Полный текст (403 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقوله: [لَا مُخَفَّفَةٌ] الصَّواب أنها ليست مُخَفَّفَةً مِن الثَّقِيلة، فَلَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفةً؛ لأنَّه ينطبق عليها معنى التَفْسِيِريَّة، هَذِهِ واحدة.
وأيضًا المُخفَّفة تَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [لَا مُخَفَّفَةٌ] إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ المغرضين يقولون: إنها مُخَفَّفَة.
قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: الذي أُخاطِبُك.
قَوْلُهُ ﵎: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ بدأ بالأُلوهيَّة؛ لِأَنَّهَا هِيَ المَقْصُودُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فَثَنَّى بالرُّبوبية؛ لأن الرُّبوبية فِي الْحَقِيقَةِ وَسِيلَةٌ إِلَى الأُلوهية، ولهذا مَنْ أَقَرَّ بالرُّبوبية لَزِمَهُ أَنْ يُقِرَّ بالأُلوهية، وَإلَّا كَانَ متناقضًا، وَاللَّهُ تعالى يحتحُّ عَلَى المُشْرِكِينَ بالأُلوهية دائمًا بإقرارهم بالرُّبوبية؛ لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ أَنَّ اللَّهَ ربُّه، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إذن، يَجِبُ أَنْ تَعْبُدَ هَذَا الرَّبَّ، إذا عبدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَإِنَّك لَمْ تَصدُق في إقرارك بِرُبُوبِيَّتِه، فهُما مُتلازمان؛ وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، فجَعَل الخَلْقَ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الرُّبوبية دليلًا مُلزِمًا لعبادته.
في قَوْلِهِ ﵎: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ الياءُ اسْمُ (إِنَّ)، و ﴿أَنَا﴾ مبتدأٌ ثانٍ، ولفظ الجلالة خبرٌ للمبتدأ الثَّاني، والجُملة الاسميةُ مِن المبتدأ وَالْخَبَرِ فِي مَحِلِّ رفعٍ خبرُ (إِنَّ)، وقولُه: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لـ ﴿أَنَا﴾.
قوله ﵎: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الربُّ هُوَ المَالِكُ والمُدَبِّر لجميع الأَشْياء، وقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ المُرَادُ بِهِمْ مَن سِوَى اللَّهِ، وجَمعَهم باعتبار أصنافهم، وإلا فالعالَم هو كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ، والجمع لوجود عالَم الإنس، وعالَم الجن، وعالَم البهائم، وعالَم
стр. 142
الملائكة، فجُمعوا باعتبار أجناسهم، وهذه الرُّبوبية عامَّة، وقد مَرَّ عَلَيْنَا أَنَّ الرُّبوبية تَنْقَسِمُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، كَمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ، أو العُبودية تَنْقَسِمُ إِلَى عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢]، فقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هَذِهِ عامَّة، و ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ خاصَّة.
فائدة: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة أَنَّ اللَّهَ يتكلم بِحَرْفٍ وصوتٍ، والحرفُ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِى التَّشبِيه؛ لأن الحروف هَذِهِ لَيْسَتْ صِفَةً للَّهِ، بل صفةُ اللَّه الصوتُ؛ أمَّا الحروف، فإنها منطوقٌ بِهَا وَلَيْسَتْ نُطقًا، فلا يُوجد تشبيه.
فقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ يَعْنى بِهِ: تحديد المكان؛ لأن شاطئ الوادي واسع وعامٌّ، فتخصيص المكان يكون أَبْيَنَ؛ إِذْ إِنَّ مُوسَى لو نُودِيَ مِنْ جَمِيعِ الشاطئ لَالْتَبس عَلَيْهِ الْأَمْرُ، لَكِنْ إِذَا حُدِّدَ النِّداء مِنْ جِهَةٍ مُعَيَّنَة خاصَّة، صَارَ هَذَا أَبْيَنَ له وأَوْضَحَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ كلامِ اللَّهِ ؛ لأن المنادِيَ فِي قَوْلِهِ: ﴿نُودِيَ﴾، هُوَ اللَّهُ؛ لِقَوْلِهِ تعالى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تعالى بالقول؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء يكون بِصَوتٍ للبَعيد، والمناجاةُ بصوتٍ للقريب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ عَلَى الأشاعِرَة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ المَعْنَى القائم بِنَفْسِه، وَلَا شَكَّ أَنَّ المَعْنَى القائِمَ بالنفس لَا يُسَمَّى كلامًا، وَلَا يُسْمَعُ، وكلام اللَّهِ تعالى يُسْمَع.
стр. 143
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ عَلَى الجَهمية والمعتَزِلة الَّذِينَ يَقُوُلونَ: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مخلوقٌ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ اللَّهِ ، والنداءُ قولٌ، والقوُل لَا يُؤْخَذُ إِلَّا بقائل، فَيَكُونُ الْقَول قَوْلَ اللَّهِ، وَكُلُّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مخلوقة؛ لأنَّها وصفٌ لمن اتَّصَفَ بها، فَإِذَا كَانَت وَصْفًا للخالِق، فَهِيَ غَيْرُ مخلوقة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ الْأَرْضَ تكون مُبارَكَة بَرَكَةً ظاهِرِيَّة، لَا بَرَكَةً مُطْلَقَةً؛ لقوله: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ فالبَرَكَة هنا لمِوسى، لا لِكُلِّ أَحَدٍ، كَمَا قَالَهُ المُفَسِّر ﵀.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بِحَرْفٍ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا جُمَلٌ مُكَوَّنَة مِن حروف، وَيَكُونُ فِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الأشاعرة؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: الْكَلَامُ هُوَ المَعْنَى القائمُ، فأنا عندما يَكُونُ هَذَا المُضْمَر هُوَ الْفِعْل، وما سُمِع فَلَيْسَ هُوَ الكلام، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلَامِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ، أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَكَلَّمْ" (١).
فَبَيَّنَ أَنَّ الْكَلَامَ غَيْرُ حَدِيثِ النَّفْسِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ رُبوبية اللَّهِ ، لقوله: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، والرُّبوبية تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّة وَخَاصَّة، كَمَا أَنَّ العُبودية أَيْضًا فِي الْأَصْلِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: عَامَّة وَخَاصَّة، كَمِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فهذه مِنَ الْخَاصَّةِ، لَكِنْ مَنِ стр. 144
المقرَّر أن الأصل كَمَا قَالَ تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وهذه عامَّة، وقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، هَذِهِ خَاصَّةٌ.
* * *
стр. 145
الآية (٣١)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فَأَلْقَاهَا ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تَتَحَرَّكُ ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ مِنْ سُرْعَةِ حَرَكَتِهَا ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ هَارِبًا مِنْهَا ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أَيْ يَرْجِعُ فَنُودِيَ ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى﴾، أي: ونودي أَيْضًا أَنْ أَلْقِ عَصَاك، و ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ بمعنى: ضَعْ عصاك عَلَى الْأَرْضِ، وهذه العصا قَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةِ طَه فائدتُها بالنِّسبة له، فقال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، وَقَدْ ذُكِرَ فِي التَّفْسِيرِ هَذِهِ المآربُ، فقيل: يَحْفِرُ بها، ويَدْفَع بها السِّباع، ويدفع بِهَا عَنْ نَفْسِه.
ونَجِدُ أنه فَصَّل فِي ذِكْرِ مَنَافِعِهَا، ثم أَجْمَلَ فِي ذِكْرِ فائدتها فِي دَفْعِ المفاسد، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْأَدَبِ فِي الحْدِيثِ، وتجدون أَنَّهُ فِي مَقَامِ الإثبات يُؤتى فيها بالتفصيل، وفي مَقَام النفي يُؤتى فيها بالإجمال غالبًا.
قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، أي: تتحرك، لكن بِنَوْعٍ مِنَ الاضطراب، ومعروفٌ أنَّ الحيَّة تتحركُ يَمِينًا وَشِمَالًا، و ﴿رَآهَا﴾ أي: أَبْصَرَها، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ
стр. 146
جُملة ﴿تَهْتَزُّ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْب عَلَى الحالِ، وليست مفعولًا ثانيًا؛ لأن (رأى) البَصَرِيَّة لا تنصب إلا مفعولًا واحدًا.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هي الحيَّة الصغيرة، وتشبيهُ العَصا بالجانِّ لسُرعة حركتها، ولكن المُفَسِّر ﵀ فَسَّر الجانَّ بأنها الحيَّة الصغيرة، وَاللَّهُ تعالى يَقُولُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]، والثعبان هو الذَّكَرُ مِنَ الحيَّات الكبير، ويجمع بينهما بأنه أَوَّلَ مَا ألقاها صارت كالجانِّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَضَخَّمَت، حَتَّى صَارَتْ ثُعبانًا مُبِينًا عند السَّحَرة.
قوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي: هاربًا منها، وهذه الجُملة جوابُ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، و ﴿مُدْبِرًا﴾ حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَّى﴾، ويُسَمُّونها حالًا مُؤَكِّدة؛ لأن التَّوَلِّيَ معناه الإدبار، فهي حالٌ مُؤَكِّدَة لعامِلِها؛ إِذْ إِنَّ مَعْنَى الإدبار مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَّى﴾، ولكنها جاءت للتأكيد، وقوله: ﴿مُدْبِرًا﴾ يعني: ولَّاها دُبرَه، وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [هَارِبًا]؛ لأن الهارب ينصرف عَكْسَ اتجاهِه، فأنت أولًا تنصرف عَنِ الشَّيْءِ فتُسمَّى مُوَلِّيًا، ثم تُسَمَّى هاربًا إذا انْصَرَفْتَ باتجاهٍ مُعَاكِس.
قوله ﵎: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: يَرْجِعُ، فَنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾]، ولهذا يَنْبَغِي أَنْ نَقِفَ عَلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾؛ لِأَنَّه لَوْ وَصَلْنَا ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ بقوله: ﴿يَامُوسَى﴾ لظنَّ الظانُّ أَنَّ الْكَلَامَ واحدٌ، ولكن الكلام انفصل، فقال: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿أَقْبِلْ﴾ مُقابل التولي، و ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ مُقابل الهَرَب؛ لأن الهارب يكون خائفًا، ثم طمأنه بقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾؛ تأكيدًا لقوله: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾؛ لأن الآمِن لَا يَخَافُ، وإنما يخاف مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أمنٌ، وهنا قال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾
стр. 147
وَلَمْ يَقُلْ: إنك آمِنٌ. بَلْ قَالَ: ﴿مِنَ الْآمِنِينَ﴾، وَهَذَا مِنْ مُرَاعَاةِ الفَواصِل، لكنَّ هَذِهِ المناسبة لفظيةٌ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ آمَنَهُ، وليتذكَّر أَنَّ هُنَاكَ آمِنِين؛ فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ آمنون، فَإِنَّهُ لَا غَرَابَةَ أَنْ تأْمَنَ، أي: لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذا ذُكِّر بِمَا حَدَثَ لِغَير صَارَ أشدَّ طُمَأْنِينَةً فِي حُصُولِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، ونَظِيرُه بالعَكْس، هُوَ قَول فِرْعَون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وَلَمْ يَقُلْ: لَأَسْجِنَنَّكَ، لِأَجْلِ أَنْ يُرْهِبَه بأنَّ عِنْدَهُ مَنْ هوَ مسجونٌ، وَأَنَّهُ ليْسَ يُعْجِزُنا أن نَسْجِنَك.
والحاصِلُ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُقَالُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يتذكر مُوسَى ﵊ أَنَّ هُنَاكَ أُناسًا آمِنِين، فيأمَنُ أكثرَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِيهَا دَلِيلٌ أَنَّ مُوسَى كانَ من سُنَّتِه حَمْل العَصَا؛ لقوله: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى قُدْرةِ اللَّهِ ، لأَنَّه بمجرد أن ألقاها صارت تهتز ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، فبِمُجَرَّد الإلقاء هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ؛ فِيهَا دَليلٌ عَلَى حِكمة اللَّهِ أيضًا، حيث إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ مناسِبة لِمَن سيُقابِلُهم موسى، وهُمُ السَّحَرة، مُقابِل الآية هناك، وَهَذِهِ الآيَةُ مُناسبة تمامًا لهم؛ لأنَّهم سوف يَعْجِزُون عن مُقابلتها، كما حَصَلَ مِنَ السَّحَرَةِ حين آمَنُوا لِمَّا رأوا دليل صِدق موسى ﵇.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ هَذِهِ العصا حركتُها سريعة؛ لأن الجانَّ مِن الحَيَّات هي التي عُرفت بالحركة السريعة.
стр. 148
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الْانَبِيَاءِ مَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَوْفِ الطبيعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ مَعَ أَنَّ مُوسَى -كما تعلمون- كَانَ مِنَ الرجال الأقوياء، لكنَّه يَعْتَرِيه ما يَعْتَرِي غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: عنايةُ اللَّهِ تعالى بِه، حيث ناداه وطَمْأَنَهُ بقوله: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَفْ﴾، بل طَلَبَ مِنْهُ الْإِقْبَالَ إِلَيْهِ ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عناية اللَّهِ بِهِ، وَمَحَبَّتِهِ لَهُ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للمُستدعي لِغَيْرِهِ أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ؛ لقَوْلِه: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا تَخْفَ. فإنه يَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَكُونُ مُطْمَئِنًّا تمامًا، وَلَكِنَّهُ إِذَا قَالَ: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ ازداد بذلك طُمأنينةً.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكر النُّظراء، أو الإشارة إلَيْهِم، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَثْبَتَ للقَلب؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.
* * *
стр. 149
الآية (٣٢)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص: ٣٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿اسْلُكْ﴾ أَدْخِلْ ﴿يَدَكَ﴾ الْيُمْنَى بِمَعْنَى الْكَفِّ ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ هُوَ طَوْقُ الْقَمِيصِ وَأَخْرِجْهَا ﴿تَخْرُجْ﴾ خِلَافَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأُدْمَةِ ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أَيْ بَرَصٌ، فَأَدْخَلَهَا وَأَخْرَجَهَا تُضِيءُ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ تَغْشَى الْبَصرَ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ بِفَتْحِ الحرْفَيْنِ، وَسُكُونِ الثَّانِي مَعَ فَتْحِ الْأَوَّلِ وَضَمِّهِ، أَيِ الْخَوْفُ الحْاصِلُ مِنْ إضَاءَةِ الْيَدِ بِأَنْ تُدْخِلَهَا فِي جَيْبِكَ فَتَعُودَ إِلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْجَنَاحِ لِأَنَّهَا لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحِ لِلطَّائِرِ ﴿فَذَانِكَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، أَيِ الْعَصَا وَالْيَدُ وَهُمَا مُؤَنَّثَانِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ المُشَارَ بِهِ إِلَيْهِمَا المُبْتَدَأُ لِتَذْكِيرِ خَبَرِهِ ﴿بُرْهَانَانِ﴾ مُرْسَلَانِ ﴿مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾].
قول المُفَسِّر ﵀ بأنَّ اليَدَ بِمَعْنَى الْكَفِّ، لا داعِيَ له هنا؛ لِأَنَّ المُرَادَ باليَد عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الكَفُّ، ولهذا لمَّا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فالمراد بالأيدي الأَكُفُّ، أَمَّا إِذَا أُرِيدَ باليَدِ غيرُ الكَفِّ فإنها تُقَيَّد، كَمَا فِي
стр. 150
قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وَقَالَ ﵎: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، فالمراد مَسْحُ الكَفِّ فقط، وليس اليَدَ كُلَّها.
وقوله: [اليُمْنى] لَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ عَلِمَ ذلك، فالآية لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، ولهذا فإن الْأَوْلَى أَنْ نجعَلَها مُبْهَمَةً كما أَبْهَمَهَا اللَّهُ ، ولا يَهُمُّنا أَنْ تَكُونَ الْيَدَ الْيُمْنَى، أو اليسرى.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فِي جَيْبِكَ﴾ هُوَ طَوْقُ الْقَمِيصِ وَأَخْرِجْهَا].
قوله: [وَأَخْرِجْهَا] المُفَسِّر ﵀ قَدَّر طلبًا مناسبًا للجَواب؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مجرد إدخالٍ، بَلْ إِذَا أَخْرَجَها خَرَجَت بيضاء، لكن الحقيقة أَنَّهُ لَا داعيَ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ ﴿تَخْرُجْ﴾ جوابًا لقوله: ﴿اسْلُكْ﴾؛ فَإِنَّك إِذَا قُلْتَ: أَخْرِجْ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَها، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الحَذْفِ، وعليه فـ ﴿تَخْرُجْ﴾ هنا مجزومة جوابًا للطلب فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْلُكْ﴾؛ لِأَنَّ جَوَابَ الطلَبِ إِذَا حُذِفت منه الفاءُ صار مجزومًا، وَإِنْ وَجَدْت مَعَهُ الفاء صار منصوبًا بـ (أَنْ) قَالَ ابْنُ مالك (١):
وَبَعْدَ (فَا) جَوَابُ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ (أَنْ) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني: مَعْنَاهُ أَنَ (أَنْ) تَنْصِب بَعد (فاء) التي وقعت جوابًا لنَفْيٍ، أَوْ طَلَبٍ مَحْضَيْنِ، وَلَكِنَّهَا إِذَا فَقَدَتِ الفَاء؛ فإنه يُجزم.
وَشَرْطُ جَزْمٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ ... (إِنْ) قَبْلَ (لَا) دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ (٢) стр. 151
بمعنى: طَلب، طلب أمر.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿تَخْرُجْ﴾ خِلَافُ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الأُدْمَةِ] والأُدمة: السُّمْرة، أي اللَّون الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ البياض والسواد، يُسَمَّى أُدْمَة، وكان موسى ﷺ آدَمَ.
قوله تعالى: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي: مِنْ غَيْرِ عيب؛ لأن العيب يَسُوء المرءَ، وَالْبَيَاضُ الَّذِي يَسُوء المرءَ هو البَرَصُ، وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: بَرَص] وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ ﴿تَخْرُجْ﴾.
﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ قال: [فَأَدْخَلَهَا وَأَخْرَجَهَا تُضِيءُ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ تُغْشِي الْبَصَرَ] وهي مبالَغة، يكفينا أَنْ نَقُولَ مَا قَالَهُ اللَّهُ : ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ يعني: ليس بَرَصًا، بل بياضًا، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ تُضيء لكان اللَّهُ يَقُول: تخرج مُضيئة؛ لأن الإضاءة أَبْلَغُ مِنْ مُجَرَّد البياض، كَذَلِكَ أَيْضًا أقوى للآية، وَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿بَيْضَاءَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِفَتْحِ الحَرْفَيْنِ، وَسُكُونِ الثَّانِي مَعَ فَتْحِ الأَوَّلِ وَضَمِّهِ، وَسُكُونِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الهَاءُ]. [مَعَ فَتْحِ الاوَّلِ] الَّذِي هُوَ الراء، [وَضَمِّهِ] فتكون القِراءَة بثلاثة: "الرَّهَب"، و"الرَّهْب"، و"الرُّهْب"، "وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهَبِ" هِيَ الْقِرَاءَةُ التي بَدَأَ بِهَا المُفَسِّر ﵀، "وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرُّهْبِ" صحيح، "وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهَبِ" أَيْضًا صحيح (١). стр. 152
وَقَوْلُهُ: ﴿جَنَاحَكَ﴾ المراد بالجَناح اليَد؛ لأنَّها للإنسان بمنزلة الجَناح للطائر، وقوله: ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: ﴿مِنَ﴾ السَّبَبِيَّة، وهي حَرْفُ جَرٍّ.
قال: [أَيِ: الخَوْف]، هَذَا تَفْسِيرٌ للرَّهْب، فالرَّهْبُ هُوَ الْخَوْفُ، يقول المُفَسِّرُ ﵀: [أَي الْخَوْفُ الحَاصِلُ مِنْ إِضَاءَةِ اليَدِ بِأَنْ تُدْخِلَهَا فِي جَيْبِكَ، فتعُودُ إِلَى حَالَتِهَا الأُولَى] يعني: إذا أَدْخَلَهَا فِي جَيْبِه وأخرجَها صارت بيضاء، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِيدَها إلى حالتها ضَمَّها إليه فعادت إلى حالها. هذا معنى كلام المُفَسِّر ﵀.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الأُولى، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى أرشدَه إِذَا خَافَ أَنْ يضم يَدَهُ إِلَى صَدْرِهِ؛ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ الْخَوْفُ، وَهَذهِ آيَةٌ خَاصةٌ لموسى فقط، أَنَّهُ إِذَا خَافَ مِنْ شَيْءٍ، فإنه يَضُمُّ يَدَهُ إِلَى نَفْسِهِ، وليست عَامَّةً لِكُلِّ أَحَدٍ، لكن رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُهُ رُعْبٌ بَعْدَ مُوسَى ﵇، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَهُ فَيَضَعُهَا عَلَى صَدْرِهِ إِلَّا ذَهَبَ عَنْهُ الرُّعْبُ" (١).
والآن لدينا قولَانِ لأهل الْعِلْمِ فِي مَسْأَلةِ اليَد:
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ معالجة اليد. وهذا يُضَعِّفه أَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، وموسى لم يَرْهَبْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مَا دَامَ قَالَ لَهُ: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾؛ فإنه لن يَرْهَبَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أنه عندما يحصل لموسى كَمَا فِي الآيَةِ ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ خائفًا، فأرشده اللَّهُ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ الْجَوْفَ مِن شيء؛ فإنه يَضُمُّ يَدَهُ إِلَى نَفْسِهِ، ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، وعَبَّر عنها بالجناح؛ لأنَّها للإنسان كالجناح للطائر، стр. 153
وَهَذَا صَحِيحٌ، وهي جناحٌ أَيْضًا، يتضح ذلك في الْإِنْسَانِ عِنْدَ السعي، وَهِيَ -لَا شَكَّ- تُزَيِّنُ الْإِنْسَانَ كَمَا أَنَّ جَناح الطائر يُزَيِّنُه.
قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ﴾ بالتَّشديد والتَّخفيف، أي: العَصا واليَد، وهما مؤنَّثتان، وإنما ذُكِّرَ المشارُ به إلَيْهِما المبتدأ لتذكير خَبَرِه؛ لِأَنَّ الْيَدَ الواحدة جَناح، والأُخْرَى جناح، فإذا أَدْخَلَهَا فِي جيبه انضمت إليه اليدان كما ينضم الجناحان.
وقوله: ﴿فَذَانِكَ﴾ يقول: [بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ]، بالتشديد "فَذَانِّكَ"، وبالتخفيف ﴿فَذَانِكَ﴾، والشاهد لهذين الْوَجْهَيْنِ مِنْ كَلَام ابن مالك (١):
وَالنُّونُ مِنْ (ذَيْنِ) وَ (تَيْنِ) شُدِّدَا ... أَيْضًا وَتَعْوِيضٌ بِذَاكَ قُصِدَا
مثل النُّونِ مِنَ (اللَّذان) و (اللَّتان).
﴿فَذَانِكَ﴾ أي: العصا واليد، والعصا مؤنث، قَالَ تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٨]، وَلَمْ يَقُلْ: هو عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ، واليد كذلك مؤنثة، قَالَ تعالى: ﴿يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: يخرج أبيض، وَقَالَ تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَقَالَ : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، فهما مؤنثتان، واسم الإشارة ﴿فَذَانِكَ﴾ مُذَكَّر، وَلَوْ كَانَ بالتأنيث لقال: فتَانِك برهانان. فلماذا جعله مُذَكَّرًا؟ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَإِنَّمَا ذُكِّرَ المُشَارُ بِهِ إِلَيْهَما المُبْتَدَأُ]؛ لأن (ذَانِ) المبتدأ، والخَبر ﴿بُرْهَانَانِ﴾، وهو مُذَكَّر، فرُوعِي الخَبر هنا فذُكِّر المبتدأ.
وقوله: ﴿بُرْهَانَانِ﴾، البرهان هُوَ الدَّلِيلُ، وقول المُفَسِّر ﵀: [مُرْسَلَانِ مِنْ رَبِّكُ]، كلمة [مُرْسَلانِ] ليست تفسيرًا لـ ﴿بُرْهَانَانِ﴾، ولكنَّها بيانٌ لِمُتَعَلَّق قوله: стр. 154
﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ لأن كلمة (بُرهان) اسمٌ جامِدٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقًا للجَارِّ والمجرور.
والبرهان ليس معناه المُرسَل، البرهان معناه الدَّليل، والدَّلِيل الْوَاضِحُ يُسَمَّى برهانًا، والمتكلمون يقولون: إِنَّ البُرهان هُوَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ، لكن المُفَسِّر ﵀ أدخل (مُرْسَلَانِ) لِيُبَيِّنَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بـ (مُرْسلان) المُقَدَّر، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مُتَعلِّقًا بـ ﴿بُرْهَانَانِ﴾؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ جامِد، والجارُّ والمجرور لَا يَتَعَلَّقُ إلا بفِعْل أَوْ مُشتَقٍّ، كَمَا قَالَ الناظم هنا (١):
لَا بُدَّ لِلجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ... بِفِعْلٍ أوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ ... كَـ (الْبَا) وَ (مِنْ) وَ (الكَافِ) أَيْضًا وَ (لَعَلْ)
لكن غير المُفَسِّر ﵀ قال: لَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ نُقَدِّر (مُرسلان)، بَلْ نَقُولُ: بُرهانان كائنان مِنْ رَبِّكُ، فالجارُّ والمجرور متعلقان بمحذوفٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَنْ خالَفُوه أَصَحُّ مِمَّا قاله المُفَسِّر ﵀؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ المُفَسِّر خاصٌّ، وما قدَّره غيره عامٌّ، ومُتَعَلِّق الجارِّ والمجرور إِذَا كَانَ خَاصًّا، فلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ، فلا يُحذف مُتَعَلَّق الجارِّ والمجرور، إِلَّا إِذَا كَانَ عَامًّا، مِثل كائِن، أو مَوْجُودٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فالصَّواب إذن: أن نُبقِيَ الآيَةَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، ونقول: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مُتعلق بمحذوف تقديره: كائنان.
قوله تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، وَهَذَا الَّذِي أَوْجَبَ للمُفَسِّر أَنْ يُقَدِّرَ (مُرْسَلان) لِأَجْلِ قَوْلِه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُرْسَلًا، المُرسَل فِي الحَقِيقَةِ هو стр. 155
موسى، لكنْ معه دليلان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه، وفِرْعَونُ هو حاكِمُ مِصرَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَلَمُ جِنس لِكُلِّ مَنْ حَكَمَ مصر كافِرًا، فإنه يُسَمى فِرعون، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الفُرْسَ كافرًا، فإنه يُسَمى كِسْرَى، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ الرُّوم كافرًا، فإنه يُسَمَّى قَيْصَر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ الجملة تعليلٌ لمَا قَبْلَهَا، يعني: إننا أرسلناك بهاتين الآيتين إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ لأنَّهم ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، والفِعل: ﴿كَانُوا﴾ مفصوُل الزَّمَن، مفصولة الدَّلالة عَنِ الزَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى ماضٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، فمعنى ﴿كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، أي: مُتَّصِفِين بالفِسْق، فَاللَّهُ تعالى يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ دائمًا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ويقول: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، إِلَى آخِرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ الزَّمَنَ الماضيَ، بَلِ المُرَادُ أنه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ، لكنَّها قد تَدُلُّ عَلَى الزَّمَن الماضي بِقَرِينَةٍ غَيْرِ لَفْظِ الفِعل.
