← Тафсир

Тафсир · id 21805

تفسير العثيمين: القصص

ابن عثيمين

Полный текст (403 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الجواب: أن هَذَا لَيْسَ حقيقيًّا، وَلِهَذَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِزَعْمِكُمْ]، يعني: إِذَا كُنْتُمْ تزعمون أَنَّ هُنَاكَ آلهة فمَن الْإِلَهُ الَّذِي يأتيكم بضياء؟ وَيَكُونُ هَذَا أَبْلَغَ فِي التحدي، لَوْ قَالَ: هل إلهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟ صار هنا الاستفهامُ عَنْ وُجُودِ إله، لَا عَنْ تعيينه، لكن الاستفهام عن تعيينه أَبْلَغُ فِي التحدي، أي: حتى على زعمكم أَنَّ هَذِهِ آلهة؛ فإننا نتحدَّاكُم: أين الْإِلَهُ الَّذِي يَأْتِي بِهَذَا الشَّيْء؟ إذا قُلتم: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا أَحَدٌ مِنَ الآلِهَةِ يَفْعَلُ هَذَا، تبَيَّنَ أَنَّ أُلُوهِيَّتَها باطلة؛ لأن الإله لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا، سميعًا، بصيرًا، إِلَى آخِرِ الصفات الكاملة. قَوْلُه تعالى: ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ الباء هنا للتعدِيَة، يعني: يجلب إليكم الضياء، وقال: ﴿بِضِيَاءٍ﴾؛ لأنه علامةُ النهار، بَلْ إِنَّهُ هُوَ النَّهَارُ في الواقع؛ إما علامته، أَوْ هُوَ النَّهَارُ. قَوْلُه تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [ذَلِكَ سَمَاعُ تَفَهُّمٍ، فَتَرْجِعُونَ عَنِ الإِشْرَاكِ]. قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ يعني: أَصُمَّتْ آذانُكم، فلا تسمعون؟ والمراد بالاستفهام هنا سمعُ التَّفَهُّم الذي يَرْتَدِع بِهِ المَرْءُ عن غَيِّه، أما المجرد -يعني سمع الإدراك- فَهُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ سمع. هنا قد يَقُولُ قَائِلٌ: لماذا لَمْ يَقُلْ: أَفَلَا تُبْصِرُونَ؛ لأنَّ الإبصار فِي النَّهَارِ أظهرُ؛ بَلْ قَالَ: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟ نقول: لأنه تَبْيِينٌ لقوله: ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ والليل مَحَلُّ سَمْعٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، وليس تبيينًا عَلَى آخَرِ الآيَةِ ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾،

стр. 317

فهو تبيين عَلَى أَوَّلِ الآيَةِ، والمعنى: أَنَّكُمْ لَا تسمعون سمعًا تستفيدون منه؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ هُوَ محَلُّ السَّمْعِ، وَلَيْسَ مَحَلَّ الرؤيا. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: تحدي هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أَنْ تَكُونَ أصنامُهم جالِبةً للخير، أو دافعةً للشر. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ قُدرة اللَّهِ ، حَيْثُ لَا يُعْجِزُهُ أَنْ يَجْعَلَ الليل سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تذكير العِباد بنعمة اللَّه؛ فإن الأشياء إنما تتبين بِضِدِّها. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُغَيِّرَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الكون، فلو جَعَلَهُ سَرْمَدًا، ما استطاع أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الْحَثُّ عَلَى سَمَاعِ مَا يُتْلَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سَمْعَ تَفَهُّمٍ وقَبُول؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بيان نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ بضِياء النهار، فكَم تستهلك الْأُمَّةُ مِنْ طاقة في إضاءة اللَّيْلِ الَّذِي لَا يَكُونُ مِثْلَ إضاءة النهار، وبهذا نعرف قَدْر نعمة اللَّهِ بهذا الضِّيَاءِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى النَّاسِ بكميات كبيرة. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بيانُ نعمةِ اللَّهِ . الْفَائِدَةُ الثَّامِنَهُ: بيان نِعْمَةِ اللَّهِ تعالى فِي اللَّيْلِ، الَّذِي جَعَلَهُ سكنًا؛ لقوله: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾.

стр. 318

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ نَوْمَ اللَّيْلِ أَفْيَدُ للجسم مِنْ نَوْمِ النهار، حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ الليلَ محل سَكن ووقته، وَهَذَا أَمْرٌ مُشاهَد. الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: الْحَثُّ عَلَى التبصُّر فِي آيَاتِ اللَّهِ ؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؛ لِأَنَّ هَذَا يُفِيدُ حَثَّ الْإِنْسَانِ أَنْ يتبصر فِيمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآيَاتِ؛ حتى يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَمَالِ قُدرة الخالق. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الليل أنفعُ للبَدن مِنَ النَّهَارِ، ففي نَوْمِ اللَّيْلِ سُكون، بخلاف نَوْمِ النَّهَارِ، فالإنسان يُحِسُّ بالراحة لَكِنْ لَيْسَ كالليل. * * *

стр. 319

الآية (٧٣) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ تَعَالَى ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ فِي اللَّيْلِ ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فِي النَّهَارِ لِلْكَسْبِ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ النِّعْمَةَ فِيهِما]. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: جعل الوقوع متعلقًا بقوله: ﴿جَعَلَ﴾، يعني: وَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ. وقوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾: ﴿وَمِنْ﴾ هنا للسببية، أي: بسبب رحمته، وما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّحمَة، والرَّحمَة صفةٌ حقيقيةٌ ثابتة للَّهِ ، وَهِيَ غَيْرُ إرادةِ الإنعام، وغيرُ الإنعام. فأهلُ السُّنة والجماعة يقولون: إن الرَّحمَةَ صِفة حقيقية ثابتة للَّهِ ، لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقِ. وأما الأشاعرةُ فيُحرِّفون مَعْنَى الرَّحْمَةِ إِلَى أَنَّهَا الإنعامُ أَوْ إِرَادَةُ الإنعام، فيُفَسِّرونها بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الإنعام، أَوْ إِرَادَتِهِ؛ لأنهم يُثبِتون الإرادة، وهي صِفة معنوية، وقد مَرَّ علينا أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنَ الصِّفَاتِ إِلَّا سَبْعَ صفات؛ منها: الإرادة، فيفسِّرون الرَّحمَة بإرادة الإنعام؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ دَلَّ عليها السمع والعقل، وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ

стр. 320

إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أوَّلوه. ولكننا نَقُولُ: هَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ تحريف، لكن أين دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى الْإِرَادَةِ؟ يقولون: إنَّ العقل يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ بواسطة تخصيص المخلوقات، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ المخلوقات خُصِّص بشيء، هَذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ قاسيًا، فصار قاسيًا، وَهَذَا يَكُونُ لَيِّنًا فصار لَيِّنًا، وَهَذَا يَكُونُ طَوِيلًا، فيكون طويلًا، وهذا قصير، فيكون قصيرًا، إِلَى آخِرهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةٍ، أي: إن الْأَمْرَ لَا يَخْلُو مِن إرادة. وبالنسبة للرحمة قالوا: نُؤوِّلها؛ لأن الرَّحمَة عِبَارَةٌ عَنِ رِقَّة تعتري القلب، وتُوجِب الحُنُوَّ عَلَى المرحوم. فَنَقُولُ لهمْ: هذه الرَّحمَة التي ذكرتُم إِنَّمَا هِيَ رحمةُ المخلوقين، ونحن نُثبت للَّه رحمةً لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقين، ثم إننا نستدلُّ على الرَّحمَة بالعَقل كما استدللتم عَلَى الْإِرَادَةِ بالعقل، فكَم للَّهِ عَلَيْنَا مِنْ نِعَمٍ لَا تُعَدُّ ولا تُحصى، وكَم للَّهِ تعالى مِن تفريج كُرُبَاتٍ لَا تُعَدُّ، ولا تُحصى. والأمر المقتضي لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لجلب النِّعَم، ودَفْعِ النِّقَمَ هو الرَّحمَة؛ لأن القاسِيَ الَّذِي لَا يَرحَم لا يجلب النِّعْمَةَ، وَلَا يَدْفَعُ النِّقْمَةَ. فإذن: الاستدلالُ بالحوادث الَّتِي فِيهَا جلبُ النعمِ، ودفعُ النِّقَمَ أظهرُ وأبينُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بالتَّخصيص عَلَى الْإِرَادَةِ؛ لأن دَلَالَةَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْإِرَادَةِ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا أفرادٌ مِنَ النَّاسِ، لكن دلالة جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ النِّقَمَ على الرَّحمَة كلُّ الناس يفهمونها، حتى الْعَامِّيّ فِي سُوقه إِذَا رَأَى رَجُلًا قاسيًا عَلَى أَوْلَادِهِ -مثلًا- قال: هَذَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ رحمة. وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ -مثلًا- دائمًا يجلب لهم الخير، ويدفع عنهم الشَّرَّ، قال: هذا إنسان رحيم.

