فَطالما أنها ليس فيهَا خَيْرٌ، ثم إِنَّها تُؤَدِّي إلَى مَفْسَدَةٍ؛ قلا داعيَ لها؛ لأنَّنا إذا فَرَضْنا أَنَّ هَذَا الرَّجل لَا يَقصدُ الافْتِخَار أبدًا، فإنه بِفِعْلِه هذا يفتح بابًا لآخَرِين ليفتخروا.
* * *
стр. 253
الآية (٥٤)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ بِإِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابَيْنِ ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يَدْفَعُونَ ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ مِنْهُمْ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يَتَصَدَّقُونَ].
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشَارَة إلَى الَّذينَ أُوتوا الكتَابَ مِن قَبلُ فآمَنوا به، ثم آمَنوا بالرَّسُول ﷺ .
قَوله تعالى: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يُعْطَون أجرَهم، والفِعل مبنيٌّ للمفعول، وهو الواو في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ وتُعرب نائِبَ فاعل، والمفعول الثَّاني ﴿أَجْرَهُمْ﴾.
وأما قولُه تعالى: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾؛ فإنه مفعولٌ مُطلَق، فهو دالٌ على المصدر، لكنه بغير لفظِه، وكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى المصدر بِغَير لَفظِه فهو مفعولٌ مطلق، ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين؛ فهم ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ مرتين: المرَّة الأُولى: على الإِيمَان بالكتاب السابق، والمرَّة الثَّانية: عَلَى الإيمَان بالقُرْآن.
وأما أَهل الجاهليَّة الذي آمنوا بالقُرْآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأَنَّهم آمَنُوا به فقط، وقد ثبت بهذا الحديث عَنِ النَّبيِّ ﵊ كما في حديث هِرَقْلَ:
стр. 254
"أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ" (١).
إضافة لهذه الآية ذَكَر الذين ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، فقال: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بالنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ" (٢).
قَوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ الباء للسَّببية، و (ما) مَصْدَرِيَّة، وعلامة المَصْدَرِيَّة أنها تُحَوِّل ما بَعْدَها إلى مَصْدَر، فتكون -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ لِصبْرِهِم.
وَلَا يَصحُّ أَنْ تَكونَ (ما) هنا موصولةً، فلو كانت موصولَةً لَكَانَتْ عَلَى تَقدير الضَّمير: بالذي صَبَرُوه، وَهَذَا لَا يستقيم.
فإذن: يَتَعَيَّنُ هنا كونُها مَصْدَرِيَّة، أي: بِصَبْرِهِم، وَهُوَ أَحَدُ مَحَامِل (ما) العَشَرَة، نَذْكُرُها هنا للفائدة، جُمِعَتْ في بَيْتٍ واحدٍ مِنَ الشِّعْر:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنكْرِهَا ... بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ
وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بِصَبْرِهم على العَمَل بهما، وهذا الصَّبْر عَلَى العَمَل بهما هو مِن بَاب الصَّبْر على طاعة اللَّه، ومن باب الصَّبْر عن معصية اللَّه، ومن باب الصبر عَلَى أقدار اللَّه؛ فهُم صَبروا عَلَى طَاعَة اللَّه؛ فإن الشرع فيه أوامرُ شاقَّةٌ على
стр. 255
النُّفُوس تَحتَاج إلَى المعالجة، فهذا صبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وفي الشَّرائِع نَوَاهٍ نُهِيَ عنها، قد يَشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبرٌ عن مَعصيَة اللَّه.
كذلك أَيْضًا في الشَّرائِع إيذاء؛ فإنَّ المجرمين يُؤذُون المُؤمِنينَ، وربما يَضْرُبونَهم، وربما يقتلونهم، وهذا صَبْرٌ عَلَى أقدار اللَّه المؤلمة.
فعلى هَذَا يَكون الصَّبر عَلَى الشَّرائِع يتضمن الصَّبْر بأنواعه الثَّلاثَة: الصَّبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وعن معصيته، وعلى أقدارِه مؤلمة.
