← Тафсир

Тафсир · id 21805

تفسير العثيمين: القصص

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

آمنوا، وَلَكن مَا آمن إلا بعضُهم، لَكن هَذَا الإِيمَان مِن بعضهم حمَلَه عليه العِلَّة الشاملة لجميع الجنس. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الثناء البالِغ عَلَى الَّذينَ آمَنوا بالقُرْآن، وبالكتب السَّابقة؛ لقوله: ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ صِفَةَ النَّبيّ ﷺ موجودة في التَّورَاة وَالإنجيل، وهذا صَريحٌ في آيَة الأعراف: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، إلَى آخِره. * * *

стр. 247

الآية (٥٣) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الْقُرْآنُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ مُوَحِّدِينَ]. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾: (إذا) شَرطية، وجواب الشرط مُتصل بِفِعْلِه مباشرة بمعنى: أنه متى وُجد فِعل الشرطِ وُجِدَ جوابُه، فهو مِن الاتصالِ الوُقُوعِي: إذا وُجِد الشرطُ وُجِدَ المشروط. فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، لَم يَقُل: إذا تُلِيَ، وإنما جاء بالمضارع، أي: إِنَّ أَيَّ آيةٍ تُتلى عليهم يقولون: آمنا بها. فهُم لَمْ يُؤمِنوا بالقُرْآن جُملةً، بل آمنوا بالقُرْآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع يَدُلُّ على الاستمرار، فكُلَّما تُلِيَت عليهم آيةٌ آمَنوا بها، فزادتهم إيمانًا. ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: يُقرأ عليهم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي مُباشَرة، بلا تَرَدُّد، أو نَظَر، أو تفكير؛ لأنَّنا قلنا: إِنَّ جَوَاب الشَّرط ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يلي فِعل الشرط ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ مباشرة، أي: بالذي تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن؛ قليلًا كان، أو كثيرًا، ثم بَيَّنوا أنَّ إيمانَهم هذا عن اقتناع، وعلى أساس.

стр. 248

قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: ما تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشَّيْء الثابت الواقع، الصادق خَبَرًا، العادِلُ حُكمًا. ونرى أَنَّهَم قَالوا: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن اللَّه؛ لأن الرَّبَّ هُوَ الَّذي له التصرُّف المطلَق، فهو يتصرف بعِبَادِه شَرْعًا وقَدَرًا، فكأنهم يقولون: إنَّ رَبَّنَا لن يُخْلِيَنا مِن أَنْ يُنَزِّل القُرآن، ولهُ الحُكم والتصرف المطلَق؛ كونًا وشرعًا. وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ هذا إشَارَة إلَى أنهم ﵃ يفتخرون بانتسابهم إلَى اللَّه . وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ الجُملة مِن حيثُ المعنى تَعليليَّة لمَا قَبلَهَا، يعني: آمنا به، لا لأَنَّهُ أَعْجَبَنا حُسنُه وبيانُه وبلاغتُه، ولكنَّا آمَنَّا به لأنّه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾. فَإذَا قَالَ قَائل: إذَا كَانَتِ الجُملة تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة، فيُقال: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، لأَنَّ الجُملة التَّعليلِيَّة على تقدير (اللام)، و (اللامُ) إذا اتصلت بـ (إِنَّ) وَجَبَ فتحُ همزتها، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وَلَم يَقُل: (إنهم إلى ربهم)؟ قلنا: الجُملة التَّعليلِيَّة قد تكون تعليليَّة مِن حيثُ المعنى فقط، وَقَد تَكون تعليلية مِن حيث اللفظِ مع المعنى؛ فإن لُوحِظ مَعَهَا اللفظُ مع المعنى، فإنها الهمزة تُفتح؛ لأنَّها عَلَى تَقدير اللام، وإِنْ لُوحظ المعنى فقط؛ فإنها تُكسَرُ الهمزة، وهنا لوحظ المعنى فقط. ونقول: لكُلِّ مَقامٍ مَقَالٌ، فمُلاحظة المعنى فائدتُها أَنَّ الجُملة تكون مِن حيثُ اللفظُ منقطعة عما قَبْلَها، فكأنها جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ،

стр. 249

لكن إفادةُ التَّعلِيل مِن السياق. وأمَّا التَّعليلِيَّة اللفظية فَإنَّهَا تَكون مرتبطةً بما قَبْلَها، قال ابن مالك (١): فَاكْسِرْ فِي الِابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ ... وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِين مُكْمِلَهْ فَهَذَا هُوَ الفَرق بين الجملة التَّعليلِيَّة التي قُصِد بها اللفظ والمعنى، والتي قُصِد بها المعنى فقط. قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي مِن قَبْل القُرْآن. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [مُوَحِّدِينَ]، وَلَو أَنَّه فسَّر الإِسْلام بظاهِرِهِ لَكَان أَولى؛ لأن الإِسْلام معناه الاستسلام والانقِياد، وأصلُه مِن عَدَمِ المعارضة والمُحَارَبَة، ولهذا يُقالُ: السِّلْم والإِسْلام، معناه عدمُ المعارضة والمحاربة، فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: مُنْقَادِين مُذْعِنِين للحَقِّ. وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ لَيسَ المرَادُ بذلك الفَخْرَ والإعجابَ بالعَمَل قطعًا؛ لأن السياق سياقُ ثَناء، وَلَكنَّ المرَادَ بذلك الثَّناءُ عَلَى اللَّه بما كانوا عَلَيه في الحالَين: في الحالِ السَّابِقة، وفي الحال الثَّانية، في الحَال الثَّانية ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، والحال الأُولى: كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: مُنْقَادِين مُتَّبِعِين للرسول ﷺ الَّذي جَاءَ إلَيْهِم. وقوله: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ خَبْرُ ﴿كُنَّا﴾، ولو تَقَدَّم عليه قوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأَنَّ الخَبَرَ هو ما تَحْصُلُ به الْفَائِدَة، سواءٌ تَقَدَّمَ، أو تَأَخَّرَ.

стр. 250

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: زيادةُ الثَّنَاء عَلَى هَؤلَاء بأنهم يُؤمنون بِكُلِّ مَا يتلَى عَلَيهم، فَهُم قَد آمَنوا بالقُرْآن جُملة وتفصيلًا، وأخذنا ذَلكَ مِن قَولِه: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾، ﴿يُتْلَى﴾ فِعْل مُضارِعٌ يَدُلُّ عَلَى الحُدوث والاستمرار، وَيَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ والحُدوث، وَأَنَّ هَذَا شأنُهم كُلَّما تُلِيَ عليهم. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهم آمَنوا لَا لمجرد الهوى، ولكن آمَنوا إيمَانًا مَبنيًّا عَلَى اقتناعٍ، يُؤخَذ مِن قَولهِم: ﴿آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، فما آمنوا هكذا تبعًا للنَّاسِ، ولكن آمنوا عن اقتناعٍ بأنه الحقُّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ القُرْآنَ مِن عند اللَّه؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: كمالُ عقل هَؤلَاء الَّذينَ آمَنوا، حيث عَبَّرُوا هنا بالرُّبوبية بقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ دُونَ الأُلوهيَّة؛ لأن المقام يَقتَضي ذَلكَ، فإن الرَّبَّ لَهُ الحُكمُ يَحكُم بمَا يَشَاء كونًا وشرعًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ هَؤلَاء كَانوا مؤمنينَ مسلمين مُنْقَادِينَ للكُتب السَّابقة؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَواز ثناء المَرء عَلَى نَفسه بِالصِّفات المحمودة، بِشَرط أَن تَكونَ في ذَلكَ مَصلَحَةٌ، وَأَلَّا يَكونَ فيه افتخارٌ، وعُلُوٌّ عَلَى غَيرِه؛ لقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، وَهَذَا أَمْرٌ واقعٌ مِنَ الرَّسول ﷺ وَمنَ الصَّحَابَة، ومن أَهلِ العِلم، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ" (١).

стр. 251

وَقَالَ ابنُ مَسعود: "وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ، تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ" (١). وهذا ثَنَاء عَلَى نَفسه لَكن لمصلحةٍ، والعُلماء كثيرًا إذا كَتبوا كتَابًا يُثنون عَلَيه بمَا يَقتَضي هَذَا الكتَاب مِن أوصاف الثناء، وَمَعلُوم أَنَّ الثَّنَاء عَلَى الكتَاب ثَنَاءٌ عَلَى مُصَنِّفِه، فلو أنك أثنيتَ عَلَى هَذَا البناء فَأَنتَ في الواقع قد أثنيتَ على الباني، فَهَذه المَسأَلَة يَجوز للإنسَان أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَفسه بصفَات الحَمد بشرطين: الشرط الأول: ألَّا يُريدَ بذَلكَ الافْتِخَارَ عَلَى غَيره، ووجهُه ظاهِر؛ لأَنَّه إذَا قَصَدَ بذَلكَ الافْتِخَارَ، والعُلُوَّ عَلَى النَّاس، فَهَذَا قصدٌ مُحَرَّم، وَلهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ" (٢). والشرط الثَّاني: أَن تَكونَ في ذَلكَ مَصلَحَةٌ؛ لأَنَّه إذَا لَم تَكن فيه مصلحة، كَانَ لَغْوًا مِنَ القول؛ لأَنَّ الإنسَانَ يَمْدَحُ نَفسَه دُونَ مصلحة، إلَّا أَنَّه لَولَا أَنَّه يريد أَنْ يُبْرِزَ صفاتِهِ لِيَفْتَخِرَ بهَا عَلَى غَيرِه، مَا فَعَلَ ذَلكَ، حَتَّى لَو قَالَ: أَنَّا لَا أريد الفَخْرَ. فالأصلُ أنَّ هَذَا لَغْوٌ مِنَ القَولِ؛ إذ لَا فَائدَةَ منه، والرَّسُول ﷺ يقول: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣).