стр. 321

فإذن: دَلالة الْعَقْلِ عَلَى الرَّحمَة أَقْوَى مِن دَلَالَتِهِ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ هم يثبِتون الإرادة، ولا يثبتون الرَّحمَة، فهنا يقولون: مِنْ رَحْمَتِهِ أي: مِن إنعامه. قَوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ مِن للسببية، ﴿رَحْمَتِهِ﴾ هي صِفَتُه الَّتِي اتصف بها أزلًا وأبدًا، قَالَ تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]، وقرَن رُبوبيته بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [لفاتحة: ٢]، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّبوبية كُلَّها رُبوبيةُ رحمةٍ، لَا رُبُوبِيَّة انتقامٍ وغِلظةٍ، فكيف نُنكِر هَذِهِ الصِّفَةَ العظيمةَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، ونُثْبِتُ مَا هُوَ دُونها؟ ! وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَنَاقُض المُعَطِّلين مِن الأشعرية والمعتزلة وغيرِهم؛ لأنهم يتناقضون فيُثبتون للَّه مِنَ الصِّفَاتِ ما يدُّل الْعَقْلُ عَلَى إِثْبَاتِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، ويُنكرون مِنَ الصِّفَاتِ مَا يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَى إِثْبَاتِهَا. قَوْلُه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾، بمعنى: خَلَق، وليست بِمَعْنَى صَيَّرَ، وَلِهَذَا لَمْ تنصب مفعولين. قَوْلُه تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: ليلٌ ونهارٌ يتعاقَبان بَيْنَكُمْ عَلَى النَّاسِ. قَوْلُه تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فِي اللَّيْلِ، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فِي النَّهَارِ مِنْ كَسْبٍ]. قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللام للتَّعلِيل، أي: لِأَجْلِ أَنْ تَسكنوا فيه، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ المعلول وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا لَمْ تَكُنِ العلة مؤثِّرة، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فهَذِهِ عِلَّةٌ غائيَّة، والعِلة الغائيَّة لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ المعلولِ وجودُها، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الخَلق وُجود العبادة. فمَثلًا: قد يَكُونُ هُنَاكَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يسكنون فِي اللَّيْلِ، فرَجُل مَعاشُه بالليل

стр. 322

كالحُرَّاس، وآخَرُ لَهْوُه بالليل، كأصحاب البَطَالة الذين ينامون النهار، ويسهرون الليل، ولكن وجود المعلول إِذَا كَانَتِ العلة غائيةً، فلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وجودُ العلةِ، كَمَا لَوْ قُلْتُ: قدَّمْتُ لك هذه البعير لتركب عليه، فقَدْ تركب، وَقَدْ لَا تركب، أو أعطيتُك القَلمَ لِتكتبَ به، فربما تكتب، وربما لَا تَكْتُبُ. وقوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: فِي اللَّيْلِ، يعني: تستريحون، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تبتغوا، أي: تطلُبون، وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: مِن عطائه ورزقِه. وَفِي الآيَةِ هنا ترتيب ولَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب، فقد بدأ بالليل، وقَدَّمَ منفعته السكون، وَهَذَا فِي اللَّيْلِ فِيهِ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: (لَعَلَّ) هَذِهِ للتَّعلِيل، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ تشكُروا اللَّهَ عَلَى نِعْمَتِهِ، فهنا ذَكَرَ اللَّهُ العِلَّتيْن: الشرعية والقدَرية، أمَّا القدَرية، فَهِيَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، والعِلَّة الشَّرْعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ تعاقُب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تَتبَيَّن بِضدِّها، وَلَوْ كَانَ اللَّيْلُ سَرْمَدًا، والنهار سَرْمَدًا، ما استراح أحدٌ بِلَيْلٍ، ولا ابتغى الفضل بالنهار، ولكنَّ اللَّهَ جَعلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الراحة، مَعَ أَنَّ هُنَاكَ فوائدَ أُخْرَى غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، قَالَ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيح: "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَبِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ" (١).

стр. 323

فالحاصِلُ: أَنَّ فِي تعاقُب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فوائدَ عظيمةً تستوجب أن نَشْكُرَ اللَّهَ عليها. واعْلَمْ أنَّ الشكر يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ والجوارح؛ أما الشُّكر بالقلب فَهُوَ أَنْ يعترف الإنسانُ بِقَلْبِه بِأَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِن اللَّهِ وَحْدَهُ، يعترف اعترافًا كاملًا، حتى لَوْ أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ جاءت عَنْ سَبَبٍ، فليعتقد أَنَّ السَّبَبَ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي أوجده، فحَصَلَتْ بِهِ هَذِهِ النِّعَمُ. وأما الشُّكر باللسان، فإنه الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تعالى بِمَا يستحِق، سَوَاءٌ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الشكر. وَعَلَى هَذَا، فقول الإنسان: سبحان اللَّهِ، وَالحمْدُ للَّه، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. يُعتبر شكرًا، وقوله حينما يأكل طَعَامًا أَوْ يشرب شرابًا: الحمد للَّه يعني: عَلَى هَذَا الطَّعَامَ أَوِ الشراب، يُعتبر أَيْضًا مِنَ الشكر. أما الثالث -وَهُوَ الجوارح- فَهُوَ أَنْ يقوم الإنسان بِطَاعَةِ اللَّهِ، سواء تتعلق بهذه النعمة أَمْ لَا، فيستعين بهذه النعمة عَلَى طَاعَتِهِ، أَوْ يَفْعَلَ الطاعةَ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بهذه النعمةِ، قَالَ الشَّاعِر (١): أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا فالشُّكر بالجوارح فِي قَوْلِهِ: يدي. والشكر باللسان فِي قَوْلِهِ: ولساني: والشكر بالقلب فِي قَوْلِهِ: الضَّمير المحجبا. إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ذكرتُم أن الشكرَ باللسان هو الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ ، سَوَاءٌ

стр. 324

كَانَ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ النعمة، أَوْ بِغَيْرِهَا، فَهَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا قَولهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]؟ نقوله له: نعم، هَذِهِ الآيَةُ تَدْخُلُ فِي هَذَا. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هل يوجب هذا الافتخارَ؟ قلنا: لا، لَيْسَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الافتخار، بَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التواضع للَّه، وَأَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِن اللَّهِ، كَمَا قَالَ الرَّسُول ﷺ : "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ" (١). من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الرَّحمَة صفة حقيقية ثابتة للَّهِ عَلَى وَجْهِ الكمال، ولا تُشبه رحمةَ المخلوقين. فمثلًا: إِذَا قِيلَ: إِنَّ الرَّحمَة تقتضي الضعف والرِّقَّة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قلنا: هذا بالنِّسبة للمخلوق، أما في حق اللَّه -سبحانه- فله رحمة حقيقية لَا تُشْبِهُ رحمة المخلوق. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان نعمة اللَّهِ بتعاقُب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّيْلَ للسَّكَن، والنهارَ لطلب المعاش، فقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ فِي اللَّيْلِ، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فِي النَّهَارِ. وتتفرع عَلَى هَذِهِ المَسْأَلَةِ فائدة: وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الأصحاب ﵏ فِي الْقِسْمَةِ بين

стр. 325

الزوجتين، إِذَا كَانَتْ للإنسان زوجتان، وَأَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ بينهما؛ فَإِنَّ مَدَارَ القَسْم عَلَى اللَّيْلِ لمن مَعاشُه فِي النَّهَارِ، والنهارِ لمن مَعاشُه فِي اللَّيْلِ، فإذا أشكل علينا الأمرُ، فالعِماد هُوَ اللَّيْلُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ السكن. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ مَحَلُّ السكن، والسكون فيه بالنوم والراحة أَفْيَدُ للبَدَن مِنْ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الأسباب؛ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا، فالرزق لَا يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ وينزل، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ طَلَب، وإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا السَّبَبَ الَّذِي تَحْصُلُ به على الرزق، لَمْ يَحْصُلِ الرزق؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ حكيم رَبَطَ الأسبابَ بِمُسَبِّبَاتِها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الرِّزْقَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وفضلٌ وعطاء، وهذا مأخوذ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، فليس حاصلًا بمجرد كَدِّ الإنسان وكَدْحِه، فَكَمْ مِنْ إنسانٍ يَكَدُّ ويَكْدَحُ، وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ رزقه ضيقًا! وَكَمْ مِنْ إنسان يفعل أسبابًا أَقَلَّ مِمَّا فَعَلَهُ الأول، ثم يُوَسَّعُ لَهُ فِي الرِّزْقِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أهمية الشكر، لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ ذَا بصيرةٍ فيما سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى يشكُرَ اللَّه عليه؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، فنأخذ مِنْ هَذَا عِبرةً نتوصل بِهَا إِلَى شُكر اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ. * * *

стр. 326

الآية (٧٤) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٧٤]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ذَكَرَ ثَانِيًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ]. هنا المُفَسِّر ﵀ قد أفادنا بتقدير [اذْكُرْ] قَبل الظرف: ﴿وَيَوْمَ﴾. وقوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: اللَّهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾. وقد مَرَّ عَلَيْنَا مِثْلُهُ قريبًا، وَهَذَا تَكْرَارٌ للتحذير مِنَ الشِّرْكِ، معناه: اذكر أَيْضًا يَوْمَ النداء مَرَّة. ومعنى ﴿شُرَكَائِيَ﴾: الذين جعلتمُوهم شُركاءَ لِي فِي الْعِبَادَةِ، فهُم يُقِرُّون بِأَنَّ اللَّهَ منفرِدٌ بالخَلق والرزق، لَكِنْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ أَيْضًا وَيَقُولُ: لَا رَبَّ، أَوْ يَقُولُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ: أَوْجَدَتْها الطبيعة المَحْضَة! وهَذَا أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ، والأول تعطيلٌ محضٌ، فالذي يُنكر الإله مطلقًا هذا مُعطِّل مَحْضٌ، والثاني مشرك.

