← Тафсир

Тафсир · id 21807

تفسير العثيمين: العنكبوت

ابن عثيمين

Полный текст (422 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قلنا: بلى، لكن يحصُلُ التَّعْذيبُ فيه أكثرُ، ثم -والعياذ باللَّه- لحنُقْهِمْ وشدَّةِ ما في صُدورِهِمْ على إبراهيمَ رأَوْا أنه يُعذَّبُ بالنارِ ﵊، واللَّه حكيمٌ، وتَجْري الأمورُ على مُرادِهِ وحِكْمتِهِ، فلَعَلَّهم لو قتَلُوه لما حصلتْ هذه الآيةُ العَظيمةُ، وهي: أن تكونَ النَّارُ بَرْدًا وسلامًا عليه، لكنَّ اللَّه حَكيمٌ. قوله: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الآيةُ فيها حَذفٌ، والتقديرُ: فحَرِّقُوه فأنجاهُ اللَّه مِنَ النَّار، أي: خلَّصَهُ من النَّار، قال المُفَسِّر ﵀: [الَّتِي قَذفُوه فيهَا بأَنْ جَعلَها بَرْدًا وسَلامًا]، ونقولُ ذلك لأن اللَّهَ قالَ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ فكانت بَرْدًا وسَلامًا، قال أهلُ العِلمِ: لو أنَّ اللَّه جَلَّ وَعَلَا قال: ﴿بَرْدًا﴾ فقط لكانتْ ثَلْجًا عليه، ولكنه قال: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأجلِ أن يسْلَم، وفيه أن البَرْدَ يقتُل كَمَا أن الحَّر يقْتل، ولولا أن البردَ يقتُلُ ما احتِيجَ إلى قوله: ﴿وَسَلَامًا﴾. قوله: [﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: إِنْجائِهِ منْها ﴿لْآيَاتِ﴾]، اسم إنَّ، واللام للتَّوكيدِ، وكسرتْ هنا لأنها جمعٌ خُتِمَ بألفٍ وتاءٍ، قال ابنُ مالك ﵀ (١): وَمَا بِتَا وَأَلِفٍ قَدْ جُمِعَا ... يُكْسَرُ فِي الجَرِّ وفِي النَّصْبِ مَعًا فتُنصبُ بالكسْرةِ، فالآياتُ جمعُ آيةٍ وهي العَلامةُ، والمرادُ هنا الآيات الكونيَّةُ لا الشرعيَّةُ وجمَعَها المُفَسِّر ﵀ وبيَّن وجْه الجمعِ فقال: [هِي عَدَمُ تأثِيرِهَا فيه مَع عِظَمِها، وإخمْادِهَا، وإنشاءِ رَوْضٍ مكانَها في زَمنٍ يَسِيرٍ]، هكذا بيَّن المُفَسِّر الآيات، وهي: أولًا: أنها لم تُؤَثِّرْ مع عِظَمها؛ لأنهم جمَعُوا حَطبًا عظيمًا، وأضْرَمُوا نَارًا عظيمة،

стр. 107

حتى ذُكِرَ أنهم ما استَطَاعُوا أن يقْربُوها، وأنهم ألْقَوْه بالمنْجَنِيقِ فحَذَفَ ورَمَي مِن بُعدٍ، واللَّه أعلم. ثانيًا: إخمادُهَا، أي كونها تُخْمُدُ وتَهْدَأُ من اللَّهبِ في لحظة، هذا من آياتِ اللَّه ، ونحنُ -واللَّه أعلم- لا نعرفُ هل خَمَدَتْ أم أنها بَقِيَتْ، والظاهر أنها بَقِيتْ لأنه قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: ٦٩]، واللَّه ما أمَرَهَا أن تَخْمُد بل قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، وعلى هذا فيكون في كلامِ المُفَسِّر نظرٌ، ويكونُ الصوابُ أنها بَقِيتْ على ما هي عليه ولكنها كانتْ بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا أظهرُ في الإعجازِ. ثالثًا: أنها كانتْ رَوضَةً، لكن يكفي أنها كانتْ بَردًا وسلامًا على إبراهيم. وعنْدِي أن الآيات أكثرُ مما قال المُفَسِّر، فإن من الآيات: * إبطالُ كَيدِ هؤلاءِ. * ومنها: صبْرُ إبراهيمَ وتحمُّلُهُ؛ لأن حقيقةَ الأمْرِ أن هذا شيءٌ لا يقْوى عليه إلَّا أمثالُ إبراهيم ﵇، فهو مِنْ أُولِي العَزمِ ﵊. * ومنها: انْقلابُ هذه الحرارةِ إلى بُرودَةٍ. * ومنها: انْقِلابُ كونها سَبَبًا للهَلاكِ إلى أن كانَتْ سَلامًا عليه. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدِّقونَ بتوحيدِ اللَّهِ وقُدرَتِهِ؛ لأنهم المنْتَفِعُونَ بِهَا]: هذه الآياتُ قَيَّدهَا اللَّهُ بأنها ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ احْتِرَازًا مِنَ القومِ الذين لا يؤمنون، فالقَومُ الذين لا يؤمنونَ وإنْ كانَتْ الآياتُ أمامَهُم لا ينْتَفِعُونَ بها، فليست لهم آياتٌ، ولهذا قال اللَّه : ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 108

وهل نَعلَمُ في الكلامِ شَيئًا أعْظَمَ آيةٍ من كلامِ اللَّهِ؟ الجواب: لا نعلمُ، وهو الواقِعُ، ومع ذلك مَنْ ليسَ بمؤمنٍ إذا تُلِيَ عليه القرآنُ قال: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ولذلك إذا رَأَيْتَ مِنْ نفسِكَ أنك لا تَتَأثَّرُ بالقرآنِ فاتَّهمْ نفسك؛ لأن اللَّه تعالى لم يَقُلْ عن أحدٍ إنه لا ينْتَفِعُ بالقرآنِ، إلا عن المكذِّبِينَ الذين لا يرون في القرآن شيئًا يأخذُ بِلُبِّهِمْ ورَوعِهِمْ، وهذه المسألةُ نسألُ اللَّه النَّجاةَ منها؛ لأن كَثِيرًا من النَّاسِ يَقْرؤون هذا القرآن ولكنَّهُ لا يَهُزُّ مشاعِرَهُمْ، وهذا خطيرٌ جِدًّا على الإنسان، فيجبُ على الإنسان أن يتَّهمَ نفسه بهذا الأمر حتى يُعدِّلَ ما مَالَ منهُ ويُقوِّم ما اعْوَجَّ. وعلى هذا نقول: إنَّ الآياتِ الكونيَّةَ والشرعيَّةَ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمنُ، أما غيرُ المؤمنِ فلا ينتفِعُ بآياتِ اللَّه؛ لأنها تمُرُّ عليه وكأنها أمرٌ عادِيٌّ أو بمقتَضى الطَّبيعَةِ، فالزلازلُ والبَراكِينُ التي تُصيبُ الناس يقولون: هذه براكينُ عادية وليست بشيء، والرياحُ العاصِفَةُ العظيمة التي تُدمِّرُ المحاصيل والأشجارَ، وكذلك ما يحْصُلُ مِنَ الأمطارِ المغْرِقَةِ؛ كل هذه الآيات يقولون: إنها ظواهِرُ طبيعِيَّةٌ، وكأنها ليست عُقوبة مِنَ اللَّه ، فلم يَنتفِعُوا بهذه الآيات، والآن بَدَؤوا في الكُسوفِ، يقولون: هذه أسبابٌ ظاهِرَةٌ، ونسألُ اللَّهَ السَّلامَة، فهم ينْشُرونَهَا قبلَ أن تَقعَ لأجلِ أن تأتِيَ إلى الناس وقد اطمَأنُوا إليها واستقرتْ في نُفُوسِهِمْ فلا تُرْعِبُهم ولا تخوفُهم، بينما نَجِدُ النَّبِيَّ ﵊ يقول: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخوِّفُ اللَّهُ بِهِما عِبَادَهُ" (١)، وهؤلاء جعلوها كأنَّها هلالُ عِيدٍ، حتى إن بعضهم خاطَبَنا بذلك وقال:

стр. 109

نحنُ نُخبرُ الناسَ لأجلِ أن يتَهَيَّئوا ويتَرَقَّبوا لذلك، حتى يأتيَ الكُسوفُ وهم مستعدون له، كأنه هلالُ عيد يَخْرُج حتى يخْرُجوا إلى المصَلَّى، وهذا غَلَطٌ. وأنا أَذْكُرُ، والمتقدِّمُ في السِّنِّ يَذْكُرُ أن الناس كانوا إذا جاءَ الكسوفُ يحصلُ عندهُم مِنَ الخوفِ والانزعاجِ والفَزعِ كما أمرَ النَّبِيُّ ﵊ به، الفَزَعُ إلى المسجدِ والبكاءِ، أما الآن -فنسأل اللَّه العافية- تَرَى بعضَ الناس يشاهدُ الكُسوفَ، وعنده آلاتُ لهو تُغَنِّي وما أشبه ذلك؛ المهِمُّ أن هذه الآيات لا ينْتَفِعُ بها إلا المؤمِنُ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: بيانُ طُغيانِ قومِ إبراهيمَ ﵇، حيث إنه يَدُلَّهُم على الحقِّ ولكون هذا جوابُهُمْ. الفَائِدةُ الثَّانِية: اختلافُ قومِ إبراهيمَ ﵇ فيما يَصْنَعونَ به ثم قرَّروا إحراقَهُ، وذلك بناء على الجَمعِ بين هذه الآية وبينَ آيةِ الأنبياء، قال : ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾. الفَائِدةُ الثَّالِثة: تمامُ قُدْرَةِ اللَّهِ، حيث كانت هذه النَّارُ المحرقِةُ برْدًا وسلامًا على إبراهيم؛ لأن هذا مِن آياتِ اللَّه الدَّالَّةِ على قُدرَتهِ. الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن كلَّ مَن قامَ للَّه فإنَّ اللَّه يُنَجِّيهِ بمَفَازَتهِ، يعني: يُنْجِيهِ في موضعِ هَلاكِهِ، قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾. الفَائِدةُ الخامِسَةُ: أن اللَّهَ يُقَدِّرُ مِنَ الأمورِ لإنْجاءِ أوليائهِ ما لا يخْطُرُ بالبالِ، وإلا فمَن يخطُرُ ببالِهِ أن هذه النارَ العَظيمةَ تكون بَرْدًا وسَلامًا؟ ولكنَّ اللَّه يُقَدِّرُ لأوليائِهِ مِن أسبابِ النَّجاةِ ما لا يخْطُرُ لهم على بالٍ.

