← Тафсир

Тафсир · id 21805

تفسير العثيمين: القصص

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الآية (٤٥) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾ أُمَمًا مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ، فَنَسُوا الْعُهُودَ، وَانْدَرَسَتِ الْعُلُومُ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، فَجِئْنَا بِكَ رَسُولًا، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْك خَبَرَ مُوسَى وَغَيْرِهِ ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مُقِيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خَبَرٌ ثَانٍ، فَتَعْرِفَ قِصَّتَهُمْ، فَتُخْبِرَ بِهَا ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لَكَ وَإلَيْكَ بِأَخْبَارِ المُتَقَدِّمِينَ]. قوله تعالى: ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: وأَوْجَدْنا وخَلَقْنَا أُمَمًا. وقوله ﵎: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ أي: زاد في الطُّول، والتاء والأَلِفُ للمُبالَغة، وقوله تعالى: ﴿الْعُمُرُ﴾: الزَّمَن؛ لأنَّ الأعمار هي الأزمان، قال: أي طالت أعمارُهم فنسُو العُهود، واندرست العُلوم، وانقطع الوحي، فجئنا بك رسولًا، وأوحينا إليك خبرَ موسى وغيره. قوله ﵎: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا﴾ الاستدراك هنَا لَا يقتضي إبطالَ ما سبق، فليس المعنى: وما كنتَ مِن الشاهدين، ولكنا أنشأنا قُرونا فَشَهِدَت، وَلَكن هذا مِن الاستدراك لتقرير مَا سَبَقَ، والمعنى: أن العُهود طالت، وأنت لَسْتَ بشاهد،

стр. 212

ولا بحاضِرٍ، ولما طالت العُهود صار النَّاس يَحتَاجونَ إلَى الرِّسالَة، فأوحينا إليك بما جرى، وأرسلناك إلى النَّاس. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ أي: مُقيمًا. وقَولُه ﵎: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ المراد بأهل مَدْيَنَ القومُ الذين أتى إلَيْهِم موسَى ﵊، وجرى معه ما ذُكر مِن استئجاره وتزويجه، وسَيْرِه بأهله، وَلَم يَكن الرَّسول ﷺ مُقيمًا في أهل مَدْيَن حتى يُخْبِرَ عما حصل منه، وإنما جَاءَ به عَن طَريق الوحي. وقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ خبرٌ ثانٍ، والخبر الأول جملة ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ يعني: وَمَا كنتَ تتلو عليهم آياتنا فتعرف قصتهم فتُخبر بها، وَالضَّمير في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ظاهر كلام المُفَسِّر ﵀، وَهُوَ أَيضًا ظاهر سياق الآية أنَّه يَعود إلَى أهل مَدْيَنَ، ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ فتعرف قصتهم، وتخبر بها. وَقَالَ بَعضُ المفَسِّرينَ: إنَّ الضَّمير يَعُود عَلَى قريش، أي: مَا كنت ثاويًا في أَهل مَدْيَن، فتتلو عليهم القصةَ التي قصصتها بآياتنا. وهذا أَقرَبُ إلَى المعنى، وإن كان الأولُ أَقرَبَ إلَى اللفظ؛ لأن الضَّمير يَعود عَلَى أقربِ مَذْكُور، لَكنَّه لَا يَعُود عَلَى أَهل مَدْيَنَ إلا بِتَعَسُّف شديد، فالصَّواب أنه يَعود عَلَى قرَيش، يعني: مَا كنت ثاويًا في أَهْل مَدْيَنَ فتتلُو عليهم القصة التي جاءت في آياتنا. إذن: فأنت رسولٌ؛ لأنك أتيتَ بما لَم يمن شاهدًا فيه، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لك وإليك بأخبار المتقدمين، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾:

стр. 213

مُرسِلين لك إلَى النَّاس، وإليك بالوحي، فالرَّسُول ﵊ مرسَل للنَّاسِ، ومرسَل إليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، كان: فعلٌ ماضٍ، وهي مسلوبة الزّمَن، والمقصود بها اتصافُ اسمِها بخبرها، ونلاحظ استخدام الجمع في الكلمات الثَّلاثَة مَعَ أَنَّ اللَّهَ واحِدٌ، ولكن الضَّمير (نا) يُستخدم للدَّلَالَة على الجَمع، ويُستخدم في حق المفرد للدَّلَالَة عَلَى التعظيم، وهنا في حَقّ اللَّه يُستخدم للتعظيم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، وَلَم يَقُل: ولكن أرسلناه، كَمَا قَالَ في الآية الَّتي قَبلها: ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا﴾؛ لأنَّ الرِّسالَة ما زالت في الخَلق منذ اختلفوا إلى آخِر الرُّسل محمد ﷺ ، فَقَدِ اختَلَفُوا بَعد آدم بَعْدَ أن مضت قُرون؛ إمَّا عَشَرة، أو أَقَلّ، أو أكثر. قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فتقول الآية ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فاختلفوا، فأنزل اللَّه الرسالات. والْفَائِدَةُ مِن ذِكر أخبار المتقدمين للرسول ﷺ لِيَتْلُوَهَا علينا هي التَّقرير بأنه نبيٌّ؛ لأنَّه مَا كَانَ يتلو مِن قَبْلِه مِن كتاب، ولا يَخطُّه بيمينه، إذن يكون ما أخبر به عمَّن سَبَق مِن بَاب الوحي المجرد. * * *

стр. 214

الآية (٤٦) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾: الجَبَلِ، ﴿إِذْ﴾ حِينَ ﴿نَادَيْنَا﴾ مُوسَى: أَنْ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴿وَلَكِنْ﴾ أَرْسَلْنَاكَ ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ]. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، هذا خبرٌ آخَرُ غيرُ الخبر الأول الذي فيه ابتداءُ الوحي؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بعدما أهلك القرونَ الأُولى وَعَد موسى ثلاثين ليلة، وأتَمَّها بِعَشْرٍ، واختار مَن اختار مِن قومه، ثم ذهب إلَى اللَّه لمُنَاجَاتِه، وإنزال التَّوراة عليه، يَقُول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾، ﴿بِجَانِبِ﴾ أي: جهة الطور، أو قُرب الطُّور، والطُّور: هو الجَبل المعروف في سيناء، ﴿إِذْ﴾ حين، أفاد المُفَسِّر ﵀ بأن ﴿إِذْ﴾ هنا ليست تعليلية، ولكنَّها ظرفية، وهي ظرفٌ لِمَا مضي مِن الزَّمان، و (إذا) ظرف لما يُستقبَل، و (إذن) ظرفٌ للحاضر، وبهذا استُكملت الظروف الثَّلاثَة. قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أَنْ خُذِ الكتَابَ بقوَّة، هذا وَهَمٌ مِنَ المُفَسِّر ﵀؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال لبَني إسرَائيلَ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣]، ودَعْنَا نتأملُ بَعْدُ في قَوْلِهِ ﵎: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً

стр. 215

وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥]، إذن قول المُفَسِّر ﵀: [أَنْ خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ] بمعنى أتي بها، وإلَّا فاللَّه يقول: ﴿فَخُذْهَا﴾ أي: الألواح التي فيها التَّوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾، يقول: إذن، أمر موسى أن يأخذ الألواح بِقُوَّة. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ﴾ أرسلناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، اعتدنا أَنَّ قَولَه تعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ مفعولُ لِأَجْلِه عامِلُها محذوفٌ، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً﴾ ليس المعنى أنَّه هو الرَّحْمة، ولكن المعنى: أنه أرسل بالرَّحْمة ليَرحَمَ اللَّه به، فالرَّحْمة مِنَ اللَّه ، وأرسله اللَّه رحمةً، كَمَا قَالَ تعالى في آيَة أخرَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وليس المعنى: وما أرسلناك إلا حالَ كونِك رحمة، ولكن: إلَّا مِن أَجْلِ الرَّحْمة، فبينَ المعنيين فرقٌ. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أضاف الرُّبوبية إلى الرَّسول ﷺ عَلَى سَبيل التَّخصيص والتشهير، وهذه هي الرَّحْمة الخاصة، وهناك رحمة عامَّة، وفيها دليل، أي في قَوْلِهِ: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، عَلَى أَنَّ إرسال النَّبيّ ﷺ إلى الخَلق؛ ليرحموا به أَنَّه مِن الرُّبوبية الخاصة؛ لأنَّ مِن نعمَةِ اللَّه عَلَى العَبد أن يُلْهِمَه الهدى ليَهْدِيَ النَّاسَ به؛ فإنَّ هَذَا في الحَقيقَة مِن أبر النعم، فالنَّبيّ ﵊ أُوحِيَ إليه ليرحَم الخَلق بما أُوحِيَ إلَيه، وهذا مِن مقتضى الرُّبوبية الخاصة، وَلهَذَا قَالَ: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وَلَم يَقُل: مِن رَبّهم، فمعنى ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: الذي ربَّاك تربية خاصة. قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ اللام هنا حَرفُ جَرٍّ؛ لأنَّها داخلةٌ على (أَنْ) المقَدَّرَة، أي: لأَن تُنْذِرَ، ثم تحوَّل إلى مَصدر، فيكون لإنذارك ﴿قَوْمًا﴾، فعلى مذهب البصريين تكون اللام حَرف جَرٍّ، وتُنْذِر: فعلٌ مُضارع منصوب بـ (أَنْ) مُضْمَرَة جَوازًا بعد اللام.

