Полный текст (403 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الآية (٣٧)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص: ٣٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ بِوَاوٍ وَبِدُونِهَا ﴿مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ﴾ عَالمٌ ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِلرَّبِّ ﴿وَمَنْ﴾ عَطْفٌ عَلَى مَنْ قَبْلهَا ﴿تَكُونُ﴾ بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ﴿لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار﴾ أَي الْعَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ أَيْ هُوَ أَنَا فِي الشِّقَّيْنِ فَأَنَا مُحِقٌّ فِيمَا جِئْتُ بِهِ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الْكَافِرُونَ].
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ بِوَاوٍ وَبِدُونِهَا]، أي فيها قراءتان سبعيتان، فَيَجوز أَنْ تَقولَ: ﴿وَقَالَ﴾، وَيَجوز أَن تَقولَ: "قَالَ" (١) ، وَهَذه مِنَ القرَاءَات النادرة جِدًّا؛ لأن القراءات المتواترة لَا يَكون فيهَا تَغيير كلمة بزيَادَةٍ أَو نقصٍ، وقد ذَكَرْنَا مِن قَبْلُ بيتين في القرَاءَة، هما (٢) :
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ للرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي
وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ القُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَرْكَانُ
ولكن الرسم هنَا لَا يَحتَمل الزِّيَادَةَ، أَو النّقصَان، ولكن القِراءَة ثابتة، كَذَلكَ الحواشي
(١) السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص ٤٩٤).(٢) متن طيبة النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، البيتان (١٤، ١٥).стр. 177
في سُورَة البَقَرَة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة: ١١٦]، ففيها قراءتان: بإثبات الواو وبحذفها، وهناك شواهدُ أُخرَى في القُرْآن، لَكن هَذَا يعتبر منَ الأَشيَاء النادرة.
قوله تعالى: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾: ﴿أَعْلَمُ﴾ هَذَا اسمُ تفضيلٍ، واسمُ التفضيل يَدُلُّ عَلَى اتِّفَاق شخصين اشتَرَكَا في صِفَةٍ واحدة.
فَإذَا قيلَ: فلانٌ أَفضَلُ مِن فُلَان. فقد اشترك الرَّجُلان في الفَضل، وزاد المفَضَّل على المفَضَّل عليه. هنا يقول: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
قَالَ المفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: عَالِمٌ]، فَحَوَّل اسمَ التفضيل إلَى اسمِ فاعِل، وهذه جناية عظيمة؛ لأن (عَالِم) أدنى بكَثير مِن ﴿أَعْلَمُ﴾، فَإذَا قلنَا: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ﴾ و (وربي عالِمٌ بمَن جاء)، فالأول أَبْيَنُ، ولذلك يُعتبر نقصًا مِنَ المُفَسِّر ﵀.
والصَّواب أنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ أي: مَن عَلِمَ بالهدى مِن عند اللَّه، فَاللَّهُ أَعلَم منه.
والمُفَسِّرُ ﵀ ومَن حَذَا حَذوَه، أَو سَبقه إلَى ذَلكَ إنَّمَا فَرُّوا مِن أَنْ يَكونَ الإنسَان مشتركًا مَعَ اللَّه في العِلم، لكن اسم التفضيل لَيسَ فيه دَليل عَلَى المُشارَكَة، فقولنا: أَعْلَم. ينفي المُشارَكَة؛ لأن الأعلم في دَرَجَةٍ لَا يَصل إلَيهَا المفضَّل عليه، لَكن إذَا قلتم (عالم) فهذا فيه المُشارَكَة، لأَنَّ اللَّهَ عالِمٌ، والإِنْسَان عالِمٌ، قَالَ ﵎: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، أي: فعَلِمُوا، وَكَذَلكَ قَوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤].
فالشاهد أَنَّ كَلمَةَ ﴿أَعْلَمُ﴾ هيَ الَّتي تَقتَضي التفريق، بخلاف عالِم، ثُمَّ إنَّ فيهَا
стр. 178
دليلًا واضحًا عَلَى أَنَّ كلَّ صِفة كمال، فَاللَّهُ تعالى لَهُ منهَا أعلاها، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، فكلُّ صِفة كمالِ مُطْلَق فلله تعالى منها أَكْمَلُها، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾.
فهناك مَن عَلِمَ مَن جَاءَ بالهدى مِن عند اللَّه مِنَ المُؤمِنينَ الَّذينَ أُرسل لهم، فعلموا ذلك، اللَّهُ تعالى أَعلَمُ بهم.
قوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ الضَّمير في قَوْلِهِ: ﴿عِنْدِهِ﴾ يعود للرَّب، أي: مِن عند اللَّه، وَإنَّمَا أَشَارَ المُفَسِّر ﵀ إلَى هَذَا، لئلا يُظَنَّ أَنَّه عَائد إلَى ﴿مِنْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾، وَلَا يمكن أَنْ يَعود إلَى ﴿مِنْ﴾؛ لأنَّه يَختَلف المَعنَى.
وقوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ وَلَم يَقُل: أَعلَمُ أَنّي قَد جئت بالهدى مِن عِنْدِه، بَل قَالَ: ﴿بِمَنْ جَاءَ﴾، لئَلَّا يَكونَ مُدَّعيًا، وليبقَى الأمر مَوْكُولًا بالحُكم عَلَيه مِن جهَة العقل.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَمَنْ عَطْفٌ عَلَى ﴿مَنْ﴾ قَبْلَهَا]، أي: وبِمَن تَكون لَهُ عاقبة الدَّار، فَهُوَ أَعلَمُ بمَن جاءَ بالهُدى مِن عِنْدِه، وهذا سببٌ لِحُكم العاقِبة، و ﴿أَعْلَمُ﴾ كذلك بـ ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ فَهوَ أَعلَم بالمبتدأ والمنتهى.
وقوله تعالى: ﴿بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ سَمَّى الكتَابَ، أَو الوحيَ هُدًى؛ لأنَّه يهدي، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ [الصف: ٩]، فالهُدى هُوَ العِلم؛ لأَنَّه هُوَ سبيلُ النجاة.
стр. 179
وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾ أَضَافَه إلَى اللَّه؛ لأن الوحيَ مِنَ اللَّه ، وَلَيسَ مِن غَيره، ولا أحدَ يأخذ هُدًى إلَّا مِن عند اللَّه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَكُونُ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ] (١) فهُما قراءتان؛ أمَّا القِراءَة بالتاء ﴿تَكُونُ﴾ فالأمر فيهَا ظَاهر؛ لأن عاقبة الدَّار مؤنث، والفاعل إذَا كَانَ مؤنثًا يُؤَنَّث له الفِعل، وأمَّا بالياء "يَكُونُ" إنَّمَا جَازَ التذكير مع تأنيث الفاعل؛ لأن التأنيث مَجازِيٌّ؛ والمؤنث المجازي كُلُّ مَا لَيسَ لَهُ فَرْجٌ فهو مؤنثٌ مَجازي.
قوله تعالى: ﴿تَكُونُ﴾ كان هنا ناقصة، وخبرُها مُقَدَّم، وَهُوَ قَوله: ﴿لَهُ﴾ واسمُها مُؤَخَّر، وهو: ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَي: العَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ]، ﴿عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: مَن يَعْقُب غَيرَه في الدَّار، والمُفَسِّر ﵀ حَمَلَهَا عَلَى أَنَّ المرَادَ بالدَّار هنا الدَّارُ الآخِرَة، وَلَكن يَنبَغي أَن نَقولَ: إنها عَامَّة في الدَّار الآخِرَة، والدَّار الدُّنيا؛ لأن عِبَادَ اللَّه الصَّالحينَ هُم الَّذينَ لَهم العاقبةُ في الدُّنيَا وَالآخرَة، وَقَد كَانَت العاقبة لموسى وقومه حَتَّى في الدَّار الدُّنيا بالنِّسبة لفِرْعَون، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧]، وَقَالَ تعالى: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٦ - ٢٨]، وَفي سورَة الشّعَرَاء ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩].
فالأَولى إذن أَن نَجعَلَ الدَّارَ هنا عَامَّه في الدَّار الدُّنيا، ودار الآخرة. الحواشي
(١) السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص ٤٩٤).стр. 180
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ العُقبى في الدّنيَا واضحة؛ إذا فتح المسلمون البلاد صاروا هُم الَّذينَ وَرِثُوها، وهُم كَذَلكَ في الآخرَة في الجنَّة، لأَنَّ المسلمَ يَكون في الجنَّة وارثًا لمكان الكافِر منه، فَإنَّ الكَافِرَ يرى مقعدَه في الجَنَّة، وفي قبره لَو آمَن، ولكن المؤمنون يرثون مقاعِدَ الكافرين في الجَنَّة، وتكون عُقبى لهم أَيْضًا بالدَّار الآخرة.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: هُوَ أَنَا فِي الشِّقَّيْنِ]، والشِّقَّان هما قوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، والشِّقُّ الثَّاني: ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وقول المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: هُوَ أَنَا]، هَذَا هُوَ الحَقّ، أَنَّ الَّذي جَاءَ بالهدى مِن عند اللَّه موسى، وأنه ستكون له العاقبة، ولكنَّ موسى خاطَبَ فِرعونَ بهَذَا الخطَاب المتردد بَينَ كَون الهدى عندَه، أَو عند فِرْعَونَ، والعاقبة لَهُ دونَ فِرْعَونَ عَلَى سَبيل التَّنَزُّل، كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
لكنه هنا لَم يُصَرّح بأَنْ قَالَ: أَنَا قَد جئتُ بالهدى، وأنا العاقبة؛ لأَنَّ هَذِهِ هيَ الدعوة التي جَاءَ بهَا، وأقامَها على فِرْعَون، لكنه ساق الكلام مَساقَ الأمر المتردد بَينَه وَبَينَ فرعَون مِن بَاب التَّنَرّل معه.
