﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾، والعِنْدِيَّة تقتضي القُربَ، وأن يكون ذَلكَ مِنَ اللَّه، وَهَذَا لَا يُتصور أنه محمد ﷺ ، بَل هُوَ الحَقّ الذي جاء به، كَمَا أَنَّ مِثل هَذِهِ الآيَة ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ في جَميع مواضع القُرْآن هي مطَّردة أَنَّ المرَادَ به الوحي الذي نزل عَلَى محَمَّد ﷺ .
ولهذا يكون قوله: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ أي: محمدٌ الَّذي جَاءَ بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا، ولا تَكَلُّفَ فيه.
وقد يحتجُّ علينا مَن يقول: إِنَّ الضَّمير في قَوْلِهِ ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يؤيد أَنَّ المرَادَ بالحق هو محمد.
ولكننا نُجيبه قائلين: لَا حَاجَةَ إلَى ذَلكَ مَا دَامَ أن الحقَّ جاء، والذي جَاءَ به هُوَ محَمَّد، فيكون معلومًا أنَّ قولَه: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ يعني: محمدًا ﷺ هُوَ الَّذي جَاءَ بالحقّ، وليس محمد هُوَ الحَقَّ، ولهذا ليس (الحَقُّ) مِن أَسمَاء الرَّسُول ﵊، فهو ﷺ صادق فيما جَاءَ به مِنَ النبوة، ولكنَّه جاء بالحق.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، الضَّمير في ﴿قَالُوا﴾ يَعود عَلَى قرَيش، و ﴿لَوْلَا﴾ هنا تحريضيَّةٌ، وليست شَرطيَّةً، وهي بمعنى: هلَّا.
وقَولُه تعالى: ﴿أُوتِيَ﴾ أي: أُعطي، ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ يعني: مِن الآيات، مِثلَ ما أُعطي موسى مِنَ الآيات.
وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلْنَاه عائدًا إلى قُرَيْشٍ؛ لأن قريشًا -كَمَا هُوَ معلوم- قوم أُمِّيُّون، لَا يَعلَمونَ عن الرُّسُل شيئًا، فكيف يعارضون بقصة موسى؟ وقد أجاب المُفَسِّرون عن ذلك، بأنَّ قريشًا كانت عندَما بُعث الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
стр. 225
تراسل اليهودَ، وتقول: جاءنا رَجُل يقول إنه نبيٌّ، فما علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبرهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريش النَّبيَّ ﷺ بالآيات الَّتي جَاءَت لموسى.
ويحتمل أَنَّ قَولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ عائدٌ إلى اليَهُود؛ لأن الرَّسُول ﷺ مبعوث إلَيْهِم، ويؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه بَعدَ ذَلكَ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
قوله: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: المراد هنَا هُوَ محمد ﷺ ، وَقَد يَكون المرَاد هو القُرْآن، ﴿مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾: أي: أتيَ بوحيٍ مِثل التَّوراة، وغيرها مِنَ الآيَات كالعَصا واليَد.
قوله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الضَّمير يَعود عَلَى جنس البَشر، أي: إنَّ آيات موسَى لَم تنفع أيضًا، فقد كفرَ بها مَن كَفر مِن النَّاس، فاقتراحكم أَن تَكونَ آياتُ محمد ﷺ كآيات موسى ليس ذلك بِمُوجِبٍ للإيمان؛ لأن آياتِ موسى كُفِرَ بها.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ فيها قراءة ثانية، "قَالُوا سَاحِرَانِ" (١)، وعلى القِراءَة التي بين أيدينا، فالمراد محمد وموسى، وعلى القِراءَة الثَّانية يَكونُ المُرَاد التَّوراة والقُرْآن.
قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي: تعاوَنَا.