стр. 110

الفَائِدةُ السَّادسَةُ: أن الجماداتِ تَعْرِفُ رَبَّها فتَمْتثِلُ لأمرِهِ؛ لأن اللَّه جَلَّ وَعَلَا قالَ لهذه النَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾. الفَائِدةُ السَّابِعة: أن الأسبابَ لا تَفْعَلُ فِعلَها إلا بإرادَةِ اللَّه ، فالأسبابُ مهما قَوِيَتْ لا تَفعلُ الفِعلَ إلا بإذنِ اللَّه ، فمعنى أن اللَّهَ تعالى قد يمْنَعُ تأْثِيرَها، فالنارُ سببٌ للإحْراقِ بلا شَكٍّ، وهنا سُلِبتْ هذه السَّبَبيةَ ولم تؤثِّر. الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن الآيات لا ينْتَفِعُ بها إلا المؤمنونَ، لقولِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقوله هذا لا ينَافي ما جاءَ في عِدَّةِ آياتٍ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وكقولِه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُتَفَكَّرُونَ﴾ وما أشبَه ذلك؛ لأن العَقلَ والتَّفَكُّرَ ونحوهما من مقْتَضَياتِ الإيمانِ، فكلَّما كانَ الإنسانُ أقْوَى إيمانًا كانَ أكثرَ عَقلًا وتفَكُّرًا، والتفكُّرُ أيضًا يدْعُو إلى الإيمانِ، فهُمَا متَلازِمَانِ. لو قالَ قائلٌ: هل ثبتَ أن أحدَ الصَّحابة نَجَا مِنَ النَّارِ بعدَ إلقائه فيها وكانت آيةً كإبراهيمَ ﵇؟ فالجواب: نعم ثبت ذلك، ذكره ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١)، وقال: إنه ما مِنْ آيةٍ لنبيٍّ سابِقٍ إلا كانت آيةً للنَّبِيِّ ﵊ أو أعظمَ، لكن منها ما جَرى للرَّسُولِ ﵊ نفْسِهِ، ومنها ما جَرَى لأمَّته، وما جَرى لأُمَّتِه فإنه من آياتِهِ لأنه يشهدُ بصِحَّةِ الطريقةِ التي هُم عليها، فيكونُ ذلك مِنْ آياتِ النَّبِيِّ ﵊.

стр. 111

الآية (٢٥) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. * * * قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقَالَ﴾ إبراهِيمُ ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ تَعْبُدُونَها، و (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ خبرُ (إن)، وعلى قِراءَةِ النَّصْبِ: مفعولٌ له، و (ما) كافَّةٌ، المعنى: تَوادَدُتْم على عِبادَتِهَا]. المُفَسِّر ﵀ بيَّن لنا أن قولَهُ: ﴿مَوَدَّةَ﴾ فيه قِراءتانِ سَبْعِيَّتانِ: قراءة الرفعِ: (مَوَدَّهُ) (١) وعلى هذه القراءةِ المُفَسِّر أعربَ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، لا كافَّة ولا موصولة، والتقديرُ على رأيه: إن اتِّخَاذِكُم من دون اللَّه أوْثَانًا مودةُ بيْنكم، فيكونُ المصدرُ المنْسَبِكُ مِن (ما) والفعل اسم (إن) و (مودة) خبرُ إن، ويكون قولُه: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ شِبْهُ الجملة حَالًا مِنْ أوثانٍ؛ لأنها قُدِّمَتْ عليها. وعلى قراءةِ النَّصْبِ يقولُ المُفَسِّر: إن (مودةَ) مفعولٌ لَهُ، يعني: مَفْعولًا لأجله، يعني: إنما اتَّخَذْتُم مِنْ دونِ اللَّهِ أوْثانًا لأجِل الموَدَّةِ بينكم، ولكن على هذه القراءة

стр. 112

(ما) كافة، فتكونُ داخِلَةً على (إن)، و (ما) الكافة إذا دخلتْ عَلَى (إن) تفيدُ الحَصْرَ، يعني: ما اتخذتُمُ الأوثانَ إلَّا لأجلِ الموَدَّةِ بينكم؛ هذا ما قاله المُفَسِّر. وقيل: إنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ -على قراءةِ الرَّفع- وإن العائدَ محذوفٌ، والتقدير: إن الذي اتَّخَذتُموه مِنْ دونِ اللَّهِ أوثانًا مودَّةُ بينكم، وعلى هذا التقْدِيرِ يكونُ مفعول (اتخذ) الأَوَّلَ محْذوفًا ومفعولها الثاني: أوْثَانًا، وعلى هذا فنقولُ: (إن): أداةُ توكيدٌ تَنْصِبُ الاسمَ وترفعُ الخبرَ. و(ما): اسمْهُا بمعنى الذي، و ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾: صلِةُ الموصُولِ، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: اتَّخذتمُوه، و ﴿أَوْثَانًا﴾ مفعولٌ ثان لـ (اتَّخذ)؛ لأن (اتخذ) تَنصبُ مفعولَينِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. وهذا التقديرُ الذي ذَكرْنَاه يُصلُح حتى على قِراءةِ النَّصْبِ: إن الذي اتَّخذْتمُوه أوثَانًا لأجلِ المودَّةِ بينكم لا ينفعكم، فيكون الخبرُ على قِراءةِ النَّصْبِ مَحذوفًا، والتقدير: لا ينْفَعُكُمْ. وعلى القول بأن (ما) مَصدَرِيَّة أو كافَّة، نقول: إن المفعولَ الثاني أيضًا محذوف، والتقدير: آلهةً؛ كقوله تعالى: ﴿قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ والمعنى: اتخذْتُم هذه الأوثانَ آلهةً موَدَّة بينكم. قَال المُفَسِّر ﵀: [المعْنَى: تَوادَدْتُمْ على عِبادَتهمْ]؛ لأنَّ أهلَ الشرِّ -والعياذ باللَّه- يتوادُّونَ على فِعلِ الشَّرِّ، كما أن أهلَ الخيير يتَنَاصَرُونَ أيضًا على فِعلِ الخيرِ، يعني: إن الذي اتخذْتمُوه أوثَانًا لا يجمَعُكم عليه إلا المودَّة. وقوله : ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ يجوزُ في كَلِمَةِ (بينَ) أن يضافَ إليها ما قَبْلهَا،

стр. 113

ويجوزُ أن تقطَعَ عَنِ الإضافَةِ، فيجوزُ في غيرِ القُرآن: مودَّةً بينكم، ويجوز: مودَّةَ بينِكم، وهي هنا على هذا الوجه. وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلِّقَةٌ بما قَبلَها، يعني أنها موَدَّةٌ في الحياة الدنيا فقط، فهؤلاءِ المشْرِكون يتوادُّونَ في الشِّرك في الدنيا فقط، فتَجِدُهم متَناصِرِين متَعاويينَ؛ لكن: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ومعنى قولِهِ: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾: يعْنِي: يُنْكِرُهُ، كقوله : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، وهذا لا شَكَّ أنه إنكارٌ وكُفْرٌ لبَعضِهِمْ ببَعْضٍ. ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، كقوله : ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨]، ومجادَلَةُ الأتْباعِ للمَتْبوعِينِ في عِدَّةِ آياتٍ مِن القرآنِ، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾، وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ وما أَشْبَهَ ذلِكَ. والحاصل: أن هذه الموَدَّة بينَ المُشْركينَ في الدُّنْيا فقط، أما يوم القيامة فإن كُلَّ واحدٍ منهُمْ يَتبَرَّأُ مِنَ الآخر ويُنكِرُه ويَلْعنُه أيضًا، وهذا لا شك أنه من أشَدِّ ما يكونُ مِنَ العُقوباتِ، لكنَّ المتَّقِينَ خُلَتُّهم باقيةٌ إلى يومِ القيامَةِ، قال : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وأما هؤلاءِ فإن المودَّةَ فيما بينهم تَزُولُ في الموقِفِ. وقوله: [﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يَتبَرَّأُ القَادةُ مِنَ الأَتْباعِ، ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يَلْعنُ الأتْباعُ القادَةَ]، وهذه الآية عامَّةٌ، يتَبَرَّأُ القادَةُ من الأتْباعِ

стр. 114

ويلْعَنُ الأتْباعُ القادَّةَ، وكذلك يَلْعنُ بعْضُهم بَعْضًا. قوله: [﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾، مَصِيرُكم جَمِيعًا]: فالمأْوَى بمَعْنى المصْير؛ لأنه مِنْ أَوْى يَأْوِي إذا صارَ إلى الشيءِ واتَّجَه إليه. قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه النَّارُ قد أعدَّهَا اللَّه للكافرين، وهي الآنَ موجودةٌ، ورآهَا النَّبِيُّ ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به، وهي نارٌ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يُدرِكَ في الدنيا ما فيها مِن العَذابِ، فإنها فُضِّلِتْ على نارِ الدُّنيا بتِسع وستِّينَ جُزءًا، والرسولُ ﵊ يقولُ: "عَلَى نَارِكُمْ هَذه" (١)، أي: على نارِ الدُّنيا، ونارُ الدُّنيا كما هو معروفٌ فيها نارٌ شَديدةُ الحرارةِ وفيها نَارٌ متوسطة وفيها نارٌ باردة بالنِّسْبَةِ لغَيرهَا، ومع ذلك فإنها تُقَاس بأعلى نارِ في الدنيا فتفَضَّل عليها بتِسعٍ وستِّينَ جزءًا. وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مَانِعِينَ عنْهَا]: ﴿مِنْ﴾: زائدِةٌ للتَّوكيدِ؛ لأن ﴿نَاصِرِينَ﴾ أصْلَهَا مبتدأٌ، وخبرُهُ قوله: ﴿لَكُمْ﴾ يعني: لا أحدَ ينْصُركُمْ فيمنَعُكُم مِنْ دُخولِ النار، وهذا كلامُ إبراهيم ﷺ لأنه قالَ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

стр. 115

من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الأصنامَ لا تنْفَعُ عابِدِيها. الفَائِدةُ الثَّانِية: أن غايَةَ ما يحصُلُ لهم من هذه الأصنامِ الموَدَّةُ بينهم في هذه الحياةِ الدنيا على الباطلِ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن أهلَ الباطِلَ قد يقَعُ بينهم موَدَّةٌ لحمايةِ باطِلهِمْ والانتصارِ على الحقِّ، ولكن هذا لا يدُومُ. الفَائِدةُ الرَّابِعة: أن هؤلاءِ الذين اجتَمَعوا على الباطِلِ إذا كانَ يوم القيامة؛ فإن بعْضَهُم يتَبرَّأُ من بعضٍ ويلْعَن بعضهم بعضًا، لقولِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. الفَائِدةُ الخامِسة: إثباتُ البعثِ، لقولِهِ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾، وسمِّي يومَ القيامَةِ لوجوهٍ ثلاثة: أولًا: أن الناسَ يقومُونَ فيه مِن قُبورِهِم. ثانيًا: أنه يقومُ فيه الأشْهَادُ الذين يَشْهدُونَ على الرُّسلِ أنهم بلَغُوا، وعلى الأمم بأنهم بُلِّغوا، وكذلك الجوارحُ تشْهَدُ على الإنسانِ بما عَمِل، كما قال اللَّه : ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. ثالثًا: أنه يُقامُ فيه العَدْلُ قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الفَائِدةُ السَّادسَة: إثباتُ النَّارِ، لقولِهِ: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾، وهي موجودةٌ الآن بدَليلِ قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].