стр. 216

وعلى مذهب الكوفيين تَكون اللَّام هي الناصبة، لكنَّ البصريين أَدَقُّ منهم في هَذِهِ الناحية، بل حَقيقَة الأَمر أَنَّ اللام حَرف جَرٍّ، وأنَّ (أَنْ) هي الناصبة مُقَدَّرة، ومُتعلق ﴿لِتُنْذِرَ﴾ المحذوف الذي قدَّره المُفَسِّر ﵀ [أَرْسَلْنَاكَ]. قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ الإنذار هو الإعلام بما يخَاف، والإعلام بما يرغَب يسَمى بِشارة، أو تبشيرًا، وقوله: ﴿قَوْمًا﴾ المراد بهم قريش، وَلَا يَعني ذَلكَ أَنَّ الرَّسُول ﷺ مبعوث إلَيْهِم خاصَّة، ولكن لأنَّ أوَّلَ مَن أَنْذَرَهُم كانت قريش، وإلَّا فَقَدْ بُعث لهم ولغيرهم، قَالَ ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ﴾ [الفرقان: ١]، مِن قريش وغيرهم. قوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ﴿مَا﴾ نافِيَة، و ﴿أَتَاهُمْ﴾ بمعنى: جاءهم، و ﴿مِنْ﴾ حَرف جَرٍّ زائدٌ؛ إعرابًا لا مَعْنًى، و ﴿نَذِيرٍ﴾ فاعلُ (أتى)، يعني: ما جاءهم نذيرٌ، وفائدة زيادة ﴿مِنْ﴾ أنَّ التنصيص على العُموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أَحَدٌ يُنذرهم قَبْلَ الرَّسول ﷺ ، وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ﴾، والجملة في محل نَصْبٍ صِفَةٌ لـ ﴿قَوْمًا﴾. وقوله: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ]، هَذَا تَفسير القوم، وَهَذَا لَا يُنافِيه أن إسماعيلَ ﵊ قد أتاهم قَبْلَ النَّبيّ ﷺ ، فَقَد يَكون قد طال العهد، حتى انْمَحَتْ رسالة إسماعيل، فصاروا محتاجين إلى نذير، ولم يأتهم نذير، فأتاهم رَسولُ اللَّه ﵊ بَعدَ أَنِ انقرضت مَعَالِمُ رسالة إسماعيلَ، وإلَّا فلا ريب أَنَّ إسمَاعيلَ مُرْسَل إلَيْهِم؛ لأنَّهُ نبي، ولكنه انقرض، وَلهَذَا كَانَ مِن دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩].

стр. 217

وأجمع المُفَسِّرون عَلَى أَنَّ المرَادَ به محمد ﷺ ، فمنذ إسماعيل إلَى أَنْ بُعِثَ الرَّسُولُ ﷺ ما جاءهم نبي، وانقرضت معالِمُ النُّبُوَّة، وكان أَوَّلَ مَن غيَّرها عَمْرُو بنُ لَحْيٍ الخُزَاعِي؛ فإنه هُوَ الَّذي أدخل عبادةَ الأصنام، وأدخل السوائب على العرب، حتى انمحت به الحقيقة. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: (لَعَلَّ) هَذِهِ للتَّعلِيل، وهي متعلقة بـ (تُنْذِر)، أي: تُنذرهم لأَجْل أَنْ يتذكروا، أي: يَتَّعِظُوا بما جئتَ به، وهذا التَّعلِيل سنذكُره في الفوائد إنْ شَاءَ اللَّهُ. * * *

стр. 218

الآية (٤٧) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبةً، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مِن الكُفر وغيره، ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ المرسَلَ بها، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وَجَوَابُ (لَوْلَا) مَحْذُوفٌ، وَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ، وَالمَعْنَى: لَوْلَا الْإِصَابَةُ المُسَبَّبُ عَنْهَا قَوْلهمْ، أَوْ لَوْلَا قَوْلُهُمْ المُسَبَّبُ عَنْهَا لَعَاجَلْنَاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَلمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَيْهِمْ رَسُولًا]. قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا﴾ هنا تكررت مرتين، وَفي كلّ مَوضع لها معنى يختلف عن المعنى في المَوضع الآخَر، الأول قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الضَّمير يَعود عَلَى قرَيش: أَهل مَكَّةَ، وإصابة الشَّيْء بمعنى نُزوله، أي: تنزل به مُصيبة، والمراد بالمُصيبة هنا العُقوبة؛ بسبب كُفرهم، و (لَوْلَا) حَرْفُ امتناعٍ لوُجُود، و (أَنْ) وما دَخَلَتْ عَلَيه في تأويل مَصْدَرٍ مبتدأ، وجواب (أَنْ) محذوف كما يُقَدِّرُه المُفَسِّر ﵀، وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾ أي: بسبب، و (مَا) اسمٌ موصول، أي: بسبب الذي قَدَّمَت أيديهم، والمراد بـ ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ أنفسُهم، أي: بما قَدَّمُوه، وعَبَّر باليد عن النفس؛ لأنَّ اليَدَ في الغالِب هي آلة العَمَل.

стр. 219

واعلم أَنَّ هنَاكَ فَرقًا بين إضافَة الفِعْل إلى اليد، وإضَافَةِ الفِعل إلى النَّفس بواسطة اليَدِ، فمثلًا: قَولُه تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]، أي: مما عَمِلْنَاه، أي: مما خَلَقْنَاه، وَلَيسَ المرَادُ أَنَّ اللَّهَ خَلَق الأنعامَ بِيَدِهِ، وَأَمَّا قَوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فهنا أَضَافَ الفِعل إلَى نَفسه، ثم جَعَل اليدَ واسطةً، فيدُلُّ عَلَى أَنَّ آدم خُلِق بِيَد اللَّه. كذلك -مثلًا- لو قلتَ: بما عَمِلْتَ بِيَدِك، أو بما قَدَّمَت يداك. فهنا نقول: الإِنْسَان عَمِل الشَّيْء نَفْسَه، لكن بِيَدِه. أمَّا إذا قلتَ: بما عَمِلَتْ يَدَاك، أَو بما قَدَّمَت يداك، فالمراد بما عَمِلْتَ، سواء عَمِلْتَه بواسطة اليَد، أو بالعَين، أو بالرِّجل، أو باللسان، المهم أنه يضاف إليك. فقولُه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ليس كقولِه: بما قَدَّمُوا بأيديهم؛ لأنَّ الأول المراد، سَوَاء كَانَ باليد، أو بالرِّجل، أو بالعَيْنِ، أو بالأُذُن، أو باللسان، وقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ مِنَ الكُفر وغيره. صحيح أنَّ المصائِبَ ما تكونُ إلا بالمعاصِي، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهنا قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بسبب كُفرهم، ﴿فَيَقُولُوا﴾ الفاءُ حرفُ عطف، و (يَقولوا) معطوف على ﴿تُصِيبَهُمْ﴾ أي: فأنْ يقولوا متى: بعد المصيبة، ﴿فَيَقُولُوا﴾ مُحْتَجِّينَ عَلَى اللَّه: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ﴾ يعني: هلَّا أرسلتَ إلينا رسولَّا قَبْلَ أَنْ تُصِيبَنا بالعقوبة ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهي حُجَّة لهم، لو أُصِيبوا بغير أَنْ يُرسَلَ إلَيْهِم رسولٌ لكان ذلك حُجَّة؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ويقول: ﴿وَمَا كُنَّا