стр. 226
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها تكذيب دعوى هؤُلاءِ في قَوْلِهم: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾؛ فإنَّه قد جاءهم الحق مع الرَّسُول، ومعَ ذلك كذَّبوا: ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا جَاءَ به النَّبيّ ﷺ هُوَ الحَقُّ، والحق بمعنى: الشَّيْء الثابت، وهو بالنِّسبة للأخبار الصدق، وبالنِّسبة للأحكام العدل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ ما خالف ما جَاءَ به النَّبيُّ ﷺ فهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، فكلُّ خبر يتضَمَّن تكذيبَ خَبَرِ اللَّه ورسولِه، فهو الكَذِب، فمثلا: إذَا قَالَ قَائل: أصلُ الإِنْسَان قِرْدٌ، ثم تطوَّر فصار إنسانًا! ! نقول له: هذا كذِبٌ؛ لأَنَّهُ يخالف مَا جَاءَ به النَّبيُّ ﷺ .
وإذا شَرَّع الإِنْسَان قوانين مخالفةً للشرع، قلنا: هذا باطِلٌ وضلالٌ؛ لأنَّ الحق فيمَا جَاءَ به الشرع فقط.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ عُتُوّ المكَذِّبين للرَّسول ﵊ وعنادهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بَعدَ أَن قَالُوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قريشًا كانَ عندَهم بعضُ المعْلوماتِ عن الرُّسل السَّابِقين، حَيث قَالُوا: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، وقد حصلوا عَلَى هَذَا العِلم عَن طَريق اليهود؛ لأنَّهُم لما جاء الرَّسول ﷺ وبُعث، أَرْسَلُوا إلَى اليَهود يسألون عن أخبار هَذَا الرَّجل، فكتبوا لهم بما يعرفون مِن أخباره، وبما جَاءَ به موسى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثْباتُ رِسالَة مُوسَى ﷺ لقولهم: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾.
стр. 227
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ موسَى ﷺ أعطاه اللَّه تعالى آيات يُؤمِن على مثلها البَشر، وَهَذَا لَيسَ خاصًّا به، بَل هُوَ لكل رسول بَعَثَهُ اللَّه فـ "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ" (١)؛ لأن البَشَر لا تُصَدِّق رَجُلًا قال: أنا رَسول اللَّه إليكم آمُركم بكذا، وأنهاكم عن كذا، واتركوا مَا كَانَ عليه آباؤكم مِن عِبادة الأصنام، واترُكُوا مَا كَانَ عَلَيه آباؤكم مِن تحريم الحلال، وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، لا يَقبلون إلا بآيات تدل على صِدقه، وتؤيده.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إبطال حُجَّة هؤُلاءِ المكذبين، بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّه يَنبَغي في مقام المنَاظَرَة والمجادَلَةِ أن يُفْحَمَ الخَصم بإبطال قوله بقوله، أو بفعله، أنه يُبطَل قولُه بمَا جَرَى منه هو؛ لأنَّ ما جرى منه لَا يمكن أَنْ يُنْكِرَهُ، ولو أَنْكَرَهُ ما قُبِلَ، فكونُنا نُقِيم الحُجَّةَ على الخَصم مِن فِعله وقوله هذا أبلغ في إفحامِه.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أنَّ طبيعة البَشر واحدة؛ بناء عَلَى أَنَّ قولَه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ الضَّمير يَعود عَلَى جِنس الإِنْسَان؛ لأن الطبيعة البشريةَ واحدة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّه يَنْبغي أَيْضًا عند المناظرة إبطالُ قول الخَصم بالأمر الواقع؛ فإن الآيات الَّتي جَاءَ بهَا موسى، وأبطَلَها هؤُلاءِ كُذِّبَت، وما آمَن بها البَشَر.