قال: [فَأَنَا محُقٌّ فِيمَا جِئْتُ بِهِ]، هذا مُفَرَّع عَلَى قَوله: [هُوَ أَنَا].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الكافِرُون، ﴿إِنَّهُ﴾ الضَّمير هنا ضمير الشأن؛ لأَنَّه لَم يَسبق له مرجع، ولم يَلحَقه مَا يَصلح أَنْ يَكونَ مرجعًا له، وَعَلَى هَذَا فيكون ضميرَ الشأن، أي: إنَّ الشأن والحال ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إن كنت أنا ظالمًا بدعوى الرِّسالَة فَأَنَا لَا أُفلح، وإن كنتَ ظالمًا بِرَدِّكَ الحقَّ فَأَنتَ لَا تُفلح؛ لأنَّه مفرَّع عَلَى مَا قَبلَه ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ
стр. 181
عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾، وعاقبة الدَّار تكون لغير الظَّالِم؛ لأنَّ الظَّالمَ لَا يُفلح، ونحن نعلم عِلم اليَقِين أَنَّ الظَّالمَ في هَذِهِ الحالِ هو فِرْعَون؛ لأَنَّه رَدَّ الحق.
وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ الفَلَاح هُوَ حصول المطلوب، وَالنَّجَاة منَ المهروب، وسُمِّي فلاحا؛ لأنَّه بقاء، وَأَصله في اللّغَة البقاء، كَمَا قَالَ الشَّاعر (١) :
لكُلِّ هَمٍّ مِنَ الهُمُومِ سَعَهْ ... وَالمُسْيُ والصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ
يَعني: لَا بَقَاءَ معه، فتعدَّى الأَمرُ إلَى أَنْ يَقولَوا: إِنَّ الفلاح هُوَ حصول المطلوب وَالنَّجَاة مِنَ المهروب.
وقول المُفَسِّر ﵀ في مَعنَى ﴿الظَّالِمُونَ﴾: [الكافِرُون] فيه نَظَر؛ لأن عدمَ فلاح الظَّالمِين بحسَب ظُلمهم؛ إن كَانَ ظُلمًا أكبرَ، فَهُم لَا يُفلحونَ أبدًا، وهم الكافِرُون، وَإن كَانَ ظُلمًا دونَ ذَلكَ، نَقصَ منَ الفَلَاح بحَسَب مَا نَقَصَ منَ العدل، فالضابط لهذا أَيْضًا إبقاء الآيَة عَلَى ظَاهرهَا، وأنَّ الظَّالمَ لَا يُفلح، لكن انتفاء الفلاح عنه بحسَب وجود الظُّلم فيهِ؛ فالظلم الأكبر يفوت به الفَلَاح كله، وَمَا دونَ ذَلكَ يَفوت منه منَ الفَلَاح بقَدْر مَا حَصَلَ منَ الظُّلمِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: في قَوْلِهِ: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ التَّنَزل مَعَ الخَصم عَلَى وَجهٍ لَا يَكون فيه تقويضٌ لدعوَى المدَّعي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فيهَا دَليل عَلَى أَنَّ الهُدَى مِن اللَّه ، فَهُوَ الَّذي يَأتي بمَا يَحسُن الاهتداء به، ويَوَفِّق مَن شَاءَ مِن عِباده له، فالهدى مِن عند اللَّه، ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ الحواشي
(١) البيت للأَضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ السَّعْدِيّ، كما في اللسان، مادة: فلح.стр. 182
جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ فهو ضلال، وَالهدَى مِن عند اللَّه، فما خَالَفَه فَهوَ ضلال.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ العاقبة لمن اتبع هُدَى اللَّه؛ لقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: وَهُوَ كَذَلكَ أَعلَمُ بمَن تَكون لَهُ عاقبة الدَّار.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الظَّالمَ لَا يفلح، ومفهومه أَنَّ صَاحبَ العدل يفلح؛ لأَنَّه إذَا انتَفَى الفلاح عن الظَّالِم وجب ثبوته لصاحب العدل.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّحذير منَ الظُّلم؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، والترغيب في العَدل؛ لأن التحذيرَ منَ الشَّيء تَرغيب في ضِدِّه.
* * *
стр. 183
الآية (٣٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فَاطْبُخْ لِي الْآجُرَّ ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ قَصْرًا عَالِيًا ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَأَقِفُ عَلَيْهِ ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فِي ادِّعَائِهِمْ إِلَهًا آخَرَ، وَأَنَّهُ رَسُولُهُ].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا﴾ يخاطب قومه، وَقَد أَتَى بصيغَة الجمع المقدَّر بالنداء، وفيه منَ الأَمر والتعظيم له، ثُمَّ قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وَلَم يَقل: ما وجدت لكم؛ لأنَّه لَو قَالَ: مَا وَجَدت لكم. لكَذَّبوه؛ إذ سيُحاجُّونه بأَنَّه لَم يَذهَب لأي مكان، ولم يُفارقهم، فَلَم يَذهَب ليطلب اللَّهَ، وَلَم يجده، فَنَفَى أَنْ يَكونَ عَالمًا بذَلكَ، فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، لأَجْل أَنْ يُفَرِّعَ عليه، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ فتتم له اللُّعبة، يقول: أَنَّا لَا أَعلَم لَكم مِن إلَهٍ غيري، لَكن لَا مَانعَ مِن أَن نبحث.
قَوله تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ أي: اجعَل لي صَرحًا طويلًا رفيعًا
стр. 184
كي أَنْظُرَ: هَل في السَّمَاء إله لموسى أَم لَا؟ وَهَذَا أَبلَغ في التمويه، فعبَّر بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ﴾؛ لأَجْل أَنْ يُتِمَّ لُعبته.
وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ المراد من رَبّ غيري؛ لأَنَّه قَالَ في سُورَة النازعات: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٤]، أو يجوز أَنَّ المرَادَ بالإله ظاهرها، فيكون ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ أي: مِن معبود، ولا يعبَد إلَّا الرّبَ.
وَقَوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ الفاء للسببية، وهي عاطفة، وهامان: هو وزيرُه، والظَّاهر أنه وزيرٌ مُطلَق، وَلَم يَكن مختصّا بشأنٍ مُعَيَّن.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَاطْبُخْ لِيَ الآجُرَّ] أي: الطين، وَهُوَ التّرَاب المخلوط بالماء، فإذا أَوْقَدَ عليه انعقَد وتحَجَّر، وصار آجُرًّا، وَإنَّمَا اختَارَ ذَلكَ؛ لأن الآجُرَّ أَقوَى مِن غيره، وَلأَنَّه إذَا أوقد عليه يوقد على مِصفاة، فيشتهر بَينَ النَّاس إذَا سألوا أَنَّ هَذَا هُوَ وقُود الصرح الذي سيَبْنِيه ربُّهم، وَيَكون أَيضًا مُرعِبا أكثر.
قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [قَصْرًا عَالِيًا] أي: يبني لَهُ مثلَ المنارة، لكنه بناءٌ عالٍ، وَلَو قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: بناءً عاليًا، لَكَانَ أَولَى.
قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾: ﴿لَعَلِّي﴾ هَذِهِ للتَّعلِيل، يعني: اجعله لي؛ لأطلع إلى إله موسى أَنظر إلَيه، وأقف عليه، وقوله: ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ قالها فِرْعَون عَلَى سَبيل التحقير؛ لأن موسى عنده حقير، فإلهه يَكون مثله -حَاشَا للَّه- حقيرًا لحقارة عابده.
قَولُه تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لِادِّعَائِهِ إِلَهًا آخَرَ، وَأَنَّهُ رَسُولُهُ].
стр. 185
وقولُه: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أَكَّدَها بـ (إنَّ) واللام، ثُمَّ قَالَ: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ليفتح الباب لكذبه؛ لأَنَّه لَيسَ هَذَا أَوَّل مَن كَذَبَ، فليس بغريب أَنْ يَكذب؛ لأَنَّه قَد سَبَقَه مَن سَبَقَه، فَيَكون هَذَا أَكثَرَ قَبُولا لقوله عندهم، وليُذَكِّرَهم أَنَّ موسَى مِثل غَيره مِنَ الكَاذبينَ، فليس أَوَّل مَن كَذَبَ.