стр. 252

فَطالما أنها ليس فيهَا خَيْرٌ، ثم إِنَّها تُؤَدِّي إلَى مَفْسَدَةٍ؛ قلا داعيَ لها؛ لأنَّنا إذا فَرَضْنا أَنَّ هَذَا الرَّجل لَا يَقصدُ الافْتِخَار أبدًا، فإنه بِفِعْلِه هذا يفتح بابًا لآخَرِين ليفتخروا. * * *

стр. 253

الآية (٥٤) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٤]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ بِإِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابَيْنِ ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يَدْفَعُونَ ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ مِنْهُمْ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يَتَصَدَّقُونَ]. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشَارَة إلَى الَّذينَ أُوتوا الكتَابَ مِن قَبلُ فآمَنوا به، ثم آمَنوا بالرَّسُول ﷺ . قَوله تعالى: ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ أي: يُعْطَون أجرَهم، والفِعل مبنيٌّ للمفعول، وهو الواو في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتَوْنَ﴾ وتُعرب نائِبَ فاعل، والمفعول الثَّاني ﴿أَجْرَهُمْ﴾. وأما قولُه تعالى: ﴿مَرَّتَيْنِ﴾؛ فإنه مفعولٌ مُطلَق، فهو دالٌ على المصدر، لكنه بغير لفظِه، وكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى المصدر بِغَير لَفظِه فهو مفعولٌ مطلق، ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين؛ فهم ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ﴾ مرتين: المرَّة الأُولى: على الإِيمَان بالكتاب السابق، والمرَّة الثَّانية: عَلَى الإيمَان بالقُرْآن. وأما أَهل الجاهليَّة الذي آمنوا بالقُرْآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأَنَّهم آمَنُوا به فقط، وقد ثبت بهذا الحديث عَنِ النَّبيِّ ﵊ كما في حديث هِرَقْلَ:

стр. 254

"أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ" (١). إضافة لهذه الآية ذَكَر الذين ﴿يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾، فقال: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بالنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ" (٢). قَوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ الباء للسَّببية، و (ما) مَصْدَرِيَّة، وعلامة المَصْدَرِيَّة أنها تُحَوِّل ما بَعْدَها إلى مَصْدَر، فتكون -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ لِصبْرِهِم. وَلَا يَصحُّ أَنْ تَكونَ (ما) هنا موصولةً، فلو كانت موصولَةً لَكَانَتْ عَلَى تَقدير الضَّمير: بالذي صَبَرُوه، وَهَذَا لَا يستقيم. فإذن: يَتَعَيَّنُ هنا كونُها مَصْدَرِيَّة، أي: بِصَبْرِهِم، وَهُوَ أَحَدُ مَحَامِل (ما) العَشَرَة، نَذْكُرُها هنا للفائدة، جُمِعَتْ في بَيْتٍ واحدٍ مِنَ الشِّعْر: سَتَفْهَمُ شَرْطَ الوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنكْرِهَا ... بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ وقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بِصَبْرِهم على العَمَل بهما، وهذا الصَّبْر عَلَى العَمَل بهما هو مِن بَاب الصَّبْر على طاعة اللَّه، ومن باب الصَّبْر عن معصية اللَّه، ومن باب الصبر عَلَى أقدار اللَّه؛ فهُم صَبروا عَلَى طَاعَة اللَّه؛ فإن الشرع فيه أوامرُ شاقَّةٌ على

стр. 255

النُّفُوس تَحتَاج إلَى المعالجة، فهذا صبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وفي الشَّرائِع نَوَاهٍ نُهِيَ عنها، قد يَشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبرٌ عن مَعصيَة اللَّه. كذلك أَيْضًا في الشَّرائِع إيذاء؛ فإنَّ المجرمين يُؤذُون المُؤمِنينَ، وربما يَضْرُبونَهم، وربما يقتلونهم، وهذا صَبْرٌ عَلَى أقدار اللَّه المؤلمة. فعلى هَذَا يَكون الصَّبر عَلَى الشَّرائِع يتضمن الصَّبْر بأنواعه الثَّلاثَة: الصَّبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وعن معصيته، وعلى أقدارِه مؤلمة. وأصلُ الصَّبْر في اللُّغَةِ الحبسُ، ومنه قَولُهم: قُتِل فلانٌ صَبْرًا، أي: محبوسًا على القتل، أُمْسِكَ وقُتِل، فمعنى الصَّبْر: حبسُ النَّفْسِ، والنَّفْسُ تَحتَاج إلَى حَبْسٍ عَلَى طَاعَة اللَّهِ ؛ لأنَّهُ كَمْ مِن إنسانٍ يَقولُ لَهَ ضميرُه: افعل كَذَا مِنَ الطاعة، وربما يفعل بعضَها، ثم يَعْجِزُ، فلا يَصْبرُ نَفْسَهُ، وكذلك بالنِّسبة للمعاصي؛ فإنَّ النفس المطمئنةَ تَزْجُرُ المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيه النفسُ الأمَّارةُ بالسُّوء فتأمُرُه بالمعصية، وحينئذ تتصارع النَّفْسان، والتوفيقُ بِيَدِ اللَّهِ . كذلك بالنِّسبة للأقدار؛ مِنَ النَّاس مَن لَا يَصْبِرُ على الأَقْدَار، بَل إذَا نَزَلَ به القَدَر يُمكن أَنْ يَكْفُرَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. فإنَّ بَعضَ النَّاس قَد لَا يصبر على الأَقْدَار المؤلمة ويَقْنَطُ، وهناك مِنَ النَّاس مَن إذا ابتُلي بمصائبَ انْتَحَرَ، فهؤُلاءِ لم يصبروا على الأَقْدَار، فَقَتلُوا أنفُسَهم، ليعَذَّبوا بما قَتَلُوا به أنفسهم في نار جَهَنَّم، ويُخَلَّدون فيها، كما جاء في الحديث: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تحسَّى

стр. 256

سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (١). لكن الصَّبر عَلَى الأَقْدَار المؤلمة أمرٌ يُمكن للإنسَان أَنْ يصبرَ عليه، ويُحاسب نَفْسَهُ حتى يستقيم. والصَّبْر عَلَى طَاعَة اللَّه أفضلُ وأعلى وأَكْمَلُ مِن الصَّبرِ عَنِ المعصية، لأَنَّ فيه جهادَين: جهادًا على العَمَل، وجهادًا على تحَمُّل العَمَل، ثم الصَّبر عَنِ المعصية؛ لأنَّهُ جهادٌ واحِدٌ، عَلَى تحَمُّل تَرْكِه، فَلَيسَ فيه عَمَلٌ، يقال: لا تَزْنِ، لَا تَزْنِ. ما أُمِرْتَ وكُلِّفْتَ بفعل شيء. والصَّبْر على الأَقْدَار المُؤْذِيَة، أو المؤلمة هو أدناهُ؛ لأنَّهُ صَبْرٌ على مَا لَا اختيارَ للمرء فيه، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلَف: "العاقِلُ يَفعل في أول يومٍ مِن المُصيبة ما يَفْعَلُه الجاهِلُ بَعْدَ أيامٍ، ومَنْ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرَ الكِرَام سَلا سَلْوَ البهائم" (٢). كُلُّ إنسَانٍ إذا أُصِيب بمُصِيبة، وطال عليها الزَّمَن، فإنه ينسى. ولهذا كان صبرُ يُوسُفَ على تَرْكِ الزنا بامرأةِ العَزيز أَكْمَلَ مِن صَبْرِهِ عَلَى مَا حَصَلَ مِن قَضِيَّة إخوانِه له بلا رَيْبٍ، وَلهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وَلَم يَقُلْ مِثْلَ هَذَا حِين أَلْقَوْه في غَيَابَةِ الجُبِّ.