стр. 327

وقَوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [ذُكِرَ ثَانِيًا؛ لِيُبْنَى عَلَيْهِ]. * * *

стр. 328

الآية (٧٥) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٥]. * * * قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَنَزَعْنَا﴾ أَخَرَجْنَا ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ وَهُوَ نَبِيُّهمْ يَشْهَد عَلَيْهِمْ بِمَا قَالُوا ﴿فَقُلْنَا﴾ لهمْ ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ عَلَى مَا قُلْتُمْ مِنَ الْإِشْرَاك ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الإلهية ﴿لِلَّهِ﴾ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ ﴿وَضَلَّ﴾ غَابَ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا﴾ النَّزْعُ: الإخراج، نَزَعَ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ: أَخْرَجَهُ مِنْهُ. قَوْلُه تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ المراد بالأُمة هنا الطائفة، ولكنها ليست مجرد الطائفة، بل الطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مِنْهَاجٍ واحدٍ، فَإِذَا كَانَتْ طَائِفَةٌ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهَا تُسمى أُمّةً، ولهذا جاءت فيها الميم الدَّالَّةُ عَلَى الجْمْعِ والاجتماع، فالدولة ذاتُ الأحزاب لَا تَكُونُ أُمَّةً في الواقع؛ لأنها مختلفة، لكن الْأُمَّة هِيَ الطَّائِفَةُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ. فمثلًا: أُمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، وأُمَّةُ الْكُفْرِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ. وقَوْلُه تعالى: ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى: شاهدًا، ولكنه أتى بصيغة المبالغة، أو بصيغة الصِّفَة المُشَبَّهَة باسمِ فاعِلٍ.

стр. 329

والمراد بالشَّهيد -كَمَا يَقُولُ المُفَسِّر ﵀: [وَهُوَ نَبِيُّهُمْ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا قَالُوا]، هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: المرادُ بالشَّهيد العَرِّيف، أي: الزعيم، ننزعه مِنْ بَيْنِهِم، ثم اسألْهم هَذَا السُّؤَالَ المَبْنِيَّ عَلَى التحدي ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ شيخنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِهِ (١)، أَنَّ المُرَادَ بالشهيد هنا الْكَبِيرُ مِنَ الأُمَّة، الَّذِي يُعْتبر بمنزلة العَرِّيف، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَبِيرَ مِنَ الأُمَّة نَائِبٌ عَنِ الأُمَّة، وهذا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ. قَوْلُه تعالى: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ القائل هُنَا هُوَ اللَّهُ ، والبرهان: الدَّليل، أي: هاتوا الدَّلِيلَ عَلَى مَا قُمتم بِهِ مِنَ الإشراك، ولن يجدوا دليلًا. وقولُه: ﴿هَاتُوا﴾ فِعلُ أَمْرٍ، والمقصود به التحدي؛ لأنهم طلبوا مَا لَا يُمْكِنُ، والتوبيخُ لأنه سوف يَلْحَقُهُمْ مِنَ الخِزْيِ والعار أَمَام النَّاسِ فِي ذَلِكَ المَجْمَعِ مَا لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ. وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾، عَلِمُوا ذلك لمَّا لَمْ يَأْتُوا بدليل، ولا بُرهان على إشراكهم، عَلِمُوا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي هَذَا الإشراك، وَأَنَّ الْحَقَّ للَّهِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَيْسَ لَهَا حَقٌّ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعِبَادَةِ للَّهِ وَحْدَهُ، وهذا الْعِلْمُ لَا يَنْفَعُهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ -يوم المُجَازَاة- ينفعهم لو أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا، فلو عَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للَّهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ عَمِلُوا؛ لَكَانَ ذَلِكَ نَافِعًا لهم، أَمَّا بَعْدَ أَنْ شاهَدُوا العذاب، فعلموا أَنَّ الْحَقَّ للَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ.

стр. 330

ولكن فِيهِ فَائِدَةٌ عظيمة، وهي إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، قَالَ تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٨ - ١٠]. فَالْفَائِدَةُ مِنْ ذَلِكَ كونُهم يَتَحَدَّوْنَ حَتَّى يَتبَيَّنَ لهمْ أَنَّ الْحَقَّ للَّه، وأنهم يعرفون أَنَّهُمْ لَمْ يُظْلَمُوا شيئًا. قَوْلُه تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ فِي الأُلُوهِيَّة للَّهِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَضَلَّ﴾ غَابَ ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنَّ مَعَهُ شَرِيكًا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ]. يقول المُفَسِّرُ ﵀: إِنَّ (ضَلَّ) بمعنى (غَابَ)، ولكن ضَلَّ أَبْلَغُ مِنْ (غَابَ)؛ لأن (ضَلَّ) يقتضي كأنه أمرٌ مطلوب، ولكنهم عَجَزُوا عنه كالضَّالَّة، فالإنسان إذا ضَلَّ بَعِيرُه -مَثَلًا- أَوْ شاتُه يتطلبها فلا يجدها، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَشَدَّ عليه حَسْرَةً، فهُنا قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ كأنما هُوَ شَيْءٌ مفقودٌ عزيز عليهم، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا منه. وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ﴿مَا﴾ اسمٌ مَوْصُولٌ فاعِلٌ ﴿وَضَلَّ﴾، والعائِدُ الضَّمير المحذوف فِي قَوْلِهِ: ﴿يَفْتَرُونَ﴾، أي: مَا كَانُوا يَفْتَرُونَه، وقولُ المُفَسِّر ﵀: [فِي الدُّنْيَا]؛ لأن ﴿كَانُوا﴾ فِعْلٌ مَاضٍ، فما كانوا يفترونه فِي الدُّنْيَا مِن أَنَّ مَعَ اللَّهِ شريكًا يَضِلُّ عَنْهُمْ هَذَا الشريكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقُومُوا ببرهانٍ عليه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِيهَا إِثْبَاتُ البَعْث والحِساب؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾.

стр. 331

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الرُّسُلَ يُسألون يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لكنهم يُسألون تَبْكِيتًا وتوبيخًا لأقوامهم الذين كَذَّبُوهم، هَذَا عَلَى تفسير المُفَسِّر ﵀. أَمَّا عَلَى التَّفْسِر الثاني، ففيه دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزُّعماء هُمُ الَّذِينَ يُقامُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ للمناقشة، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَبْكِيتُ المُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ العظيم، حيث يُتَحَدَّوْنَ بِطَلَبِ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قَالُوا مِنَ الإشراك. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إذعانُ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنَّ الْحَقَّ للَّهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ لَا تَنْفَعُ عابِدِيها في أَحْوَجِ ما يكونون إليها؛ لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ اتخاذ الْأَصْنَامِ آلهةً مِنَ الِافْتِرَاءِ والكذب، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦]. * * *

стр. 332

الآية (٧٦) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ ابْنُ عَمِّهِ وَابْنُ خَالَتِهِ وَآمَنَ بِهِ ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ بِالْكِبْرِ وَالْعُلُوِّ، وَكَثْرَةِ المَالِ ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ تَثْقُلُ ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ الجمَاعَةِ ﴿أُولِي﴾ أَصْحَابِ ﴿الْقُوَّةِ﴾ أَيْ تُثْقِلهُمْ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ، وَعِدَّتُهُمْ قِيلَ: سَبْعُونَ. وَقِيلَ أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ عَشَرَةٌ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ اذْكُرْ ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ المُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ بِكَثْرَةِ المَالِ فَرَحَ بَطَرٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ بِذَلِكَ]. قَوله تعالى: ﴿قَارُونَ﴾ اسمُ رَجُلٍ غَنِيٍّ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ، وَكَانَ مِنْ قَوْمِ موسى. وَقَدْ فَسَّرَ المُفَسِّرُ ﵀ هنا القَوْم بالأقارب، فقال: [إِنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وَابْنُ خَالَتِهِ]، ولكن هَذِهِ دَعْوَى لَا نَدْرِي: هل تَصِحُّ أَمْ لَا، قيل: هو ابْنُ عَمِّهِ، وقيل: إِنَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ لَا يَشْغَلُنا. المهمُّ: هُوَ أَنَّ القِصَّة وَقَعَتْ وفيها رَجُلٌ مِن قَوْمِ مُوسَى، وقد آمَنَ بِهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْكِبْرِ، وَالْعُلُوِّ، وَكَثْرَةِ المَالِ]،