وقوله تعالى: ﴿فَاسِقِينَ﴾ قَدْ مَرَّ عَلَيْنَا أَنَّ الفِسق يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: قِسمٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، وهو فِسق الكُفر، ومثاله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٨ - ١٩].
الثَّاني: فِسقٌ مُخْرِجٌ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ، وَلَا يُخْرِجُ عَنِ الإِيمَان، وهو فِسق المعصية، ومثالُه قَولهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].
стр. 156
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ اللَّهَ تعالى يُعطِي الأنَبِيَاءَ مِنَ الآيَاتِ مَا يُناسب الوقتَ وحالَ المُرْسَلِ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ تَأْتِيَ الآياتُ مُطابِقةً للواقع.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي أُعْطِيَت لمِوسى، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِه يُخْرِجُها بَيْضَاءَ مِنْ غَيْر سُوءٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إرشاد اللَّهِ ﵎ لمِوسى إِذَا خَافَ مِنْ شَيْءٍ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ يَدَهُ؛ حتى يطمئنَّ، ويَسْكُنَ قلبُه.
والظاهِرُ أَنَّهُ خَاصٌّ بموسى؛ لأن الْإِنْسَانَ قَدْ يستعمل هذا الشَّيْء، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تأييدُ الأنبياء بالآيات الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ؛ لقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ الآياتِ الَّتِي تأتي للأنبياء حُجَجٌ عَلَى قَوْمِهِمْ؛ لأن البُرهان معناه الحُجَّة والدَّليل، وَالآيَاتُ الَّتِي تأتي بها الرُّسل حُجَجًا عَلَى قَوْمِهِمْ يُلزمهم بالتطبيق.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ مَا مِنْ رَسُولٍ يُرسَل إلا أُوتِيَ آيَةً تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْتَ آيةً لَكَان لِلناس عُذرٌ يُرَدُّ بهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَاءَ وَقَالَ: أنا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تفعلوا كذا. لَا يُصَدَّقُ إِلَّاَ بِبَيِّنَةٍ، والبَيِّنَةُ هي الآيات.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: لُطْفُ اللَّهِ تعالى بعباده، حيث يُرسِل إلَيْهِم الرُّسُل لمصلحتِهم، لا لمِصلحتِه؛ إِذْ إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُول: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]،
стр. 157
لكن لمصلحة الخَلْق يُرسِل إلَيْهِم الرُّسُلَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الرِّسالَة حيث يحتاج النَّاسُ إِلَيْهَا للخُروج عَنْ طَاعَةِ اللَّه؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ اللَّهَ يُجَدِّد لِهَذِهِ الْأُمَّةِ دِينها كُلَّما خرجوا عنه، فاللَّه يُرسِل الرُّسُلَ عِنْدَ الحْاجَةِ إلَيْهِم، وعندما لَا يَكُونُ هناك رسولٌ -كَحَالِ أُمَّتِنَا- يَبعث دُعاة صالحين مُصلِحين للخلق.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ أتباعَ رؤساء الكُفر هُمُ الأشراف، وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْقَوْمِ كَمَا ذَكَرْت فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القَصَص: ٣٢]؛ لأن الملأ هُم الأشراف، وَإِنْ كَانَتْ تُطْلَقُ عَلَى الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢]، لكن الغالب أن الملأ هُم الأشراف، وَهُمُ الَّذِينَ غالبًا يستكبرون عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل، أمَّا الضعفاء والفقراء، فإنهم يَتْبَعُونَهم.
* * *
стр. 158
الآية (٣٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ هُوَ الْقِبْطِيّ السَّابِق ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِهِ].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: جَواز الأخذ بالعُذر عِنْدَ الْأَمْرِ بِهِ، حَتَّى فِي طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، فمَثلًا لو أَمَرَك بشيء؛ لأن طاعته وَاجِبَةٌ فِي غَيْرِ المعصية؛ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ تَذْكُرَ العُذر لِأَجْلِ أَنْ تتخلَّص مِنْ هَذَا الْأَمْرِ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يُقَدِّمُون للنبي ﷺ الْعُذْرَ إِذَا أَمَرَهُم بالشَّيْء، ليعذُرَهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْخَوْفَ الطبيعي لَا يُنَافِي مقامَ الرِّسالَة، لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْقِصَاصَ مَوْجُودٌ فِيمَا سَبَقَ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ؛ لقوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بَدَلًا مِنَ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسَى، وَقَدْ يَكُونُ رغبتهم فِي قَتْلِهِ مِنْ بَابِ الْقِصَاصِ، وَكَانَ معروفًا عندهم، أَوْ مِنْ بَابِ العُدوان مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِحَقٍّ، ولا ننسى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ فِي شَرِيعَةِ الإِسْلام.
стр. 159
الآية (٣٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ أَبْيَنُ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ مُعِينًا وَفي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ بِلَا هَمْزَةٍ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بِالجْزْمِ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِالرَّفْعِ، وَجُمْلتهُ صِفَةُ رِدْءًا ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَخِي﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ رُكني الجملة الاسمية، وَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أَفْصَحُ﴾ هُوَ الْخَبَرَ، ويجوز أَنَّ الضَّمِيرَ مبتدأ ثانٍ، وقوله: ﴿أَفْصَحُ﴾ خَبَره، والجملة الاسمية خبر ﴿وَأَخِي﴾، والأخير هو الأوجه؛ لأن ضمير الفصل لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ المبتدأ والخبر مَعرِفتين؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الحالَ يَلتبس الخبرُ بالصِّفَةِ، أمَّا إِذَا كَانَ الَخَبَرُ نكرةً -كَمَا فِي الآيَةِ هنا- فَإِنَّهُ يَكُونُ مُبتَدأً.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ هارون أخو موسى مِنْ أُمِّهِ وأبيه، وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، ذَكَرُوا أَنَّ هارون نَسَبَهُ لأُمِّه؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مِنَ الْأَبِ، فذكَّر موسى بها ليُشفِق عليه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى: أَبينُ مِني، وقوله:
стр. 160
﴿لِسَانًا﴾ أي: كلامًا، وعَبَّر باللسان عَنِ الْكَلَامِ؛ لأنه آلة الكلام، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أي: بِنطُقِهم ولُغتهم.
وسبب قوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قِيلَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ: إِنَّ مُوسَى ﷺ كَانَتْ فِي لسانِه لُثْغَةٌ مِن جَمْرةٍ أخذَها ووضعها في فَمِه، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَون أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: إنَّه طفل لَا يَدْرِي، وَلَا يَعْرِفُ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تختَبِرَه فأَعْطِه تمَرًا وجَمْرًا.
فقَدَّم التمرة والجَمرة، والجمرةُ تتلألأ، وهيئتها أَجْمَلُ مِنَ التمر، فأخذ الجَمْرَة، وَوَضَعَهَا فِي فَمِهِ، فانعقد لسانُه.
وهذه الْقُصَّةُ مِنَ الإسرائيليات، وَهَذَا غَيْرُ مُمكنٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الجَمرة وأخذَها، لمَا استطاع أن يضعَها فِي يَدِهِ، وَلَكِنْ مَا يعاني منه مُوسَى هُوَ أَمْرٌ خِلْقي، خَلَقَ اللَّهُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَيْهِ، ولهذا طلب مُوسَى مِنَ اللَّهِ أَنْ يحُلَّ هَذِهِ العُقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨].
هناك بعضُ النَّاس لديه مُشْكِلَةٌ فِي نُطق الحروف، وبعضُهم لَدَيْه مُشْكِلَةٌ فِي الْإِتْيَانِ بِصِفَة الحرف المعروفة، ولذلك فإن الصَّواب أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِى لموسى ﷺ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وليست هناك تمرة وجَمرة.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: مُعِينًا، وِفي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ بِلَا هَمْزَةٍ]. أي: (رَدًا) (١).
فَهِمَ مُوسَى ﵊ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القَصَص: ٣٢]، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهنا عَرَفَ أَنَّهُ стр. 161
رَسُولُ، وقولُه: ﴿مَعِيَ﴾ المَعِيَّة بمعنى: المُصاحبَة والمُقارَنة، وَهِيَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ مَا تُضاف إليه، وتقتضي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرَ مَا تَقْتَضِيهِ فِي المَوْضِعِ الآخَر. فالرجل إِذَا قِيلَ: معه زوجته، فَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلهِم: القائد معه جنودُه. فبينهما فرقٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: اللبن مَعَ المَاءِ يعني: ممتزجًا مختلطًا به، وهنا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته، ومَعِيَّة اللَّبَن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَادُ بِهَا التأييد والإعانة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿رِدْءًا﴾ والرِّدْء: المُعِين الظهيرُ للشخص.
