← Тафсир

Тафсир · id 21805

تفسير العثيمين: القصص

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشريعة؛ فأنا ضامِنٌ أَنْ يَحصُلَ الأمنُ التامُّ. والدَّليلُ قَولُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: نَجعل لهم مكانًا آمِنًا، وَمثلَ قَولِه تعالى: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٤١]، أي: جعلنا لهم مكانًا يتمكنون فيه. وقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ الهَمْزَةُ هُنا معناها التَّقريرُ، أي: قَدْ مَكَنَّا، كَمَا في قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قد شرحنا لك. وقوله: ﴿أَوَلَمْ﴾ لِعُلماء النحو في هَذَا الأسلوب مذهبان: المذهب الأول: أَنَّ الهَمْزَة داخلة على شيء مُقَدَّر، والواو، أو الفَاءُ حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى ذَلكَ المُقَدَّر. والمذهب الثَّاني: أَنَّ الهَمزة بَعْدَ الواو مَحَلّها، لكن قُدّمت؛ لأنَّها للاستفهام، وأصلها (وَألم). وقوله: ﴿حَرَمًا﴾ على وزن: بَطَل، فهو صِفَةٌ مُشَبَّهَة، أي: مِن الحُرمة، يعني: مكانًا حَرَمًا ذا حُرمة، ولا رَيْبَ أَنَّ مَكَّةَ المكرمة لها حُرمة عظيمة في نفوس النَّاس، حَتَّى في الجَاهِلية. وقوله: ﴿آمِنًا﴾ اسمُ فاعل، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ الإِغَارَةِ وَالقَتْلِ الوَاقِعَيْنِ مِنْ بَعْضِ العَرَبِ عَلَى بَعْضٍ] فَجَعَل معنى ﴿آمِنًا﴾ أي: آمِنًا أهلُه، وفَسَّرَهُ بقوله: [يَأْمَنُونَ]، فَيَكون المَعنَى: آمِنًا أهلُه. وعندي أَنَّ الوصفَ هنا للحَرَمِ؛ لأن المُفَسِّر ﵀ يَرَى أَنَّه وصفٌ سَبَبِيٌّ، وَأَنَا أَرَى أنه وصفٌ حقيقي.

стр. 282

والنَّعْتُ قَدْ يَكون نَعْتًا سببيًّا، أو نَعْتًا حقيقيًّا، فالنعتُ الحقيقي هو مَا كَانَ صِفة للمنعوت، والسببيُّ هو مَا كَانَ صِفَةً لغيره مما يتصل به، فإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائم. فهذا نعتٌ حقيقي، وإذا قلت: عندي رَجُلٌ صائِمٌ أَبُوه. فهذا النعتُ سببيٌّ؛ لأن الوصف قائم، وهو يَعُود عَلَى مَن له صِلة به. ولذلك فأنا أرى أَنَّ الحَرَم هو الآمِن، وإذا أَمِنَ المكانُ -بلا رَيْبٍ- فسوف يأمن مَن فيه، فلا يَعْتَدِي أَحَدٌ عليه، حتَّى مَن أرادَهُ بِسُوء أَتْلَفَه اللَّهُ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. فالعربُ أنفسُهم معَ كُفرهم، ومَهْمَا فَعَلَتْ قُريش لَا يُمكن أَنْ يَغْزُوا هَذَا البَيتَ أبدًا. ثُمَّ إِنَّ أهلَ هَذَا البَيت هُم سادةُ العَرب، حَتَّى في الجَاهليَّة، فكيف يقولون: ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾؟ هذا غَيرُ ممكن؛ لأن الحَرَمَ آمِنٌ، فَهُم آمنون فيه، لا يمكن أَنْ يُتَخَطَّفُوا فيه. ثم مَعَ ذَلكَ هذا البلدُ مع كونه آمِنًا، هو أَيْضًا عَيْشٌ رَغْدٌ، ما يلحقُ أهلَه ضِيقٌ. قوله ﵎: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْفَوْقَانِيَّةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ]، فتكون ﴿يُجْبَى﴾، و"تُجْبَى" (١)، وهُما قراءتان سَبْعِيَّتَان، ومعنى ﴿يُجْبَى﴾ أي: يُجمَع، وبمعنى يُؤتَى أيضًا، فالثمرات تُجمَع مِن كل أرض، ويُؤتَى بها إلَى هَذَا البلد، وَهَذَا هُوَ الواقع، قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ

стр. 283

وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فكانت الثمرات تأتي إلَى هَذَا البَلَد في كُلِّ أوانٍ مِن المكان القريب، كالطائف وغيره، ومن المكان البعيد. قوله تعالى: ﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [رِزْقًا لَهُمْ]. ومعنى الرزق: العَطاء، وهو منصوبٌ لأنَّهُ مفعولٌ مِن أَجْلِه، أو مَصدر، أو مفعولٌ مُطلَق؛ لقوله ﴿يُجْبَى﴾، يجبى عطاء. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: مِن عِنْدِنا، وليس لهم به حَوْلٌ، ولا قُدرة، بل الأمر مِن اللَّه ، هُوَ الَّذي جَعَل هَذِهِ الثمراتِ تُجبى إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ]. المعلوم هنا محذوف في الآيَة، فَلَمْ يَقُل: لَا يَعلَمونَ كَذَا وَكَذَا، ولكن المُفَسِّر ﵀ خَصَّه بقوله: [﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: أَنَّ مَا تَقُولُهُ حَقٌّ]، وعندي أَنَّ الأمرَ أَعَمُّ وأَشْمَلُ؛ لأن حَذْفَ المفعول يَدُلُّ عَلَى العُموم. فعليه نقول: لَا يَعلَمونَ أَنَّ مَا تَقُولُه حَقٌّ، ولا يعلَمُون العاقبةَ أيضًا؛ فإن العاقبةَ أنَّه إذَا كَانَ هَذَا الحرَمُ آمِنًا في حَالِ الكُفر، وتجبى إليه الثمرات في حَال الكفر؛ فما بالُك في حَال الإِيمَان، كيف وَقَد قَالَ إبراهيم: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. فَإذَا كَانَ أهلُ هَذَا البَلَدِ مؤمنين؛ فإنَّ أَمْنَهُ يكون أَشَدَّ مِن جِهة أَنَّ المكان نَفْسَهُ آمِن، ومن جِهَة أَنَّ المؤمن الذي في هَذَا المكان آمِن أيضًا، فإذا كَانَ هَذَا الأمنُ، مع كون هَؤلَاء مِنَ المشركين؛ فإنهم إذا كانوا مؤمنين يكون أكثرَ، ولهذا لمَّا حَصَل مِن المسلمين مَا حَصلَ مِنِ انْتِهَاكِ هَذَا البَلَدِ العظيم؛ سُلِّطَ عليهم مَنْ سُلِّطَ مِنَ الظَّلَمَة،

стр. 284

مِثل قضيةِ القَرامِطَة، ومِثل ما سيكون في آخِر الزَّمان، حيث يُسَلَّطُ على البيتِ رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَة، قال النَّبِيُّ ﷺ : "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا" (١). فقوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ليس خاصًّا بأنَّ مَا جَاءَ به هُوَ الحَقُّ، بَل هُوَ عامٌّ حَتَّى في النهاية، وفي الغاية مما لَوْ آمَنوا. * * *

стр. 285

الآية (٥٨) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ عَيْشَهَا، وَأُرِيدَ بِالْقَرْيَةِ أَهْلُهَا ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لِلْمَارَّةِ يَوْمًا، أَوْ بَعْضَهُ ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ مِنْهُمْ]. هذه فائدةُ ذِكر إهلاك القُرى السَّابِقة لأَجْل أَنْ يُقالَ لقريش: الكفر لا يَمنَع الخوف، ولا يَمنَع العقوبة، بل إِنَّهُ سبب العقوبة، فأنتم تقولون: إننا إذا آمنا تَخَطَّفَنا النَّاس. هذا ليس بالحقيقة، بل العكس هُوَ الحَقيقَة، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، فكأن اللَّه يُدَلِّل لتكذيب هؤُلاءِ بأن الكفر أهلكَ الأُمَم السَّابقَة التي بَطِرَت معيشتَها. وقد أبطل اللَّهُ كلام هَؤلَاء الكُفَّار للرسول ﷺ ، لما قالوا: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أبطله بالسلب والإيجاب: أما الإيجاب: فقال: إننا مَكَنَّا لهم حَرَما آمِنًا لَا يُمكن أَنْ يَكونَ هَذَا البَلَدُ خائفًا، فَإذَا كَانَ آمِنًا في حَال الكُفر فَفِي حالِ الإِيمَان مِن بَاب أَوْلَى. وأما السلب: فقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾،