стр. 333

الباءُ للسببية. وقَوْلُه تعالى: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: اعتدى واستطال عليهم، على قَوْمِ مُوسَى، وَذَلِكَ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تعالى مِنَ المَالِ، فصار طاغيًا، وَهَذَا هُوَ شأن الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ إنسانٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، فهذا الْإِنْسَانُ إِذَا كَثُرَ مَالُهُ، وَرَأَى أَنَّهُ فِي غِنًى عَنْ غَيْرِهِ؛ يطغى. قَوْلُه تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ أي: أعطيناه مِن كُنوز المال، وهو جَمْع كَنْز، والكَنْزُ هو ما يُحتفظ به، ويُغْلَقُ عليه، ويَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ المَالِ مِن ذَهَبٍ، وفِضَّةٍ، وزُمُرُّد، وجَواهِر، ونُقود، وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُه تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾: ﴿مَا﴾ اسمٌ موصول بِمَعْنَى الَّذِي، وهي المفعول الثاني لـ (آتيناه)، ومفعولها الأول الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾، و (إِنَّ) حرفُ توكيدٍ ونَصْبٍ، ومَفَاتِح اسمُها، وجُملة ﴿لَتَنُوءُ﴾ خَبَرُهَا، والجملة الاسمية صِلَةُ الموصول، يعني: الذي إِنَّ مَفَاتِحَهُ. قَوْلُه تعالى: ﴿مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ أي: تَثْقُل بهم، ومَفَاتِح جَمْعُ مَفْتَح، وَهُوَ اسْمٌ للمِفتاح. قَوْلُه تعالى: ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ الباء هنا لِتَعْدِيَة الْفِعْلِ إِلَى مفعوله بِحَرْفِ الجْرِّ، وَإِنَّمَا احْتَاجَ المُفَسِّر ﵀ إِلَى هَذَا؛ لأن (ناءَ يَنُوءُ) يَتَعَدَّى بنفسه، أو بِحَرْفِ الْجَرِّ، وهنا تعدى بِحَرْفِ الْجَرِّ، أي: تُثْقِلُهم، فالباء للتعدية. وَقِيلَ فِي عِدَّةِ العُصبة: سبعون، وقيل: أربعون، وقيل: عَشَرة، وقيل غَيْرُ ذَلِكَ، ولا ريبَ أَنَّ العُصبة هِيَ الْجَمَاعَةُ الَّتِي يَعْصِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، والعَصْب فِي اللُّغَةِ: الشَّدُّ،

стр. 334

ومنه سَمَّوُا القَرَابَةَ عُصْبةً؛ لأنهم يَشُدُّون أَزْرَ قَرِيبِهم، وهُمُ الجماعة ذَوُو القُوَّةِ. وبعض الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: مِنْ ثَلَاثَةِ إِلَى سَبْعَةِ. وبعضُهم يزيدُهم إِلَى عَشَرَةٍ. وبعضُهم يقول -كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀: سَبْعُون، أو: أربعُون. والمسألة فيها خلافٌ، ولكن الظَّاهِرُ لَنَا أَنَّهُمْ هُمُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا ذَوِي كَثْرَةٍ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى حَدِّهم. لَكِنْ مَعَ كَوْنِهِمْ جماعة مجتمعين فهُم أقوياء، فاجتَمَع هنا في حَقِّهِم أمرانِ: القوة بالكيفية، والعَدَد بالكَمِّيَّة، فصارت عندهم كَمِّيَّة وكيفية، هَذِهِ الْجَمَاعَةُ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَمْلِ المفاتيح فقط لكانت المفاتيح تُثْقِلُهم، نقول: مفاتيحه لا يحملونها العَشَرَة أصحابُ القُوَّة! إِذَا كَانَ هَكَذَا فما بالُك بالخزائن! يعني: غني جدًّا بعطاء اللَّهِ تعالى لَهُ. قَوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ أي: الناصحون له، وَهُمْ كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: المؤمنون؛ لِأَنَّهُ لَا يَنصح مِثْلَ هَذِهِ النصيحة إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، والإضافة فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ تُفيد بيانَ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ مِنَ النُّصح؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ قَوْمِك فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَغُشَّك، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ناصحًا لك. وقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾: ﴿لَا﴾ ناهِيَة، والفرح يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: فَرَحٌ يكون سُرورًا لَا يُحْمَلُ عَلَى الأَشَرِ والبَطَر، بَلْ يَكُونُ حاملًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى رضاه بنعمة اللَّهِ ، وقيامِه بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا. والثاني: فَرَحُ بَطَرٍ وتَرَفُّع، وعُدوان، وبَغْيٍ، وَهَذَا هُوَ الْفَرَحُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قارونَ.

стр. 335

قَوْلُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ هَذِهِ الجمْلَةُ المُرَادُ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ، ولَازِمُها أَنَّهُ يَكْرَهُ، مَعَ أَنَّ الْقِسْمَةَ العقلية لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ، فنفيُ المحبَّة لَا يَلْزَمُهُ إثباتُ الكُره، فَقَدْ يَكُونُ لَا يُحِبُّ، وَلَكِنَّهُ لَا يُكْرَهُ. قَالَ تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]، وقال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، فهنا قد يحتمل كُلَّ مَا قُلْنَاهُ، ولكن الظَّاهر -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ المُرَادَ إِثْبَاتُ ضِدِّهِ، وَإِنْ كَانَتِ القِسمة العقلية لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ، لكن السياق يقتضيه؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَفَى اللَّهُ عَنْهُ حُبَّهُ نَجِدُ أَنَّهُ مِمَّا يكرهه اللَّهُ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ، قَالَ ﵎: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وَقَالَ تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]، وَقَالَ تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فالظَّاهر مِن السِّياقات أَنَّ المُرَادَ إثباتُ الكراهة، لكنه أتى بنفي المحبة؛ لِأَنَّ المَحَبَّةَ محبوبة، كَأَنَّ هَذَا الَّذِي أحبَّ الفسادَ، أَوْ أَحَبَّ الفرح، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، يُقابَل بِنَقِيضِ قَصْدِه. وقوله: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِذَلِكَ]، والمشار إِلَيْهِ هُوَ كَثْرَةُ المَالِ، والمراد بالفرح الَّذِي نَفَى اللَّهُ محبته فَرَحُ البَطَر والأَشَر. فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: كيف نَجمع بَيْنَ قَوْلِهِ تعالى هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]؟ قلئا: إِنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ هو الفرح بِفَضْلِ اللَّهِ الدِّيني: الْعِلْم وَالْإِيمَان، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ مِنَ الدُّنْيَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْفَرَحَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَنْ يَفْرَح الْإِنْسَانُ بِمَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالإِيمَانِ، وَثبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّه قال: "مَن سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ

стр. 336

سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ المُؤْمِنُ" (١). أما الْفَرَحُ الَّذِي لَا يُحمد صَاحِبُه، فَهُوَ الفَرَحُ لِلدُّنْيَا عَلَى وَجْهِ البَطَر والأَشَرِ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ لما كَسَاهُ قومُه ثوبًا: فَمَا فَرِحْتُ بشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ القَمِيصِ (٢). وَقَالَتْ عَائِشَةُ: "لَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ" (٣). فالفرح الطبيعي الَّذِي مَا يَحْمِلُ عَلَى الأشَرِ والبَطَر والكِبرياء، هَذَا أَمْرٌ لَا يُذمُّ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ، بَلْ إِذَا فرح به -لأنه وَسِيلَةٌ إِلَى مقصودٍ شرعي- كَانَ بِذَلِكَ محمودًا مأجورًا عليه، مِثْلُ أَنْ يَفْرَح بما جاءه مِنَ المَالِ؛ لأنه يُحِبُّ أَنْ يَبْذُله فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ فِي بِنَاءِ المَسَاجِدِ، أَوْ فِي التَّصَدُّق عَلَى الْفُقَرَاءِ، يَكُونُ هَذَا الفرح محمودًا. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الغِنى سبب للطُّغيان؛ لأن قارون إنما بَغَى وطغى بسبب مَا آتَاهُ اللَّهُ تعالى مِنَ المَالِ.