قوله تعالى: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوَى قولِي به، ويكونَ صِدقًا.
وَلَيْسَ المَعْنَى أَنْ يَكُونَ هارون مَعَ مُوسَى يخبر فِرْعَون أَنَّهُ صَادِقٌ فقط، بَلْ يَكُونُ كلامُه مُقوِّيًا لكلامي، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا لتصديقِه.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْجَزْمِ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِالرَّفْعِ، وَجُمْلتهُ صِفَةُ ﴿رِدْءًا﴾]، قوله: [بِالجَزْمِ] أَيْ إِنَّ الفعل "يُصَدِّقْنِى" مجزومٌ جوابًا للدعاء، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، يعني: إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني.
أَمَّا قَوْلُه: [فِي قِرَاءَةٍ أُخْرَى] فهو يَعْنِي فِي قِرَاءَةٍ سَبْعِيَّة، أَمَّا إِذَا قَالَ قُرِئَ بكذا، فهي قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وهو منهج المُفَسِّر ﵀، وقد تَعَرَّضْنَا له سابقًا.
ثُمَّ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَجُمْلتهُ صِفَةُ ﴿رِدْءًا﴾]، يعني: رِدءًا مُصَدِّقًا لي؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ.
فَائِدَةُ: القراءتان الواردتان فِي الآيَةِ تعطي مَعَانِيَ مخُتلِفَة، فَإِنْ كَانَ قَوله: "يُصَدِّقْنِى" جوابًا للطلب، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الصِّدْقُ، وَإِذَا كَانَ صِفة، فَالمَعْنَى
стр. 162
أَنَّهُ يُحاوِل أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فتكون قِرَاءَةُ الرَّفْعِ عَلَى سَبِيلِ السبب، وقراءة الجَزْم عَلَى سَبِيلِ النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، الضَّمِيرُ فِي ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، وهو الواو، يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، وقوله: ﴿أَخَافُ﴾ أي: أتوقَّع وأخشى، وليس خوفَ الرُّعب، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه، وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ هَذِهِ النُّون الموجودة ليست نُون الأفعال الخمسة، وإلا لَحُذِفَت بَعْدَ (أَنْ)، ولكنها نونُ الوِقاية، فأصل الفعل: يكذبونني. فحُذفت النون الأُولى للنصب، وبقيت النون الثَّانية المكسورة، وهي نون الوقاية، وحُذِفَت الياء تخفيفًا، ونظيره ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى فِي سُورَةِ الذَّارَياتِ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]، فإذا وقفتَ عليها سكَّنْتَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان المِنَّة الكبرى مِنْ مُوسَى لِأَخِيهِ، حيث جعله اللَّهُ تعالى مرسلًا معه، ولهذا يقال: أعظمُ هَديةٍ أهداها خليلٌ لخليلِه هي التي كَانَتْ مِنْ مُوسَى لهارونَ؛ لِأَنَّهُ سَأَل اللَّهَ أَنْ يُرسله معه، والرِّسالَة مَقَامٌ عَظِيمٌ لَا يناله إلا الْخِيرَةُ مِنْ بَنِي آدَمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ ؛ لقوله: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اتخاذُ الأعوانِ مِنْ أَسْبَابِ النجاة، وهذا أمرٌ مَعْلُومٌ مِنْ قديم الزَّمانِ وحديثِه، أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الإِنْسَان مَعَهُ مَنْ يُعِينه ويساعِده، كَانَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى نجاحِه مِن انفراده، والعوامُّ يقولون: (يَدٌ وَاحِدَةٌ لَا تُصَفِّق).
стр. 163
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فصاحةُ اللسان لَهَا تَأْثِيرٌ قَوِيٌّ فِي الْقَبُولِ، أو الرفض، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (١)، لقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضِيلَة مُوسَى ﵊، لإقراره بالفضل لأخيه ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ ناقصًا، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالكمال لغيره، والنقص لنفسه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للدَّاعي أَنْ يَذْكُرَ مُبَرِّراتِ دعوتِه؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ﴾، هَذَا مِن مُبَرِّرَات دعوته، وسؤاله اللَّهَ ﵎ أَنْ يُرْسِلَهُ معه، وَهُوَ أَنَّهُ أفصحُ منه لسانًا، وهذا معروف، ومِن آداب الدعاة أَنْ يَذْكُرُوا مُبَرِّرَات الدعوة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ مُوسَى ﵊ خَافَ أَنْ يُكذِّبوه إِذَا كَانَ وحدَه، فطلب مزيدًا مِنَ الْعَوْنِ؛ لأن الواحد مَعَ الْوَاحِدِ يكون أقربَ للتصديقِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّ الخْبرَ يزداد ثُبوتًا وتَبيينًا بتعدُّد مُخبريه؛ ليزداد قُوة ووضوحًا عند آلِ فِرْعَوْنَ؛ لأن الرِّسالَة خبرٌ، فَإِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُقَوِّيه عَلَى هَذَا الْخَبَرِ ويُثَبِّتُه ويُصَدِّقُه؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أقوى، والآية شاهدٌ له.
* * * стр. 164
الآية (٣٥)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ نُقَوِّيكَ ﴿بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ غَلَبَةً ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بِسُوءٍ اذْهَبَا ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لَهُمْ].
قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أي: نُقَوِّيكَ، والشدُّ بمعنى: التقوية، والعَضُد: هُوَ الْعَظْمُ الكامل فِي عَظْمِ الذراع والمَنْكِب، وشدُّ العَضُدِ كِنَايَةٌ عَنِ التقوية؛ لِأَنَّ الْيَدَ هي آلة العَمَل، فإذا شُدَّ عَضُدُها وقُوِّيَ صارت قويَّة، والمعنى: أنَّنا سنُقَوِّيك، ونُؤَيِّدك بأخيك.
قوله تعالى: ﴿بِأَخِيكَ﴾ هو هارون، فقد أَجَابَ اللَّهُ طَلَبَ موسى، والسين فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنَشُدُّ﴾ تُفيد التنفيس، وتُفيد تأكيد الشَّيْء وتقريبَه، أي: إِنَّهُ سَيَكُونُ قريبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا قَالَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ فمَعْنَاهُ أَنَّهُ يتقوَّى الآن؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَعَده أَنْ يُرْسِلَ هارون معه، إضافةً إِلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ مُعِينًا لَهُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ.
قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ أي: غَلَبَة، وهذه بُشرى ثانية لَهُمَا جَمِيعًا، ﴿وَنَجْعَلُ﴾ أي: نُقيِّض لكما سلطانًا، والمراد بالسلطان هنا يقول المُفَسِّرُ ﵀:
стр. 165
[غَلَبَة]، والسلطان فِي الْقُرْآنِ يَأْتِي بِمَعْنَى الغَلَبة والقُدرة، ويأتي بمعنى الدَّليل؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتقوَّى بِهِ الْإِنْسَانُ، وَيَكُونُ لَهُ بِهِ قُوَّةٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨]، ومعنى ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: مَا عِنْدَكُمْ دليلٌ بهذا، وقوله تعالى: ﴿فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرَّحمَن: ٣٣]، أي: بقُوة وغَلَبة، وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، أي: سيطرته وغَلَبَته.
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ أي: بسوء، والمعنى: لا ينتهون إليكما بالسوء، فما خِفْتَ مِنْهُ فَإِنَّهُ سوف ينتفي بِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَك مِنْ تأييدٍ بأخيك، وهذه بُشرَى لهما، وتُفيد التقويةَ، وهي نظيرُ قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [اذْهَبَا ﴿بِآيَاتِنَا﴾. . .] وكأنَّه يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ منفصل عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ولهذا قدَّر لها فِعلًا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْوُقُوفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، ثم نبدأ فنقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَجْعَلَ قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ تابعًا لتقدير المُفَسِّر ﵀ وَهُوَ قَولهُ: ﴿اذْهَبَا﴾؛ لأن التابعين لَمْ يَذْهَبُوا بالآيات. هَذَا وَجْهٌ.
وَالْوَجْهُ الآخَرُ هُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَجْعَلُ﴾، أي: ونجعل لكما سلطانًا بآياتنا، أي: بسبب آياتنا نجعل لكما السلطان، فلا يستطيعون الوصول إليكما، ولا إبطالَ دعوتِكما، وَعَلَى هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ فِي الآيَةِ.
وَيَتْبَعُ ذَلِكَ أَنْ نَصِل قَوْلَهُ تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي:
стр. 166
بسبب ما معكما مِنَ الآيَاتِ، وَهَذَا المَعْنَى هُوَ الصَّحِيحُ لأسباب؛ أولًا: لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ؛ ولأنَّ التَّقْدِيرَ لَابُدَّ أَنْ تسبِقَه مرتَبَتَان:
المرتبة الأولى: إثبات أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا، وهو يُعْرَفُ بكون المَعْنَى لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِ تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ.
المرتبة الثَّانية: إثبات أَنَّ تَقْدِيرَ المحذوف هو ذاك، وهذا يُعيِّنه السِّياق؛ لأن السِّياق هُوَ الَّذِي يُعيِّن نوعَ المحذوفِ.
فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، فالأفضل عدمُ التقدير، وَهَذِهِ الآيَةُ معناها واضحٌ جدًّا عَلَى الْقَوْلِ بعدم التقدير، والمعنى هو: نجعل لكما سلطانًا بسبب آياتِنا التي معكما، ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾.
وَهَذَا المَعْنَى أَيْضًا أوضحُ مما قَدَّره المُفَسِّر وغيرُه؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ يَقُولُ تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ والآيات هنا جمعٌ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القَصَص: ٣٢]، فاللَّه قد أرسلهما بآيتين، ولذلك فالصَّواب هُوَ أَنَّ الآيَةَ موصولٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾: ونجعل لكما سلطانًا بآياتنا، فلا يَصِلُون إليكما.
وَزَعَمَ بَعْضُ المُعْربِين أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿الْغَالِبُونَ﴾، وَهَذَا فِي المَعْنَى قَرِيبٌ مِما ذَكَرْنَا، أي: أنتما ومَن اتَّبَعَكما الغالبون بآياتنا.
والغالب فِي الآيَاتِ هُوَ الَّذِي جُعِلَ لَهُ بِهَا سلطان، ويقول عَلَى هَذَا: فلا يصلون إليكما أنتما، ومَن اتَّبَعَكُما الغالبون بآياتنا.
وَهَذَا لَا شَكَّ أنه أَحْسَنُ مِن تقدير المُفَسِّر ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفٍ؛
стр. 167
وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ بِبَعْضٍ.
لَكِنْ قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: فِي الآيَةِ محذوف حسَب قواعد النحو؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿الْغَالِبُونَ﴾ اسمُ فاعِل، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ (ال)، وهي بِمَعْنَى الِاسْمِ الموصول، والمعروف أَنَّ الِاسْمَ الموصولَ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهُ فِيمَا قَبْلَهُ، فَلَا تَعْمَلُ صلتُه.
ونُجيب فنقول: (ال) هنا ليست بموصولة، بَلْ هِيَ كـ (أل) الداخلة عَلَى الِاسْمِ الجامِد، كالداخلة عَلَى الرَّجُلِ والأسد، وما أشبههما.
وخلاصة الْقَوْلِ: هُوَ أَنَّ الصَّواب أَنْ نَجْعَلَ قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلقًا بقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، ونَسْلَم مِنْ كُلِّ تلك المخالفات، ومن التقديرات، التي نعتمد عليها، ومن تعيين المقدر.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿الْغَالِبُونَ﴾ لَهُمْ]، وحقيقة المعنى الغالبون لهم؛ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ العُموم نقول: أنتما ومَن اتَّبَعَكُما الغالبون لِلمخالفين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: قوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تعالى أعطى مُوسَى وَهَارُونَ آياتٍ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ أعطاه تِسْعَ آيَاتٍ، قَالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١].
وقوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ التابعون هُنَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ومن آلِ فِرْعَوْنَ كذلك، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُنْصَر ويَغلِب باتِّباع الرُّسُل، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلى النصر والغَلَبة إِلَّا بِالدُّخُولِ فِي طَرِيقِ الرُّسل واتِّباعِهم.
стр. 168
وعليه فتكون مِنْ هَذِهِ قاعدة: (كُلُّ مَنْ كَانَ للرسول أتبعَ كَانَ إِلَى النصر أقربَ، وكلُّ مَنْ كَانَ مِنَ اتِّبَاعِ الرَّسُول أبعدَ كَانَ عَنِ النصر أبعدَ)؛ لِأَنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ فِي القَواعِد المُقَرَّرَة أَنَّ الحكْمَ إِذَا عُلِّقَ بوصفٍ كَانَ ثُبُوتُهُ قوةً وضَعفًا ووجودًا وعَدَمًا، بِحَسَبِ ذَلِكَ الْوَصْفِ.
فمثلًا يَقُولُ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، فمَعِيَّتُه للصابرين تتغير قُوَّتُها وضعفُها حَسَبَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الصَّبْر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [النحل: ١٢٨]، وجود المَعِيَّة للمتقين قُوَّةً وضَعْفًا بِحسَب تَقْوَاهُم، وهكذا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، يستفاد مِنْهُ أَنَّ أَتْباعَ الرُّسُلِ غالبون لمِن خالَفُوا الرُّسل دائمًا وأبدًا، قَالَ النَّبِيُّ ﵊: "نُصِرتُ بالرُّعْب مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (١).
اللَّهُ أَكْبَرُ! ما أعظمَ هَذِهِ الْفَائِدَةَ لو أنَّنا كُنَّا عَلَى المستوى الَّذِي يَنْبَغِي، فلو كُنَّا مُتَّبعين لِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ عَلَى وَجْهِ الحقيقة، لكان عدوُّنا مَرْعُوبًا مِنَّا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، لكنَنا -مع الأسف الشديد- لَمْ نكن مُتَّبِعِين للرسول ﵊ حقيقة، وَلذَلِكَ صَارَ بأسُنا بيننا، لَا مَنْ يَدَّعِي الإِسْلام مِنَّا، وَلَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْزَوِيَ تحت قاعدة الجاهِلية، وهي القوميةُ العربيةُ، فَإِنَّ هَذِهِ القومية ما انتصرت مُنْذ نشأت إِلَى الْيَوْمِ، ولن تنتصرَ أبدًا، بَلْ لَا تَزْدَادُ إلَّا فشلًا وتفَرُّقًا وتصدُّعًا وقتالًا فِيمَا بَيْنَهَا.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الْحَقِيقَةِ ما اجتمعْنا على قوميَّةٍ إسلاميةٍ، فيبقى المُسْلِمُونَ لَا عَلَى هَذَا، وَلَا عَلَى هَذَا، ولهذا مَا كَانَ لَنَا النصرُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ . стр. 169
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَذَا دَليلٌ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ، حيث إِنَّ اللَّهَ أجاب دعوةَ موسى، فقال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ أَعْطَى مُوسَى أَكْثَرَ مِمَّا سَأَل؛ لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ بأن يقويَه أيضًا؛ لأن التصديق مَعْنَاهُ الْخَبَرُ بأنه صادق، لكن التقوية أبلغُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ اللَّهَ قد يَمُنُّ عَلَى الْعَبْدِ، فَيَجْعَلُ لَهُ سُلْطَانًا بِمَا آتَاهُ مِنَ الْعِلْمِ؛ لقوله: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ بآياتنا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الْعِلْمَ سلاحٌ؛ لأن السلطان معناه: القوةُ والغَلَبَةُ، وَإِذَا كَانَ سَبَبُهُ العِلم كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ سِلَاحٌ مِنْ أَعْظَمِ ما يُدَافِعُ بِهِ الْإِنْسَانُ ويُحاجِجُ أيضًا.
وقد مرَّ علينا قصة ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فإنه لولا عِلمُ ابْنِ عُمَرَ لَكَان لهذا سلطان؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا جَعَلَ لَهُ السُّلطة وَالْغَلَبَةَ عَلَى ذَلِكَ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: حماية اللَّهِ لمُوسَى وَهَارُونَ؛ لقوله: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ التمسُّك بشريعة اللَّه سببٌ للغَلَبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، أي: كُلُّ مَنِ اتبعكُم.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنِ اتبع مُوسَى هُوَ الْغَالِبُ، فمِن باب أَوْلَى مَنِ اتبعَ النبيَّ ﷺ فإنه غالِب، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، ومعنى
стр. 170
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ يُعَلِّيه؛ لأن الظَهَر والظُهورَ كُلَّه يَدُلُّ عَلَى الغَلَبة، قال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.
* * *
стр. 171
الآية (٣٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وَاضِحَاتٍ حَالٌ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مُختلَقٌ ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كَائِنًا ﴿فِي﴾ أَيَّامِ ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾].
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أي: آلُ فِرْعَوْن، ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وَلَم يَقُل: وهارون؛ لأنَّ الرِّسالَة في الأَصل لموسى، وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبة: يعني: مصحوبًا بالآيات، وآيات جَمْعُ آية، وهي العلامات، وأُضِيفَت إلَى اللَّه إضافةَ العطيَّة إلى مُعطيها؛ لأَنَّ هَذِهِ الآيَات ليست آيات عَلَى اللَّه، لكنها آياتٌ منه على رسالة موسى، وإثبات أَنَّ اللَّهَ وَحدَه هُوَ الحَقُّ.
قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قَالَ المفَسِّرُ ﵀: [وَاضِحَاتٍ حَالٌ] حَالٌ مِن قَولِه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وَلَا تَصحّ أَن تَكونَ نَعْتًا، لأَنَّهَا نَكِرَة، وَمَا قَبلَهَا مَعْرِفَة.
وَفي قَوله: ﴿بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إقامة للحُجة، لأَنَّ الآيَةَ هي علامة، وكُلَّما كانت أظهرَ كانَت الحُجَّة أقوى، والآيات بَيِّنَة، جاءهم بالآيات البَيِّنَات، فكان جوابهم: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾.