стр. 116

الفَائِدةُ السَّابِعة: أن هؤلاءِ المشْرِكينَ لا يجِدُون من يمْنَعُهم مِنْ عذابِ اللَّه، لقولِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ فلا أحدَ يمْنعُهم مِن عذابِ اللَّه يوم القيامةِ. الفَائِدةُ الثَّامِنة: أن المتَّقِينَ تبْقَى مودَّتهم يومَ القِيامةِ، فهذهِ الفَائِدةُ ربما تُؤخَذُ مِنَ الآية بما يُسمَّى قياسُ العَكسِ، وقياسُ العكسِ أثْبتَهُ الرسولُ ﷺ في قوله: "وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ"، يعني الإنسانَ إذا جامعَ زوْجتَهُ فهو صَدَقَةٌ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ أيأْتِي أحَدُنا شَهوتَه ويكونُ له فِيهَا أجْرٌ؟ قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ" (١)، الجوابُ: نعم، يكونُ عليه وِزْرٌ، فكذَلكَ إذا وَضعَها في الحلالِ كانَ له أجْرٌ. هذا يُسَمَّى قياسُ العَكسِ، فمِنَ الممكنِ أن نقول: إذا كانَ هؤلاءِ المشركونَ يتبَرَّأُ بعضهم من بَعضٍ يوم القيامة ويلْعَنُ بَعضُهم بَعضًا، فالمتَّقُون الموحدُّون المخلِصُون على عكسِ ذلك، ومُرادِي هل يؤخذُ هذا الحُكم مِن هذه الآية، ولست أُريدُ إثباتَ الحكمِ نَفْسِهِ، فإن الحُكمَ ثابتٌ في آيةٍ أُخْرى، وهي قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. * * *

стр. 117

الآية (٢٦) * * * * قالَ اللَّه : ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. * * * قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ صَدَّقَ بإبراهيمَ، ﴿لُوطٌ﴾ وهو ابنُ أخِيهِ هارَان، ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ مِنْ قومِي، ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي: إلى حيثُ أمَرَنِي رَبِّي، وهَجَرَ قومَهُ، وهاجَرَ مِنْ سوادِ العِراقِ إلى الشَّامِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في مُلْكِه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صُنْعِهِ]. الإيمانُ في اللغةِ: التَّصدِيقُ، ولكنه ليس مطلْقَ التَّصديقِ، بل هو تَصديقٌ بطُمأنِينَةٍ؛ لأن مادة (آمن) هي مادَّةُ الأمْنِ، يعني فيها الهمزةُ والميمُ والنون، وعلى هذا فليسَ الإيمانُ مُطلَقَ التَّصديقِ، بل هو تَصديقٌ خاصٌّ متَضَمِّن للطمأنينة في الشيءِ، وهو يتعَدَّى بـ (اللام) كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾، وكذلك ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، ونحو ذلك مِنَ الآيات. ويتَعَدَّى أيضًا بـ (الباء) وهو كثيرٌ كما في قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وما أشْبَه ذَلِكَ. فهل هذا من بابِ التَّرادُفِ، أي: أن اللامَ بمَعْنَى الباءِ، والباء بمَعْنَى اللام، أم أن هناكَ فَرْقًا بينهما؟

стр. 118

يمكنُ أن يُقالَ: إنه من بابِ التَّرادُفِ وأن كلَّ واحدةٍ منهما -أي من اللام والباء- تأتي مَحِلَّ الأخْرى لكثرَةِ استعمالِ هذه وتلك، ويمكِنُ أن يقالَ بالتَّغَايُرِ، وأن اللامَ تدُلُّ على الاستِسْلامِ، وأما الباء فتَدُلُّ على طُمأنِينةٍ في القلب، فـ (اللام) للاستسلامِ فيُضَمَّنُ ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ بمعنى (انقاد)، وأما الباءُ فإنها تَدُلُّ على طمأنينة في القَلْبِ (فآمن به)، أي: اطْمَئنَّ به، واللَّه فرَّق بينهما في القُرآنِ الكريمِ في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]، وهذا في آيةٍ واحدَةٍ. فالظاهرُ -واللَّه أعلم- مِنْ موارِدِهِما في القرآنِ الكريمِ أنهما ليْستَا متَرادِفتينِ وأن بينهُما فَرْقًا، فما كانَ فيه معنى الطمأنينةِ فهو بالباءِ، وما كان مُضَمَّنًا لمعنى الانْقيادِ ولو ظاهِرًا فإنه يأتي باللَّامِ. مثالُ ذلك مِنَ القُرآنِ: سَحرةُ فرْعونَ، قال لهم فرعونُ مرَّة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ وقال مرة أخرى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فهل القولانِ معناهما واحد؟ الجواب: لا، بناءٌ على ما تقدَّمَ، فيكون معنى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾، أي: صدَّقْتُمْ به بطُمأنِينَةٍ واطمأنت قلوبُكُم بصِدقِهِ، ومعنى: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾، أي: تابَعْتُموهُ واستَسْلَمْتُمْ له، ولهذا قال لهم: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر﴾ [الشعراء: ٤٩]، وإذا أَخْذَنَا بمجموعِ الآيتين يكونُ المعنْى أنه قرَّرَ أنهم اطمأنوا بِهِ وانقَادُوا له، أي: أنهم مُعتَرفُونَ به وبصِدْقِه وانقَادُوا له أيضًا بسِحْرِهِ. وعلى هذا لا يَصِحُّ أن نقول: إن (الباء) و (اللام) إذا اجتمعا افتَرقَا في المعنى، وإذا افترقَا اجتَمعا؛ لأننا في الحقيقةِ لو تَتَبَّعْنا اللام لوجدناهَا تأتِي فِي أمورٍ لا تقْتَضي الطمأنينة، ولهذا لم يأتِ في القرآن: آمنت للَّه، لكن جاء: أسلمت للَّه، فتَنْزِلُ كُلَّ آيةٍ علَى معنى.

стр. 119

وهنا قالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ صَدَّقَ بإبْراهِيمَ]: وهذا يدُلُّ على أنه يَرَى أن اللام بمَعنَى الباءِ، فيَرَى المُفَسِّر أن ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ بمعنى آمنَ بِهِ، فـ (صَدَّقَ) تَفسيرُ ﴿فَآمَنَ﴾ و (بإبرْاهِيمَ) تفسير ﴿لَهُ﴾، ونحن نعلمُ أن لُوطًا ﵊ آمن لإبراهيمَ وبِهِ، فهو آمنَ به بقَلْبِهِ واطمأنَ إلى صِدْقِهِ، وكذلك انقادَ لَه، وتضَمَّنَ الإيمانُ هنا معنى الانقيادِ ومعنى الطُّمأنِينَةِ. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لُوطٌ﴾ وهُو ابنُ أَخيهِ هَارانَ]، يعْني: أن إبراهيمَ له أخٌ اسْمُه هارانَ بنُ آزر، وهارانَ له ابنٌ اسمْهُ لوطٌ. قوله: [﴿وَقَالَ﴾ إبراهِيمُ ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ مِنْ قومِي ﴿إِلَى رَبِّي﴾، أي: إِلى حيثُ أمَرنِي ربِّي، وهَجر قَومَهُ، وهاجَرَ مِنْ سوادِ العِراقِ إلى الشَّامِ]، المُفَسِّر يقول: إن الضميرَ في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ﴾ يعودُ إلى إبراهيمَ، وعلى هذا فَفِي التِّلاوة تقِفُ على: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ولا تَقُلْ: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ لأنك لو وصَلْتَ لأَوهَمَ أن القولَ من لُوطٍ ﵇. وقال بعضُ العلماءِ: إن الضميرَ يعودُ على لُوطٍ بناءً على ظاهِرِ السِّياقِ، وأن لوطًا ﵊ آمن وهاجَرَ فجمعَ بينَ الإيمانِ والهِجْرةِ. وقوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ (مفاعِلٌ) في اللغة العربية تَرِدُ على ما اشترك فيه اثنانِ فصَاعِدًا كما يقال: (مقاتِلٌ)، وتَرِد على ما ليس فيه إلا طرفٌ واحدٌ كما يقال: (مسافِر)، وكلمة ﴿مُهَاجِرٌ﴾ يحتمل أنها مما هو مُشتركٌ بينَ طَرفين، ويكون المعنى: أنه هَجَرَهُم وهم هَجَرُوه يُريدُونَ مُفارقَته، ويُحتَملُ أنها من باب ما فيه طرفٌ واحدٌ فقط كمُسافِرٍ، وتكون مهاجرٌ بمعنى هجر؛ فكلاهما محتمل. قوله: [﴿إِلَى رَبِّي﴾ إِلى حيثُ أمَرنِي رَبِّي]: يعني: إلى الجِهةِ التي أمَرهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ

стр. 120

أن يُسافِرَ إليها، هذا ما فسَّرهُ به المُفَسِّر ﵀، والغَريبُ أن بعض المحشِّينَ قال: إن المُفَسِّر ﵀ قال: [إلى حيثُ أمَرَنِي]، فرارًا من إثباتِ الجِهةِ للَّه؛ لأننا لو أخَذْنا بظَاهرِ الآية وهو قولُه: ﴿إِلَى رَبِّي﴾ لكان متَّجِهًا إلى اللَّه ذاته، وهم يرون أن اللَّه تعالى ليس في جِهةٍ، وهذا رأي الأشاعرةِ وكذلك مُعَطِّلِةُ الجهمِيَّةِ. فإن الجَهْمِيَّةَ انقَسَمُوا في مسألةِ الجِهةِ إلى قِسمين: * قِسمٌ حُلولِيَّةٌ، يَرَونَ أن اللَّه في كلِّ مكانٍ، وهؤلاء القدماءُ. * وقِسمٌ أهلُ التَّعطِيلِ، يَرونَ أنَّ اللَّه ليس في مكانٍ وليس في جِهةٍ، فيقولون: لا دَاخلَ العالم ولا خارِجَه، ولا متَّصِلٌ بالعالمِ ولا منْفصِلٌ عنه، ولا مُبايِنٌ ولا محايِدٌ. نسألُ اللَّه العَافِيةَ. وهذه الجِهَةُ يُتَوصَّلُ بها إلى إنكارِ عُلُوِّ اللَّه بذاتِهِ، فيقولون: إنك إذا قلت: إن اللَّهَ عالٍ بذاتِه على عرْشه، لزِمَ من ذلك أن يكون في جهةٍ، وإذا كان في جِهةٍ لَزمِ أن يكونَ متَحيِّزًا، والمتحيزُ محدودٌ، سبحان اللَّه! لا أدْرِي من أين جاءتهم هذه المقُدِّمَاتُ والنَّتائجُ، ونحنُ نقولُ لهم: مسألةُ الجِهةِ لا نُنكرُها في المعنى، ولكننَا ننكرُ جِهةً تحْصُرُ اللَّه ، أي: تُحيطُهُ به؛ لأن اللَّه تعالى محُيطٌ بكُلِّ شيءٍ، لكِننا نُثبتُ بأنَّ له جِهة هي العُلُوُّ. فالجهات ثلاث: * جِهة سُفْلٍ. * وجِهَةُ عُلُوٍّ محيطَةٌ باللَّه. * وجِهَةُ عُلُوٍّ لا تحيطُ به.

стр. 121

والمثْبَتُ هو جِهةُ العُلُوِّ التي لا تُحيط به، أما جِهة السُّفْلِ فمُمْتَنِعَة، وأما جِهةُ العلُّو التي تُحيطُ به فممتَنِعَةٌ أيضًا؛ لأنَّ اللَّه ليس فوقَهُ شيءٌ. إذنْ: كيفَ نُؤَوِّلُ قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّي﴾؟ القولُ الصحيحُ الرَّاجحُ أن قوله: ﴿إِلَى رَبِّي﴾، أي: إلى دِينِهِ، أي: إلى مكانٍ فيهِ دِينُ اللَّه، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أي: مَنْ ينْصُرُ دِينَهُ، وليس المرادُ أن دِينَ اللَّهِ موجودٌ في كل بُقْعَةٍ، ولو كان دِينُ اللَّهِ موجودًا في كلِّ بُقْعَةٍ ما خَرج ﵇ مِن مَكانِهِ. فالحاصلُ: أن الإنسانَ المهاجِرَ إلى دينِ اللَّه يلتَمسُ المكان الذي يُقيمُ فيه دِينَهُ، ولذلك صارَتِ المدينةُ دارَ هِجْرةٍ لما أُقيمَ فيها الدِّينُ، ولهذا يقولُ العلماءُ في الهجْرةِ: إنها الانتقالُ من بلدِ الشِّرْكِ إلى بلدِ الإسلامِ حيثُ يُقيمُ دِينَ اللَّهِ . وقوله: ﴿مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ (إلى): للغاية، وفيها الإشارةُ إلى حُسنِ نِيَّتِهِ وقصْدِهِ، قال النبي ﵊: "مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ" (١). وقَال المُفَسِّر ﵀: [وهَجَرَ قومَه، وهاجَر مِن سَوادِ العِراقِ إلى الشَّامِ]: سوادُ العِراقِ هو العِراقُ نفسه، أي: أرضُ العِراقِ، وسُمِّي سَوادًا لكثْرةِ نَخِيلهِ وأشْجارِهِ، والشَّامُ معروف. لو قال قائل: وَردَ في الحديثِ أن إبراهيمَ ﵇ قال لزَوجَتِهِ سَارة: "لَيْسَ

стр. 122

عَلى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ" (١). فهلِ المرادُ بالأرض في الحديثِ عامَّةُ الأرض أم ماذا؟ الجواب: قوله: [فِي الأرْضِ] ليس المرادُ عامَّة الأرضِ، بل الصَّحيح أن المرادَ أرضُ مصر؛ لأنَّ إبراهيم ﵇ قال هذا في مَصرَ لا في الشَّامِ. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ فِي مُلكِهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي صُنْعِهِ]: هكذا يجْرِي المُفَسِّر ﵀ في تفسيرِ هذين الاسْمينِ فيقولُ: العزيزُ في مُلكِهِ الحكِيمُ في صُنعِهِ، وهذا فيه شيءٌ مِنَ القُصورِ، فاللَّه عزيز بذَاتِهِ وبصِفاتِهِ، وعزَّتُه ثلاثةُ أنواعٍ: عِزَّة القَدْر، وعزة القَهْرِ، وعزَّة الامتِنَاعِ. أما عِزَّةُ الامتِناعِ فمعناها: أنه يمْتَنِعُ أن ينَالَه نقْصٌ في جميعِ صِفاتِهِ وأفعالِه. وأما عِزَّةُ القَدْرِ: فهي المنْزلِةُ والجَلالةُ والعظَمةُ. وأما عِزَّةُ القَهْرِ: فهي القُوَّةُ والسُّلطانُ، فهو الغالِبُ، ولهذا فسَّرَها كَثيرٌ مِنَ العُلماءِ بأنه الغَالبُ، وكذلك لا أحدَ ينَالُهُ بسُوءٍ، وكذلك لا ينَالُه نَقْصٌ في صِفاتِهِ. وأصلُ هذه المادة وهي العَيْن والزَّاي تدُلُّ على القوَّةِ، ومنه قولهُمْ للأرضِ الصَّلْبَةِ: أرض عَزازٌ (٢)، يعني: قَويَّةً صلْبةً، وقوله ﵀: [﴿الْحَكِيمُ﴾ فِي صُنعِهِ] فيه قُصورٌ؛ لأن حِكمةَ اللَّهِ لا تختَصُّ بصُنعِهِ في خَلقِهِ، بل هي في صُنعِهِ وشَرعِهِ، فهو حكيمٌ بما صنَعَ حَكيمٌ فيما شرعَ.

стр. 123

والحكيمُ ليستْ مِنَ الحِكمَةِ فقط؛ لأن الحكيمَ مِنَ الحِكمَةِ بمعنى المتَّقِنِ، ومن الحُكْم أيضًا، وفِعيلٌ كما تقدَّمَ في اسمِ الفاعِلِ تأتي بمعنى الفاعل للمبالَغَةِ، وأمثلِةُ المبالغَة كما قال ابنُ مالكٍ ﵀ (١): فَعَّالٌ أو مِفْعَالٌ أو فَعُولٌ ... . . . . . . . . . . . . ثم قال بعدها: . . . . . . . . . . . . . ... وفي فَعِيلٍ قَلَّ ذَا وفَعِلِ هذه خمسةٌ، إذن: فَعِيلٌ من حَكَمُ فهو حاكِمٌ، لكن صارت بمعنى حكيمٍ للمبالَغةِ، أو لكونها صِفَةٌ مشبَّهَة، فهي من الحُكْم وهو القضاءِ. وحُكمُ اللَّه ينْقَسِمُ إلى قسمين: كَونِيٍّ وشَرْعِيٍّ. مثال الكونِيِّ ما وردَ في قوله تعالى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠]، فهذا كوْنِيٌّ، ولهذا لم يقل: يحكْم عليَّ، قال: (يحكُمَ لِي)، يعني: يُقَدِّر لي، والحُكْم الشَّرعي مثلُ قولِهِ تعالى في سورةِ الممتَحنَةِ: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وأما قولُه: ﴿يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ في أوَّلِ سورةِ المائدةِ فيتنَاولُ الأمْرينِ، والحِكمةُ تكون في الشَّرعِ وتكون في القَدَر، وهي مشتَقَّةٌ من الإحْكامِ، بمعنى الإتْقانِ، وتكونُ في الشَّرعِ بمعنى أن جميعَ ما شَرعه اللَّهُ فهو موافق للحِكمَةِ، وتكون في القَدَرِ بمعنى: أن كلَّ ما قدَّرَه اللَّه فهو لحِكمَةٍ، كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾، فالفساد من حيث هو فسادٌ وجُودُهُ ليس بحِكمَةٍ؛

стр. 124

لأن اللَّه لا يحِبُّ الفسادَ، لكن للغايةِ التي سيؤولُ إليها هو حِكْمةٌ قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، فهذه هي الحكْمةُ، فكونُ أمورِ الخيرِ حِكمةً ظاهرٌ للجَميعِ. فوجودُ ما فيه الخير للعبادِ حكمتُه ظاهِرةٌ، ووجود ما فيه الشَرُّ للعِبادِ هذا لا يقَعُ مِنَ اللَّهِ إلا لحِكمَةٍ، ولهذا قالَ النبي ﵊: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (١)، فلم يَقُلْ: ليس منك، فالشَرُّ لا يُنْسَبُ إلى اللَّه، لكن كُلُّ ما يقَعُ من خَيرٍ أو شَرٍّ فهو مِنَ اللَّهِ، وهو الذي قَدَّرَهُ، لكن الشَرَّ لا يُقَدِّرُه اللَّه إلا لمصلحةٍ أعظمَ منه، وإذا كان لمصلحةٍ أعظمَ منه صارَ حكْمَةً. ولذلك تجدُ الأبُ الذي هو أرحمُ الخلقِ بابنه، يأتي به إلى الطَّبِيبِ ليُشَقَّ جلْدَهُ فيسيل دَمُه، هذا شَرٌّ؛ لأنه يؤلمُ الصَّبِيَّ، لكنه لمصلحتِهِ، فالعاقبِةُ حميدةٌ، ويأتي به إلى الطَّبيبِ ويقول: احمِ هذه الحديدَةَ على النَّارِ واكْوِهِ بها. والْكَيُّ شرٌّ في حَدِّ ذاته لكن غايَتَهُ حميدَةٌ. وكذلك في الخِتانِ يأتي بابنه إلى الخاتِنِ ويقولُ له: اقطَعِ جِلْدة من ذَكَرِ ولَدِي، فالموضوع حسَّاس وسيقَطعُ منه جِلْدة، لكنَّ العاقِبَة حَميدَةٌ، فالشَرُّ قد يكونُ خيرًا باعتبار ما يَؤولُ إليه وإن كان هو في حَدِّ ذاتِهِ شَرًّا. والحكمة أيضًا تكونُ في الشَّرْعِ، فكلُّ ما شَرعَهُ اللَّه فهو لحِكمَةٍ، شرعَ اللَّه في الزَّاني المحصَنِ أن يُرجَمَ بالحجارةِ، ولو قُتلَ بالسَّيفِ لكان أهونَ؛