وأصلُ الصَّبْر في اللُّغَةِ الحبسُ، ومنه قَولُهم: قُتِل فلانٌ صَبْرًا، أي: محبوسًا على القتل، أُمْسِكَ وقُتِل، فمعنى الصَّبْر: حبسُ النَّفْسِ، والنَّفْسُ تَحتَاج إلَى حَبْسٍ عَلَى طَاعَة اللَّهِ ؛ لأنَّهُ كَمْ مِن إنسانٍ يَقولُ لَهَ ضميرُه: افعل كَذَا مِنَ الطاعة، وربما يفعل بعضَها، ثم يَعْجِزُ، فلا يَصْبرُ نَفْسَهُ، وكذلك بالنِّسبة للمعاصي؛ فإنَّ النفس المطمئنةَ تَزْجُرُ المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيه النفسُ الأمَّارةُ بالسُّوء فتأمُرُه بالمعصية، وحينئذ تتصارع النَّفْسان، والتوفيقُ بِيَدِ اللَّهِ .
كذلك بالنِّسبة للأقدار؛ مِنَ النَّاس مَن لَا يَصْبِرُ على الأَقْدَار، بَل إذَا نَزَلَ به القَدَر يُمكن أَنْ يَكْفُرَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
فإنَّ بَعضَ النَّاس قَد لَا يصبر على الأَقْدَار المؤلمة ويَقْنَطُ، وهناك مِنَ النَّاس مَن إذا ابتُلي بمصائبَ انْتَحَرَ، فهؤُلاءِ لم يصبروا على الأَقْدَار، فَقَتلُوا أنفُسَهم، ليعَذَّبوا بما قَتَلُوا به أنفسهم في نار جَهَنَّم، ويُخَلَّدون فيها، كما جاء في الحديث: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تحسَّى
стр. 256
سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (١).
لكن الصَّبر عَلَى الأَقْدَار المؤلمة أمرٌ يُمكن للإنسَان أَنْ يصبرَ عليه، ويُحاسب نَفْسَهُ حتى يستقيم.
والصَّبْر عَلَى طَاعَة اللَّه أفضلُ وأعلى وأَكْمَلُ مِن الصَّبرِ عَنِ المعصية، لأَنَّ فيه جهادَين: جهادًا على العَمَل، وجهادًا على تحَمُّل العَمَل، ثم الصَّبر عَنِ المعصية؛ لأنَّهُ جهادٌ واحِدٌ، عَلَى تحَمُّل تَرْكِه، فَلَيسَ فيه عَمَلٌ، يقال: لا تَزْنِ، لَا تَزْنِ. ما أُمِرْتَ وكُلِّفْتَ بفعل شيء.
والصَّبْر على الأَقْدَار المُؤْذِيَة، أو المؤلمة هو أدناهُ؛ لأنَّهُ صَبْرٌ على مَا لَا اختيارَ للمرء فيه، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلَف: "العاقِلُ يَفعل في أول يومٍ مِن المُصيبة ما يَفْعَلُه الجاهِلُ بَعْدَ أيامٍ، ومَنْ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرَ الكِرَام سَلا سَلْوَ البهائم" (٢).
كُلُّ إنسَانٍ إذا أُصِيب بمُصِيبة، وطال عليها الزَّمَن، فإنه ينسى.
ولهذا كان صبرُ يُوسُفَ على تَرْكِ الزنا بامرأةِ العَزيز أَكْمَلَ مِن صَبْرِهِ عَلَى مَا حَصَلَ مِن قَضِيَّة إخوانِه له بلا رَيْبٍ، وَلهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وَلَم يَقُلْ مِثْلَ هَذَا حِين أَلْقَوْه في غَيَابَةِ الجُبِّ.
стр. 257
فالصَّبْر على الأَقْدَار أعظمُ، فقد يُصِيبك ما يؤلمك، لكنه شيء بغير اختيارك، أما المعاصي فَقَدْ ترَكْتَها باختيارك، تستطيع أن تفعَلَها، ولكنك ما فَعَلْتَ، أَمَّا البلاءُ، فلا تستطيع له دفعًا، فالصَّبْر والاستسلام للشرع أفضلُ مِنَ الاستسلام للقَدَر، الاستسلام للشرع هُوَ الَّذي يُمْدَح عليه الإِنْسَانُ، ويُثنَى عليه، لكن الاستسلام للقَدَرِ يتساوى فيه كُلُّ النَّاس، أَمَا تسمعُ قَوْلَ الشاعر الجَاهِلي (١):
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وحتى الكُفَّار، فإنَّ أفعالَهم تُنْزِلُ بهم المصائبَ، وَلَكن لَا يَهْتَمُّ بها ويصبر، وهو كافِرٌ، ولا يَرْجُو بذلك الأجرَ والثوابَ.