стр. 337

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ القومِيَّة لَا تَنْفَعُ أصحابَها، إنما النافع هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ، فهذا الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى، وَمَعَ ذَلِكَ بَغَى عَلَيْهِمْ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللَّهَ يَبتلي بِإِعْطَاءِ المَالِ العبدَ به، فَكَمَا أَنَّ الْفَقْرَ ابتلاء، فكذلك الغنى ابتلاء. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: كثرةُ أموال هَذَا الرَّجُلِ لقوله: ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ بَغى عَنْ عِلْمٍ؛ لأنه نُصِح، وَقَالَ لَهُ قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾، فنصحوه، وَلَكِنَّهُ اسْتَمَرَّ فِي طُغْيَانِهِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ مِنْ حُسن الدعوة إِلَى اللَّهِ أَنَّهُ إِذَا ذُكِرَ الحُكم تُذْكَر العِلة، تخويفًا، أو ترغيبًا، إِنْ كَانَ منصوحًا بِطَلَبِ تَذَكُّرِ العِلَّة ترغيبًا، وَإِنْ كَانَ منصوحًا بِنَهْيٍ، فإنها تُذْكَرُ تخويفًا؛ لقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ المحبة للَّه، تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، مَعَ أَنَّ المُرَادَ نَفْيُ المحبة، وَلَكِنْ مَا نَفاها عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا وَهِيَ ثَابِتَةُ لضِدِّه؛ ولهذا اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بأن المؤمنين يَرَوْنَ ربهم بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، قالوا: فلما حُجِبوا عن ربهم دَلَّ عَلَى أَنَّ غيرَهُم غيرُ محجوبين، فَلَوْ كَانَ الْكُلُّ محجوبين، مَا كَانَ لِتَخْصِيصِ هؤُلاءِ فائدة. * * *

стр. 338

الآية (٧٧) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. * * * قال المُفَسِّرُ رَحِمَهُ للَّهُ: [﴿وَابْتَغِ﴾ اطْلُبْ ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ مِنَ المَالِ ﴿الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ بِأَنْ تُنْفِقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ﴿وَلَا تَنْسَ﴾ تَتْرُكْ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أَيْ أَنْ تَعْمَلَ فِيهَا لِلآخِرَةِ ﴿وَأَحْسِنْ﴾ لِلنَّاسِ بِالصَّدَقَةِ ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ﴾ تَطْلُبْ ﴿الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بِعَمَلِ المَعَاصِي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقِبهُمْ]. قَوْلُه : ﴿وَابْتَغِ﴾ أي: اطلُب، قوله: ﴿فِيمَا﴾ أي: فِي الَّذِي، قوله: ﴿آتَاكَ اللَّهُ﴾ يعني: أعطاك مِنَ المَالِ، مِنْ هَذِهِ الكنوز العظيمة التي مَفَاتِيحُها تَنُوء بالعُصبة، اطلب فيها الدَّارَ الآخِرَةَ. وقوله: ﴿الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ المراد بالدَّار الآخِرَةِ الْجَنَّةُ هنا، قَالَ تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، ولكن كيف يُطْلَبُ بِهِ الدَّارُ الآخِرَةَ؟ قال المُفَسِّرُ ﵀: [بِأَنْ تُنْفِقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ]. وحينئذ يَكُونُ ذَلِكَ ذُخرًا لك

стр. 339

عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ، وإذا عَوَّد الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ، ورَوَّضها عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، صَارَ هَذَا الْأَمْرُ سَجِيَّةً له، يفرح به ويُسَرُّ، وتَنعم بِهِ نَفْسُهُ، ولذلك فإنَّ أحب شَيْءٍ إِلَى الكريم هو العَطاء. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ القيم ﵀ فِي (زاد المعاد) (١) أن الإنفاق للَّهِ فِي اللَّهِ -فِي حُدُودِ الشرع- يكون سببًا لانشراح الصدر، قال: "وَمنْهَا: الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ المَالِ وَالْجَاهِ وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ المُحْسِنَ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا، وَالْبَخِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِحْسَانٌ أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا، وَأَعْظَمُهُمْ همًّا وَغَمًّا". وَهَذَا أَمْرٌ معلوم، تجد أَكْثَرَ النَّاسِ انشراحًا فِي الصُّدُورِ هُم الكِرام، وَأَنَّهُ إِذَا أَعْطَى إنسانًا عطيّةً يجد بذلك سُرورًا وانشراحًا، فهو لو أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ هذا، وابتغى به الدَّارَ الآخِرَةَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضيعُ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ الناصحون له: ﴿وَلَا تَنْسَ﴾. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ﴾ أي: لَا تَتْرُكْ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أحدهما: الذُّهول عَنِ الشَّيْءِ المعلوم الذي عَلِمْتَه، ثم ذُهِلْت عَنْهُ. والثاني: التَّرك. ومنه أَيْضًا قَوْلُهُ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، نَسُوا اللَّهَ: أي: تركوا عبادته، ولم يقوموا بحقهم. قوله: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي فَتَرَكَهُم ، فلم يُثِبْهُم.

стр. 340

وَمنْهَا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٩]، أي: تركوه، وقوله: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، أي: جعلهم يَنْسَوْنَها ويَغْفُلُون عنها، ويتركونها دُون رِعاية. وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، فالمراد بالنسيان: الذُّهول عَنْ شَيْءٍ معلوم، فَاللَّهُ تعالى أحصاهُ لكن هؤُلاءِ نَسُوه. فهنا إِذن مِن هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ الكريم يتبين لَنَا أَنَّ النسيان يُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أحدهما: التَّرك، والثاني: الذُّهول عَنْ شَيْءٍ معلوم. وَالَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِهِ هُوَ التَّرْكُ، أمَّا الذُّهول فقد نَفَاهُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ ﵎: ﴿كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، هنا النِّسْيَانُ بِمَعْنَى: الذُّهول، وليس التَّرك؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَتْرُكُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَابٍ ممن يستحقون التَّرْك. أَمَّا قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، فهنا مَسْأَلةٌ فِيهَا قَوْلَانِ لأهل العِلم؛ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْله: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترَك عَنْ عَمْدِ تَرْكٍ، فيكون مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ. وَعَلَى هَذَا الرَّأْي لَا إِشْكَالَ فِي المَسْأَلَةِ، فكونُه يُعَاقَبُ عَلَى أَمْرٍ ترَكَهُ مِنْ غَيْرِ ذُهول، حيث ترَكَهُ وَهُوَ عَالِمُ به، ويكون مَلُومًا، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ المُرَادَ بالنسيان الذُّهول، وهؤُلاءِ قَصَدُوا بِذَلِكَ تجنُّب وصف آدم بتعمُّد المعصية؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَهُ عَنْ ذُهول لَا يُلَامُ، وهؤُلاءِ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ سُقوط الإثم بالنسيان، ويقولون: إِنَّ مِن خصائص هَذِهِ الْأُمَّةِ: سُقوط الإثم بالنسيان، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتي الخَطَأَ والنِّسْيَانَ،

стр. 341

وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١). فقوله: "عَنْ أُمَّتِي" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَمَ السَّابِقَةَ كانت مؤاخَذَةً به، وكون الْأُمَمِ السَّابِقَةِ مؤاخَذَة، أَوْ غَيْرَ مؤاخَذَة فِي الْحَقِيقَةِ هَذَا لَا يُرَجِّحُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ، لكن الذي يُرَجِّح أنه نسيانُ تَركٍ، لا نِسيانُ ذُهولٍ. أَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وهذان الوصفان مَعصية، ويَدُلَّان عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ عَمْدٍ، لكنه اغترَّ بِغُرور إبليس، كَمَا قَالَ تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقال: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] اغتر آدمُ، وفَعَل مَا فَعَلَ. قَولهُ تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ﴾ كأنهم يقولون: اجعل انْهَمِاكَك فيما تُريد فِي الآخِرَةِ، حَتَّى كَأَنَّ ما تُريده للدنيا يَغيب عنك، وَلَكِنْ لَا تَنْسَهُ. وقوله تعالى: ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ أَنْ تَعْمَلَ فِيهَا لِلآخِرَةِ]. يشير المُفَسِّر ﵀ إِلَى أَنَّ المُرَادَ بنصيبه مِنَ الدُّنْيَا أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ يعني: لَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنَ الدُّنْيَا بإمهالِك، فما دُمْتَ قَدْ أُعْطِيت مُهلة، فلا تَنْسَ هذه المُهلة أَنْ تُنْفِقَ المَالَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، فَيَكُونَ المُرَادُ بالنصيب مِنَ الدُّنْيَا هنا العَيش فِي الدُّنْيَا، يعني: لَا تَنْسَ أن تَغْتَنِمَ الفُرصة فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، فتُنفق، فتكون الجملة هنا عَائِدَةً عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِي المَعْنَى، أي: اطلب الدَّارَ الآخِرَةَ فيما تُنفِق حَتَّى لَا يُضِيعَ عليك الوقتُ، فيضيعَ نَصِيبُك مِنَ الدُّنْيَا.