стр. 125

لكن كونه يُرجَمُ بالحجارة ويُشهَّرُ به، فهذا لحِكمةٍ عظيمةٍ، وهي رَدْعُ غيره عن مواقَعَةِ هذا المحْذورِ، ثم مِنْ أجل أن هذا البدنَ الذي تَلَذَّذَ كُلَّهُ بالشيءِ المحرَّمِ ينبغي أن ينالَهُ ألمٌ مِنَ العقوبةِ. * * *

стр. 126

الآية (٢٧) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. * * * قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ بعدَ إسماعِيلَ ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ بَعدَ إسحَاقَ]. (الهبِةُ): معناهَا الإعطاءُ بدونِ ثوابٍ أو بدون عِوَضٍ، وكل ما تفَضَّل اللَّهُ به على عبادِهِ فهو بدون عِوَضٍ تفَضُّلًا منه . قوله: [﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ يعقوبُ بعدَ إسحاقَ]: وإنما جَعَلَ اللَّه يعقوبَ هبةً لإبراهيمَ لأنه ابنُ ابنِهِ، ولأنه وُلدَ في حياته، وأقرَّ اللَّه عَينَهُ به وهو حَيٌّ، كما قال اللَّه تعالى عن امرْأتِهِ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الضميرُ في قولِهِ: ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ يعودُ على إبراهيمَ، فالمرادُ بالذُّرِّيةِ هنا ذُرِّيةُ إبراهيمَ، وهنا خالفَ الضَّمِيرُ القاعدةَ فعادَ على المذكُورِ الأوَّلِ ولم يَعُدْ على أقربِ مذكورٍ، والغالبُ أن الضَّميرَ يعودُ إلى أقربِ مذكورٍ، لكنه قد يخرج عن هذه القاعِدَة، وذلك بحسب السِّياقِ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، فضميرُ الفَصلِ في قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ يعودُ على اللَّه جلَّ وَعَلَا،

стр. 127

مع أن إبراهيمَ أقربُ مذكورٍ. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ قدَّمَ الجارَّ والمجرورَ، أي: قدَّمَ الظرفَ على المظْروفِ -وهو النبوة والكتاب- إشارةً إلى الحَصْرِ، ولهذا قال أهل العلمُ: ما مِنْ نَبِيٍّ بعدَ إبراهيم إلا وهو مِن ذُرَّية إبراهيمَ ﵊، ولذلك يُكنَى إبراهيمُ ﵊ بأَبِي الأنبياء، ولذلك قال المُفَسِّر ﵀: [فكُلَّ الأنبياءِ بعدَ إبراهيمَ مِنْ ذُرِّيَتِهِ]. قوله: [﴿وَالْكِتَابَ﴾ بمَعنى الكُتُب؛ أي: التَّورَاةُ والإنْجيلُ والزَّبُورِ والفرقان]: فالكِتابُ مُفْردٌ يرادُ به الجِنْسُ، أي: التورَاةُ التي نَزَلتْ على مُوسى، والإنجيلُ الذي نَزلَ على عِيسَى، والزَّبُورُ الذي نزل على دَاودَ، والفُرقانُ الذي نَزل على مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ ﵀: [﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ وَهُو الثَّناءُ الحسنُ في كُلِّ أهلِ الأدْيانِ]: قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾، (أتى): نَصَب مَفعولَين أحدهما الهاءُ، والمفعول الثاني أجرُهُ. و(الأجْرُ): هو العِوَضُ، ومنه الأُجرةُ عِوضًا للعامِلِ عن عَملِهِ. وقوله: ﴿أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ هل نقولُ كما قال المُفَسِّر ﵀: [هُوَ الثَّناءُ الحسَنُ في كلِّ الأدْيانِ]، أو نقول: هو أعَمُّ؟ الصوابُ: أنه أعَمُّ من ذلك، فيشَمَلُ قُرَّةَ عينِهِ بأولادِهِ وانتَشارَهُم وكثْرتَهُم، وكذلك مِنَ الثَّناءِ الحسَنِ أن كلَّ الأديانِ ينْتَمونَ إليه ويُريدُون أن يكونُوا مِنْ أوليائِهِ، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ كما ادَّعَتِ اليهودُ، ﴿وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ كما ادَّعتِ النَّصَارَى، ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]،

стр. 128

ثم حكَمَ اللَّه تعالى بين الطَّوائفِ فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، (اللام) في قولِهِ: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ للتَّوكيدِ، فالجُملةُ مؤكَّدَةٌ بـ (إنَّ) و (اللام). وقوله: ﴿الصَّالِحِينَ﴾ أي الذين لهم الدَّرجاتُ العُلا، والمراد هنا أعْلى أنواعِ الصَّالحينَ وهم الأنبياءُ أو الرُّسلُ؛ لأن إبراهيمَ ﷺ مِنْ أُولِي العَزمِ الخمسةِ، وهم: مُحَمَّدٌ ﷺ ، وإبراهِيمُ ﵊، ومُوسى وعيسَى، ونُوحٌ ﵈. وقوله: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إذا جاءتِ (الصالحون) وحْدَهَا شَمِلَتْ كُلَّ الأجناسِ الأربعة، وهم: النَّبِيُّونَ والصَّدِّيقُونَ، والشُّهداءُ والصَّالحونَ. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: أن الذُّرِّيةَ التي يَمُنُّ اللَّهُ بها على العَبدِ مِنْ مِنَحِ اللَّه لقولِهِ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾، لكن هذه المِنْحةَ قد تكون مِحْنَةً إذا أضاعَ الإنسانُ حقَّ اللَّه فيهم، ثم هو مأجورٌ على تَرْبِيتِهِمْ وتَوجِيهِهِمْ، والغالبُ إذا قامَ الإنسانُ بما يجِبُ للَّه في تربِيَةِ أولادِهِ فإنهم يَصْلُحونَ ولو في المستَقْبَلِ. الفَائِدةُ الثَّانِيةُ: أن ابنَ الابنِ ابنٌ؛ لأن يعقوبَ ابنُ ابنِ إبراهيمَ، وجَعَل اللَّهُ إسحاقَ مَوهُوبًا لإبراهيمَ، ويدل لِذَلكَ قولُ الرسولِ ﵊ في الحسنِ ابنِ عَليِّ بنِ أبي طالب: "إِنَّ ابْنى هَذَا سَيِّدٌ" (١)، والعلماءُ أجْمَعوا في بابِ الميراثِ أنَّ ابنَ الابنِ بمنزلَةِ الابنِ عندَ فَقْده، وإذا كان ابنُ الابنِ ابنًا لَزِمَ أن يكونَ أبو الأبِ أبًا.

стр. 129

ولهذا يروَى عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنه قال في زيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁: "ألَا يتَّقِي اللَّهَ زَيدٌ يجْعَلُ ابنَ الابنِ ابنًا، ولا يجعَلُ أبا الأبِ أبًا" (١)، وهذا هو الصحيحُ، فيكون على هذا فيه دَلِيلٌ على سُقوطِ الإخْوَةِ بالجدِّ في بابِ الميراثِ. الفَائِدةُ الثَّالِثةُ: فضيلةُ إبراهيمَ ﵇ وبَركتُهُ لقولِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وهذا هو الثَّناءُ المبارَكُ، وذلك بأن يكون في ذُرِّيَّةِ الإنسانِ من يُعطِيهُ اللَّه النُّبُوَّةَ والكِتابَ، أما النُّبوة بعد محمَّدٍ ﷺ فمتَعِذِّرَةٌ ومُسْتَحِيلَةٌ، أما الكتابُ الذي هو العِلْمُ فربما يجعلُ اللَّه في ذُرِّيَّةِ الإنسانِ بركةً في العِلْمِ ونَشْرِهِ. ومن ذلك قِصَّةُ عبدِ اللَّه بن أبي طَلْحة حيثُ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ أن يبارِكَ اللَّهُ لأبي طَلْحَةَ في لَيلَتِهِ مع أهلِهِ، فصارَ لَعبدِ اللَّهِ هذا عَشْرَةٌ مِنَ الولَدِ كلُّهُم يحفْظُونَ القُرآنِ (٢)، وحِفْظُ القُرآنِ عندَ السلفِ ليس بالأمْرِ الهَيِّنِ كما هو عندنا الآن، الإنسانُ يحفَظُ القرآن ولكن لا يظْهَرُ عليه أَثَرُهُ، لكن عندَ السَّلَفِ إذا حَفظَ الإنسانُ القُرآنَ ظهَرَ عليه أَثَرُهُ بالسَّمْتِ والآدابِ والأخلاقِ والأعمالِ الصَّالحةِ. الفَائِدةُ الرَّابِعة: إثباتُ الجزاءِ، لقولِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾. الفائِدَتانِ الخَامِسةُ والسَّادِسَةُ: أن الإنسانَ قد يُعَجَّلُ له الجزاءُ في الدنيا، لقوله : ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾، وتَعْجِيلُ الجزاءِ للإنسانِ في الدنيا لا يُعَدُّ حِرمانًا له مِنْ أجرِ الآخِرَةِ، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وينْبَنِي