стр. 286

فالكُفر لا يُؤَمِّن صاحبَه، بَل هُوَ السَّبَب في إهلاكه، فبقاؤكم عَلَى الكفر ليس هُوَ الَّذي يُنَجِّيكُم مِن أَنْ يَتَخَطَّفَكُم النَّاس، بَل هُوَ سبب هلاككم، وَهَذَا هُوَ الواقع؛ حيث خرَج صَنادِيدُ قريش وزعماؤهم إلَى بَدْر لِيَهْلِكُوا، والحَرَمُ آمِنٌ، فما جاء شيء، لكنَّهم هُم الذين خرجوا لهلاكهم، فقُتِلُوا في بَدْرٍ. * * *

стр. 287

الآيات (٥٩ - ٦٤) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص: ٥٩ - ٦٤]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ بِظُلْمٍ مِنْهَا ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أَيْ أَعْظَمهَا ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ بِتَكْذِيبِ الرُّسُل، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تَتَمَتَّعُونَ وَتَتَزَيَّنُونَ بِهِ أَيَّام حَيَاتكُمْ ثُمَّ يَفْنَى ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أَيْ ثَوَابه ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بِالتَّاءِ وَالْيَاء أَنَّ الْبَاقِي خَيْر مِنْ الْفَانِي، ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ وَهُوَ مُصِيبه وَهُوَ الجنَّة ﴿لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فَيَزُول عَنْ قَرِيب ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أَيْ إلَى النَّار الْأَوَّل المُؤْمِن وَالثَّانِي الْكَافِر أَيْ لَا تَسَاوِي بَيْنهمَا، ﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ اللَّه ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تَزْعُمُونَهُمْ شُرَكَائِي، ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ بِدُخُولِ النَّار وَهُمْ

стр. 288

رُؤَسَاء الضَّلَالَة ﴿الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ مُبْتَدَأ وَصِفَة ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خَبَره فَغَوَوْا ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ لَمْ نُكْرِههُمْ عَلَى الْغَيّ ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ تَبَرَّأْنَا إلَيْك مِنْهُمْ ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ مَا نَافِيَة وَقَدَّمَ المَفْعُول لِلْفَاصِلَةِ، ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أَيْ الْأَصْنَام الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ شُرَكَاء اللَّه ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أَيْ لِدُعَائِهِمْ ﴿وَرَأَوُا﴾ هُمْ ﴿الْعَذَابَ﴾ أَبْصَرُوهُ ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا لمِا رَأَوْهُ فِي الآخِرَة]. من فوائد الآيات الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ أَنَّ المُشْرِكِينَ لا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ شُركائهم شيئًا هُم أحوجُ ما يكونون إليه، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إظهارُ عَدْلِ اللَّهِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التوبيخ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ؛ فَإِنَّ فِي هَذَا -لَا شَكَّ- توبيخًا وتقريعًا لهمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَمْرُ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَدْعُوا شركاءهم فِي الآخِرَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكلِيفِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التحدِّي، وإظهارُ عَجْز هَذِهِ الأَصْنَامِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الْعَذَابِ فِي الآخِرَةِ؛ لقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الاهتداء هُوَ السَّبَبُ المَانِعُ مِنَ العذاب؛ لقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، فإذا أردتَ سببًا يُنجيك مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فعليك بالاهتداء بهَدْي اللَّهِ -أو بهُدى اللَّهِ- فَإِنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي يُنجِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. * * *

стр. 289

الآية (٦٥) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلَيْكُمْ]. قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾، قوله: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ من ناحية الإعراب، (ما) استفهامية، و (ذا) اسمُ موصولٍ، أي: (مَا الَّذِي أَجَبْتُمْ)، و (أَجَابَ) فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ فاعِل، والميم علامةُ الجمع، و ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ مَفعُول به، وجملة ﴿أَجَبْتُمُ﴾ صِلة الموصول، والموصولُ خَبَرُ المبتدأ، وهو (ما) الاستفهامية. والشاهدُ عَلَى هَذَا الإعراب مِن كَلَام ابن مالك (١): وَمِثْلُ (مَاذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ... أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ قولُ الناظم: (إِذَا لَمْ تُلْغَ) معناه يُشير إلى وجهٍ آخَرَ، وهو إلغاؤها في الكَلَام، وعليه نَجْعَلُ ﴿مَاذَا﴾ كُلَّها اسمَ استفهامٍ، وتكون هي المبتدأ. قوله ﵎: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾ ذكرنا أَنَّه في السؤال الأول:

стр. 290

﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ سأل عن التوحيد، وهذا سَأَلَ عَنِ الرِّسالَة، فيكون المسئول عنه الآنَ شهادة أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّه، وَأَنَّ محَمَّدا رَسُولُ اللَّهِ، أو عيسى أو موسى، حَسَب الأُمم التي تسأل. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: قَوْلُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ مَرَّ بنا في الآيات السَّابِقة عند قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ إِثْبَاتُ كَلَامِ اللَّهِ، وأنَّه بصوتٍ، وأنه يُسمَع، وأنه بِحَرْفٍ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ أَنَّ النَّاسَ يُسألون عن إيمانهم بالرُّسُل، كما يُسألون عن التوحيد. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ السُّؤَالَ فِي الآخِرَةِ عامٌّ لجميع الخَلق، فقوله: ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يشمل: محمدًا ﷺ وغيرَه، أمَّا السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ كَثِير مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلى أَنَّهُ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : "إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا" (١)، وقوله: "أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ" (٢). والمسألة خلافية، وسبق الكلام عَلَيْهَا فِي التَّوْحِيدِ، إنَّما يَوْمَ الْقِيَامَةِ السؤال عامٌّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إظهار فضل الرُّسُل -عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ حيث أثبتَ

стр. 291

اللَّهُ تعالى أحقيَّةَ رسالتِه فِي هَذَا الموطن العظيم. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ تَعمَى عليهم الأنباء فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوْ كَانُوا عَالمِينَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ المَيِّتَ إِذَا سُئِلَ فِي قَبْرِهِ: مَن ربُّك؟ وما دِينُك؟ ومَن نبيُّك؟ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا؛ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ غَيْرَ مؤمن لا يجيب بالصَّواب. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَا يُغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ فإنَّ أَحَدًا لَا يُغْنِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ولا يُنقذه مِمَّا وَقَعَ فِيهِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ عامٌّ لكلِّ المشركين، وَلِهَذَا قَالَ بعدها: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾، أما المؤمنون، فإنهم مؤمنون لا يُسألون، بل يَكفِي سؤالهم فِي قُبُورِهِمْ. * * *

стр. 292

الآية (٦٦) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ الْأَخْبَارُ المُنْجِيَةُ فِي الجْوَابِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لَمْ يَجِدُوا خَبَرًا لهمْ فِيهِ نَجَاةٌ ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ عَنْهُ فَيَسْكُتُونَ]. قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: انْطَمَسَتْ عليهم، فلم يَجِدُوا جوابًا، يعني: طلبوا شيئًا ما وجدوه. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: عَن هَذِهِ الأخبار، وعن الجواب، إمَّا لِعَجْزِهِم، وعَدَمِ تَمَكُّنِهم، أو لأَنَّهم لَوْ سألوا ما وجدوا الخبر. وقال بعضُهم: إِنَّ معنى ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يَتَنادَوْنَ في القَرابة، كما كانوا يفعلونه في الدُّنيَا، إذا ضاقت على الإِنْسَان الحِيَل صارَ يُناَدِي قرابَتَهُ واقَرَابَتَاه! وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، وهناك في الآخرة ما يطلبه. وإعراب قَولِه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: (يوم) منصوب على الظرفية، و (إِذ) مُضافٌ إليه، والتنوينُ فيها عِوَضٌ عن جُملة. * * *