стр. 342

وَلِهَذَا قَال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ كَأَنَّهُ يَقُولُ: اغتنم هَذِهِ المُدَّةَ الَّتِي هِيَ نَصِيبُك مِنَ الدُّنْيَا اغتَنِمْها للآخِرة، ويَحتمل -وَهُوَ الأقرب- ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أَنَّنا لا نأمُرُك بأن تُنْفِقَ جميعَ مالِكَ طلبًا للآخِرَة، بل اطلُب الآخرة فيه، وخُذ نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيَا لك، فَنَحْنُ لَا نُرِيدُ أَنْ تَنْخَلِع مِنْ مَالِكَ، ولكننا نُرِيدُ أَنْ تَبْتَغِيَ به الدَّارَ الآخِرَةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فخذ نَصِيبَك مِنَ الدُّنْيَا مِن طَيِّب المأكَل، ونظافَة المنزل، والثياب، والزوجات، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَهَذَا المَعْنَى أقربُ وأصَحُّ؛ لأنَّنا عَلَى المَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ تَكُونُ الآيَةُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ التَكْرَار، فَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِجَلْبِه وقَبُولِه النصيحةَ، وَقَدْ يَكُونُ قولُهم له بطلب الآخرة، وعَدَمِ نِسيان حَظِّهِ مِنَ الدُّنْيَا أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى قَبُولِ النصيحة، والأخيرُ أقربُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: هَذَا المَالُ الْعَظِيمُ الَّذِي مفاتيحه تَنُوءُ بالعُصبة ابْتَغِ به كُلَّه الدَّارَ الآخِرةَ. فالمتبادَر أنه لن يَقْبَلَ، لَكِنْ إِذَا قِيلَ: ابتغِ به الآخِرة، وتَمَتَّعْ بالدُّنيا بِنَصِيبِك، فهَذَا يَكُونُ أدعى للقَبُول، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الأساليب الحَسَنة فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ . والنبي ﷺ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" (١). فَلَا تَقُلْ: إني أقومُ الليلَ، وأَصُومُ النهارَ ما عِشْتُ، هَذَا خَطَأٌ، فإِنَّ لربِّك عليك حقًّا بعبادته، ولكنْ لنفسك عليك حقٌّ بإعطائها الراحةَ، فالصَّواب هُوَ هَذَا، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك مِنَ الدُّنْيَا.

стр. 343

وَلَا نَدْرِي هل عاصر قارونُ فِرْعَونَ أَمْ كَانَ هَذَا بَعْدَ هلاكه؟ وَلَا يُوجَدُ مَا يَمْنَعُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَفَرَ، واتصلَ بفِرْعَونَ، وصارت عنده الأموال العظيمة. قَوْلُه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَحْسِنْ﴾ لِلنَّاسِ بِالصَّدَقَةِ]، هنا المُفَسِّر خَصَّ الإحسانَ، قال: أَحْسِن للناسِ بالصَّدَقة، ولكن الصَّحِيحُ أَنَّ المُرَادَ مَا هُوَ أعمُّ، أي: أَحْسَنُ فِي عِبَادَةِ اللَّه، وفي معاملة عِبَادِ اللَّهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ الكافُ هنا للتَّعلِيل، وليست للتَّشبِيه؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لإنسان أَنْ يُحْسِنَ مِثْلَ مَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ، فإحسان اللَّهِ إِلَيْهِ أكملُ وأعظمُ، وَقَدْ جَاءَتِ الكاف للتَّعلِيل فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: واذكروه لهدايتكم، وَمِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" (١)، فإن الكافَ هنا للتَّعلِيل، وليست للتَّشبِيه. وَهَذَا المَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ نَسْلَمُ بِهِ مِنَ الإيراد الذي أورده بَعْضُ النَّاسِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ أَنَّهُ مِن الْعَادَةِ أَنَّ المُشَبَّهَ أقلُّ شأنًا ورُتبةً مِن المُشَبَّهِ به، وَمُحَمَّدٌ ﷺ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ أَقَلَّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، فكيف قيل: "صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ". مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أجاب فقال: إِنَّ التَّشبِيه لِلصَّلَاةِ عَلَى وَاحِدٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى جَمَاعَةٍ: إبراهيمَ وآلِه، وَهَذَا يَصِحُّ أَنْ يُعْطَى مُحَمَّدٌ ﷺ مِثْلَ مَا أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ المَعْنَى: أنك يا ربي كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنَّ هَذَا مِن شأنك، ومِن عادتك التكرُّم، فامنُن أَيْضًا

стр. 344

عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَتَكُون جُمْلَةُ: "كَمَا صَلَّيْتَ". للتَّعلِيل، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ للتَّوَسُّل، يعني: إننا نَتَوَسَّلُ إليك بما فعلتُ مِنْ قَبْلُ فِي إِبْرَاهِيمَ وآلِه، أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَآلِ مُحَمَّدٍ. قَوله: ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِالمَالِ العظيمِ، الذي مفاتِحُه تَنُوءُ بالعصبة، وقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ الفساد بالبَغي؛ حَيْثُ قَالَ تعالى: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾، فلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ بالبغي، كَذَلِكَ أَيْضًا إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ يعمل بِمَالِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ؛ أَنَّ مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إيمان؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ مِنْ مَالِهِ وَسِيلَةً إِلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، وقوله: ﴿الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الْفَسَاد فِي الْأَرْضِ بِالمَعَاصِي؛ لأن المَعَاصِيَ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ سَبَبُ فسادِ الأرض، قَالَ تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم: ٤١]. ولهذا مَا مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِن فِتنٍ، وحُروبٍ، وقِتالٍ، وجَدْبٍ، وغيره، إلا بسبب المعاصي، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [فاطر: ٤٥]. فهذا الهَرْجُ الَّذِي كَثُرَ فِي هَذَا العصر، كُلُّ ذَلِكَ بسبب المَعَاصِي الَّتِي تُفعل، فهي عقوبة للعُصاة الذين أُصيبوا بهذه، وإنذارٌ للآخَرين؟ فإنك قَدْ تَرَى البلاد الآمنةَ المطمئنةَ التي يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رغدًا مِنْ كُلِّ مَكَان، ويَجلب النَّاسُ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ مَكَان، ثم تفاجأ بأنها دُمِّرَت مساكِنُها، وبُيُوتُها، وأَمْنُها، ورخاؤها؛ بسبب المعاصي. قَوْلُه ﵎: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِمَعْنَى أَنَّهُ

стр. 345

يُعَاقِبهُمْ]. وهذا يُسمونه تأويلًا، ونحن نُسميه تحريفًا؛ لِأَنَّ الآيَةَ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ يُعاقب المفسدين، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يُحِبُّهم، أي: إنها تنتفي عنهم محبة اللَّهِ ، وهي الصِّفَة الثابتة لَهُ حَقِيقَةً عَلَى وَجْهِ الكمال، لَكِنْ إِذَا كَانَ لَا يُحبهم، فلا يُثيبُهم. وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ نَفْيَ المحبة إثباتٌ للكراهة لَزِم منه المعاقبة، فتفسير المُفَسِّر ﵀ لمخبته هنا باللازم، وهو المعاقبة، خطأٌ، هذا يعتبر تحريفًا لِكَلَامِ اللَّهِ ، فهناك فرق بَيِّن بَيْنَ نفي المحبة والمعاقبة، كَمَا أَنَّ هُنَاكَ فَرَقًا بَيْنَ المحبة والإثابة، والمُفَسِّر ﵀ يحمل الحبةَ على الإثابة، وَمَا هِيَ عَلَى الإثابة. فالحاصِلُ: أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ المُفَسِّر ﵀ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الأشاعرة وغيرهم، فَإِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ لَا تَدْخُلُ عقولهم، قالوا بالتأويل. فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الإسلام عنهم القاعدةَ فِي إِثْبَاتِ الصفات، حَيْثُ قَالَ: "وكان ابن كُلَّاب وأتباعه يقولون: إِنَّ العُلُوَّ على المخلوقاتِ صِفَةٌ عقلية تُعلَم بالعقل، وأمَّا استواؤه على العرش، فهو مِن الصفات السمعية الخبرية التي لا تُعلم إلا بالخَبر، وكذلك الأشعري يُثبت الصفات بالشرع تارَةً، وبالعقل أخرى، ولهذا يُثبت العُلُوَّ ونحوه مما تَنْفِيه المعتزلة، وثَبَت الاستواء على العرش، ويرد على مَن تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش، بخلاف أتباع صاحب الإرشاد، فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة، فلم يُثبتوا الصفاتِ إلا بالعقل، وكان الأشعري وأئمة أصحابه يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عُرِف ثُبوتُه بالسمع، فالشرع هو الذي يُعتَمد عليه في أصول الدِّين، والعقلُ عاضِدٌ له مُعاوِن. فصار هؤُلاءِ يسلكون ما يَسلكُه مَا سَلكَه مِن أهلُ الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يُعتَمد عليه فيما وُصِف اللَّه به، وما لا يُوصَف، وإنما يعتمد في