إذن: فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة بَيِّنَة، لكن: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
стр. 228
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ أهلَ الباطل يُلَقِّبُون أهلَ الحقِّ بألقابِ السُّوء؛ تنفيرًا للنَّاسِ عن قَبُولهم، يُؤخذ هذا مِن قَولِه تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أو "سَاحِرَانِ" على القِراءَة الأُخْرَى، فسواء وَصَفُوا مَا جَاءَت به الرُّسل بالسِّحر، أو وَصَفُوا الرُّسْلَ أنفسَهم بالسِّحر؛ فإنَّ المقصود بذلك تنفير النَّاس عن قَبُول مَا جَاءَت به الرُّسل.
وهذه القاعدة ثابتة لِأَتْبَاع الرُّسُل؛ بدليل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، وَاللَّهُ ﵎ قد جعل لكل نبيٍّ عَدُوَّا مِن المجرمين، والعدُوُّ مِن المجرمين عَدُوٌّ للنبي بوصفِه، بدليل أن محمدًا ﷺ قَبْلَ أَن تأتيَه الرِّسالَة وهو عند العَرب الصادق الأمين، ويرون أنَّه مِن أفضل بني هاشم، وأقوَمِهم بالعدل، فلمّا جَاءَ بالحَقّ صار عندهم الخائنَ الكذوبَ.
إذا كان هؤُلاءِ المجرمون يُعادون الرُّسُلَ بوصفِهم، فمعنى ذلك أَنَّ هَذِهِ المعاداةَ ستنتقل إلى مَن تابَعَ هؤُلاءِ الرُّسُل؛ لأنَّ المعنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرُّسُل، وَعَلَى هَذَا:
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: طَمْأَنة أتباع الرُّسل، وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السُّوء، ومن المعاداة مِثل ما نالَ الرُّسُلَ، فعليهم أن يُقابلوا ذلك بالصَّبْر والثبات والقُوَّة، لا أن يُخْذَلُوا، بل عليهم أن يكونوا كَمَا كَانَ متبوعُهم الذي أمره اللَّه قائلًا: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّعاوُن حتَّى على الباطِل له تأثيرٌ وتقويَة، يُؤخَذ مِن قَوْلِه: ﴿تَظَاهَرَا﴾ فَإذَا كَانَ التَّعاوُن في الباطل له تأثير، فما بالُك بالتَّعاوُن في الحق؟
стр. 229
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: يَجب أَنْ نكونَ متعاونين فيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألَّا يخذل بعضُنا بعضًا، خلافًا لما كان عليه حال النَّاس اليوم؛ فإنهم في هَذَا البَاب ليسوا بمتعاونين، حتى أهل الحق، وأهل الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنَّهُم:
أولًا: كلُّ وَاحد لَا يَهُمُّه إلا نَفْسُه.
ثانيًا: أنهم ربَّمَا يختلفون في أَمْر بسيط جزئي مِن أُمُور الدِّين، ويتعادَوْن عَلَى ذَلكَ، فقد يختلفون في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، فهذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين. وهذا يقول: إلى المنكبَيْن. ثُمَّ يَقول: أنت على ضلال! وهو يقول: أَنت عَلَى ضلال! فما تُثْمِرُ هَذِهِ الكلمة إلا الحِقد والبغضاء والعداوة.
وسبق أن قصصت عليكم قصَّة طائفتين، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأُخْرَى في مَسأَلةٍ بسيطة مِن مَسائِل الدِّين، طائفة تقول: إِنَّ السُّنة أن يضع الإِنْسَان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره. وطائفة أخرى تقول: إنَّ السُّنّةَ أن يُرْسِلَ الإِنْسَان يديه إلى جنبه.
فاختلفا حتى كَفَّرت كُلُّ طائفة الأُخْرَى، وجعلتها ملعونة؛ لأنَّها تركت السُّنة عن عَمد وقَصد، والإِنْسَان الذي يكره ما أَنزَلَ اللَّهُ يكون كافرًا، وفيه خصومة عظيمة.