وقد يَقولُ قَائِلٌ: الإنسَانُ قَدْ يَكون تمَرَّنَ على الطاعة، فصارت عليه سهلةً، ولكن المصائب لم يَتَمَرَّنْ عليها، فيجزع لذلك.
فنقول: لا، قد يَتَمَرَّنُ عليه إذَا أصيبَ في ابنٍ أَوْ في غيره، حتى العِبادة، مِثل الحَجِّ، لا يأتي إلا مَرَّة وَاحدَةً في العُمر، وَمَعَ ذَلكَ يُعْتَبَر صَبْرًا عَلَى الطَّاعَة مع مَشَقَّتِه البَدَنِيَّة، والمالية، والأمنية.
أما مسألةُ الوقوع، وعدمُ الوُقوع، فهذا شَيءٌ آخَرُ.
وهناك فَرقٌ بَينَ مَن يُكابِد الطاعة، ويجد في نَفْسِه مَشَقَّةً في مُعالجتها، وآخَرَ قد تَمَرَّنَ عليها، فصارت سهلةً عليه، فالأولُ أَشَقُّ عَمَلًا، والثَّاني أكملُ حالًا؛ لأن الطاعةَ صارت غَرِيزَةً مِن مَحَبَّتِه لها، وسُهولَتِها عليه، لكن الأول أَشَقُّ عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعطَى أجرَ الصابرين.
стр. 258
والعلماء مختلفون في هَذِهِ المسألةِ، أَيُّهم أفضلُ؟ ولكنِ الصَّوابُ هذا التفصيلُ، فيُقال: الذي يَفْعَلُ الطاعةَ، وهي سَهْلَةٌ عليه، ويَنْقَادُ لها دُونَ مُكَابَدَةٍ، هذا -لَا شَكَّ- أنه أَكْمَلُ حالًا مِن الأول، والثَّاني أَشَقُّ عليه، فيُعْطَى الأجْرَ على قَدْرِ المَشَقَّةِ النَّفْسِيَّة.
قوله ﵎: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يَدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، و ﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قَوْلِهِ تعالى: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ باء الآلَة، كَقَوْلِك: ذبحتُ بالسِّكِّين، وضربتُ بالعَصَا.
فهنا: دارئ، ومَدْرُوء، ومَدْروءٌ به، والدَّارئ في الآيَة: العامِلُون، والمَدْرُوءُ: السيئةُ، والمَدْرُوءُ به: الحسَنَة، فالحَسَنَةُ لهم بِمَنْزِلَة الآيةِ التي يَتَوَصَّلُون بهَا إلَى غَرَضِهم.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [بالسَّيّئَةِ مِنْهُمْ]، فإذا فعلوا سَيِّئة أتَوْا بَعْدَهَا بِحَسَنَةٍ، فاندفعتِ السيئةُ.
والحسنةُ التي تَدْرَأُ السيئةَ تَنقَسِم إلَى قِسمَين: قِسم يُزيل السيئة مِن بَاب المقابلة، وقِسم آخَر يُزِيل السيئة مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروءُ بها السيئةَ مِن بَابِ التوبة، فهو مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، وَإن كَانَت حسنةً أخرى، كَمَا لَو دَفَع السيئاتِ بالصلاة، كما في قَولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فهذا الدَّرْءُ مِن بَاب المقابلة، أَيْ: إِنَّ ثواب الحَسَنَة يُقابَل بعُقُوبة السيئة مِن بَابِ الموازَنَة؛ فإذا رَجَحَ ثوابُ الحسَنَةِ انْمَحَتِ السيئةُ، وإِلَّا فلا.
والأوَّلُ أكملٌ؛ لأَنَّه إذَا حَصَل صارتِ الحسنةُ الثَّانيةُ زيادةَ رِفْعَةٍ في الدرجات، وليست بمقابَلة بالسيئة.