فَائدَة: قَوُله ﵎: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ هَذِهِ الدَّعوَى كَذَب فيها فِرْعَونُ؛ لأنَّ موسَى قَالَ لَه: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، لكنه يُمَوِّهُ به عَلَى قَومِه، ولهذا أمر بهذه الفَعْلَة.
وَكَذَلكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ كذب أَيْضًا في قَوْلِهِ، بَل هُوَ مُتيَقِّن أَنَّ موسَى صادق، ولكنه زاغ وتنكَّر للحق.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن فِرْعَون قد سيطر على قلوب قومه، ووَجْهُ ذَلكَ أَنَّ مِثلَ هَذَا الكَلَام لَا يُقبَل إلَّا مِن شَخص قد سَلَب عُقولَهم، وإلَّا خرج أيُّ وَاحِد منهم ليقول: أريد أَنْ أُصْبحَ إلها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَمْوِيهُ فِرْعَونَ عَلَى قَومِه، وَأَنَّه مِن أَشَدّ النَّاس مَكرًا وحِيلةً؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات عُلُوِّ اللَّه، وناخذه مِن قَولِه: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وَهَذَا دَليل عَلَى أَنَّ موسَى قَالَ لَه: إنَّ اللَّهَ في السَّمَاء.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن فرعَونَ كَانَ عظيمَ المُلْكِ في مملكته، وَكَانَ لَهُ وزراء يأمرُهم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إسنَاد الفعل إلَى الآمر به إذَا كَانَ لَهُ سلطَان، لقوله: ﴿فَاجْعَلْ
стр. 186
لِي صَرْحًا﴾، وَمَعلوم أَنَّ هامان لَم يُبَاشر البناء، بل باشَرَهُ العُمال، ولكنه نسبَ الفعل إلَيه؛ لأنَّه الآمِر به، ففيه إسنَاد الفعل إلَى الآمر به لمَن كَانَت لَهُ سُلطة الأمر.
والفقهاء ﵏ اعتبروا هذا، فقالوا: لَو أَمَرَ بالقَتل غيرَ مكلَّف، فَقَتَل، فالقَوَد عَلَى الآمِر؛ لأَنَّه لَو قَالَ رَجُل مَا لشاب لَم يَبلُغ بَعْدُ: اقتُل فلانًا. فذَهَب فقتلَه؛ فَإنَّ الَّذي يُقْتَلُ هو الآمِر؛ لأَنَّه هُوَ السَّبَب، وَالحُكم إلَيهِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الفَخَّار أَقوَى مِنَ الطّين غير الموقَد عليه، يؤخَذ مِن قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ وَقَد يَكون فِرْعَون أَوَّل مَن اخترع هذا الطين، وَقَد يَكون الأَمر مَعلوما مِن قَبل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: طغيان فِرْعَون، واستِكْباره، حَيث ذَكَرَ الربَّ بصيغة الإذلال في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فنسبه إليه؛ احتقارًا له؛ لأنَّه يحتقر موسى.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ فرعَون مِن أَكْذَبِ النَّاس؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* * *
стр. 187
الآية (٣٩)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أَرْضِ مِصْرَ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَلِلْمَفْعُولِ].
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾، من الكِبرياء، وهي العَظَمَة، والمعنى أنه تَرقَّى وتعاظَم هو وجنودُه، وزيادَةُ الهَمْزة والسِّين والتَاء للمُبالَغة، وليْسَت للاستِدْعاء؛ لأَنَّ الغَالبَ أنَّ الهمزَة تكُونُ للاستِدْعاء، مثل: استغفرَ له، يعني: طلب مغفرَته، واسْتَرْحمه: طلب رحمته، لكن تأتي أحيانًا للمُبالغة، مِثل ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ يعني: بَالَغَ في الكبرياء والعظمة هُوَ وجنوده.
قَولُه تعالى: ﴿وَجُنُودُهُ﴾ الجند في الأَصل هُم حاشية الإِنْسَان وأنصارُه، ويُطلَق عَلَى كلِّ مَن اتَّبعه، فَهوَ مِن جُنده.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلِّق بـ ﴿اسْتَكْبَرَ﴾، و (ال) في قَوْلِهِ: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ للعهد الذهني، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَرْضِ مِصْرَ]، أي: ليست الأَرضَ كلَّهَا؛ لأَنَّه لَا سُلطَانَ لَهُ عَلَى بَقيَّة الأراضي، وَلَكنَّ المرَادَ أَرض مِصرَ.
فَعَلَى هَذَا تَكون (ال) هنا للعهد الذهني لا للعموم.
стр. 188
وقوله ﵎: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيانٌ للواقِع؛ لأن الاستِكْبارَ كُلَّه مخُالف للحق، وَزَيادَة في تقبيحِه، فالاستِكْبار قبيحٌ، فإذا وُصِف بغَير الحَقّ صار أقبحَ وأقبحَ، ونظير هَذَا قَوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١].
وَمنَ المَعروف أَن قتلَ الأَنبيَاء لَا يمكن أَنْ يَكونَ بِحَقٍّ، لكن ذَكَرَ ذَلكَ للمبَالَغَة في تقبيحه، فالواقع أَنَّه لَيسَ بحَقٍّ، يَقول اللَّه : ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ والحق في الأَصل هُوَ الشَّيْء الثابت، فَإذَا أُضيفَ إلَى الكَلَام، فَالمرَاد به الصَّدَقُ، وإذا أضيفَ إلَى الأحكام، فالمرَادُ به العدل، كَقَوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
إذن: انتفى عَن هَؤلَاء باستِكْبارِهم الخقُّ مِن وَجهَين: حيث اتخذوا كذبًا وزُورا بما استكبروا به، وغير الحق.
قوله ﵎: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ قَد يَكون المرَاد بالظن هنا الرُّجحان، أو التقِين، فهم مُتَيَقِّنُون مما جحدوا به، أَمْ أنهم ترَجَّح عندَهم أَنَّهم راجعون.
كلَاهمَا في الواقع يُنافي قَولَه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]؛ لأَنَّ مَن استيقن شَيئًا لَا يظن خلافَه، فمَن استقين أَنَّ مَا جَاءَ به موسى حقٌّ، فلا يَظنُّ أَنَّ خِلَافَه هُوَ الحَقُّ؛ لأَنَّ مَن استيقن الشَّيْء آمَنَ به، لكن يبدو لي أَنَّ الظنَّ هنا إمَّا بمعنى الدعوى، يعني: ادَّعَوا أَنَّهم إلَينَا لَا يُرْجَعُون، أَو أَن المرَاد بهِ الظن، أَلَم يستفسر عَن الحَقّ الَّذي جيءَ به مِن عند اللَّه، وَهُوَ فعله هنا فعلَ الظانّ.
قوله : ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ فيها قراءتان، بالبناء للفاعِل "لَا يَرجعونَ"، وبالبناء للمَفعول ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ (١) ، وأركانُ القِراءَة موجودة هنا، الحواشي
(١) السبعة في القراءات، لابن مجاهد (ص ٤٩٤).стр. 189
وَقَد ذَكَرنَاه سابقا في بَيتَين (١) :
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ للرَّسْمِ احْتِمَالًا يَحْوِي
وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ القُرْآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَرْكَانُ
وَمَعنَى قَوله: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ أي: يعودون، ويُرَدُّون إلَى اللَّه ؛ إذ إنَّ الكلَّ سوف يَرجع إلَى اللَّه، والإِنْسَان رَاجع إلَى اللَّه في مَحْيَاه ومَمَاتِه، فهو بَعدَ المَوت يَرجع إلَى اللَّه، وَكَذَلكَ في الدّنيَا أمرُه رَاجع إلَى اللَّه، فَهوَ الَّذي يُدَبِّره.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَان حَال فِرْعَونَ وجُنوده أَنَّهم قَومٌ مستكبرون عَن الحَقّ، متَعَالُون عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَن استكبر عَن الحَقّ فيه شَبه مِن فِرْعَونَ وجنوده.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجوب الرُّضوخ للحَقِّ، فالإِنْسَان يَجب عَلَيه أَنْ يرضَخَ للحق، سواء وافقَ هَوَاهُ أَو خَالَفَه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المستكبر لَيسَ لَهُ حق؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ هَؤلَاء المستكبرين يَعمَلونَ عَمَلَ مَن لَا يَظُنُّ أَنَّه يَرجع إلَى اللَّه، لأَنَّ مَن ظَنَّ أَنَّه يَرجِع إلَى اللَّه لن يستكبر عنه؛ لأَنَّه يخَاف منه، لَكن مَن يستكبر هُوَ مَن ظَنَّ أَنَّه لَا يَرجع إلَى اللَّه .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثباتُ البَعث؛ لأَنَّ قَوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ إثبات الظن، فيقتضي أنَّ الرّجوع إلَى اللَّه أَمْرٌ ثابت. الحواشي
(١) متن طيبة النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، البيتان (١٤، ١٥).стр. 190
الآية (٤٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القَصَص: ٤٠].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ طَرَحْنَاهُمْ ﴿فِي الْيَمِّ﴾ الْبَحْرِ المَالِحِ فَغَرِقُوا ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ حِينَ صَارُوا إِلَى الْهَلَاكِ].