стр. 293

الآية (٦٧) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وَآمَنَ﴾ صَدَّقَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَدَّى الْفَرَائِضَ ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ النَّاجِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ]. قَوْلُه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾: (أمَّا) شرطية، وجوابُها قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، وقوله: ﴿مَنْ تَابَ﴾ التوبة تَقدَّم لَنَا أَنَّهَا الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ مِنْ معصيته إِلَى طَاعَتِهِ، وأن لها شروطًا خمسة: النَّدَم، والإقلاع، وَالْعَزْمُ عَلَى أَلَّا يعود، وَأَنْ تَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، وقبل طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثم الإخلاص. وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ] لعلَّه أَوْجَبَ لَهُ أَنْ يُقيِّد التوبة هنا بالتوبة مِنَ الشِّرْكِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآمَنَ﴾؛ لأن الإيمان بعد الشرك، فإن العاصيَ مؤمنٌ، وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ للمؤلف أَنْ يقيِّد التَّوْبَةَ مِنَ الشِّرْكِ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَآمَنَ﴾ صدَّق بِتَوْحِيدِ اللَّهِ]، وهذا نقصٌ فِي تَفْسِيرِهِ للإيمان؛ لأن الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيقَ فِي الشَّرْعِ فقط، صحيحٌ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ يُرَادَ بِهِ التصديق، لكنه فِي الشَّرْعِ هو: التصديق بِشَرْطِ أَنْ يتضَمَّن القَبُول والإذعانَ،

стр. 294

فَلَا بُدَّ مِنْ قبولٍ وإذعانٍ، وإلَّا فليس بمؤمن لَا يُصَدِّقُ، فأبو طالب -مثلًا- مصدِّق برسالة الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ، ولم يُذعِن. وَفي قَوْلِهِ هَذَا كَذَلِكَ سُقوط؛ لأن الْإِيمَانَ لَيْسَ أن تصدِّق بوحدانية اللَّه، لكن أن تصدِّق بِكُلِّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ ﵊ أَنَّ الْإيمَانَ "أَنْ تُؤْمنَ بِاللَّهِ وَمَلَاِئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" (١)، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الستة فِي الْإِيمَانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَدَّى الفَرَائِضَ]، وَفِي هَذَا أَيْضًا قُصور، بل الْعَمَلُ الصَّالِحُ هنا يشمل الفرائض والنوافلَ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الإخلاص والمتابعة؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، فقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ هذا الإخلاص، و ﴿حُنَفَاءَ﴾ هذه المتابعة؛ لأنَّ الحَنِيف هُوَ الَّذِي لَيْسَ بمائل، فَمَنْ خَرَجَ عَنِ المتابعة فهو مائل. فالعمل الصالح إذن هو كُلُّ عَمَلٍ تضمَّن الإخلاص والمتابعة، وضدُّه الفاسد، وَهُوَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى الشِّرْكِ أو على البدعة، فَهَذَا لَيْسَ بعملٍ صالحٍ، فمَن جمَع هَذِهِ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾: (عسى) مِن أفعال الترجِّي، لكنَّها بالنسبة للَّهِ لَا تَكُونُ للترجِّي، بل تكون للتَّعلِيل، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: "عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ" (٢). لِأَنَّ الْعِلَّةَ ملازِمة للمعلول، فَإِذَا وُجِدَتِ العلة ثبَتَ المعلول، فالعلة لِلفلاح هِيَ التَّوْبَةُ والإيمان، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فإذا وُجدِت هذه وُجِد الفلاحُ ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ﴾.

стр. 295

قَوْلُه تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ﴾، أي: الَّذِي تَابَ وآمن وَعَمِلَ صَالِحًا. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [النَّاجِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ] أي: الناجين بما وعدهم اللَّهُ بِهِ، ولكنَّ الفلاح لَيْسَ كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀، أنه النجاة فقط، بل النَّجَاةُ مِنَ المرهوب، والفوز بالمطلوب، أي: أَنْ يَنْجُوَ الْإِنْسَانُ مِمَّا يهرب، وأَنْ يَحْصُلَ لَهُ مَا يُحِبُّ. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ لَوْ قُلْنَا إِنَّهَا للترجِّي -مثلًا- لتضمنت فائدة، وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ، وإنْ عَمِل هذا العمل، فليكن راجيًا للفلاح لا قاطعًا به، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي: قَدْ تَكُونُ هناك موانعُ، أو خَلل لَا يَحْصُلُ معه الفلاح، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فهنا المقام ليس مقامَ جزمٍ، بَلْ هُوَ مَقَامُ رجاء. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي هَذَا فضيلةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ: التوبة، والإيمان، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ سببٌ للفلاح؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الفلاحَ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ لَا يَنَالُهَا إِلَّا ذَوُو الأوصاف الحميدة: التائبون المؤمنون العاملون صالحًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ صالحًا، وَهُوَ مَا جَمَعَ شرطين -كَمَا سَبَقَ- الإخلاص والمتابعة لِلرَّسُولِ ﷺ . * * *

стр. 296

الآية (٦٨) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ مَا يَشَاءُ ﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الِاخْتِيَار فِي شَيْءٍ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إِشْرَاكِهِمْ]. هَذِهِ الآيَةُ تعليل لبُطلان آلهة المشركين، وإثبات الأُلُوهِيَّة للَّه، وذلك عَنْ طَرِيقِ إثبات الخَلق؛ فإنَّ الخالق هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ تعليل للأمر، فإنَّ الخالق يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِلَهَ المعبود، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، فإذا كَانُوا لَا يَخْلُقون فكيف يستحِقُّون أَنْ يُعْبَدوا؟ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، هنا قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ لإلزام هؤُلاءِ المشركين بعبادته وحده. وقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾ الخَلْق: هو الإبداع المَبْنِيُّ عَلَى التَّقْدِيرِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَدِّر، ثم يَخْلُق، فخلْقُه مَبْنِيٌّ عَلَى الحكمة.

стр. 297

قوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: مَنْ يَشَاءُ، مَعَ أَنَّ المخلوقات فِيهَا مَا هُوَ عاقل، ولكنه تغليب لغير العاقل؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ، ثُمَّ مِنْ أَجْلِ أَنْ يشمل الأعيان والأوصاف، والأوصاف لَيْسَتْ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وإذا رويت الأوصاف أُتِي بـ (ما). وانظروا إِلَى قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وَلَمْ يَقُلْ: مَن طاب، مَعَ أَنَّ المنكوح عاقل، لَكِنَّهُ لمَّا كَانَتِ المرأة تُنكح لِصِفَاتها قال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ﴾ يعني: راعُوا الصفة. فهنا قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عَبَّر بـ ﴿مَا﴾ تعبيرًا لغير العاقل، لكثرته، ولِيشمل الأعيان والأوصاف، فَاللَّهُ تعالى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: الأعيان والأوصاف. ولهذا فإن مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجماعة أَنَّ اللَّهَ تعالى خالقٌ للعبد، ولأفعال العبد، الَّتِي هِيَ أوصافُه، فَاللَّهُ تعالى ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أي: مَا يَشَاءُ خَلْقَه، فالمفعول إذن محذوفٌ، وهذه المشيئة كُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تعالى عَنِ فَعَلَ مَنْ أفعاله أنه تابعٌ للمشيئة، فإنه مقرونٌ بالحكمة؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تعالى الحكيم، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئًا عَبَثًا، وَلَا يَحْكُمُ بشيء عبثًا، كُلُّ مَا شَاءَهُ فهو مقرون بحكمة. وقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، أي: يَخْتَارُ مَا يَشَاءُ، والاختيار الأخذُ بخيرِ الأمرين، فهو أيضًا يأخذ بِمَا يَرَاهُ خَيْرًا مِنْ أَفْعَالِهِ وأحكامه، فَتَصْوير الخَلق عائدٌ لأصل التكوين، والاختيار عائد للتعيين المَبْنِيِّ عَلَى الْإِرَادَةِ التامَّة، فَهُوَ لَا مُعَقِّبَ لحُكمة، ولا رادَّ لقضائه، فيختار مَا يُرِيدُ ، يخلُق الآدميَّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، واختار أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وخَلَق البهيمة المركوبة، وَاخْتَارَ أَنْ تَكُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ شرعُه كذا -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مخلوقًا- عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.