стр. 257

فالصَّبْر على الأَقْدَار أعظمُ، فقد يُصِيبك ما يؤلمك، لكنه شيء بغير اختيارك، أما المعاصي فَقَدْ ترَكْتَها باختيارك، تستطيع أن تفعَلَها، ولكنك ما فَعَلْتَ، أَمَّا البلاءُ، فلا تستطيع له دفعًا، فالصَّبْر والاستسلام للشرع أفضلُ مِنَ الاستسلام للقَدَر، الاستسلام للشرع هُوَ الَّذي يُمْدَح عليه الإِنْسَانُ، ويُثنَى عليه، لكن الاستسلام للقَدَرِ يتساوى فيه كُلُّ النَّاس، أَمَا تسمعُ قَوْلَ الشاعر الجَاهِلي (١): وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ وحتى الكُفَّار، فإنَّ أفعالَهم تُنْزِلُ بهم المصائبَ، وَلَكن لَا يَهْتَمُّ بها ويصبر، وهو كافِرٌ، ولا يَرْجُو بذلك الأجرَ والثوابَ. وقد يَقولُ قَائِلٌ: الإنسَانُ قَدْ يَكون تمَرَّنَ على الطاعة، فصارت عليه سهلةً، ولكن المصائب لم يَتَمَرَّنْ عليها، فيجزع لذلك. فنقول: لا، قد يَتَمَرَّنُ عليه إذَا أصيبَ في ابنٍ أَوْ في غيره، حتى العِبادة، مِثل الحَجِّ، لا يأتي إلا مَرَّة وَاحدَةً في العُمر، وَمَعَ ذَلكَ يُعْتَبَر صَبْرًا عَلَى الطَّاعَة مع مَشَقَّتِه البَدَنِيَّة، والمالية، والأمنية. أما مسألةُ الوقوع، وعدمُ الوُقوع، فهذا شَيءٌ آخَرُ. وهناك فَرقٌ بَينَ مَن يُكابِد الطاعة، ويجد في نَفْسِه مَشَقَّةً في مُعالجتها، وآخَرَ قد تَمَرَّنَ عليها، فصارت سهلةً عليه، فالأولُ أَشَقُّ عَمَلًا، والثَّاني أكملُ حالًا؛ لأن الطاعةَ صارت غَرِيزَةً مِن مَحَبَّتِه لها، وسُهولَتِها عليه، لكن الأول أَشَقُّ عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعطَى أجرَ الصابرين.

стр. 258

والعلماء مختلفون في هَذِهِ المسألةِ، أَيُّهم أفضلُ؟ ولكنِ الصَّوابُ هذا التفصيلُ، فيُقال: الذي يَفْعَلُ الطاعةَ، وهي سَهْلَةٌ عليه، ويَنْقَادُ لها دُونَ مُكَابَدَةٍ، هذا -لَا شَكَّ- أنه أَكْمَلُ حالًا مِن الأول، والثَّاني أَشَقُّ عليه، فيُعْطَى الأجْرَ على قَدْرِ المَشَقَّةِ النَّفْسِيَّة. قوله ﵎: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يَدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، و ﴿السَّيِّئَةَ﴾ مفعول به، والباء في قَوْلِهِ تعالى: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ باء الآلَة، كَقَوْلِك: ذبحتُ بالسِّكِّين، وضربتُ بالعَصَا. فهنا: دارئ، ومَدْرُوء، ومَدْروءٌ به، والدَّارئ في الآيَة: العامِلُون، والمَدْرُوءُ: السيئةُ، والمَدْرُوءُ به: الحسَنَة، فالحَسَنَةُ لهم بِمَنْزِلَة الآيةِ التي يَتَوَصَّلُون بهَا إلَى غَرَضِهم. يقول المُفَسِّرُ ﵀: [بالسَّيّئَةِ مِنْهُمْ]، فإذا فعلوا سَيِّئة أتَوْا بَعْدَهَا بِحَسَنَةٍ، فاندفعتِ السيئةُ. والحسنةُ التي تَدْرَأُ السيئةَ تَنقَسِم إلَى قِسمَين: قِسم يُزيل السيئة مِن بَاب المقابلة، وقِسم آخَر يُزِيل السيئة مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروءُ بها السيئةَ مِن بَابِ التوبة، فهو مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، وَإن كَانَت حسنةً أخرى، كَمَا لَو دَفَع السيئاتِ بالصلاة، كما في قَولِه تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فهذا الدَّرْءُ مِن بَاب المقابلة، أَيْ: إِنَّ ثواب الحَسَنَة يُقابَل بعُقُوبة السيئة مِن بَابِ الموازَنَة؛ فإذا رَجَحَ ثوابُ الحسَنَةِ انْمَحَتِ السيئةُ، وإِلَّا فلا. والأوَّلُ أكملٌ؛ لأَنَّه إذَا حَصَل صارتِ الحسنةُ الثَّانيةُ زيادةَ رِفْعَةٍ في الدرجات، وليست بمقابَلة بالسيئة.

стр. 259

ثُمَّ إنه إذَا كَانَ الدَّرْءُ مِن بَاب المقابَلة، فَقَدْ تَضْعُفُ الحسنةُ الثَّانيةُ عن مُقَابَلَةِ السيئة، فصار الدَّرْءُ بالتوبة أكملَ مِنَ الدَّرْءِ بِفِعْلِ حَسَنَةٍ أُخْرَى تُقابِل السيئةَ، وكلا الأمرين يَحْصُلُ به الدَّرْءُ. وقول المُفَسِّر ﵀: [مِنْهُمْ] كلامُه هَذَا -حَقِيقَةً- وَجِيهٌ، لَكن لَو قلنا: إنها أَعَمُّ، وإنهم يَدْرَؤُونَ بالحَسنةِ السيئةَ، منهم ومِن غَيْرِهِم، أي: إذا أُسِيءَ إلَيْهِم دَفَعُوا الإساءةَ بالإِحْسَانِ، فيكونُ هنا ثَنَاءٌ عليهم مِنْ حيثُ معاملتهم مع الخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]. وَعَلَى هَذَا، فنَحْمِلُ الآيَة عَلَى المَعْنيَيْنِ: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ بالنِّسبة لمِا يَقَعُ منهم في عِبَادَة اللَّه، ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ بالنِّسبة لمَا يَقَعُ مِن غَيْرِهِم في المعَامَلَة. قال الرَّسُول ﷺ لما سأله الرَّجُل عن إنسان يأتي ليَأْخُذَ ماله قال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ" (١). فلذلك فإنَّ قَوْلَ المُفَسِّر ﵀ في تفسير قَولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: [مِنْهُمْ] مِنَ الصَّوابِ أَنْ نَجْعَلَهُ أَعَمَّ، أي: مِنهم في مُعَامَلَتِهم مع اللَّه، ومِن غَيرهم في مُعَامَلَتِهم مَعَ الخَلق.

стр. 260

قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَتَصَدَّقُونَ]، ويُهدون أيضًا، وليس لازمًا أَنْ يتصدَّقُوا فقط؛ لأن الهَدِيَّة قَد تَكون محمودةً إذَا كَانَ الغرضُ منها جَلْبَ المَوَدَّةِ، قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (١). الشاهد أَنَّ قَولَه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العَطاء، ومنه قَولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]، أي: أَعْطُوهم، فالرزق بمَعنَى العَطَاء. قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: (مِنْ) هنا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لأنَّ إنفاقَ المالِ كُلِّهِ مِن الأُمُور المحمودة، فَقَدْ حَثَّ النَّبيُّ ﵊ قال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢). فإذا جعلنا (مِن) لِبَيَانِ الجِنس، فيَشْمَلُ بَذْلَ المال كُلِّه، أو بَعْضِه، يعني: قد يَكونُ مِنَ الخير بَذَلَهُ كُلَّه. وقد يَكونُ مِنَ الخِير بَذْلُ بَعْضِه حسَب الحال الذي أُنْفِقَ فيها. وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق بمعنى البَذْلِ، لا بمعنى الصَّدَقة، لكن

стр. 261

الذي أوجبَ للمؤلف أن يَخُصَّه بالصَّدَقَة أَنَّ المقامَ مَقامُ ثَنَاءٍ، ولكن الأَولَى أَنْ نَجْعَلَه على عُمومه، ونَجْعَل معنى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أي: يَبْذُلُون ويُعطون؛ لأن البَذْلَ قَد يَكونُ تَصَدُّقًا خيرًا، وَقَد يَكونُ البَذْلُ تَوَدُّدًا خيرًا أيضًا، وَقَد يَكون أفضلَ مِن الصدقة في بَعض الأحيان. ويجب أن نُفَرِّقَ بين الهِبَة، والهَدِيَّة، والصَّدَقة: الصَّدَقة: هي ما أُرِيدَ بها وجهُ اللَّه، ويُتَقَرَّبُ بها إلَى اللَّهِ، ولا يَهُمُّه تَقَرَّب إليها بمُعطًى أَم لَا. والهَدِيَّة: ما قُصِد به التَّوَدُّد للمُعْطَى، أي يريد أَنْ يتقرب إلى المُعْطَى، ويَتَقَرَّب منه المعطَى. والهِبَة: مَا قُصِدَ به نفعُ الموهوب فقط، لَا أَنْ يتقرب إلَى اللَّه بذلك، فهذه تُسمَّى هِبَةً. وكُلُّها محمودة في الواقع، وَقَد يَكونُ بعضُها أَفضَلَ مِن بعضٍ، هذا عَلَى حَسَب الحال. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ المُؤمِنينَ مِنْ أَهْلِ الكتَاب لهم أَجْرَانِ: الأجرُ الأول الإِيمَان بكتابهم، والثَّاني: الإِيمَان بالقُرْآن. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ عَدْلِ اللَّهِ ؛ حَيث لَم يُضَيِّع أجرَهم الأول بالأجر الثَّاني، ولا الأجْرَ الثَّانيَ بالأجر الأول. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ العَمَل، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ