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ﴾ الفاء عاطفة، وَالمُرَادَ بهَا أيضًا السَّببِيَّة، أي: فبسبب استِكْباره هو وجنودِه ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾، مُقابل الاستِكْبار ذَكَرَ اللَّه تعالى عقوبتهم عَلَى وَجه الاستهجان والتحقير.
قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ النَّبْذُ هو الطَّرح، أي: طرحناهم بِقُوَّة، والمطروح بِقُوَّة حقيرٌ؛ لأن العظيم لا تستطيع أن تَنْبِذَهُ نَبْذًا، فهو خطير عظيم، إنما يُنبَذ نَبْذًا مَن كَانَ هَيِّنًا حقيرًا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ والضَّمير (هُم) يَعود عَلَى فِرْعَون والجنود، ولم يُغْنِه عنه هؤُلاءِ الجنود شيئا؛ لأَنَّ اللَّهَ لَا شَيءَ يُقَابله مِن قوة البشر.
قَولُه تعالى: ﴿فِي الْيَمِّ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [الْبَحْرُ المَالِحُ] احترَازًا مِنَ الأنَّهار؛ لأن الأنَّهار بِحَار، لكنَّها غيرُ مالحة، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ
стр. 191
فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]. فسمَّى اللَّهُ تعالى الأنَّهارَ والبحارَ المالحةَ بحارًا.
وقوله: [البَحْرُ المَالِحُ] هَذَا بَيَان للواقِع الَّذي وُجِدَ فيه فرعَونُ وجنودُه؛ لأنَّهم وُجِدُوا في بَحْر القُلْزُم، وَهُوَ البَحر الأحمر الَّذي بَينَ جَدَّة ومصر، هَذَا الَّذي غَرَق فيه فِرْعَونُ وقومُه.
انظر إلى الحكمَة في أَنَّ اللَّهَ أغرقهم إغراقًا في اليَمِّ؛ لأنَّ فرعَونَ كَانَ يفتخر بأنهاره ويقول لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٢]، فأخرجه اللَّهُ مِن مُلك مصر، وأهلَكَه بمَا كَانَ يَفْخَرُ به منَ الأنَّهار.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب لكلِّ مَن يَصِحُّ تَوجيه الخِطَاب إلَيه، أي: فانظر يَا مَن تسمع هَذَا الخطَابَ ويوجَّه إليك.
والمراد بالنَّظر هنا نظرُ الاعتبار، وهو النَّظر بالقَلب؛ لأن العاقبة لا تُنْظَر بالعَين، اللَّهمَّ إلَّا إذَا سار الإنسَان في آثَارِهم، فقد يَنظر بِعَيْنه وبِقَلْبه ﴿كَيْفَ﴾ هنا للاستفهام، وَالمرَاد به التعظيم، يعني: عِظَم العاقبة، لَكن لَا تعظيمَ الرِّفعة، بل تعظيم العقوبة، فهو تفخيمٌ لها، وتعظيمٌ للعاقِبة الوَخِيمة السيِّئة للغاية، وَهُوَ اسم استفهام مَبنيٌّ عَلَى الفتح متعلق بخبر مقدَّم وجوبًا لـ ﴿كَانَ﴾.
قوله تعالى: ﴿عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿عَاقِبَةُ﴾ بمعنى عُقبى، وَهيَ عَلَى صيغَة اسم الفاعل، والمراد العُقبى، و ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هُم الَّذينَ نقصوا حُقوق أنفسهم، وحُقوق ربّهم؛ لأنَّ الظُّلم في الأَصل النقص، قَالَ اللَّه تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أي: لَم تَنقص.
стр. 192
وقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ المراد بالظَّالمِين هنا الكافِرُون؛ لأنَّه يُشير إلَى مَا جَرَى لفِرْعَون وقومِه، وهم ظالمون ظُلْمَ كُفر؛ لأن الظُّلم يَنقَسم إلَى قسمَين: ظُلم كُفر، وظُلم معصية، وهو دونَ الكفر.
ففي قَوْلِهِ ﵎: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، المراد هنا ظُلم المعصية، وفي قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، المرادُ ظُلم الكفر، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، شامل للأمرين: الكفر وَمَا دونَه.
قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ في مَصرهم إلَى الهَلَاك بأَتْفَهِ الأُمور، وَهُوَ المَاء، وَهَذه مِن حِكمة اللَّه ؛ أَنْ يَأخُذَ كُلَّ إنسَانٍ بِذَنْبِه، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، أي: بمَا يَقتَضيه ذَنْبُه منَ العقوبَة.
وكذلك عادٌ استكبروا في الأَرض وتحَدَّوْا، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، فَرَدَّ اللَّه عَلَيهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]؛ لأن الخالِق بلا ريبٍ أَقوَى مِنَ المَخلوق، وقد أخذوا بأَلْطَف الأَشْياء، وهي الرِّيح أَرسَلَ اللَّهُ عَلَيهم الرِّيح، قَالَ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، كل أيام الدَّهر، وَلَو شَاءَ اللَّه لَأَرْسَلَها عليهم بِلَيْلَةٍ واحدةٍ، ودَمَّرَتْهُم تدميرًا، لكن لِحكْمَةٍ أرادها أَنْ يعَذَّبوا أصلًا لأخذتهم جميعًا، وابتدأت بالأطراف، ثم يصعد إلَى أَعلَى السماء، ثُمَّ يَنزل عَلَى رَأسه، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وهذا أشد عقوبة؛ لأَنَّهَا لَو جاءتهم مَرَّة وَاحدَة ودَمَّرَتْهُم، ما عُذِّبُوا وماتوا وهلكوا، وانتهى الأمر، لَكن هَذَا أشدُّ.
стр. 193
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الذُّنوب سببٌ للعُقوبة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان عَظَمَة اللَّه ؛ حيث أخذ هَؤلَاء الكفَّار بمَا لَهم مِنَ القُوَّة، ونبذَهُم نَبْذًا كما يَنْبِذُ الإِنْسَان، فَلَم يُبَالِ جهم، ولم يُعْجِزُوا اللَّهَ .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِكمة اللَّه ؛ حَيث كَانَ إهلاك فِرْعَونَ وقومِه بالمَاء الَّذي كَانَ يفتخر به بقَوله: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]، فَإنَّ هَذَا الَّذي كَانَ يفتخر به كَانَ مَحَلَّ هلاكِه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ فِرْعَون قَد هَلَكَ فيمَن هَلَكَ، وأنَّ قَولَه : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]، وليس مَعنَاه أَنَّه حَيٌّ باقٍ، وَإنَّمَا الَّذي أُنْجِيَ، وظَهَر للنَّاسِ هو بَدَنُه فقط ليكون لمَن خَلْفَه آيةً؛ لأَنَّ بَني إسرَائيلَ -كَمَا قَالَ أَهلُ العِلم- قَدْ أَرْعَبَهُم فِرْعَونُ، فَلَولَا أَنَّه خَرَجَ حتى شاهدوه ببَدنه لَشَكُّوا في هلاكِه، فإذا شاهدوه تَيَقَّنُوا، وزال عنهم الشك، فإذن هو هالك فيمَن هَلَكَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّه يُطلَب مِن المرء إمَّا وجوبًا، أو استحبابًا، أن يتأمَّل في عَاقبَة الظَّالمين، لقوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، وَأَنَّه يَنبَغي لَنَا أَن نَتَّعظ بعاقبة هؤُلاءِ، فلا نَظْلِمَ مِثلَهم؛ لأَنَّه مَا دَامَ عاقبةُ الظَّالِم الهلاكَ؛ فإنَّ الإِنْسَان يخشَى أن يَهلِك إذا ظلَمَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الظُّلمَ مُحرَّم؛ لأَنَّه سَبَب في العُقوبَة، وَمَا كَانَ سَبَبا لعُقوبة، فَإنَّه مُحَرَّم، وَسَوَاء كَانَ الظُّلم للنفس، أو للغير؛ لأنَّه مُحَرَّم بجميع أنواعه، قَالَ اللَّهُ
стр. 194
تعالى في الحديث القدسي: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالمُوا" (١) .
* * * الحواشي
(١) أخرجه مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم(٢٥٧٧) .стр. 195
الآية (٤١)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿أَئِمَّةً﴾ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ يَاءً: رُؤَسَاءَ فِي الشِّرْكِ ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الشِّرْكِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ].
أَي: إِنَّ في كَلمَة ﴿أَئِمَّةً﴾ قراءتين: الأُولى الواردة بالهَمْز، والثَّانية بالياء بَدَلَ الهمز هكذا "أَيِمَّة" (١) ، والقراءتان سبعيتان.