стр. 298

فإذن: الاختيار أعمُّ مِن الْخَلْقِ مِنْ وجهٍ؛ حيث يشمل المخلوقَ، وغيرَ المخلوقِ، فهو يختار مَا يُرِيدُهُ مِن شرع، أي: أَعَمُّ مِن هَذَا الْوَجْهِ، وأما الخَلقُ فإنه أَعَمُّ مِن حَيْثُ إِنَّهُ يشمل الأعيانَ والأوصافَ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾ للمشركين ﴿الْخِيَرَةُ﴾ الاختيار]. قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ﴾: ﴿مَا﴾ هُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا اسْمٌ موصول، أي: يَخْتَارَ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيرة، وَمَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ لهمْ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ موصول بقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ ذَهَبَ إِلَيْهِ المعتزلة الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ فِعْلُ الأفضل، أو الصلاح، فقالوا: إِنَّهُ تعالى مَا يَخْتَارُ إِلَّا مَا كَانَتْ فيه الخِيَرة، أَمَّا مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ خِيَرة، فلا يختاره، وَهَذَا مَعْنَا أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا هُوَ أصلح، أَوْ مَا هُوَ صلاحٌ. ولكنَّ أكثر المُفَسِّرين -وعلى رأسِهم ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يقولون: إن (ما) نافية، وَكَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: لَا يَكُونُ الخِيَرة لهؤُلاءِ المشركين، ولا لأصنامهم أيضًا، فأصنامُهم لا تخلُق ولا تختار، وَكَذَلِكَ هُمْ لَيْسَ لهمْ حقُّ الاختيار فِيمَا أَرَادَ اللَّهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَعَلَى هَذَا فيكونُ الوقفُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، ثم الاستئناف بقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الآيَةِ، أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي لَهُ الِاخْتِيَارَ المطلق، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ خيَرةٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فلا يختارون مِنْ أَمْرِهِمْ إِلَّا مَا اخْتَارَ اللَّهُ. وهَلْ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ فِعْلُ الأصلح والصلاح أَمْ لَا يَجِبُ؟ فنقولُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بمقتضى الحكمة، وليس بُمقتضى عقولنا؛ فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 299

تعالى بمقتضى كونه حكيمًا مَا يَفْعَلُ إِلَّا مَا هُوَ صالح، أو أصلحُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ مَا لَيْسَ بصالحٍ، ولا أصلح؛ لأنه حكيم، ولكن هل مَعْنَى ذَلِكَ أنَّنا نحن نوجِب عَلَى اللَّهِ ونقول: هذا أَصْلَحُ مِنْ هَذَا، وَيَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ كذا؟ لا، ولكنه يَفْعَلُهُ وَقَدْ لَا نَعْلَمُ نحن بهذه الأصلحية، أو بوجه الصلاحية، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ نَعْلَمَ. وَكَمْ مِنْ أَشْيَاءَ نظن أَنَّ الحكْمَةَ فِي مُخَالَفَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، أَوْ مَا يَقَعُ قَدَرًا، وتكون الْحِكْمَةُ فِيمَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ، وَقَضَى بِهِ اللَّهُ تعالى فِي قَدَرِهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ عَلَى قَوْلِ المُفَسِّر ﵀ بأنه: [الِاخْتِيَارُ فِي شَيْءٍ]. فـ ﴿الْخِيَرَةُ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ كلمة تضمنت معنى المصدر دُونَ حُروفه فهي اسْمُ مَصْدَرٍ، ونظير الخِيَرَة الطِّيَرة؛ فإن الطِّيَرَة اسْمُ مَصْدَرٍ بمعنى: التَطُيُّر، وهكذا الخِيَرَة اسْمُ مَصْدَرٍ بمعنى الاختيار. قَوْله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [عَنْ إِشْرَاكِهِمْ]. قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ بمعنى: التسبيح، والتسبيح: تنزيهُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَمما لَا يَلِيقُ بِهِ: - أن نُدخل عليه النقصَ: وَهُوَ مُنَزَّهٌ بِهَا عَنِ النَّقْصِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. - ومشابهةُ المخلوقين ممتنعة عَلَى اللَّهِ، والنقص ممتنعٌ عليه فعليه يكون ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا للَّه عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ نقص، أو مشابهة المخلوقين؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ صفة كمال، فإذا شابه اللَّه بِهَا صار نقصًا، وَقَدْ تَكُونُ المسألة لَيْسَ فِيهَا

стр. 300

مشابهة للمخلوقين إطلاقًا، وَلَا وَجْهُ شبه، أي: مِنَ الصِّفَاتِ الخاصة باللَّه. فَنَصَّ عَلَى نَفْي المماثَلة، وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فَنَصَّ عَلَى نَفْي النَّقْصِ. وَقَوْلُهُ: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [عن إشراكهم]، استفدنا مِنْ تَقْدِيرِ المُفَسِّر ﵀ أن (مَا) مصدرية، فيكون التنزيهُ عَنْ فِعْلِهِمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ (ما) اسمًا موصولًا، ويكون العائدُ محذُوفًا، والتقدير: عما يشركونه به، فيكون مُنَزَّهًا عن الشركاء، الَّتِي هِيَ الأصنام. وقوله: ﴿وَتَعَالَى﴾ مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُوِّ، لكنَّها تُفيد معنى التَّنَزُّهِ عَنِ العُلُوِّ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: ترَفَّع وتنزَّه بعُلوٍّ، فهي أَبْلَغُ مِن قولك: عَلا؛ لأن عَلا تُفيد العُلُوَّ، لَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿وَتَعَالَى﴾ يفيد مع العُلُوِّ التَّنَزُّهَ والتحاشيَ عما يشركونه به، أَوْ عَنْ إشراكهم به. ولما بَيَّنَ اللَّهُ عموم خَلْقِه، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ الاختيارُ المطلقُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ اختيارٌ، فالاختيارُ لَهُ وَحْدَهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ لِأَنَّ مَنْ لَا اخْتِيَارَ له طبعًا لا خَلْقَ لَهُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ تعالى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَنْ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّهُ قادِرٌ، فكيف يريد يخلُقُه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الإرادة للَّهِ ؛ لقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، والإرادةُ هُنَا إِنْ نَظَرْنَا إِلَى قَرنها بالخَلق، قلنا: هي الكونية، وإنْ نَظَرْنَا إِلَى لفظها بقَطْع النظر

стр. 301

عن اقترانها بالخَلق، قلنا: إنها شاملة للكونية وللشرعية؛ لِأَنَّهُ يختار كونًا وشرعًا مَا يَشَاءُ، وَهَذَا أَوْلَى العموم. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا اخْتِيَارَ له، وقد تمسَّك بهذا الجَبْرِيَّة؛ لقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، فقالوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَا لَهُ اختيار، وأنه مُجْبرٌ عَلَى فِعْلِهِ. والجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ المطلَقَة، يعني: الَّتِي تَكُونُ بِدُونِ اللَّه، فاللَّه يختارُ وهُم يختارون، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا آياتٌ كثيرة، وأحاديثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ إِرَادَةٌ، مِنْهَا قَولهُ تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]. فهو أثبتَ للإنسان مشيئةً، وأثبتَ لَهُ إِرَادَةً، والواقع يَشْهَدُ بِذَلِكَ، والإنسان يُفَرِّقُ بَيْنَ الفعل الاختياري، والفعل غير الاختياري، فالإنسان إِذَا نَزَلَ مِنَ السطح بالدَّرَج فنزولُه اختياري، وَلَكِنْ إِذَا دَفَعَهُ أَحَدٌ مِن أعلى الدَّرَج فتدحرج، فنزولُه غير اختياري. والنفيُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ مُسَلَّط هُنَا عَلَى الْخِيَرَةِ المُطْلَقَةِ الَّتِي لَا تُعَارَضُ، هَذِهِ لَيْسَتْ للإنسان، بَلِ الْإِنْسَانُ مُدَبِّر، وَلَهُ إِرَادَةٌ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ نفيًا لمطلَق الخِيَرة، فَهَذَا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الآيَاتِ والواقعَ يشهدان بأن للإنسان خِيَرة، والعلماء يقولون فِي كَثِيرٍ مِنَ الكفارات: يُخَيَّرُ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: انفراد اللَّهِ بالإرادة المطلَقة، فلا مُعَقِّبَ لحُكمة، ولا رادَّ لقضائه.