стр. 130

على هذه الفَائِدة أنَّ تَعْجِيلَ الثوابِ للإنسانِ في الدُّنَيا مِنْ نِعْمَةِ اللَّه على العبد؛ لأنَّ الإنسانَ يرَى أثرَ عَملِهِ فينشَطُ على العَملِ سواءٌ كان هذا الأثرُ في الأشياءِ الخارِجِيَّةِ أو كان في نفْسِ الإنسانِ، أي: في باطِنِهِ. مثال ذلك من ثوابِ الأعمالِ الصالحِةِ: أن يجِدَ الإنسانُ في قَلبِهِ السُّرورَ والنُّورِ والارتياحِ إلى العَملِ الصالحِ، وهذا لا شكَّ أنه من الثوابِ العاجِلِ، ومثالُ الأشياء الخارجية أن تُرى له مَرَاءٍ سارَّةً، كما أخبرَ النَّبِيُّ ﷺ بأن ذلك عاجلُ بُشْرى المؤمِنِ، أعنِي الرُّؤيا الصالحة يَراهَا الرجُلُ أو تُرَى له، قال النبي ﵊: "تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى المؤْمنِ" (١)، قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]. الفَائِدةُ السَّابِعة: يجوزُ الوصفُ بالمعنى الأعَمِّ دونَ الأخَصَّ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وجهُ ذلك أن وصْفَ الصَّلاحِ أعَمُّ من وصَفَ النُّبُوَّةَ، ويجوزُ أن يُوصفَ به النَّبِيُّ ﷺ ، والأنبياءُ في ليلَةِ المعراجِ يقولون للرسول ﷺ : "مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ" (٢). الفَائِدةُ الثَّامِنة: تأكيدُ الثَّناءِ على إبراهيم ﵇، لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حيثُ أُكِّدَتِ الجُملَةُ بـ (إن واللام). * * *

стр. 131

الآية (٢٨) * * * * قالَ اللَّه : ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٨]. * * * قَال المُفَسِّر ﵀: [(و) واذْكُرْ (لُوطًا)]: فيكونُ مَفْعُولًا لفعْلٍ محذوفٍ تقدِيرُهُ: (اذكر)، والأمرُ بذِكْرِ هؤلاءِ الفُضلاءِ مِنَ الأنبياءِ ليس لمجَرَّدِ الثناءِ عليهم وإعلاءِ رُتْبَتِهِمْ بينَ النَّاسِ، بل لهذا الغرضِ ولغرضٍ آخرٍ، وهو الاقتِدَاءُ بهِمْ واتِّبَاعُهم والصبرُ كما صَبروا. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ﴾ بتَحْقِيقِ الهَمْزتَينِ وتَسهيلِ الثانِيَةِ، وإدخالِ ألفٍ بينَهُما على الوَجْهَيْنِ في الموضُوعَينِ]: هذه قراءاتٌ في الآيَةِ، والمؤلِّفُ ﵀ ذَكَر القِراءاتِ التي في الآيَةِ ولم يُشِرْ إلى القِراءةِ التي في المصْحفِ، وكان ينبَغِي أن يُشيرَ إليها، وقوله ﵀: [بتَحْقيقِ الهَمْزَتَيْنِ]، أي: إثباتُ الهمْزتَيْنِ، وقولُهُ: [تَسْهيلُ الثَّانِيةِ]، التَّسْهيلُ: هو النُّطقُ بالهمزَةِ مسهَلَّةً بينَ الهمزةِ والحرْفِ الذي تشَكَّلْت منه، أي: تُنْطق بين الهَمزةِ والياءِ، والإدْخَالُ: هو إدخالُ أَلِفٍ بينَ الهمْزتَيْنِ هكذا "أائنَّكُمْ". قَال المُفَسِّر ﵀: [فِي الموضِعَيْنِ]، الموضعانَ هُما قوله : ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، والثاني قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل: ٥٥].

стр. 132

هذه القِصَّةُ كغَيرِها مِنَ القِصَص تَردُ في القرآنِ الكَريمِ على وُجُوه متَنَوِّعَةٍ، فكيف نجْمعُ بين هذه الوُجوهِ في قصَّةٍ واحِدَةٍ؟ نقول في الجمعِ: إن كان مما يمكن أن يتَكَرَّرُ فإنها تكون قد تكرَّرتْ على الوجهينِ، وإن كان مما لا يُمِكُنُ تكَرُّرِهِ فإن اللَّه تعالى يَحْكِيهَا بالمعنى هذا تارة وبالمعنى هذا تارة. مثال ذلك: يقولُ اللَّه في هذه الآيةِ في قصَّةِ لُوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ وفي آية أخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ النمل: ٥٤]، فَفِي هذه الآية قالَ : ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ وفي الآية الأُولَى قال: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا اختلافٌ، والجمعُ بينها الوجهُ الأَوَّلُ هو تعدُّدُ القولِ، فمرَّةً قال لهم: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ومرة قال لهم: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا لا إشكالَ فِيهِ. وكذلك في قصَّةِ فِرعونَ قال : ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، وفي سورة الأعراف: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، والجمعُ بينَ الآيتْينِ أن كلَّهُم قالوا ذلك. فإذا أمكنَ التَّعَدُّدُ سواءٌ مِنَ القائلِ أو بالقولِ حُمِلَ عليه، فإذا لم يمكن التَّعَدُّدُ يكونُ من بابِ نقْلِهِ بالمعنى، واللَّه يتكَلَّمُ به في كُلِّ موضِعٍ بما يُناسِبُه وبما تقْتَضِيهِ البلاغَةِ. قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾، اللام في قولِهِ: ﴿لَتَأْتُونَ﴾ لام التَّوكِيدِ، و (تأتون) بمعنى تَجِيئونَ، والاستفهامُ في قولِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ للإنكارِ والتَّوبِيخِ،

стр. 133

وأكَدَّ هذا الإنكارَ باللامِ. وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ اللام هنا للعَهْدِ، أي: الفاحِشَةُ المعلُومَةُ لديكم ودخلت (ال) عليها لعِظَمِها وقُبْحها، وفي بابِ الزِّنَا قالَ اللَّه : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وفي نِكاحِ المحَارِمِ قال : ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، فهذه ثلاثةُ تَعْبِيراتٍ، في اللُّواطِ وصَفَهُ اللَّه بالفاحِشَةِ بما نقله عن لُوطٍ، وفي باب الزِّنَا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، وفي نِكاحِ المحَارِمِ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾، إذنْ: نكاحُ المحارِمِ أعظمُ مِنَ الزِّنَا؛ لأنه وُصِفَ بوَصْفين سَيِّئَيْنِ: الفاحِشَةِ والمقْتِ، واللِّواطُ أقبحُ منهما من حيث الوصفِ فإنه الفاحِشَةُ التي تُسْتَفْحَشُ عند جميعِ النَّاسِ. قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿لتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أيْ: أَدْبَارَ الرِّجالِ]: -أعوذُ باللَّه- أدبارُ الرِّجالِ هذا لا شكَّ أنه فاحِشَةٌ، كلُّ ذِي عَقْلٍ سليمٍ يستَفْحِشُهُ، أما من نَكَسَ اللَّهُ قَلبَهُ فلا تَستَغْرِبْ إذا قال: ليس بفاحشةٍ، كما أن الذين يَعبدُونَ الأصنام يَرَونَ أن ذلك منْقَبَةً وحَسَنَةً، فكذلك الذين يفعلون هذه الفاحِشَةَ يستَحْسِنُونَ هذا الأمر، ومن عجبٍ أن الواحدَ منهم يأتي الذَّكَرَ في حال شَبابِهِ، وهذا المأتي إذا كَبِرَ أتى غيره فيكون فاعلًا ومفعولًا بِهِ. قوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ﴾. ﴿مَا﴾: نافِيَةٌ. ﴿مِنْ أَحَد﴾: فاعل (سبَق)، وحرفُ الجرِّ زائدٌ للتَّوكِيدِ، أي: ما سبَقَكُم بها أحدٌ.

стр. 134

﴿بِهَا﴾: هل نقولُ: إن (الباء) هنا بمعنى (على)، أي: ما سَبقَكُمْ عليها، أم نقول: إن الباءَ على معناها، أي: لم تُسْبَقُوا بها؟ الجواب: الباءُ هنا على معناها؛ لأننا لو قُلنَا: لم تُسْبَقوا عليها، لكان هذا فيمنْ أدركَ زَمنهُمْ وكانوا هم أسبقُ إلى هذا منه، أما إذا قُلنَا: ما سبقكم بها فهذا يقْتَضِي السبْقَ الزَّمَنِيَّ. قَال المُفَسِّر: [﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الإنْسِ والجِنِّ]: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ يجوزُ أن يكونَ عامًّا إلا فيما يُخَصِّصُهُ العَقْلُ كالملائكةِ فتَشمَلُ الجِنَّ والإنسَ، ويجوز أن يكونَ عامًّا أريدَ به الخاص، أي: من بَنِي آدَمَ، وأما البهائمُ فغَيرُ مكلَّفة. فقوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يريد زِيادَةَ التَّشْنيعِ عليهم، يعني: أنتم الذين سنَنَتُم هذه الطريقةَ، ومن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئةً فعليه وِزْرُها ووِزْرُ من عَملَ بها (١)، كأنه يقول لهم: لو سُبِقْتُم بهذه الفاحِشَةِ لكان لكم نوعٌ من العُذْرِ لكنكم ما سُبِقتم بها، فأنتمُ القُدْوَةُ فيها والعياذُ باللَّه. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: رَفعُ ذِكر هؤلاءِ الدُّعاةِ إلى اللَّه مِنَ الأنبياءِ وغيرهم؛ لأن قوله: [اذْكُرْ] يعْني: اذْكُرْهُ في موضِعِ الثَّناءِ، ولهذا قال اللَّه تعالى في القرآن في قصَّةِ مريمَ: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦].