وفي أيام الحجِّ اجتمع معهُم ناسٌ مِن التَّوعيَة، وأراحُوهم، وبَيَّنوا أَنَّ هَذَا لَا يَجوز؛ لأَنَّ هَذَا فيه ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا، فما تفعلون مع أهل الخرافات، وأهل البدع.
وتعرفون قصَّة نقض الصحيفة التي كَتبَتها قريشٌ في مقاطعة بني هاشم، لم يأتِ واحدٌ مِنَ النَّاس فنَقَضَها، فهو لا يستطيع، لكنَّه ذهب إلى فلانٍ ووَبَّخه، وقال: بنو هاشم قومٌ منكم، كيف تَرْضَوْنَ أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع؟ ! وَذَهَبَ
стр. 230
إلَى آخَرَ وإلى ثالثٍ ورابعٍ، حتى إنهم كوَّنوا جماعة، فذهبوا إلَى هَذِهِ الصحيفة مِن الكعبة ومَزَّقوها.
إذن: فالتَّعاوُنُ أساس النجاح، مِثل مَا قَالَ العامَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: بيانُ عُتُوِّ هؤُلاءِ مِن جهة أنهم لم يُؤمِنوا بالأمرين، وقالوا: ﴿إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تقديم المعمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ يُفيد الحَصر، مَعَ أَنَّهم كفروا بهما وبغيرهما، وهذا الحَصر المقصود به إغاظةُ الخَصْمِ، كأنهم يقولون: لَوْ آمَنَّا بكل شَيْءٍ مَا كفرنا إلا بهما، وإلَّا فمعلوم أنهم يكفرون بهما وبغيرهما.
وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْء غيرَ محصور في هَذَا الشَّيْء، ولكنَّه حُصر فيه؛ فَلَا بدَّ أَنَّ هناك غَرَضًا، والغَرَضُ هنَا هُوَ الإغاظة.
* * *
стр. 231
الآية (٤٩)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص: ٤٩].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قُلْ﴾ لهمْ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ مِنْ الْكِتَابَيْنِ ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِي قَوْلِكُمْ].
قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هنا الأمر للتعجيز والتحدي.
قوله: ﴿أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ هنا الضَّمير يَعُود عَلَى التَّوراة والقُرْآن، ومعنَى ﴿أَهْدَى﴾ أكملُ هدايةً.
وقوله ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ مجزومٌ في جواب الطَّلب ﴿فَأْتُوا﴾، فإذا جعلوا الغايةَ جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّهُ مِن العدل التنَزُّل مع الخَصم إلى حالٍ يُقرُّ بها؛ فإنه مِن المعلوم أَنَّ اللَّهَ يعلم أَنَّهُ لَا يمكن أَنْ يأتوا بما طُلب منهم، وذلك حين طَلب منهم أَنْ يأتوا بكتابٍ أهدى مِن التَّوراة والقُرْآن، وَذَلكَ في قَوْلِهِ تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾، مَعَ أَنَّه يَعلَم أَنَّه يستحيل ذلك، وَلَكنَّ هَذَا مِن باب التنزُّل مَعَ الخَصم إلى غاية ما يَكونُ مِن العدل، كأنه جعلَه مع خَصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم ائتوا بكتابٍ أهدى مِن
стр. 232
التَّوراة والقُرْآن، وأنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا، فمعناه أَلْزِمْهُم أن يتبعوا التَّوراة والقُرْآن.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إفحام الخَصم بالتحدِّي، ولو أنَّنا قرأنا آخِرَ سُورة الطور لوجدنا فيها شيئًا غريبًا مِن المناظرة، مِن قَوْلِه تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، إلى قوله: ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥]، تجدون آدابًا كثيرة مِن المناظرة، فقَدْ تَدَرَّجَ اللَّه معهم في الحُجَج، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، إن كَانَ الأَمر كذلك ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣]، فَإن كَانَ الأَمر كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤]، فاللَّه في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفْحَمًا بتحدِّيه بمَا لَا يستطيع.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّوراةَ والقُرْآنَ مِن عند اللَّه، لكن القُرْآن نَزَل وَحْيًا، والتَّوراة نزلت كتَابَةً، كَتبَها اللَّه في ألواحٍ ألقاها إلى موسى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه لَا يَلزَم الإِنْسَان الانتقال عَمَّا كَانَ عَلَيه إلَى غَيرِهِ إلَّا إذَا كَانَ أهدَى منه.