стр. 262

ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. فهؤُلاءِ كان ثوابُهم مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهم عَمِلُوا مَرَّتَيْنِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الأَسْباب والعِلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضِيلَةُ الصَّبْر، طالما أَنَّ الصَّبرَ سببٌ للأجر؛ فَلَا شَكَّ أَنَّه صِفَة حميدة، وفاضلة. وَقَد ذَكَرنَا قَبلَ ذَلكَ أَنَّ الصَّبرَ يَنقَسم إلَى ثَلَاثَةِ أَقسَام: صَبرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّه، وصَبرٌ عن مَعصيَةِ اللَّه، وصَبرٌ على أقدار اللَّه، وأنَّ أَفْضَلَهَا أَوَّلهُا، ثم الثَّاني، ثم الثالث. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الحَسَنَاتِ لُذْهِبْنَ السَّيّئَات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّه يَنبَغي مقابَلةُ المسيءِ بالإِحْسَان، فالحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئاتِ، فالآية -كَمَا قُلنَا- عامَّه لِدَرْئِه سيئاتِهم بحَسَنَاتِهم، ودَرْئِهم سيئاتِ غَيْرِهِم بالإحسَان إلَيهمْ، وَأَتَيْنَا لذلك بشاهِدٍ مِنَ القُرْآن، لكن دَرْءُ سيئات الآخرين بالإِحْسَان إلَيْهِم ثقيلٌ عَلَى المَرْءِ جِدًّا، وَلهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]. وأكثرُ النَّاسِ يَقُول: واللَّهِ لَأَكِيلَنَّ له الصَّاعَ بالصَّاعَين، والصَّفْعَةَ بالصَّفْعَتَيْنِ، لكن الأمر لَيسَ كَذَلكَ، قَالَ تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فكانت النتيجة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وأتى بـ (إذَا) الفُجَائِيَّة؛ للدَّلَالَة عَلَى أَنَّ هَذَا الأَمرَ يتحول بسرعة، فهذا العَدُوُّ يتحول بسرعة ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾،

стр. 263

يعني: صديق قريب لك. وهَذَا يَنبَغي أَلَّا يَكونَ مَظْهَرَ عَجْزٍ في المرء؛ فَإن كَانَ مَظْهَرَ عَجْزٍ في المرء فَلَا يَنبَغي؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وَلَو كَانَ فَاسقًا، هذا بالنِّسبة لِحَقِّكَ الخاصِّ، أَمَّا بالنِّسبة لحَقِّ اللَّهِ فَلَا، بل يُعَامَلُ بمَا يَقتَضِيه الشرعُ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلَةُ الإنفَاق مِن رِزق اللَّه لقَوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ المنفِقَ لَمْ يُنفق ممَّا صَنَعَه، أو اكتسبَه بنفسِه، ولكن يُنفق مِن رزق اللَّه، فاللَّهُ هُوَ الَّذي رَزَقَك، وَهُوَ الَّذي أَمَرَكَ، فَأَنتَ في الحَقيقَة خادِمٌ، عَبْدٌ مُتَصَرِّفٌ حَسَبَ أَمْرِ سَيِّدِكَ، قَالَ لَك: اكْتَسِبْ. فَاكْتَسَبْتَ، قَالَ لَك: أَنْفِقْ. فَأَنْفَقْتَ. الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: قوُله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وقولُه في وَصْفِ عِبَادِ الرَّحمَن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وَبَينَ قَولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، نَجمَع بَينَهَما بأَنَّ غالِبَ أَحوَالِ النَّاس أَلَّا يُنْفِقُوا جَميعَ أَموَالهم؛ لأن إنفَاق جَميع المَال قَد يَكون مُضِرًّا بهم، لَكِن في بَعضِ الأحيان يكون إنفَاقُ جَميعِ المَالِ محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تُنْفِق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنْفِق كُلَّ مَا عندَك. لكن النُّصوص الأُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَسأَلةَ مَبنيَّةٌ عَلَى تَغَيُّرِ الحُكم بِتَغَيُّرِ الأحوالِ، فَقَد يَكونُ الأفضلُ إنفَاقَ جَميع المَال، وَقَد يَكون مِنَ الأفضل إنفاقُ بَعْضِه. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإنفَاقَ مِن رِزْقِ اللَّهِ ﵎ محمودٌ، في قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.

стр. 264

والرزق -كما عَرَفْنَا في بَابِ العقيدة- لَا يَجتَمِع مِن حلالٍ وَضِدِّه. يقول السَّفَارِينِيُّ (١): وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ... أَوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ المُحَالِ وضِدُّ الحلال هو الحرامُ، فلا يُحمد الإنسَان إذَا أَنفَقَ مِن حَرَام؛ لأَنَّه مَا يُثاب عليه، والواجب عَلَيه أَنْ يَرُدَّ الشَّيْء، ويتخلص منه، لَكنَّ المرَادَ هنا بالرّزق الَّذي يُحمد عَلَى الإنفَاق منه إذَا كَانَ رزقًا حلالًا، أَمَّا مَن اكتسب شيئًا حرامًا؛ فَإنَّ النَّبيَّ ﵊ قال: "إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَما قَسَمَ بَيْنكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ يُعْطي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ، وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطي الدِّينَ إِلَّا لمِنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ"، قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ، وَلَا يَكْسِبُ عَبْد مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالحَسَنِ، إِنَّ الخَبِيثَ لَا يَمْحُو الخَبِيثَ" (٢). وَهَذَا يَدلُّ عَلَى أَنَّ الإنفَاقَ مِنَ المُحَرَّمِ لَا يَنفَعُ المرءَ، لكن ينفعه إذا أنفقه يُريد التخلُّص منه، بمَعنَى أَنَّه لَا يَلحَقُه شَيء مِن جَرَّائه، وينفعه؛ لأن إنفاقه للتَّخَلُّص منه تَوْبَةٌ، والتوبةُ تنفع العبد. * * *

стр. 265

الآية (٥٥) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ الشَّتْمَ وَالْأَذَى مِنَ الْكُفَّارِ ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سَلَامُ مُتَارَكَةٍ، أَيْ سَلِمْتُمْ مِنَّا مِنَ الشَّتْمِ وَغَيْرِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ لَا نَصْحَبُهُمْ]. قوله : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾ يجب بدايةً أَنْ نَعْرِفَ الفَرقَ بَينَ (سَمِعَ)، و (اسْتَمِعَ)، فالسامِع: هُوَ الَّذي أَدرَكَ الصوتَ دُونَ قَصْد. والمستمع: هُوَ الَّذي أَدرَكَهُ بِقَصْدٍ. ولهذا نقول: يُسَنُّ سُجود التّلَاوَة للمُستمع دُون السَّامع. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَؤلَاء لَا يستمعون إلَى القَول، ولكن يسمعونَه، كَقَولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، مَرُّوا به، وَمَا جلسوا عنده. هَؤلَاء أَيْضًا ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [الشَّتْمَ وَالْأَذَى مِنَ الْكُفَّارِ].

стр. 266

أَيضًا هَذَا تَخصيصٌ لمَا هُوَ أَعَمُّ؛ فإنَّ اللَّغْوَ يشمل مَا قَالَهُ المُفَسِّر ﵀، ويشمل أَيْضًا كُلَّ كَلَام لَا خَيرَ فيه، سَوَاءٌ كَانَ فيه شَرٌّ أَمْ لَم يَكُن. فهؤُلاءِ في غَايَة ما يَكونُ مِنَ الجِدِّ، وحِفظ الوقت، لا يستمعون إلَى كَلَام لَغْوٍ، وَاللَّهُ ﵎ مَدَح الَّذينَ لَا يستمعون اللَّغْو، والنَّبيّ ﵊ يقول: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ" (١). والمقابلُ للخَيْر الشَّرُّ، وَمَا لَا خَيرَ فيه، وَلَا شَرَّ، وهو اللغو، فالأصح أنه يشمل كُلَّ كَلَامٍ لَا خَيرَ فيه، سَوَاءٌ كَانَ فيه أَذًى وشَرٌّ، أَمْ لَم يَكن، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ بأبدانهم، أو بأبدانهم وقلوبهم، أو بقلوبهم فَقَط حَسَب الحال، وَلَكنَّ الأَصلَ هو القُلوب، لَكن قَدْ تَشمل الأبدان أيضًا، بحيث إذَا سَمعوا كلامًا لَا خَيرَ فيه قامُوا، وتركوا المكان، حَتَّى لَو لَم يَكن حَرَامًا. أما إعراضُ البَدَنِ مع إقبالِ القلْبِ، فَهَذَا لَا يَنفَعُ، فالمقام عند اللَّغو أربعةُ أنواع: تارَةً يُقبِل عليه بجسمه وقَلْبِه، فَحينئذ يَكون مشارِكًا لأهله، وتارَةً يُعرض عَنْهُ بجسمه وقلبه، بحَيث لَا يستمع إلَيه، وَلَا يَجلس، وتارة يُعْرِضُ بقلبه دُونَ جسمه، وتارَةً يُعْرِضُ بجسمه دُونَ قلبه، والتَّركيزُ هنَا عَلَى الإعراض بالقلب. قوله : ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، كَأَنَّه يَقول: إذَا قيلَ لَهم: لماذا تقومون؟ لماذا لا تَردُّون؟ لماذا لا تنصَاعُون لأذاهم، يقولون: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فَنَحن لَا نُسْأَلُ عَمَّا تعملون، وَأَنْتُم لَا تُسأَلونَ عَمَّا نعمل،