стр. 220

مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فلولا هَذَا الأَمر أَنْ يُصابوا بكفرهم وذُنوبهم، ثم يحتجُّوا على ربهم بأَنَّه لَم يُرسِل إلَيْهِم رسولًا. وجواب (لولا) -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَجَوَابُ (لَوْلَا) مَحْذُوفٌ، وَمَا بَعْدَهَا مُبْتَدَأٌ]، يعني: والخبر محذوف معروف، [وَالمَعْنَى: لَوْلَا الإِصَابَةُ المُسَبَّبُ عَنْهَا قَوْلُهُمْ، أَوْ لَوْلَا قَوْلهمُ المُسَبَّبُ عَنْهَا لَعَاجَلْنَاهُمْ بِالعُقُوبَةِ، أَوْ وَلمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا]. وكأنَّ المُفَسِّر ﵀ جعل الجوابَ مُرَكَّبًا مِن إثباتٍ ونَفْيٍ، فالإثبات قولُه: لَعاجَلْناهُم بالعُقوبة، والنفي: ولمَا أرسلناك إلَيْهِم؛ لأَنَّ اللَّهَ ذَكَر أمرين: الإصابة، وقولهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، فكان الجواب أيضًا مُركَّبًا مِن أمرين، وَيَجوز أَنْ يَكونَ الجوابُ مُرَكَّبًا مِن أحد الأمرين، أي: لَعَاقَبْنَاهُم، أو لمَا أرسلناك إلَيْهِم؛ لأن المعنى يَتِمُّ دُونَ تقدير الأمرين جميعًا. وَعَلَى هَذَا، فتكون (الواو) هنا -في كَلَام المُفَسِّر ﵀ بمعنى (أو). وأظنّ أن الآيةَ معناها واضحٌ مِن حَيْثُ الإجمالُ: أنَّه لَولَا أَنَّ هَؤلَاء الكفَّار المستحقّين للعُقوبة بسبب كُفرهم أن يحتجُّوا بأَنَّه لَم يُرْسَل إلَيْهِم رسولٌ لَعَاقَبْنَاهُم دُونَ أَنْ نُرْسِلَك، أو لمَا أرسلناك إلَيْهِم، فيكون إرسال النَّبيّ ﵊ إقامةً للحُجَّة عليهم، ودفعًا لحُجَّتِهم، ودَحْضًا لها. فكأن النَّبيّ ﷺ الآن أُرسل إلَيْهِم قَبلَ أَنْ يؤخَذوا بالعقوبة، وهذا يقتضي أنَّهم إذا كَذَّبوه كانوا مستحقين للعقوبة؛ لأن الحُجةَ التي يحتجّون بها قد زالت. فما فهمناه مِن كلام المُفَسِّر ﵀ أن ﴿لَوْلَا﴾ الأولى شَرطية، وهي حرف

стр. 221

امتناعٍ لِوُجُودٍ، و ﴿لَوْلَا﴾ الثَّانية تَحْضِيضِيَّة، بمعنى: هَلَّا، وقوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾ معطوف عَلَى قَوْلِه: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ منصوب بـ (أَنْ) مُضْمَرَة بَعْدَ فاء السَّببِيَّه الواقعة جوابًا لـ ﴿لَوْلَا﴾ التحضيضية. يقول ابنُ مالك (١): وبَعْدَ (فَا) جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ ... مَحْضَيْنِ (أَنْ) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ يعني: أنَّ (أَنْ) تَنْصب بَعْدَ (الفاء) الوَاقعَة في جواب طلبٍ، أو نَفْيٍ مَحضَيْنِ، وسَتْرُها -أي: حذفُها وُجُوبًا- حَتْمٌ، و (الفاء) تَنْصِبُ بـ (أَنْ) وُجوبًا بَعْدَ تِسعة أساليبَ، مجموعة في قَول الناظم (٢): مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لحَضِّهِمُوا ... تَمنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْ كَمُلَا إذا وقعت الفاءُ جوابًا لواحِدٍ مما سَبَقَ، فإنه يُنْصَبُ الفِعْلُ بَعْدَهَا بـ (أَنْ) مُضْمَرَة. ومعنى هَذَا البَيت هو: (مُرْ): إشارة للأمر، كما تقول: انزل عندنا فنُكرمَك. (وادْعُ) هذا دعاءُ اللَّه، قَالَ الشَّاعر (٣): رَبِّ وَفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ ... سَنَنِ السَّاعِينَ فِي خَيْرِ سَنَنْ

стр. 222

وتقول: رب وفّقني فأعملَ صالحًا. (وانهَ) النهي، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]. (وسَلْ) الاستفهام، قَالَ تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]. (واعْرِضْ) أي: العَرض، كَمَا في قَول القائل: ألا تنزل عندي فتُصيبَ خيرًا. (لِحَضِّهِمُو) هذا التحضيض منه هَذِهِ الآيَة ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤]. (تَمنَّ) المُرَاد بِهِ التمني، تقول: ليت لي مالا فأتصدَّقَ منه. (وارْجُ) أي الترجِّي، قَالَ تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. (كذاك النفي) تقول: ما تَعَلَّم زيد فيُعَلِّمَك. فهذه تسعة مواضعَ إذَا وَقَعَت الفاء بعدها؛ فإنه يُنصَب الفعل بـ (أَنْ) مُضمَرة. قوله تعالى: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [المُرْسَلُ بِهَا، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَجَوَابُ (لَوْلَا) مَحْذُوفٌ]. والمعنى: أنَّنا أرسلناك يَا مُحَمَّد؛ إقامةً للحُجة عليهم، ورحمةً بهم أن يُصيبَهم العذابُ بِدُونِ أن يَصِلَ إلَيْهِم رسول. * * *

стр. 223

الآية (٤٨) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ مُحَمَّد ﴿مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ مِنَ الآيَاتِ، كَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَالْعَصَا وَغَيْرِهِمَا، أَوِ الْكِتَابُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، قَالَ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ حَيْثُ ﴿قَالُوا﴾ فِيهِ وَفِي مُحَمَّدٍ "سَاحِرَانِ"، وَفِي قِرَاءَةٍ ﴿سِحْرَانِ﴾ أَي الْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ ﴿تَظَاهَرَا﴾ تَعَاوَنَا ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْكِتَابَيْنِ ﴿كَافِرُونَ﴾]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾، والحق -كما ذكرنا- هو الشَّيْء الثابت، وأنّه فيما يُقابِل الأوامِرَ هُو العَدْل، وفيما يُقابِل الأخبارَ هُو الصِّدق، والمرادُ بالحق هنا -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: محمد ﷺ ، وكأنَّه عَدَلَ به عَن المعنى الظَّاهر مِن أَجْل قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾ هَذَا الحَقّ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، فكأنَّ المُفَسِّر ﵀ عَدَل عن معنى الحق الظاهر إلَى أَنْ تَكون محمد ﷺ في هَذَا، ولكن الصَّواب أنَّ المرادَ بالحق الوحيُ الذي نَزل على محمد ﷺ ، وَلهَذَا قَالَ:

стр. 224

﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القُربَ، وأن يكون ذَلكَ مِنَ اللَّه، وَهَذَا لَا يُتصور أنه محمد ﷺ ، بَل هُوَ الحَقّ الذي جاء به، كَمَا أَنَّ مِثل هَذِهِ الآيَة ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جَميع مواضع القُرْآن هي مطَّردة أَنَّ المرَادَ به الوحي الذي نزل عَلَى محَمَّد ﷺ . ولهذا يكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمدٌ الَّذي جَاءَ بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا، ولا تَكَلُّفَ فيه. وقد يحتجُّ علينا مَن يقول: إِنَّ الضَّمير في قَوْلِهِ ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أَنَّ المرَادَ بالحق هو محمد. ولكننا نُجيبه قائلين: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلكَ مَا دَامَ أن الحقَّ جاء، والذي جَاءَ به هُوَ محَمَّد، فيكون معلومًا أنَّ قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ هُوَ الَّذي جَاءَ بالحقّ، وليس محمد هُوَ الحَقَّ، ولهذا ليس (الحَقُّ) مِن أَسمَاء الرَّسُول ﵊، فهو ﷺ صادق فيما جَاءَ به مِنَ النبوة، ولكنَّه جاء بالحق. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، الضَّمير في ﴿قَالُوا﴾ يَعود عَلَى قرَيش، و ﴿لَوْلَا﴾ هنا تحريضيَّةٌ، وليست شَرطيَّةً، وهي بمعنى: هلَّا. وقَولُه تعالى: ﴿أُوتِيَ﴾ أي: أُعطي، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني: مِن الآيات، مِثلَ ما أُعطي موسى مِنَ الآيات. وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلْنَاه عائدًا إلى قُرَيْشٍ؛ لأن قريشًا -كَمَا هُوَ معلوم- قوم أُمِّيُّون، لَا يَعلَمونَ عن الرُّسُل شيئًا، فكيف يعارضون بقصة موسى؟ وقد أجاب المُفَسِّرون عن ذلك، بأنَّ قريشًا كانت عندَما بُعث الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ

стр. 225

تراسل اليهودَ، وتقول: جاءنا رَجُل يقول إنه نبيٌّ، فما علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبرهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريش النَّبيَّ ﷺ بالآيات الَّتي جَاءَت لموسى. ويحتمل أَنَّ قَولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ عائدٌ إلى اليَهُود؛ لأن الرَّسُول ﷺ مبعوث إلَيْهِم، ويؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه بَعدَ ذَلكَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. قوله: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: المراد هنَا هُوَ محمد ﷺ ، وَقَد يَكون المرَاد هو القُرْآن، ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾: أي: أتيَ بوحيٍ مِثل التَّوراة، وغيرها مِنَ الآيَات كالعَصا واليَد. قوله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الضَّمير يَعود عَلَى جنس البَشر، أي: إنَّ آيات موسَى لَم تنفع أيضًا، فقد كفرَ بها مَن كَفر مِن النَّاس، فاقتراحكم أَن تَكونَ آياتُ محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بِمُوجِبٍ للإيمان؛ لأن آياتِ موسى كُفِرَ بها. قوله تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ فيها قراءة ثانية، "قَالُوا سَاحِرَانِ" (١)، وعلى القِراءَة التي بين أيدينا، فالمراد محمد وموسى، وعلى القِراءَة الثَّانية يَكونُ المُرَاد التَّوراة والقُرْآن. قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاوَنَا.