стр. 302

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تنزيه اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَعَاليه وتنزُّهُه عَنْ هَؤُلَاءِ المشركين، سواءٌ قَدَّرْنا (ما) مَصدرَّية، أو قَدَّرْنَاها موصولةً، فهو مُتعالٍ عَنِ المُشْرِكِينَ: عن أصنامهم، وعن شِركهم. * * *

стр. 303

الآية (٦٩) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تُسِرُّ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ الخطاب فِيهَا، وَفي الَّتِي قَبْلَهَا إمَّا لِلرَّسُولِ ﷺ ، وإما لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَوْجِيهُ الْخِطَابِ إِلَيْهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [تُسِرُّ قُلُوبُهُمْ مِنَ الكُفْرِ وَغَيْرِهِ]. قوله تعالى: ﴿تُكِنُّ﴾ بمعنى: تُسِرُّ وتُخفي، وقوله: ﴿صُدُورُهُمْ﴾ أي: قلوبهم، وإنما عبَّر بالصُّدور؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ فيها، والقلب متصلٌ بالصَّدر، ولهذا فالصدرُ هو المُكِنُّ للقَلبِ الساترُ له، وَمَا فِي الْقَلْبِ أَيْضًا مِنَ الأشياء المستورة، فَاللَّهُ تعالى يعلمه. وقول المُفَسِّر ﵀: [مِنَ الكُفْرِ وَغَيْرِهِ] صحيح، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فقوله: ﴿تُوَسْوِسُ بِهِ﴾ أي: تُحَدِّثُ بِهِ، فهو لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، بَلْ هُوَ يَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُ أنت أيضًا.

стр. 304

قَوْلُه تعالى: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ]. قوله: ﴿يُعْلِنُونَ﴾ أي: يُظهِرون، وتخصيص المُفَسِّر ﵀ الإظهارَ بالألسُن فيه قُصُور؛ لأنَّ الإعلام قَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيرِهِ مِنَ الجْوَارِحِ، فقَدْ يَكُونُ بِاللِّسَانِ فيتكلم، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ مِنَ الجْوَارِحِ، فيفعل بيديه أو قدميه أو عينيه، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فهو أعمُّ مِمَّا قال المُفَسِّرُ ﵀. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي هَذَا إثباتُ العِلم للَّه، وأنه شامِل لما يُسَرُّ، وَمَا يُعْلَنُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحذير والتَّرغيب، تحذير الْإِنْسَانِ أَنْ يُضْمِرَ، أَوْ يُعلن سُوءًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ بِهِ، وترغيبُه فِي أَنْ يُضْمِرَ، أَوْ يُعْلِنَ خيرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يعلمه، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أُضمِر مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَنْ يَضيع، فَهُوَ مَعْلُومٌ كَما قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي آيَاتٍ كثيرة أَنَّهُ يَعْلَمُ، ويُخبر يَوْمَ الْقِيَامَةِ عمَّا عَمِل هؤُلاءِ. * * *

стр. 305

الآية (٧٠) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى﴾ الدُّنْيَا ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ الْجَنَّةُ ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ الْقَضَاءُ النَّافِذُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالنُّشُورِ]. قَوْله: ﴿اللَّهُ﴾ الضَّمير يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكَ﴾ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ، أي: وذلك الرب الَّذِي يَخْلُقُ، وَالَّذِي يُعْلَمُ هُوَ اللَّهُ. قوله: ﴿اللَّهُ﴾ أصلها (الإله)، حُذِفَت الهمزةُ تخفيفًا؛ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي (أُنَاسٍ)، خُفِّفت فصارت (ناس). ومعنى الإله: المأْلُوه، وليست بمعنى آلِهٍ، مِثل غِراس، بمعنى: مَغروس، والبناء بمعنى: مَبني، وفِراش بمعنى: مفروش، وأمثلتها كثيرة. ومألوه أي: معبودٌ، وسُمِّيَ المعبود مألوهًا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ يَأْلَهُهُ، أي: يَمِيلُ إِلَيْهِ، وتجدون أن (آلِه) مُوافقة فِي الِاشْتِقَاقِ الأصغر لأهْل؛ إِذْ إِنَّ فِيهَا الْهَمْزَةَ وَالْهَاءِ واللام، ففي الأُلُوهِيَّة -وهي العبادة- نَوْعٌ مِنَ التَّأَهُّلِ والاطمئنان؛ لأن الآلِهَ له مطمئن إليه. قال المتكلمون: إنَّ الإله بمعنى الآلِه، أي: الْقَادِرُ عَلَى الاختراع، يعني: الْقَادِرُ عَلَى الْخَلْقِ، لكنهم يستخدمون تعبيرات فلسفية: الْقَادِرُ عَلَى الْخَلْقِ، فلو فسَّرنا الإله

стр. 306

بمعنى: الْقَادِر عَلَى الْخَلْقِ، لكان المشركون الَّذِينَ قَاتَلَهُمُ النبي ﷺ مُوَحِّدين؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لا خالقَ، ولا قادِرَ عَلَى الْخَلْقِ إِلَّا اللَّهُ، ولا رَيْبَ أَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ الرِّسالَة والتوحيد. ومن ثَمَّ نعلم خطأ بعضِ المؤلفين الآنَ فِي التَّوْحِيدِ، حيث يُرَكِّزون عَلَى تَوْحِيدِ الربوبية، ويتناسَوْن توحيد الأُلُوهِيَّة، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ لأنَّ التوحيد ليس الإقرارَ بالخالق، والاعترافَ بِهِ فَقَطْ؛ إِذْ إِنَّ هَذَا حاصِلٌ مِنَ المشرِكِينَ الَّذِينَ استباح النَّبِيُّ ﷺ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، لكن الإله بمعنى: المعبود، وَهُوَ أَمْرٌ فوق القادِر، أو الخالق. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لما قَرَّر ألوهِيَّتَه بصيغة الجُملة الاسمية ﴿هُوَ اللَّهُ﴾، وطرفاها مَعرِفتان، والمعروف عند البلاغيين أن الجُملة الاسمية إِذَا كَانَ طرفاها معرفة؛ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الحصر، وأكَّد ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذا حصرٌ أيضًا للأُلُوهِيَّة فِي اللَّهِ وحدَهُ، فليس معه إلهٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الإله هو المعبود الَّذِي يَخْلُقُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. ولا تظُنَّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُؤَيِّد تفسير المتكلمين لمَّا قَالَ: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بالإله الخالِقُ، وإلَّا لَقَالَ: لذهب كل إله بمَن عبَدَهُ. وَلَكِنْ لِأَنَّهُ لمَّا كَانَ الإلهُ الْحَقُّ هُوَ الْإِلَهُ الخالق، قال: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾. والحصر فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ حقيقي، وقد يشتبِه عَلَى بَعْضِ الناس، فيقول: إنه إضافيٌّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الحصرَ إذا جعلناه حقيقيًّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ كثيرًا أَنَّ اللَّهَ أثبَتَ آلهةً سِواهُ؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١]، وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ

стр. 307

اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]، وكذلك الكافِرُون، قالوا لِلرَّسُولِ ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، فيظن الظانُّ أنَّنا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَجْمَع بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وَبَيْنَ إثبات الأُلُوهِيَّة للأصنام إِلَّا إِذَا جعلنا الحصرَ إضافيًّا، فنُثبت الأُلُوهِيَّة لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، ويكون النفي هُنَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لِمَا أثبتناه. فَنَقُولُ فِي ذَلِكَ: أصلُ الإله حقًّا هُوَ الْخَالِقُ، الإلهُ الْحَقُّ هُوَ الْخَالِقُ، وأما هَذِهِ الآلِهَةُ التي عُبِدَت مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهِيَ آلهةٌ باطلة كَذِب، وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ : ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً﴾، فَجَعَلَ ذَلِكَ إفكًا، وَلَيْسَ بِحَقِيقةٍ، فهي -وَإِنْ عُبِدَت وأُلِّهت- ليست بآلهة. ولهذا تجدون أَنَّ الرُّسُلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ- كُلٌّ مِنْهُمْ يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، أي: مِنْ إِلَهٍ يُعبد ويستحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ بِحَقٍّ سِوى اللَّهِ . وَقَالَ تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]، وآلهة أي: معبودة بحق، وإلا أثبت اللَّهُ لَهَا العبادة. وعلى هذا نقول: إنَّ الجَمْعَ بَيْنَ هَذَا الحَصر، وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مِن إثبات الأُلُوهِيَّة للأصنام هُوَ أَنَّ الإلهَ هو المعبودُ بحقٍّ، وَهَذَا لَا ينطبِقُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَأَمَّا مَا عُبِدَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهُوَ وَإِنْ سُمِّيَ إِلهًا، لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ إلهًا، وَكَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩]. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لَا بُدَّ للضمير مِن مَرْجعٍ مَذكُور، أو ملفوظ يَعُودُ إِلَيْهِ: مذكور مثل: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أو ملفوظ مثل: أَنْ تَأْتِيَ شَيْئًا مِن أَفْعَالِ اللَّهِ، فتقول: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