стр. 267

ولا نوافقكم عَلَى هَذَا العَمَل، وليس يعني ذَلكَ أَنَّهم لَا يَأمرونَ بالمَعروف وَلَا يَنهَوْنَ عَنِ المنكَر؛ لأَنَّ الكَلَامَ هنَا عَنِ اللَّغْو، وهو الكلامُ المنافي للخير، أَمَّا المنكَر، فَإنَّهم لَا شَكَّ أنهم يَنهَوْنَ عَنْهُ، وَيَأمُرونَ بالمَعروف. قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [سَلَامُ مُفَارَقَةٍ]، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِنَ الشَّتْمِ وغيره، ولا يُسَلِّمُون سلامَ تحية، فَهُم إذَا سَمِعوا اللَّغوَ أَعْرَضُوا وقاموا، وقالوا لهؤُلاءِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: سَلَامٌ عَلَيكم منَّا وَلَيسَ مِنَ اللَّه، فأنتم سالمون لا، نُقابلكم بما تفعلون بنا، وَهَذَا مِنَ المُفَسِّر ﵀ بنَاءً عَلَى أَنَّ المرَادَ بِقَولِه: ﴿اللَّغْوَ﴾ يعني: الأذى والشتم منَ الكفَّار. أَمَّا إذَا قُلنَا بالعُموم؛ فَإنَّه يَحتَمل أَنْ يَكونَ المرَاد بالسَّلام هنا سلامٌ مِنَ اللَّه، أي: سلامُ تَحِيَّة؛ لأنَّهُ يُشرَع لمَن قَامَ مِن مجلس أَنْ يُسَلِّم، وَيَحتَمِل أَنْ يَكونَ سلامَ مُفارَقَة، وإن شئنا جعلناه مُوَزَّعًا، فقلنا: إِنْ قُلنَا باللَّغو إنه الشتمُ والأذى، فالسَّلام هنا سلامُ مُفارَقَةٍ، بمعنى أنكم سالمون منا، ونحن سالمون منكم، وَإذَا قلنَا: إنَّ المرَادَ باللَّغو الكَلَامُ الَّذي لَا خَيرَ فيه، وَإنْ لَم يَكن سَبًّا، ولا شَتْمًا، فهو سلامُ تَحِيَّة؛ لأَنَّ هَؤلَاء لَمْ يُسِيئوا إلى المُعْرِضين حَتَّى يَقولوا لهم: سَلَامٌ عَلَيكم مِنَّا. قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لَا نَصْحَبُهُمْ]، وَهَذَا التَّفسير مِن المُفَسِّر ﵀ أَظُنُّه قاصرًا؛ فَلَو كَانَ الأَمرُ كَذَلكَ لَقَالَ: لا نَصْحَبُ الجَاهِلين، لكن ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، والابتِغاءُ بمعْنى الطَّلب، قَالَ تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: يطلبون، وَإذَا انتَفَى طلبُ الجَاهِلين، فانتِفَاءُ صُحبَتِهِم مِن بَاب أَوْلى؛ لأَنَّهم مَا يطلبون الجَاهِلين، فَضلًا عَن كونهم إذا وَجَدُوهُم صَحِبُوهُم، فظاهِرُ الآية أَولَى، وَأَبلَغُ مِن تَفسير المُفَسِّر ﵀، فالإِنْسَان ذو العِلم

стр. 268

والبَصيرة لَا يَطْلُب الجَاهِلين، فيكون معهم، بَل لَا يَصْحَبُ إلَّا الأَخيَارَ ذوي العِلم والمروءة، والشَّرف والدِّين. والجاهِلُ هنا المرَادُ بِهِ السَّفِيه، حَتَّى لَو كَانَ عَالمًا؛ لأَنَّه إذَا أساء التصرفَ -وَلَو كَانَ عَالمًا- فَهوَ بمَنزلَة الجَاهِل، بَل أَشَدُّ مِنَ الجَاهل؛ لأَنَّ مَن خَالَفَ عَن عِلم أَشَدُّ ممن خالَفَ عَن جَهل، ويُسمى مَن خَالَفَ عَن عِلم سَفِيهًا، ويُسمى جاهلًا مُرَكَّبًا إذَا ادَّعَى أَنَّه يَعْلَمُ، بخلافِ الإِنْسَان الجَاهِل الَّذي لَم يَأته العِلم أصلًا؛ فَإنَّ هَذَا قَد يستقيم إذَا عَلِمَ. إذن: الجَاهِلون هنا لَيْسُوا مَن لَا يَعلَمونَ، بل هم السفهاء. وَإذَا قَالَ قَائل: مَا الَّذي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجهل يَأتي بمَعنَى السَّفَه؟ قلنا: قَولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، فَإنَّ قَولَه: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ بلا شَكَّ أَنَّ المرَادَ: بِسَفَهٍ؛ لأَنَّ مَن يَعمَل السُّوء جاهلًا بِغَيْرِ عِلم هَذَا لَا ذنبَ عَلَيه حَتَّى نَقولَ: إنه يتوب، فالجهل هنَا بمَعنَى السَّفَه. قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: السُّفَهَاء الَّذينَ يَعمَلونَ بجهالة. والجَاهِل غَيرُ عَالِم، ربما يَبْتَغِيه المرءُ لِيُعَلِّمَه مَا دَامَ جاهلًا، ولهذا فإنَّ الرَّسُولَ ﷺ كان يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى القَبَائل في موسم الحج، يَأتي إلَى قَبيلة، ويأخذ عليهم، ويدعوهم إلَى اللَّه، فهو يطلب هؤُلاءِ الجُهَّال ليُعَلِّمَهُم، لَكنَّ المرَادَ بالجهل هنَا هُوَ السَّفَه؛ لأن السفيه فِعْلُه -في الحقيقَةِ- كَفِعْلِ الجَاهِل تمامًا؛ إذ إنه يُخالف الحقَّ، وَلَا يَعمَل بِهِ، لكنه أَشَدُّ مِنَ الجَاهِل؛ لأَنَّه غَيرُ مَعذور.

стр. 269

وِمثل هَذِهِ الصّفَات تُفيدنا في العِلم وَالعَمَل؛ لأن دَأْبَ الصَّحَابَة رَضِىَ اللَّهُ عَنهمُ فعن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: إِنَّا أَخَذْنَا الْقُرْآنَ عَنْ قَوْمٍ، فَأَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يجاوِزُوهُنَّ إِلَى الْعَشْرِ الأُخَرِ حَتَّى يَعْمَلُوا مَا فِيهِنَّ مِنَ الْعِلْمِ، فتعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا (١). وأكثرُ النَّاس إذَا قَرَأَ مِثل هَذِهِ الآيَاتِ قال: يَا اللَّه، مَا أَحسَنَ صفاتِهم! وما أجملَ أفعالَهم! وَهَذَا غَايَةُ مَا يَسْتَفِيد مِنَ الآيَة، وَلَكنَّ هَذَا مَا يَكفي، المَقصود مِن ذِكر هَذِهِ الأَوصَافَ الحميدة، سَوَاءٌ كَانَت عَلى سَبيل الإخبَار عَنِ الحَال، أَو عَلى سَبيل القَصص، فالغَرَضُ منهَا هُوَ أَنْ يَعتَبرَ الإِنْسَان بما حَصَل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الثَّناء عَلَى مَن أَعرَضَ عَنِ اللَّغْو، لقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه يَنبَغي الإعرَاضُ عَنِ اللَّغو، وهو الكَلَامُ الَّذي لَا فَائد فيه، وَلَا خَيْرَ منه، والفِعل يُقَاس عَلَيه، فَلَا يَنبَغي للإنسَان أَنْ يُمْضِيَ وقتَهُ في أفعالٍ لَا خَيرَ فيهَا. واعلَمْ أَنَّ الخيرَّية ذاتِيَّةٌ وعَرَضِيَّة، بمَعنَى أَنَّه قَد يَكون الشَّيء خَيرًا في ذَاتِه، وَقَد يَكون خَيرًا لِغَيْرِه؛ لِعَارِضٍ يَعْرِض لَهُ. فمَثلًا: الصلاة خيرُها ذاتي، والسعيُ إليها خَيْرُه عَرَضي؛ لأن مُجَرَّدَ المشي لَيسَ

стр. 270

بِقُرْبَة، حَتَّى يَكونَ وَسيلَة إلَى قُربةٍ أُخرى، فَعَلَى هَذَا لَو أَنَّ الإنسَانَ تحدَّث بحديث لَيسَ مِنَ الذِّكْر، وَلَا مِنَ العِلم، وَلَا مِنَ الأَمر بالمَعروف، وَالنَّهي عَن المنكَر، لكنه حديثٌ يَقْصِدُ به إدخالَ السُّرور على مُجَالِسِيه، فَهَذَا خَيْرٌ، لكنه ليس خيرًا ذاتيًّا بهَذَا الكَلَام، بَل هُوَ خَيْرٌ عَرَضِيٌّ، أي: عَرَضَ لَهُ بسبب القصد الحَسَن فيهِ، وَهَذَا في الحَقيقَة عَلَى هَذَا التَّقدير. ولا يتساوى الخير العرَضي، والخيرُ الذاتي؛ لأَنَّ الخَيرَ العَرضي يفقد خيره إذَا زَالَ السَّبَبُ، والخيرُ الذاتي خَيْرُه ثابتٌ دائم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّه يَنبَغي التبرؤ مِن أَصحَاب اللَّغو، وعدم مجالستهم؛ لقوله: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مشرُوعيَّة السَّلَامُ عِنْدَ الانصراف؛ لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وَهَذَا لَا يَتَوَجَّه عَلَى تفسير المُفَسِّر ﵀؛ إذ إنه يَرَى أَنَّ السَّلَامَ هنا سلام مُفارَقة، لا سلام تَحِيَّة. وَعَلَى هَذَا، فَلَا تُؤخَذ هَذِهِ الْفَائدَةُ، وَهُوَ إنَّمَا حَمَلَه عَلَى سلام المفارقة بِنَاء عَلَى تفسيره اللَّغْوَ بالشَّتْمِ والسَّبِّ. والحقيقةُ أنَّ هَذَا التَّفسير ناقص؛ لأن السَّبَّ والشتم قَد لَا يُقَال: إنَّه لُغْوٌ فقط، بل لَغْوٌ وعُدوان، فهو أَخَصُّ مِن كونه لَغْوًا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لَا يَنبَغي للعاقِل طلبُ السُّفهاء، فَضلًا عَنِ الجلوس معهم؛ لقوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾؛ لأنَّ طلبهم في الحَقيقَة يؤَدّي إلَى الجلوس معهم، والجلوس مَعَ الجَاهِلين إثمٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا

стр. 271

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فَلَا يَنبَغي للإنسَان أَنْ يتطلب أهل السَّفه، ويجلس إلَيْهِم، أَو عَلَى الأَقَلِّ يَأْنَسُ بما يفعلون؛ فَإنَّ هَذَا مِنَ الصّفَات الَّتي لَيسَ عَلَيهَا أَهْلُ الخير والإِيمَان. * * *

стр. 272

الآية (٥٦) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ: [وَنَزَلَ فِي حِرْصِهِ ﷺ عَلَى إِيمَانِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هِدَايَتَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عَالِمٌ ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾]. أَبو طَالِبٍ هُوَ أَبو عَليٍّ ﵁؛ وهذا العَمُّ آوَى رَسُولَ اللَّه ﷺ ودافع عنه، وناصَرَهُ، ولكن حِيلَ بَينَه وَبَينَ الإِيمَان؛ بسبب مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الشَّقاوة. وَفي عَدَم إيمانه حِكمة عظيمة؛ لأَنَّه لَو آمَنَ مَا تَمَكَّنَ مِنَ الدِّفاع الَّذي حَصَلَ منه للرسول ﷺ ، إذ لَوْ آمَنَ لَكَانَ هُوَ مَحَلَّ إيذاءٍ للمشركين، لَكن لمَّا بَقيَ عَلَى مِلَّتِهم كانوا يحترمونه بعضَ الاحترام، فَكَانَ في بَقَائه عَلَى الكفر مِن حِكمَةِ اللَّه مَا هُوَ ظَاهر، وَإلَّا مَا استطاع أَنْ يَحمِيَ الرَّسُول ﵊ تلك الحمايةَ. وهذا الرجل لَهُ فَضل عَلَى الإسلَام؛ بسبب دفاعه عنه، ولهذا أَذِنَ اللَّهُ لِنَبيِّه ﷺ أَنْ يَشفَعَ له، مَعَ أَنَّه لَا يمكن أَنْ يَشْفَعَ لغَيره مِنَ الكفَّار، إلَّا هَذَا الرَّجُلَ؛ لمَا لَهُ مِنَ الفَضل على الإسلَام مِن حماية الرَّسول ﷺ ، وَالدّفَاع عَنه. ولكن هَذِهِ الشفاعةُ ما نفعته نفعًا كَامِلًا، وَهُوَ غَيرُ مؤمن، إنما نَفَعَتْهُ أَنَّه كَانَ

стр. 273

في "ضَحْضَاحٍ (١) مِنْ نَارٍ عَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغلي مِنْهُما دِمَاغُهُ" (٢)، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ أَشَدُّ أَهلِ النَّار عذابًا، وهو أهونُهم. قال النَّبيُّ ﵊: "وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ". يعني: شَفَعْتُ له، أَو أَنَّه أَيْضًا عَمِلَ مَا عَمِلَ في حمَايَة الرَّسول ﷺ . هذا العَمُّ حَرَصَ النَّبيُّ ﷺ غايةَ الحِرص عَلَى أَنْ يُؤمنَ، حَتَّى إنَّه في سِيَاق الموت قال لَهُ: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" (٣). فكَانَ آخِرُ مَا قَالَ: إنَّه عَلَى مِلَّة عَبد المطَّلب، وإنه لن يدع طريقة الأشياخِ الكبار أَهْلِ الجاهليَّة. وَكَانَ عندَه رَجُلَان مِنَ المشركينَ يُلَقِّنَانِه: أَتَرغَب عَن مِلَّة عَبد المطَّلب؟ فكان أنْ خُتِمَ له بخاتمة الشَّقاء، فلم تنفعه هَذِهِ المحاولة مِن الرَّسول ﷺ ، ونَدِمَ النَّبيُّ ﵊ عَلَى هَذَا الأمر، وقال: "أمَا وَاللَّهِ لأَسْتغفِرَن لك مَا لمْ أُنْهَ عَنْكَ" (٤). فَنُهِيَ عَنهُ، وَقيلَ لَه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. أما بالنِّسبة لنَدَمِه عَلَى عَدَم إيمانه فَسَلَّاه اللَّهُ تعالى بهَذَا الأَمر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايتَه.

стр. 274

قوله تعالى: ﴿إِنَكَ﴾ أي: يَا محَمَّد، فالنداء له ولغير الرَّسول ﷺ مِن بَابِ أَوْلَى، فَإذَا كَانَ الرَّسولُ ﷺ ، وَهُوَ أَشرَفُ الخَلق عند اللَّه، وأعظمُهم جاهًا، لَا يَستَطيع أَنْ يَهْدِيَ أَحَدًا، فكيف يستطيع غيرُه؟ وقوله تعالى: ﴿لَا تَهْدِي﴾ المُراد بالهداية هنا هدايةُ التَّوْفِيقِ، بمعنى: لَا تَضَعوا الهدايةَ في قُلوب النَّاس، وليست هدايةَ الدَّلَالَة والإرشاد؛ فإنَّ هِداية الدَّلَالة والارشاد ثابتةٌ للرسول ﷺ ؛ لقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ولكن هداية التوفيق -وهي إلقاءُ الهُدى في القلوب- إنَّما هِيَ للَّه وحدَه. وَقَولُه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ المُفَسِّر ﵀ قَدَّرَهُ بقوله: [هِدَايَتَهُ]. والصَّواب: مَنْ أَحْبَبْتَهُ. وقد عَدَل المُفَسِّر ﵀ إلَى تَقدير: [أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ]؛ لأن الرَّسول ﷺ لَا يُمكن أَنْ يُحِبَّ أَبَا طَالبٍ وَهُوَ كَافر؛ فإن المؤمنَ لَا يُحِبُّ الكافرين. ولكننا نقول: الحُبُّ الطَّبِيعِيُّ لَا يُنَافي الإِيمَان، فالإِنْسَان يُحب -مثلًا- قريبَه، وَلَو كَانَ كَافرًا، لكنَّها محبةٌ طبيعية، كما تُحِبُّ الأُم ولَدَها. فالمحبَّة الدينيَّة لَا تَجوز بَينَ المؤمن وَالكَافر، قَالَ تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. أَيْضًا المُفَسِّر ﵀ يقول: [مَنْ أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ]، ولو أنَّنا حَمَلنَاهَا عَلَى مَا قَالَ المُفَسِّر ﵀ لَكَانَت هَذِهِ تَعُمُّ كُلَّ النَّاس؛ لأن الرَّسول ﷺ يُحِبُّ أَنْ يَهديَ كُلَّ

стр. 275

النَّاس، وليس أَبَا طَالب فقط، لكن تقدير (مَنْ أَحْبَبْتَهُ) يَخْتَصُّ بأبي طالب، أَوْ غَيرِه مِن أقاربه. أَيْضًا لَوْ أَنَّنا قلنا -كَمَا قَالَ المفَسِّرُ ﵀ لَكَانَ في الآيَة إضمارٌ، وهو إضمارُ الهداية؛ لأَنَّ الأَصلَ في ضَمير الصِّلَة أَنْ يَعُود إلَى الصلة نفسها، و ﴿مَنْ﴾ اسمٌ موصولٌ يَعُود عَلَى أَبي طَالب، وعائدُ الصِّلة يَعُود عَلَى الصِّلة نفسها، وبهذا تَبَيَّنَ أَنَّ الراجح (مَنْ أَحْبَبْتَهُ) مِن وُجُوهٍ ثلاثة: وجهٍ معنويٍّ، ووجهين لَفْظِيَّين. الوجهُ المعنويُّ: أَنَّ الآيَةَ نَزَلَت في أَبي طَالب، ولو قلنا: (مَنْ أَحْبَبْتَ هِدَايَتَهُ) لكانت عامَّة. والوجهان اللفظيان: الأول: أَنَّنَا إذَا قَدَّرْنا (هِدَايَتَهُ) لَزِمَ أَنْ يَكونَ في الآيَة شَيْءٌ محذوفٌ، وَالأَصلُ عَدَمُ الحذفِ. والثَّاني: أَنَّ عائد الصِّلة يَعُود إلَى الموصول، فَإذَا عَادَ إلَى ﴿مَنْ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ صار المراد: مَن أحببتَهُ هو. وَأَمَّا مَا لاحَظَهُ المُفَسِّر ﵀ مِن أَنَّ الرَّسولَ ﷺ لَا يمكن أَنْ يُجِبَّ أَبَا طَالب، فالجوابُ عَلَيه أَنَّ المَحَبَّةَ نوعان: محبةٌ طبيعية، ومحبةٌ شرعية، فالمحبةُ الطبيعية لَا تُنَافي المحبة الشرعية، فقد تجتمع مَعَهَا، وَقَد تنفرد، فَإذَا كَانَ المؤمن قريبًا لك اجتَمَعَ فيه المحبَّتَان، وَإذَا كَانَ بعيدًا منك، وُجِدَت فيه محبةٌ واحدةٌ، وهي الشرعية، وَإذَا كَانَ قَريبًا وَهُوَ غَيرُ مُؤمن، ففيه محبة واحدة، وهي المحبة الطبيعية. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: يهدي هِدايةَ توفيق، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: مَن يَشَاء أَنْ يَهديَه، وهنا نستطيع أَنْ نُقَدِّرَ: مَن يَشَاء هدايته؛ لقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 276

وقوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عَلَّق الفِعلَ بالمشيئة، وَكُلُّ فِعل يُعَلِّقُه اللَّه بالمشيئة مِن أَفعَالِه، فإنه مَقْرُونٌ بالحِكمة؛ إذ إِنَّ أفعالَ اللَّهِ كُلَّهَا مَبنيَّة عَلَى الحِكْمَة. إذن: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايتَه، لَيسَ الأَمرُ اعتباطيًّا، وَلَكنَّ الأَمرَ عَلَى حِكمة، قَالَ ﵎: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]، لَا يَهدي مَن يَهدي إلَّا وَهُوَ أهلٌ للهداية، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكذلك هُوَ أَعلَم حيث تَكونُ هَذِهِ الرِّسالَة، فَمَن كَانَ أهلًا للرسالة أُرْسِلَ، وَمَن كَانَ أهلا للقِيام بواجبِ الرِّسالَة، هُدِيَ لذلك. فإذن الإطلَاقُ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عَلَى وَجْه الحِكْمَة. قَولُه تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: عَالمٌ بِالمُهْتَدِينَ]. وهنا أخطأ المُفَسِّرُ ﵀، فنحن ننتقده مِن وَجهَين: الوجه الأول: أَنَّ هَذَا تحريفٌ للقُرآن؛ حيث حَوَّل ﴿أَعْلَمُ﴾ الدالَّ عَلَى الكَمَال في العِلم والأفضلية فيه إلَى (عالِم)، الَّذي لَا يَمنَع مشاركةَ غَيرِه لَهُ في هَذِهِ الصِّفَة، فأنا أقول: محمدٌ عالِم، وزيْدٌ عالِم، وبَكْرٌ عالِم، إلَى آخِره، لَكن لَو قلت مثلًا: زيدٌ أَعْلَمُ. فمَعنَاه أَنَّه مَا ساواه أَحَدٌ في عِلْمِه. فالمُفَسِّرُ ﵀ الآن حَرَّف القُرْآن، حيث فَسَّر ﴿أَعْلَمُ﴾ بـ (عالم)، وفَسَّر مَا يَدُلُّ عَلَى الكَمَال بمَا يَدلُّ عَلَى المُشارَكَة. الوجه الثَّاني: أَنَّنا نقول: إِنَّ وَصفَ اللَّه بأَنَّه ﴿أَعْلَمُ﴾ أكملُ مِن وَصْفِه بأَنَّه (عالِم)، أكمل بلا ريبٍ، فَمَا الَّذي يمنَع أَن نَقولَ (أَكْمَلُ)، وكأنه يُريد أَنْ يَقُولَ: لَا يمكن أَنْ نَقولَ: إِنَّ اللَّهَ أعلَمُ، فنَجْعَل للَّه مُشارِكًا في العِلْم، فنقول: مَا جَعَلتَ للَّه مشاركًا

стр. 277

مُساويًا، بل جعلتَ للَّه مشاركًا نازِلا عَنْ عِلم اللَّه، فَاللَّهُ أَعلَم. لَكن إِذَا قلت: إِنَّ اللَّهَ عالم، جعلتَ للَّه عِلْمًا قد يُساويه غَيرُه فيهِ. فالصَّواب أَنَّ ﴿أَعْلَمُ﴾ اسمُ تفضيلٍ، وأنها عَلَى بَابِهَا. وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فِعْلًا، أو بِمَنْ يَستَحِقُّ أَنْ يَكونَ مِنَ المهتَدينَ، إذَا قلنَا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أو بِمَن هُوَ قابِلٌ للهداية؛ لأَنَّ الكَلَامَ الآنَ عَلَى إنشاء الهداية في قَلب المَرْءِ. وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ليس معناه: الَّذينَ اهتَدَوا، بَل مَعنَاه: أَعلَم بمَن يَستَحقُّ أَنْ يَقْبَلَ الهُدى، ولهذا فَسَّرَهُ بعضُهم بالمهتدين في عِلم اللَّه، أي: مَن عَلِمَ اللَّهُ أنهم سيكونون مهتدين. فعلى كُلّ حَالٍ: المهتدي معناه: مَن كَانَ قابِلًا للهِداية، ومعناه: مَن اهتدى بالفِعل، وَالمرَاد بالآية الأول، يعني: أَعلَم بِمَن يَقْبَل الهداية، فيهديه. والجمع بَينَ هَذِهِ الآيَةِ، وَبَينَ الآيَة الَّتي أَشَرنَا إلَيهَا قَبلَ قليل، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أَنَّ المُثْبَتَ غيرُ المنفي، فالمراد مِن قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هداية الدَّلَالة، كَقَولِه ﵎: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، هديناهم معناه: دَلَلْنَاهم عَلَى الهُدَى، ولكنهم استَحَبُّوا العمى عَلَيه، فَلَم يَهْتَدُوا، وأَمَّا الهداية هنا، فهي هدايةُ التوفيق، وهذه لَيسَت لأَحَد، مَا هيَ إلَّا للَّه .

стр. 278

من فوائد الآية الكريمة: أنَّ الإنسَان إذَا جَدَّ واجتَهَد في دَعوَة النَّاس إلَى الهُدَى، فَلَمْ يَهْتَدُوا، فَإنَّ عَلَيه أَنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ، وهي: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وإلا فكَثيرٌ مِنَ النَّاس الآن عندهم أقاربُ؛ إمَّا مَعَهم في البيوت، أو خارِجَ البيوت، يَدْعُونَهم إلَى الهدَى فلا يهتدون، فنقول: الحمد للَّه أَنْ بَيَّن أَنَّ هَذَا الأَمرَ ليس إلينا، إِنَّمَا هُوَ إليه، إِنِ اهْتَدَوْا، فلَهُم ولنا ثوابُ دَلَالَتِهم، وَإِنْ لَمْ يَهْتَدُوا، فلنا ثوابُ الدَّلَالَةِ والدعوة، وعليهم وِزْرُ الغَيِّ. * * *

стр. 279

الآية (٥٧) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالُوا﴾ قَوْمُهُ ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ نُنْتَزَعُ مِنْهَا بِسُرْعَةٍ، قَالَ ﵎: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ الْإِغَارَةِ وَالْقَتْلِ الْوَاقِعَيْنِ مِنْ بَعْضِ الْعَرَب عَلَى بَعْضٍ "تُجْبَى" بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ ﴿إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ ﴿رِزْقًا﴾ لهمْ ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ عِنْدنَا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَنَّ مَا نَقُوُلُهُ حَقٌّ]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [قَوْمُهُ] أي: قوم الرَّسول ﷺ ، وَهُم قُرَيش، ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ وَهَذَا القَولُ كَذِبٌ منهم، سواء قَالوا ذَلكَ عَن عَقيدَة، أَو عَنِ غَيرِ عَقيدَة. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ المَعِيَّة هنا للمُصاحَبة والتَّبعِيَّة، يعني: إِنْ نَتَّبع الهدى، ونَكُنْ مَعَك فيما تَدعو إِلَيْه. والمراد بالهُدى مَا جَاءَ به الرَّسول ﵊. وفي قَولِه تعالى: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ إقرارٌ بأَنَّ مَا مع الرَّسول ﷺ هُدًى،

стр. 280

وهذا غريبٌ منهم أَنْ يَقُولُوا: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾، فيعترفوا بأنه هُدًى، ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ يكفروا. قوله تعالى: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ نُنْتَزَعُ مِنْهَا بِسُرْعَةٍ]. والخطفُ: نَزْعُ الشَّيْء بسرعة: أي: يَتَخَطَّفُنا النَّاس، ويكونون علينا؛ لأنَّنا خالفنا مَا كَانوا عَلَيه مِنَ الشِّرك والأوثان، فهُم يَقْضُون علينا بسرعة، وَهَذَا كَقَولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. فالشَّيْطانُ يُخَوِّف المُؤمِنينَ بالكُفَّارِ، يقول: ترى إِنْ آمَنْتُم حَصَل كَذَا وَكَذَا، إِنْ تَمَسَّكْتُم بِدِينِكم حَصَلَ كَذَا وَكَذَا، إِنْ أَلْزَمْتُمُ النَّاسَ باتِّبَاع الإِسْلام؛ ظَاهرًا وَبَاطنًا، ثار النَّاس عَلَيكم، فالنَّاسُ ثَلَاثَةُ أرباعِهم يريدون الفُسوق، وَأَنتُم إذا أَلْزَمْتُمُوهُم بالدِّين، فإنهم يَثُورُون عليكم. وهَذَا لَا رَيبَ يُلْقِيه الشَّيطَان في قلوب النَّاس، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾. ولكن الوَاجب عَلَينَا نَحوَ هَذَا المَقَام أَلَّا نخافَ ما دُمنا نرى أنَّنا نَسِير عَلَى الحَقّ، بل نَعْلَمُ عِلم اليَقِين أنَّنا لو صِرنا عَلَى الحَقّ لَخَافَنَا النَّاسُ، وَلَمْ نَخَفْ منهم، قَالَ : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢]، الأَمنُ مِنَ الخَوف، لَا مِنَ اللَّهِ، وَلَا مِن غيرِه، يعني: لَا يَخَافونَ عِقاب اللَّه، لأَنَّهم آمَنوا إيمَانًا صريحًا مَا لَهُ سَبَب، وَكَذَلكَ أَيْضًا يُؤَمِّنُهم اللَّهُ ممَّا يخافون، وَهُوَ أَحَدُ التفسيرين في قَوْلِهِ ﵎: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وَهُوَ أَنَّ المؤمنَ هُوَ الَّذي يُؤَمِّنُ عِبادَه الطائعين له مما يخافون. لَكن هَذَا يتطلب في الواقع إيمانًا حقيقيًّا؛ فَإذَا وُجِدَ الإِيمَان الحقيقي، ثم نُفِّذَت