стр. 226

من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها تكذيب دعوى هؤُلاءِ في قَوْلِهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾؛ فإنَّه قد جاءهم الحق مع الرَّسُول، ومعَ ذلك كذَّبوا: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا جَاءَ به النَّبيّ ﷺ هُوَ الحَقُّ، والحق بمعنى: الشَّيْء الثابت، وهو بالنِّسبة للأخبار الصدق، وبالنِّسبة للأحكام العدل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ ما خالف ما جَاءَ به النَّبيُّ ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، فكلُّ خبر يتضَمَّن تكذيبَ خَبَرِ اللَّه ورسولِه، فهو الكَذِب، فمثلا: إذَا قَالَ قَائل: أصلُ الإِنْسَان قِرْدٌ، ثم تطوَّر فصار إنسانًا! ! نقول له: هذا كذِبٌ؛ لأَنَّهُ يخالف مَا جَاءَ به النَّبيُّ ﷺ . وإذا شَرَّع الإِنْسَان قوانين مخالفةً للشرع، قلنا: هذا باطِلٌ وضلالٌ؛ لأنَّ الحق فيمَا جَاءَ به الشرع فقط. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ عُتُوّ المكَذِّبين للرَّسول ﵊ وعنادهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بَعدَ أَن قَالُوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قريشًا كانَ عندَهم بعضُ المعْلوماتِ عن الرُّسل السَّابِقين، حَيث قَالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، وقد حصلوا عَلَى هَذَا العِلم عَن طَريق اليهود؛ لأنَّهُم لما جاء الرَّسول ﷺ وبُعث، أَرْسَلُوا إلَى اليَهود يسألون عن أخبار هَذَا الرَّجل، فكتبوا لهم بما يعرفون مِن أخباره، وبما جَاءَ به موسى. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثْباتُ رِسالَة مُوسَى ﷺ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.

стр. 227

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ موسَى ﷺ أعطاه اللَّه تعالى آيات يُؤمِن على مثلها البَشر، وَهَذَا لَيسَ خاصًّا به، بَل هُوَ لكل رسول بَعَثَهُ اللَّه فـ "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ" (١)؛ لأن البَشَر لا تُصَدِّق رَجُلًا قال: أنا رَسول اللَّه إليكم آمُركم بكذا، وأنهاكم عن كذا، واتركوا مَا كَانَ عليه آباؤكم مِن عِبادة الأصنام، واترُكُوا مَا كَانَ عَلَيه آباؤكم مِن تحريم الحلال، وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، لا يَقبلون إلا بآيات تدل على صِدقه، وتؤيده. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إبطال حُجَّة هؤُلاءِ المكذبين، بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّه يَنبَغي في مقام المنَاظَرَة والمجادَلَةِ أن يُفْحَمَ الخَصم بإبطال قوله بقوله، أو بفعله، أنه يُبطَل قولُه بمَا جَرَى منه هو؛ لأنَّ ما جرى منه لَا يمكن أَنْ يُنْكِرَهُ، ولو أَنْكَرَهُ ما قُبِلَ، فكونُنا نُقِيم الحُجَّةَ على الخَصم مِن فِعله وقوله هذا أبلغ في إفحامِه. الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أنَّ طبيعة البَشر واحدة؛ بناء عَلَى أَنَّ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ الضَّمير يَعود عَلَى جِنس الإِنْسَان؛ لأن الطبيعة البشريةَ واحدة. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّه يَنْبغي أَيْضًا عند المناظرة إبطالُ قول الخَصم بالأمر الواقع؛ فإن الآيات الَّتي جَاءَ بهَا موسى، وأبطَلَها هؤُلاءِ كُذِّبَت، وما آمَن بها البَشَر. إذن: فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة بَيِّنَة، لكن: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 228

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ أهلَ الباطل يُلَقِّبُون أهلَ الحقِّ بألقابِ السُّوء؛ تنفيرًا للنَّاسِ عن قَبُولهم، يُؤخذ هذا مِن قَولِه تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو "سَاحِرَانِ" على القِراءَة الأُخْرَى، فسواء وَصَفُوا مَا جَاءَت به الرُّسل بالسِّحر، أو وَصَفُوا الرُّسْلَ أنفسَهم بالسِّحر؛ فإنَّ المقصود بذلك تنفير النَّاس عن قَبُول مَا جَاءَت به الرُّسل. وهذه القاعدة ثابتة لِأَتْبَاع الرُّسُل؛ بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، وَاللَّهُ ﵎ قد جعل لكل نبيٍّ عَدُوَّا مِن المجرمين، والعدُوُّ مِن المجرمين عَدُوٌّ للنبي بوصفِه، بدليل أن محمدًا ﷺ قَبْلَ أَن تأتيَه الرِّسالَة وهو عند العَرب الصادق الأمين، ويرون أنَّه مِن أفضل بني هاشم، وأقوَمِهم بالعدل، فلمّا جَاءَ بالحَقّ صار عندهم الخائنَ الكذوبَ. إذا كان هؤُلاءِ المجرمون يُعادون الرُّسُلَ بوصفِهم، فمعنى ذلك أَنَّ هَذِهِ المعاداةَ ستنتقل إلى مَن تابَعَ هؤُلاءِ الرُّسُل؛ لأنَّ المعنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرُّسُل، وَعَلَى هَذَا: الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: طَمْأَنة أتباع الرُّسل، وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السُّوء، ومن المعاداة مِثل ما نالَ الرُّسُلَ، فعليهم أن يُقابلوا ذلك بالصَّبْر والثبات والقُوَّة، لا أن يُخْذَلُوا، بل عليهم أن يكونوا كَمَا كَانَ متبوعُهم الذي أمره اللَّه قائلًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّعاوُن حتَّى على الباطِل له تأثيرٌ وتقويَة، يُؤخَذ مِن قَوْلِه: ﴿تَظَاهَرَا﴾ فَإذَا كَانَ التَّعاوُن في الباطل له تأثير، فما بالُك بالتَّعاوُن في الحق؟

стр. 229

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: يَجب أَنْ نكونَ متعاونين فيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألَّا يخذل بعضُنا بعضًا، خلافًا لما كان عليه حال النَّاس اليوم؛ فإنهم في هَذَا البَاب ليسوا بمتعاونين، حتى أهل الحق، وأهل الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنَّهُم: أولًا: كلُّ وَاحد لَا يَهُمُّه إلا نَفْسُه. ثانيًا: أنهم ربَّمَا يختلفون في أَمْر بسيط جزئي مِن أُمُور الدِّين، ويتعادَوْن عَلَى ذَلكَ، فقد يختلفون في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، فهذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين. وهذا يقول: إلى المنكبَيْن. ثُمَّ يَقول: أنت على ضلال! وهو يقول: أَنت عَلَى ضلال! فما تُثْمِرُ هَذِهِ الكلمة إلا الحِقد والبغضاء والعداوة. وسبق أن قصصت عليكم قصَّة طائفتين، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأُخْرَى في مَسأَلةٍ بسيطة مِن مَسائِل الدِّين، طائفة تقول: إِنَّ السُّنة أن يضع الإِنْسَان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره. وطائفة أخرى تقول: إنَّ السُّنّةَ أن يُرْسِلَ الإِنْسَان يديه إلى جنبه. فاختلفا حتى كَفَّرت كُلُّ طائفة الأُخْرَى، وجعلتها ملعونة؛ لأنَّها تركت السُّنة عن عَمد وقَصد، والإِنْسَان الذي يكره ما أَنزَلَ اللَّهُ يكون كافرًا، وفيه خصومة عظيمة. وفي أيام الحجِّ اجتمع معهُم ناسٌ مِن التَّوعيَة، وأراحُوهم، وبَيَّنوا أَنَّ هَذَا لَا يَجوز؛ لأَنَّ هَذَا فيه ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا، فما تفعلون مع أهل الخرافات، وأهل البدع. وتعرفون قصَّة نقض الصحيفة التي كَتبَتها قريشٌ في مقاطعة بني هاشم، لم يأتِ واحدٌ مِنَ النَّاس فنَقَضَها، فهو لا يستطيع، لكنَّه ذهب إلى فلانٍ ووَبَّخه، وقال: بنو هاشم قومٌ منكم، كيف تَرْضَوْنَ أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع؟ ! وَذَهَبَ