стр. 308

وَأَمَّا قَوْلُكُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فيصح؛ لأنك تُخَاطِب اللَّهَ، فهو متعين، وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا بُدَّ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مِن مَرجع لمخالَفَة الصوفية، الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. فهم يُعيدونه فيقولون: (هو، هو، هو، هو) إِلَى آخِرِهِ، فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ بلفظٍ، ويذكرون اللَّهَ بلفظ الضَّمير فقط، ويحذفون ﴿لَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فيقولون: (هو، هو، هو)، فإذا وَجَدْتَهُمْ فِي مجتمعاتهم وهُم يَهُزُّون الرءوس، ويَضْرِبون الطُّبول، ويُغَبِّرُون بالأصوات، ويقولون: (هو، هو). قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾: ﴿لَهُ﴾ الجارُّ والمجرور خبرٌ مقدَّم، وتقديم ما حقُّه التأخير يُفيد الحصر، فقوله: ﴿لَهُ﴾ أي: لَهُ وَحْدَهُ. قَوْلُه تعالى: ﴿الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ﴾، أما غَيْرُهُ، فَلَيْسَ لَهُ الحمد الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّه؛ لَا فِي الْأُولَى، وَلَا فِي الآخِرَةِ، وقوله: ﴿الْحَمْدُ﴾: (ال) هذه للاستغراق، أي: جَمِيع أَنْوَاعِ الحمد، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ، فَاللَّهُ تعالى لَهُ الحمد كُلُّه، فَهُوَ الَّذِي لَا يُحمَد عَلَى سُوءٍ سِواه، يُحمَد عَلَى كُلِّ حَالٍّ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﵊: "الحَمْدُ للَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (١). وقوله: ﴿لَهُ﴾ اللام هنا هي للاخْتِصاص وللاسْتِحقاق، فالحمدُ المطلَق مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ، وَالمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ غيرَهُ -وإِنِ اسْتَحَقَّ أَنْ يُحْمَدَ- فإنما أَتَى بِهِ مِنْ أَسْبَابِ الْحَمْدِ هُوَ مِنَ اللَّهِ ، وغاية مَا يَكُونُ أَنْ يَكُونَ وسيلة، فالإنسان -مثلًا- يُحمد عَلَى مَالَهُ مِنَ الصِّفَاتِ الكاملة، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا مِنَ اللَّهِ. إذن: فالحمد حقيقةً للَّه، فالذي يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ هُوَ اللَّهُ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بالحمد

стр. 309

المُطْلَقِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ. قوله: ﴿فِي الْأُولَى﴾ أي: الدُّنيا، يُحمد فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا أجراه مِنْ أَحْكَامٍ كونية، وما شرَعه مِنْ أَحْكَامٍ شرعية؛ يُحمد عليها حمدًا كاملًا. قَوْلُه تعالى: ﴿وَالآخِرَةِ﴾: قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [الجَنَّة]، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فالآخرة تشمل مُنذ أَنْ يُبْعَثَ النَّاسُ إِلَى أَنْ يَصِلُوا إلى منازلهم؛ فَإِنَّهُ يُحمد، بَلْ إِنَّ اللَّهَ يَفتَح عَلَى نَبِيِّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ المَحَامِدِ مَا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ (١)، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يظهَر حمدُه لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فإنه يَظهَر عدلُه، ويظهر فضلُه وإحسانُه، وتَظهر حكمتُه، وتَظهر قُدرتُه، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ العظيمةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، ويستحق عليها الحمدُ. فليس المَعْنَى أَنَّهُ لَا يُحمَد إِلَّا فِي الْجَنَّةِ، فهذا قُصور جِدًّا مِن المُفَسِّر ﵀ وَاللَّهُ يقول: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ﴾. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ يَسْتَأْذِنُ مِنَ اللَّهِ فِي الشَّفَاعَةِ، ويسجد تَحْتَ الْعَرْشِ فيفتَح اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ المَحَامِدِ مَا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلُ (٢)، وهذا قَبْلَ دُخُولِ الجنة، بل قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ الخَلق. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ اللام فِي قَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ خبرٌ مُقَدَّم، وتقديم الخبر يُفيد الحَصر، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [القَضَاءُ النَّافِذُ فِي كُلِّ شَيْءٍ]، والحُكم يشمل القضاء،

стр. 310

وَهُوَ الْحُكْمُ الكوني، كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀، ويشمل الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ. فالحُكم للَّه قضاءً وشرعًا، لا حاكِم إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنِ ابْتَغَى الْحُكْمَ مِنْ غَيْر اللَّهِ؛ فإنه يَضِلُّ، ومَنِ اتَّبع هُدَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضِلُّ، ولا يَشْقَى. وتقديم الخبر يُفِيد الحَصرَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ للَّهِ وَحْدَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ المُرَادُ الحكمَ المطلَقَ، فالحُكم المطلق للَّهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، هُوَ الَّذِي يُوجِبُ الشَّيْء ويُحَرِّمه، ويَنْدُب إليه ويُبيحه، وَكَذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الكونية، هُوَ الَّذِي يُنزِّل الغَيْثَ، وَهُوَ الَّذِي يُزيل القَحْطَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ويرزق، كُلُّ هَذَا مِنَ الْأَحْكَامِ الكونية. ولكن الإنسان نازَعَ رَبَّهُ فِي الْحُكْمِ الكوني، وَفي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فهناك -مثلًا- مَنْ أَثْبَتَ مَعَ اللَّهِ خالِقًا آخر، وهناك مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَبٌّ يتصرف كَمَا يَشَاءُ، والمخالفات فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أكثرُ وأبلَغُ، فما أكثرَ الذين يُشرِّعون، ويَرَوْنَ أنَّ تشريعاتِهم نافِذة كشرعِ اللَّه، أو أعلى، وهؤُلاءِ سَبَق أنهم كفار حَتَّى لَوْ صَلَّوْا وزَكَّوْا وصاموا وحَجُّوا؛ فهم كفار. وَكَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بالحُكم مِثل فِرْعَون؛ لأنه نازَعَه فِي الْحُكْمِ القَدَرِيِّ، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. فالحُكم المُطلَق للَّه، ولكن هناك حُكمٌ مُقَيَّد، لكنَّه بِأَمْرِ اللَّهِ، ولهذا نحن نرى فِي كُتُبِ أَهْلِ الْعِلْمِ أنهم يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَاكِمِ، ويقال: الحاكم الشرعي، وبإذن الحاكم، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَذَا الحكْمُ الَّذِي يستفيده هذا الإنسان مُقَيَّد ومحصور؛ مُقَيَّد بِأَنْ يَكُونَ تحتَ حُكْمِ اللَّهِ، ومحصورٌ فِي مَكَانٍ مُعَيَّن، وِفي زَمَنٍ مُعَيَّن.