стр. 259
ثُمَّ إنه إذَا كَانَ الدَّرْءُ مِن بَاب المقابَلة، فَقَدْ تَضْعُفُ الحسنةُ الثَّانيةُ عن مُقَابَلَةِ السيئة، فصار الدَّرْءُ بالتوبة أكملَ مِنَ الدَّرْءِ بِفِعْلِ حَسَنَةٍ أُخْرَى تُقابِل السيئةَ، وكلا الأمرين يَحْصُلُ به الدَّرْءُ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [مِنْهُمْ] كلامُه هَذَا -حَقِيقَةً- وَجِيهٌ، لَكن لَو قلنا: إنها أَعَمُّ، وإنهم يَدْرَؤُونَ بالحَسنةِ السيئةَ، منهم ومِن غَيْرِهِم، أي: إذا أُسِيءَ إلَيْهِم دَفَعُوا الإساءةَ بالإِحْسَانِ، فيكونُ هنا ثَنَاءٌ عليهم مِنْ حيثُ معاملتهم مع الخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
وَعَلَى هَذَا، فنَحْمِلُ الآيَة عَلَى المَعْنيَيْنِ: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ بالنِّسبة لمِا يَقَعُ منهم في عِبَادَة اللَّه، ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ بالنِّسبة لمَا يَقَعُ مِن غَيْرِهِم في المعَامَلَة.
قال الرَّسُول ﷺ لما سأله الرَّجُل عن إنسان يأتي ليَأْخُذَ ماله قال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ" (١).
فلذلك فإنَّ قَوْلَ المُفَسِّر ﵀ في تفسير قَولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: [مِنْهُمْ] مِنَ الصَّوابِ أَنْ نَجْعَلَهُ أَعَمَّ، أي: مِنهم في مُعَامَلَتِهم مع اللَّه، ومِن غَيرهم في مُعَامَلَتِهم مَعَ الخَلق.
стр. 260
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَتَصَدَّقُونَ]، ويُهدون أيضًا، وليس لازمًا أَنْ يتصدَّقُوا فقط؛ لأن الهَدِيَّة قَد تَكون محمودةً إذَا كَانَ الغرضُ منها جَلْبَ المَوَدَّةِ، قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (١).
الشاهد أَنَّ قَولَه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العَطاء، ومنه قَولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: أَعْطُوهم، فالرزق بمَعنَى العَطَاء.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: (مِنْ) هنا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لأنَّ إنفاقَ المالِ كُلِّهِ مِن الأُمُور المحمودة، فَقَدْ حَثَّ النَّبيُّ ﵊ قال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢).
فإذا جعلنا (مِن) لِبَيَانِ الجِنس، فيَشْمَلُ بَذْلَ المال كُلِّه، أو بَعْضِه، يعني: قد يَكونُ مِنَ الخير بَذَلَهُ كُلَّه.
وقد يَكونُ مِنَ الخِير بَذْلُ بَعْضِه حسَب الحال الذي أُنْفِقَ فيها.
وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق بمعنى البَذْلِ، لا بمعنى الصَّدَقة، لكن
стр. 261
الذي أوجبَ للمؤلف أن يَخُصَّه بالصَّدَقَة أَنَّ المقامَ مَقامُ ثَنَاءٍ، ولكن الأَولَى أَنْ نَجْعَلَه على عُمومه، ونَجْعَل معنى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يَبْذُلُون ويُعطون؛ لأن البَذْلَ قَد يَكونُ تَصَدُّقًا خيرًا، وَقَد يَكونُ البَذْلُ تَوَدُّدًا خيرًا أيضًا، وَقَد يَكون أفضلَ مِن الصدقة في بَعض الأحيان.
ويجب أن نُفَرِّقَ بين الهِبَة، والهَدِيَّة، والصَّدَقة:
الصَّدَقة: هي ما أُرِيدَ بها وجهُ اللَّه، ويُتَقَرَّبُ بها إلَى اللَّهِ، ولا يَهُمُّه تَقَرَّب إليها بمُعطًى أَم لَا.
والهَدِيَّة: ما قُصِد به التَّوَدُّد للمُعْطَى، أي يريد أَنْ يتقرب إلى المُعْطَى، ويَتَقَرَّب منه المعطَى.
والهِبَة: مَا قُصِدَ به نفعُ الموهوب فقط، لَا أَنْ يتقرب إلَى اللَّه بذلك، فهذه تُسمَّى هِبَةً.