стр. 230

إلَى آخَرَ وإلى ثالثٍ ورابعٍ، حتى إنهم كوَّنوا جماعة، فذهبوا إلَى هَذِهِ الصحيفة مِن الكعبة ومَزَّقوها. إذن: فالتَّعاوُنُ أساس النجاح، مِثل مَا قَالَ العامَّة. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: بيانُ عُتُوِّ هؤُلاءِ مِن جهة أنهم لم يُؤمِنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تقديم المعمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ يُفيد الحَصر، مَعَ أَنَّهم كفروا بهما وبغيرهما، وهذا الحَصر المقصود به إغاظةُ الخَصْمِ، كأنهم يقولون: لَوْ آمَنَّا بكل شَيْءٍ مَا كفرنا إلا بهما، وإلَّا فمعلوم أنهم يكفرون بهما وبغيرهما. وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْء غيرَ محصور في هَذَا الشَّيْء، ولكنَّه حُصر فيه؛ فَلَا بدَّ أَنَّ هناك غَرَضًا، والغَرَضُ هنَا هُوَ الإغاظة. * * *

стр. 231

الآية (٤٩) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قُلْ﴾ لهمْ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ مِنْ الْكِتَابَيْنِ ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ]. قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هنا الأمر للتعجيز والتحدي. قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ هنا الضَّمير يَعُود عَلَى التَّوراة والقُرْآن، ومعنَى ﴿أَهْدَى﴾ أكملُ هدايةً. وقوله ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ مجزومٌ في جواب الطَّلب ﴿فَأْتُوا﴾، فإذا جعلوا الغايةَ جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّهُ مِن العدل التنَزُّل مع الخَصم إلى حالٍ يُقرُّ بها؛ فإنه مِن المعلوم أَنَّ اللَّهَ يعلم أَنَّهُ لَا يمكن أَنْ يأتوا بما طُلب منهم، وذلك حين طَلب منهم أَنْ يأتوا بكتابٍ أهدى مِن التَّوراة والقُرْآن، وَذَلكَ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾، مَعَ أَنَّه يَعلَم أَنَّه يستحيل ذلك، وَلَكنَّ هَذَا مِن باب التنزُّل مَعَ الخَصم إلى غاية ما يَكونُ مِن العدل، كأنه جعلَه مع خَصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم ائتوا بكتابٍ أهدى مِن

стр. 232

التَّوراة والقُرْآن، وأنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا، فمعناه أَلْزِمْهُم أن يتبعوا التَّوراة والقُرْآن. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إفحام الخَصم بالتحدِّي، ولو أنَّنا قرأنا آخِرَ سُورة الطور لوجدنا فيها شيئًا غريبًا مِن المناظرة، مِن قَوْلِه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، إلى قوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]، تجدون آدابًا كثيرة مِن المناظرة، فقَدْ تَدَرَّجَ اللَّه معهم في الحُجَج، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، إن كَانَ الأَمر كذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣]، فَإن كَانَ الأَمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، فاللَّه في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفْحَمًا بتحدِّيه بمَا لَا يستطيع. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّوراةَ والقُرْآنَ مِن عند اللَّه، لكن القُرْآن نَزَل وَحْيًا، والتَّوراة نزلت كتَابَةً، كَتبَها اللَّه في ألواحٍ ألقاها إلى موسى. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه لَا يَلزَم الإِنْسَان الانتقال عَمَّا كَانَ عَلَيه إلَى غَيرِهِ إلَّا إذَا كَانَ أهدَى منه. فأنا -مثلًا- لا يلزمُني الانتقالُ مِن مذْهَب الحنابِلَة إلى مذْهَب الشَّافعيَّة، حتى أري أنه أَصْوَبُ؛ لأَنَّه قَالَ: ما يجب الاتباع إلَّا إذَا كَانَ ما جاءوا به أهدى منه، أَمَّا إذَا كَانَ مساويًا، فأنتم لا تُلزمونني، وأنا لا أُلْزِمُكم، إذَا كَانَ مساويًا، إنما الإلزام حينما يَكونُ مَا جاء به الخَصم أهدى مما أنا عليه، وأما إذَا كَانَ مَا في غَيْرِهِ أدنى؛ فإنه مِن بَاب أَوْلَى لا يلزم.

стр. 233

فالمراتبُ ثلاث: ١ - إمَّا أَنْ يَكونَ ما تُدعَى إليه أدنى مما أنت عليه. ٢ - أو أهدى. ٣ - أو مُساويًا. فإن كان أهدى، فالواجبُ الاتباع، وَإن كَانَ أدنى حَرُم الاتباع. أما في حَال المُسَاوَاة، فالعلماء يقولون: في مِثل هَذِهِ الحالِ يُخَيَّرُ الإِنْسَان، فإذا أفتاه عالمان، وَلَم يَكُن قولُ أحدهما أرجحَ؛ فإنه يُخيَّر في اتّباع أيِّ القولين شاء، وربما يؤخذ حُكم هَذِهِ المَسأَلة مِن هَذِهِ الآية؛ لأَنَّه مَا أوجب اللَّه الاتباعَ إلا إذَا كَانَ أهدى. ومعلومٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَدنَى، فالاتباع مُحَرَّمٌ، فيبقى المساوي ليس إلى جانب التحريم، وليس إلَى جَانِب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التحدِّي يكُون بالوَصْف، كَمَا يَكون بالفِعل، في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَأْتوُا﴾ تَحَدٍّ بِفِعْل ما هُمْ بِآتِينَ به، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تَحَدٍّ بالوصف، أَنَّ مَا أنتم عليه حَقٌّ فأتوا بهذا، وإلَّا فأنتم مِن الكاذبين، وَلهَذَا قَالَ: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * * *

стр. 234

الآية (٥٠) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دُعَاءَكَ بِالْإِتْيَانِ بِكِتَابٍ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فِي كُفْرِهِمْ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا أَضَلَّ مِنْهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ]. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي: فيما يجيئهم الكتاب مِن عند اللَّه هو أهدى منهما. قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: لا أَحَدَ أَضَلُّ، وهو استفهامٌ مَنْفِيٌّ. وهناك آيةٌ أخرى يَقُول اللَّه تعالى فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فنَجْمَع بينها، وبين الآية الَّتي بَينَ أيدينا بأنَّ آية الأحقاف في مَقَام الدعاء، وآيتَنَا هَذِهِ في مَقَام الاتِّباع. فقد تكون كل آلَهَا مَعنًى لَا يَتَعَلَّق بالثَّاني، فضلالُ الغاية باعتبار مَا هُوَ مِن جِنْسِها، هَذَا وَجْهٌ.

стр. 235

وهناك وجهٌ آخَرُ، وهو أنهما في مرتبةٍ واحدة في الضلال، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ لَا يَمنَع أن يوجد شيء يُساويه في ذلك، فيكون كُلٌّ مِنَ الأمرين قد بلغ الغايةَ في الضَّلَال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، القَدَرِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الإنسَانَ يُمكن أن يهتدِيَ بنفسِه، وليس للَّه ﵎ عليه أَيُّ سُلطة؛ لأنَّهُم يقولون عن قَدَرِ اللَّه: إِنَّ الأمر أُنُف، بمعنى: أَنَّ اللَّهَ لم يُقَدِّر أفعالَ العِباد، وأنا أفعل هذا، وأترُك هذا باختياري المجرد المحض، وليس للَّه فيه أيُّ مشيئة، ولا خَلْق، وَلَا شَيءَ. لكن قَوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يرد عليهم، كما أنه أَيْضًا يرد على الجهمية الجبرية، الذي يقولون بالجبر، بأن اللَّه تعالى نَسَب هؤُلاءِ بِفِعْلِهم إلى الظُّلم، ولو كانوا مُجْبَرِين عليه لكانت نِسبة الظلم إلَيْهِم ظُلمًا، وَاللَّهُ ﵎ لا يَظلم أحدًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: جَواز التعليق بالشرط فيما هو مُحَقَّق الوُقوع، وَهَذَا في قَوْلهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ هذا مُحَقَّقُ الوقوع، فليس فيه احتمال أَنْ يستجيبوا، فيجوزُ تعليق الشَّيْء المحقق بالشرط، وَلَو كَانَ مُحَقَّقًا أنه لن يكون، وكذلك لَو كَانَ محققًا أنه كائِنٌ، فإن الانتفاءَ هنا كائن لا مَحَالَةَ، ومع ذلك عُلِّقَ بالشرط، وفي الحَدِيث عن النَّبيِّ ﵊ قال: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (١)، في قَوْلِهِ لأهل المقابر، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا الأَمر مُحَقَّق.