فأنا -مثلًا- لا يلزمُني الانتقالُ مِن مذْهَب الحنابِلَة إلى مذْهَب الشَّافعيَّة، حتى أري أنه أَصْوَبُ؛ لأَنَّه قَالَ: ما يجب الاتباع إلَّا إذَا كَانَ ما جاءوا به أهدى منه، أَمَّا إذَا كَانَ مساويًا، فأنتم لا تُلزمونني، وأنا لا أُلْزِمُكم، إذَا كَانَ مساويًا، إنما الإلزام حينما يَكونُ مَا جاء به الخَصم أهدى مما أنا عليه، وأما إذَا كَانَ مَا في غَيْرِهِ أدنى؛ فإنه مِن بَاب أَوْلَى لا يلزم.
стр. 233
فالمراتبُ ثلاث:
١ - إمَّا أَنْ يَكونَ ما تُدعَى إليه أدنى مما أنت عليه.
٢ - أو أهدى.
٣ - أو مُساويًا.
فإن كان أهدى، فالواجبُ الاتباع، وَإن كَانَ أدنى حَرُم الاتباع.
أما في حَال المُسَاوَاة، فالعلماء يقولون: في مِثل هَذِهِ الحالِ يُخَيَّرُ الإِنْسَان، فإذا أفتاه عالمان، وَلَم يَكُن قولُ أحدهما أرجحَ؛ فإنه يُخيَّر في اتّباع أيِّ القولين شاء، وربما يؤخذ حُكم هَذِهِ المَسأَلة مِن هَذِهِ الآية؛ لأَنَّه مَا أوجب اللَّه الاتباعَ إلا إذَا كَانَ أهدى.
ومعلومٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَدنَى، فالاتباع مُحَرَّمٌ، فيبقى المساوي ليس إلى جانب التحريم، وليس إلَى جَانِب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التحدِّي يكُون بالوَصْف، كَمَا يَكون بالفِعل، في قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَأْتوُا﴾ تَحَدٍّ بِفِعْل ما هُمْ بِآتِينَ به، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ تَحَدٍّ بالوصف، أَنَّ مَا أنتم عليه حَقٌّ فأتوا بهذا، وإلَّا فأنتم مِن الكاذبين، وَلهَذَا قَالَ: ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
* * *
стр. 234
الآية (٥٠)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دُعَاءَكَ بِالْإِتْيَانِ بِكِتَابٍ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فِي كُفْرِهِمْ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا أَضَلَّ مِنْهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي: فيما يجيئهم الكتاب مِن عند اللَّه هو أهدى منهما.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: لا أَحَدَ أَضَلُّ، وهو استفهامٌ مَنْفِيٌّ.
وهناك آيةٌ أخرى يَقُول اللَّه تعالى فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فنَجْمَع بينها، وبين الآية الَّتي بَينَ أيدينا بأنَّ آية الأحقاف في مَقَام الدعاء، وآيتَنَا هَذِهِ في مَقَام الاتِّباع.
فقد تكون كل آلَهَا مَعنًى لَا يَتَعَلَّق بالثَّاني، فضلالُ الغاية باعتبار مَا هُوَ مِن جِنْسِها، هَذَا وَجْهٌ.