стр. 135

الفَائِدةُ الثَّانِية: فضَيلَةُ لُوطٍ ﵇. الفَائِدةُ الثَّالِثة: التَّركيزُ على الأمر الذي انغْمَسَ فيه الناسُ وإن كان غيرُهُ أولى مِنْهُ؛ لأن لُوطًا ﵇ لم يُرَكِّز على التَّوحيدِ في هذه القصَّةِ، لكنه ركَّزَ على العملِ السائدِ بينَ الناس، وما مِنْ رَسولٍ إلا ويدْعو قومَهُ إلى التَّوحيدِ، ولهذا بعضُ النَّاسِ إذا رأى بعضَ الدُّعاة يُنْكرُ شَيئًا مُعَيَّنًا انغَمَسَ فيه الناس، قال: النَّاسُ أشدُ من هذا، لماذا تتكلَّمُ على هذا، في الفَخِّ أكبرُ من العُصفورِ، يعني: لا تَتكَلَّمْ عنِ الملاهِي أو عَنِ الميْسِرِ أو عنِ الرِّبَا والناس لا يُصَلُّون، لماذا لا تتكلم على تَركِهِمُ الصَّلاةَ. فنقول: لا مانِعَ أن يُرَكِّزَ الدُّعاةُ على ما انْغَمَسَ فيه الناسُ وإن كان غيرُهُ مما لم ينْغَمِسُوا فيه أهمَّ منه؛ لأن المقصودَ علاجُ هذا الدَّاءِ الذي انغْمَسَ فيه الناس. الفَائِدةُ الرَّابِعَةُ: فُحْشُ اللُّواطِ -والعياذ باللَّه-، وهو إتْيانُ الذَّكَرِ الذَّكرَ، ولا رَيبَ أنه مِنْ أعظَمِ الفواحِشِ، وفي الآية الكريمَةِ لم يذْكُرْ حَدَّ اللُّواط، وكذلك السُّنَّةُ ليس فيها أحاديثُ صحيحةٌ صريحةٌ في حدِّ اللُّواطِ، ولذلك اختلف أهلُ العِلم على ثلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأَوَّلُ: أن حدَّهُ القَتْلُ بكلِّ حالٍ، يعني: سواء كان الفاعِلُ والمفعولُ به محُصَنَيْنِ أم غيرَ محُصَنٍ، والمحْصَنُ: هو الذي تزوَّجَ وجامَعَ في نِكاحٍ صَحيحٍ، واستَدَلُّوا بقولِ النَّبِيِّ ﵊: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلوا الْفَاعِلَ، وَالمفْعُولَ بِهِ" (١)، وهو حديثٌ أدْنَى أحوالِهِ أن يكونَ حَسَنًا.

стр. 136

ثم إنَّ الصحابة ﵃ أجْمَعُوا على قَتْلِ اللُّوطِيِّ الفاعلَ والمفعولَ بِهِ، إلا أنهم اختلفوا كيف يُقْتَلُ؟ فقال بعضهم: إنه يُحَرَّقُ بالنار، وقال بعضُهم: إنه يُرْجَم بالحجَارَةِ، وقال آخرون: يُلْقَى مِنْ أعْلى مكانٍ في البلَدِ. والذي اختَارَهُ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية ﵀ (١) أن يُقْتَلَ الفاعِلُ والمفعولُ به؛ للحَديثِ والآثارِ عَنِ الصحابة ﵃، وللمَعْنى والقياسِ الصَّحيحِ؛ لأن هذه الفاحِشَةَ والعياذُ باللَّه لا يُمكنُ التَّحَرُّزُ منها، فإذا لم يكن لها رَادعٌ قَوِيٌّ استَشْرَتْ في الناس -والعياذُ باللَّه-؛ ولأنها قَتْلٌ للرُّجُولَةِ، فإن الإنسان يكونُ بمنزلَةِ المرأةِ. وأما كيفيةُ قتْلِهِ فالذي نرَى أن يُرجَع إلى رَأيِ الإمامِ فيُقْتَلُ بما يَراه أنْكى وأبْلغَ. القول الثاني: أن حَدَّهُ كحَدِّ الزَّانِي، يعني: إن كان مُحْصَنًا رُجِمَ، وإن كان غير مُحَصن فإنه يجلَدُ ويُغَرَّبُ، وهذا القولُ هو المشهور من مذهبِ الإمامِ أحمدَ، وقالوا: إن الحديثَ لا تقومُ به حُجَّةٌ، بمعنى أنه لا يَصِلُ إلى دَرجَةٍ يُستَباحُ بها دَمُ المسلمِ، واللواطُ فاحِشَةٌ بنَصِّ القرآن، فيجب أن يلْحَقَ بالفاحِشَةِ التي نَصَّ القرآن على حدِّهَا وهي الزِّنَا، فعليه يكون طريقُه طَريقُ الزِّنَا، فيُرْجَم المُحْصَن ويُجلَد غيرُ المُحْصَن ويغرب. لو قالَ قائلٌ: المذهبُ يأخُذونَ بآثارِ الصحابَةِ؛ لأن مِنْ أُصولِ أحمدَ العِلْمُ بقولِ الصَّحابِيِّ، فلماذا في هذه المسألة لم يأْخُذوا بالآثار التي ورَدَتْ عنِ الصحابة

стр. 137

في حدِّ اللُّوطِيِّ؟ فالجواب: إذا قيل: مذهبُ الإمامِ أحمدَ، فالمرادُ المذْهَبُ الاصطلاحيُّ لا المذهبُ الشَّخْصِيُّ، فقد يكونُ مذهبُ الإمامِ الشخصيِّ خلافَ المذهب الاصطلاحيِّ، فلذلك نَنسُبُه إلى الإمام أحمدَ اصطلاحًا. القول الثالثُ: أنه لا حدَّ فيه، وأنه يُكتَفَى فيه بالرَّادِعِ النَّفْسِيِّ، وما كان خبيثًا في النفوس فإنه لا حدَّ فيه بل يُكْتَفَى فيه بالرَّادِعِ النَّفْسِيِّ، فالبولُ أخبث من الخمْر، والخمر فيه حَدٌّ، والبولُ ليس فيه حَدٌّ لأن النفوس تنْفِرُ منه وتستَقْذِرُهُ، فاكتفى بالرادِعِ الطَّبيعِيِّ عن الرادِعِ التأْدِيبِيِّ، وهذا القول حكي عن أبي حنيفة ﵀، وهو قولٌ ضَعِيفٌ جِدًّا. وأما قولهُمْ: إنه مستَقْذَرٌ لا تأْلَفُه الطِّباعُ، فهذا صحيحٌ بالنسبة للطِّباعِ السَّليمَةِ، لكن بالنسبة للطِّباعِ المهِينَةِ فإنها تألَفُه، فهؤلاء قومُ لوط أمَّةٌ كلُّهُم على هذا الأمر، فكيف نقول: الذي يُسْتَقْذَرُ في الطباعِ السلِيمَةِ لا يرْدعُ بالتأدِيبِ، فالصوابُ أن هذا القولَ ضَعيفٌ جِدًّا، ولولا أنه قيل ما حَكَيْنَاهُ. الفَائِدةُ الخامِسة: ينْبَغِي ذِكْرُ ما يُنَفِّرُ عن العملِ السَّيئ، لقولِهِ: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، ووجه كونه مُنَفِّرًا لأنهم ليس لهم قُدْوَةٌ حتى يُعذَرُوا بها، وكذلك آثامُ مَنْ بَعدهُم تكونُ عليهم. الفَائِدةُ السَّادسَة: تأكيدُ الأمرِ المنْكَرِ بما يقْتضِيهِ الأُسلوبُ في اللغة العَربِيَّةِ، لقولِهِ: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ فإن (إن) و (اللام) للتوكيد. وكيف يُؤَكَّدُ هذا الأمرُ مع أنهم معتَرِفُونَ به؟

стр. 138

الجواب: لأنه نَزَّلَ غيرَ المنكَرِ منْزلِةَ المنْكَرِ؛ لأن ممارسَتَهُم لهذا الفعل يقْتَضي أنهم ينْكِرُونَ كونَه فاحشةً، فحالهُم تقْتَضِي أنهم يستَبِيحُون ذلك ولا يَرَوْنَهُ مُنْكرًا، فكونهم يمارِسونَهُ ولا يبالُونَ بها ويرونَهَا أمْرًا سَائغًا فهُمْ كالمنْكِرينَ لكونِهَا فاحِشَةً، ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥]، فـ (إنَّ) و (اللام) مؤكدَّةٌ للموتِ والموتُ لا شكَّ فيه، لكن أتى بالتوكيدِ مِنْ أجل أن فِعْلَ هؤلاءِ المشركين فِعْلُ المنْكِرِ للموتِ؛ لأن مَنْ أقَرَّ بالموتِ فلا بُدَّ أن يستَعِدَّ لَه، والآية ساقها اللَّه جَلَّ وَعَلَا في ذِكْر ابتداءِ الخلقِ وانتِهائهِ، ولهذا قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]. * * *

стр. 139

الآية (٢٩) * * * * قالَ اللَّه : ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. * * * قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ عبَّر بالإتيانِ كنايَةً عَنِ الجِماعِ؛ لأن القرآنُ يُكَنِّي عَمَّا يُسْتقْبحُ ذِكْره بما يدلُ عليه، وهذا كثيرٌ في اللغة العربية، ومثال آخر مِنَ القرآنِ قال اللَّه تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، فكَنَّى عن الجِماعِ بالإتيانِ. قوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل﴾ السَّبِيلُ: الطَّريقُ، وقطْعُهم الطريقَ له صِفتانِ: الصفةُ الأُولى: قَطعُ الطريقِ المعروفِ، وهو أن يتَعَرَّضُوا للناس بالسَّلْبِ والنَّهبِ والقتل، ويسمى عندنَا باللّغَةِ العامية: الحنشَلَة. الصفةُ الثانية: يَقْطعونَ السَّبِيلَ، أي: يتَسَبَّبونَ لعدمِ سُلوكِ الطُّرقِ بما يفعلونَ بأهْلِهَا؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [طَرِيقُ المارر بفِعْلِكُم الفَاحِشَة بمن يمُرُّ بِكُمْ، فتَرَكَ النَّاسُ الممَرَّ بِكُمْ]. هاتان خصلتانِ، والخصْلَةُ الثَّالثَةُ: [﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ نَادِيكُمْ، أي: متَحَدَّثكم]، فالنَّادِي، والمنتدى، والنَدِي، كلُّها أسماء لمكانِ الحديثِ والاجتماعِ بينِ الناسِ.