стр. 236

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنّ هؤُلاءِ المكذبين للرسول ﷺ ليست عندهم حُجة سوى اتباع أهواءهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عَدَمُ مجُادَلة المُتَّبعِ هَواهُ المُكَابِر، فليس هناك سبيلٌ لإقناعه، فهو يريد أَنْ ينتصر لنفسه فقط، ويَتَّبع هَواه، فما دام الرَّجُل صاحِبَ هَوًى، فالجِدال معه لا فائدة منه، قَالَ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، فإذا بَيَّنْتَ للإنسان الحَقَّ، وَوَضَّحْتَه بأَدِلَّتِه النَّقلية والعقلية والحِسية حَسَب مَا هُوَ موجود مِن الأدلة، ولكنه أصرَّ على أَنْ يَبقَى عَلَى مَا كَانَ عليه؛ فاعلَم أنه يَتَّبعُ الهوى، والمُتَّبع الهوى مُشْكِل، فما هو بالذي يطلب الهدى، ولا بالذي يريد أَنْ ينتفع. ولهذا نقول في هَذَا الحال: لا يجِبُ على المرْءِ مُجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيْءٍ آخَرَ، وهو معاقبتُه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فالمُعانِد غَيْرُ مَن يريد اتّبَاعَ الحَقِّ، ولم يظهر له، والمُعانِد لَهُ حَالٌ، وَقَد قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، يعني: وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تقدم الكلام عليها، وهذا الشرط لَيسَ لَهُ مفهوم. فالأصل أَنَّك إذَا جادلته أمامَ النَّاس اتضح الحقُّ، وَلَكن إذَا تكلم بالباطل أمامَ النَّاس، وَجَبَ عليك إظهارُ الحق مُقابِلَ باطِلِه الذي يَنْشُرُه، فإن لم يقتنع بالحق الذي معك، فاعلم أنَّه لَا فائدة مِن جداله. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اختلاف النَّاس في الضَّلال، فليسوا على حَدٍّ سَواء في الضَّلَال، كما أنهم لَيسُوا عَلَى حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حَدٍّ سَوَاءٍ في الغَيِّ، وليسوا عَلَى حَدٍّ سَوَاء في الرُّشد، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الهوَى قَد يَكونُ موافقًا للهُدى، نأخُذه مِن قَولِه تعالى:

стр. 237

﴿اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أمَّا مَن اتَّبَع هواه بِنَاء عَلَى هدًى مِن اللَّه، فهذا طَيِّب، أَنْ يَكونَ هواه تَبَعًا لمِا جَاءَ به الحَقُّ، وَقَد ذَكَرنَا لكم حديثًا مَرْوِيًّا عَن النَّبيِّ ﵊: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّي يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" (١). فالحاصِلُ: أن الهوى المذموم هُوَ الَّذي لَيسَ عَلَى هُدًى. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الظَّالمِ قد عَرَّض نفسه لحرمانه مِن الهُدى، أو إِنْ شئتَ فقل: إِنَّ الظُّلمَ سبب لحرمان الظَّالمِ مِن الهُدى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فيها رَدٌّ على القَدَرِيَّة الذين يُنكرون قَدَرَ اللَّهِ بالنِّسبة للأفعال، ورَدٌّ على الجَبْرِيَّة الجَهْمِيَّة الَّذينَ يَقولُونَ بعكس ذلك، والجهميةُ مِن مذهبهم الجَبْرُ، وفيهم ثلاثُ جِيمَاتٍ، كَمَا قَالَ ابن القيم في النُونِيَّة (٢): جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ... فَتَأَمَّلِ المَجْمُوعَ فِي المِيزَانِ فهم جَبْرِيَّةٌ مُرجِئَةٌ جَهْمِيَّة. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ مَن تَحَرَّى العَدْلَ فَإنَّهُ قَد تَعَرَّض للهداية؛ لأنَّ الظُّلم ضِدُّه العدل، وانتفاء الهداية بِوَصْفِ الظُّلم يقتضي ثُبوتَ الهداية بوصف العدل، فمن تحرّى العَدْلَ، فإنه يُوَفَّق للهداية، فالعدلُ سببٌ للهداية، وهكذا كُلُّ مَن تحَرَّى الخيرَ -لكن عسى اللَّه أن يُوَفِّقَهُ لِتَحَرِّيه- فإنه يُوَفَّق له إذَا كَانَت النية صادقة، والعزم أكيدًا. * * *

стр. 238

الآية (٥١) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١]. * * * قال المُفَسِّرُ: [﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَّا ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الْقُرْآنَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيُؤْمِنُونَ]. قوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ مِن التَّوصيل، وحُروفُه الأصلية: وَصَلَ، والوصول إلى الشَّيْء: بُلوغُ غايَتِه، والمعنى أَنَّ اللَّهَ يُؤَكِّد في هَذِهِ الجُملَة -وذلك بحُروف ثلاثة، وهي: القَسم، واللَّام، وقَدْ- أَنَّهُ وَصَّلَ لهم القول. وقوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ المَعروف أَنَّ الفِعل (وَصَلَ) يتعدَّى بـ (إلى)، فيقال: وصَلَ إليه، ويقال: وصَّل إليه، وأوصَل إليه. ولكنه هنا عُدِّيَ باللام؛ وذلك لأنَّهُ تَضَمَّنَ معنى الوُصول والبَيان، وَلهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ في تَفسيرها: [بَيَّنَّا لَهُمْ]، وقَدْ مَرَّ عَلَينَا أَنَّ اللُّغة العربية قد تُعَدِّي الفِعلَ أو -بعبارةٍ أَعَمَّ- قَد تُعَدِّي العامِلَ بغير ما يَتَعَدَّى به. وذكرنا أَنَّ لِعُلَماء النَّحْو في ذَلكَ طريقين: الطريق الأول: التَّجَوُّز في الحرف. والطريق الثَّاني: التَّجَوُّز في الفِعل.

стр. 239

وهذا مِثال أُوَضِّحُ به الأمر، قَالَ تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، فالعَين يُشرب منها، أما الذي يُشْرَبُ به فهو الإناء. قال بعضُ النَّحويين في هَذَا الأَمر: يمكن التجوُّزُ بالحرف، وإنَّ (الباء) بمعنى (مِنْ)، فتكون (مِنْ) تَبْعِيضِيَّة. وَقَالَ بَعض النحويين: بل التَّجَوُّز في الفعل يَشْرَبُ، وإنه ضُمِّنَ معنى: رَوِيَ يَرْويَ، فَيَكون المَعنَى: يَرْويَ بها إذا شرب منها. وَهَذَا في الحَقيقَة أصحُّهما، وهو مذهب البصريين. فيكون قَولُه تعالى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ أي: إلَيْهِم ببيان. قوله تعالى: ﴿الْقَوْلَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [هُوَ القُرْآنُ]، ولعله أَعَمُّ مما قَالَ المُفَسِّر ﵀، فالمراد بـ ﴿الْقَوْلَ﴾ أي: قولنا، فَاللَّهُ تعالى مَا يزال يُنَزِّل لعباده مِن قَولِه وَوَحْيِه ما تَصْلُح به أُمُورُهم، حتى وَصَلَت الغايةُ إلى محمد ﷺ بالقُرْآن. فَيَكون المَعنَى: أنَّ اللَّهَ تعالى مَا ترَكَهُم هكذا، بل ما زالت أقوالُه تصل إلَى الخَلق، وتُبَيَّنُ لهم. قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: (لَعَلَّ) هنا للتَّعلِيل، أي: لأجْلِ أَنْ يتذَكَّروا، والتذكُّر بمعنى ذِكْرِ الشَّيْء، لَكن لَا لمجرد الذِّكر، ولكن للاتِّعَاظِ به. ولهذا فالمُفَسِّرُ ﵀ دائما يُفَسِّر ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ بلازمهِ، وهو الاتِّعاظ، وإلا فأصلُ التَّذَكُّر: تَذَكَّرْتُ الشَّيْءَ، أي: كنتُ منه على ذِكْرٍ، لكن هناك لازم، وهو الاتعاظ. أمَّا مُجَرَّدُ الذِّكْر بِدُونِ اتِّعَاظٍ، فَهَذَا لَا يَنفع، والمُفَسِّر ﵀ يقول: [يَتَّعِظُونَ] أي: تُؤَثِّر فيهم الموعظةُ والقول، (فَيُؤْمِنُونَ).