ثمَّ قَال: [رُؤَسَاءَ فِي الشِّرْكِ]؛ لأَنَّ الإمَامَ هُوَ القائد الذي يُتبع، فَهوَ ذو أَثَر في الشِّرْكِ، وليسوا رؤساءَ في الشِّرك فقط، بل رؤساء متبوعين، فالإمامُ هو المتبوع، والمعنى: أَنَّهم كَانوا قادة إلَى الكفر وَالشّرك.
لكن المُفَسِّر ﵀ هنا يقول: [وَجَعَلْنَاهُمْ فِي الدُّنيَا أَئِمَّةً]، وَلَو أَنَّه أَخَّرَ الدُّنيا لكان أحسن.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ في الدّنيَا؛ لأن حَقيقَة الأَمْر أَنَّ إمَامَتَهم بالكفر كَانَت في الدُّنيَا، فهُم جُعِلُوا في هَذِهِ الدُّنيَا أئمةً، يعني: الحواشي
(١) شرح طيبة النشر في القراءات العشر، للنويري (١/ ٤٣٧).стр. 196
متبوعين يُقْتَدَى بهم في الكفر، فَكلُّ مَن أَتَى بَعْدَهُم، وكان كُفره كُبَّارًا؛ فإنه مُقْتَدٍ بهم.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقَول وَبالفعل جميعًا، فهم قَبلَ أَنْ يَهلكوا يدعون بالقَول وَبالفعل، وَبَعدَ أَن هلكوا يَدعون بالفعل؛ لأَنَّ مَن اقتدى النَّاس بفعله فَهوَ في الحقيقَة قد دَعَاهم إلَيه.
وهم هنَا لَا يدعونهم بالقول: هيا ادخلوا النار، ولكن يَدعونَ إلَى العَمَل الموَصّلَ إلَيهَا، وَهُوَ الشّرك والكفر، وبئس مَا كَانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلَى الكُفر باللَّه ﵎ والإشراك.
وقوله : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرفٌ متعلق بـ ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وَهُم لَا يُنصَرونَ يَومَ القيَامَة، هُم في الدّنيَا أئمة متبوعون، لَكِن في الآخِرَة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، لَا يَستَطيعونَ أَنْ ينتصروا لأنفسهم، فَلَا يمكن أَنْ يَكونوا أَئمَّة يُقتَدَى بهم.
وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لَا يَجِدُونَ مَن ينصرهم بِدَفع العَذَاب عنهم، لَا هُم، وَلَا غَيرُهم، حتى غَيرهم لَا يمكن أَنْ يَدفَعَ عنهم العذاب.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: حِكمة اللَّه في مِثل فِرْعَونَ وقومِه؛ لأن إيجادَهم حِكمة، فَإنَّ اللَّهَ قَادر عَلَى أَنْ يَجعَلَ النَّاس عَلَى الهدَى، لكنه له الحكمَة في أَنْ يُوجِد مثلَ هَؤلَاء القَوم الَّذينَ يَدعونَ إلَى النَّار.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حِكْمَةُ اللَّهِ تعالى فيمَا خَلَقَ مِن أَمْره، وأنه بلاءٌ وفتنة.
стр. 197
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الإمَامَة في الشَّرِّ، فَانظر إلَى هَذِهِ في آل فرعَونَ، وَانظُر إلَى هَذِهِ في بَني إسرَائيلَ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، ففَرق بَينَ مَن يَقُودُ النَّاسَ بأَمر اللَّه، أَو مَن يقودونهم بشريعته، وَبَينَ مَن يَدعونَ إلَى النَّار.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الدّعَاءَ إلَى النَّار وإلى الخير أيضًا، كَمَا يَكون بالقَول يَكون بالفعل، وَقَد يَكون مَا هُوَ بالقول أقوى، وَقَد يَكون مَا هُوَ بالفعل أَقوَى، إنما عَلَى كلّ حَال الدعاء بهذا وبهذا ثابت؛ فَإنَّه كَانَ يَدعو النَّاسَ بمقاله وبحاله.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات يَومِ القيَامَة في قَوْلِهِ : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وقد سُمي يَومَ القيَامَة، لأُمُور ثلاثة:
الأَوَّل: أَنَّه يَقُوم النَّاس فيه مِن قُبورهم لرَبّ العَالمَينَ.
الثَّاني: أنه يقَام فيه العَدل كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث: أنه يَقُوم فيه الأشهاد ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، فلهذا سُمّيَ يَومَ القيَامَة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيَان أَنَّ آلَ فرعَونَ لَا نَاصِرَ لَهم في الآخرَة، ومِثلهم مَن كَانَ عَلَى شاكلتهم مِن المستكبرين عَن الحَقّ؛ فَإنَّهم لَا يَجدونَ مَن يَنصرهم مِن عَذَاب اللَّه إذَا نَزَلَ بهم في ذَلكَ اليَوم.
* * *
стр. 198
الآية (٤٢)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خِزْيًا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المُبْعَدِينَ].
قَولُه تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ الضَّمير يَعود عَلَى فِرْعَون وجنوده، أي: وجَعَلْنَا اللعنة تتبعهم بعد إهلاكهم، واللعنة في الأَصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المُفَسِّر ﵀ بلازمها، وهو الخِزي، أي: إِنَّ كُلَّ مَن ذَكَرَهُم يلعنهم ويطرُدهم، ويبتعد عنهم، وَلَكن لَا مُنافاةَ بَينَ مَا هنَا، وَبين قَولِه في الآية السَّابقَة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؛ لأَنَّ الَّذي يأتَمُّ بهم هُوَ الموَافق لهَم عَلَى كُفرهم، أَمَّا مَن لَم يهتمَّ بهم؛ فإنه يلعنهم.
واللعنةُ مِنَ اللَّه، وَمِن غَيره، قَالَ اللَّهُ : ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فمَن لَعَنَه اللَّهُ لَعَنَهُ المؤمنون باللَّه، قَالَ ابن مَسعود ﵁ في لَعْنِ النَّامِصَة والمُتَنَمِّصة، قال: "مَا لي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ ، وَهُوَ في كِتَابِ اللَّهِ" (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب المتنمصات، رقم(٥٩٣٩) ، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم(٢١٢٥) .стр. 199
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْضًا ظرفٌ متعلق بمحذوف حالٌ مِن ﴿هُم﴾، يعني: وهُم حال كونهم يَومَ القيَامَة منَ المقبوحين، أو متعلق بـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾، ولكن (ال) اسمُ موصول، والاسم الموصول لَا يَعمَل مَا بَعدَه فيمَا قَبلَه، فَإمَّا أَن تجَرَّد (ال) مِن المصدرية، أَو ذَلكَ عَلَى سَبيل التوسّع؛ لأنَّهم يتوسّعون في الجَارِّ والمجرور والظرف مَا لَا يتوسعون في غَيرهِ.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ الجملة اسمية، دَالَّة عَلَى أَنَّهم هُم في ذَلكَ الوَقتِ لَا يمكن أَبَدا أن يستحسن مَا فَعَلوه، أو يُقَرَّبوا، بل إنهم في ذَلكَ الوَقتِ مِن المقبوحين المُبْعَدِين الذين يفضحُهم كُلُّ مَن ذَكَرَهُم، فَلَا يمكن لأَحَد أَنْ يُقَرِّبَهم.
إذن: عوقب هَؤلَاء الَّذينَ كَانوا يَدعونَ إلَى النَّار بثلاثة أُمُور:
الأمر الأول: الإغراق بالماء، وَأَنَّهم إذَا حَلَّ جهم العذاب يَومَ القيَامَة، فلن يجدوا مَن ينصُرهم، لأَنَّه قَالَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
الأمر الثَّاني: العارُ الَّذي لحِقَ بِمَن لَعَنَهُم، تلك اللعنة التي لحِقَتْهُم إلى يَومِ القيَامَة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾.
الأمر الثالث: أنهم يَومَ القيَامَة لَا يمكن أَبَدا أَنْ يَكونوا مِنَ المحمودين المقَرَّبين، بَل هُم مِنَ المقبوحين المطرودين المبعدين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ عُقوبة آل فرعَونَ كانت ممتَدَّة إلى يَومَ القيَامَة بالذكرى السيّئَة لهم، لقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾؛ فإن كُلَّ مَن ذَكَرَ آل فرعَونَ يذكُرهم بالسُّوء، والبغض، والكراهية.
стр. 200
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تحقير الدُّنيا؛ فَإنَّ قَوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ تُقَال للقريب؛ لدُنُوِّ مرتبته، وأنها دنيا، والدُّنيا مُؤَنث أَدْنَى، وَهيَ مِنَ الدُّنُوِّ الحِسِّي والمعنوي؛ أما الدُّنو الحِسِّي فَلِسَبْقِها عَلَى الآخِرَة، فهي أدنى إلَى المَخلوقينَ مِنَ الآخرَة، وأما الدُّنُوُّ المعنوي فلِمَا تتضمَّنُه مِن النَّقص في جَميع كمالاتها، فَمَا مِن كمالٍ في الدّنيَا إلَّا وَهُوَ ناقص، والآن لو تأمَّلْتَ جميع المَضَارِّ والمنافع الدنيوية، تجدها مَشُوبَةً بالضَّرر والخَطر، حتى الزَّمان، كَمَا قَالَ الشَّاعر (١) :
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللعنة التي وُزِّعَت عَلَى هَؤلَاء الفِرْعَونيين تكون عَلَيهم في الآخرَة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾؛ لأن المَقبوح معناه: المُبْعَد، واللَّعْن: هو الطَّرْدُ والإبعاد.