وكُلُّها محمودة في الواقع، وَقَد يَكونُ بعضُها أَفضَلَ مِن بعضٍ، هذا عَلَى حَسَب الحال.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ المُؤمِنينَ مِنْ أَهْلِ الكتَاب لهم أَجْرَانِ: الأجرُ الأول الإِيمَان بكتابهم، والثَّاني: الإِيمَان بالقُرْآن.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ عَدْلِ اللَّهِ ؛ حَيث لَم يُضَيِّع أجرَهم الأول بالأجر الثَّاني، ولا الأجْرَ الثَّانيَ بالأجر الأول.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ العَمَل، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
الشريعة؛ فأنا ضامِنٌ أَنْ يَحصُلَ الأمنُ التامُّ.
والدَّليلُ قَولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: نَجعل لهم مكانًا آمِنًا، وَمثلَ قَولِه تعالى: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤١]، أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ الهَمْزَةُ هُنا معناها التَّقريرُ، أي: قَدْ مَكَنَّا، كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قد شرحنا لك.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ﴾ لِعُلماء النحو في هَذَا الأسلوب مذهبان:
المذهب الأول: أَنَّ الهَمْزَة داخلة على شيء مُقَدَّر، والواو، أو الفَاءُ حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى ذَلكَ المُقَدَّر.
والمذهب الثَّاني: أَنَّ الهَمزة بَعْدَ الواو مَحَلّها، لكن قُدّمت؛ لأنَّها للاستفهام، وأصلها (وَألم).
وقوله: ﴿حَرَمًا﴾ على وزن: بَطَل، فهو صِفَةٌ مُشَبَّهَة، أي: مِن الحُرمة، يعني: مكانًا حَرَمًا ذا حُرمة، ولا رَيْبَ أَنَّ مَكَّةَ المكرمة لها حُرمة عظيمة في نفوس النَّاس، حَتَّى في الجَاهِلية.
وقوله: ﴿آمِنًا﴾ اسمُ فاعل، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ الإِغَارَةِ وَالقَتْلِ الوَاقِعَيْنِ مِنْ بَعْضِ العَرَبِ عَلَى بَعْضٍ] فَجَعَل معنى ﴿آمِنًا﴾ أي: آمِنًا أهلُه، وفَسَّرَهُ بقوله: [يَأْمَنُونَ]، فَيَكون المَعنَى: آمِنًا أهلُه.
وعندي أَنَّ الوصفَ هنا للحَرَمِ؛ لأن المُفَسِّر ﵀ يَرَى أَنَّه وصفٌ سَبَبِيٌّ، وَأَنَا أَرَى أنه وصفٌ حقيقي.
стр. 282
والنَّعْتُ قَدْ يَكون نَعْتًا سببيًّا، أو نَعْتًا حقيقيًّا، فالنعتُ الحقيقي هو مَا كَانَ صِفة للمنعوت، والسببيُّ هو مَا كَانَ صِفَةً لغيره مما يتصل به، فإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائم. فهذا نعتٌ حقيقي، وإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائِمٌ أَبُوه. فهذا النعتُ سببيٌّ؛ لأن الوصف قائم، وهو يَعُود عَلَى مَن له صِلة به.
ولذلك فأنا أرى أَنَّ الحَرَم هو الآمِن، وإذا أَمِنَ المكانُ -بلا رَيْبٍ- فسوف يأمن مَن فيه، فلا يَعْتَدِي أَحَدٌ عليه، حتَّى مَن أرادَهُ بِسُوء أَتْلَفَه اللَّهُ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
فالعربُ أنفسُهم معَ كُفرهم، ومَهْمَا فَعَلَتْ قُريش لَا يُمكن أَنْ يَغْزُوا هَذَا البَيتَ أبدًا.
ثُمَّ إِنَّ أهلَ هَذَا البَيت هُم سادةُ العَرب، حَتَّى في الجَاهليَّة، فكيف يقولون: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾؟ هذا غَيرُ ممكن؛ لأن الحَرَمَ آمِنٌ، فَهُم آمنون فيه، لا يمكن أَنْ يُتَخَطَّفُوا فيه.
ثم مَعَ ذَلكَ هذا البلدُ مع كونه آمِنًا، هو أَيْضًا عَيْشٌ رَغْدٌ، ما يلحقُ أهلَه ضِيقٌ.