стр. 346

ذلك عندهم على عقلهم، ثم ما لم يُثْبِتْه إما أَنْ يَنْفُوه، وإما أَنْ يَقِفُوا فيه" (١). هذه هِيَ الْقَاعِدَةُ فِي إِثْبَاتِ الصفات أو نَفْيِها عند المتكلمين مِن المعتزلة والأشاعرة وغيرهم. وأهلُ السُّنة جميعًا يقولون: مَا أَثْبَتَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ أثبتناه، وما نفاه الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ نفيناه، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ توقفنا فيه. أما هُم فعلى العكس، يقولون: مَا أَثْبَتَهُ العقل أثبتناه، وما نفاه نَفَيْنَاه، وَمَا لَا يَقْتَفِي إِثْبَاتَهُ، وَلَا نَفْيَهُ أكثرُهم يقولون: نَفَيْنَاهُ، ولا نَقْبَلُه؛ لأنَّنا نشترط لِقَبُول الصِّفة إثباتَ العقل لها، فَإِذَا لَمْ يُثبتها وَجَبَ نَفْيُهَا. وبعضُهم يقول: اتَّقُوا اللَّهَ، واعدلوا، إِذَا كَانَ الْعَقْلُ لَا يَقْتَضِي إثباتها، وَلَا نَفْيَها، فالواجب التوقُّف، لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ ترجيحٌ بالإثبات، ولا ترجيح بالنفي، فيجب عَلَيْنَا أَنْ نتوقف. فَهَؤُلَاءِ هُمُ الوَرِعون منهم، لكنَّ الوَرِعين فِي هَذِهِ النقطة غير الوَرِعين في النقطة الأولى، وَهِيَ مَا أَثْبَتَهُ العقلُ أثبتناه، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وما نَفَاهُ العقل نَفَيْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَذْكُورًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دَلِيلٌ عَلَى أَنْ قارون كَانَ يُنْفِقُ المَالَ بِغَيْرِ رَوِيَّةٍ فِي المَعَاصِي والفساد، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لقولهم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]، ولَوْ كَانَ يُنْفِقُهَا مِن أَجْلِ الدَّارِ الآخِرَةِ مَا قَالُوا لَهُ هَذَا.

стр. 347

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لمن آتَهُ اللَّهُ مَالًا أَنْ يُحْسِنَ النِّيَّةِ، وَالْقَصْدَ في بَذْلِه، أي: كُلُّ إِنْسَانٍ عِنْدَهُ مَالٌ يَنْبَغِي بَذْلُه، لكن يَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ النِّيَّةَ وَالْقَصْدَ، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: "وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ" (١)، فقد قيَّدها بقوله: "تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ"، أَمَّا لَوْ أَنْفَقَ الإنسان لِغَيْر هَذَا الْغَرَضِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ، وإِنْ أَنْفَقَ لِغَرَضٍ سَيِّئ؛ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يجب أَنْ يَقصد الدَّارَ الآخِرَةَ، بِأَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ المَالَ -وَإِنِ اكتسبه العبدُ بِفِعْله- فَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ؛ لقوله: ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾، وَإِنْ كَانَ الإنسانُ يكتسب ويَتَّجِر ويحصِّل، لكنه مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ الَّذِي يُقَدِّرُه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات الْيَوْمِ الآخِرِ؛ لقوله: ﴿الدَّارَ الآخِرَةَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جواز تمتُّع الْإِنْسَانِ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ تعالى فِي الدُّنْيَا، ولكن بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ المعصية؛ لِقَوْلِهِ فِي جُمْلَةِ النصيحة: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، هَذَا عَلَى الرأي الَّذِي اخْتَرْنَاهُ. أَمَّا عَلَى رَأْي المُفَسِّر ﵀، فَإِنَّ هَذَا عَائِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾، يرِيدُ أَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الفُسحة والمُهلة التي أُعْطِيَها، لا يُضِيعُها.

стр. 348

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حُسْنُ دعوة هؤُلاءِ، حيث ذَكَّروه بنعمة اللَّه عليه، لقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، فكأنهم يقولون: أحسِنْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أحسنَ إليك، فأنت حينما تُحسن تكون شاكرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّهُ يَنْبَغِي للدَّاعي أَنْ يُذِكَّرَ المَدعو بنعمة اللَّهِ ؛ لأن الْإِنْسَانَ إِذَا ذُكِّر بالنعمة، فقد يَخْجَلُ مِنَ اللَّهِ، فَلَا يَعْصِهِ. أَمَّا إِذَا ذُكِرَ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيَ مُجَرَّدًا عَنِ الأسباب والوسائل التي تَحْمِلُه عَلَى الْفِعْلِ، أَوِ التَّرْكِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الدعوةَ تكون قاصرةً، فالذي يَنْبغي للدَّاعي أَنْ يُذَكِّر المرءَ المدعو بما يقتضي إقبالَه وقَبُولَه؛ لقولهم: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: تحريم نِيَّة الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ لقوله: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ﴾، وإذا حَرُمت نِيَّة الفساد، فالفسادُ نَفْسُه مِنْ بَابِ أَولى، ويَحْرُم عَلَى المَرْءِ أَنْ يُفسِد، أو أَنْ يَنْوِيَ الفساد. الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: التَّحْذِيرُ مِنَ الْفَسَادِ؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ محَبَّةِ اللَّهِ؛ لأن نَفْيَهَا عَنِ المفسدين دَلِيل عَلَى ثُبوتها للمصلحين. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مِن حُسن الدعوة أَلَّا يُؤَيَّسَ الْإِنْسَانُ، فيقال: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ أفعالِك للآخِرة؛ لأن الْإِنْسَانَ إِذَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ أفعاله للآخرة، فَقَدْ يَنْحَسِرُ، وَلَا يَقْبَلُ، ممِنْ إِذَا قِيلَ لَهُ: هَذَا وَهَذَا، فهو أدعى للقَبُول، وَهُوَ مِنْ حُسْنِ الدعوة التي سَلَكَها هؤُلاءِ الدعاة. * * *

стр. 349

الآية (٧٨) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. * * * قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أَي المَالُ ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ وَكَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالتَّوْرَاةِ بَعْدَ مُوسَى وَهَارُونَ، قَالَ تعالى ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ لِلْمَالِ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لِعِلْمِهِ تعالى بِهَا فَيَدْخُلُونَ النَّارَ بِلَا حِسَابٍ]. انظر جواب قارونَ لهؤُلاءِ الناصحين ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أي: المال، ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. وكانوا قد قَالُوا لَهُ قَبْلَهَا: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ فَلَمْ يعترف، بَلْ قَالَ: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. واختلف المُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ فَقِيل -كَمَا قال المُفَسِّرُ- أي: فِي مُقَابَلَتِهَ: أي: إِنَّهُ لَيْسَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، ولكن لأني كنتُ عالمًا بالتَّوراة وفاهمًا أُوتيت هذا الشَّيْءَ. فجَعَل فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ مِن باب المكافأة، وَلَيْسَ مَنْ باب الفضل.

стр. 350

إذن: هو رَدَّ نصيحتَهم، ولم يعترِف بأن الفضل للَّه، هَذَا قَوْلٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنما آتَانِي اللَّهُ ذَلِكَ؛ لأني أهلٌ له، فيصير المعنى: عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ أَنِّي له أهلٌ. وبمعنًى آخَر: لأني عالِمٌ بأسباب الرزق، فاكتسبتُه بما معي مِنَ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، بل أَنَا رَجُلٌ حاذِقٌ أعرفُ كيف أتصرف، وأعرف الْأَسْبَابَ الَّتِي فِيهَا نُمُوُّ المال، فحَصَل لي ذَلِكَ بِمَا عندي. كَأَنَّهُ يَقُولُ: إنما أُوتيتُه بِحَوْلي وقُوَّتِي، وليس بِفَضْلِ اللَّهِ ومِنَّتِه. فصار عَلَى المَعْنَى الْأَوَّلِ نَسَب هذا الإتيانَ عَلَى أَنَّهُ مكافأةٌ مِنَ اللَّهِ له، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي نَسَب هذا الْفَضْلَ إِلَى حَوْلِه وقُوته، وَلَيْسَ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ تعالى. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَكَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالتَّوْرَاةِ بَعْدَ مُوسَى وَهَارُونَ]، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ -مِن زَعْمِه أنه أعلمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بالتَّوراة بَعد مُوسَى وَهَارُونَ- غَيْرُ مُسَلَّمٍ به؛ بَلْ إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قَالَ: عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ أَنِّي له أهل، وأني أهلٌ لهذا الشَّيْء، أَوْ عَلَى عِلْمٍ عندي، أي: عَلَى مَعْرِفَةٍ مني بالأمور، وأمَّا أنه أعلمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بالتوراة، فَلَيْسَ فِي الآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ الهَمزة للاستفهام، وَالمُرَادُ بِهَا التقرير، أي: إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَدِ عَلِمَ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بأنَّ قارونَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، فالتقريرُ هنا مِنَ اللَّهِ، هُوَ الَّذِي أخبرنا بأنَّ قارون قَدْ عَلِمَ بِهَذَا الْأَمْرِ. وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ الإهلاكُ هُنَا بِمَعْنَى الإفْنَاء، وقوله: ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ جَمع قَرْنٍ، والقَرْنُ تارَةً يُرَادَ بِهِ الْأُمَّةُ، وتارَةً يُرَادَ بِهِ الزمن، فيقال مثلًا: تتابعت الأُمم قَرْنًا بَعْدَ قَرْنِ، أي: زَمَنًا بَعْدَ زَمَن.