стр. 311

فإذن: الحُكم المُطلق للَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الآخِرَةِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ المُقَيَّد، فهذا يَكُونُ لِغَيْرِ اللَّهِ، مِثْلُ مَا يقوله العلماء: الحاكم الشرعي، ويَحْكُم بينهم الحاكم، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فهَذَا الْحُكْمُ مُقَيَّدٌ فِي زَمَانِهِ، ومكانه، ونَوْعِه، أَمَّا فِي الزَّمَانِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُقَيَّد، لكن الحاكم الشَّرْعِيُّ لَا يَبْقَى أَبَدَ الآبِدِين، بَلْ هُوَ فِي مَكَانِهِ، لَا يَحْكُمُ إِلَّا فِي بُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا يَحْكُمُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ. وفي نوعه؛ لأنه مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ تحت حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ أحكام اللَّهِ . قَوْلُه تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، قوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ تَقَدَّمَ عَلَى: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وتقديمُ المعمول يَدُلُّ عَلَى الحصر، فالرُّجوع إِلَى اللَّهِ مَهْمَا طالت الدُّنيا، ومَهْمَا بَعُد الإنسانُ، وَمَهْمَا كَانَ الإنسان أيضًا؛ فإنَّ مَرْجِعَه إِلَى اللَّهِ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بِالنُّشُورِ]، والنُّشور يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فكلُّ الخلائق مَرْجِعُهَا إِلَى اللَّهِ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حيث يُحشر كُلُّ شَيْءٍ، حتى النَّمل، حَتَّى يَتبَيَّنَ أَنَّ الْأَمْرَ كله مَرْجِعُهُ إِلَى اللَّهِ . من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات أُلُوهِيَّة اللَّه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: انفرادُه بالأُلُوهِيَّة، لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: اختِصَاص اللَّهِ تعالى بالحمدِ المُطْلَقِ؛ لقوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾، الحمد المطلق الشامل للدنيا والآخرة.

стр. 312

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ظُهور كَمال صِفات اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ لأن الحمدَ وصفُ المحمودِ بالكمالِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: اختصاص اللَّهِ تعالى بالحُكم، وأنه وحدَه هو الحاكمُ؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾، وَمَا ذُكِرَ مِنْ إِثْبَاتِ الحكْمِ لغيره، فَهُوَ أَمْرٌ مُقَيَّد. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعث؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. * * *

стр. 313

الآيتان (٧١، ٧٢) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧١ - ٧٢]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قُلْ﴾ لِأَهْلِ مَكَّةَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أَيْ أَخْبِرُونِي ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دَائِمًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بِزَعْمِكُمْ ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ نَهَارٍ تَطْلبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ذَلِكَ سَمَاعُ تَفَهُّمٍ فَتَرْجِعُونَ عَنِ الإشراك، ﴿قُلْ﴾ لَهُمْ ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بِزَعْمِكُمْ ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ﴾ تَسْتَرِيحُونَ ﴿فِيهِ﴾ هو مِنَ التَّعَبِ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْإِشْرَاكِ فَتَرْجِعُونَ عَنْهُ]. الخِطاب هنا لِلنَّبِيِّ ﷺ ، ولكن المُفَسِّر ﵀ يقول: [لِأَهْلِ مَكَّةَ]، والصَّواب أَنَّهُ عَامٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ. وقَوْلُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فسَّره المُفَسِّر ﵀ بقوله: [أَخْبِرُونِي]، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ؛ لأن رَأَى مِن الرؤية البَصَرية، والمعنى: أأبصرتُم ذلك فأخبروني عنه.

стр. 314

ولكن المُفَسِّر ﵀ فسَّره وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ باللازم؛ لِأَنَّ مِن لازِم الرؤية إخبارَ الإنسان عما يَرى. قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: (رأى) تَنْصِبُ مفعولين هنا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهَا تَكُونُ بَصَرِيَّة؛ المفعولُ الْأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا، وَقَدْ يَكُونُ محذوفًا، وَأَكْثَرُ مَا يَأْتِي محذوفًا، قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، ، فقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو المفعول الأول. وَقَدْ يَكُونُ محذوفًا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف: ٤]، هنا المفعول الأول محذوف، والتقدير: أرأيتم حالَكُم، يعني: أَخْبَرُونِي عَنْ حالِكم ماذا يَكُونُ لَوْ أنه حَصَل كَذَا وَكَذَا؟ فالمفعول الأول محذوف، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [القصص: ٧١]، فِي مَحِلِّ نَصْبٍ، وهي المفعول الثاني. قَوْلُه تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [دَائِمًا]. قوله ﴿جَعَلَ﴾: بمعنى: صَيَّر، فمفعولُها الأول ﴿اللَّيْلَ﴾ ومفعولُها الثاني ﴿سَرْمَدًا﴾: إِنْ صَيَّر اللَّهُ عَلَيْكُمُ الليل سرمدًا. والليلُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طلوعِها، هذا اللَّيْلُ يَعْنِي اختفاء الشَّمْسِ فِي الْأُفُقِ، وظُهورها هُوَ النَّهَارُ، والنُّور الذي يخلُفُها بَعْدَ الْغُرُوبِ، أو يَتَقَدَّمُها بَعْدَ الْفَجْرِ، هَذَا مِنْ مُقَدِّمات النهار، أَوْ مِنْ مُؤَخَّراته، وإلا فحقيقة الْأَمْرِ أَنَّ اللَّيْلَ يكون بغروب الشَّمْسِ إِلَى طلوعها. وقوله: ﴿سَرْمَدًا﴾ قيل: إِنَّ أَصْلَهَا سرْدًا، والسَّرْد التتابُع، يعني: متتابعًا،

стр. 315

وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، فالميمُ زائدة، ويكون وَزْنُه الصرفيُّ فَعْمَلًا؛ لأن الميمَ زائدة، وقيل: إنَّ الميمَ أصليَّة، وإنها مِن: سَرْمَد إِذَا اسْتَمَرَّ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ وَزْنُهُ الصرفي: فعللًا؛ لأن الميم أصلية. والسَّرمد معناه: الدائم المستمر إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أي: لَوْ كَانَ اللَّيْلُ سرمدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا أحد يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ بنهار، بَلْ لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ النَّهَارَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَلَا أَنْ يُؤَخِّرَه بَعْدَ وقته، فالشمسُ الآن تخرج فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دقيقة، فلو اجتمع العالَمُ كُلُّهُ عَلَى أَنْ تَخْرُجَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ إلَّا دقيقة، لمَا استطاعوا، أَوْ عَلَى أَنْ تتأخر إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ودقيقة ما استطاعوا أيضًا، أَوْ عَلَى أَنْ يُزَحْزِحُوها قليلًا عن مكانها، ما استطاعوا. إذن: الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرها -لا زمانًا، ولا مكانًا- لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْلِبَها، ويأتيَ بنهار أبدًا. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بِزَعْمِكُمْ، ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ نَهَارٍ تَطْلُبُونَ فِيهِ المَعِيشَةَ]. قَوْلُه تعالى: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، ﴿إِلَهٌ﴾ خبرُه، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَتُه، و ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ حَالٌ مِنْ ﴿إِلَهٌ﴾، أي: أَيُّ إله يأتيكم بضياء؟ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [عَلَى زَعْمِكُمْ]، هَذَا لَا يَفْطِنُ لَهُ إِلَّا إنسانٌ يفهم اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ؛ لأن ﴿مَنْ﴾ يُسْتفهم بِهَا عَنِ التَّعْيِينِ، فتَقبَل التعدُّد؛ لأن التعيين إنما يُطلب عند التعدُّد، فإذا تعددت الأشياء طُلِب التعيِين، فَإذَا قُلْتُ: مَنْ قَامَ؟ فأنا الآن أثبِتُ بهذا الاستفهام أن عَدَدًا مِنَ النَّاسِ قَدْ قَامَ، ولكني أستفهم عن تَعْيِين هذا القائمِ، فَإِذَا قُلْنَا ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ فهل معناه: أَنَّ هُنَاكَ آلهةً، والمطلوب التعيين، فعَيِّنوا لي الْإِلَهَ الَّذِي يأتيكم؟