قوله ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ]، فتكون ﴿يُجْبَى﴾، و"تُجْبَى" (١)، وهُما قراءتان سَبْعِيَّتَان، ومعنى ﴿يُجْبَى﴾ أي: يُجمَع، وبمعنى يُؤتَى أيضًا، فالثمرات تُجمَع مِن كل أرض، ويُؤتَى بها إلَى هَذَا البلد، وَهَذَا هُوَ الواقع، قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
стр. 283
وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلَى هَذَا البَلَد في كُلِّ أوانٍ مِن المكان القريب، كالطائف وغيره، ومن المكان البعيد.
قوله تعالى: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [رِزْقًا لَهُمْ].
ومعنى الرزق: العَطاء، وهو منصوبٌ لأنَّهُ مفعولٌ مِن أَجْلِه، أو مَصدر، أو مفعولٌ مُطلَق؛ لقوله ﴿يُجْبَى﴾، يجبى عطاء.
وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: مِن عِنْدِنا، وليس لهم به حَوْلٌ، ولا قُدرة، بل الأمر مِن اللَّه ، هُوَ الَّذي جَعَل هَذِهِ الثمراتِ تُجبى إليه.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ].
المعلوم هنا محذوف في الآيَة، فَلَمْ يَقُل: لَا يَعلَمونَ كَذَا وَكَذَا، ولكن المُفَسِّر ﵀ خَصَّه بقوله: [﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ]، وعندي أَنَّ الأمرَ أَعَمُّ وأَشْمَلُ؛ لأن حَذْفَ المفعول يَدُلُّ عَلَى العُموم.
فعليه نقول: لَا يَعلَمونَ أَنَّ مَا تَقُولُه حَقٌّ، ولا يعلَمُون العاقبةَ أيضًا؛ فإن العاقبةَ أنَّه إذَا كَانَ هَذَا الحرَمُ آمِنًا في حَالِ الكُفر، وتجبى إليه الثمرات في حَال الكفر؛ فما بالُك في حَال الإِيمَان، كيف وَقَد قَالَ إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦].
فَإذَا كَانَ أهلُ هَذَا البَلَدِ مؤمنين؛ فإنَّ أَمْنَهُ يكون أَشَدَّ مِن جِهة أَنَّ المكان نَفْسَهُ آمِن، ومن جِهَة أَنَّ المؤمن الذي في هَذَا المكان آمِن أيضًا، فإذا كَانَ هَذَا الأمنُ، مع كون هَؤلَاء مِنَ المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثرَ، ولهذا لمَّا حَصَل مِن المسلمين مَا حَصلَ مِنِ انْتِهَاكِ هَذَا البَلَدِ العظيم؛ سُلِّطَ عليهم مَنْ سُلِّطَ مِنَ الظَّلَمَة،
стр. 284
مِثل قضيةِ القَرامِطَة، ومِثل ما سيكون في آخِر الزَّمان، حيث يُسَلَّطُ على البيتِ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَة، قال النَّبِيُّ ﷺ : "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا" (١).
فقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس خاصًّا بأنَّ مَا جَاءَ به هُوَ الحَقُّ، بَل هُوَ عامٌّ حَتَّى في النهاية، وفي الغاية مما لَوْ آمَنوا.
* * *
стр. 285
الآية (٥٨)
* * *
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ عَيْشَهَا، وَأُرِيدَ بِالْقَرْيَةِ أَهْلُهَا ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لِلْمَارَّةِ يَوْمًا، أَوْ بَعْضَهُ ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ مِنْهُمْ].
هذه فائدةُ ذِكر إهلاك القُرى السَّابِقة لأَجْل أَنْ يُقالَ لقريش: الكفر لا يَمنَع الخوف، ولا يَمنَع العقوبة، بل إِنَّهُ سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تَخَطَّفَنا النَّاس. هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هُوَ الحَقيقَة، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فكأن اللَّه يُدَلِّل لتكذيب هؤُلاءِ بأن الكفر أهلكَ الأُمَم السَّابقَة التي بَطِرَت معيشتَها.
وقد أبطل اللَّهُ كلام هَؤلَاء الكُفَّار للرسول ﷺ ، لما قالوا: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أبطله بالسلب والإيجاب:
أما الإيجاب: فقال: إننا مَكَنَّا لهم حَرَما آمِنًا لَا يُمكن أَنْ يَكونَ هَذَا البَلَدُ خائفًا، فَإذَا كَانَ آمِنًا في حَال الكُفر فَفِي حالِ الإِيمَان مِن بَاب أَوْلَى.
وأما السلب: فقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾،