِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا قَالَهُ المُفَسِّر ﵀.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بِحَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا جُمَلٌ مُكَوَّنَة مِن حروف، وَيَكُونُ فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الأشاعرة؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الْكَلَامُ هُوَ المَعْنَى القائمُ، فأنا عندما يَكُونُ هَذَا المُضْمَر هُوَ الْفِعْل، وما سُمِع فَلَيْسَ هُوَ الكلام، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلَامِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ، أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَكَلَّمْ" (١).
فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ حَدِيثِ النَّفْسِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ رُبوبية اللَّهِ ، لقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، والرُّبوبية تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّة وَخَاصَّة، كَمَا أَنَّ العُبودية أَيْضًا فِي الْأَصْلِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّة وَخَاصَّة، كَمِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فهذه مِنَ الْخَاصَّةِ، لَكِنْ مَنِ стр. 144
المقرَّر أن الأصل كَمَا قَالَ تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وهذه عامَّة، وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، هَذِهِ خَاصَّةٌ.
* * *
стр. 145
الآية (٣١)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّكُ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ سُرْعَةِ حَرَكَتِهَا ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ هَارِبًا مِنْهَا ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أَيْ يَرْجِعُ فَنُودِيَ ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾، أي: ونودي أَيْضًا أَنْ أَلْقِ عَصَاك، و ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ بمعنى: ضَعْ عصاك عَلَى الْأَرْضِ، وهذه العصا قَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ طَه فائدتُها بالنِّسبة له، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ هَذِهِ المآربُ، فقيل: يَحْفِرُ بها، ويَدْفَع بها السِّباع، ويدفع بِهَا عَنْ نَفْسِه.
ونَجِدُ أنه فَصَّل فِي ذِكْرِ مَنَافِعِهَا، ثم أَجْمَلَ فِي ذِكْرِ فائدتها فِي دَفْعِ المفاسد، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْأَدَبِ فِي الحْدِيثِ، وتجدون أَنَّهُ فِي مَقَامِ الإثبات يُؤتى فيها بالتفصيل، وفي مَقَام النفي يُؤتى فيها بالإجمال غالبًا.
قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، أي: تتحرك، لكن بِنَوْعٍ مِنَ الاضطراب، ومعروفٌ أنَّ الحيَّة تتحركُ يَمِينًا وَشِمَالًا، و ﴿رَآهَا﴾ أي: أَبْصَرَها، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ
следующие страницы →