* * * الحواشي
(١) البيت للنمر بن تولب، كما في زهر الأكم، لنور الدين اليوسي (٣/ ١٣٥).стр. 201
الآية (٤٣)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التَّوْرَاةَ].
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾: [التَّوراة]، وَهيَ كتَاب بمعنى: مكتوب، والجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤَكّدات، وَهيَ القَسَم واللام الوَاقعَة في جَوَابه، وقد.
وهنا قد يَقول قَائل: لماذا تؤكد بهذه المؤَكّدات الثَّلاثَة مع أَنَّهَا لَيسَت مخاطَبة لمنكر لها؟
فالجواب: هو أنَّنا سَبَقَ أَنْ قُلنَا: إنَّ التأكيد ليس سببه إنكارَ المخاطَب فقط، بَل قَد يَكون سببه أهميةَ المخبَر عَنه، فيُؤكَّد بالقَسم وباللام وقَدْ، وَغَيرهَا منَ المؤكدات.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ إتيَانَ التَّورَاة كَانَ بَعدَ إهلاك الأُمَم السَّابقَة، ومنهم فِرْعَون، واستنبط منهَا بَعضُ العلَمَاء مِن قَوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ أَنَّه لم تهلك أُمَّة عَلَى العموم بَعدَ نزول التَّوراة؛ لأَنَّه قَالَ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا
стр. 202
الْقُرُونَ﴾ وكأنه بَعدَ نُزول التَّوراة ما أُهْلِك أَحَدٌ مِنَ القُرون، وهذا الاستنباط ليس ببعيد؛ لأن الواقع يُصَدِّقُه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الكُتب النازلة مِنَ السَّمَاء أنَّها أنوارٌ للنَّاسِ يَهتَدونَ بهَا؛ لقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن التمسُّك بشرائع اللَّه تَكُون به الرَّحْمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكُتب النازلة مِنَ السَّمَاء هيَ الَّتي بهَا الهدى مِنَ الضَّلَال؛ لقوله: ﴿وَهُدًى﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ الحِكمَةَ مِن إنزال هَذِهِ الكتب تذكِّر الناس بمَا فيهَا مِن المواعظ؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات الحكمَة في أَفعَال اللَّه ، وَكَذَلكَ في شَرَائعه؛ لأن (لَعَلَّ) معناها: التَّعلِيل، والذي أنكر الحِكمة هُم الجهمية، حيث يقولون: إِنَّ اللَّه تعالى لَيسَت لَهُ حِكمة فيمَا يَفعَل وما يشاء، وإنما هو لمجرد مشيئة.
قوله تعالى: ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى: أعطينا.
واعلَم أَنَّ إيتاءَ اللَّه ينقسم إلى قسمين:
إيتاءٌ شرعي: وَهُوَ مَا تعلَّق بالشرع، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، فهذا إيتاءٌ شرعيٌّ، والمراد به: الصدقات.
وإيتاءٌ قَدَري: وهو ما تَعَلَّق بالكونِ والخَلق، قَالَ : ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، فهذا إتيانٌ قَدَرِيٌّ؛ لأن إنزال القُرْآن مِن الأُمور الَّتي تتعلق بمشيئة اللَّه،
стр. 203
لا بِشَرْعِه؛ فأصلُ الإنزال قَدَرِيٌّ يتعلق بمَشيئَة اللَّه وقَدَرِه، لكن العَمَل به شرعي.
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ﴿مُوسَى﴾ مفعولٌ أَوَّل لـ ﴿آتَيْنَا﴾، و ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعولٌ ثانٍ، وهو مِن باب (كَسَا)؛ فكُلُّ مفعولَين لا يصح أَنْ يَكونَ أحدُهما مبتدأ والثَّاني خبرًا، فهُما مِن بَاب (كسا)، وما صَحَّ أن يكونا مبتدأ وخبرًا، فَهُمَا مِن بَاب (ظن)، وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [التَّوْرَاةَ]، وهو فِعَال بمعنى: مَفعول؛ لأنَّ التَّوراةَ مَكتوبَة، كتبها اللَّهُ تعالى في ألواح وأعطاها موسى.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ متعلق بـ ﴿آتَيْنَا﴾، أي: أعطيناه إيَّاه مِن بَعد ما أهلكنا القرون الأُولى، والقُرون جمعُ: قَرْن، والمراد بهم الأمم، وقد يُرَادُ به الفترة مِن الزَّمَن، ومقدارها مائة سَنة، فالقُرون تارَةً يُراد بها الأمم، وتارَةً يُرادُ بها أحقابُ الزَّمَن، وهنا المراد الأمم؛ لأن أحقابَ الزَّمَن لا تُهْلَكُ، الذي يُهْلَكُ هو الأمم.
وقوله تعالى: ﴿الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودُ وَغَيْرُهُمْ]، هؤُلاءِ هُم القُرون الأُولى، وَإنَّمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ إشَارَة إلَى أنَّ النَّاس كانوا في حاجة إلى مِثل هَذَا الكتَاب الذي نَزَل عَلَى موسَى؛ لأن القُرون أُهْلِكَت، وتطاول الزَّمَن فاحتاج النَّاس إلى رسالة، فأرسل اللَّهُ تعالى موسى بهذا الكتاب، الَّذي هُوَ التَّوراة.
وقيل: إنَّ القُرون الأُولى تشمل حتَّى آل فرعَونَ؛ لأن التَّوراة ما نزلت عَلَى موسَى إلَّا بَعدَ أَن أهلك اللَّهُ القَرن -فرعَونَ وَقَومه- وأنه يشمل حتى هؤُلاءِ، حَتَّى إنَّ بَعض العلَمَاء استنبط منها أَنَّه لَم تُهْلَكْ أُمَّةٌ بَعدَ نزول التَّوراة، وأنَّ هذا مِن فوائد
стр. 204
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾؛ لأنَّ إهلاك الأُمَم السَّابقَة مضَى وانقضَى، ولا إهلاكَ بَعدَ نُزول التَّوراة.
والحقيقة أنَّ مَن تأمَّل التاريخَ وجَدَ أَنَّه لم تُهْلَك أُمة بَعدَ نزول التَّوراة، ما هلكت أُمة، لكن هل قَولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يشير إلَى هَذَا؟ هَذَا هُوَ محل النظر والمناقشة.
قوله تعالى: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ حالٌ مِن قَولِه تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾، والبصائر: جمع بَصِيرة، وهي نُور القلب، كما أنَّ بَصر وأبصار نُور العَين، فنُور القَلب يسمى بَصِيرة وبَصَائِرَ، ونُور العَيْن يُسَمَّى بَصَرًا وأبصَارًا، قَالَ تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٦].
وقوله: ﴿لِلْنَاسِ﴾: (ال) هنا للعَهد الذهني، وليست للعُموم؛ لأن التَّوراة لم تنزل إلا لقوم موسى فقط، كَمَا قَالَ النَّبيّ ﷺ : "وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١) .
وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ يُخرج الجنَّ مِن حيث التكليفُ والإلزامُ؛ لأَنَّه لَم يُكَلَّفْ أحدٌ برسالة أَحدٍ مِن الرُّسل مِن الجن، لكن مِن حيث العَمَلُ يمكن أن يستبصر بها الجن، كما قالوا: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]؛ فإن الظَّاهر أَنَّهم كَانوا قد انتفعوا بما أُنزل عَلَى موسَى كما انتفعوا بالقُرْآن.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وَهُوَ نُورُ القَلْبِ، أَيْ: أنوَارًا لِلْقُلُوبِ]. الحواشي
(١) أخرجه البخاري: كتاب التيمم، رقم(٣٣٥) ، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم(٥٢١) .стр. 205
وهكذا جميع الكُتب التي يُنزلها اللَّهُ تكون أنوارًا للقلوب، ويكون بها الاهتداء، وَلهَذَا قَالَ: [﴿وَهُدًى﴾ مِنَ الضَّلَالَةِ لمِنْ عَمِلَ بِهِ].