стр. 235
وهناك وجهٌ آخَرُ، وهو أنهما في مرتبةٍ واحدة في الضلال، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ لَا يَمنَع أن يوجد شيء يُساويه في ذلك، فيكون كُلٌّ مِنَ الأمرين قد بلغ الغايةَ في الضَّلَال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، القَدَرِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الإنسَانَ يُمكن أن يهتدِيَ بنفسِه، وليس للَّه ﵎ عليه أَيُّ سُلطة؛ لأنَّهُم يقولون عن قَدَرِ اللَّه: إِنَّ الأمر أُنُف، بمعنى: أَنَّ اللَّهَ لم يُقَدِّر أفعالَ العِباد، وأنا أفعل هذا، وأترُك هذا باختياري المجرد المحض، وليس للَّه فيه أيُّ مشيئة، ولا خَلْق، وَلَا شَيءَ.
لكن قَوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يرد عليهم، كما أنه أَيْضًا يرد على الجهمية الجبرية، الذي يقولون بالجبر، بأن اللَّه تعالى نَسَب هؤُلاءِ بِفِعْلِهم إلى الظُّلم، ولو كانوا مُجْبَرِين عليه لكانت نِسبة الظلم إلَيْهِم ظُلمًا، وَاللَّهُ ﵎ لا يَظلم أحدًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: جَواز التعليق بالشرط فيما هو مُحَقَّق الوُقوع، وَهَذَا في قَوْلهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ هذا مُحَقَّقُ الوقوع، فليس فيه احتمال أَنْ يستجيبوا، فيجوزُ تعليق الشَّيْء المحقق بالشرط، وَلَو كَانَ مُحَقَّقًا أنه لن يكون، وكذلك لَو كَانَ محققًا أنه كائِنٌ، فإن الانتفاءَ هنا كائن لا مَحَالَةَ، ومع ذلك عُلِّقَ بالشرط، وفي الحَدِيث عن النَّبيِّ ﵊ قال: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (١)، في قَوْلِهِ لأهل المقابر، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا الأَمر مُحَقَّق.
стр. 236
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنّ هؤُلاءِ المكذبين للرسول ﷺ ليست عندهم حُجة سوى اتباع أهواءهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عَدَمُ مجُادَلة المُتَّبعِ هَواهُ المُكَابِر، فليس هناك سبيلٌ لإقناعه، فهو يريد أَنْ ينتصر لنفسه فقط، ويَتَّبع هَواه، فما دام الرَّجُل صاحِبَ هَوًى، فالجِدال معه لا فائدة منه، قَالَ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، فإذا بَيَّنْتَ للإنسان الحَقَّ، وَوَضَّحْتَه بأَدِلَّتِه النَّقلية والعقلية والحِسية حَسَب مَا هُوَ موجود مِن الأدلة، ولكنه أصرَّ على أَنْ يَبقَى عَلَى مَا كَانَ عليه؛ فاعلَم أنه يَتَّبعُ الهوى، والمُتَّبع الهوى مُشْكِل، فما هو بالذي يطلب الهدى، ولا بالذي يريد أَنْ ينتفع.
ولهذا نقول في هَذَا الحال: لا يجِبُ على المرْءِ مُجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيْءٍ آخَرَ، وهو معاقبتُه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فالمُعانِد غَيْرُ مَن يريد اتّبَاعَ الحَقِّ، ولم يظهر له، والمُعانِد لَهُ حَالٌ، وَقَد قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، يعني: وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تقدم الكلام عليها، وهذا الشرط لَيسَ لَهُ مفهوم.