стр. 172
وقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا﴾ أي: الذي جئتَ به يَا موسَى ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾، وهنا مَا لَم تَعمَل عَمَل ليس -عَلَى لُغَة أَهل الحِجَاز- كَمَا قَالَ ابن مالك (١):
إعمَالَ (لَيْسَ) أُعْمِلَتَ (مَا) دُونَ (إِنْ) ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
لأنَّه يُشتَرَط في عملها بقاءُ النفي، وهنا النفي قد انتقض بالاستثناء.
قوله تعالى: ﴿سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ السِّحر المُفْتَرَى: العَصا واليد، هَذَا إذَا قلنَا: إنه يَعود عَلَى الآيات الحِسِّيَّة؛ فَإن قُلنَا: إنه يَعود إلَى الآيات المعنوية وَهيَ مِثل الإسْلام؛ فَإنَّ النَّبيَّ ﵊ يقول: "إِنَّ مِنَ الْبَيَان لَسِحْرًا" (٢).
وقوله: ﴿مُفْتَرًى﴾: مُختَلَق، فمِنَ المَعروف أَنَّه يَصحُّ وَصفُ القول بالمُفْتَرَى، ولكن الافتراء هنا جاء وصفًا للعصا واليد؛ لأن السِّحْرَ لَا يَقلب الأَشْياء حقيقة، ولكنه يَقْلِبُها تَخَيُّلا بحَسَب مَا يتخيَّلُه المرء، فَيَكون هَذَا التَّخييل مخالفًا للواقع، وَكلُّ مَا يُخَالف الواقع فهو مُفْتَرًى، فيكون ظهورُه بغير الحال الَّتي عَلَيهَا مِن باب الكذب والفِرية، وَلِهَذَا قَالُوا: ﴿سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ كَائِنًا ﴿فِي﴾ أَيَّامٍ ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾].
قوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾، المشَار إلَيه مَا جَاءَ به مِنَ الرِّسالَة؛ لأَنَّهَا هيَ المسموعة، وأما آيةُ اليد والعصا فهي مُشاهَدة مرئية.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [كَائِنًا] إشَارَة منه إلَى أَنَّ متَعَلَّق الجارِّ والمجرور بقوله: ﴿آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ محذوف تقديرُه (كَائِنًا)، وهو هُنَا عَلَى تَقدير المُفَسِّر ﵀ حَالٌ стр. 173
مِن اسمِ الإشارة.
وقوله: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في وقتهم، وَلهَذَا قَالَ : ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، أي: السابقين، وَهَذَا كَذِبٌ منهم، فَقَد أَخبَرَ اللَّهُ عنهم أيام يوسفَ ﵇: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤].
إذن: قولُهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ خبرٌ كَذِبٌ، فهُم كاذبون في هَذِهِ الدعوة.
ثم عَلَى فَرض أن الدعوةَ صحيحة، وأنهم ما سمعوا مِثله مِن قَبل، وَلَم يوجَد في الأولين، فَهَذَا لَا يَقتَضي أَنْ يَكونَ باطلا؛ لأَنَّ الحَقَّ إذَا جَاءَ وَجَبَ قَبولُهُ، سَوَاء كَانَ مَوجودًا في الأولين، أَمْ غَير مَوجود، فهذه الحُجة إذن مُرَكَّبة مِن كَذِبٍ وباطِلٍ:
أمَّا الكَذِبُ: فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كذب؛ لأنّ مؤمنَهم أَقَامَ عَلَيهم الحُجَّةَ بوجود نظير لمَا جَاءَ به موسَى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤].
وأما الباطِلُ: فَعَلَى تَقدير أنها صحيحةٌ قولًا؛ فلأن عدم وجودِ ذَلكَ في الأَوَّلين لَا يقتضي بُطلان وُجودِه في الآخِرينَ؛ فإن اللَّه تعالى فَعَّال لمَا يُريد، مَا دَامَت الآياتُ بَيِّنَات، فليس هناك حُجَّةٌ لهم بأَنَّه لَم يُوجَد في الأولين كذا.
قوله تعالى: ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ قال: ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ وهُم آباء، لأَنَّ الأَبَ يُطلَق عَلَى الأَب المباشِر، وعلى الجَدِّ وَإنْ عَلَا، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨]، فيعقوبُ أبوه المباشر، وإسحاقُ جَدُّه، وإبراهيمُ جَدُّ أبيه، سمَّاهم آباء،
стр. 174
وَهَذَا وَإن كَانَ فيه التغليب، لَكن قَوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ لَيسَ فيه تَغليبٌ، أي: لَيسَ هنَاكَ أبٌ مُباشِر، وَلِهَذَا كَانَ القَول الراجح في مَسأَلَة الجَدِّ والإخوة أَنَّ الجَدَّ يَحْجُب الإخوةَ؛ لأَنَّه أَبٌ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ موسَى ﷺ نَفَّذ مَا أَرسَلَه اللَّه به.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الآيَات الَّتي يرسل اللَّهُ بها الأنبياءَ تكون بَيِّنَة واضحة؛ لئَلَّا يَكونَ للمَدعُوِّين حُجَّة في خفاء الحُجة، فيجعل اللَّه تعالى الآياتِ بَيِّنَةً واضحة.
وَفي الحديث الصَّحيح عَن النَّبيّ ﵊: "مَا مِنَ الْأَنْبيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدِ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ" (١).
فَلَا بدَّ أَن تَكُونَ الآيَات الَّتي يُرْسَل بها الرُّسل بَيِّنَة واضحةً؛ لئلا تبقَى للنَّاسِ حُجة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الآيَاتِ الَّتي أعطاها اللَّهُ موسَى ليست وَاحدَة، وَلَا اثنتين، بَل هيَ آياتٌ متعددة يؤمِن عَلَى مِثلهَا البَشر، لكن هَؤلَاء قَومٌ عُتاة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ دعوى المكذّبين للرُّسل لَا تَكون إلَّا مِن نَوع المكابَرة؛ فَإنَّ قَولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، لَا يَقتَضي رَدَّ الحق، لَكن إذَا كَانَ حَقًّا فاقبلوه، وليس للإنسان حُجة إذَا قَالَ: واللَّه هَذَا مَا سَمعنَا به.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أعداء الرُّسُل يُلَقِّبُون الرُّسل بألقابِ السُّوء والعَيب؛ стр. 175
لقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، فليس عند أعداء الرُّسُل إلَّا أَنَّهم يُلَقِّبُونهم بألقاب: هذا ساحر، هذا مجنون، هذا شاعر، وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: هي فائدةٌ مُتَفَرِّعة، وَهيَ أَنَّ أعداء الرُّسل سوف يُلَقِّبُون مَن يَدْعون بدعوة الرُّسُل بِمِثْل هَذِهِ الألقاب، فيقولون عنهم: رجعيُّون، متأخرون، مُتَزَمِّتُون، متشددون، متعصبون، وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، أو ربما يكون أَبلَغ مِن هَذَا فيقولون: ضالُّون، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢].
فدعوة الحَقّ لَها أعداء، هؤُلاءِ الأعداء الذين قابلوا الرُّسلَ بما قابلوهم، والرُّسل هُم الأَقوَى في القيادة، سيُقابلون مَن بَعدَهم بِمِثْل مَا قابلوهم به، أَو أَكثَر.
إذن: فلنُطَمْئِنْ أنفُسَنا على أَنَّنَا إذَا دعونا إلى اللَّه عَلَى حَقٍّ، وعلى بَصيرة، فسيكون أمامنا مَن يَقول لنا مِثلما قالوا للرُّسل، فَمَا دَامَت الدعوة واحدة فَعَدُوُّها واحد، وَمَا قيلَ في الأَوَّل يُقَالُ في الثَّاني.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّه لَا يَنبَغي للمَرء أَنْ يُثْنِيَه عَن قَول الحَقّ رَدُّه، أو وَصْفُه هو بالعيوب؛ لأن موسَى لَم يتوقف عن الدعوة حينما قَالوا لَهُ هَذَا، بل استمر في الدَّعوَة، وبه قَامَت الحُجَّة، مَعَ أَنَّه هُدِّد بالسَّجْن، ولكنه ﵊ لَم يُبَالِ بها.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: يَنْبغي للدَّاعي إلى اللَّه أَنْ يصبر مَا دَامَ يَعلَم أَنَّه عَلَى الحَق.
* * *
стр. 176
الآية (٣٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ بِوَاوٍ وَبِدُونِهَا ﴿مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ عَالمٌ ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلرَّبِّ ﴿وَمَنْ﴾ عَطْفٌ عَلَى مَنْ قَبْلهَا ﴿تَكُونُ﴾ بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار﴾ أَي الْعَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَيْ هُوَ أَنَا فِي الشِّقَّيْنِ فَأَنَا مُحِقٌّ فِيمَا جِئْتُ بِهِ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الْكَافِرُونَ].