стр. 140

قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فِعْلَ الفَاحِشَةِ بِعضِكُم ببَعْضٍ]: المُفَسِّر ﵀ فسَّرَهُ بفِعْلِ الفاحِشَةِ، وعلى هذا يكونُ فيه تَكْرارٌ، والأصَحُّ أن المنكرَ أعمُّ من فِعل الفاحِشَةِ، وهو: كلُّ ما يُنْكَرُ عُرْفًا أو شَرْعًا؛ ذَكروا من ذَلِكَ أنهم يتلاكَزُون، يعني: بعضُهم يلْكِزُ بعْضًا مع عَجِيزَتِهِ، وذَكرُوا من ذلك أيضًا أنهم يتَضَارَطُونَ (١) الضَّرطةَ المعروفةَ، وذكروا من ذلك أيضًا أنهم يحلُّون أُزْرتَهم -أي: أزرَة القِباءِ- يعني كما تقول العامة يدْلُعُون، وهذه ليست منكرة لكن بعضهم ذكر ذلك، وكذلك الحذْفُ بالحصَى، وكذلك الكلامُ الذي يتضَمَّنُ السخرية والاستهزاءَ، المهِمُّ أن المنْكرَ هو كلُّ ما يُنْكَرُ عُرفًا أو شَرْعًا فهو عامٌّ في كل شيءٍ. وقد وُجِدَ في هذه الأمة من عَمِلَ عَملَ قومِ لوطٍ، وإذا سألت عن مجتمَعاتِهِمْ وجدتهم يفعلونَ مثلَ فِعل قومِ لوطٍ من السُّخْرِيَةِ والاستهزاء واللَّغَطِ واللَّهوِ وغير ذلك، والنبي ﷺ يقول: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (٢). قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ بعد هذا التَّوجِيهِ والإرْشادِ والإنْكارِ عليهم كان هذَا الجوابُ جوابَ المستكْبِرِ المتَحَدِّي. وقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ ﴿جَوَابَ﴾ بالنَّصْبِ على أنها خبرُ كانَ مُقَدَّمًا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ اسمْهَا مؤَخَّرٌ، التَّقْدِيرُ: (إلا قَولهُم).

стр. 141

وقوله: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ (ائتِ) فِعلُ أمْرٍ، والمرادُ به التَّعْجِيزُ والتَّحَدِّي، يعني: نتحداك أن تأتيَ بالعَذابِ الذي وَعْدتَنَا به. وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فِي استِقْباحِ ذلِكَ، وأن العذابَ نازِلٌ بفَاعلِيهِ]: وهذه الجملةُ شرْطِيَّةٌ قيل: لا تحتاجُ في مِثْلِ هذا التركيبِ إلى جوابِ شرطٍ، للعِلْم به مما سبق، وقيل: إنه محذوفٌ دلَّ عليه ما سبَقَ، والأصحُّ الأول، وهو الذي اختارَهُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ (١)، وقال: إذا كان في الكلامِ ما يدُلُّ على المحذوفِ فلا حاجة إلى تَقْديرِهِ لأنه نوعٌ مِنَ العبَثِ. وقول هؤلاءِ الكفَّارِ للُوطٍ: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أبلغُ من قَولهِمْ: (إن كُنتَ صَادقًا)؛ لأن كلَّ إنسانٍ يحبُّ أن يكون مِنَ الصَّادِقِينَ، لكن لو قالوا: (إن كُنتَ صادِقًا) لكان المعنى صادقًا في هذه المسألَةِ بخُصوصِهَا، أما قولُهم: ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: الموصُوفِينَ بالصِّدْقِ، وهذا أشدُّ في التَّحَدِّي، فكأنهم يقولون: إنك من عِدادِ الكَاذِبينَ ولست من عِدادِ الصَّادِقِينَ، فإن كنتَ مِنْ عِدادِهم فائْتِنَا بما تَعِدُنا. ماذا كان جوابُ لوطٍ ﵇؟ كان جوابُه ﵇ أن لجأَ إلى اللَّهِ فقَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾. من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: ما كان عليه قومُ لُوطٍ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ غيرَ فاحِشَةِ اللِّوَاطِ؛ من قطْعِ السَّبيلِ وإتيانِ المنْكَرِ في نادِيهِم، لقولِه تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ

стр. 142

وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾. الفَائِدةُ الثَّانِية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء القومِ واستِكْبارِهِم. الفَائِدةُ الثَّالِثة: أن لُوطًا حذَّرَهُمْ مِن عذابِ اللَّهِ، لقولِهِ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾. الفَائِدةُ الرَّابِعة: أنه ينْبَغِي للدَّاعِيَةِ أن يَدْعُو مبَشِّرًا ومُنْذِرًا ولا يقولُ: إذا أنْذَرْتُ نَفَّرْتُ؛ لأن الإنذارَ قد يكونُ لا بُدَّ منه. الفَائِدةُ الخامِسة: أن مجَرَّدَ الإيمانِ باللَّهِ لا يُدْخِلُ الإنسانَ في الإيمانِ، فإن هؤلاءِ القومِ كانوا مُقِرِّينَ باللَّه لقَولهِمْ: ﴿بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ فليس مُجَرَّدُ كونِ الإنسانِ يؤمِنُ بأن للخليقَةِ ربًّا مدبِّرًا يُدْخِلُه هذا في الإيمان. الفَائِدةُ السَّادِسَةُ: أن هؤلاءَ القَوْمِ مُكَذِّبُونَ للوطٍ ﵇، لقَولهِمْ: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. * * *

стр. 143

الآية (٣٠) * * * * قالَ اللَّه : ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠]. * * * قوله: ﴿رَبِّ﴾ مُنادَى، وحُذِفَتْ ياءُ النِّداءِ تَخْفِيفًا، وللبَدَاءةِ بـ (باسم اللَّه) ، وهي منصوبَةٌ لأنها منَادَى مَضَافٌ، فأصلُها (ربي) ولهذا كُسِرَتِ الباءُ للدَّلالَةِ على الياءِ المحْذوفَةِ. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ اعلَمْ أن مادَةَ (نَصَرَ) تتَعَدَّى أحيانًا بـ (مِنْ) وأحيانًا تتعَدَّى بـ (على)، فإن تَعَدَّتْ بـ (مِنْ) فمعناها: المنْعُ والإنْجاءُ، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أي: منَعْنَاهُ، وإن تَعَدَّتْ بـ (على) كان مَعْناهُ: الظُّهورُ والغَلَبَةُ. وأحيانًا لا تَتَعَّدَى بـ (من) ولا بـ (على) فتَشْمَلُ المعْنَيْينِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وأمثلتُها كَثِيرة. وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ [محمد: ٧]، الظاهر أنه يَشْمَلُ الأنواعَ الثلاثةَ إن تَنْصُروا اللَّه يعنِي: تَمنَعُوا دِينَهُ مِنَ الاعتداءِ عليه، وكذلك تَنْصُروه بمحاولةِ إعلاءِ

стр. 144

هذا الدِّينِ، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ هذا المنع، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، هذا الظُّهورُ. فالحاصلُ: أن مادة (نَصَرَ) لها ثلاثةُ استعمالاتٍ: تارَّة تتَعَدَّى بـ (من) وتارَّة تَتَعَّدَى بـ (على) وتارة تأْتِي مُطْلَقَةً، فقولُه : ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ هنا تَعَدَّتْ بـ (على) فيكونُ معنَاها الظُّهُورُ والغَلَبَةُ، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بتَحْقِيقِ قَولِي فِي إنْزالِ العَذَابِ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾]. وقوله: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ذَكَرَ حالَ المَدْعُوِّ عليهم من باب التَّوَسُّلِ؛ لأن كلَّ وصْفٍ يسْتَوْجب الإجابة فإنه يُعتَبَرُ وسيلَةً، وقد ذَكَرْنا فيما سبَقَ أن التَّوَسُّلَ إلى اللَّه أنواعٌ، منها التَّوَسُّلُ بذِكْرِ حالِ الدَّاعِي كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وهنا التَّوَسُّلُ بحالِ المَدْعُوِّ عليهم. وقولُهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأن إفْسادَهُم يقْتَضِي إهلاكَهُمْ وذُلَّهم والغَلَبَة والظُّهورَ عليهم. وقَال المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ أَيْ: العَاصِينَ بإِتْيانِ الرِّجالِ، فاستَجَابَ دُعاءَهُ]: وهذا تَفْسِيرٌ للشَّيْءِ بسَبَبهِ؛ لأن المعصِيَةَ سببُ الفسادِ، قال اللَّه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولا شكَّ أن فِعْلَ قومِ لُوطٍ مِنْ أعظمِ الفَسادِ في الأرْضِ.

стр. 145

من فوائد الآية الكريمة: الفَائِدةُ الأُولَى: جوازُ الدُّعاءِ على القَومِ إذا أَيِسَ مِنْ صَلاحِهِمْ وتَمرَّدُوا تمَرُّدًا بالِغًا، ولهذا لما قالَ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾، وتحَدُّوه قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾، وأيضًا نُوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، والنَّبِيُّ ﷺ قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِني يُوسُفَ" (١)، ولكنَّ الرَّسولَ ﷺ قيَّدَ ذلِكَ؛ لأن سِنِي يوسُفَ سبعُ سنواتٍ مع أن قولَهُ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ليس بظاهِرٍ في الدُّعاءِ عليهم، لكن لو تأَمَّلْنا الآية وجَدْنَا أنه يقْصِدُ النصرَ عليهم بما تَحَدُّوه به وهو قولُهم: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، وإلا فمُجَرَّدُ قولِهِ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يَدُلُّ على أنَّه دَعا علَيْهِمْ، لكن لما قالُوا لَهُ: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، دَعَا اللَّهُ أن ينْصُرَهُ عليهم بأن يُظهر صِدْقَه فيما تَوعَّدهُمْ به. الفَائِدةُ الثَّانِية: ضرورةُ الإنسان إلى ربِّهِ جَلَّ وَعَلَا مهما عَلَتْ مَنْزِلتَهُ. الفَائِدةُ الثَّالِثة: إثباتُ ما يستَلْزِمَهُ الدعاء، ودُعاءُ اللَّهِ يستَلْزِمُ أُمورًا، منها: إثباتُ العِلْم للَّه جَلَّ وَعَلَا؛ لأنَّ مَنْ لا يعْلَمُ لا يُدْعَى ولا يستطيعُ أن يأْتِيَ بما دُعِيَ. وكذلك يستلزمُ الدعاءُ إثباتَ السَّمعِ للَّه جَلَّ وَعَلَا، ويستَلْزِمُ أيضًا إثباتُ القُدْرةِ لأن من لا يَقدر لا يُدْعَى، ولو أنك رأيت شخصًا زَمِنًا أو أَشَلَّ فإنه لا يُمْكِنُ أن تُطلَبَ منه أن يُساعِدَك في حَمْلِ شيءٍ مَثَلًا.
следующие страницы →