قولُ المُفَسِّر ﵀: [لمِنْ عَمِلَ بِهِ] تفسِيرٌ غير وَفِيٍّ، والأَولَى إبقاء الآية على ظاهرها، وهو أنَّ التَّوراة هُدًى، لَكن هَذَا الهدى لا يَنتفع به إلَّا مَن وُفِّق، فهي هدى من الضلالة بلا شك، وَلَكن لَا ينتفع بها، ويهتدي بها كلّ أحد، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى في القُرْآن: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وَقَالَ تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ففي الأول هُدَى دَلَالَة، وفي الثَّاني هدى تَوْفِيق التَّوراة، إذَا قلنَا: هدى، لمن عَمِلَ بهَا، قيَّدنا الآية بهُدَى التوفيق، مع أنَّها مُطْلَقَة، ولهذا فالأَوْلَى أَن نَقولَ: هدى مِن الضلالة في كلّ أمر كما قال: ﴿بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾، نقول: وهُدًى أَيْضًا للنَّاسِ، ولكن الهدى الذي بمعنى الدلالة عامٌّ، والهدى الذي بمعنى الاهتداء، يعني: يهتدي بها الإِنْسَان، هذا لمن وُفِّق لَهُ.
قوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لمَنْ آمَنَ بِهِ]، فالمقام يقتضي التصديقَ أنه رحمة، لَكن لَا لكلّ أَحَد، إلا أن يُقال: رحمة، أي: وسيلة للرحمة، فإذا قلنا: إنَّ قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: وسيلة صار عامًّا، نقول: هُدًى باعتبار العِلم، ورحمة باعتبار العَمَل؛ لأَنَّ مَن عمل به فهو مرحوم، وأما هُدًى، فهو باعتبار العِلم، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، الهدى هو العِلم النافِعُ، ودِينُ الحقِّ هو العَمَل الصَّالِح.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: (لعل) هنا معناها: التَّعلِيل، أمَّا عَمَلُها فهي تَنْصِبُ المبتدأ، وترفع الخبر، وخبرُها جملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾.
стр. 206
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَتَّعِظُونَ بِمَا فِيهِ مِنَ المَوَاعِظِ]، يعني: بما في الكتاب -الَّذي هُوَ التَّوراة- مِن المواعظ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، والضَّمير في كلمة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَعود عَلَى مَن أُنْزِلَت عليهم التَّوراة، وهُم بنو إسرائيل.
* * *
стр. 207
الآية (٤٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: ٤٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يَا مُحَمَّدُ ﴿بِجَانِبِ﴾ الجَبَلِ، أَوِ الوَادِي، أَوِ المَكَانِ، ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ مِنْ مُوسَى حِينَ المناجَاةِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أَوْحَيْنَا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ بِالرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لِذَلِكَ فتعْلَمَهُ فَتُخْبِرَ بِهِ].
قَولُه تعالى: ﴿بِجَانِبِ﴾ بمعنى: جِهة، فجانِبُ الشَّيْء: جهتُه أو طَرَفُه، وقوله تعالى: ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ صِفة لموصوف، وهو كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [الجَبَلِ، أَوِ الوَادِي، أَوِ المكَانِ]، و (أو) هنا ليست للتخيير، ولكنها للتمييز؛ لأنَّ بَعضَهم يَقول: المرَاد بِهِ الجبل، وبعضهم يقول: المُرَاد بِهِ الوادي، وبعضهم يقول: المُرَادُ به المكان. وكلمة المكان أعمُّ؛ لأنَّها تَشْمَلُ أَنْ يَكونَ واديًا أو جبلًا.
وموسى نوديَ مِن جانب الطُّور وهو في الوادي المقدَّس.
وقوله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ معناه: بالجانب الغربيّ مِن الجبل، فَيَكون مِن بَاب إضافة الموصوف إلى صفته، كما يقال: مسجدُ الجامِعِ، أي: المسجد الجامع.
وعَلَي هَذَا التَّقدير الأخير يكون المراد الغربي مِن الجانب نفسه، أمَّا على رأي المُفَسِّر ﵀، فَهوَ يَقُول: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ بجانب المكان الغربي مِن موسَى، وهو
стр. 208
يُكَلِّم اللَّهَ، فَإذَا كَانَ موسى وجهه إلى السماء، والجانب الغربي منه عُرف الغَرب، وَإذَا كَانَ وجهه إلى الشرق، فالجانِبُ الغَربيُّ منه يكون وراءَه؛ لأن المُتَّجِهَ إلى الشرق يكون الجانب الغربب منه خلفَه، ولا نستطيع أن نعرف: هل كان موسى بجانب الجَبل مِن الغرب، أَوْ مِنَ الشمال.
المهم: أنك ما كنتَ بذلك الجانب حين المناجاة.
* قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ في قَوْلِهِ تعالى: [﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾: أَوْحَيْنَا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ بِالرِّسَالَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ].
على قول المُفَسِّر ﵀: [أَوْحَيْنَا] يكون القضاء هنا شرعيًّا؛ لأَنَّه قَالَ: [قَضَيْنَا الأَمْرَ بِالرِّسَالَةِ]، ولكن القضاء هنا قد يبدو كونيًّا؛ لأَنَّه يَتَعَلَّق بالمشيئة، فَإن كَانَ الأمر هنا واحدَ الأوامر، فالقضاءُ شرعيٌّ، وَإن كَانَ واحدَ الأُمُور، أي: قضينا إليه ذلك الشأن العظيم، وهو الرِّسالَة، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فهنا الأمر واحد الأُمُور، فيكون القضاء كونيًّا.
والقضاء يَنقَسم إلَى قِسمين: قضاء كوني، وقضاء شرعي، فالقضاءُ الكوني لا بُدَّ فيه مِن وُجود المَقضيِّ، والقضاء الشرعيُّ قد يُوجَد، وَقَد لَا يوجد.
والقضاء الكوني يكون محبوبًا إلى اللَّه، ويكون مكروهًا إليه، والقضاء الشرعي لَا يَكونُ إلَّا محبوبًا إليه؛ لأنَّه بمعنى الأمر.
فمثلا قَوْلُه تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]، هذا قضاءٌ كونيٌّ، يكرهه اللَّه.
وَقَالَ تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فهذا قضاء شرعيّ؛
стр. 209
لأَنَّه لَو كَانَ قضاءً كونيًّا لَلَزِمَ أنَّ النَّاسَ كُلَّهم يعبدون اللَّهَ، وليس الأمر كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ لَا يمكن إلا في أمرٍ وقَعَ، فمثلًا لَو قُلنَا: قضَى اللَّه تعالى لأَبي بَكر أن يُسْلِمَ، فهذا قضاءٌ قَدَرِيٌّ شرعي؛ لأنَّه أمره بالإِيمَان، فآمَن، ونقول: قضى اللَّه لأبي لَهَبٍ أن يكفُرَ. هَذَا قَضَاءٌ كوني.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لِذَلِكَ فَتَعْلَمُهُ فَتُخْبِرَ بِهِ].
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ليس فيها تكرار؛ لأن مَن كَانَ في الجانب قد يرى، وَقَد لَا يرى، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
فإذا قَالَ قَائل: لماذا لم يقتصر عَلَى قَوله: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟
قلنا: لأن الإنسَانَ قَد يُشاهد مِن بُعد، ولكن قليل، فهنا تضمن أنَّه قريب وأنه شَاهَد، ففرقٌ بين أَن نَقولَ: ما كنتَ شاهدًا، أي: ما كنتَ حاضرًا مشاهدًا بِعَيْنِك، ولو كنت بعيدًا، ولهذا لَيسَ في الآيَة الكَرِيمَة تَكرار، ولكن فيها شَيْءٌ مِنَ التوكيد، يعني: لا حَضرَ، ولا نَظَر، فيكون ما أَخبَر به عن ذلك مِن بَاب الوحي، لا مِن بَاب المشاهدة، ولا مِن بَاب السماع، ولكنَّه وحيٌ أُوحِيَ إليه.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تقرير رسالة النَّبيّ ﷺ وذلك بما أخبر به عن هَذِهِ الوقائع الَّتي لَيسَ حاضرًا فيها، ولا شاهدًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الوحي يُسَمَّى قضاء؛ لقوله: ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.
стр. 210
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الوَحيَ ذو شأنٍ عظيم؛ لأَنَّ اللَّهَ سَمَّاه ﴿اَلأَمْرَ﴾ بـ (ال) الدالة على العَظَمة والكمال، ولا ريب أنَّ أعظمَ الأُمور ما جاءت به الرُّسل مِن وحي اللَّه ؛ لمَا فيه مِن مصلحة البلاد والعِباد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإنسَانَ لَا يُقْبَل خبرُه إلَّا إذَا كَانَ حاضرًا يَسْمَع، أو شاهدًا يرى؛ لقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾، وقولِه أيضًا: ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ فَإنَّ الَّذي يمكن أَنْ يُخبِر هُوَ مَن حضر فسمع، أو مَن قرُب فشَاهد، أما إنسانٌ يُخبر دون شهادة، أو دون شهود، أو حضور؛ فإنّه لا يُقْبَل خبرُه، وَهَذَا أَمرٌ معلوم مِن الشرع مِن جهَة أخرى، مِن آياتٍ أخرى، وأدلة أُخرى، أَنَّ الإنسَانَ لا يشهد إلا بما عَلِم برؤية، أو سماع، أو غيرهما مِن أَسبَاب العِلم.