فالأصل أَنَّك إذَا جادلته أمامَ النَّاس اتضح الحقُّ، وَلَكن إذَا تكلم بالباطل أمامَ النَّاس، وَجَبَ عليك إظهارُ الحق مُقابِلَ باطِلِه الذي يَنْشُرُه، فإن لم يقتنع بالحق الذي معك، فاعلم أنَّه لَا فائدة مِن جداله.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اختلاف النَّاس في الضَّلال، فليسوا على حَدٍّ سَواء في الضَّلَال، كما أنهم لَيسُوا عَلَى حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حَدٍّ سَوَاءٍ في الغَيِّ، وليسوا عَلَى حَدٍّ سَوَاء في الرُّشد، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الهوَى قَد يَكونُ موافقًا للهُدى، نأخُذه مِن قَولِه تعالى:
стр. 237
﴿اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أمَّا مَن اتَّبَع هواه بِنَاء عَلَى هدًى مِن اللَّه، فهذا طَيِّب، أَنْ يَكونَ هواه تَبَعًا لمِا جَاءَ به الحَقُّ، وَقَد ذَكَرنَا لكم حديثًا مَرْوِيًّا عَن النَّبيِّ ﵊: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّي يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" (١).
فالحاصِلُ: أن الهوى المذموم هُوَ الَّذي لَيسَ عَلَى هُدًى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الظَّالمِ قد عَرَّض نفسه لحرمانه مِن الهُدى، أو إِنْ شئتَ فقل: إِنَّ الظُّلمَ سبب لحرمان الظَّالمِ مِن الهُدى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فيها رَدٌّ على القَدَرِيَّة الذين يُنكرون قَدَرَ اللَّهِ بالنِّسبة للأفعال، ورَدٌّ على الجَبْرِيَّة الجَهْمِيَّة الَّذينَ يَقولُونَ بعكس ذلك، والجهميةُ مِن مذهبهم الجَبْرُ، وفيهم ثلاثُ جِيمَاتٍ، كَمَا قَالَ ابن القيم في النُونِيَّة (٢):
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ... فَتَأَمَّلِ المَجْمُوعَ فِي المِيزَانِ
فهم جَبْرِيَّةٌ مُرجِئَةٌ جَهْمِيَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ مَن تَحَرَّى العَدْلَ فَإنَّهُ قَد تَعَرَّض للهداية؛ لأنَّ الظُّلم ضِدُّه العدل، وانتفاء الهداية بِوَصْفِ الظُّلم يقتضي ثُبوتَ الهداية بوصف العدل، فمن تحرّى العَدْلَ، فإنه يُوَفَّق للهداية، فالعدلُ سببٌ للهداية، وهكذا كُلُّ مَن تحَرَّى الخيرَ -لكن عسى اللَّه أن يُوَفِّقَهُ لِتَحَرِّيه- فإنه يُوَفَّق له إذَا كَانَت النية صادقة، والعزم أكيدًا.
* * *
стр. 238
الآية (٥١)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٥١].
* * *
قال المُفَسِّرُ: [﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا﴾ بَيَّنَّا ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الْقُرْآنَ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظُونَ فَيُؤْمِنُونَ].
قوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ مِن التَّوصيل، وحُروفُه الأصلية: وَصَلَ، والوصول إلى الشَّيْء: بُلوغُ غايَتِه، والمعنى أَنَّ اللَّهَ يُؤَكِّد في هَذِهِ الجُملَة -وذلك بحُروف ثلاثة، وهي: القَسم، واللَّام، وقَدْ- أَنَّهُ وَصَّلَ لهم القول.
وقوله تعالى: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾ المَعروف أَنَّ الفِعل (وَصَلَ) يتعدَّى بـ (إلى)، فيقال: وصَلَ إليه، ويقال: وصَّل إليه، وأوصَل إليه. ولكنه هنا عُدِّيَ باللام؛ وذلك لأنَّهُ تَضَمَّنَ معنى الوُصول والبَيان، وَلهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ في تَفسيرها: [بَيَّنَّا لَهُمْ]، وقَدْ مَرَّ عَلَينَا أَنَّ اللُّغة العربية قد تُعَدِّي الفِعلَ أو -بعبارةٍ أَعَمَّ- قَد تُعَدِّي العامِلَ بغير ما يَتَعَدَّى به.
وذكرنا أَنَّ لِعُلَماء النَّحْو في ذَلكَ طريقين:
الطريق الأول: التَّجَوُّز في الحرف.