стр. 240

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إِنَّ اللَّه لم يُخْلِ الأرضَ مِن الوَحْي؛ لأن التوصيل معناه وَصْلُ الآخر بالثَّاني. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الوَحيَ مُشتمل على غايَةِ البيان؛ لأنَّنا قلنا: إِنَّ وَصَّل مُضَمَّن معنى بَيَّن. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ نِعْمَة اللَّه عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لإيصال القول إلَيْهِم، مِن قَولِه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الحِكمة مِن الوحي التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ العِلَّة في أحكام اللَّه الكَوْنِيَّة والشرعية، وأنه لا يفعل شيئًا، ولا يُشَرِّعُه إلا لحِكْمَةٍ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تعليلُ أفعالِ اللَّه، وأحكامِ اللَّه الشرعية والكَوْنِيَّة، والذي خالَفَ في ذَلِكَ هُمُ الأشاعِرَة، والجَهْمِيَّة هُم الأصل، قالوا: أَفعَالُ اللَّهِ لا تُعَلَّل وأحكامُه لا تُعَلَّل. * * *

стр. 241

الآية (٥٢) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أَي الْقُرْآنُ ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْضًا، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَسْلَمُوا مِنَ الْيَهُودِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنَ النَّصَارَي قَدِمُوا مِنَ الْحَبَشَةِ، وَمِنَ الشَّامِ]. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ بمعنى: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكونَ إيتاءً قَدَرِيًّا، أي: قَدَّرنا أن يأتيَهم الكتاب، وهو الوحي، فآتاهم. وقوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ﴾ بمعنى المكتوب، وَالمرَاد به التَّوراةُ، وكذلك الإنجيل، كُلُّها تُسَمى كتابًا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضَّمير يَعود عَلَى القُرْآن، أي: مِن قَبْلِ القُرْآن. وقوله تعالى: ﴿هُم﴾ أي: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقُرْآن، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يُصَدِّقُون، وينقادون له. إعراب الآية: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجُملة ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ صِلة الموصول، و ﴿هُم﴾ مبتدأٌ ثانٍ، وقوله: ﴿بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُ المبتدأ الثَّاني، والجُملة مِن المبتدأ الثَّاني وخَبَرِهِ خَبَرُ المبتدأ الأوَّل.

стр. 242

والْفَائِدَةُ مِن تَكرار المبتدأ كأَنَّه أَسْنَدَ الإِيمَان إلَيْهِم مرتين؛ مَرَّة بالضَّمير ﴿هُم﴾، ومَرَّةً بالمبتدأ الأول ﴿الَّذِينَ﴾. وأتى في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار، إشَارَةً إلَى أنهم تلَقَّوْه عن قَبُولٍ وإذعانٍ، وأنهم ما زالوا عَلَى هَذَا الأَمر. وهذه الجُملة بالنِّسبة لمَا قَبلَهَا في المَعنَى كأنّها إقامةُ دَليل عَلَى الذين كَذَّبوا بالقُرْآن، كَأنَّه يَقول: الذين أُوتوا الكتابَ مِن قبلكم آمنوا بالقُرْآن، ممَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّه حق؛ لأنَّهُم مَعَ أَنَّهم أهلُ كتاب ترَكوا كتابهم، وآمَنُوا بالقُرْآن، وأنتم أهلُ جهل، وليس لديكم كتابٌ؛ فكان حَقًّا عليكم أن تكونوا قَبلهم في الإِيمَان؛ لأَنَّه مِنَ الصعب أن ينتقل الإنسَان مِن كتابه، أو مِن دِينِه إلى دِينٍ آخَرَ، لكن ليس مِن الصعب أَنَّ الإنسَانَ ينتقل مِن جهل إلى حقٍّ وعِلم. ثم إِنَّ فيه أَيْضًا تَأْنِيبًا لهؤُلاءِ، وَفِيه أَيْضًا دَليل عَلَى أَنَّه حَقٌّ؛ لأن الَّذينَ أُوتوا الكتابَ ما آمنوا به إلا عن عِلم، وَهُوَ كَذَلكَ؛ فإنه لَا شَكَّ أَنَّ النَّبيّ ﷺ كان مكتوبًا عند بَني إسرَائيلَ في التَّوراة والإنجيل، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلْقِيَّة موجودة عندهم، بِقَطْعِ النَّظر عن مِنهاجه وسِيرته، كَمَا قَالَ : ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. هذا كله موجودٌ في التَّورَاة والإنجيلِ ومعروفٌ، ولهذا تجمَّع اليهود في المدينة مِنْ أَجْلِ أَنْ يستقبلوا هذا النَّبيَّ ﷺ ، الذي وَجَدُوا صِفَتَه عندهم، ويُؤمِنون به، وكانوا كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

стр. 243

[البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون عليهم بهذا النَّبيّ، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. فالحاصِل في هَذِهِ الآيَة أَنَّ وجه تَعَلُّقِها بما قَبلها مِن وَجْهَين: الوجه الأول: تأنيب الجاهِليّين على الكُفر بمحمدٍ ﷺ ، مَعَ أَنَّ أهلَ الكتاب -وهُم على دِينٍ- انتقلوا مِن دِينهم إلى دِينه، فكنتم أَوْلى باتباعه. الوجه الثَّاني: إقامةُ دَليلٍ عَلَى صِحَّة مَا جَاءَ به الرَّسُول ﵊؛ لأَنَّ هَؤلَاء الذين عندهم عِلم مِن الكتَابِ مَا انتقلوا إلَّا عَن عِلم بأنه حق، والمناسبة واضحة جدًّا بَيْنَ هذه، وبين النُّصوص التي قَبلها، ولا ريب أَيْضًا أَنَّ في هَذِهِ الآيَة ثَنَاءً على الذين آمنوا بالرَّسُول ﵊ مِن الَّذينَ أُوتُوا الكتابَ، ولهذا عَطَفَ بـ ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ولم يستكبروا عنه، بالرغم مِن وجود كتابهم معهم. فالمشركون لم يَأْتهِمْ كتابٌ مِن قَبْلُ، ولا نبيٌّ، قَالَ تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، لَكن هَذَا مِن باب الجِنس، ومعناه: أنَّنا لم نتركْهُم هكذا، بَل إِنَّ القول وَصَل إلَيْهِم كما وَصَلَ إلَى غَيرِهِم، فإنَّ اللَّهَ مَا زال يُنْزِلُ الكُتُبَ على مَن سَبَق. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ أَيْضًا]، ويعني بقوله: [أَيْضًا] كما آمنوا بكُتُبهم، و (أَيْضًا) مِن الأسماء الملازمة للنَّصب على المصدرية؛ لأن فِعْلَها: آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا، مِثل: باعَ، يَبيعُ، بَيْعًا؛ لأنَّ معناها: رَجَعَ. فالمعنى: أنهم هُم أَيْضًا يُؤمِنون بالقُرْآن. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ أَسْلَمُوا مِنَ الْيَهُودِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ

стр. 244

وَغَيْرِهِ، وَمنَ النَّصَارَي قَدِمُوا مِنَ الحْبَشَةِ، وَمنَ الشَّامِ]. وكذلك مِن غَيْرِ الشام، أسلمَ مِن اليهود مِثل عبد اللَّهِ بنِ سلام، واشتُهر عَبدُ اللَّه بنُ سَلَام بالإِسْلام وَهُوَ مِنَ اليهود؛ لأنَّه كان حَبْرًا مِن أحبار اليهود، وكان كَمَا قَالَ اليهود عَنْهُ في حَضرة النَّبيّ ﵊ قَالُوا: أَعْلَمُنَا، وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْيَرُنَا، وَابْنُ أَخْيَرِنَا (١). قالوا ذلك مُعترفين له بالفضل، والعِلم، والسِّيادَة، ولهذا كانوا يضربون به المثَل؛ لأنَّ مَن يَكُون مِثله سَيِّدًا في قومِه قد تَحْمِلُه السِّيادَةُ عَلَى أَنْ يُنافِق، وقد يحمله أَيْضًا حُبُّ الرِّئاسَة على عدم الاتباع لِغَيْرِه؛ لأَنَّه إذَا تَبعَ غيرَه صار مرءوسًا لا رئيسًا، لكنه ﵁ تواضعَ للحَقِّ، فكان مؤمنًا بالرَّسُول ﵊. وقصة إيمانه معروفة، فإن الرَّسول ﷺ خَبَّأه، ودَعَا اليهود وسألهم عنه، فأَثْنَوْا عليه، وسألهم عن رسالة الرَّسول ﷺ ، فكَذَّبُوا الرَّسُول ﵊، فَقَالَ لَهم: "أفرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ" قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا، وَابْنُ شَرِّنَا، وَوَقَعُوا فِيهِ. فما خرجوا إلا وهُم يُثْنُون عَلَيْه شَرًّا؛ لأنَّهُ أسلَم. قول المُفَسِّر ﵀: [كَذَلِكَ نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّصَارَى قَدِمُوا مِنَ الحَبَشَةِ]، قَالَ عَطَاءٌ: "كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا: أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِن بني الحارث بْنِ كَعْبٍ، وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الحبَشة، وثمانية رُومِيُّون مِنْ أَهْلِ الشَّامِ" (٢).

стр. 245

وفيهم نزلت: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، والحبشة قد أسلم فيها نَصارَى، مِثل النجاشي؛ فإنه أسلَمَ، ودخل دِينَ الإِسْلام، وكان قَبْلَ ذلك عَلَى دِين النصرانية، ووصفه النَّبيّ ﵊ بأنَّه أخٌ للصحابة، وأنَّه رجُل صالح (١). فالمهم: أنَّ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الكتَابَ مِنَ اليَهود والنصارى قومٌ آمنُوا بالقُرْآن أيضًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ اليهودَ والنصارى فيهم مَن آمَنَ بالقُرْآن؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ حُكم الفَرْدِ قد يتناول جِنْسَه، ومعناه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، لو نظرنا إليها وجدنا أَنَّهَا عَامَّة تشمل كُلَّ الَّذينَ أُوتوا الكتَابَ، وليس كُلُّ الَّذينَ أُوتوا الكتَابَ مِن قَبْلُ آمَنُوا بالقُرْآن، فهناك نصارى ظَلُّوا على نَصْرَانِيَّتِهم، ويَهُودٌ ظَلُّوا على يَهُودِيَّتِهم، ولكن مِن هؤُلاءِ مَن آمَنَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلامٍ والنَّجَاشي. فسببُ إيمانِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَام عِلمُه بما في التَّورَاة مِن صفات الرَّسُول ﷺ ، وهذا العِلْمُ يَشمل جميعَ اليهود. إذن: فهُنا أعطينا الجِنس حُكْمَ الفَرد؛ للعِلَّة التي تَشْمَلُه وغيرَه. فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ لا يعني أنهم كُلَّهُم

стр. 246

آمنوا، وَلَكن مَا آمن إلا بعضُهم، لَكن هَذَا الإِيمَان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثناء البالِغ عَلَى الَّذينَ آمَنوا بالقُرْآن، وبالكتب السَّابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ صِفَةَ النَّبيّ ﷺ موجودة في التَّورَاة وَالإنجيل، وهذا صَريحٌ في آيَة الأعراف: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، إلَى آخِره. * * *

стр. 247

الآية (٥٣) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الْقُرْآنُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ مُوَحِّدِينَ]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾: (إذا) شَرطية، وجواب الشرط مُتصل بِفِعْلِه مباشرة بمعنى: أنه متى وُجد فِعل الشرطِ وُجِدَ جوابُه، فهو مِن الاتصالِ الوُقُوعِي: إذا وُجِد الشرطُ وُجِدَ المشروط. فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، لَم يَقُل: إذا تُلِيَ، وإنما جاء بالمضارع، أي: إِنَّ أَيَّ آيةٍ تُتلى عليهم يقولون: آمنا بها. فهُم لَمْ يُؤمِنوا بالقُرْآن جُملةً، بل آمنوا بالقُرْآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع يَدُلُّ على الاستمرار، فكُلَّما تُلِيَت عليهم آيةٌ آمَنوا بها، فزادتهم إيمانًا. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: يُقرأ عليهم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي مُباشَرة، بلا تَرَدُّد، أو نَظَر، أو تفكير؛ لأنَّنا قلنا: إِنَّ جَوَاب الشَّرط ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يلي فِعل الشرط ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ مباشرة، أي: بالذي تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن؛ قليلًا كان، أو كثيرًا، ثم بَيَّنوا أنَّ إيمانَهم هذا عن اقتناع، وعلى أساس.

стр. 248

قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: ما تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشَّيْء الثابت الواقع، الصادق خَبَرًا، العادِلُ حُكمًا. ونرى أَنَّهَم قَالوا: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن اللَّه؛ لأن الرَّبَّ هُوَ الَّذي له التصرُّف المطلَق، فهو يتصرف بعِبَادِه شَرْعًا وقَدَرًا، فكأنهم يقولون: إنَّ رَبَّنَا لن يُخْلِيَنا مِن أَنْ يُنَزِّل القُرآن، ولهُ الحُكم والتصرف المطلَق؛ كونًا وشرعًا. وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ هذا إشَارَة إلَى أنهم ﵃ يفتخرون بانتسابهم إلَى اللَّه . وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ الجُملة مِن حيثُ المعنى تَعليليَّة لمَا قَبلَهَا، يعني: آمنا به، لا لأَنَّهُ أَعْجَبَنا حُسنُه وبيانُه وبلاغتُه، ولكنَّا آمَنَّا به لأنّه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾. فَإذَا قَالَ قَائل: إذَا كَانَتِ الجُملة تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة، فيُقال: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، لأَنَّ الجُملة التَّعليلِيَّة على تقدير (اللام)، و (اللامُ) إذا اتصلت بـ (إِنَّ) وَجَبَ فتحُ همزتها، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وَلَم يَقُل: (إنهم إلى ربهم)؟ قلنا: الجُملة التَّعليلِيَّة قد تكون تعليليَّة مِن حيثُ المعنى فقط، وَقَد تَكون تعليلية مِن حيث اللفظِ مع المعنى؛ فإن لُوحِظ مَعَهَا اللفظُ مع المعنى، فإنها الهمزة تُفتح؛ لأنَّها عَلَى تَقدير اللام، وإِنْ لُوحظ المعنى فقط؛ فإنها تُكسَرُ الهمزة، وهنا لوحظ المعنى فقط. ونقول: لكُلِّ مَقامٍ مَقَالٌ، فمُلاحظة المعنى فائدتُها أَنَّ الجُملة تكون مِن حيثُ اللفظُ منقطعة عما قَبْلَها، فكأنها جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ،

стр. 249

لكن إفادةُ التَّعلِيل مِن السياق. وأمَّا التَّعليلِيَّة اللفظية فَإنَّهَا تَكون مرتبطةً بما قَبْلَها، قال ابن مالك (١): فَاكْسِرْ فِي الِابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ ... وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِين مُكْمِلَهْ فَهَذَا هُوَ الفَرق بين الجملة التَّعليلِيَّة التي قُصِد بها اللفظ والمعنى، والتي قُصِد بها المعنى فقط. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي مِن قَبْل القُرْآن. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [مُوَحِّدِينَ]، وَلَو أَنَّه فسَّر الإِسْلام بظاهِرِهِ لَكَان أَولى؛ لأن الإِسْلام معناه الاستسلام والانقِياد، وأصلُه مِن عَدَمِ المعارضة والمُحَارَبَة، ولهذا يُقالُ: السِّلْم والإِسْلام، معناه عدمُ المعارضة والمحاربة، فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: مُنْقَادِين مُذْعِنِين للحَقِّ. وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ لَيسَ المرَادُ بذلك الفَخْرَ والإعجابَ بالعَمَل قطعًا؛ لأن السياق سياقُ ثَناء، وَلَكنَّ المرَادَ بذلك الثَّناءُ عَلَى اللَّه بما كانوا عَلَيه في الحالَين: في الحالِ السَّابِقة، وفي الحال الثَّانية، في الحَال الثَّانية ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، والحال الأُولى: كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: مُنْقَادِين مُتَّبِعِين للرسول ﷺ الَّذي جَاءَ إلَيْهِم. وقوله: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ خَبْرُ ﴿كُنَّا﴾، ولو تَقَدَّم عليه قوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأَنَّ الخَبَرَ هو ما تَحْصُلُ به الْفَائِدَة، سواءٌ تَقَدَّمَ، أو تَأَخَّرَ.

стр. 250

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: زيادةُ الثَّنَاء عَلَى هَؤلَاء بأنهم يُؤمنون بِكُلِّ مَا يتلَى عَلَيهم، فَهُم قَد آمَنوا بالقُرْآن جُملة وتفصيلًا، وأخذنا ذَلكَ مِن قَولِه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، ﴿يُتْلَى﴾ فِعْل مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلَى الحُدوث والاستمرار، وَيَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ والحُدوث، وَأَنَّ هَذَا شأنُهم كُلَّما تُلِيَ عليهم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهم آمَنوا لَا لمجرد الهوى، ولكن آمَنوا إيمَانًا مَبنيًّا عَلَى اقتناعٍ، يُؤخَذ مِن قَولهِم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، فما آمنوا هكذا تبعًا للنَّاسِ، ولكن آمنوا عن اقتناعٍ بأنه الحقُّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ القُرْآنَ مِن عند اللَّه؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: كمالُ عقل هَؤلَاء الَّذينَ آمَنوا، حيث عَبَّرُوا هنا بالرُّبوبية بقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دُونَ الأُلوهيَّة؛ لأن المقام يَقتَضي ذَلكَ، فإن الرَّبَّ لَهُ الحُكمُ يَحكُم بمَا يَشَاء كونًا وشرعًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ هَؤلَاء كَانوا مؤمنينَ مسلمين مُنْقَادِينَ للكُتب السَّابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَواز ثناء المَرء عَلَى نَفسه بِالصِّفات المحمودة، بِشَرط أَن تَكونَ في ذَلكَ مَصلَحَةٌ، وَأَلَّا يَكونَ فيه افتخارٌ، وعُلُوٌّ عَلَى غَيرِه؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وَهَذَا أَمْرٌ واقعٌ مِنَ الرَّسول ﷺ وَمنَ الصَّحَابَة، ومن أَهلِ العِلم، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (١).
следующие страницы →