стр. 316

الجواب: أن هَذَا لَيْسَ حقيقيًّا، وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِزَعْمِكُمْ]، يعني: إِذَا كُنْتُمْ تزعمون أَنَّ هُنَاكَ آلهة فمَن الْإِلَهُ الَّذِي يأتيكم بضياء؟ وَيَكُونُ هَذَا أَبْلَغَ فِي التحدي، لَوْ قَالَ: هل إلهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟ صار هنا الاستفهامُ عَنْ وُجُودِ إله، لَا عَنْ تعيينه، لكن الاستفهام عن تعيينه أَبْلَغُ فِي التحدي، أي: حتى على زعمكم أَنَّ هَذِهِ آلهة؛ فإننا نتحدَّاكُم: أين الْإِلَهُ الَّذِي يَأْتِي بِهَذَا الشَّيْء؟ إذا قُلتم: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا أَحَدٌ مِنَ الآلِهَةِ يَفْعَلُ هَذَا، تبَيَّنَ أَنَّ أُلُوهِيَّتَها باطلة؛ لأن الإله لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا، سميعًا، بصيرًا، إِلَى آخِرِ الصفات الكاملة. قَوْلُه تعالى: ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ الباء هنا للتعدِيَة، يعني: يجلب إليكم الضياء، وقال: ﴿بِضِيَاءٍ﴾؛ لأنه علامةُ النهار، بَلْ إِنَّهُ هُوَ النَّهَارُ في الواقع؛ إما علامته، أَوْ هُوَ النَّهَارُ. قَوْلُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [ذَلِكَ سَمَاعُ تَفَهُّمٍ، فَتَرْجِعُونَ عَنِ الإِشْرَاكِ]. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ يعني: أَصُمَّتْ آذانُكم، فلا تسمعون؟ والمراد بالاستفهام هنا سمعُ التَّفَهُّم الذي يَرْتَدِع بِهِ المَرْءُ عن غَيِّه، أما المجرد -يعني سمع الإدراك- فَهُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سمع. هنا قد يَقُولُ قَائِلٌ: لماذا لَمْ يَقُلْ: أَفَلَا تُبْصِرُونَ؛ لأنَّ الإبصار فِي النَّهَارِ أظهرُ؛ بَلْ قَالَ: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟ نقول: لأنه تَبْيِينٌ لقوله: ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ والليل مَحَلُّ سَمْعٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، وليس تبيينًا عَلَى آخَرِ الآيَةِ ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾،

стр. 317

فهو تبيين عَلَى أَوَّلِ الآيَةِ، والمعنى: أَنَّكُمْ لَا تسمعون سمعًا تستفيدون منه؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ هُوَ محَلُّ السَّمْعِ، وَلَيْسَ مَحَلَّ الرؤيا. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: تحدي هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أَنْ تَكُونَ أصنامُهم جالِبةً للخير، أو دافعةً للشر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ قُدرة اللَّهِ ، حَيْثُ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يَجْعَلَ الليل سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تذكير العِباد بنعمة اللَّه؛ فإن الأشياء إنما تتبين بِضِدِّها. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الكون، فلو جَعَلَهُ سَرْمَدًا، ما استطاع أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الْحَثُّ عَلَى سَمَاعِ مَا يُتْلَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سَمْعَ تَفَهُّمٍ وقَبُول؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ بضِياء النهار، فكَم تستهلك الْأُمَّةُ مِنْ طاقة في إضاءة اللَّيْلِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلَ إضاءة النهار، وبهذا نعرف قَدْر نعمة اللَّهِ بهذا الضِّيَاءِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى النَّاسِ بكميات كبيرة. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيانُ نعمةِ اللَّهِ . الْفَائِدَةُ الثَّامِنَهُ: بيان نِعْمَةِ اللَّهِ تعالى فِي اللَّيْلِ، الَّذِي جَعَلَهُ سكنًا؛ لقوله: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾.

стр. 318

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ نَوْمَ اللَّيْلِ أَفْيَدُ للجسم مِنْ نَوْمِ النهار، حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ الليلَ محل سَكن ووقته، وَهَذَا أَمْرٌ مُشاهَد. الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: الْحَثُّ عَلَى التبصُّر فِي آيَاتِ اللَّهِ ؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا يُفِيدُ حَثَّ الْإِنْسَانِ أَنْ يتبصر فِيمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآيَاتِ؛ حتى يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَمَالِ قُدرة الخالق. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الليل أنفعُ للبَدن مِنَ النَّهَارِ، ففي نَوْمِ اللَّيْلِ سُكون، بخلاف نَوْمِ النَّهَارِ، فالإنسان يُحِسُّ بالراحة لَكِنْ لَيْسَ كالليل. * * *

стр. 319

الآية (٧٣) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ تَعَالَى ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ فِي اللَّيْلِ ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فِي النَّهَارِ لِلْكَسْبِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ النِّعْمَةَ فِيهِما]. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: جعل الوقوع متعلقًا بقوله: ﴿جَعَلَ﴾، يعني: وَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ. وقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾: ﴿وَمِنْ﴾ هنا للسببية، أي: بسبب رحمته، وما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّحمَة، والرَّحمَة صفةٌ حقيقيةٌ ثابتة للَّهِ ، وَهِيَ غَيْرُ إرادةِ الإنعام، وغيرُ الإنعام. فأهلُ السُّنة والجماعة يقولون: إن الرَّحمَةَ صِفة حقيقية ثابتة للَّهِ ، لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقِ. وأما الأشاعرةُ فيُحرِّفون مَعْنَى الرَّحْمَةِ إِلَى أَنَّهَا الإنعامُ أَوْ إِرَادَةُ الإنعام، فيُفَسِّرونها بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الإنعام، أَوْ إِرَادَتِهِ؛ لأنهم يُثبِتون الإرادة، وهي صِفة معنوية، وقد مَرَّ علينا أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنَ الصِّفَاتِ إِلَّا سَبْعَ صفات؛ منها: الإرادة، فيفسِّرون الرَّحمَة بإرادة الإنعام؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ دَلَّ عليها السمع والعقل، وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ

стр. 320

إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أوَّلوه. ولكننا نَقُولُ: هَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ تحريف، لكن أين دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى الْإِرَادَةِ؟ يقولون: إنَّ العقل يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ بواسطة تخصيص المخلوقات، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ المخلوقات خُصِّص بشيء، هَذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ قاسيًا، فصار قاسيًا، وَهَذَا يَكُونُ لَيِّنًا فصار لَيِّنًا، وَهَذَا يَكُونُ طَوِيلًا، فيكون طويلًا، وهذا قصير، فيكون قصيرًا، إِلَى آخِرهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةٍ، أي: إن الْأَمْرَ لَا يَخْلُو مِن إرادة. وبالنسبة للرحمة قالوا: نُؤوِّلها؛ لأن الرَّحمَة عِبَارَةٌ عَنِ رِقَّة تعتري القلب، وتُوجِب الحُنُوَّ عَلَى المرحوم. فَنَقُولُ لهمْ: هذه الرَّحمَة التي ذكرتُم إِنَّمَا هِيَ رحمةُ المخلوقين، ونحن نُثبت للَّه رحمةً لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقين، ثم إننا نستدلُّ على الرَّحمَة بالعَقل كما استدللتم عَلَى الْإِرَادَةِ بالعقل، فكَم للَّهِ عَلَيْنَا مِنْ نِعَمٍ لَا تُعَدُّ ولا تُحصى، وكَم للَّهِ تعالى مِن تفريج كُرُبَاتٍ لَا تُعَدُّ، ولا تُحصى. والأمر المقتضي لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لجلب النِّعَم، ودَفْعِ النِّقَمَ هو الرَّحمَة؛ لأن القاسِيَ الَّذِي لَا يَرحَم لا يجلب النِّعْمَةَ، وَلَا يَدْفَعُ النِّقْمَةَ. فإذن: الاستدلالُ بالحوادث الَّتِي فِيهَا جلبُ النعمِ، ودفعُ النِّقَمَ أظهرُ وأبينُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بالتَّخصيص عَلَى الْإِرَادَةِ؛ لأن دَلَالَةَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْإِرَادَةِ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا أفرادٌ مِنَ النَّاسِ، لكن دلالة جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ النِّقَمَ على الرَّحمَة كلُّ الناس يفهمونها، حتى الْعَامِّيّ فِي سُوقه إِذَا رَأَى رَجُلًا قاسيًا عَلَى أَوْلَادِهِ -مثلًا- قال: هَذَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ رحمة. وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ -مثلًا- دائمًا يجلب لهم الخير، ويدفع عنهم الشَّرَّ، قال: هذا إنسان رحيم.
следующие страницы →