* * *
стр. 211
الآية (٤٥)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أُمَمًا مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ، فَنَسُوا الْعُهُودَ، وَانْدَرَسَتِ الْعُلُومُ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، فَجِئْنَا بِكَ رَسُولًا، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْك خَبَرَ مُوسَى وَغَيْرِهِ ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مُقِيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خَبَرٌ ثَانٍ، فَتَعْرِفَ قِصَّتَهُمْ، فَتُخْبِرَ بِهَا ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لَكَ وَإلَيْكَ بِأَخْبَارِ المُتَقَدِّمِينَ].
قوله تعالى: ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: وأَوْجَدْنا وخَلَقْنَا أُمَمًا.
وقوله ﵎: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: زاد في الطُّول، والتاء والأَلِفُ للمُبالَغة، وقوله تعالى: ﴿الْعُمُرُ﴾: الزَّمَن؛ لأنَّ الأعمار هي الأزمان، قال: أي طالت أعمارُهم فنسُو العُهود، واندرست العُلوم، وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا، وأوحينا إليك خبرَ موسى وغيره.
قوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾ الاستدراك هنَا لَا يقتضي إبطالَ ما سبق، فليس المعنى: وما كنتَ مِن الشاهدين، ولكنا أنشأنا قُرونا فَشَهِدَت، وَلَكن هذا مِن الاستدراك لتقرير مَا سَبَقَ، والمعنى: أن العُهود طالت، وأنت لَسْتَ بشاهد،
стр. 212
ولا بحاضِرٍ، ولما طالت العُهود صار النَّاس يَحتَاجونَ إلَى الرِّسالَة، فأوحينا إليك بما جرى، وأرسلناك إلى النَّاس.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مُقيمًا.
وقَولُه ﵎: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ المراد بأهل مَدْيَنَ القومُ الذين أتى إلَيْهِم موسَى ﵊، وجرى معه ما ذُكر مِن استئجاره وتزويجه، وسَيْرِه بأهله، وَلَم يَكن الرَّسول ﷺ مُقيمًا في أهل مَدْيَن حتى يُخْبِرَ عما حصل منه، وإنما جَاءَ به عَن طَريق الوحي.
وقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبرٌ ثانٍ، والخبر الأول جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وَمَا كنتَ تتلو عليهم آياتنا فتعرف قصتهم فتُخبر بها، وَالضَّمير في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ظاهر كلام المُفَسِّر ﵀، وَهُوَ أَيضًا ظاهر سياق الآية أنَّه يَعود إلَى أهل مَدْيَنَ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فتعرف قصتهم، وتخبر بها.
وَقَالَ بَعضُ المفَسِّرينَ: إنَّ الضَّمير يَعُود عَلَى قريش، أي: مَا كنت ثاويًا في أَهل مَدْيَن، فتتلو عليهم القصةَ التي قصصتها بآياتنا.
وهذا أَقرَبُ إلَى المعنى، وإن كان الأولُ أَقرَبَ إلَى اللفظ؛ لأن الضَّمير يَعود عَلَى أقربِ مَذْكُور، لَكنَّه لَا يَعُود عَلَى أَهل مَدْيَنَ إلا بِتَعَسُّف شديد، فالصَّواب أنه يَعود عَلَى قرَيش، يعني: مَا كنت ثاويًا في أَهْل مَدْيَنَ فتتلُو عليهم القصة التي جاءت في آياتنا.
إذن: فأنت رسولٌ؛ لأنك أتيتَ بما لَم يمن شاهدًا فيه، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾:
стр. 213
مُرسِلين لك إلَى النَّاس، وإليك بالوحي، فالرَّسُول ﵊ مرسَل للنَّاسِ، ومرسَل إليه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، كان: فعلٌ ماضٍ، وهي مسلوبة الزّمَن، والمقصود بها اتصافُ اسمِها بخبرها، ونلاحظ استخدام الجمع في الكلمات الثَّلاثَة مَعَ أَنَّ اللَّهَ واحِدٌ، ولكن الضَّمير (نا) يُستخدم للدَّلَالَة على الجَمع، ويُستخدم في حق المفرد للدَّلَالَة عَلَى التعظيم، وهنا في حَقّ اللَّه يُستخدم للتعظيم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، وَلَم يَقُل: ولكن أرسلناه، كَمَا قَالَ في الآية الَّتي قَبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾؛ لأنَّ الرِّسالَة ما زالت في الخَلق منذ اختلفوا إلى آخِر الرُّسل محمد ﷺ ، فَقَدِ اختَلَفُوا بَعد آدم بَعْدَ أن مضت قُرون؛ إمَّا عَشَرة، أو أَقَلّ، أو أكثر.
قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فتقول الآية ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فاختلفوا، فأنزل اللَّه الرسالات.
والْفَائِدَةُ مِن ذِكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ لِيَتْلُوَهَا علينا هي التَّقرير بأنه نبيٌّ؛ لأنَّه مَا كَانَ يتلو مِن قَبْلِه مِن كتاب، ولا يَخطُّه بيمينه، إذن يكون ما أخبر به عمَّن سَبَق مِن بَاب الوحي المجرد.
* * *
стр. 214
الآية (٤٦)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾: الجَبَلِ، ﴿إِذْ﴾ حِينَ ﴿نَادَيْنَا﴾ مُوسَى: أَنْ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴿وَلَكِنْ﴾ أَرْسَلْنَاكَ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ].
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبرٌ آخَرُ غيرُ الخبر الأول الذي فيه ابتداءُ الوحي؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بعدما أهلك القرونَ الأُولى وَعَد موسى ثلاثين ليلة، وأتَمَّها بِعَشْرٍ، واختار مَن اختار مِن قومه، ثم ذهب إلَى اللَّه لمُنَاجَاتِه، وإنزال التَّوراة عليه، يَقُول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، ﴿بِجَانِبِ﴾ أي: جهة الطور، أو قُرب الطُّور، والطُّور: هو الجَبل المعروف في سيناء، ﴿إِذْ﴾ حين، أفاد المُفَسِّر ﵀ بأن ﴿إِذْ﴾ هنا ليست تعليلية، ولكنَّها ظرفية، وهي ظرفٌ لِمَا مضي مِن الزَّمان، و (إذا) ظرف لما يُستقبَل، و (إذن) ظرفٌ للحاضر، وبهذا استُكملت الظروف الثَّلاثَة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أَنْ خُذِ الكتَابَ بقوَّة، هذا وَهَمٌ مِنَ المُفَسِّر ﵀؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال لبَني إسرَائيلَ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، ودَعْنَا نتأملُ بَعْدُ في قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
стр. 215
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]، إذن قول المُفَسِّر ﵀: [أَنْ خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ] بمعنى أتي بها، وإلَّا فاللَّه يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي: الألواح التي فيها التَّوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يقول: إذن، أمر موسى أن يأخذ الألواح بِقُوَّة.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، اعتدنا أَنَّ قَولَه تعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولُ لِأَجْلِه عامِلُها محذوفٌ، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنَّه هو الرَّحْمة، ولكن المعنى: أنه أرسل بالرَّحْمة ليَرحَمَ اللَّه به، فالرَّحْمة مِنَ اللَّه ، وأرسله اللَّه رحمةً، كَمَا قَالَ تعالى في آيَة أخرَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وليس المعنى: وما أرسلناك إلا حالَ كونِك رحمة، ولكن: إلَّا مِن أَجْلِ الرَّحْمة، فبينَ المعنيين فرقٌ.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أضاف الرُّبوبية إلى الرَّسول ﷺ عَلَى سَبيل التَّخصيص والتشهير، وهذه هي الرَّحْمة الخاصة، وهناك رحمة عامَّة، وفيها دليل، أي في قَوْلِهِ: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، عَلَى أَنَّ إرسال النَّبيّ ﷺ إلى الخَلق؛ ليرحموا به أَنَّه مِن الرُّبوبية الخاصة؛ لأنَّ مِن نعمَةِ اللَّه عَلَى العَبد أن يُلْهِمَه الهدى ليَهْدِيَ النَّاسَ به؛ فإنَّ هَذَا في الحَقيقَة مِن أبر النعم، فالنَّبيّ ﵊ أُوحِيَ إليه ليرحَم الخَلق بما أُوحِيَ إلَيه، وهذا مِن مقتضى الرُّبوبية الخاصة، وَلهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وَلَم يَقُل: مِن رَبّهم، فمعنى ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: الذي ربَّاك تربية خاصة.
قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ اللام هنا حَرفُ جَرٍّ؛ لأنَّها داخلةٌ على (أَنْ) المقَدَّرَة، أي: لأَن تُنْذِرَ، ثم تحوَّل إلى مَصدر، فيكون لإنذارك ﴿قَوْمًا﴾، فعلى مذهب البصريين تكون اللام حَرف جَرٍّ، وتُنْذِر: فعلٌ مُضارع منصوب بـ (أَنْ) مُضْمَرَة جَوازًا بعد اللام.
следующие страницы →