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ بِوَاوٍ وَبِدُونِهَا]، أي فيها قراءتان سبعيتان، فَيَجوز أَنْ تَقولَ: ﴿وَقَالَ﴾، وَيَجوز أَن تَقولَ: "قَالَ" (١)، وَهَذه مِنَ القرَاءَات النادرة جِدًّا؛ لأن القراءات المتواترة لَا يَكون فيهَا تَغيير كلمة بزيَادَةٍ أَو نقصٍ، وقد ذَكَرْنَا مِن قَبْلُ بيتين في القرَاءَة، هما (٢):
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ للرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي
وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ القُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَرْكَانُ
ولكن الرسم هنَا لَا يَحتَمل الزِّيَادَةَ، أَو النّقصَان، ولكن القِراءَة ثابتة، كَذَلكَ стр. 177
في سُورَة البَقَرَة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]، ففيها قراءتان: بإثبات الواو وبحذفها، وهناك شواهدُ أُخرَى في القُرْآن، لَكن هَذَا يعتبر منَ الأَشيَاء النادرة.
قوله تعالى: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾: ﴿أَعْلَمُ﴾ هَذَا اسمُ تفضيلٍ، واسمُ التفضيل يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاق شخصين اشتَرَكَا في صِفَةٍ واحدة.
فَإذَا قيلَ: فلانٌ أَفضَلُ مِن فُلَان. فقد اشترك الرَّجُلان في الفَضل، وزاد المفَضَّل على المفَضَّل عليه. هنا يقول: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
قَالَ المفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: عَالِمٌ]، فَحَوَّل اسمَ التفضيل إلَى اسمِ فاعِل، وهذه جناية عظيمة؛ لأن (عَالِم) أدنى بكَثير مِن ﴿أَعْلَمُ﴾، فَإذَا قلنَا: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ﴾ و (وربي عالِمٌ بمَن جاء)، فالأول أَبْيَنُ، ولذلك يُعتبر نقصًا مِنَ المُفَسِّر ﵀.
والصَّواب أنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ أي: مَن عَلِمَ بالهدى مِن عند اللَّه، فَاللَّهُ أَعلَم منه.
والمُفَسِّرُ ﵀ ومَن حَذَا حَذوَه، أَو سَبقه إلَى ذَلكَ إنَّمَا فَرُّوا مِن أَنْ يَكونَ الإنسَان مشتركًا مَعَ اللَّه في العِلم، لكن اسم التفضيل لَيسَ فيه دَليل عَلَى المُشارَكَة، فقولنا: أَعْلَم. ينفي المُشارَكَة؛ لأن الأعلم في دَرَجَةٍ لَا يَصل إلَيهَا المفضَّل عليه، لَكن إذَا قلتم (عالم) فهذا فيه المُشارَكَة، لأَنَّ اللَّهَ عالِمٌ، والإِنْسَان عالِمٌ، قَالَ ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، أي: فعَلِمُوا، وَكَذَلكَ قَوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
فالشاهد أَنَّ كَلمَةَ ﴿أَعْلَمُ﴾ هيَ الَّتي تَقتَضي التفريق، بخلاف عالِم، ثُمَّ إنَّ فيهَا
стр. 178
دليلًا واضحًا عَلَى أَنَّ كلَّ صِفة كمال، فَاللَّهُ تعالى لَهُ منهَا أعلاها، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، فكلُّ صِفة كمالِ مُطْلَق فلله تعالى منها أَكْمَلُها، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
فهناك مَن عَلِمَ مَن جَاءَ بالهدى مِن عند اللَّه مِنَ المُؤمِنينَ الَّذينَ أُرسل لهم، فعلموا ذلك، اللَّهُ تعالى أَعلَمُ بهم.
قوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضَّمير في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدِهِ﴾ يعود للرَّب، أي: مِن عند اللَّه، وَإنَّمَا أَشَارَ المُفَسِّر ﵀ إلَى هَذَا، لئلا يُظَنَّ أَنَّه عَائد إلَى ﴿مِنْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، وَلَا يمكن أَنْ يَعود إلَى ﴿مِنْ﴾؛ لأنَّه يَختَلف المَعنَى.
وقوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ وَلَم يَقُل: أَعلَمُ أَنّي قَد جئت بالهدى مِن عِنْدِه، بَل قَالَ: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾، لئَلَّا يَكونَ مُدَّعيًا، وليبقَى الأمر مَوْكُولًا بالحُكم عَلَيه مِن جهَة العقل.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَمَنْ عَطْفٌ عَلَى ﴿مَنْ﴾ قَبْلَهَا]، أي: وبِمَن تَكون لَهُ عاقبة الدَّار، فَهُوَ أَعلَمُ بمَن جاءَ بالهُدى مِن عِنْدِه، وهذا سببٌ لِحُكم العاقِبة، و ﴿أَعْلَمُ﴾ كذلك بـ ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ فَهوَ أَعلَم بالمبتدأ والمنتهى.
وقوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ سَمَّى الكتَابَ، أَو الوحيَ هُدًى؛ لأنَّه يهدي، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [الصف: ٩]، فالهُدى هُوَ العِلم؛ لأَنَّه هُوَ سبيلُ النجاة.
стр. 179
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أَضَافَه إلَى اللَّه؛ لأن الوحيَ مِنَ اللَّه ، وَلَيسَ مِن غَيره، ولا أحدَ يأخذ هُدًى إلَّا مِن عند اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَكُونُ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ] (١) فهُما قراءتان؛ أمَّا القِراءَة بالتاء ﴿تَكُونُ﴾ فالأمر فيهَا ظَاهر؛ لأن عاقبة الدَّار مؤنث، والفاعل إذَا كَانَ مؤنثًا يُؤَنَّث له الفِعل، وأمَّا بالياء "يَكُونُ" إنَّمَا جَازَ التذكير مع تأنيث الفاعل؛ لأن التأنيث مَجازِيٌّ؛ والمؤنث المجازي كُلُّ مَا لَيسَ لَهُ فَرْجٌ فهو مؤنثٌ مَجازي.
قوله تعالى: ﴿تَكُونُ﴾ كان هنا ناقصة، وخبرُها مُقَدَّم، وَهُوَ قَوله: ﴿لَهُ﴾ واسمُها مُؤَخَّر، وهو: ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَي: العَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ]، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: مَن يَعْقُب غَيرَه في الدَّار، والمُفَسِّر ﵀ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ المرَادَ بالدَّار هنا الدَّارُ الآخِرَة، وَلَكن يَنبَغي أَن نَقولَ: إنها عَامَّة في الدَّار الآخِرَة، والدَّار الدُّنيا؛ لأن عِبَادَ اللَّه الصَّالحينَ هُم الَّذينَ لَهم العاقبةُ في الدُّنيَا وَالآخرَة، وَقَد كَانَت العاقبة لموسى وقومه حَتَّى في الدَّار الدُّنيا بالنِّسبة لفِرْعَون، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٦ - ٢٨]، وَفي سورَة الشّعَرَاء ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
فالأَولى إذن أَن نَجعَلَ الدَّارَ هنا عَامَّه في الدَّار الدُّنيا، ودار الآخرة. стр. 180
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ العُقبى في الدّنيَا واضحة؛ إذا فتح المسلمون البلاد صاروا هُم الَّذينَ وَرِثُوها، وهُم كَذَلكَ في الآخرَة في الجنَّة، لأَنَّ المسلمَ يَكون في الجنَّة وارثًا لمكان الكافِر منه، فَإنَّ الكَافِرَ يرى مقعدَه في الجَنَّة، وفي قبره لَو آمَن، ولكن المؤمنون يرثون مقاعِدَ الكافرين في الجَنَّة، وتكون عُقبى لهم أَيْضًا بالدَّار الآخرة.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: هُوَ أَنَا فِي الشِّقَّيْنِ]، والشِّقَّان هما قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، والشِّقُّ الثَّاني: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وقول المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: هُوَ أَنَا]، هَذَا هُوَ الحَقّ، أَنَّ الَّذي جَاءَ بالهدى مِن عند اللَّه موسى، وأنه ستكون له العاقبة، ولكنَّ موسى خاطَبَ فِرعونَ بهَذَا الخطَاب المتردد بَينَ كَون الهدى عندَه، أَو عند فِرْعَونَ، والعاقبة لَهُ دونَ فِرْعَونَ عَلَى سَبيل التَّنَزُّل، كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
لكنه هنا لَم يُصَرّح بأَنْ قَالَ: أَنَا قَد جئتُ بالهدى، وأنا العاقبة؛ لأَنَّ هَذِهِ هيَ الدعوة التي جَاءَ بهَا، وأقامَها على فِرْعَون، لكنه ساق الكلام مَساقَ الأمر المتردد بَينَه وَبَينَ فرعَون مِن بَاب التَّنَرّل معه.
قال: [فَأَنَا محُقٌّ فِيمَا جِئْتُ بِهِ]، هذا مُفَرَّع عَلَى قَوله: [هُوَ أَنَا].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافِرُون، ﴿إِنَّهُ﴾ الضَّمير هنا ضمير الشأن؛ لأَنَّه لَم يَسبق له مرجع، ولم يَلحَقه مَا يَصلح أَنْ يَكونَ مرجعًا له، وَعَلَى هَذَا فيكون ضميرَ الشأن، أي: إنَّ الشأن والحال ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إن كنت أنا ظالمًا بدعوى الرِّسالَة فَأَنَا لَا أُفلح، وإن كنتَ ظالمًا بِرَدِّكَ الحقَّ فَأَنتَ لَا تُفلح؛ لأنَّه مفرَّع عَلَى مَا قَبلَه ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ
следующие страницы →