стр. 281

الشريعة؛ فأنا ضامِنٌ أَنْ يَحصُلَ الأمنُ التامُّ. والدَّليلُ قَولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: نَجعل لهم مكانًا آمِنًا، وَمثلَ قَولِه تعالى: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤١]، أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه. وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ الهَمْزَةُ هُنا معناها التَّقريرُ، أي: قَدْ مَكَنَّا، كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قد شرحنا لك. وقوله: ﴿أَوَلَمْ﴾ لِعُلماء النحو في هَذَا الأسلوب مذهبان: المذهب الأول: أَنَّ الهَمْزَة داخلة على شيء مُقَدَّر، والواو، أو الفَاءُ حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى ذَلكَ المُقَدَّر. والمذهب الثَّاني: أَنَّ الهَمزة بَعْدَ الواو مَحَلّها، لكن قُدّمت؛ لأنَّها للاستفهام، وأصلها (وَألم). وقوله: ﴿حَرَمًا﴾ على وزن: بَطَل، فهو صِفَةٌ مُشَبَّهَة، أي: مِن الحُرمة، يعني: مكانًا حَرَمًا ذا حُرمة، ولا رَيْبَ أَنَّ مَكَّةَ المكرمة لها حُرمة عظيمة في نفوس النَّاس، حَتَّى في الجَاهِلية. وقوله: ﴿آمِنًا﴾ اسمُ فاعل، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ الإِغَارَةِ وَالقَتْلِ الوَاقِعَيْنِ مِنْ بَعْضِ العَرَبِ عَلَى بَعْضٍ] فَجَعَل معنى ﴿آمِنًا﴾ أي: آمِنًا أهلُه، وفَسَّرَهُ بقوله: [يَأْمَنُونَ]، فَيَكون المَعنَى: آمِنًا أهلُه. وعندي أَنَّ الوصفَ هنا للحَرَمِ؛ لأن المُفَسِّر ﵀ يَرَى أَنَّه وصفٌ سَبَبِيٌّ، وَأَنَا أَرَى أنه وصفٌ حقيقي.

стр. 282

والنَّعْتُ قَدْ يَكون نَعْتًا سببيًّا، أو نَعْتًا حقيقيًّا، فالنعتُ الحقيقي هو مَا كَانَ صِفة للمنعوت، والسببيُّ هو مَا كَانَ صِفَةً لغيره مما يتصل به، فإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائم. فهذا نعتٌ حقيقي، وإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائِمٌ أَبُوه. فهذا النعتُ سببيٌّ؛ لأن الوصف قائم، وهو يَعُود عَلَى مَن له صِلة به. ولذلك فأنا أرى أَنَّ الحَرَم هو الآمِن، وإذا أَمِنَ المكانُ -بلا رَيْبٍ- فسوف يأمن مَن فيه، فلا يَعْتَدِي أَحَدٌ عليه، حتَّى مَن أرادَهُ بِسُوء أَتْلَفَه اللَّهُ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. فالعربُ أنفسُهم معَ كُفرهم، ومَهْمَا فَعَلَتْ قُريش لَا يُمكن أَنْ يَغْزُوا هَذَا البَيتَ أبدًا. ثُمَّ إِنَّ أهلَ هَذَا البَيت هُم سادةُ العَرب، حَتَّى في الجَاهليَّة، فكيف يقولون: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾؟ هذا غَيرُ ممكن؛ لأن الحَرَمَ آمِنٌ، فَهُم آمنون فيه، لا يمكن أَنْ يُتَخَطَّفُوا فيه. ثم مَعَ ذَلكَ هذا البلدُ مع كونه آمِنًا، هو أَيْضًا عَيْشٌ رَغْدٌ، ما يلحقُ أهلَه ضِيقٌ. قوله ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ]، فتكون ﴿يُجْبَى﴾، و"تُجْبَى" (١)، وهُما قراءتان سَبْعِيَّتَان، ومعنى ﴿يُجْبَى﴾ أي: يُجمَع، وبمعنى يُؤتَى أيضًا، فالثمرات تُجمَع مِن كل أرض، ويُؤتَى بها إلَى هَذَا البلد، وَهَذَا هُوَ الواقع، قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ

стр. 283

وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلَى هَذَا البَلَد في كُلِّ أوانٍ مِن المكان القريب، كالطائف وغيره، ومن المكان البعيد. قوله تعالى: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [رِزْقًا لَهُمْ]. ومعنى الرزق: العَطاء، وهو منصوبٌ لأنَّهُ مفعولٌ مِن أَجْلِه، أو مَصدر، أو مفعولٌ مُطلَق؛ لقوله ﴿يُجْبَى﴾، يجبى عطاء. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: مِن عِنْدِنا، وليس لهم به حَوْلٌ، ولا قُدرة، بل الأمر مِن اللَّه ، هُوَ الَّذي جَعَل هَذِهِ الثمراتِ تُجبى إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ]. المعلوم هنا محذوف في الآيَة، فَلَمْ يَقُل: لَا يَعلَمونَ كَذَا وَكَذَا، ولكن المُفَسِّر ﵀ خَصَّه بقوله: [﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ]، وعندي أَنَّ الأمرَ أَعَمُّ وأَشْمَلُ؛ لأن حَذْفَ المفعول يَدُلُّ عَلَى العُموم. فعليه نقول: لَا يَعلَمونَ أَنَّ مَا تَقُولُه حَقٌّ، ولا يعلَمُون العاقبةَ أيضًا؛ فإن العاقبةَ أنَّه إذَا كَانَ هَذَا الحرَمُ آمِنًا في حَالِ الكُفر، وتجبى إليه الثمرات في حَال الكفر؛ فما بالُك في حَال الإِيمَان، كيف وَقَد قَالَ إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. فَإذَا كَانَ أهلُ هَذَا البَلَدِ مؤمنين؛ فإنَّ أَمْنَهُ يكون أَشَدَّ مِن جِهة أَنَّ المكان نَفْسَهُ آمِن، ومن جِهَة أَنَّ المؤمن الذي في هَذَا المكان آمِن أيضًا، فإذا كَانَ هَذَا الأمنُ، مع كون هَؤلَاء مِنَ المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثرَ، ولهذا لمَّا حَصَل مِن المسلمين مَا حَصلَ مِنِ انْتِهَاكِ هَذَا البَلَدِ العظيم؛ سُلِّطَ عليهم مَنْ سُلِّطَ مِنَ الظَّلَمَة،

стр. 284

مِثل قضيةِ القَرامِطَة، ومِثل ما سيكون في آخِر الزَّمان، حيث يُسَلَّطُ على البيتِ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَة، قال النَّبِيُّ ﷺ : "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا" (١). فقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس خاصًّا بأنَّ مَا جَاءَ به هُوَ الحَقُّ، بَل هُوَ عامٌّ حَتَّى في النهاية، وفي الغاية مما لَوْ آمَنوا. * * *

стр. 285

الآية (٥٨) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ عَيْشَهَا، وَأُرِيدَ بِالْقَرْيَةِ أَهْلُهَا ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لِلْمَارَّةِ يَوْمًا، أَوْ بَعْضَهُ ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ مِنْهُمْ]. هذه فائدةُ ذِكر إهلاك القُرى السَّابِقة لأَجْل أَنْ يُقالَ لقريش: الكفر لا يَمنَع الخوف، ولا يَمنَع العقوبة، بل إِنَّهُ سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تَخَطَّفَنا النَّاس. هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هُوَ الحَقيقَة، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فكأن اللَّه يُدَلِّل لتكذيب هؤُلاءِ بأن الكفر أهلكَ الأُمَم السَّابقَة التي بَطِرَت معيشتَها. وقد أبطل اللَّهُ كلام هَؤلَاء الكُفَّار للرسول ﷺ ، لما قالوا: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أبطله بالسلب والإيجاب: أما الإيجاب: فقال: إننا مَكَنَّا لهم حَرَما آمِنًا لَا يُمكن أَنْ يَكونَ هَذَا البَلَدُ خائفًا، فَإذَا كَانَ آمِنًا في حَال الكُفر فَفِي حالِ الإِيمَان مِن بَاب أَوْلَى. وأما السلب: فقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾،
следующие страницы →