стр. 351

قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾: الأمم، ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ لِلْمَالِ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ]. قوله: ﴿مَنْ﴾ مفعولُ ﴿أَهْلَكَ﴾، أي: الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، أي: مِن قارون، قوله: ﴿قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمال ﴿أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ فِي بَدَنِهِ، وَأَمَّا المَالُ فقال: ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ أي: أكثرُ مجموعًا للمال، أو: أكثر تحصيلًا له، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كلام المُفَسِّر ﵀. قوله: ﴿جَمْعًا﴾ أي: تحصيلًا، وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا: أكثر جَمْعًا، أَوْ مجموعًا، كَانَ أَوْلَى؛ لأن المجموعَ نتيجة للقوة التي يُحصل بها المَرْءُ المالَ. قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ]، فأفادنا بأن الاستفهامَ هنا للتقرير، أي: إِنَّ قارونَ قَدْ عَلِمَ، ولكنه تجاهَلَ الأمرَ، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ]. قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ولا يَسألهم عن ذنوبهم، لا يسألهم سؤالَ استخبار، وإنما يسألهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ سؤالَ تَبْكيت، فَإِنَّ اللَّهَ تعالى يَسْأَلُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ ذُنوبهم، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وَقَالَ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]. إذن نقول: النفيُ لحالٍ، والإثباتُ لحالٍ، يعني: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كيف تجمعون بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، وأمثالها مِثل: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وبين الآيَاتِ الَّتِي تُثبت السؤال مِثْل قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقوله ﵎: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؟

стр. 352

فالجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ السُّؤَالَ المَنفِيَّ هُوَ سُؤَالُ الاستفسار، الَّذِي يَسْأل: هل أذنبتَ؟ وما ذَنْبُك؟ والسؤال المُثْبَتُ سؤالُ التوبيخِ والتَّبْكِيت والتَّقْرِيع، أي يُسْألون لِيُقِرُّوا، فهذا ثابتٌ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ هُنَا. سؤال النفي أَنَّهُمْ لَا يُسألون لِأَجْلِ أَنْ يُخْبِرُوا عَنْ ذُنوبهم، وإذا أَخْبروا -مثلًا- تُرِكُوا، أو يُعاقَبُون عَلَى حَسَبِ إخبارهم؛ لأنهم سيُعَاقَبُون، سواء أَخبَروا أَوْ لم يُخْبِرُوا، لكنهم يُنكِرون، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ولكنهم لا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ هَذَا النفي شيئًا. فسؤالُ الاستفسارِ مَعْنَاهُ أَنَّك تَسأل الْإِنْسَانَ عَنْ شَيْءٍ تجهلُه لِيُخْبِرَك به، هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَرِدَ بالنسبة للمُجرمين، وَهَذَا هُوَ المَنْفِيُّ. أَمَّا سؤال التَّوبيخ فتسألُه عَنْ شَيْءٍ ليُقِرَّ به، لَا ليخبرك، ولأَجْل أَنْ يَخْزَى بَيْنَ النَّاسِ. فإذا سُئِلوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وشهِدت جوارحُهم، فَإِنَّهُمْ لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، أو إنهم يُسأَلون فيجحدون فِي مَكَانٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ، ويُسألون فيُقِرُّون فِي وَقْتٍ آخَرَ. فتَبيَّن الآنَ بِذَلِكَ أَنَّ السؤال المنفيَّ غيرُ السؤال المُثْبَت، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وبعضهم يقول: إِنَّ السُّؤَالَ المُثْبَت يَكُونُ فِي وَقْتٍ، والسؤال المنفيُّ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأن يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِقدارُه خمسون أَلْفَ سَنَةٍ، فالمدة طويلة، فيُمكن أَنْ يُسْأَلُوا فِي مَوْضِعٍ، ولا يُسْأَلُوا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ. وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المجرم هُوَ فَاعِلُ الإجرام، والإجرام: المعاصي،

стр. 353

فالمعنى: أن العُصاة لا يُسألون، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلِقُ الإجرام عَلَى الْكُفْرِ، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]، فلماذا لا يُسألون؟ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [لِعِلْمِهِ تعالى بِهَا فَيَدْخُلُونَ النَّارَ بِلَا حِسَابٍ]، أي: إنَّهُمْ لَا يُسألون، وإنما يُدخَلُون النار بِدُونِ حساب، ولكنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الحساب؛ لِأَنَّ مَنْ يؤتَى كتابَه فسوف يُحاسَبُ، قَالَ تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥ - ٢٦]. فهُم يُحاسَبُون، لكنَّهم لا يُحاسبون محاسبةَ مَن تُوزَنُ حسناتُه وسيئاتُه؛ لِأَنَّهُمْ ليس لَهُمْ حسناتٌ، وإنما يُحاسَبون محاسبةَ تقريعٍ وتوبيخ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيان بَغْي قارون، حَيْثُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ مِنْ كَسْبِهِ، فهو مُشابه لقارونَ فِي عَدَمِ اعترافِه بنِعْمَة اللَّهِ، فالإنسان الَّذِي يَقُولُ: حصَّلت هذا بيدي، وبمعرفتي بالأمور والمكاسب. نقول له: أنت مُشابه لقارون. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تقريع أولئك الذي يفتخرون بسعيهم، بِأَنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ القرون مِمَّنْ هُوَ أَشَدُّ منهم قوةً، وأكثر جمعًا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ المجرمين عند إهلاكهم لا يُسألون فيُرحمون، وإنما يُهلَكُون بِدُونِ سؤال، لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. * * *

стр. 354

الآية (٧٩) * * * * قَالَ اللَّهُ : ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩]. * * * قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَخَرَجَ﴾ قَارُونَ ﴿عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ بأَتْبَاعِهِ الْكَثيرِينَ رُكْبَانًا مُتَحَلِّينَ بِمَلَابِسِ الذَّهَبِ وَالحَرِيرِ عَلَى خُيُولٍ وَبِغَالٍ مُتَحَلِّيَةٍ ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ﴾ يَا: لِلتَّنْبِيهِ ﴿لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ﴾ نَصِيبٍ ﴿عَظِيمٍ﴾ وَافٍ فِيهَا]. قَوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ﴾ أي: قارون، ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ المراد بقومه بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ ﴿فِي زِينَتِهِ﴾، والجُملة حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (خَرَجَ)، يعني: حَالَ كَوْنِهِ متلبسًا في زينته. قال المُفَسِّرُ ﵀ مفسرًا للزِّينة: [بِأَتْبَاعِهِ الكَثِيرِينَ]؛ لأن الأتباع مِنَ الْخَدَمِ ونحوهم زِينَةُ الحيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ اللَّهُ : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. ويحتمِل خِلَافَ مَا قال المُفَسِّرُ ﵀، وهو أَنَّ المُرَادَ بزينته أي: بماله الْعَظِيمِ الَّذِي يتزين بِهِمْ مِنَ الْخَدَمِ والمركوبات والأمتاع، وغيرها. ثُمَّ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِأَتْبَاعِهِ الْكَثِيرِينَ رُكْبَانًا مُتَحَلِّينَ بِمَلَابِسِ الذَّهَبِ

стр. 355

وَالْحَرِيرِ عَلَى خُيُولٍ وَبِغَالٍ مُتَحَلِّيَةٍ]. قَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ كَمَا قال المُفَسِّرُ ﵀، وَقَدْ يَكُونُ أَقَلَّ، وَقَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ مِمَّا قَالَ، فَالْأَوْلَى أَنْ تَبْقَى الآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا. قَوْلُه : ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ أي: فيما يستطيع مِنَ الزِّينَةِ، سواء باللباس، أو بالمركوب، أو بالأتباع، أو بالمال، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، أَيْ فِي زينته التي يَفْخَرُ بِهَا عَلَى قَوْمِهِ. قَوْلُه تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: يبتغونها ويطلبونها ولها مِيزان فِي نُفُوسِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [﴿يَا﴾ لِلتَّنْبِيهِ]، يعني: ليست للنداء؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ على مُنَادًى، فقوله: (لَيْتَ) حرفُ تَمَنٍّ، والمنادَى لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ اسْمًا يصح نداؤه، وعليه فتكون للتنبيه. وقيل: إنها للنداء، والمنادَى محذوف تقديره: يَا قَوْمَنَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارونُ، وهذا التركيب متكرر فِي الْقُرْآنِ الكريم، والنحويون اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هو لجرد التنبيه، وَلَيْسَ هُنَاكَ نداء ولا منادى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هو للنداء، وأن المنادى محذوف، فالتقدير -مثلًا- هنا: يَا قَوْمَنَا لَيْتَ لَنَا. قوله: ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ اسم (لَيْتَ) هو ﴿مِثْلَ﴾ وهو منصوبٌ، وخبرُها مُقَدَّم، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿لَنَا﴾ وَهُوَ فِي مَحِلِّ رفع؛ لأن التقدير: ليت مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارونُ لنا. قَوْلُه تعالى: ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾: ﴿أُوتِيَ﴾ بمعنى: أُعطِيَ قارون مِنَ المَالِ؛
следующие страницы →