والطريق الثَّاني: التَّجَوُّز في الفِعل.
стр. 239
وهذا مِثال أُوَضِّحُ به الأمر، قَالَ تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، فالعَين يُشرب منها، أما الذي يُشْرَبُ به فهو الإناء.
قال بعضُ النَّحويين في هَذَا الأَمر: يمكن التجوُّزُ بالحرف، وإنَّ (الباء) بمعنى (مِنْ)، فتكون (مِنْ) تَبْعِيضِيَّة.
وَقَالَ بَعض النحويين: بل التَّجَوُّز في الفعل يَشْرَبُ، وإنه ضُمِّنَ معنى: رَوِيَ يَرْويَ، فَيَكون المَعنَى: يَرْويَ بها إذا شرب منها.
وَهَذَا في الحَقيقَة أصحُّهما، وهو مذهب البصريين.
فيكون قَولُه تعالى: ﴿وَصَّلْنَا﴾ أي: إلَيْهِم ببيان.
قوله تعالى: ﴿الْقَوْلَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [هُوَ القُرْآنُ]، ولعله أَعَمُّ مما قَالَ المُفَسِّر ﵀، فالمراد بـ ﴿الْقَوْلَ﴾ أي: قولنا، فَاللَّهُ تعالى مَا يزال يُنَزِّل لعباده مِن قَولِه وَوَحْيِه ما تَصْلُح به أُمُورُهم، حتى وَصَلَت الغايةُ إلى محمد ﷺ بالقُرْآن.
فَيَكون المَعنَى: أنَّ اللَّهَ تعالى مَا ترَكَهُم هكذا، بل ما زالت أقوالُه تصل إلَى الخَلق، وتُبَيَّنُ لهم.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: (لَعَلَّ) هنا للتَّعلِيل، أي: لأجْلِ أَنْ يتذَكَّروا، والتذكُّر بمعنى ذِكْرِ الشَّيْء، لَكن لَا لمجرد الذِّكر، ولكن للاتِّعَاظِ به.
ولهذا فالمُفَسِّرُ ﵀ دائما يُفَسِّر ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ بلازمهِ، وهو الاتِّعاظ، وإلا فأصلُ التَّذَكُّر: تَذَكَّرْتُ الشَّيْءَ، أي: كنتُ منه على ذِكْرٍ، لكن هناك لازم، وهو الاتعاظ.
أمَّا مُجَرَّدُ الذِّكْر بِدُونِ اتِّعَاظٍ، فَهَذَا لَا يَنفع، والمُفَسِّر ﵀ يقول: [يَتَّعِظُونَ] أي: تُؤَثِّر فيهم الموعظةُ والقول، (فَيُؤْمِنُونَ).
стр. 240
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إِنَّ اللَّه لم يُخْلِ الأرضَ مِن الوَحْي؛ لأن التوصيل معناه وَصْلُ الآخر بالثَّاني.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الوَحيَ مُشتمل على غايَةِ البيان؛ لأنَّنا قلنا: إِنَّ وَصَّل مُضَمَّن معنى بَيَّن.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ نِعْمَة اللَّه عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لإيصال القول إلَيْهِم، مِن قَولِه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الحِكمة مِن الوحي التذكُّر والاتعاظ؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ العِلَّة في أحكام اللَّه الكَوْنِيَّة والشرعية، وأنه لا يفعل شيئًا، ولا يُشَرِّعُه إلا لحِكْمَةٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تعليلُ أفعالِ اللَّه، وأحكامِ اللَّه الشرعية والكَوْنِيَّة، والذي خالَفَ في ذَلِكَ هُمُ الأشاعِرَة، والجَهْمِيَّة هُم الأصل، قالوا: أَفعَالُ اللَّهِ لا تُعَلَّل وأحكامُه لا تُعَلَّل.
* * *